الآية ٢ من سورة الهمزة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 104 الهمزة > الآية ٢ من سورة الهمزة

ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًۭا وَعَدَّدَهُۥ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الهمزة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الهمزة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الذي جمع مالا وعدده ) أي : جمعه بعضه على بعض ، وأحصى عدده كقوله : ( وجمع فأوعى ) [ المعارج : 18 ] قاله السدي وابن جرير .

وقال محمد بن كعب في قوله : ( جمع مالا وعدده ) ألهاه ماله بالنهار ، هذا إلى هذا ، فإذا كان الليل ، نام كأنه جيفة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ ) يقول: الذي جمع مالا وأحصى عدده, ولم ينفقه في سبيل الله, ولم يؤد حق الله فيه, ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأه من قرّاء أهل المدينة أبو جعفر, وعامة قرّاء الكوفة سوى عاصم: " جَمَّعَ" بالتشديد, وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والحجاز, سوى أبي جعفر وعامة قرّاء البصرة, ومن الكوفة عاصم, " جَمَعَ" بالتخفيف, وكلهم مجمعون على تشديد الدال من ( وَعَدَّدَهُ ) على الوجه الذي ذكرت من تأويله.

وقد ذكر عن بعض المتقدمين بإسناد غير ثابت, أنه قرأه: " جَمَعَ مَالا وَعَدَدَهُ" تخفيف الدال, بمعنى: جمع مالا وجمع عشيرته وعدده.

هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها, بخلافها قراءة الأمصار, وخروجها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك.

وأما قوله: ( جَمَعَ مَالا ) فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان, لأنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذي جمع مالا وعددهأي أعده - زعم - لنوائب الدهر ; مثل كرم وأكرم .

وقيل : أحصى عدده ; قاله السدي .

وقال الضحاك : أي أعد ماله لمن يرثه من أولاده .

وقيل : أي فاخر بعدده وكثرته .

والمقصود الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة .

كما قال : مناع للخير ، وقال : وجمع فأوعى .

وقراءة الجماعة جمع مخفف الميم .

وشددها ابن عامر وحمزة والكسائي على التكثير .

واختاره أبو عبيد ; لقوله : وعدده .

وقرأ الحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية جمع مخففا ، وعدده مخففا أيضا ; فأظهروا التضعيف لأن أصله عده وهو بعيد ; لأنه وقع في المصحف بدالين .

وقد جاء مثله في الشعر ; لما أبرزوا التضعيف خففوه .

قال :مهلا أمامة قد جربت من خلقي إني أجود لأقوام وإن ضننواأراد : ضنوا وبخلوا ، فأظهر التضعيف ; لكن الشعر موضع ضرورة .

قال المهدوي : من خفف وعدده فهو معطوف على المال ; أي وجمع عدده فلا يكون فعلا على إظهار التضعيف ; لأن ذلك لا يستعمل إلا في الشعر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن صفة هذا الهماز اللماز، أنه لا هم له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبة في إنفاقه في طرق الخيرات وصلة الأرحام، ونحو ذلك،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم وصفه فقال : ( الذي جمع مالا ) قرأ أبو جعفر ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : " جمع " بتشديد الميم على التكثير ، وقرأ الآخرون بالتخفيف .

( وعدده ) أحصاه ، وقال مقاتل : استعده وادخره وجعله عتادا له ، يقال : أعددت [ الشيء ] وعددته إذا أمسكته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذي جمع» بالتخفيف والتشديد «مالا وعدده» أحصاه وجعله عدة لحوادث الدهر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذي كان همُّه جمع المال وتعداده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( الذى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ ) زيادة تشنيع وتقبيح للهمزة اللمزة .

.ومعنى " عدده " : جعله عدته وذخيرته ، وأكثر من عده وإحصائه لحرصه عليه ، والجملة الكريمة فى محل نصب على الذم .أى : عذاب وهلاك لكل إنسان مكثر من الطعن فى أعراض الناس ، ومن صفاته الذميمة أنه فعل ذلك بسبب أنه جمع مالا كثيرا ، وأنفق الأوقات الطويلة فى عده مرة بعد أخرى ، حبا له وشغفا به وتوهما منه أن هذا المال الكثير هو مناط التفاضل بين الناس .وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى ( جمَّع ) - بتشديد الميم - وهو مبالغة فى ( جمع ) بتخفيف الميم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ﴿ الذى ﴾ بدل من كل أو نصب على ذم، وإنما وصفه الله تعالى بهذا الوصف لأنه يجري مجرى السبب والعلة في الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أن الفضل فيه لأجل ذلك فيستنقص غيره.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي وابن عامر جمع بالتشديد والباقون بالتخفيف والمعنى في جمع وجمع واحد متقارب، والفرق أن ﴿ جَمَعَ ﴾ بالتشديد يفيد أنه جمعه من هاهنا وههنا، وأنه لم يجمعه في يوم واحد، ولا في يومين، ولا في شهر ولا في شهرين، يقال: فلان يجمع الأموال أي يجمعها من هاهنا وههنا، وأما جمع بالتخفيف، فلا يفيد ذلك، وأما قوله: ﴿ مَالاً ﴾ فالتنكير فيه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقال: المال اسم لكل ما في الدنيا كما قال: ﴿ الْمَالُ والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا  ﴾ فمال الإنسان الواحد بالنسبة إلى مال كل الدنيا حقير، فكيف يليق به أن يفتخر بذلك القليل والثاني: أن يكون المراد منه التعظيم أي مال بلغ في الخبث والفساد أقصى النهايات.

فكيف يليق بالعاقل أن يفتخر به؟

أما قوله: ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ ففيه وجوه: أحدها أنه مأخوذ من العدة وهي الذخيرة يقال: أعددت الشيء لكذا وعددته إذا أمسكته له وجعلته عدة وذخيرة لحوادث الدهر.

وثانيها: عدده أي أحصاه وجاء التشديد لكثرة المعدود كما يقال: فلان يعدد فضائل فلان، ولهذا قال السدي: وعدده أي أحصاه يقول: هذا لي وهذا لي يلهيه ماله بالنهار فإذا جاء الليل كان يخفيه.

وثالثها: عدده أي كثره يقال: في بني فلان عدد أي كثرة، وهذان القولان الأخيران راجعان إلى معنى العدد، والقول الثالث إلى معنى العدة، وقرأ بعضهم وعدده بالتخفيف وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى جمع المال وضبط عدده وأحصاه وثانيهما: جمع ماله وعدد قومه الذين ينصرونه من قولك فلان ذو عدد وعدد إذا كان له عدد وافر من الأنصار والرجل متى كان كذلك كان أدخل في التفاخر ثم وصفه تعالى بضرب خر من الجهل فقال:.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الهمز: الكسر، كالهرم.

واللمز: الطعن.

يقال: لمزه لهزه طعنه، والمراد: الكسر من أعراض الناس والغض منهم، واغتيابهم؛ والطعن فيهم وبناء ﴿ فعلة ﴾ يدلّ على أنّ ذلك عادة منه قد ضرى بها.

ونحوهما: اللعنة والضحكة.

قال: وَإنِ أُغَيَّبْ فَأَنْتَ الْهَامِزُ اللُّمَزَهْ وقرئ: ﴿ ويل للهمزة اللمزة ﴾ وقرئ: ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ بسكون الميم: وهو المسخرة الذي يأتي بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه، ويشتم.

وقيل: نزلت في الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة والوقيعة.

وقيل: في أمية بن خلف.

وقيل: في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه منه.

ويجوز أن يكون السبب خاصاً والوعيد عاماً، ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون جارياً مجرى التعريض بالوارد فيه، فإنّ ذلك أزجر له وأنكى فيه ﴿ الذى ﴾ بدل من كل.

أو نصب على الذم.

وقرئ: ﴿ جمع ﴾ بالتشديد، وهو مطابق لعدده.

وقيل: ﴿ عدّده ﴾ جعله عدة لحوادث الدهر.

وقرئ: ﴿ وعدده ﴾ أي: جمع المال وضبط عدده وأحصاه.

أو جمع ماله وقومه الذين ينصرونه، من قولك: فلان ذو عدد وعدد: إذا كان له عدد وافر من الأنصار وما يصلحهم.

وقيل: ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ معناه: وعدّه على فك الإدغام، نحو: ضننوا ﴿ أَخْلَدَهُ ﴾ وخلده بمعنى أي: طوّل المال أمله، ومنّاه الأماني البعيدة، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله يحسب أنّ المال تركه خالداً في الدنيا لا يموت.

أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالصخر والآجر وغرس الأشجار وعمارة الأرض: عمل من يظن أن ماله أبقاه حياً.

أو هو تعريض بالعمل الصالح.

وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم؛ فأما المال فما أخلد أحداً فيه.

وروي أنه كان للأخنس أربعة آلاف دينار.

وقيل: عشرة آلاف.

وعن الحسن: أنه عاد موسراً فقال: ما تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم ولا تفضلت بها على كريم؟

قال: ولكن لماذا؟

قال: لنبوة الزمان، وجفوة السلطان، ونوائب الدهر.

ومخافة الفقر.

قال: إذن تدعه لمن لا يحمدك، وترد على من لا يعذرك ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع له عن حسبانه.

وقرئ: ﴿ لينبذان ﴾ أي: هو وماله.

ولينبذن، بضم الذال، أي: هو وأنصاره.

ولينبذنه ﴿ فِى الحطمة ﴾ في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها.

ويقال للرجل الأكول: إنه لحطمة.

وقرئ: ﴿ الحاطمة ﴾ يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى لا تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد، ولا أشدّ تألماً منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا أطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه.

ويجوز أن يخصّ الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة والنيات الخبيثة.

ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تعلوها وتغلبها وتشتمل عليها.

أو تطالع على سبيل المجاز معادن موجبها ﴿ مُّؤْصَدَةٌ ﴾ مطبقة.

قال: تَحِنُّ إلَى أَجْبَالِ مَكَّةَ نَاقَتِي ** وَمِنْ دُونِهَا أَبْوَابُ صَنْعَاءَ مُوصَدَهْ وقرئ: ﴿ في عمد ﴾ بضمتين.

وعمد، بسكون الميم.

وعمد بفتحتين.

والمعنى: أنه يؤكد يأسهم من الخروج وتيقنهم بحبس الأبد، فتؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقاً في استيثاق.

ويجوز أن يكون المعنى: إنها عليهم مؤصدة، موثقين في عمد ممدّدة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص.

اللهم أجرنا من النار يا خير مستجار.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد وأصحابه» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها تِسْعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ الهَمْزُ الكَسْرُ كالهَزْمِ، واللَّمْزُ الطَّعْنُ كالهَزْمِ فَشاعا في الكَسْرِ مِن أعْراضِ النّاسِ والطَّعْنِ فِيهِمْ، وبِناءُ فِعْلِهِ يَدُلُّ عَلى الِاعْتِيادِ فَلا يُقالُ: ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ إلّا لِلْمُكْثِرِ المُتَعَوِّدِ، وقُرِئَ «هُمْزَةٍ لُمْزَةٍ» بِالسُّكُونِ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ فَيُضْحَكُ مِنهُ ويُشْتَمُ.

ونُزُولُها في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ فَإنَّهُ كانَ مِغْيابًا، أوْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ واغْتِيابِهِ رَسُولَ اللَّهِ  .

﴿ الَّذِي جَمَعَ مالا ﴾ بَدَلٌ مِن كُلِّ أوْ ذَمٌّ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ وجَعَلَهُ عُدَّةً لِلنَّوازِلِ أوْ عُدَّةً مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «وَعَدَّدَهُ» عَلى فَكِّ الإدْغامِ.

﴿ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ ﴾ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا فَأحَبَّهُ كَما يُحِبُّ الخُلُودَ، أوْ حُبُّ المالِ أغْفَلَهُ عَنِ المَوْتِ أوْ طَوَّلَ أمَلَهُ حَتّى حَسِبَ أنَّهُ مُخَلَّدٌ فَعَمِلَ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ المَوْتَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُخَلِّدَ هو السَّعْيُ لِلْآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذى} بدل من كل أو نصب على الذم {جَمَعَ مَالاً} جَمَعَ شامي وحمزة وعلي مبالغة جمع وهو مطابق لقوله {وَعَدَّدَهُ} أي جعله عدة لحوادث الدهر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَمَعَ مالا ﴾ بَدَلٌ مِن «كُلٍّ» بَدَلُ كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقالَ الجارْبَرْدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ إذْ جَعَلَ جُمْلَةَ (مَعَها سائِقٌ) حالًا مِن (كُلُّ نَفْسٍ) لِذَلِكَ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا عَلى الذَّمِّ، وتَنْكِيرُ «مالًا» لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، وقَدْ كانَ عِنْدَ القائِلِينَ أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أقَلُّ وأحْقَرُ شَيْءٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: «جَمَّعَ» بِشَدِّ المِيمِ لِلتَّكْثِيرِ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَدَّدَهُ ﴾ أيْ: عَدَّهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حُبًّا لَهُ وشَغَفًا بِهِ.

وقِيلَ: جَعَلَهُ أصْنافًا وأنْواعًا كَعَقارٍ ونُقُودٍ حَكاهُ في التَّأْوِيلاتِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ: جَعَلَهُ عُدَّةً ومُدَّخَرًا لِنَوائِبِ الدَّهْرِ ومَصائِبِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ: «وعَدَدَهُ» بِالتَّخْفِيفِ؛ فَقِيلَ مَعْناهُ وعَدَّهُ فَهو فِعْلٌ ماضٍ فُكَّ إدْغامُهُ عَلى خِلافِ القِياسِ كَما في قَوْلِهِ: مَهْلًا أعاذِلُ هَلْ جَرَّبْتِ مِن خُلُقِي أنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا وقِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى العَدَدِ المَعْرُوفِ مَعْطُوفٌ عَلى ( مالَهُ ) أيْ: جَمَعَ مالَهُ وضَبَطَ عَدَدَهُ وأحْصاهُ ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ مِن بابِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا؛ لِأنَّ جَمْعَ العَدَدِ عِبارَةٌ عَنْ ضَبْطِهِ وإحْصائِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ أُيِّدَ بِالقِراءَةِ المَذْكُورَةِ المَعْنى الأوَّلُ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى الأتْباعِ والأنْصارِ يُقالُ: فُلانٌ ذُو عَدَدٍ وعُدَدٍ إذا كانَ لَهُ عَدَدٌ وافِرٌ مِنَ الأنْصارِ وما يُصْلِحُهم وهو مَعْطُوفٌ عَلى (مالَهُ) أيْضًا أيْ: جَمَعَ مالَهُ وقَوْمَهُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي تسع آيات مكية قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ يعني: الشدة من العذاب.

ويقال: وَيْلٌ واد في جهنم، لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال أبو العالية: يعني: يهمزه في وجهه، ويلمزه من خلفه.

وقال مجاهد: الهمزة اللعان، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس.

وقال ابن عباس: الهمزة واللمزة، الذي يفرق بين الناس بالنميمة.

والآية نزلت في الأخنس بن شريق.

ويقال: الذي يسخر من الناس، فيشير بعينه وبحاجبيه، وبشفتيه إليه.

وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان يغتاب النبيّ  ، ويطعن في وجهه.

ويقال: نزلت في جميع المغتابين.

ثم قال عز وجل: الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يعني: استعبد بماله، الخدم والحيوان، وعدّده أي: حسبه وأحصاه.

قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ بالتشديد، والباقون بالتخفيف.

فمن قرأ بالتشديد، فهو للمبالغة كثر الجمع، ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه وجمع مَالاً وَعَدَّدَهُ أي: قوماً أعدهم نصارا.

قوله عز وجل: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ يعني: يظن أن ماله الذي جمع، أخلده في الدنيا، ويمنعه من الموت.

ومن قرأ بالتخفيف، فلا يموت حتى يفنى ماله.

يقول الله تعالى: كَلَّا لا يخلده ماله أبداً، وولده.

ثم استأنف فقال عز وجل: لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ يعني: ليطرحن، وليقذفن في الحطمة، والحطمة اسم من أسماء النار.

ثم قال: وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ تعظيماً لشدتها.

ثم وصفها فقال: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ يعني: المستعرة، تحطم العظام، وتأكل اللحم، فلهذا سميت الحطمة الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ يعني: تأكل اللحم، حتى تبلغ أفئدتهم.

وقال القتبي: تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ أي: تشرف على الأفئدة، وخص الأفئدة، لأن الألم إذا وصل إلى الفؤاد، مات صاحبه.

فأخبر أنهم في حال من يموت، وهم لا يموتون، كما قال الله تعالى: لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [الأعلى: 13] ويقال: تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ يعني: تأكل الناس، حتى تبلغ الأفئدة فإذا بلغت ابتدأ خلقه، ولا تحرق القلب، لأن القلب إذا احترق، لا يجد الألم، فيكون القلب على حاله.

ثم قال: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ يعني: مطبقة على الكافرين فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ يعني: طبقها مشدود إلى العمد.

وقال الزجاج: معناه العذاب مطبق عليهم في عمد، أي: عمد من النار.

وقال الضحاك: مؤصدة أي: حائط لا باب فيه.

وروي عن الأعمش، أنه كان يقرأ عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ممدودة يعني: أطبقت الأبواب، ثم شددت بالأوتاد من حديد، من نار حتى يرجع إليهم غمها وحرها، فلا يفتح لهم باب، ولا يدخل عليهم روح، ولا يخرج منها غم إلى الأبد.

قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر، في عُمد ممدودة بضم العين والميم.

وقرأ الباقون بالنصب، ومعناهما واحد، وهو جمع العماد.

والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «الهمزة»

وهي مكّيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)

تقدم تفسير: وَيْلٌ وال هُمَزَةٍ: الذي يَهْمِزُ الناسَ بلسانهِ، أي: يَعيبُهم ويَغْتَابُهم، وال لُمَزَةٍ: قريبٌ في المعنَى مِنْ هَذَا، وَقَدْ تَقَدم بيانُه في قوله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] ، وفي قوله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ [التوبة: ٧٩] وغيرهِ، قيل: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في الأَخْنَسِ بن شُرَيْق، وقِيلَ في جميل بن عامر، ثم هِي تتناولُ كلَّ منِ اتَّصَفَ بهذه الصفاتِ.

وَعَدَّدَهُ معناه: أحْصَاهُ وحافظَ على عَدَدِهِ أن لا ينتقص، وقال الداوديّ:

وَعَدَّدَهُ: أي: اسْتَعَدَّه، انتهى، لَيُنْبَذَنَّ: لَيُطْرَحَنَّ- ص-: نارُ اللَّهِ: خَبَرُ مبتدإٍ مَحْذُوفٍ، أي: هي نار الله، انتهى.

والَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ: أي: الَّتِي يَبْلُغَ إحْرَاقَها وألمهَا القلوبُ.

و «موصدة» : أي مُطْبَقَة مُغْلَقَة.

فِي عَمَدٍ جَمْعِ عَمُودٍ، وقرأ ابن مسعود «١» : «مُؤصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» وقال ابن زيد:

المعنى: في عمد حديد مغلولين بها، والكلّ من نار «٢» ، عافانا الله من ذلك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الهُمَزَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.

ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.

والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.

والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.

والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ.

ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ.

واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.

والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ.

وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم.

قالَ الشّاعِرُ: إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَمَعَ مالا ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ.

والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ.

ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا.

أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿ لَيُنْبَذَنَّ ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿ فِي الحُطَمَةِ ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ.

ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها.

قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ.

والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟

أيْ: بَلَغْتَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ.

وخَصَّ الأفْئِدَةَ، لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ.

وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي عَمَدٍ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ.

و " في " بِمَعْنى الباءِ.

والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ.

قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها.

و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ.

وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الهُمَزَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ ﴿ الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ ﴾ ﴿ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ ﴾ ﴿ كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ ﴾ ﴿ نارُ اللهِ المُوقَدَةُ ﴾ ﴿ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ ﴾ ﴿ إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴾ ﴿ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ "وَيْلٌ" لَفْظٌ يَجْمَعُ الشَرَّ والخِزْيَ، وقِيلَ: وقِيلَ وادٍ في جَهَنَّمَ، و"الهُمَزَةُ": الَّذِي يَهْمِزُ الناسَ بِلِسانِهِ، أيْ يَعِيبُهم ويَغْتابُهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المَشّاءُ بِالنَمِيمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ بِهِ لَكِنَّهُما صِفَتانِ بِتَلازُمٍ، قالَ تَعالى: ﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ  ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ: "الهُمَزَةُ": الَّذِي يَأْكُلُ لُحُومَ الناسِ، وقِيلَ لِأعْرابِيٍّ: أتَهْمِزُ إسْرائِيلَ؟

قالَ: إنِّي إذا لَرَجُلُ سُوءٍ، حَسِبَ أنَّهُ يُقالُ لَهُ: أتَقَعُ في سَبِّهِ؟

و"اللُمَزَةُ" قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى في "الهَمْزَةِ"، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "وَيْلٌ لِلْهُمْزَةِ اللُمَزَةِ".

وهَذا البِناءُ الَّذِي هو "فِعْلَةٌ" يَقْتَضِي المُبالَغَةَ في مَعْناهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ: الهَمْزُ بِالحُضُورِ واللَمْزُ بِالمَغِيبِ، وقالَ مُقاتِلٌ ضِدَّ هَذا، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: الهَمْزُ بِاليَدِ والعَيْنِ، واللَمْزُ بِاللِسانِ، قالَ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ  ﴾ .

وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ: "جَمَّعَ" بِشِدَّة المِيمِ، والباقُونَ بِالتَخْفِيفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعَدَّدَهُ" مَعْناهُ: أحْصاهُ وحافَظَ عَلى عَدَدِهِ ألّا يَنْتَقِصَ، فَمَنَعَهُ مِنَ الخَيْراتِ ونَفَقَةِ البِرِّ، وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى اسْتَعَدَّهُ وادَّخَرَهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَعَدَدَهُ" بِتَخْفِيفِ الدالَيْنِ، فَقِيلَ: المَعْنى: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا مِن عَشْرَةٍ، وقِيلَ: أرادَ "عَدَدًا" مُشَدَّدًا فَحَلَّ التَضْعِيفَ.

وهَذا قَلِقٌ.

وقَوْله: ﴿ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ ﴾ مَعْناهُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ هو مَعْنى حَياتِهِ وقِوامُها، وأنَّهُ حَفِظَهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ ويَحْفَظُهُ، ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى هَذِهِ المَحْسَبَةِ، وأخْبَرَ إخْبارًا مُؤَكَّدًا أنَّهُ يَنْبِذُ في الحُطَمَةِ، أيِ الَّتِي تُحَطِّمُ ما فِيها وتَلْتَهِمُهُ.

وقَرَأ: "يَحْسَبُ"- بِفَتْحِ السِينِ-، الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "لِيُنْبَذانِّ" بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ قَبْلَها ألِفٌ، يَعْنِي: هو ومالُهُ، ورُوِيَ عنهُ ضَمُّ الذالِ عَلى نَبْذِ جَماعَةٍ، هو ومالُهُ وعَدَدُهُ، أو يُرِيدُ جَماعَةَ الهَمَزاتِ.

ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى شَأْنَها، وأخْبَرَ أنَّها نارُ اللهِ المُوقَدَةُ الَّتِي يَبْلُغُ إحْراقُها القُلُوبَ ولا يُخْمَدُ، و"الفُؤادُ" القَلْبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها لا يَتَجاوَزُها أحَدٌ حَتّى تَأْخُذَهُ بِواجِبِ عَقِيدَةِ قَلْبِهِ ونِيَّتِهِ، فَكَأنَّها مُتَطَلِّعَةٌ عَلى القُلُوبِ بِاطِّلاعِ اللهِ تَعالى إيّاها، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّها مُوصَدَةٌ، ومَعْناهُ: مُطَبَّقَةٌ أو مُغْلَقَةٌ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أبْوابُ النارِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي عَمَدٍ" جَمْعُ "عَمُودٍ" مِثْلُ أدِيمٍ وأُدْمٍ، وهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أسْماءُ جَمْعٍ لا جُمُوعَ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ"، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ لَها، والكُلُّ مِن نارٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النارُ هي في قُبُورِهِمْ.

وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عُمُدٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ بِفَتْحِهِما.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُمَدَّدَةٍ" بِالخَفْضِ، عَلى نَعْتٍ "العُمُدِ"، وقَرَأ عاصِمٌ: "مُمَدَّدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى اتِّباعِ "مُؤْصَدَةٌ".

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الهُمَزَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ بالصبر ﴾ ﴿ أَخْلَدَهُ ﴾ .

كلمة (ويل له) دُعاء على المجرور اسمُه باللام بأن يناله الويل وهو سوء الحال كما تقدم غير مرة منها قوله تعالى: ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند اللَّه ﴾ في سورة البقرة (79).

والدعاء هنا مستعمل في الوعيد بالعقاب.

وكلمة (كُلّ) تشعر بأن المهددين بهذا الوعيد جماعة وهم الذين اتخذوا همز المسلمين ولمزهم ديدناً لهم أولئك الذين تقدم ذكرهم في سبب نزول السورة.

وهُمَزَة ولُمزة: بوزن فُعَلَة صيغة تدل على كثرة صدور الفعل المصاغ منه.

وأنه صار عادة لصاحبه كقولهم: ضُحَكَة لكثير الضحك، ولُعَنَة لكثير اللعن، وأصلها: أن صيغة فُعَل بضم ففتح ترد للمبالغة في فَاعل كما صرح به الرضيّ في شرح الكافية} يقال: رجل حُطَم إذا كان قليل الرحمة للماشية، أي والدواب.

ومنه قولهم: خُتع (بخاء معجمة ومثناة فوقية) وهو الدليل الماهر بالدلالة على الطريق فإذا أريدت زيادة المبالغة في الوصف أُلحق به الهاء كما أُلحقت في: علاّمة ورحَّالة، فيقولون: رجل حُطمة وضُحكة ومنه هُمزة، وبتلك المبالغة الثانية يفيد أن ذلك تفاقم منه حتى صار له عادة قد ضري بها كما في «الكشاف»، وقد قالوا: إن عُيَبَة مساوٍ لعيابة، فمن الأمثلة ما سمع فيه الوصف بصيغتي فُعَل وفُعَلَة نحو حُطم وحطمة بدون هاء وبهاء، ومن الأمثلة ما سمع فيه فُعلة دون فُعل نحو رجل ضُحَكة، ومن الأمثلة ما سمع فيه فُعَل دون فُعَلَة وذلك في الشتم مع حرف النداء يا غُدَر ويا فُسق ويا خُبَث ويا لُكع.

قال المرادي في «شرح التسهيل» قال: بعضهم ولم يسمع غيرها ولا يقاس عليها، وعن سيبويه أنه أجاز القياس عليها في النداء اه.

قلت: وعلى قول سيبويه بنى الحريري قوله في «المقامة السابعة والثلاثين»: «صَهْ يا عُقَق، يا من هو الشّجَا والشَرَق».

وهُمزة: وصف مشتق من الهَمز.

وهو أن يعيب أحدٌ أحداً بالإِشارة بالعين أو بالشِّدق أو بالرأس بحضرته أو عند توليه، ويقال: هَامز وهمَّاز، وصيغة فُعلة يدل على تمكن الوصف من الموصوف.

ووقع ﴿ همزة ﴾ وصفاً لمحذوف تقديره: ويل لكل شَخْص هُمزة، فلما حذف موصُوفه صار الوصف قائماً مقامه فأضيف إليه (كُلّ).

ولمزة: وصف مشتق من اللمز وهو المواجعة بالعيب، وصيغته دالة على أن ذلك الوصف ملكة لصاحبه كما في هُمزة.

وهذان الوصفان من معاملة أهل الشرك للمؤمنين يومئذ، ومَن عامَلَ من المسلمين أحداً من أهل دينه بمثل ذلك كان له نصيب من هذا الوعيد.

فمن اتصف بشيء من هذا الخُلق الذميم من المسلمين مع أهل دينه فإنها خصلة من خصال أهل الشرك.

وهي ذميمة تدخل في أذى المسلم وله مراتب كثيرة بحسب قوة الأذى وتكرره ولم يُعد من الكبائر إلا ضربُ المسلم.

وسبُّ الصحابة رضي الله عنهم وإدمان هذا الأذى بأن يتخذه ديدناً فهو راجع إلى إدمان الصغائر وهو معدود من الكبائر.

وأتبع ﴿ الذي جمع مالاً وعدده ﴾ لزيادة تشنيع صفتيه الذميمتين بصفة الحرص على المال.

وإنما ينشأ ذلك عن بخل النفس والتخوف من الفقر، والمقصود من ذلك دخول أولئك الذين عُرفوا بهمز المسلمين ولمزهم الذين قيل إنهم سبب نزول السورة لتعيينهم في هذا الوعيد.

واسم الموصول من قوله: ﴿ الذي جمع مالاً ﴾ نعت آخر ولم يعطف ﴿ الذي ﴾ بالواو لأن ذكر الأوصاف المتعددة للموصوف الواحد يجوز أن يكون بدون عطف نحو قوله تعالى: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم ﴾ [القلم: 10 13].

والمال: مكاسب الإِنسان التي تنفعه وتكفي مؤونة حاجته من طعام ولباس وما يتخذ منه ذلك كالأنعام والأشجار ذات الثمار المثمرة.

وقد غلب لفظ المال في كل قوم من العرب على ما هو الكثير من مشمولاتهم فغلب اسم المال بين أهل الخيام على الإِبل قال زهير: فكُلاّ أراهم أصبحوا يعقلونه *** صحيحاتتِ مال طالعات بمخرم يريد إبل الدية ولذلك قال: طالعات بمخرم.

وهو عند أهل القرى الذين يتخذون الحوائط يغلب على النخل يقولون خرج فلان إلى مَاله، أي إلى جناته، وفي كلام أبي هريرة: " وإن أخواني الأنصار شغلهم العمل في أموالهم " وقال أبو طلحة: «وإن أحب أموالي إليَّ بئرُ حاء».

وغلب عند أهل مكة على الدراهم لأن أهل مكة أهل تجر ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: " أينَ المال الذي عند أم الفضل ".

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ سورة آل عمران (92).

ومعنى: عدده} أكْثر من عدِّه، أي حسابه لشدة ولعه بجمعه فالتضعيف للمبالغة في (عدَّ) ومعاودته.

وقرأ الجمهور ﴿ جمع مالاً ﴾ بتخفيف الميم، وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلفٌ بتشديد الميم مزاوجاً لقوله: ﴿ عدده ﴾ وهو مبالغة في ﴿ جمع ﴾ .

وعلى قراءة الجمهور دل تضعيف ﴿ عدده ﴾ على معنى تكلف جمعه بطريق الكناية لأنه لا يكرر عده إلا ليزيد جمعه.

ويجوز أن يكون ﴿ عدده ﴾ بمعنى أكثر إعداده، أي إعداد أنواعه فيكون كقوله تعالى: ﴿ والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ﴾ [آل عمران: 14].

وجملة: ﴿ يحسب أن ماله أخلده ﴾ يجوز أن تكون حالاً من هُمَزة فيكون مستعملاً في التَّهكم عليه في حرصه على جمع المال وتعديده لأنه لا يُوجد من يَحْسب أن ماله يُخلده، فيكون الكلام من قبيل التمثيل، أو تكون الحال مراداً بها التشبيه وهو تشبيه بليغ.

ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والخبر مستعملاً في الإِنكار، أو على تقدير همزة استفهام محذوفة مستعملاً في التهكم أو التعجيب.

وجيء بصيغة المضي في ﴿ أخلده ﴾ لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لتحققه عنده، وذلك زيادة في التهكم به بأنه موقن بأن ماله يخلده حتى كأنه حصل إخلاده وثبت.

والهَمزة في ﴿ أخلده ﴾ للتعدية، أي جعله خالداً.

وقرأ الجمهور: ﴿ يحسِب ﴾ بكسر السين.

وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر بفتح السين وهما لغتان.

ومعنى الآية: أن الذين جمعوا المال يشبه حالهم حال من يحسب أن المال يقيهم الموت ويجعلهم خالدين لأن الخلود في الدنيا أقصى متمناهم إذ لا يؤمنون بحياة أخرى خالدة.

و ﴿ كلاّ ﴾ إبطال لأن يكون المال مُخلدّاً لهم.

وزجر عن التلبس بالحالة الشنيعة التي جعلتهم في حال من يحسب أن المال يخلد صاحبه، أو إبطال للحرص في جمع المال جمعاً يمنع به حقوق الله في المال من نفقات وزكاة.

﴿ كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِى ﴾ ﴿ الحطمة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة * نَارُ الله الموقدة * التى تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة ﴾ .

استئناف بياني ناشئ عن ما تضمنته جملة: ﴿ يحسب أن ماله أخلده ﴾ من التهكم والإِنكار، وما أفاده حرف الزجر من معنى التوعد.

والمعنى: ليَهْلِكَنَّ فَليُنْبَذَنَّ في الحُطمة.

واللام جواب قسم محذوف.

والضمير عائد إلى الهمزة.

والنبذ: الإِلقاء والطرح، وأكثر استعماله في إلقاء ما يكره.

قال صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ﴾ [القصص: 40] شبههم استحقاراً لهم بحَصَيات أخذَهُن آخذٌ بكفه فطرحهن اه.

والحُطمة: صفة بوزن فُعَلَة، مثل ما تقدم في الهُمزة، أي لينبذن في شيء يحطمه، أي يكسره ويدقه.

والظاهر أن اللام لتعريف العهد لأنه اعتبر الوصف علماً بالغلبة على شيء يحطم وأريد بذلك جهنم، وأن إطلاق هذا الوصف على جهنم من مصطلحات القرآن.

وليس في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار.

فجملة: ﴿ وما أدراك ما الحطمة ﴾ في موضع الحال من قوله: ﴿ الحطمة ﴾ والرابط إعادة لفظ الحطمة، وذلك إظهار في مقام الإِضمار للتهويل كقوله: ﴿ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ﴾ [الحاقة: 1 3] وما فيها من الاستفهام، وفعل الدراية يفيد تهويل الحطمة، وقد تقدم ﴿ ما أدراك ﴾ غير مرة منها عند قوله: ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ﴾ في سورة الانفطار (17).

وجملة: نار الله الموقدة } جواب عن جملة ﴿ وما أدراك ما الحطمة ﴾ مفيد مجموعهما بيان الحطمة ما هي، وموقع الجملة موقع الاستئناف البياني، والتقدير هي، أي الحطمة نار الله، فحُذف المبتدأ من الجملة جرياً على طريقة استعمال أمثاله من كل إخبار عن شيء بعد تقدم حديث عنه وأوصاف له، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ صم بكم عمي ﴾ في سورة البقرة (18).

وإضافة نار} إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة.

ووصف ﴿ نار ﴾ ب«موقدة»، وهو اسم مفعول من: أوقد النار، إذا أشعلها وألهبَها.

والتوقد: ابتداء التهاب النار فإذا صارت جمراً فقد خفّ لهبها، أو زال، فوصف ﴿ نار ﴾ ب«موقدة» يفيد أنها لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها.

وهذا كما وُصفت نار الأخدود بذات الوَقود (بفتح الواو) في سورة البروج، أي النار التي يُجدد اتقادها بوقود وَهو الحَطب الذي يُلقَى في النار لتتقد فليس الوصف بالموقَدة هنا تأكيداً.

ووصفت ﴿ نار اللَّه ﴾ وصفاً ثانياً ب ﴿ التي تطلع على الأفئدة ﴾ .

والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإِتيان مبالغة في طلع، أي الإِتيان السريع بقوة واستيلاء، فالمعنى: التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر الجسد.

وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى: ﴿ فاطلع فرآه في سواء الجحيم ﴾ [الصافات: 55] فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالِم بما تحتوي عليه الأفئدة من الكفر فتصيب كل فؤاد بما هو كِفاؤه من شدة الحرق على حسب مبلغ سوء اعتقاده، وذلك بتقدير من الله بين شدة النار وقابلية المتأثر بها لا يعلمه إلا مُقدِّره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الهُمَزَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.

قالَ رُؤْبَةُ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ .

.

.

.

.

.

.

.

.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.

الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

﴿ الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.

﴿ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.

﴿ كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا ﴿ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ ﴾ ﴿ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ ﴾ » ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.

الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.

﴿ إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.

﴿ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .

الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت ﴿ ويل لكل همزة ﴾ بمكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه قيل له: نزلت هذه الآية في أصحاب محمد ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ قال: ابن عمر: ما عنينا بها ولا عنينا بعشر القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن عثمان بن عمر قال: ما زلنا نسمع أن ﴿ ويل لكل همزة ﴾ قال: ليست بحاجبة لأحد نزلت في جميل بن عامر زعم الرقاشي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ويل لكل همزة ﴾ في الأخنس بن شريق.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن راشد بن سعد المقدامي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما عرج بي مررت برجال تقطع جلودهم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء؟

قال: الذين يتزينون.

قال: ثم مررت بجب منتن الريح فسمعت فيه أصواتاً شديدة، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟

قال: نساءكن يتزين بزينة ويعطين ما لا يحل لهن، ثم مررت على نساء ورجال معلقين بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟

قال: هؤلاء الهمازون والهمازات، ذلك بأن الله قال: ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ » .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ قال: هو المشاء بالنميمة المفرق بين الجمع المغري بين الأخوان.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قي قوله: ﴿ ويل لكل همزة ﴾ قال: طعان ﴿ لمزة ﴾ قال: مغتاب.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في الآية قال: الهمزة الطعان في الناس، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ قال: يأكل لحوم الناس ويطعن عليهم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ قال: تهمزه في وجهه وتلمزه من خلفه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ ويل لكل همزة ﴾ قال: يهمزه ويلمزه بلسانه وعينيه، ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن جريج قال: الهمز بالعينين والشدق واليد واللمز باللسان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ جمع مالاً وعدده ﴾ قال: أحصاه.

وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب في تاريخه عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ يحسب أن ماله أخلده ﴾ بكسر السين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ يحسب أن ماله أخلده ﴾ قال: يزيد في عمره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ كلا لينبذن ﴾ قال: ليلقين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسين بن واقد قال: الحطمة باب من أبواب جهنم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ التي تطلع على الأفئدة ﴾ قال: تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤاده فإذا بلغت فؤاده ابتدئ خلقه.

وأخرج ابن عساكر عن محمد بن المنكدر في قوله: ﴿ التي تطلع على الأفئدة ﴾ قال: تأكله النار حتى تبلغ فؤاده وهو حيّ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنها عليهم مؤصدة ﴾ قال: مطبقة ﴿ في عمد ممددة ﴾ قال: عمد من نار.

وأخرج عبد بن حميد عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ ﴿ في عمد ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ بعمد ممددة ﴾ قال: وهي الأدهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ في عمد ﴾ قال: الأبواب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ في عمد ممددة ﴾ قال: أدخلهم في عمد فمدت عليهم في أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ﴿ في عمد ﴾ قال: عمد من حديد في النار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ في عمد ﴾ قال: كنا نحدث أنها عمد يعذبون بها في النار.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح ﴿ في عمد ممددة ﴾ قال: القيود الطوال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: من قرأها ﴿ في عمد ﴾ فهو عمد من نار ومن قرأها ﴿ في عمد ﴾ فهو حبل ممدود.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: في النار رجل في شعب من شعابها ينادي مقدار ألف عام يا حنان يا منان، فيقول رب العزة لجبريل: أخرج عبدي من النار فيأتيها فيجدها مطبقة فيرجع، فيقول يا رب ﴿ إنها عليهم مؤصدة ﴾ فيقول يا جبريل: فكها واخرج عبدي من النار فيفكها ويخرج مثل الفحم فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعراً ولحماً ودماً.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم لا تسود وجوههم، ولا تزرق أعينهم، ولا يغلون بالأغلال، ولا يقرنون مع الشياطين، ولا يضربون بالمقامع، ولا يطرحون في الأدراك.

منهم من يمكث فيها ساعة، ومنهم من يمكث يوماً ثم يخرج، ومنهم من يمكث شهراً ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج، وأطولهم مكثاً فيها مثل الدنيا منذ يوم خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة، ثم إن الله عز وجل إذا أراد أن يخرج الموحدين منها قذف في قلوب أهل الأديان، فقالوا لهم: كنا نحن وأنتم جميعاً في الدنيا فآمنتم وكفرنا، وصدقتم وكذبنا وأقررتم وجحدنا فما أغنى ذلك عنكم، نحن وأنتم فيها جميعاً سواء تعذبون كما نعذب وتخلدون كما نخلد، فيغضب الله عند ذلك غضباً لم يغضبه من شيء فيما مضى، ولا يغضب من شيء فيما بقي، فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين الجنة والصراط يقال لها نهر الحياة، فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ما يلي الظل منها أخضر وما يلي الشمس منها أصفر، ثم يدخلون الجنة فيكتب في جباههم عتقاء الله من النار إلا رجلاً واحداً فإنه يمكث فيها بعدهم ألف سنة، ثم ينادي يا حنان يا منان، فيبعث الله إليه ملكاً ليخرجه فيخوض في النار في طلبه سبعين عاماً لا يقدر عليه، ثم يرجع فيقول: يا رب إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلاناً من النار، وإني طلبته في النار منذ سبعين سنة فلم أقدر عليه، فيقول الله عز وجل: انطلق فهو في وادي كذا وكذا تحت صخرة فأخرجه.

فيذهب فيخرجه منها فيدخله الجنة، ثم إن الجهنميين يطلبون إلى الله أن يمحى ذلك الإِسم عنهم، فيبعث الله إليهم ملكاً فيمحو عن جباههم، ثم إنه يقال لأهل الجنة ومن دخلها من الجهنميين اطلعوا إلى أهل النار فيطلعون إليهم فيرى الرجل أباه ويرى أخاه ويرى جاره ويرى صديقه ويرى العبد مولاه، ثم إن الله عز وجل يبعث إليهم ملائكة باطباق من نار ومسامير من نار وعمد من نار فيطبق عليهم بتلك الأطباق وتسمر بتلك المسامير وتمد بتلك العمد، ولا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم، وينساهم الجبار على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبداً، وينقطع الكلام فيكون كلامهم زفيراً وشهيقاً، فذلك قوله: ﴿ إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة ﴾ » يقول: مطبقة والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم وصفه فقال: ﴿ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴾ (وقرئ "جَمَّعِ" بالتشديد (١) (٢) قال أبو علي: ويجوز أن يكون جمع بالتخفيف لما يُجمَعُ شيء بعد شيء، كما قال (الأعشى) (٣) (٤) والأشبه أن إرادة العرب لا تجمع في وقت واحد، إنما هو شيء بعد شيء، وقال: ولها بالماطرون إذا ...

أكل النمل الذي جمعا (٥) والنمل لا يجمع ما يدّخره في وقت واحد، إنما يجمع شيئًا بعد شيء، فيجوز على هذا في قول من خفف أن يكون جمع شيئًا بعد شيء، كما يكون ذلك في قول من ثقل) (٦) وقوله (٧) ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ قال الفراء: وأحصاه (٨) وقال الزجاج: "وعدده" للدهر (٩) (١٠) قال صاحب النظم: مأخوذ من العدّة، وهو الذخيرة، يقال: أعدد الشيء لكذا وأعددته (١١) (١٢) (١٣) وقال (صاحب النظم) (١٤) (١٥) والعدد، والعديد في بني فلان: أي الكثرة فيهم (١٦) ثم ذكر طول أمله فقال: (قوله) (١٧) ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ قال أبو إسحاق: أي يعمل عمل من لا يظن مع يساره أنه يموت (١٨) ﴿ كَلَّا ﴾ لا يخلده (ماله) (١٩) قوله: ﴿ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴾ ليلقين في جهنم، وليطرحن فيها.

قال الكلبي: الحطمة اسم من أسماء النار، وهي الدرجة الثانية من درج النار (٢٠) وقال المبرد: الحطمة النار التي تحطم كل من وقع فيها، ورجل حطمة أي: شديد الأكل يأتي على زاد القوم، وكذلك يقال في السير: سواق حطم، وأنشد: قد لفَّها الليلُ بسوّاقٍ (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال مقاتل: هي تحطم العظام، وتأكل اللحوم حتى تهجم علي القلوب (٢٨) (١) قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر، وروح، ووافقهم الأعمش: "جَمَّعَ" بالتشديد.

"كتاب السبعة" 697، و"الحجة" 6/ 441، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 797، و"المبسوط" ص 417، و"كتاب التبصرة" ص 732، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 443.

(٢) أي الأخفش.

(٣) ساقط من (أ).

(٤) "ديوانه" 183 برواية: "يجعل" بدلًا من: (يجمع)، ومعنى: مسند: المتهم في نسبه.

زمال: الضعيف.

"ديوانه".

(٥) البيت مختلف في نسبته لقائله، فمنهم من ينسبه إلى الأحوص وهو في "شعره" ص 141، وبعضهم إلى يزيد بن معاوية وبعضهم إلى دهبل، وقال: أبو الحسن: الصحيح أنه ليزيد يصف جارية.

انظر: "الكامل" 2/ 498، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 626، و"الممتع" لابن عصفور 1/ 158، و"لسان العرب" 13/ 409 (مطرن)، ونسبه إلى الأخطل، ولم أعثر عليه في "ديوان الأخطل".

وجاء في حاشية كتاب: "الكامل" والأبيات في "شعر الأحوص" وهي كلمة رواها أبو عمر الشيباني لأبي دهبل الجمحي -وتكلم وحقق ومال في النهاية إلى توثيق نسبته لأبي دهبل- 2/ 498، شعر الأحوص: تح: السامرائي ص 141.

(٦) ما بين القوسين نقله عن "الحجة" 6/ 441 - 442 بتصرف.

(٧) قوله: من (أ).

(٨) "معاني القرآن" 3/ 290.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 361.

(١٠) "تفسير مقاتل" 250 أورد معنى قوله في "الكشف والبيان" 13/ 148 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 524، و"المحرر الوجيز" 5/ 521.

(١١) في (ع): (واعتدته).

(١٢) في (ع): (أمسكه له).

(١٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في "التفسير الكبير" 32/ 93 من غير عزو.

(١٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٥) في (أ): (عدة).

(١٦) لم أعثر على مصدر لقول، وقد ورد قبله في "التفسير الكبير" 32/ 93، وجاء في "التهذيب" 1/ 90 (عد).

العديد: الكثرة، يقال ما أكثر عديد بني فلان وبنو فلان عديد الحص، إذا كانوا لا يحصون كثرة، كما لا يحصى الحص، ويقال هذه الدراهم عديد هذه الدراهم إذا كانت بعددها.

(١٧) ساقط من (ع).

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 362 بنصه.

(١٩) ساقط من (أ).

(٢٠) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: "التفسير الكبير" 32/ 94، و"تهذيب اللغة" 4/ 400 (حطم)، وقد ورد عنه أنه الباب السادس راجع في ذلك "النكت والعيون" 6/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 184.

(٢١) في (ع): (بسوق).

(٢٢) في "الحماسة البصرية": بات يقاسيها غلام كالزلم ...

خدلج الساقين خفاق القدم قد لفها الليل بسواق حطم ...

ليس براعي إبل ولا غنم وورد البيت في: "الكامل" 2/ 498، 3/ 1230، ونسبه للحُطم القيسي، كما في "سمط اللآلي" 729، و"لسان العرب" 12/ 138 - 139 (حطم)، وقال آخرون: هي للرُشيد بن رُميض العنزي قالها في الحطم، وقد نعته بهذا البيت بالحطم، فلقب يومئذ لقول رشيد هذا فيه.

انظر "الأغاني" 15/ 255 تح عبد السلام هارون، و"ديوان الحماسة" للتبريزي 1/ 132، و"الحماسة البصرية" لأبي الفرج بن الحسين البصري 1/ 103.

كما ورد غير منسوب في "مقاييس اللغة" 20/ 78 (حطم)، و"الصحاح" 5/ 1901 (حطم)، وقال محقق "الكامل" ويقع بعضها في رجز أبي زغبة الخزرجي، والأخنس بن شهاب التغلبي، وجابر بن حني التغلبي، والأغلب العجلي.

انظر "شرح أبيات سيبويه" 2/ 286.

ومعنى قوله: "قد لفها الليل" جعل الفعل لليل على المجاز، وأصل الحطم الكسر، والمعنى جمع الليل هذه الساق برجل متناهي القوة؛ عنيف السوق لا يرفق بوسائقه رفق الرعاة، ولا رفق الجزاع.

"ديوان الحماسة" للتبريزي: 1/ 132 - 133.

(٢٣) في (أ): (الكثير.

انظر: (حطم) في "إصلاح المنطق" ص 429، و"تهذيب اللغة" 4/ 400، و"مقاييس اللغة" 2/ 78، و"الصحاح" 5/ 1901، و"لسان العرب" 12/ 138.

(٢٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٥) وقد جاء تفسير الحطام الوارد في سورة الزمر: 21، قال أبو عبيدة: الحطام والرفات والدرين واحد في كلام العرب وهو: ما يبس من النبات وغيره، وقال مقاتل: يعني هالكًا بعد الخضرة.

(٢٦) هذا المثل أصله حديث أخرجه مسلم في "صحيحه" 3/ 1461: ح: 23: كتاب الإمارة: باب 5، من طريق عائذ بن عمرو، وكان من أصحاب رسول الله -  -: دخل على عبيد بن زياد، فقال: أي بني إني سمعت رسول الله -  - يقول: "إن شر الرعاءِ الحطمة، فإياك أن تكون منهم".

كما أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 5/ 64، وانظر: "مجمع الأمثال" 2/ 159 رقم 1946 وقال الميداني: يضرب لمن يلي شيئًا ثم لا يُحسن ولايته، و"تاج العروس" 8/ 251 (حطم).

كما ورد في "المستقصي في أمثال العرب" للزمخشري 2/ 129 رقم: 442.

(٢٧) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 4/ 400 (حطم).

(٢٨) "تفسير مقاتل" 250 ب، و"التفسير الكبير" 32/ 94.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾ هو على الجملة الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل: بالعكس.

وقيل: الهمز باليد والعين، واللمز باللسان، وقيل: هما سواء.

ونزلت السورة في الأخنس بن شريق لأنه كان كثير الوقيعة في الناس وقيل: في أمية بن خلف، وقيل في الوليد بن المغيرة.

ولفظها مع ذلك على العموم في كل من اتصف بهذه الصفات ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ أي أحصاه وحافظ على عدده أن لا ينقص فمنعه من الخيرات، وقيل: معناه استعدّه وادّخره عدّة لحوادث الدهر ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ أي يظن لفرط جهله واغتراره أن ماله يخلده في الدنيا، وقيل: يظن أن ماله يوصله إلى دار الخلد ﴿ كَلاَّ ﴾ رد على فيما ظنه ﴿ لَيُنبَذَنَّ فِي الحطمة ﴾ هذا جواب قسم محذوف والحطمة هي جهنم، وإنما سميت حُطَمة لأنها تحطم ما يلقى فيها، وتلتهبه وقد عظّمها بقوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ ﴾ ثم فسّرها بأنها ﴿ نَارُ الله الموقدة * التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة ﴾ أي: تبلغ القلوب بإحراقها قال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى أنها تطلع على ما في القلوب من العقائد والنيّات باطلاع الله إياها ﴿ مُّؤْصَدَةٌ ﴾ مغلقة ﴿ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ ﴾ العمد جمع عمود وهو عند سيبويه اسم جمع وقرئ في عُمُد بضمتين، والعمود هو: المستطيل من حديد أو خشب والمددة الطويلة، وفي المعنى قولان: أحدهما: أن أبواب جهنم أغلقت عليهم، ثم مدت على أبوابها عُمُدٌ تشديداً في الإغلاق والثقاف كما تثقف أبواب البيوت بالعمد، وهو على هذا متعلق بمؤصدة، والآخر أنهم موثوقون مغلولون في العمد، فالمجرور على هذا في موضع خبر مبتدأ مضمر تقديره: هم موثوقون في عمد.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ جمع ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف ﴿ عمد ﴾ بضمتين جمع عماد: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: بفتحتين جمعاً أو واحداً في معناه.

الوقوف: ﴿ لمزة ﴾ ه لا بناءً على أن ﴿ الذي ﴾ وصف ولو كان منصوباً على الذم أو مرفوعاً على الذم فالوقف ﴿ وعدده ﴾ ه لا ﴿ أخلده ﴾ ج ه إن وصل وقف على " كلا " ﴿ الحطمة ﴾ ه ز ﴿ الحطمة ﴾ ه ط ﴿ الموقدة ﴾ ه لا ﴿ الأفئدة ﴾ ه ج ﴿ مؤصدة ﴾ ه لا ﴿ ممددة ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حكم جنس الإنسان في خسرهم عقبه بمثال واحد.

قال عطاء والكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق كان يكسر من أعراض الناس ويكثر الطعن فيهم.

والتركيب يدل على الكسر ومنه الهمز ومثله اللمز وهو العيب قال  ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم  ﴾ وقال ابن زيد: الهمز باليد واللمز باللسان.

وقال أبو العالية: الهمز بالمواجهة واللمز بظهر الغيب وقد يكون كل ذلك سراً بالحاجب أو العين.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كانت عادته الغيبة والوقيعة.

وبناء " فعلة " يدل على أن ذلك كان من عادته، وأما " فعلة " بسكون العين فهي للمفعول.

وقال محمد بن إسحق: ما زلنا نسمع أن السورة نزلت في أمية بن خلف.

والمحققون على أن خصوص السبب لا ينافي عموم اللفظ، ويحتمل أن يكون اللفظ عماً ويدخل فيه شخص معين دخولاً أولياً كما لو قال لك إنسان: لا أزورك أبداً فتقول: كل من لا يزورني لا أزوره تعريضاً به، ومثله يسمى في أصول الفقه تخصيص العام بقرينه العرف.

ولا يخفى أن الهمز واللمز من أقبح السير خاصة في حق من هو أجل منصباً وأعلى قدراً من كل المخلوقات وهو النبي  ، فلا جرم أوعده بالويل وهو كلمة جامعة لكل شر ومكروه أو هو واد في جهنم وقد تقدم مراراً.

ثم وصفه بقوله ﴿ الذي ﴾ وكأنه سبب الهمز واللمز لأن الغنى يورث الإعجاب والكبر والتشديد في جمع للتكثير في المفعول ويؤيده تنكير ﴿ مالاً ﴾ وكذا التشديد في ﴿ عدّده ﴾ ولا يبعد أن يكون للتكثير في الفعل، ولا ريب أن عد المال من غير ضرورة وضبطه أزيد من المعتاد يوجب للنفس شغلاً عن السعادات الباقية وحرصاً على الزخارف الدنية وعلى التمتيع بتلك الأسباب ولهذا قال ﴿ يحسب ﴾ أي طول المال أمله ومناه الأماني البعيدة حتى أصبح لفرط غفلته يحسب أن ماله يتركه خالداً في الدنيا.

وقيل: عدده أي أمسكه وجعله عدة وذخيرة لحوادث الدهر.

وقيل: أراد بقوله ﴿ يحسب ﴾ تشييد البنيان وإحكامه بالجص والآجر غرس الأشجار وعمارة الأراضي عمل من يظن أن ماله أبقاه حياً، أو هو تعريض بالعمل الصالح المخلد لصاحبه الأجر الجزيل والثناء الجميل، وأما المال فبمعزل عن ذلك لأنه للحادث أو للوارث.

وقيل: أحب المال حباً شديداً حتى اعتقد أنه إن انتقص مالي أموت فلذلك يحفظه عن النقصان ليبقى حياً وهذا غير بعيد من اعتقاد البخيل ﴿ كلاً ﴾ ردع له عن حسبانه أي ليس الأمر كما يظن هو أن المال مخلد بل المخلد هو العلم والعمل كما قال علي  : مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر.

عن الحسن أنه عاد موسراً فقال: ما تقول في ألفو لم أفتد بها من لئيم ولا تفضلت بها على كريم؟

قال: ولكن لماذا قال لنبوة الزمان وجفوة السلطان ونوائب الدهر ومخافة الفقر؟

قال: إذاً تدعه لمن لا يحمدك وترد على من لا يعذرك.

قوله ﴿ لينبذن ﴾ جواب قسم محذوف أو جواب حقاً لأنه في معنى القسم.

والنبذ الطرح وفيه إشعار بإهانته.

وفي قوله ﴿ في الحطمة ﴾ وهي النار التي من شأنها أن تحطم أي تكسر كل ما يلقى فيها إشارة إلى غاية تعذيبه.

ويقال للرجل الأكول إنه لحطمة ووزنها " فعلة " كهمزة ولمزة فكأنه قيل له: كنت همزة لمزة فقابلناك بالحطمة.

وأيضاً في الحطم معنى الكسر والهماز اللماز يكسر الناس بالاغتياب والعيب أو يأكل لحمهم كما يأكل الرجل الأكول.

ثم كأن قائلاً سأل كيف قوبل الوصفان بوصف واحد؟

فقيل: إنك لا تعرف ذلك الواحد وما أدراك ما هذه الحطمة ﴿ نار الله ﴾ هي إضافة تعظيم كبيت الله ﴿ الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴾ أي تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على جنانها وخباياها.

ولا شيء في الإنسان ألطف منه ولا أشد تألماً.

ويجوز أن يكون في تخصيص الأفئدة إشارة إلى زيادة تعذيب للقلب لأنه محل الكفر والعقائد الفاسدة.

وعند أهل التأويل: إذا كانت النار أمراً معنوياً فلا ريب أنه لا يتألم بها إلا الفؤاد الذي هو محل الإدراكات والعقائد.

وروي عن النبي  " إن النار تأكل أهلها حتى إذا طلعت على أفئدتهم ـ أي تعلوها وتغلبها ـ انتهت ثم إن الله  يعيد لحمهم وعظمهم مرة أخرى" والمؤصدة المطبقة الأبواب اصدت الباب وأوصدته لغتان.

يوصد عليهم الأبواب ويمدد على الأبواب العمد استيثاقاً في استيثاق.

وجوز أن يراد أن أبواب النار عليهم مؤصدة حال كونهم مؤثقين في عمد مقطرة، والمقطرة خشبة فيها خروق يدخل فيها أرجل المحبوسين اللهم أجرنا منها.

قال المبرد: والعمد بفتحتين جمع عمود على غير واحده وأما الجمع على واحده فالعمد بضمتين مثل زبور وزبر ورسول ورسل.

قال الفراء: العماد والعمد كالإهاب والأهب فالتأنيث لأنه اسم جمع أو بتأويل الأسطوانة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾ ، اختلفوا في معنى الهمزة واللمزة: فقال بعضهم: معناهما واحد، وهو الدفع والطعن.

وقال بعضهم: الهمزة: هو الذي يؤذي جليسه بلسانه، واللمزة: الذي يؤذي بعينيه وغيره ذلك.

وقال بعضهم: الهمزة: الذي يطعنه عند حضرته، واللمزة: الذي يطعنه عند غيبته، وهذا إنما يسمى به من يعتاد ذلك الفعل.

وأهل اللغة وضعوا هذا المثال، وهو "فُعَل" لمن يعتاد ذلك الفعل ويحترفه.

قال أهل التأويل: إن الآية في الكفار؛ لكن بعضهم قالوا: نزلت في الأخنس بن شريق.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة.

ولقائل أن يقول: إن الآية نزلت في الكفار، وكذلك كثير من الآي من [نحو] قوله -  -: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ ونحوها، ومعلوم أنه وجد منهم هذا الفعل أو عدم، استوجبوا ما ذكر من العقوبات وأشد، مع أن الذي فيه من الكفر أقبح من هذين الفعلين، فيكف وقع تعييرهم بذلك؟!.

والجواب عن هذا وأمثاله من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ \[المطفيين: 1\]، وقوله: ﴿ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ  وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ  وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ  وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ ، فهم وإن أقاموا الصلاة، وأعطوا الزكاة، لم تزل عنهم عقوبة النار.

والجواب عنه: أن الإيمان لم يحسن لاسمه، ولا قبح الكفر لنفس اسم الكفر؛ لأنه ليس أحد ممن يذهب مذهبا ويدين دينا إلا وهو يكفر بشيء ويؤمن بشيء؛ لأن المسلم مؤمن بالله -  - كافر بالطاغوت، والكافر يكفر بالرحمن ويؤمن بالطاغوت ويعبده؛ فثبت أن الإيمان ليس يحسن لنفس اسم الإيمان، ولا قبح الكفر؛ لعين اسم الكفر ولكن الإيمان بالله -  - إنما حسن من حيث أوجبت الحكمة الإيمان به، وقبح الكفر؛ لأن الحكمة أوجبت الكفر بالله  ؛ فالإيمان حسن؛ لما فيه من المعنى، والكفر قبح، لما فيه من معنى الكفر، وهذان الفعلان قبيحان في أنفسهما، لا بغيرهما؛ فكان التعيير الذي يقع بهذين الفعلين أكثر وأبلغ منه في تعييرهم بالكفر؛ لذلك عيرهم الله -  - بهذين الفعلين.

ووجه آخر: أن هذا يخرج مخرج الموعظة لأمة محمد  ، وذلك أن رسول الله  كان يهمز به ويسخر منه؛ لما يأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ولا يحمله ما كانوا يتعاطونه على ترك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر؛ لئلا يمتنع أحد من أمته عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما يخشى أن يسخر به أو يستهزأ.

والثالث: أن يكون هذا على وجه المكافأة والانتقام لما كانوا يفعلون [بنبينا محمد  ] على الزجر والردع عن ذلك؛ إلا العقلاء يمتنعون عن الأفعال القبيحة؛ فعلى هذه الوجوه يحتمل معنى تعييرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ ﴾ ، قرئ على التخفيف ﴿ جَمَعَ ﴾ من الجمع؛ أي: جمع ماله عنده ولم يفرقه وعدده [وذكره] - أي: حفظ عدده، وذكره على الدوام - لئلا ينقصه، وصفه بالبخل والشح.

ومن قرأه بالتشديد، فمعناه: أنه جمعه وادخره بممر الزمان، لم يجمع ذلك في أيام قصيرة.

والأصل (جمعه) بالتخفيف، لكن شدده لما فيه من زيادة الجمع.

وقوله - عز جل -: ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: أن يكون على الحقيقة أنه قدر عند نفسه أنه يبقى لبقاء الأموال له؛ لما يرى بقاءه من حيث الظاهر بها؛ فتقرر عنده أن ما آتاه الله -  - من الأموال هو رزقه؛ فيعيش إلى أن يستوفي جميع رزقه؛ فيجمعه، ويدخره؛ لكي يزيد في عمره.

والوجه الثاني: أن يكون على الظن والحسبان، كأنه يقول: جمع مالا وعدده جمع من يظن أن ماله يزيد في عمره.

فإن كان على التأويل الأول فقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ رد عليه؛ أي: ليس كما قدره عند نفسه.

وإن كان على التأويل الثاني، فعلى إيجاب عقوبة مبتدأة.

وقيل: ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ أي: أكثر عدده.

وقال الحسن: عدده، أي: صنفه؛ فجعل ماله أصنافا، وأنواعا من الإبل، والغنم والبقر، والدور، والعقار، والمنقول، وغيرها.

وقيل: ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ ، أي: استعده، وأعده، وهيأه.

وقوله: ﴿ لَيُنبَذَنَّ فِي ٱلْحُطَمَةِ ﴾ : قيل: با من أبواب النار.

وقيل: هي صفة النار.

والحطمة: هو الكسر؛ فكأنه قال: النار التي تعذب بها الكفرة، وتكسر عظامهم وتحطمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ ﴾ : قيل: إن النار تأتي على جلودهم [وعروقهم ولحومهم] وعظامهم حتى تأكلها، وتكسر العظام، فتطلع على أفئدتهم؛ فحينئذ يتبدلون جلودا غيرها؛ ليذوقوا العذاب.

وقيل: إنما تحرق النار منهم كل شيء سوى الفؤاد؛ لأن الفؤاد إذا احترق، لم يتألم بعد ذلك، ولم يشعر بالعذاب، والمراد من الإحراق إلحاق الألم والضرر بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ ﴾ ، قرئ: (عُمُد): برفع العين والميم، وقرئ بالنصب فيهما.

وذكر عن الفراء أنه قال: العَمَد والعُمُد: جماعات للعمود، والعماد.

وقال بعضهم: العَمَد: جمع العَمَدَة،؛ ونحو: بقرة، وبقر.

وقال الكلبي: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ ﴾ ، أي النار عليهم مطبقة؛ يقول: طبقها ممدة في عمد من نار ممددة عليهم من فوقهم، والعمد كعمد أهل الدنيا، غير أنها من نار تمد عليهم، والله أعلم، [والحمد لله رب العالمين].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الَّذي همّه جمع المال وإحصاؤه، لا همَّ له غير ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.vwr92"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(الهمزة اللمزة): هو الذي يطعن في أعراض الناس، ويغض منهم، ويحقر من أعمالهم وصفاتهم، وينسب إليهم السيئات، تلذذًا بالحط منهم، وإظهارًا لترفعه عليهم.

أصله من الهمز واللمز، بمعنى الطعن والكسر، ثم صار عرفًا لغويًا فيما ذكرنا.

ويقال إن الهمز يكون بالعين والشدق واليد، حركات تشير إلى التحقير والهزء، واللمز يكون باللسان.

وبناء الصفة على فعلة يفيد كثرة وقوع الفعل وجريانه مجرى العادة، وذلك هو حال (الذي جمع مالًا وعدده): أي أن الذي يحمله على الحط من أقدار الناس هو جمعه المال وتعديده، أي عده مرة بعد أخرى شغفًا به وتلذذًا بإحصائه، لأنه لا يرى عزًا ولا شرفًا ولا مجدًا في سواه، فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة بحيث يكون كل ذي فضل ومزية دونه.

فهو يهزأ به ويهمزه ويلمزه ثم لا يخشى أن تصيبه عقوبة على الهمز واللمز وتمزيق العرض، لأن غروره بالمال أنساه الموت، وصرف عنه ذكرى المآل فهو (يحسب أن ماله أخلده): أي يظن أن ما عنده من المال قد حفظ له حياته التي هو فيها، وأرصدها عليه، فهو لا يفارقها إلى حياة أخرى يعاقب فيها على ما كسب من سيئ الأعمال.

يوعد الله من هذه صفاته بالويل والهلاك والنكال في قوله ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ  ﴾ إلخ.

ثم يصرح بذلك ويفصله في دفع وهمه أن المال يغني عنه من الله شيئًا وأنه يحفظ عليه ما هو فيه أبدًا حيث يقول: (كلا).

فليرتدع عن هذا الظن (لينبذن في الحطمة): أي ليلقين فيها محقرًا مصغرًا.

وكلمة النبذ تفيد التحقير والتصغير.

(وما أدراك ما الحطمة)؟

يستفهم عنها لتعظيم أمرها وإكبار هولها، كأنها مما لا يحيط به العرفان.

فمن ذا الذي يعلمك بمقدار مآلها إلا الذي أوجدها وأعدها لأهلها؟..

هي (نار الله الموقدة): أي النار التي لا تنسب إلا إليه سبحانه، لأنه هو منشئها في عالم لا يعلمه سواه، وهي ملتهبة التهابًا لا يدرك كنهه غيره سبحانه، ولا يمكننا الوقوف على حقيقة تلك النار، وإنما الذي نعرفه أن للعذاب بها ألمًا أشد من ألم الإحراق بنار الدنيا.

ولذلك وصفها بوصف ليس من أوصاف نيران الدنيا، فقال: ﴿ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ  ﴾ .

ولا يخفى عليك أن الفؤاد إنما يطلق على القلب إذا لوحظ أنه بمعنى موضع الوجدان والشعور، فكأنه قال التي تعلو مشاعرهم ومداركهم ومواطن الوجدان من نفوسهم أي أن سلطان هذه النار على قوى الوجدان والشعور التي هي مواطن النيات والمقاصد ومساكن الفضائل والرذائل.

وقد قيل: إن معنى الاطلاع ههنا المعرفة والعلم، أي أن هذه النار تعرف ما في الأفئدة فتأخذ من تعرفهم أهلًا لها من أهل الوجدان الخبيث.

والنار التي تعرف من يستحق العذاب بها لا تكون من النيران المعروفة لنا في الدنيا بالضرورة.

وعلى كل لا يخلو الكلام -على هذا التأويل الثاني- من التمثيل والتجوز.

ثم قال: (إنها عليهم مؤصدة): أي مطبقة، لا مخلص لهم منها.

(في عمد ممددة) العمد جمع عمود، وهو معروف.

والممددة: المطولة، أي أن إطباقها عليهم وإغلاقها في عمد طويلة تمد على أبوابها بعد أن تؤصد.

وهو تصوير لشدة الإطباق وإحكامه، وتأكيد لليأس من الخلاص.

أما كون العمد كعمدنا، فذلك مما لا يمكن معرفته، لأن شأن الآخرة غير شأن الدنيا -كما معلوم- فلا وجه للبحث فيه: وذلك يكون عند نزول العذاب...

يجد المعذب أنه لا مخلص له مما هو فيه: سواء خلص بعد ذلك إن كان من المؤمنين الخاطئين، أم لم يخلص إن كان من الذين أحاطت بهم خطيئاتهم فكانوا من الهالكين.

نعوذ بالله من غضبه ونسأله أن يحفظنا من نقمه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله