الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 52 الطور > الآيات ٣٥-٤٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟
والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟
والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟
أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ.
والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟
فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ.
والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ الخالِقُونَ ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟
لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى.
قَوْلُهُ: تَعالى ﴿ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ.
يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ.
﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ.
﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟
والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ.
والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ : « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ومَعْنى ﴿ هُمُ المَكِيدُونَ ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها.
﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟
والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ.
ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"