الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 68 القلم > الآيات ١-٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةسُورَةُ القَلَمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ إلّا ما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: "ن" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: "ن والقَلَمِ" النُّونُ في آخِرِ الهِجاءِ مِن نُونٍ ظاهِرَةٍ عِنْدَ الواوِ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءُ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ لا يُبِينُ النُّونَ مِن "نُونٍ" .
وبِها قَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "نُونِ والقَلَمِ" بِكَسْرِ النُّونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "نُ والقَلَمِ" بِرَفْعِ النُّونِ.
وَفِي مَعْنى نُونِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الدَّواةُ.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: « "أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ"» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحُوتُ الَّذِي عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ أبِي ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَوْحٌ مِن نُورٍ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.
والخامِسُ: أنَّهُ افْتِتاحُ اسْمِهِ "نَصِيرٍ"، و"ناصِرٍ"، قالَهُ عَطاءٌ.
والسّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.
وَفِي "القَلَمِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكْتُبُ بِهِ النّاسُ.
وإنَّما أقْسَمَ بِهِ، لِأنَّ كُتُبَهُ إنَّما تُكْتَبُ() و"يَسْطُرُونَ" بِمَعْنى: يَكْتُبُونَ.
وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.
وفِيما أرادُوا بِما يَكْتُبُونَهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الذِّكْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعْمالُ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ الكَتَبَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِإنْعامِ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ بِمَجْنُونٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ.
وتَأْوِيلُهُ: فارَقَكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكَ ﴾ بِصَبْرِكَ عَلى افْتِرائِهِمْ عَلَيْكَ، ونِسْبَتِهِمْ إيّاكَ إلى الجُنُونِ ﴿ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ، ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الطَّبْعُ الكَرِيمُ.
وحَقِيقَةُ "الخُلُقِ" ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ، فَسُمِّيَ خُلُقًا، لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ في صاحِبِهِ.
فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ فَيُسَمّى: "الخِيمَ" فَيَكُونُ الخِيمُ: الطَّبْعَ الغَرِيزِيَّ، والخُلُقُ: الطَّبْعُ المُتَكَلَّفُ.
هَذا قَوْلُ الماوَرْدِيِّ.
وقَدْ «سُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ.» تَعْنِي: كانَ عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.
وهَذا وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ.
والمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ "بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ" وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: المَجْنُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والمَعْنى: الَّذِي قَدْ فُتِنَ بِالجُنُونِ.
والرّابِعُ: المُعَذَّبُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي الباءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وأنْشَدُوا: نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ والثّانِي: أنَّها أصْلِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ كَوْنُها لَغْوًا بِجائِزٍ في العَرَبِيَّةِ في قَوْلِ أحَدٍ مِن أهْلِها.
وَفِي الكَلامِ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.
أحَدُهُما: أنَّ المَفْتُون ها هُنا: الفُتُونُ.
والمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ.
تَقُولُ العَرَبُ لَيْسَ: هَذا مَعْقُودَ رَأْيٍ، أيْ: عَقْدَ رَأْيٍ، وتَقُولُ: دَعْهُ إلى مَيْسُورِهِ، أيْ: يُسْرِهِ.
والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الجُنُونُ.
والثّانِي: بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ بِالفِرْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، أمْ بِفِرْقَةِ الكُفّارِ؟
فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ الفِرْقَتَيْنِ المَجْنُونُ.
وقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ نَحْوَ ما شَرَحَهُ الزَّجّاجُ.
وقَدْ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِي أيٍّ المَفْتُونُ" .
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.
<div class="verse-tafsir"