الآية ١ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ١ من سورة القلم

نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة القلم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة " ن " وهي مدنية .

قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول " سورة البقرة " ، وأن قوله : ( ن ) كقوله : ( ص ) ) ق ) ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور ، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته .

وقيل : المراد بقوله : ( ن ) حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط ، وهو حامل للأرضين السبع ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان - هو الثوري - حدثنا سليمان - هو الأعمش - عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس قال : أول ما خلق الله القلم قال : اكتب .

قال : وما أكتب ؟

قال : اكتب القدر .

فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة .

ثم خلق " النون " ورفع بخار الماء ، ففتقت منه السماء ، وبسطت الأرض على ظهر النون ، فاضطرب النون فمادت الأرض ، فأثبتت بالجبال ، فإنها لتفخر على الأرض .

وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن سنان ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش به .

وهكذا رواه شعبة ، ومحمد بن فضيل ، ووكيع ، عن الأعمش ، به .

وزاد شعبة في روايته : ثم قرأ : ( ن والقلم وما يسطرون ) وقد رواه شريك ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان - أو مجاهد ، - عن ابن عباس فذكر نحوه .

ورواه معمر ، عن الأعمش : أن ابن عباس قال .

.

.

فذكره ، ثم قرأ : ( ن والقلم وما يسطرون ) ثم قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس قال : إن أول شيء خلق ربي عز وجل القلم ، ثم قال له : اكتب .

فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة .

ثم خلق " النون " فوق الماء ، ثم كبس الأرض عليه .

وقد روى الطبراني ذلك مرفوعا فقال : حدثنا أبو حبيب زيد بن المهتدي المروذي ، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أول ما خلق الله القلم والحوت ، قال للقلم : اكتب ، قال : ما أكتب ؟

قال : كل شيء كائن إلى يوم القيامة " .

ثم قرأ : ( ن والقلم وما يسطرون ) فالنون : الحوت .

والقلم : القلم .

حديث آخر في ذلك : رواه ابن عساكر ، عن أبي عبد الله مولى بني أمية ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن أول شيء خلقه الله القلم ، ثم خلق " النون " وهي : الدواة .

ثم قال له : اكتب .

قال وما أكتب ؟

قال : اكتب ما يكون - أو : ما هو كائن - من عمل ، أو رزق ، أو أثر ، أو أجل .

فكتب ذلك إلى يوم القيامة ، فذلك قوله : ( ن والقلم وما يسطرون ) ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة ، ثم خلق العقل وقال : وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ، ولأنقصنك ممن أبغضت " .

وقال ابن أبي نجيح : إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال : كان يقال : النون : الحوت العظيم الذي تحت الأرض السابعة .

وذكر البغوي وجماعة من المفسرين : إن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السماوات والأرض ، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن ، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن فالله أعلم .

ومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا حميد ، عن أنس : أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فأتاه فسأله عن أشياء ، قال : إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي ، قال : ما أول أشراط الساعة ؟

وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟

وما بال الولد ينزع إلى أبيه ؟

والولد ينزع إلى أمه ؟

قال : " أخبرني بهن جبريل آنفا " .

قال ابن سلام : فذاك عدو اليهود من الملائكة .

قال : " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب .

وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد حوت .

وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت " .

ورواه البخاري من طرق عن حميد ، ورواه مسلم أيضا ، وله من حديث ثوبان - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي ، عن ثوبان : أن حبرا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مسائل ، فكان منها أن قال : فما تحفتهم ؟

- يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة - قال : " زيادة كبد الحوت " .

قال : فما غذاؤهم على أثرها ؟

قال : " ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها " .

قال : فما شرابهم عليه ؟

قال : " من عين فيها تسمى سلسبيلا " .

وقيل : المراد بقوله : ( ن ) لوح من نور .

قال ابن جرير : حدثنا الحسين بن شبيب المكتب ، حدثنا محمد بن زياد الجزري ، عن فرات بن أبي الفرات ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ( ن والقلم وما يسطرون ) لوح من نور ، وقلم من نور ، يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة " وهذا مرسل غريب .

وقال ابن جريج أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام .

وقيل : المراد بقوله : ( ن ) دواة ، والقلم : القلم .

قال ابن جرير : حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، وقتادة في قوله : ( ن ) قالا هي الدواة .

وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدا ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا الحسن بن يحيى ، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أمية ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " خلق الله النون ، وهي الدواة " .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب ، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله ، حدثنا ثابت الثمالي ، عن ابن عباس قال : إن الله خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم ، فقال : اكتب .

قال : وما أكتب ؟

قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول به بر ، أو فجور ، أو رزق مقسوم ، حلال ، أو حرام .

ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه : دخوله في الدنيا ، ومقامه فيها كم ؟

وخروجه منها كيف ؟

ثم جعل على العباد حفظة ، وللكتاب خزانا ، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم ، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم ، فتقول لهم الخزنة : ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا فترجع الحفظة ، فيجدونهم قد ماتوا .

قال : فقال ابن عباس : ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة يقولون : ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) [ الجاثية : 29 ] ؟

وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل .

وقوله : ( والقلم ) الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله ( اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) [ العلق : 3 - 5 ] .

فهو قسم منه تعالى ، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم ; ولهذا قال : ( وما يسطرون ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : يعني : وما يكتبون .

وقال أبو الضحى ، عن ابن عباس : ( وما يسطرون ) أي : وما يعملون .

وقال السدي : ( وما يسطرون ) يعني الملائكة وما تكتب من أعمال العباد .

وقال آخرون : بل المراد ها هنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة .

وأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ، ويونس بن حبيب قالا : حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا عبد الواحد بن سليم السلمي ، عن عطاء - هو ابن أبي رباح - حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال : دعاني أبي حين حضره الموت فقال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن أول ما خلق الله القلم ، فقال له : اكتب .

قال : يا رب وما أكتب ؟

قال : اكتب القدر [ ما كان ] وما هو كائن إلى الأبد " .

وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق ، عن الوليد بن عبادة ، عن أبيه به .

وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به .

، وقال : حسن صحيح غريب .

ورواه أبو داود في كتاب " السنة " من سننه ، عن جعفر بن مسافر ، عن يحيى بن حسان ، عن ابن رباح ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن أبي حفصة - واسمه حبيش بن شريح الحبشي الشامي - عن عبادة فذكره .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي ، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا رباح بن زيد ، عن عمر بن حبيب ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنه كان يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أول شيء خلقه الله القلم ، فأمره ، فكتب كل شيء " .

غريب من هذا الوجه ، ولم يخرجوه وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( والقلم ) يعني : الذي كتب به الذكر .

.

وقوله : ( وما يسطرون ) أي : يكتبون كما تقدم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( ن ) فقال بعضهم: هو الحوت الذي عليه الأرَضُون.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس، قال: أوّل ما خلق الله من شيء القلم، فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، فخلقت منه السماوات، ثم خلق النون فبسطت الأرض على ظهر النون، فتحرّكت الأرض فمادت، فأثبت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض، قال: وقرأ: ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ).

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، أو مجاهد عن ابن عباس، بنحوه، إلا أنه قال: فَفُتِقَتْ مِنْهُ السموات.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثني سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: أوّل ما خلق الله القلم، قال: اكتب، &; 23-524 &; قال: ما أكتب؟

قال: اكتب القدر، قال: فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون، ورفع بخار الماء، ففُتِقت منه السماء و بُسِطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال، فإنها لتفخر على الأرض.

حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن فُضَيل، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: " أوّل ما خلق الله من شيء القلم، فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب؟

قال: اكتب القدر، قال فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة، ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات، ثم خلق النون فدُحيت الأرض على ظهره، فاضطرب النون، فمادت الأرض، فأُثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض ".

حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس نحوه.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، أن إبراهيم بن أبي بكر، أخبره عن مجاهد، قال: كان يقال النون: الحوت الذي تحت الأرض السابعة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، قال: قال معمر، ثنا الأعمش، أن ابن عباس قال: إنّ أوّل شيء خُلق القلم، ثم ذكر نحو حديث واصل عن ابن فضيل، وزاد فيه: ثم قرأ ابن عباس: ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن ابن عباس، قال: إن أوّل شيء خلق ربي القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه.

وقال آخرون: ( ن ) حرف من حروف الرحمن.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عبد الله بن أحمد المروزي، قال: ثنا عليّ بن الحسين، قال: ثنا أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس الر و حم و ( ن ) حروف الرحمن مقطعة.

حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا عباس بن زياد الباهلي، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قوله: الر و حم و ( ن ) قال: اسم مقطع.

وقال آخرون: ( ن ) : الدواة، والقلم: القلم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا أخي عيسى بن عبد الله، عن ثابت البناني، عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: &; 23-525 &; اكتب، فقال: ما أكتب؟

قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل معمول، برّ أو فجور، أو رزق مقسوم حلال أو حرام، ثم ألزم كلّ شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف؛ ثم جعل على العباد حفظة وللكتاب خزانا، فالحفظة ينسخون كلّ يوم عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل، أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا؛ قال: فقال ابن عباس: ألستم قوما عربا تسمعون الحَفَظة يقولون: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله: ( ن ) قال: هو الدواة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن قتادة، قال: النون: الدواة.

وقال آخرون: ( ن ) : لوح من نور.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن شبيب المكتّب، قال: ثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ )" لوح من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة لوح &; وقال آخرون: ( ن ) : قَسَم أقسم الله به.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) يُقْسِم الله بما شاء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله الله: ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) قال: هذا قسم أقسم الله به.

وقال آخرون: هي اسم من أسماء السورة.

وقال آخرون: هي حرف من حروف المعجم؛ وقد ذكرنا القول فيما جانس ذلك من حروف الهجاء التي افتتحت بها أوائل السور، والقول في قوله نظير القول في ذلك.

واختلفت القرّاء في قراءة: ( ن ) فأظهر النون فيها وفي يس عامة قرّاء الكوفة خلا الكسائيّ، وعامة قرّاء البصرة، لأنها حرف هجاء، والهجاء مبني على الوقوف عليه وإن اتصل، وكان الكسائيّ يُدغم النون الآخرة منهما ويخفيها بناء على الاتصال.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان فصيحتان بأيتهما قرأ القارئ أصاب، غير أن إظهار النون أفصح وأشهر، فهو أعجب إلىّ.وأما القلم فهو القلم المعروف، غير أن الذي أقسم به ربنا من الأقلام: القلم الذي خلقه الله تعالى ذكره، فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة.

حدثني محمد بن صالح الأنماطي، قال ثنا عباد بن العوّام، قال: ثنا عبد الواحد بن سليم، قال: سمعت عطاء، قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت كيف كانت وصية أبيك حين حشره الموت؟

فقال: دعاني فقال: أي بنيّ اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله، ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشرّه، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنَّ أوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ خَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ، قالَ: يَا رَبّ وَما أكْتُبُ؟

قال: اكْتُبَ القَدَرَ، قالَ فَجَرَى القَلَمُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا كانَ وَما هُوَ كائِنٌ إلى الأبَدِ".

حدثني محمد بن عبد الله الطوسي، قال: ثنا عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا رباح بن زيد، عن عمرو بن حبيب، عن القاسم بن أبي بزّة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنه كان يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أوَّلُ شَيْء خَلَق اللهُ القَلَمَ وأمَرَهُ فَكَتَبَ كُلَّ شَيْء ".

حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك بإسناده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد قال: قلت لابن عباس: إن ناسا يكذّبون بالقدر، فقال: إنهم يكذّبون بكتاب الله، لآخذّن بشَعْر أحدهم، فلا يقصَّن به، إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا، فكان أوّل ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فُرغ منه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو هاشم، أنه سمع مجاهدًا، قال: سمعت عبد الله - لا ندري ابن عمر أو ابن عباس قال -: إن أوّل ما خلق الله القلم، فجرى القلم بما هو كائن؛ وإنما يعمل الناس اليوم فيما قد فُرِغ منه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني معاوية بن صالح؛ وحدثني عبد الله بن آدم، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح، عن أيوب بن زياد، قال: ثني عباد بن الوليد بن عُبادة بن الصامت، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبي عُبادة بن الصامت: يا بنيّ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنَّ أوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( ن وَالْقَلَمِ ) قال: الذي كُتِبَ به الذكر.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، أخبره عن إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد، في قوله: ( ن وَالْقَلَمِ ) قال: الذي كتب به الذكر.

وقوله: ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) يقول: والذي يخُطُّون ويكتبون.

وإذا وُجِّهَ التأويل إلى هذا الوجه كان القسم بالخلق وأفعالهم.

وقد يحتمل الكلام معنى آخر، وهو أن يكون معناه: وسطرهم ما يسطرون، فتكون " ما " بمعنى المصدر.

واذا وُجه التأويل إلى هذا الوجه، كان القسم بالكتاب، كأنه قيل: ن والقلم والكتاب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) قال: وما يَخُطُّون.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) يقول: يكتبون.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) قال: وما يكتبون.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) : وما يكتبون، يقال منه: سطر فلان الكتاب فهو يَسْطُر سَطْرا: إذا كتبه؛ ومنه قول رُؤبة بن العجَّاج: إنّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا (1) ------------------ الهوامش : (1) البيت في ديوان رؤبة بن العجاج الراجز (ديوانه طبع ليبسج 174).

وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن عند قوله تعالى: ( والقلم وما يسطرون ) قال: وما يكتبون قال رؤبة: "إني وأسطار..." البيت.

والأسطار: جمع سطر، وهو الصف من النخل أو من حروف الكتابة المنسوقة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تفسير سورة ن والقلممكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر .

وقال ابن عباس وقتادة : من أولها إلى قوله تعالى : سنسمه على الخرطوم مكي .

ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى : أكبر لو كانوا يعلمون مدني .

ومن بعد ذلك إلى قوله : يكتبون مكي .

ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى : من الصالحين مدني ، وما بقي مكي ; قاله الماوردي .بسم الله الرحمن الرحيمقوله تعالى : ن والقلم وما يسطرونقوله تعالى : ن والقلم أدغم النون الثانية في هجائها في الواو أبو بكر والمفضل وهبيرة وورش وابن محيصن وابن عامر والكسائي ويعقوب .

والباقون بالإظهار .

وقرأ عيسى بن عمر بفتحها ; كأنه أضمر فعلا .

وقرأ ابن عباس ونصر وابن أبي إسحاق بكسرها على إضمار حرف القسم .

وقرأ هارون ومحمد بن السميقع بضمها على البناء .

واختلف في تأويله ; فروى [ ص: 207 ] معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ن لوح من نور " .

وروى ثابت البناني أن " ن " الدواة .

وقاله الحسن وقتادة .

وروى الوليد بن مسلم قال : حدثنا مالك بن أنس عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة وذلك قوله تعالى : ن والقلم ثم قال له : اكتب .

قال : وما أكتب ؟

قال : ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثر .

فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة - قال - ثم ختم فم القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة .

ثم خلق العقل فقال الجبار : ما خلقت خلقا أعجب إلي منك ، وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت ، ولأنقصنك فيمن أبغضت " قال : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعملهم بطاعته " .

وعن مجاهد قال : ن الحوت الذي تحت الأرض السابعة .

قال : والقلم الذي كتب به الذكر .

وكذا قال مقاتل ومرة الهمداني وعطاء الخراساني والسدي والكلبي : إن النون هو الحوت الذي عليه الأرضون .

وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال : أول ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن ، ثم رفع بخار الماء فخلق منه السماء ، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره ، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال ، وإن الجبال لتفخر على الأرض .

ثم قرأ ابن عباس " ن والقلم " الآية .

وقال الكلبي ومقاتل : اسمه البهموت .

قال الراجز :مالي أراكم كلكم سكوتا والله ربي خلق البهموتاوقال أبو اليقظان والواقدي : ليوثا .

وقال كعب : لوثوثا .

وقال : بلهموثا .

وقال كعب : إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرضون فوسوس في قلبه ، وقال : أتدري ما على ظهرك يا لوثوثا من الدواب والشجر والأرضين وغيرها ، لو لفظتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع ; فهم ليوثا أن يفعل ذلك ، فبعث الله إليه دابة فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه ، فضج [ ص: 208 ] الحوت إلى الله عز وجل منها فأذن الله لها فخرجت .

قال كعب : فوالله إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت .

وقال الضحاك عن ابن عباس : إن ن آخر حرف من حروف الرحمن .

قال : " الر " ، و " حم " ، و " ن " ; الرحمن تعالى متقطعة .

وقال ابن زيد : هو قسم أقسم تعالى به .

وقال ابن كيسان : هو فاتحة السورة .

وقيل : اسم السورة .

وقال عطاء وأبو العالية : هو افتتاح اسمه نصير ونور وناصر .

وقال محمد بن كعب : أقسم الله تعالى بنصره للمؤمنين ; وهو حق .

بيانه قوله تعالى : وكان حقا علينا نصر المؤمنين وقال جعفر الصادق : هو نهر من أنهار الجنة يقال له نون .

وقيل : هو المعروف من حروف المعجم ، لأنه لو كان غير ذلك لكان معربا ; وهو اختيار القشيري أبو نصر عبد الرحيم في تفسيره .

قال : لأن " ن " حرف لم يعرب ، فلو كان كلمة تامة أعرب كما أعرب القلم ، فهو إذا حرف هجاء كما في سائر مفاتيح السور .

وعلى هذا قيل : هو اسم السورة ، أي هذه السورة " ن " .

ثم قال : " والقلم " أقسم بالقلم لما فيه من البيان كاللسان ; وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من في السماء ومن في الأرض ; ومنه قول أبي الفتح البستي :إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم وعدوه مما يكسب المجد والكرمكفى قلم الكتاب عزا ورفعة مدى الدهر أن الله أقسم بالقلموللشعراء في تفضيل القلم على السيف أبيات كثيرة ; ما ذكرناه أعلاها .

وقال ابن عباس : هذا قسم بالقلم الذي خلقه الله ; فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة .

قال : وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض .

ويقال : خلق الله القلم ثم نظر إليه فانشق نصفين ; فقال : اجر ; فقال : يا رب بم أجري ؟

قال بما هو كائن إلى يوم القيامة ; فجرى على اللوح المحفوظ .

وقال الوليد بن عبادة بن الصامت : أوصاني أبي عند موته فقال : يا بني ، اتق الله ، واعلم أنك لن تتقي ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده ، والقدر خيره وشره ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب .

فقال : يا رب ، وما أكتب ؟

فقال : اكتب القدر .

فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد " وقال ابن عباس : [ ص: 209 ] أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن ; فكتب فيما كتب : تبت يدا أبي لهب .

وقال قتادة : القلم نعمة من الله تعالى على عباده .

قال غيره : فخلق الله القلم الأول فكتب ما يكون في الذكر ووضعه عنده فوق عرشه ، ثم خلق القلم الثاني ليكتب به في الأرض ; على ما يأتي بيانه في سورة " اقرأ باسم ربك " .قوله تعالى : وما يسطرون أي وما يكتبون .

يريد الملائكة يكتبون أعمال بني آدم ; قاله ابن عباس : وقيل : وما يكتبون أي الناس ويتفاهمون به .

وقال ابن عباس : ومعنى وما يسطرون وما يعلمون .

و " ما " موصولة أو مصدرية ; أي ومسطوراتهم أو وسطرهم ، ويراد به كل من يسطر أو الحفظة ; على الخلاف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقسم تعالى بالقلم، وهو اسم جنس شامل للأقلام، التي تكتب بها [أنواع] العلوم، ويسطر بها المنثور والمنظوم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( ن ) اختلفوا فيه فقال ابن عباس : هو الحوت الذي على ظهره الأرض .

وهو قول مجاهد ومقاتل والسدي والكلبي .

وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال : أول ما خلق الله القلم ، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون فمادت الأرض ، فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض ثم قرأ ابن عباس : ( ن والقلم وما يسطرون ) .

واختلفوا في اسمه ، فقال الكلبي ومقاتل : [ اسمه ] يهموت .

وقال الواقدي : ليوثا .

وقال كعب : لويثا .

وعن علي : اسمه بلهوث .

وقالت الرواة : لما خلق الله الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه ، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب ، باسطتين قابضتين على الأرضين السبع ، حتى ضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار ، فأهبط الله - عز وجل - من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة ، وجعل قرار قدمي الملك على سنامه ، فلم تستقر قدماه فأخذ الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة عام فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه ، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ، ومنخراه في البحر فهو يتنفس كل يوم نفسا فإذا تنفس مد البحر وإذا [ رد ] نفسه جزر البحر فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار [ فخلق ] الله تعالى صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه " [ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل ] فتكن في صخرة " ولم يكن للصخرة مستقر ، فخلق الله نونا وهو الحوت العظيم ، فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر ، والبحر على متن الريح ، والريح على القدرة .

يقال : فكل الدنيا كلها بما عليها حرفان قال لها الجبار : [ جل جلاله ] كوني فكانت .

قال كعب الأحبار : إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس إليه ، فقال له : أتدري ما على ظهرك يا لويثا من الأمم والدواب والشجر والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك ، فهم لويثا أن يفعل ذلك فبعث الله دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله منها فأذن لها الله فخرجت .

قال كعب : فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت .

وقال بعضهم : نون آخر حروف الرحمن ، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس .

وقال الحسن وقتادة والضحاك : النون الدواة .

وقيل : هو قسم أقسم الله به .

وقيل : فاتحة السورة .

وقال عطاء : افتتاح اسمه نور وناصر .

وقال محمد بن كعب : أقسم الله بنصرته للمؤمنين .

( والقلم ) [ هو ] الذي كتب الله به الذكر ، وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض ، ويقال : أول ما خلق الله القلم ونظر إليه فانشق بنصفين ، ثم قال : اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك .

( وما يسطرون ) يكتبون أي ما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ن» أحد حروف الهجاء الله أعلم بمراده به «والقلم» الذي كتب به الكائنات في اللوح المحفوظ «وما يسطرون» أي الملائكة من الخير والصلاح.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(ن) سبق الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة.

أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس، وبما يكتبون من الخير والنفع والعلوم.

ما أنت -أيها الرسول- بسبب نعمة الله عليك بالنبوة والرسالة بضعيف العقل، ولا سفيه الرأي، وإن لك على ما تلقاه من شدائد على تبليغ الرسالة لَثوابًا عظيمًا غير منقوص ولا مقطوع، وإنك -أيها الرسول- لعلى خلق عظيم، وهو ما اشتمل عليه القرآن من مكارم الأخلاق؛ فقد كان امتثال القرآن سجية له يأتمر بأمره، وينتهي عما ينهى عنه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة " القلم " بأحد الحروف المقطعة ، وهى آخر سورة فى ترتيب المصحف ، افتتحت بواحد من هذه الحروف .

أما بالنسبة لترتيب النزول ، فقد تكون أول سورة نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم فى السور المفتتحة بالحروف المقطعة .وقد قلنا عند تفسيرنا لسورة البقرة : وردت هذه الحروف المقطعة تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة ، أو أربعة ، أو خمسة .فالسور التى تدئت بحرف واحد ثلاث سور وهى : ص ، ق ، ن .والسور التى بدئت بحرفين تسع سور وهى : طه ، يس ، طس ، وحم ، فى ست سور ، وهى : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف .والسور التى بدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة وهى : " ألم " فى ست سور ، وهى : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة .و ( الر ) فى خمس سور : وهى : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر .و ( طسم ) فى سورتين وهما : الشعراء ، والقصص .وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الرعد ، " الر " والأعراف " المص " .وهناك سورتان - أيضا - بدئنا بخمسة أحرف ، وهما : " مريم " " كهيعص " والشورى : " حم عسق " فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة : تسعا وعشرين سورة .هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجال خلافهم فى رأيين رئيسيين :الرأى الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهى من المتشابه الذى استأثر الله - تعالى - بعلمه .وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى بعض الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى ، وسفيان الثورى وغيرهم من العلماء .فقد أخرج ابن المنذر عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور .ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها .وعن على بن أبى طالب أنه قال : " إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة الكتاب حروف التهجى " .وفى رواية أخرى عن الشعبى أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه "ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ ، لم ينتف الإِفهام عنها عند كل أحد ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور .وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأى ، يضيق المجال عن ذكرها .أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله - تعالى - بعلمه .وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى :أ - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة " ص " وسورة " يس " .ولايخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .ب - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة ، للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى .ج - وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعهضا من أسماء الله - تعالى - ، وبعضها من صفاته ، فمثلا : ( ألم ) أصلها : أنا الله أعلم .د - وقيل : إنها اسم الله الأعظم .

إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلوا من مقال ، والتى أوصلها الإمام السيوطى فى كتابه " الإتقان " إلى أكثر من عشرين قولا .ه - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والبلاغة ، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .وفضلا عن ذلك ، فإن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم ، إلى الإِنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم .

وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سببا فى هدايتهم واستجابتهم للحق .هذه خلاصة لآراء العلماء فى الحروف المقطعة ، التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " البرهان " للزركشى .

وكتاب " الإتقان " للسيوطى ، وتفسير " الآلوسى " .ولفظ " ن " على الرأى الذى رجحناه ، يكون إشارة إلى إعجاز القرآن .

.

.وقيل : هو من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .

.وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى ، لا يعتمد عليها لضعفها ، ومن ذلك قولهم : إن " نون " اسم لحوت عظيم .

.

أو اسم للدواة .

.

.

وقيل : " نون " لوح من نور .

.والواو فى قوله : ( والقلم ) للقسم ، والمراد بالقلم : جنسه ، فهو يشمل كل قلم يكتب به و " ما " فى قوله ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) موصولة أو مصدرية .و ( يَسْطُرُونَ ) مضارع سطر - من باب نصر - ، يقال : سطر الكتاب سطرا ، إذا كتبه ، والسطر : الصف من الشجر وغيره ، وأصله من السطر بمعنى القطع ، لأن صفوف الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ ن ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: الأقوال المذكورة في هذا الجنس قد شرحناها في أول سورة البقرة والوجوه الزائدة التي يختص بها هذا الموضع أولها: أن النون هو السمكة، ومنه في ذكر يونس ﴿ وَذَا النون  ﴾ وهذا القول مروي عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدي ثم القائلون بهذا منهم من قال: إنه قسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، ومنهم من قال: إنه قسم بالحوت الذي احتبس يونس عليه السلام في بطنه، ومنهم من قال: إنه قسم بالحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه والقول الثاني: وهو أيضاً مروي عن ابن عباس واختيار الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة، ومنه قول الشاعر: إذا ما الشوق يرجع بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق و(تارة) يتحرى بالكتابة والقول الثالث: أن النون لوح تكتب الملائكة ما يأمرهم الله به فيه رواه معاوية بن قرة مرفوعاً والقول الرابع: أن النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة لأنا إذا جعلناه مقسماً به وجب إن كان جنساً أن نجره وننونه، فإن القسم على هذا التقدير يكون بدواة منكرة أو بسمكة منكرة، كأنه قيل: وسمكة والقلم، أو قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن نصرفه ونجره أو لا نصرفه ونفتحه إن جعلناه غير منصرف.

والقول الخامس: أن نون هاهنا آخر حروف الرحمن فإنه يجتمع من الرحمن ن اسم الرحمن فذكر الله هذا الحرف الأخير من هذا الاسم، والمقصود القسم بتمام هذا الاسم، وهذا أيضاً ضعيف لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية، بل الحق أنه إما أن يكون اسماً للسورة أو يكون الغرض منه التحدي أو سائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.

المسألة الثانية: القراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ فمن أظهرها فلأنه ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها، وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما بعدها، وإذا انفصلت مما بعدها وجب التبيين، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال، ووجه الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو ﴿ الم * الله  ﴾ وقولهم في العدد واحد إثنان فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمنا أنها في تقدير الوصل وإذا وصلتها أخفيت النون وقد ذكرنا هذا في ﴿ طس  ﴾ و ﴿ يس  ﴾ وقال الفراء: وإظهارها أعجب إلي لأنها هجاء والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل.

وقوله تعالى: ﴿ والقلم ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن القسم به هو الجنس وهو واقع على كل قلم يكتب به من في السماء ومن في الأرض، قال تعالى: ﴿ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ  ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ  عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ﴾ فمنّ بتيسير الكتابة بالقلم كما منَّ بالنطق فقال: ﴿ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ  عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ  ﴾ ووجه الانتفاع به أن ينزل الغائب منزلة المخاطب فيتمكن المرء من تعريف البعيد به ما يتمكن باللسان من تعريف القريب والثاني: أن المقسم به هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن أول ما خلق الله القلم، قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من الآجال والأعمال، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض، وروى مجاهد عنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.

قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز، لأن القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال، بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله: ﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف، بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة، ومن الناس من زعم أن القلم المذكور هاهنا هو العقل، وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه روي في الأخبار أن أول ما خلق الله القلم، وفي خبر آخر: أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السموات ومن الزبد الأرض، قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض.

قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ .

اعلم أن ما مع ما بعدها في تقدير المصدر، فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابة، ويحتمل أن يكون المراد المسطور والمكتوب، وعلى التقديرين فإن حملنا القلم على كل قلم في مخلوقات الله كان المعنى ظاهراً، وكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم، وقيل: بل المراد ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم وسطرهم، أي ومسطوراتهم.

وأما إن حملنا القلم على ذلك القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ أي وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ، ولفظ الجمع في قوله: ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، أو يكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من الأعمال والأعمار، وجميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.

واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ ن والقلم ﴾ بالبيان والإدغام، وبسكون النون وفتحها وكسرها، كما في ص.

والمراد هذا الحرف من حروف المعجم: وأمّا قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي أم شرعي؟

ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوين، وإنّ كان علماً فأين الإعراب، وأيهما كان فلا بد له من موقف في تأليف الكلام.

فإن قلت: هو مقسم به وجب إن كان جنساً أن تجرّه وتنوّنه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجرّه، أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت: إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب، والنهر في الجنة نحو ذلك، وأقسم بالقلم: تعظيماً له، لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة، ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف ﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ وما يكتب من كتب وقيل ما يسطره الحفظة وما موصولة أو مصدرية ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لهم كأنه قيل: وأصحاب القلم ومسطوراتهم.

أو وسطورهم، ويراد بهم كل ما يسطر، أو الحفظة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ ن مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ن ﴾ مِن أسْماءِ الحُرُوفِ، وقِيلَ: اسْمُ الحُوتِ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ أوِ البَهَمُوتُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُ، أوِ الدَّواةُ فَإنَّ بَعْضَ الحِيتانِ يُسْتَخْرَجُ مِنهُ شَيْءٌ أشَدُّ سَوادًا مِنَ النَّفْسِ يُكْتَبُ بِهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ سُكُونُهُ وكَتْبُهُ بِصُورَةِ الحَرْفِ.

﴿ والقَلَمِ ﴾ وهو الَّذِي خَطَّ اللَّوْحَ، أوِ الَّذِي يَخُطُّ بِهِ أقْسَمَ بِهِ تَعالى لِكَثْرَةِ فَوائِدِهِ وأخْفى ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ النُّونَ إجْراءً لِلْواوِ المُنْفَصِلِ مَجْرى المُتَّصِلِ، فَإنَّ النُّونَ السّاكِنَةَ تَخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ إذا اتَّصَلَتْ بِها.

وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ، وقُرِئَتْ بِالفَتْحِ والكَسْرِ كَـ ( ص ) .

﴿ وَما يَسْطُرُونَ ﴾ وما يَكْتُبُونَ والضَّمِيرُ لِـ ( القَلَمِ ) بِالمَعْنى الأوَّلِ عَلى التَّعْظِيمِ، أوْ بِالمَعْنى الثّانِي عَلى إرادَةِ الجِنْسِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الأدِلَّةِ وإجْراؤُهُ مَجْرى أُولِي العِلْمِ لِإقامَتِهِ مَقامِهِمْ، أوْ لِأصْحابِهِ أوْ لِلْحَفَظَةِ وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ.

﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ جَوابُ القِسْمِ والمَعْنى ما أنْتَ بِمَجْنُونٍ مُنْعِمًا عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ وحَصافَةِ الرَّأْيِ، والعامِلُ في الحالِ مَعْنى النَّفْيِ وقِيلَ: بِمَجْنُونٍ الباءُ لا تَمْنَعُ عَمَلَهُ فِيما قَبْلَهُ لِأنَّها مَزِيدَةٌ، وفِيهِ نَظَرٌ مِن حَيْثُ المَعْنى.

﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا ﴾ عَلى الِاحْتِمالِ والإبْلاغِ.

﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ مَقْطُوعٌ أوْ مَمْنُونٌ بِهِ عَلَيْكَ مِنَ النّاسِ فَإنَّهُ تَعالى يُعْطِيكَ بِلا تَوَسُّطٍ.

﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ إذْ تَتَحَمَّلُ مِن قَوْمِكَ ما لا يَتَحَمَّلُ أمْثالُكَ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ خُلُقِهِ  فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ن} الظاهر أن المراد به هذا الحرف من حروف المعجم وأما قول الحسن إنه الدواة وقول

ابن عباس إنه الحوت الذي عليه الأرض واسمه تهموت فمشكل لأنه لا بد له من الإعراب سواء كان اسم جنس أو اسم علم فالسكون دليل على أنه من حروف المعجم {والقلم} أي ما كتب به اللوح أو قلم الملائكة أو الذي يكتب به الناس أقسم به لما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف {وَمَا يَسْطُرُونَ} أي ما يسطره الحفظة أو ما يكتب به من الخير من كتب وما موصولة أو مصدرية وجواب القسم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ القَلَمِ هِيَ مِن أوائِلِ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ بِمَكَّةَ فَقَدْ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ  ﴾ ثُمَّ هَذِهِ ثُمَّ المُزَّمِّلُ ثُمَّ المُدَّثِّرُ.

وفي البَحْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ فِيها بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ وفي الإتْقانِ اسْتُثْنِيَ مِنها ﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ - إلى- ﴿ يَعْلَمُونَ  ﴾ ومِن ﴿ فاصْبِرْ ﴾ - إلى- ﴿ الصّالِحِينَ  ﴾ فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ حَكاهُ السَّخاوِيُّ.

وفِي جَمالِ القُرّاءِ وآيُها ثَنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً بِالإجْماعِ ومُناسَبَتُها لِسُورَةِ المُلْكِ عَلى ما قِيلَ مِن جِهَةِ خَتْمِ تِلْكَ بِالوَعِيدِ وافْتِتاحِ هَذِهِ بِهِ.

وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ في آخِرِ المُلْكِ التَّهْدِيدَ بِتَغْوِيرِ الماءِ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ في هَذِهِ بِإذْهابِ ثَمَرِ أصْحابِ البُسْتانِ في لَيْلَةٍ بِطائِفٍ طافَ عَلَيْهِمْ وهم نائِمُونَ فَأصْبَحُوا ولَمْ يَجِدُوا لَهُ أثَرًا حَتّى ظَنُّوا أنَّهم ضَلُّوا الطَّرِيقَ، وإذا كانَ هَذا في الثِّمارِ وهي أجْرامٌ كَثِيفَةٌ فالماءُ الَّذِي هو لَطِيفٌ أقْرَبُ إلى الإذْهابِ ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ هُنا ﴿ وهم نائِمُونَ ﴾ ﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ  ﴾ وقالَ جَلَّ وعَلا هُنا ﴿ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا  ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُسْرى عَلَيْهِ في لَيْلَةٍ كَما أسْرى عَلى الثَّمَرِ في لَيْلَةٍ انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

وقالَ أبُو حَيّانٍ فِيهِ: إنَّهُ ذَكَرَ فِيما قَبْلُ أشْياءَ مِن أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ وذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وعِلْمَهُ تَعالى الواسِعَ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَوْ شاءَ لَخَسَفَ بِهِمُ الأرْضَ أوْ لَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ حاصِبًا وكانَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ هو ما أوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ  فَتَلاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ الكُفّارُ يَنْسُبُونَهُ في ذَلِكَ مَرَّةً إلى الشِّعْرِ ومَرَّةً إلى السِّحْرِ ومَرَّةً إلى الجُنُونِ فَبَدَأ جَلَّ شَأْنُهُ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ بِبَراءَتِهِ  مِمّا كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الجُنُونِ وتَعْظِيمِ أجْرِهِ عَلى صَبْرِهِ عَلى أذاهُمْ، وبِالثَّناءِ عَلى خُلُقِهِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ وقَرَأ الأكْثَرُونَ بِسُكُونِ النُّونِ وإدْغامِها في واوِ ﴿ والقَلَمِ ﴾ بِغُنَّةٍ عِنْدَ بَعْضٍ وبِدُونِها عِنْدَ آخَرِينَ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ بِفَتْحِها وكَلٌّ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ في مَوْضِعِ الجَرِّ كَقَوْلِهِمُ اللَّهُ لِأفْعَلُنَّ بِالجَرِّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا بِإضْمارٍ اذَّكَّرَ ونَحْوِهِ لا فَتْحًا وامْتِناعُ الصَّرْفِ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلسُّورَةِ ثُمَّ إنْ جَعَلَ اسْمًا لِلْحَرْفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لِلتَّحَدِّي عَلى ما اشْتُهِرَ وبُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، أوِ اسْمًا لِلسُّورَةِ مَنصُوبًا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ أوْ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالُوا وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والقَلَمِ ﴾ لِلْقَسَمِ وإنْ جَعَلَ مُقْسَمًا بِهِ فَهي لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ عَلى الشّائِعِ واخْتارَ السَّلَفُ أنْ ن مِنَ المُتَشابِهِ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الخَلْفِ أنَّهُ هُنا مِن أسْماءِ الحُرُوفِ.

وقالُوا: يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ اسْمَ جِنْسٍ أوْ عَلَمًا لَأُعْرِبَ مُنَوَّنًا أوْ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ ولَكُتِبَ كَما يُتَلَفَّظُ بِهِ، وكَوْنُ كِتابَتِهِ كَما تَرى لِنِيَّةِ الوَقْفِ وإجْراءِ الوَصْلِ مَجْراهُ خِلافَ الأصْلِ وكَوْنُ خَطِّ المُصْحَفِ لا يُقاسُ مُسَلَّمٌ إلّا أنَّ الأصْلَ إجْراؤُهُ عَلى القِياسِ ما أمْكَنَ وقِيلَ هو اسْمٌ لِحُوتٍ عَلَيْهِ الأرْضُ يُقالُ لَهُ اليَهْمُوتُ بِفَتْحِ الياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ الهاءِ فَفي حَدِيثٍ رَواهُ الضِّياءُ في المُخْتارِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.

.

وجَمَعَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى النُّونَ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتْ بِالجِبالِ ثُمَّ قَرَأ ﴿ ن والقَلَمِ ﴾ إلَخْ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحاكِ أنَّهُ اسْمٌ لِلدَّواةِ وأنْكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وُرُودَ النُّونِ بِمَعْنى الدَّواةِ في اللُّغَةِ أوْ في الِاسْتِعْمالِ المُعْتَدِّ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ أوْ لَفْظَةً أعْجَمِيَّةً عَرَبِيَّةً وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: إذا ما الشَّوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ ألْقَتِ النُّونُ بِالدَّمْعِ السُّجُومِ والأوَّلُونَ مِنهم مَن فَسَّرَ القَلَمَ بِالَّذِي خَطَّ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِقَلَمِ المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ، وألْ فِيهِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ لِلْعَهْدِ والآخَرُونَ مِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالجِنْسِ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ فِيهِ جِنْسِيٌّ، ومِنهم وهم قَلِيلٌ مِن فَسَّرَهُ بِما تَقَدِّمَ أيْضًا لَكِنَّ الظّاهِرَ مِن كَلامِهِمْ أنَّ الدَّواةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ الدَّواةِ المَعْرُوفَةِ بَلْ هي دَواةٌ خُلِقَتْ يَوْمَ خُلِقَ ذَلِكَ القَلَمُ وعَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ يَرْفَعُهُ: ««إنَّ ن لَوْحٌ مِن نُورِ والقَلَمَ قَلَمٌ مِن نُورٍ يَجْرِي بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمٍ القِيامَةِ»» .

وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: إنَّهُ نَهْرٌ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ.

وفي البَحْرِ لَعَلَّهُ لا يَصْحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ أيْ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ في ن ما عَدا كَوْنَهُ اسْمًا مِن أسْماءِ الحُرُوفِ وكَأنَّهُ إنْ كانَ مُطَّلِعًا عَلى الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْناها لَمْ يَعْتَبِرْ تَصْحِيحَ الحاكِمِ فِيما رُوِيَ أوَّلًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا كَوْنَ أحَدِ رُواتِهِ الضِّياءَ في المُخْتارَةِ الَّتِي هي في الِاعْتِبارِ قَرِينَةٌ مِنَ الصِّحاحِ ولا كَثْرَةَ راوِيَةٍ عَنْهُ وهو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ لِكَثْرَةِ الِاخْتِلافِ فِيما رُوِيَ عَنْهُ في تَعْيِينِ المُرادِ بِهِ حَتّى أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، وأنَّ هَذا الِاسْمَ الجَلِيلَ فُرِّقَ في الر وحَم ون ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ أُرِيدَ الحُوتُ أوْ نَهْرٌ في الجَنَّةِ يَصِيرُ الكَلامُ مِن بابِ كَمِ الخَلِيفَةُ وألْفُ باذِنْجانَةٍ وأمّا إنْ أُرِيدَ الدَّواةُ فالتَّنْكِيرُ آبَ عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ الإباءِ عَلى أنَّهُ كَما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيَّ لُغَةٌ لَمْ تَثْبُتْ، والرَّدُّ عَلَيْهِ إنَّما يَتَأتّى بِإثْباتِ ذَلِكَ عَنِ الثِّقاتِ.

( وأنّى ) بِهِ، وذِكْرُ صاحِبِ القامُوسِ لا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وفي صِحَّةِ الرِّواياتِ كَلامٌ والبَيْتُ الَّذِي أنْشَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَثْبُتْ عَرَبِيًّا وكَوْنُهُ بِمَعْنى الحُوتِ أُطْلِقَ عَلى الدَّواةِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ فَإنَّ بَعْضَ الحِيتانِ يُسْتَخْرَجُ مِنهُ شَيْءٌ أشَدُّ سَوادًا مِنَ النَّقْسِ يُكْتَبُ بِهِ لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ السَّماجَةِ فَإنَّ ذَلِكَ البَعْضَ لَمْ يَشْتَهِرْ حَتّى يَصِحَّ جَعْلُهُ مُشَبَّهًا بِهِ مَعَ أنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْمُنْكِرِ عَلى ذَلِكَ الصِّنْفِ بِعَيْنِهِ، وكَوْنُهُ بِمَعْنى الحَرْفِ مَجازًا عَنْها أدْهى وأمَرُّ كَذا قِيلَ، ولِلْبَحْثِ في البَعْضِ مَجالٌ ولِلْقُصّاصِ هَذا الفَصْلُ رِواياتٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها ولا يَنْبَغِي الإصْغاءُ إلَيْها ثُمَّ إنَّ اسْتِحْقاقَ القَلَمِ لِلْإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ إذا أُرِيدَ بِهِ قَلَمُ اللَّوْحِ الَّذِي جاءَ في الأخْبارِ أنَّهُ أوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى أوْ قَلَمُ الكِرامِ الكاتِبِينَ ظاهِرٌ.

وأمّا اسْتِحْقاقُ ما في أيْدِي النّاسِ إذا أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ لِذَلِكَ فَلِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَزِيَّةً سِوى كَوْنِهِ آلَةً لِتَحْرِيرٍ كُتِبِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مُوجِبًا لِتَعْظِيمِهِ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وما يَسْطُرُونَ ﴾ أيْ يَكْتُبُونَ إمّا لِلْقَلَمِ مُرادًا بِهِ قَلَّمُ اللَّوْحِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ أوْ لَهُ مُرادًا بِهِ جِنْسُ ما بِهِ الخَطُّ، فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِتَعَدُّدِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِكاتِبٍ حَقِيقَةً بَلْ هو آلَةٌ لِلْكاتِبِ فالإسْنادُ إلَيْهِ إسْنادٌ إلى الآلَةِ مَجازًا، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِضَمِيرِ العُقَلاءِ لِقِيامِهِ مَقامَهم وجَعْلِهِ فاعِلًا أوْ لِلْكَتَبَةِ أوِ الحَفَظَةِ المَفْهُومَيْنِ مِنَ القَلَمِ أوَّلَهم بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالقَلَمِ أصْحابُهُ تَجَوُّزًا أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَعَهُ، ولا يَخْفى ما هو الأوْجَهُ مِن ذَلِكَ، وأمّا كَوْنُهُ لِما وهي بِمَعْنى مَن فَتَكَلُّفٌ بارِدٌ والظّاهِرُ فِيها أنَّها إمّا مَوْصُولَةٌ أيْ والَّذِي يَسْطُرُونَهُ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ وسَطْرُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي اثنان وخمسون آية مكية قوله تبارك وتعالى: ن وَالْقَلَمِ.

قرأ الكسائي، ونافع، وعاصم في إحدى الروايتين بالإِدغام، والباقون بإظهار النون، وهما لغتان ومعناهما واحد.

قال ابن عباس: هي السمكة التي تحت الأرضين.

وروى الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ القَلَمَ فَقَالَ اكْتُبْ، قَالَ بِمَا أَكْتُبُ؟

قَالَ: اكْتُبِ القَدَرَ فَيَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ.

ثم خلق النون يعني: السمكة، فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء، ففتق منه السموات، فاضطربت النون فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال.

وإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة.

وقال سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة: النون: الدواة، وقال قتادة: الدواة والقلم: ما قام لله وبه لإصلاح عيش خلقه، والله يعلم ما يصلح خلقه.

ويقال: النون: افتتاح اسم الله تعالى، وهو النون.

ويقال: هو آخر اسمه من الرحمن، وهذا قسم أقسم الله تعالى بالنون والقلم، وجواب القسم مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، فذلك قوله: ن.

وَما يَسْطُرُونَ يكتُب الحفظة من أعمال بني آدم ويقال: وَما يَسْطُرُونَ يعني: تكتب الحفظة في اللوح المحفوظ.

مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ يعني: ما أنت بحمد الله تعالى بمجنون مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ كما يزعمون، وذلك أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) [العلق: 1] إلى قوله: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) [العلق: 5] وعلمه جبريل الصلاة، فقال أهل مكة: جن محمد  .

وكان النبي يفر من الشاعر والمجنون.

فلما نسبوه إلى الجنون، شق ذلك عليه، فنزل: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ.

ويقال: بل أنت رسول الله تعالى.

ثم قال: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ يعني: غير مقطوع، ويقال: غير محسوب، ويقال: لا يمن عليك.

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ يعني: على خلق حسن وقال مقاتل: يعني: على دين الإسلام، وقال عطية: يعني: على آداب القرآن.

ثم قال: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ يعني: سترى ويرون ويقال فستعلم ويعلمون بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ يعني: إذا نزل بهم العذاب تعلمون أيكم المفتون، يعني: بأيكم المجنون ويقال الباء زيادة، ومعناه أيكم المفتون يعني أيكم المجنون، وقال قتادة: يعني: أيكم أولى بالسلطة، وقال أبو عبيدة: أيكم المجنون والباء زيادة، واحتج بقول القائل: نضرب بالسيف، ونرجو بالفرج يعني: نرجو الفرج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة القلم]

وهي مكّيّة بلا خلاف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)

قوله عز وجل: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ن حَرْفٌ مقطع في قول الجمهور، فيدخُلُه من الاخْتِلاَفِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُّورِ، ويختصُّ هذَا الموضعُ مِنَ الأقوال، بأنْ قَالَ مُجاهِدٌ وابن عباس: ن اسْمُ الحوتِ الأعْظَمِ/ الَّذِي عَلَيْه الأَرضُونَ السَّبْعُ فِيما يُرْوَى «١» ، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: ن اسمُ الدَّوَاةِ «٢» ، فَمَنْ قَال بأنه اسْمُ الحوتِ جَعَلَ [القَلَمَ] القَلَمَ الذي خلقَه اللَّهُ وأمَرَهُ بِكَتْبِ الكائناتِ، وجَعَلَ الضميرَ في يَسْطُرُونَ للملائِكَةِ، ومَنْ قَال بأنَّ ن اسْمٌ للدَّوَاةِ جَعَلَ القَلم هَذَا القلمَ المتعارفَ بأيْدِي الناسِ نَصَّ على ذَلِكَ ابنُ عَبّاسٍ وَجَعَل الضميرَ في يَسْطُرُونَ للنَّاسِ فَجَاء القَسَمُ على هذا بمجموع أمْرِ الكِتَابِ الذي هو قِوَامٌ للعلومِ والمعَارِفِ، وأمورِ الدنيا، والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللسانِ، وعَضُدُ الإنْسَانِ، ومَطِيَّةُ الفِطْنَةِ، ونِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَامَّة، ورَوَى معاويةُ بن قرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ن لوح من نور» .

وقالَ ابنُ عباسٍ أيضاً وغيره: ن هو حَرْفٌ من حروفِ الرحمن «١» ، وقالوا إنَّه تَقَطَّع في القرآن الر وحم ون، ويَسْطُرُونَ: معناه: يكْتُبُونَ سُطُوراً، فإنْ أرَادَ الملائكةَ فهُوَ كَتْبُ الأَعْمَالِ وَمَا يؤْمَرُون به، وإنْ أرادَ بني آدم فهي الكُتُبُ المنزلةُ والعلومَ وما جَرَى مَجْرَاهَا، قال ابن العربي في «أحكامه» : رَوَى الوليدُ بن مُسْلِمٍ عَنْ مالكٍ عَنْ سُمَيٍّ مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يقولُ:

«أوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، ثُمَّ خَلَق النّونَ، وهي الدوَّاةُ، وذَلِكَ قَوْلُه: ن وَالْقَلَمِ ثم قَالَ لَهُ: اكتب قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟

قَالَ: مَا كَانَ وَمَا هُو كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، قال: ثُمَّ خَتَمَ العَمَلَ، فَلَمْ يَنْطِقْ وَلاَ يَنْطِقُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، ثُمَّ خَلَقَ العَقْلَ، فَقَالَ الجَبَّارُ: مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أعْجَبَ إليَّ مِنْكَ، وعِزَّتِي لأكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ، وَلأَنْقُصَنَّكَ فِيمَنْ أَبْغَضْتُ، / قَالَ: ثُمَّ قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلاً أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ وأعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ» «٢» ، انتهى، ت: وهذا الحديثُ هُوَ الذي يُعَوَّلُ عليهِ في تفسير الآيةِ، لصحته، واللَّه سبحانه أعلم.

وقوله تعالى: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ هو جواب القسم، وما هُنَا عَاملةٌ لها اسْمٌ وَخَبَرٌ، وكذلِك هي متَى دَخَلَتِ البَاءُ في الخَبَرِ، وقوله: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ اعْتِرَاضٌ، كما تقولُ لإنْسَانٍ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فاضلٌ، وسَبَبُ الآيةِ هُوَ مَا كَانَ من قريش في رميهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالجُنُونِ، فَنَفَى اللَّهُ تعالى ذلك عنه، وأخبره بأنَّ له الأَجْرَ، وأنَّه على الخُلُقِ العظيمِ تَشْريفاً له، وَمَدْحاً واخْتُلِفَ في معنى مَمْنُونٍ فَقَال أكْثَرُ المفسرينَ: هو الوَاهِنُ المنْقَطِعُ، يقال: حَبْل مَنِينُ أي: ضعيفٌ، وقال آخرون: معناه: غير مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أي: لا يُكَدِّرُه مَنٌّ بِه، وفي الصحيحِ: سُئِلَتْ عائشةُ- رضي اللَّه عنها- عن خلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقَالَتْ: «كَانَ خُلقُهُ القُرْآنَ» ، وقال الجُنَيْدُ: سمّي خلقُه عَظِيماً إذ لَمْ تَكُنْ له همةٌ سِوَى اللَّهِ تعالى عَاشَرَ الخَلْقَ بخُلُقِه، وزَايَلَهُمْ بِقَلْبهِ فكانَ ظاهرُه مَعَ الخلقِ، وباطِنهُ مع الحق، وفي وَصِيَّةِ بعض الحكماء: عليكَ بالخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ، وبالصِّدقِ مَعَ الحقِّ، وحسْنُ الخلقِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القَلَمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ إلّا ما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: "ن" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: "ن والقَلَمِ" النُّونُ في آخِرِ الهِجاءِ مِن نُونٍ ظاهِرَةٍ عِنْدَ الواوِ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءُ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ لا يُبِينُ النُّونَ مِن "نُونٍ" .

وبِها قَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "نُونِ والقَلَمِ" بِكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "نُ والقَلَمِ" بِرَفْعِ النُّونِ.

وَفِي مَعْنى نُونِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الدَّواةُ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « "أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ"» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحُوتُ الَّذِي عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ أبِي ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَوْحٌ مِن نُورٍ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ افْتِتاحُ اسْمِهِ "نَصِيرٍ"، و"ناصِرٍ"، قالَهُ عَطاءٌ.

والسّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والسّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.

وَفِي "القَلَمِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكْتُبُ بِهِ النّاسُ.

وإنَّما أقْسَمَ بِهِ، لِأنَّ كُتُبَهُ إنَّما تُكْتَبُ() و"يَسْطُرُونَ" بِمَعْنى: يَكْتُبُونَ.

وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

وفِيما أرادُوا بِما يَكْتُبُونَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الذِّكْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أعْمالُ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ الكَتَبَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِإنْعامِ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ بِمَجْنُونٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ.

وتَأْوِيلُهُ: فارَقَكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكَ ﴾ بِصَبْرِكَ عَلى افْتِرائِهِمْ عَلَيْكَ، ونِسْبَتِهِمْ إيّاكَ إلى الجُنُونِ ﴿ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ، ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الطَّبْعُ الكَرِيمُ.

وحَقِيقَةُ "الخُلُقِ" ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ، فَسُمِّيَ خُلُقًا، لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ في صاحِبِهِ.

فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ فَيُسَمّى: "الخِيمَ" فَيَكُونُ الخِيمُ: الطَّبْعَ الغَرِيزِيَّ، والخُلُقُ: الطَّبْعُ المُتَكَلَّفُ.

هَذا قَوْلُ الماوَرْدِيِّ.

وقَدْ «سُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ.» تَعْنِي: كانَ عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.

وهَذا وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ.

والمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ "بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ" وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: المَجْنُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والمَعْنى: الَّذِي قَدْ فُتِنَ بِالجُنُونِ.

والرّابِعُ: المُعَذَّبُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي الباءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وأنْشَدُوا: نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ والثّانِي: أنَّها أصْلِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ كَوْنُها لَغْوًا بِجائِزٍ في العَرَبِيَّةِ في قَوْلِ أحَدٍ مِن أهْلِها.

وَفِي الكَلامِ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.

أحَدُهُما: أنَّ المَفْتُون ها هُنا: الفُتُونُ.

والمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ.

تَقُولُ العَرَبُ لَيْسَ: هَذا مَعْقُودَ رَأْيٍ، أيْ: عَقْدَ رَأْيٍ، وتَقُولُ: دَعْهُ إلى مَيْسُورِهِ، أيْ: يُسْرِهِ.

والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الجُنُونُ.

والثّانِي: بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ بِالفِرْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، أمْ بِفِرْقَةِ الكُفّارِ؟

فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ الفِرْقَتَيْنِ المَجْنُونُ.

وقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ نَحْوَ ما شَرَحَهُ الزَّجّاجُ.

وقَدْ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِي أيٍّ المَفْتُونُ" .

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ [سُورَةِ القَلَمِ] وهِيَ مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ فِيها بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ﴾ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ "ن" حَرْفٌ مَقَطَّعٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فَيَدْخُلُهُ مِنَ الِاخْتِلافِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ مِنَ الأقْوالِ بِأنْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: "ن" اسْمُ الحُوتِ الأعْظَمِ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُونَ السَبْعُ فِيما يُرْوى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَحّاكُ: "ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ، فَهَذا إمّا أنْ يَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ أو تَكُونُ لَفْظَةً أعْجَمِيَّةً، قالَ الشاعِرُ: إذا ما الشَوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ..

ألْقَتِ النُونُ بِالدَمْعِ السُجُومِ فَمَن قالَ بِأنَّهُ اسْمُ الحُوتِ جَعَلَ "القَلَمَ" القَلَمَ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ تَعالى وأمَرَهُ فَكَتَبَ الكائِناتِ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في "يَسْطُرُونَ" لِلْمَلائِكَةِ، ومَن قالَ بِأنَّ"ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ جَعَلَ "القَلَمَ" هو المُتَعارَفُ بِأيْدِي الناسِ، نَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لِلنّاسِ، فَجاءَ القَسَمُ -عَلى هَذا- بِمَجْمُوعِ أمْرِ الكِتابِ الَّذِي هو قِوامٌ لِلْعُلُومِ والمَعارِفِ وأُمُورِ الدُنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللِسانِ ومَطِيَّةُ الفَطِنَةِ ونِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عامَّةٌ، ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "ن لَوْحٌ مِن نُورٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: "ن" حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَحْمَنِ، وقالُوا: إنَّهُ تَقَطَّعَ في القُرْآنِ إلى "الر" و"حم" و"ن".

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ-: "نُونَ" بِالنُصْبِ، والمَعْنى: اذْكُرْ نُونَ، وهَذا يَقْوى مَعَ أنْ يَكُونُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهو مُؤَنَّثٌ سُمِّيَ بِهِ مُؤَنَّثٌ، فَفِيهِ تَأْنِيثٌ وتَعْرِيفٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وانْصَرَفَ "نُوحٌ" لِأنَّ الخِفَّةَ بِكَوْنِهِ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ غَلَبَتْ عَلى عِلَّةِ العُجْمَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنُ: "نُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا كَما تَقُولُ في القَسَمِ: اللهُ، وكَما قالُوا: "جَيْرِ"، وقِيلَ: كُسِرَتْ لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نُونْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهَذا عَلى أنَّهُ حَرْفٌ مُنْفَصِلٌ فَحَقُّهُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الكِسائِيُّ: "ن والقَلَمِ" بِالإدْغامِ دُونَ غُنَّةٍ، وقَرَأ آخَرُونَ بِإدْغامٍ وبِغُنَّةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالإخْفاءِ بَيْنَ الإدْغامِ والإظْهارِ، و"يَسْطُرُونَ" مَعْناهُ: يَكْتُبُونَ سُطُورًا، فَإنْ أرادَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فَهو كَتْبُ الأعْمالِ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ، وإنْ أرادَ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَهي الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ والعُلُومُ وما جَرى مَجْراها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ هو جَوابُ القَسَمِ، و"ما" هاهُنا عامِلَةٌ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ، وكَذَلِكَ هي مَتى دَخَلَتِ الباءُ في الخَبَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِنِعْمَةِ رَبِّكَ" اعْتِراضٌ، كَما تقُولُ لْإنْسانٍ: أنْتَ -بِحَمْدِ اللهِ- فاضِلٌ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا رَمَتْ رَسُولَ اللهِ  بِالجُنُونِ، وهو سَتْرُ العَقْلِ، بِمَعْنى أنَّ كَلامَهُ خَطَأٌ كَكَلامِ المَجْنُونِ، فَنَفى اللهُ تَعالى ذَلِكَ عنهُ، وأخْبَرَهُ بِأنَّ لَهُ الأجْرَ، وبِأنَّهُ عَلى الخُلُقِ العَظِيمِ تَشْرِيفًا لَهُ ومَدْحًا.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مَمْنُونٍ"، فَقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو الواهِنُ المُنْقَطِعُ، يُقالُ: "حَبْلٌ مَمْنُون"، أيْ: ضَعِيفٌ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أيْ: لا يُكَدِّرُهُ مَن بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: غَيْرُ مُسَرَّدٍ ولا مَحْسُوبٍ مُحَصِّلٍ، أيْ: بِغَيْرِ حِسابٍ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَتْ: "خَلَقَهُ القُرْآنُ"» أى آدابُهُ وأوامِرُهُ، وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الخُلُقُ العَظِيمُ أدَبُ القُرْآنِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ الخُلُقِ بِالدِينِ والشَرْعِ، وذَلِكَ لا مَحالَةَ رَأْسُ الخُلُقِ ووَكِيدُهُ، أما إنّ الظاهِرَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الخَلْقَ هو الَّذِي يُضادُّ مَقْصِدَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: "مَجْنُونٌ" أيْ: غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِما يَقُولُ، وإنَّما مَدْحُهُ تَعالى بِكَرَمِ السَجِيَّةِ وبَراعَةِ القَرِيحَةِ والمَلَكَةِ الجَمِيلَةِ وجَوْدَةِ الضَرائِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ"،» وقالَ جُنَيْدُ: "سُمِّيَ خُلُقُهُ عَظِيمًا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةً سِوى اللهُ تَعالى، عاشَرَ الخَلْقَ بِخُلُقِهِ وزايَلَهم بِقَلْبِهِ، فَكانَ ظاهِرُهُ مَعَ الخَلْقِ وباطِنُهُ مَعَ الحَقِّ"، وفي وصِيَّةِ بَعْضِ الحُكَماءِ" "عَلَيْكَ بِالتَخَلُّقِ مَعَ الخَلْقِ، وبِالصِدْقِ مَعَ الحَقِّ، وحُسْنِ الخَلْقِ خَيْرٌ كُلُّهُ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكَ بِحُسْنِ خَلْقِهِ دَرَجَةَ قائِمِ اللَيْلِ صائِمِ النَهارِ"،» وقالَ: « "ما شَيْءٌ أثْقَلُ في المِيزانِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ"،» وَقالَ: « "أحَبَّكم إلى اللهِ أحْسَنُكم أخْلاقًا"،» والعَدْلُ والإحْسانُ والعَفْوُ والصِلَةُ مِنَ الخُلُقِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَتُبْصِرُ" أيْ: أنْتِ وأُمَّتُكِ، و"يُبْصِرُونَ" أيْ: هُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ" فَقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُبْصِرُونَ"، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأييِّكُمُ المَفْتُونُ"، وقالَ الأخْفَشُ: بَلِ الإبْصارُ عامِلٌ في الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ عنها، في مَعْناها، وأمّا الباءُ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، وقَتادَةَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: أيُّكُمُ المَفْتُونُ؟

وقالَ الحَسَنُ، والضَحّاكُ: "المَفْتُونُ" بِمَعْنى الفِتْنَةِ، كَما قالُوا: "ما لَهُ مَعْقُولٌ" أيْ: عَقْلٌ، وكَما قالُوا: "اقْبَلْ مَيْسُورَهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ"، فالمَعْنى: بِأيِّكُمُ هي الفِتْنَةُ والفَسادُ الَّذِي سَمَّوْهُ جُنُونًا؟

وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: بِأيِّكُمُ فُتِنَ المَفْتُونُ؟

وقالَ الأخْفَشُ، المَعْنى: بِأيِّكُمُ فِتْنَةُ المَفْتُونِ؟

ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ: الباءُ بِمَعْنى "فِي" أيْ: في أيِّ فَرِيقٍ مِنكُمُ النَوْعُ المَفْتُونُ؟

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ قَلِيلُ التَكَلُّفِ، ولا نَقُولُ إنَّ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا المَعْنى يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بـ "فِي" وبِالباءِ أيْضًا.

وقَرَأ ابْنُ أبى عَبْلَةَ: "فِي أيِّكُمُ المَفْتُونُ".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ، والعامِلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِمَن ضَلَّ ﴾ هو "أعْلَمُ"، وقَدْ قَوّاهُ حَرْفُ الجَرِّ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ يُرِيدُ قُرَيْشًا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا في بَعْضِ الأوقاتِ لِرَسُولِ اللهِ  : لَوْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنا إلَهَكَ وعَظَّمْناهُ، ووَدُّوا أنْ يُداهِنَهم رَسُولُ اللهِ  ويَمِيلُ إلى ما قالُوا فَيَمِيلُوا هم أيْضًا إلى قَوْلِهِ ودِينِهِ، و"الِادِّهانُ": المُلايَنَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ: المُلايَنَةُ فِيما يَحِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُدْهِنُونَ" مَعْطُوفٌ ولَيْسَ بِجَوابٍ؛ لِأنَّهُ كانَ لَنُصِبَ.

و"الحَلّافُ": المُرَدِّدُ لِحَلِفِهِ الَّذِي قَدْ كَثُرَ مِنهُ، و"المَهِينُ": الضَعِيفُ العَقْلِ والرَأْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وهو مِن "مَهِنَ" إذا ضَعُفَ، والمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَهِينُ: الكَذّابُ.

و"الهَمّازُ": الَّذِي يَقَعُ في الناسِ، وأصْلُ الهَمْزِ في اللُغَةِ الضَرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أو بِالعَصا أو نَحْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ، قالَ مُنْذِرٌ: وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ، وسُمِّيَتِ الهَمْزَةَ لِأنَّ في النُطْقِ بِها حِدَّةً وعَجَلَةً فَشُبِّهَتْ بِالهَمْزِ بِاليَدِ، وقِيلَ لِبَعْضِ الأعْرابِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟

قالَ: الهِرَّةُ تَهْمِزُها، وقِيلَ لِآخَرَ: أتَهْمِزُ إسْرائِيلَ؟

فَقالَ: إنِّي إذًا لَرَجُلُ سُوءٍ.

و"النَمِيمُ" مَصْدَرٌ كالنَمِيمَةِ، وهو نَقْلُ ما يَسْمَعُ مِمّا يَسُوءُ ويَحْرِشُ النُفُوسَ، ورَوى حُذَيْفَةُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتّاتٌ"،» وهو النَمّامُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ هي أجْناسٌ لَمْ يُرَدْ بِها رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ في مُعَيَّنٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ غِناهُ وأنَّهُ أشْهَرُهم بِالمالِ والبَنِينَ، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ لَهُ هِنَةٌ في حَلْقِهِ كَزَنَمَةَ الشاةِ، وأيْضًا فَكانَ مِن ثَقِيفٍ مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو أبُو جَهْلٍ، وذَكَرَ النِقّاشُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وظاهِرُ اللَفْظَةِ عُمُومُ مَن بِهَذِهِ الصِفَّةِ، والمُخاطَبَةُ بِهَذا المَعْنى مُسْتَمِرَّةٌ باقِي الزَمانِ لا سِيَّما لِوُلاةِ الأُمُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح هذه السورة بأحد حروف الهجاء جار على طريقة أمثالها من فواتح السور ذوات الحروف المقطعة المبيّنة في سورة البقرة وهذه أول سورة نزلت مفتتحة بحرف مقطع من حروف الهجاء.

ورَسمُوا حرف ﴿ ن ﴾ بصورته التي يرسم بها في الخط وهي مسمّى اسمه الذي هو ﴿ نُون ﴾ (بنوننٍ بعدها واو ثم نون) وكان القياس أن تكتب الحُروف الثلاثةُ لأن الكتابة تبَع للنطق والمنطوق به هو اسم الحرف لا ذاته، لأنك إذا أردتَ كتابةَ سيف مثلاً فإنما ترسم سينا، وياء، وفَاء، ولا ترسم صورة سَيْف.

وإنما يُقرأ باسم الحرف لا بهجائه كما تقدم في أول سورة البقرة.

ويُنطق باسم نون ساكنَ الآخر سكون الكلمات قبل دخول العوامل عليها، وكذلك قرئ في القراءات المتواترة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القَلَمِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ " ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ " مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ مَدَنِيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ ﴿ يَكْتُبُونَ ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِي السُّورَةِ مَكِّيٌّ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ن ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ النُّونَ الحُوتُ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ أبِي الضُّحى عَنْهُ، وقَدْ رَفَعَهُ.

الثّانِي: أنَّ النُّونَ الدَّواةُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّالِثُ: أنَّهُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنْهُ.

الرّابِعُ: هو لَوْحٌ مِن نُورٍ، رَواهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ  .

الخامِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ السُّورَةِ، وهو مَأْثُورٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يُقْسِمَ بِما يَشاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

السّابِعُ: أنَّهُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ.

الثّامِنُ: أنَّ نُونْ بِالفارِسِيَّةِ أيذون كُنْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: إنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ نَقْلٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَكْوِينُ الأفْعالِ والقَلَمُ وما يَسْطُرُونَ، فَنَزَلَ الأقْوالُ جَمِيعًا في قَسَمِهِ بَيْنَ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وهَذا أعَمُّ قِسْمَةٍ.

وَيَحْتَمِلُ عاشِرًا: أنْ يُرِيدَ بِالنُّونِ النَّفْسَ لِأنَّ الخِطابَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْها بِغَيْرِ عَيْنِها بِأوَّلِ حُرُوفِها، والمُرادُ بِالقَلَمِ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَها وعَلَيْها مِن سَعادَةٍ وشَقاءٍ، لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

أمّا ﴿ والقَلَمِ ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي يَكْتُبُونَ بِهِ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ ومَنفَعَةٌ لَهم، فَأقْسَمَ بِما أنْعَمَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الذِّكْرُ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو مِن نُورٍ، طُولُهُ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَما يَسْطُرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وما يَعْلَمُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: وما يَكْتُبُونَ، يَعْنِي مِنَ الذِّكْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الكاتِبُونَ يَكْتُبُونَ أعْمالَ النّاسِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ  أنَّهُ مَجْنُونٌ بِهِ شَيْطانٌ، وهو قَوْلُهم: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ  ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أيْ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ، والنِّعْمَةُ ها هُنا الرَّحْمَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّ النِّعْمَةَ ها هُنا قَسَمٌ، وتَقْدِيرُهُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، لِأنَّ الواوَ والباءَ مِن حُرُوفِ القَسَمِ.

وَتَأوَّلَهُ الكَلْبِيُّ عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ، فَقالَ: مَعْناهُ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمُخْفِقٍ.

﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ مِنَ الأذى، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ألا تَكُونُ كَإسْماعِيلَ إنَّ لَهُ رَأْيًا أصِيلًا وأْجْرًا غَيْرَ مَمْنُونِ وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: غَيْرُ مُقَدَّرٍ وهو الفَضْلُ، لِأنَّ الجَزاءَ مُقَدَّرٌ، والفَضْلَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ.

﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّانِي: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.

الثّالِثُ: عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ، وهو الظّاهِرُ.

وَحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ هو ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ سُمِّيَ خُلُقًا لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ فِيهِ، فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الآدابِ فَهو الخِيمُ فَيَكُونُ الخُلُقُ الطَّبْعَ المُتَكَلَّفَ، والخِيمُ هو الطَّبْعُ الغَرِيزِيُّ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الأعْشى في شِعْرِهِ فَقالَ: وإذا ذُو الفُضُولِ ضَنَّ عَلى المَوْ ∗∗∗ لى وعادَتْ لِخِيمِها الأخْلاقُ ايْ رَجَعَتِ الأخْلاقُ إلى طِباعِها.

﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَتَرى ويَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الحَقُّ والباطِلُ.

الثّانِي: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي المَجْنُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: المُعَذَّبُ مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحَمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أيْ يُعَذَّبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟

قال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب وارتفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما خلق الله القلم والحوت قال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ فالنون الحوت والقلم القلم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» .

وأخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون اللوح المحفوظ والقلم من نور ساطع» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب قال: وما أكتب؟

قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل أو أثر أو رزق، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ ثم ختم على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل، فقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ن والقلم ﴾ قال: ن الدواة والقلم القلم.

وأخرج عن ابن عباس قوله: ﴿ ن ﴾ أشباه هذا قسم الله، وهي من أسماء الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ن ﴾ قالا: الدواة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ن ﴾ قال: هو الحوت الذي عليه الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الحوت الذي تحت الأرض السابعة، والقلم الذي كتب به الذكر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، وخلق النون، وهي الدواة، وخلق اللوح، فكتب فيه، ثم خلق السموات، فكتب ما يكون من حينئذ في الدنيا إلى أن تكون الساعة من خلق مخلوق أو عمل معمول بر أو فجور، وكل رزق حلال أو حرام رطب أو يابس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: القلم نعمة من الله عظيمة لولا القلم ما قام دين ولم يصلح عيش، والله أعلم بما يصلح خلقه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: خلق الله القلم فقال: أجره فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق الحوت وهو النون، فكبس عليها الأرض ثم قال: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضره ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: الكرام الكاتبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يكتبون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يعملون.

قوله تعالى: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه لمجنون به شيطان، فنزلت ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن لك لأجراً غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.

قوله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين: أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه.

وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي عبدالله الجدلي قال: قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.

وأخرج ابن مردويه عن زينب بنت يزيد بن وسق قالت: كنت عند عائشة إذ جاءها نساء أهل الشام، فقلن يا أم المؤمنين: أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها.

وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: على أدب القرآن.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الإِسلام.

واخرج عبد بن حميد عن ابن ابزى وسعيد بن جبير قالا: على دين عظيم.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثابت عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة ما قال لي قط ألا فعلت هذا أو لم فعلت هذا.

قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة إنه كما قال الله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج الخرائطي عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء يوماً من الأيام فإن لامني لائم قال: دعوه فإنه لو قضى شيء لكان.

وأخرج ابن سعد عن ميمونة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: أقسمت عليك إلا فتحت ليفقلت له: تذهب إلى أزواجك في ليلتي قال: ما فعلت، ولكن وجدت حقناً من بولي» .

قوله تعالى: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ الآيات.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان كانوا يقولون: إنه شيطان إنه مجنون.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: يتبين لكم المفتون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير وابن أبزى ﴿ بأيكم المفتون ﴾ بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان فكانوا أولى بالشيطان منه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو ترخص لهم فيرخصون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ يقول: لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: ودوا لو يدهن نبي الله عن هذا الأمر فيدهنوا عنه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو تكفر فيكفرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ ن ﴾ اختلفوا في تفسيره.

فروي عن ابن عباس بطرق أن المراد به الحوت الذي على ظهره الأرض، وأنه من أول ما خلق الله تعالى فكبس الأرض على ظهره؛ وهو رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، والكلبي، وأبي صالح عن ابن عباس (١) (٢) (٣) والنون في اللغة السمكة (٤)  : ﴿ وَذَا النُّونِ ﴾ ، وقد مر (٥) وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (ن) الدواة (٦) (٧) (٨) (٩) إذا ما الشوق برح بي إليهم ...

ألفت النون بالدمع السجوم وروى عكرمة (١٠) (١١) وروى معاوية بن قرة (١٢) (١٣) وقال أبو عبيدة وابن كيسان (١٤) (١٥) وقال المبرد: (ن) اسم الحرف المعروف من حروف الهجاء نحو (ق) و (م).

وهذا هو الأشبه؛ لأنه لو كان للسمكة لكان معربًا غير ساكن الآخر (١٦) (١٧) (١٨) والقراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله ﴿ ن * وَالْقَلَمِ ﴾ (١٩) ﴿ الم ﴾ ، وقولهم في العدد: واحد، اثنان.

فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمت أنه في تقدير الوصل، وإذا وصلتها أخفيت (٢٠) (٢١) ﴿ ص  وَالْقُرْآنِ  ﴾ و ﴿ يس (1) وَالْقُرْآنِ  ﴾ قال الفراء: وإظهارها أعجب إلي، لأنها هجاء، والهجاء كالوقوف وإن اتصل (٢٢) قوله تعالى: ﴿ وَالْقَلَمِ ﴾ قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة (٢٣) (٢٤) وروى مجاهد عنه قال: كان أول (٢٥) (٢٦) وهذا قول جميع المفسرين.

قالوا: هو القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ (٢٧) ﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ .

قالوا: يعني وما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم (٢٨) (١) أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، وصححه، والضياء في المختارة وغيرهم.

انظر: "تنوير المقباس" 3/ 116، و"جامع البيان" 29/ 9، و"المستدرك" 2/ 498، و"العظمة" 4/ 1403 و"تفسير الماوردي" 4/ 277، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 400.

قلت: إن صح هذا عنه فهو من الإسرائيليات التي ملئت بها كتب التفسير، وابتليت بها الأمة، وكشف زيفها وكذبها وبعدها عن الحقيقة والواقع.

(٢) في (س): (والسدي) زيادة.

(٣) انظر: "جامع البيان" 29/ 10، و"الكشف والبيان" 12/ 160 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 384.

(٤) انظر: "اللسان" 3/ 750 (نون).

(٥) عند تفسيره الآية (87) من سورة الأنبياء.

(٦) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 678، و"جامع البيان" 29/ 10.

(٧) في (س): (ونحو هذا روى الضحاك) زيادة.

(٨) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 161 أ، و "زاد المسير" 8/ 326، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 223.

(٩) لم أجده.

وفي "تهذيب اللغة" 15/ 560، قال: ...

﴿ ن وَالْقَلَمِ ﴾ لا يجوز فيه غير الهجاء، ألا ترى أن كتاب المصحف كتبوه ﴿ ن ﴾ ولو أريد به الدواة أو الحوت كتب نون.

وانظر: "المحرر الوجيز" 16/ 73.

(١٠) (س): (عكرمة) زيادة.

(١١) انظر: "جامع البيان" 29/ 10، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 230 - 233.

بسندين أحدهما ضعيف والآخر حسن، و"الكشف والبيان" 12/ 161 أ.

(١٢) معاوية بن قرة المدني البصري، ثقة عالم، مات سنة 113 هـ عن ثمانين سنة، وكان يقول: لقيت ثلاثين صحابيًّا.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 5/ 153، و"طبقات ابن سعد" 7/ 221 و"التقريب" 2/ 261، و"التاريخ الكبير" 4/ 330.

(١٣) أخرجه ابن جرير عن معاوية عن أبيه.

"جامع البيان" 29/ 10.

قال ابن كثير: وهذا مرسل غريب.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 401.

وقال أبو حيان: لعله لا يصح شيء من ذلك، و"البحر المحيط" 8/ 307.

وقال ابن حجر: والمشهور في ﴿ ن ﴾ أن حكمها حكم أوائل السور في الحروف المقطعة، وبه جزم الفراء.

"فتح الباري" 8/ 661، وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 77، و"روح المعاني" 29/ 23.

(١٤) في (س): (وابن كيسان) زيادة.

(١٥) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 264.

(١٦) في (ك): (الأخير).

(١٧) في (ك): (المسمى).

(١٨) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 77، وفي "العظمة" 2/ 532 قال المحقق: ولم يصح في ذلك شيء مرفوع عن النبي -  -، وإنما روى بعض الصحابة ومن بعدهم.

قلت: ورد في الحروف المقطعة نقول لا تسلم سندًا، وآراء لا تسلم اجتهادًا.

والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، وتفويض أمرها إلى الله، والقول بكل تواضع: الله أعلم.

وبهذا قال كثير من سلف الأمة رحمهم الله جميعًا.

وقال الشوكاني -رحمه الله- بعد التحقيق في هذه المسألة، والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة، واقتدى بسلف الأمة أن لا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله -عز وجل- لا تبلغها عقولنا، ولا تهتدي إليه أفهامنا، وإذا انتهت إلى السلامة في مدارك فلا تجاوزه.

انظر: "فتح القدير" 1/ 35.

وانظر: "لباب التأويل" 1/ 19، و"روح المعاني" 1/ 35، و"الإسرائيليات" لأبي شهبة 305 - 306.

(١٩) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص ﴿ ن وَالْقَلَمِ ﴾ بإظهار النون.

وقرأ الباقون بإخفائها.

انظر: "حجة القراءات" ص 717، و"الإتحاف" ص 421، و"زاد المسير" 8/ 326.

(٢٠) في (ك): (خفيت).

(٢١) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 309 - 310.

(٢٢) انظر: "معاني القرآن" 3/ 172.

قلت: واختيار الفراء للإظهار لا يعني الطعن أو الرد لما صح عن رسول الله -  -، وهو اختيار ابن جرير أيضًا.

حيث قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان فصيحتان بأيتهما قرأ القارئ أصاب، غير أن إظهار النون أفصح وأشهر، فهو أعجب إليّ.

"جامع البيان" 29/ 11.

(٢٣) أخرجه ابن جرير في "جامعه" 29/ 10، وابن أبي حاتم، وأحمد في "المسند" 5/ 317، والترمذي في "سننه"، كتاب: القدر 4/ 397 (2155) وقال: هذا == حديث غريب من هذا الوجه.

وفي "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 239، قال محققه: صحيح إلى ابن عباس، ثم ذكر طرقه عن ابن عباس.

ثم عقب بذكر الحديث مرفوعًا من حديث عبادة بن الصامت وقال: وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح لغيره.

وهو حديث صحيح كما في "تحقيق شرح الطحاوية" 2/ 344.

(٢٤) في (س): (وأبي ظبيان، وأبي صالح، ومقسم) زيادة.

وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225.

(٢٥) في (س): (كان أول) زيادة.

(٢٦) انظر: "جامع البيان" 29/ 11، وهو معنى حديث سراقة بن مالك، الذي رواه مسلم في "صحيحه"، كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي 4/ 2040، وأحمد في "مسنده" 3/ 292، وغيرهما.

(٢٧) قول المؤلف -رحمه الله-: وهذا قول جميع المفسرين؛ صوابه: بعض المفسرين.

والأكثرون على أنه جنس أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225، و"غرائب القرآن" 29/ 15.

وقال ابن كثير: والظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، فهو قسم منه تعالى وتنبيه لخلقه على ما أنهم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 401.

(٢٨) انظر: "زاد المسير" 8/ 328، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 401، وهو منسوب لابن عباس، ومقاتل، والسدي.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ن ﴾ حرف من حروف الهجاء وقد تقدم الكلام عليها في البقرة، ويختص ﴿ ن ﴾ بأنه قيل: إنه حرف من الرحمن فإن حروف الرحمن ألف ولام وراء وحاء وميم، ون وقيل: إن نون هنا يراد به الحوت، ومنه؛ ذو النون يونس ﴿ والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ اختلف فيه على قولين أحدهما: أنه القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، فالضمير في يسطرون للملائكة، والآخر: أنه القلم المعروف عند الناس، أقسم الله به لما فيه من المنافع والحكم، والضمير في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ على هذا لبني آدم ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ هذا جوةاب القسم وهو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم معناه: نفي نسبة الكفار له من الجنون، وبنعمة ربك اعتراض بين ما وخبرها كما تقول: أنت بحول الله أفضل، والمجرور في موضع الحال، وقال الزمخشري: إن العامل فيه بمجنون ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ ذكر في [فصلت: 8].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ن والقلم ﴾ مظهراً: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف.

ووجه الإخفاء نية الوصل ﴿ آن كان ﴾ بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد ﴿ آن كان ﴾ بقلب الثانية ألفاً، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة ﴿ يبدلنا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ لما تخيرون ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ليزلقونك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق.

الوقوف: ﴿ يسطرون ﴾ ه ط لأن ما بعده جواب القسم ﴿ لمجنون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وعطفاً على جواب القسم ﴿ ممنون ﴾ ه ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويبصرون ﴾ ج لأن ما بعد مفعول ﴿ المفتون ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط لاتفاق الجملتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ فيدهنون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ بنميم ﴾ ه لا ﴿ أثيم ﴾ ه لا ﴿ زنيم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ أن كان ﴾ مستفهماً ﴿ وبنين ﴾ ه ومن قرأ مقصوراً يقف على البنين دون ﴿ زنيم ﴾ ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الخرطوم ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لاحتمال أن يكون " إذ " ظرفاً ليكون وأن يكون مفعول " أذكر " محذوفاً ﴿ مصبحين ﴾ ه لا لتعلق أن المفسرة ﴿ صارمين ﴾ ه ﴿ يتخافتون ﴾ ه لا ﴿ مسكين ﴾ ه ﴿ قادرين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه لا لعطف " بل " واتحاد المفعول ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تسبحون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ يتلاومون ﴾ ه ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ راغبون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ كالمجرمين ﴾ ه ط ﴿ مالكم ﴾ ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ج ﴿ تدرسون ﴾ ه ج لأن ما بعده مفعول ﴿ تدرسون ﴾ وإنما كسرت " أن " لدخول اللام في خبرها ﴿ تخيرون ﴾ ه لا لأن " أم " معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ القيامة ﴾ لا لأن " أن " جواب الأيمان ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه لما مر في ﴿ تخيرون ﴾ ﴿ شركاء ﴾ ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ فلا يستطيعون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ سالمون ﴾ ه ﴿ بهذا الحديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ج للعطف ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ متين ﴾ ه ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ م بناء على أن " إذ " مفعول " اذكر ﴿ مكظوم ﴾ ه ط ﴿ مذموم ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة.

أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت بالذي لطخ سهم نمرود بدمه، اقوال.

عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة.

قال: إذا ما الشوق برّح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون قسماً بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة.

وعن بعض الثقات أن أصحاب السجر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس أو أشد سواداً منه يكتبون منه فيكون النون.

وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما روي ان النبي  قال "أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة" وعن معاوية بن قرة مرفوعاً أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه يأمرهم الله به.

وقيل: نهر في الجنة.

اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنساً لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علماً منصرفاً، وإن كان علماً غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الروحم ون هذا الإسم الخاص.

أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله  بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن " أول ما خلق الله القلم " والجوهرة التي وردت في الحديث " أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض" كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب.

و" ما " في قوله ﴿ وما يسطرون ﴾ موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة.

وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: " أنت " اسم " ما " والخبر ﴿ بمجنون ﴾ وقوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبساً بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبساً بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد.

وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان.

﴿ وإن لك ﴾ على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة ﴿ لأجراً غير ممنون ﴾ قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله ﴿ عطاء غير مجذوذ  ﴾ وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة.

وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبىء عن كونه غير ممنون.

الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً.

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي  كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم، وإليه الإشارة بقوله ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله ﴿ لعلى ﴾ إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع.

قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله  قالت: كان خلقه القرآن.

وفي روياة: قرأت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله  عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، ثم سلى نبيه  وهدد أعداءه بقوله ﴿ فستبصر ﴾ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين ﴿ ويبصرون ﴾ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة.

قوله ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون.

وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود.

وقيل: الباء بمعنى " في" وعل هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه.

وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله  سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون وإختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما.

ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ أي بمن جن ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهم العقلاء.

والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد.

قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله  ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه  حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملاً بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه.

ثم ذكر تمنيهم فقال ﴿ ودوا لو تدهن ﴾ تلين وتصانع ﴿ فيدهنون ﴾ أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآين يدهنون طمعاً في ادهانك.

قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.

ثم حض النبي قائلاً ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله.

وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية.

وأيضاً الحلاف يتفق له الكذب كثيراً والكذب حقير عند الناس.

والهماز الذي يذكرالناس بالمكروه.

وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس.

﴿ مشاء بنميم ﴾ أي لأجل سعاية.

والنميم مصدر نم ينم ﴿ مناع للخير ﴾ أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير ﴿ معتد ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أثيم ﴾ كثير الإثم ﴿ عتل ﴾ غليظ في الخلقة جاف في الخليقة.

الزنيم الدعي ومعنى ﴿ بعد ذلك ﴾ التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد.

عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسراً وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية.

وقوله ﴿ أن كان ﴾ بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ﴿ ذا مال ﴾ كذب فمتعلق الجار مدلول.

قوله ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال ﴾ وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله ﴿ يتلى ﴾ لأنه مضاف إليه.

عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة.

وقيل: كان الوليد دعياً في قريش ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل " جدع أنفه ورغم أنفه " والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة.

ومتى هذا الوسم؟

منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه.

وعن النضر بن شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها.

وسمي الخمر خرطوماً كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها.

ومنها من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم.

ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه ﴿ حلاف ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فلا يخفى كما لا تخفى السمة علىالخرطوم.

ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة.

ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء والضراء.

وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ﴿ ليصرمنها ﴾ أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي لا يقولون " إن شاء الله " وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا.

ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها.

هذا قول الأكثرين.

وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم ﴿ فطاف عليها ﴾ عذاب ﴿ طائف من ﴾ حكم ﴿ ربك ﴾ أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً.

قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت ﴿ وهم نائمون فأصبحت ﴾ الجنة ﴿ كالصريم ﴾ " فعيل " بمعنى " فاعل " أو معنى " مفعول " والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضاً صريماً لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم.

ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم " صرم الإناء " إذا أفرغه.

والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايراً لأثر الصرم.

وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه للصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئاً ينتفع به.

قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا ﴿ صارمين ﴾ لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما قال: غدا عليهم العدو ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول.

قوله ﴿ وغدوا على حرد ﴾ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم.

وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع.

وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة.

ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها.

ويجوز أن لا يكون قوله ﴿ على حرد ﴾ صلة ﴿ قادرين ﴾ ولكن الكل يعود إلى قوله ﴿ أن اغدوا على حرثكم ﴾ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرج وقوله ﴿ قادرين ﴾ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.

وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله ﴿ يتلاومون ﴾ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين.

وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله ﴿ إنا لضالون ﴾ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين.

ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال.

ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع به ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين.

﴿ قال أوسطهم ﴾ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ .

﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال الأكثرون: معنى التسبيح ههان الاستثناء لأنه  وبخهم بقوله ﴿ ولا يستثنون ﴾ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصاً في كمال القدرة.

وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر.

وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة.

لم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين ﴿ سبحان ربنا ﴾ عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته.

قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ بمنع المعروف وترك الاستثناء.

ومعنى ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً يقول واحد لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر.

ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.

ثم قالوا جميعاً ﴿ يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ اعترافاً بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين ﴿ عسى ربنا ﴾ الآية.

سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟

فقال: لقد كلفتني تعباً كأنه توقف في المسألة.

وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيراً منها.

وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.

ثم هدد المكلفين بقوله ﴿ كذلك العذاب ﴾ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ أشد وأعظم.

ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ﴾ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا.

قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فنفى الله معتقدهم بقوله ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلماً.

وأجيب بأنه  لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثرمن ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحابه الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية ﴿ أم نجعل المتقين كالفجار  ﴾ وقد مر في " ص ".

ثم قال لهم على طريقة الالتفات ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره ﴿ أم لكم أيمان علينا ﴾ يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به.

ومعنى ﴿ بالغة ﴾ مؤكدة مغلظة وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسوم عليه وهو قوله ﴿ إن لكم لما تحكمون ﴾ ثم قال لنبيه  أو لكل من يستأهل الخطاب ﴿ سلهم أيهم بذلك ﴾ الحكم ﴿ زعيم ﴾ أي كفيل بالإستدلال على صحته ﴿ أم لهم ﴾ ناس ﴿ شركاء ﴾ في هذا القول.

والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه.

قوله ﴿ يوم يكشف ﴾ قيل: منصوب بقوله ﴿ فليأتوا ﴾ أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم.

وقيل: بإضمار " اذكر" وقيل: التقدير يوم يكشف ﴿ عن ساق ﴾ كان كيت وكيت.

احتجت المشبهة على أن لله ساقاً وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعاً أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ حال كونهم ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.

وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه  منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.

" وقامت الحرب بنا على ساق".

ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح " يده مغلولة " ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله.

قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.

وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنة عظمتها كما يقول غيره.

وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء، وأصولها.

وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب.

وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم ﴿ ويدعون إلى السجود ﴾ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها.

والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفاً فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف.

ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد.

وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي.

والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه  لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر.

ثم خوفهم بنوع آخر قائلاً ﴿ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ﴾ وفيه تسلية للنبي  كأنه قال: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه.

وقوله ﴿ سنستدرجهم ﴾ إلى قوله ﴿ مبين ﴾ قد مر في آخر " الأعراف".

وقوله ﴿ أم تسألهم ﴾ إلى ﴿ يكتبون ﴾ قد مر في " الطور".

ثم أمر نبيه  بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس  وقد تقدم مراراً.

قال بعض العلماء: معنى قوله ﴿ كصاحب الحوت ﴾ أنه كان في ذلك الوقت مكظوماً أي مملوءاً من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة.

وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم.

وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة.

وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ﴿ وهو مذوم ﴾ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في "الصافات".

لولا تسبيحه لكانت حاله على الذم.

ويل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموماً ﴿ فاجتباه ربّه ﴾ بقبول التوبة ﴿ فجعله من الصالحين ﴾ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.

ثم أخبر نبيه  عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال ﴿ وإن يكاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها.

زلقه وأزلقه بمعنى.

يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه.

قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم " نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني " أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله.

ثم بين بقوله ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي  القرآن حسداً على ما أوتي من النبوة.

﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ حيرة في أمره وتنفيراً عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.

ثم قال  ﴿ وما هو ﴾ أي القرآن ﴿ إلا ذكر ﴾ وموعظة ﴿ للعالمين ﴾ وفيه استجهال أن يجنبن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف.

واعلم أن للعقلاء خلافاً في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟

وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسر بها أم لا؟

أما المقام الأول فقد شرحناه في أول " البقرة " في قوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين  ﴾ وفي يوسف في قوله ﴿ يا بني لا تدخلوا من باب واحد  ﴾ والذي نقوله ههنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.

ويروى أنه  قال " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه.

فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله  فقال: لم أر كاليوم رجلاً مثله.

فعصمه الله  .

طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي  وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات.

وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله - عز وجل -: ﴿ نۤ ﴾ ]، اختلف في تأويل نون: فمنهم من يقول: هو الحوت؛ كقوله: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً  ﴾ فنسبه إلى النون وهو الحوت؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ  ﴾ .

ومنهم من يقول: "النون" هو الدواة، فتأويل هذا على جهة الموافقة؛ لأنه ذكر القلم وما يسطر به، فلم يبق [هاهنا سوى] الدواة؛ فحمله على الدواة؛ لأجل الموافقة، لا أن يكون فيه معنى يدل على إرادة الدواة منه، والله أعلم.

ومنهم من يقول: هي فارسية معربة "أنون كن"، أي: اصنع ما شئت، يقال هذا عند الإياس: أن المرء إذا أيس عن آخر قال له: اصنع ما شئت إذن.

ومنهم من يقول: هو من الحروف المقطعة، ويشبه أن يكون كذلك؛ لأنه ذكر القلم وما يسطر على آثره، وإنما يكتب بالقلم ويسطر الحروف المعجمة، فأخبر -  - عظيم صنيعه ولطفه بإنشائه هذه الحروف وخلقه القلم وما يسطر عليه؛ حيث يوصل بها إلى معرفة الحكمة وكل ما يكون به المصلحة من الدين والدنيا، بل جعل قوام الدين والدنيا بها.

ومنهم من يجعل كل حرف من الحروف المعجمة اسما من أسماء الله  ، أو افتتاح اسم من أسمائه، وكذلك يروى عن بعض الصحابة -  م - أنه قال ذلك.

فإن كان النون اسما من أسماء الله  ، فالقسم به قسم بالله  ، وإن كان على غيره من الوجوه التي ذكرناها، فالقسم جار بما به قوام سائر الخلق ومصالحهم، وقد ذكرنا أن القسم لتأكيد ما يقصد من الأمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ .

فموضع القسم هذا أقسم بما ذكر ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ : [ما أنت بما أنعم الله عليك بمجنون؛ وهذا] يحتمل أوجهاً: أحدها: أي: نعمة ربك حفظتك عن الجنون؛ فنفى عنه الجنون بقوله: ما أنت بما أنعم الله عليك بمجنون، وهذا كما يقال: ما أنت بحمد الله بمجنون، يراد به نفي الجنون.

والثاني: أنك لست ممن خدعته النعمة واغتر بها حتى شغلته عن العمل بما له وعليه، والمجنون في النعمة هو الذي غرته النعم وألهته عن التزود للمعاد.

أو ما أنت بغافل عن نعمة [السيد، وهو الرب  -] بل تذكرها وتشكر الله  عليها، والمجنون من غفل عن النعمة وأعرض عن شكرها.

ثم الكفرة كانوا ينسبونه إلى الجنون: إما لما كان يغشى؛ لثقل الوحي، فكانوا ينسبونه لهذا، وإما لما رأوا أنه خاطر بنفسه وروحه حيث خالف أهل الأرض، وفيها الجبابرة والفراعنة، وانتصب لمعاداتهم، ومن قام بخلاف من لا طاقة له معه وانتصب لمعاداته، فذلك منه في الشاهد جنون، فأجاب الله  للفريقين جميعاً: أما للأول بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ  ﴾ .

أي: كيف تنسبونه إلى الجنون وعند الإفاقة من تلك الغشية يأتيهم بحكمة وموعظة يعجز حكماء الجن والإنس عن إتيان مثله، وليس ذلك من علم المجانين، ولا مما يمكن تحصيله في حال الجنون؛ لأن المجنون إذا أفاق من غشيته، تكلم بكلام لا يعبأ بمثله، ولا يكترث له.

وأجاب لمن كان نسبه إلى الجنون؛ لما خاطر بروحه ونفسه بقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ  ﴾ ، فأخبر أن الذي حمله على المخاطرة بروحه وجسده هو أنه مأمور بالتبليغ والنذارة، فهو يقوم بما أمر، وإن أدى ذلك إلى إتلاف النفس، ثم - بحمد الله  - لم يتهيأ للفراعنة أن يقتلوه ولا تمكنوا من المكر به، بل أظفره الله  عليهم حتى قتلهم ورد كيدهم في نحورهم؛ فصار الوجه الذي استدلوا به على جنونه آية رسالته ودلالة نبوته، والله الهادي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ .

قال الحسن: أي: لا يمن عليك المنة التي تؤذيك، ولكن يمن عليك منة رحمة وكرامة، والمن المؤذي كما ذكر - عز وجل -: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ  ﴾ ، فليس لأحد عليك منة تؤذيك.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير مقطوع، أي: إن أجرك غير مقدر بالأعمال حتى يجري بقدر الأعمال، فإذا انقطعت الأعمال انقطع الأجر وانقرض، بل يتتابع عليك ويدر، يقال في الكلام: مننت الحبل، أي: قطعته.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير محسوب، أي: لا نحسب عليك النعم؛ فتفنى بفناء الحساب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ .

خلقه العظيم: هو القرآن، ومعناه ما أدبه القرآن؛ وذلك كقوله: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ \[المؤمنون: 96\]؛ وكقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، فأخذه بالعفو وأمره بالعرف، وإعراضه عن الجاهلين، ودفعه السيئة بالتي هي أحسن، وخفضه الجناح للمؤمنين - من أعظم الخُلُق.

وتخلق بهذا كله بما أدبه القرآن، والله أعلم.

وقال بعضهم: الخلق العظيم: هو الإسلام، والإسلام هو الاستسلام والانقياد لأمر الله  ، وقد استسلم لذلك، وسلم الناس من لسانه ويده، ومن كل أنواع الأذى، وذلك من أعظم الخلق.

والأصل أن رسول الله  كلف معاملة أعداء الله  ومعاملة أولياء الله وأنصاره، وكلف أن يرفض الدنيا ويتزهد فيها، وكلف معاملة الصغير والكبير والعالم والجاهل والجن والإنس، وكلف معاملة نسائه، ومن كلف المعاملة مع هؤلاء، لم يقم بها إلا بخلق عظيم، ورزقه الله  خلقاً عظيماً حتى احتمل المعاملة، وقام معهم بحسن العشرة، وحتى عوتب على عظيم خلقه بقوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، فالذي حمله على هذه المشقة والكلفة العظيمة حسن خلقه وفضل شفقته ورحمته، فعظم خلقه أن خلقه جاوز قوى نفسه حتى ضعفت نفسه عن احتماله وكادت تهلك فيه، وغيره من الخلائق تقصر أخلاقهم عن قوى أنفسهم، وأنفسهم: تحتمل أضعاف ما هم عليه من الخلق وتضيق أخلاقهم عن ذلك، فهذا الذي ذكرنا هو النهاية في العظم، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ ن ﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.

أقسم الله بالقلم وأقسم بما يكتبه الناس بأقلامهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.kpvew"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله