الآية ٢٤ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٢٤ من سورة هود

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم ضرب [ الله ] تعالى مثل الكافرين والمؤمنين ، فقال : ( مثل الفريقين ) أي : الذين وصفهم أولا بالشقاء والمؤمنين السعداء ، فأولئك كالأعمى والأصم ، وهؤلاء كالبصير والسميع .

فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا ، وفي الآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه ، أصم عن سماع الحجج ، فلا يسمع ما ينتفع به ، ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) [ الأنفال : 23 ] ، وأما المؤمن ففطن ذكي لبيب ، بصير بالحق ، يميز بينه وبين الباطل ، فيتبع الخير ويترك الشر ، سميع للحجة ، يفرق بينها وبين الشبهة ، فلا يروج عليه باطل ، فهل يستوي هذا وهذا .

( أفلا تذكرون ) أفلا تعتبرون وتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء ، كما قال في الآية الأخرى : ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) [ الحشر : 20 ] وقال ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) [ فاطر : 19 - 24 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (24) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: مثل فريقي الكفر والإيمان كمثل الأعمى الذي لا يرى بعينه شيئًا ، والأصم الذي لا يسمع شيئًا ، فكذلك فريق الكفر لا يبصر الحق فيتبعه ويعمل به، لشغله بكفره بالله ، وغلبة خذلان الله عليه، لا يسمع داعي الله إلى الرشاد، فيجيبه إلى الهدى فيهتدي به، فهو مقيمٌ في ضلالته، يتردَّد في حيرته.

والسميع والبصير فذلك فريق الإيمان ، (11) أبصر حجج الله، وأقر بما دلت عليه من توحيد الله ، والبراءة من الآلهة والأنداد ، ونبوة الأنبياء عليهم السلام ، وسمعَ داعي الله فأجابه وعمل بطاعة الله، كما: 18102- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع) ، قال: " الأعمى " و " الأصم ": الكافر ، و " البصير " و " السميع " ، المؤمن 18103- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع) ، الفريقان الكافران، والمؤمنان، فأما الأعمى والأصم فالكافران، وأما البصير والسميع فهما المؤمنان.

18104- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع) ، الآية، هذا مثلٌ ضربه الله للكافر والمؤمن، فأما الكافر فصم عن الحق، فلا يسمعه، وعمي عنه فلا يبصره.

وأما المؤمن فسمع الحق فانتفع به ، وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به.

* * * يقول تعالى: (هل يستويان مثلا) ، يقول: هل يستوي هذان الفريقان على اختلاف حالتيهما في أنفسهما عندكم أيها الناس؟

فإنهما لا يستويان عندكم، فكذلك حال الكافر والمؤمن لا يستويان عند الله ، (أفلا تذكرون) ، يقول جل ثناؤه: أفلا تعتبرون أيها الناس وتتفكرون، ، فتعلموا حقيقة اختلاف أمريهما، فتنـزجروا عما أنتم عليه من الضلال إلى الهدى ، ومن الكفر إلى الإيمان؟

* * * ، فالأعمى والأصم ، والبصير والسميع ، في اللفظ أربعة، وفي المعنى اثنان.

ولذلك قيل: (هل يستويان مثلا) .

وقيل: ( كالأعمى والأصم ) ، والمعنى: كالأعمى الأصمّ، وكذلك قيل (والبصير والسميع)، ، والمعنى: البصير السميع، كقول القائل: " قام الظريف والعاقل "، وهو ينعت بذلك شخصًا واحدًا.

--------------------- الهوامش : (11) في المخطوطة والمطبوعة : " فكذلك فريق الإيمان " ، وكأن الصواب ما اثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرونقوله تعالى : مثل الفريقين ابتداء ، والخبر " كالأعمى " وما بعده .

قال الأخفش : أي كمثل الأعمى .

النحاس : التقدير مثل فريق الكافر كالأعمى والأصم ، ومثل فريق المؤمن كالسميع والبصير ; ولهذا قال : هل يستويان فرد إلى الفريقين وهما اثنان ، روي معناه عن قتادة وغيره .

قال الضحاك : الأعمى والأصم مثل للكافر ، والسميع والبصير مثل للمؤمن .

وقيل : المعنى هل يستوي الأعمى والبصير ، وهل يستوي الأصم والسميع .

" مثلا " منصوب على التمييز .

أفلا تذكرون في الوصفين وتنظرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ } أي: فريق الأشقياء، وفريق السعداء.

{ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ } هؤلاء الأشقياء، { وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ } مثل السعداء.

{ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا } لا يستوون مثلا، بل بينهما من الفرق ما لا يأتي عليه الوصف، { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } الأعمال، التي تنفعكم، فتفعلونها، والأعمال التي تضركم، فتتركونها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( مثل الفريقين ) المؤمن والكافر ، ( كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ) قال الفراء : لم يقل هل يستوون ، لأن الأعمى والأصم في حيز كأنهما واحد ؛ لأنهما من وصف الكافر ، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد ، لأنهما من وصف المؤمن ، ( أفلا تذكرون ) أي تتعظون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مثل» صفة «الفريقين» الكفار والمؤمنين «كالأعمى والأصم» هذا مثل الكافر «والبصير والسميع» هذا مثل المؤمن «هل يستويان مثلا» لا «أفلا تذَّكرون» فيه إدغام التاء في الأصل في الذال تتعظون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

مثل فريقَي الكفر والإيمان كمثل الأعمى الذي لا يرى والأصم الذي لا يسمع والبصير والسميع: ففريق الكفر لا يبصر الحق فيتبعه، ولا يسمع داعي الله فيهتدي به، أما فريق الإيمان فقد أبصر حجج الله وسمع داعي الله فأجابه، هل يستوي هذان الفريقان؟

أفلا تعتبرون وتتفكرون؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ضرب - سبحانه - مثلا لفريق الكافرين ولفريق المؤمنين فقال : ( مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) .وقوله : ( مَثَلُ الفريقين .

.

.

) أى : حالهم وصفتهم .وأصل المثل بمعنى والمثل : النظير والشبيه ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده - أى الذى ورد فيه أولا .ولا يكون إلا فيام فيه غرابة .

ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة .وإنما تضرب الأمثال لإِيضاح المعنى الخفى ، وتقريب المعقول من المحسوس وعرض الغائب فى صورة الشاهد .

فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب وأثبت فى النفوس .والمعنى : حال الفريقين المذكورين قبل ذلك وهما الكافرون والمؤمنون كحال الضدين المختلفين كل الاختلاف .أما الكافرون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جميع بين العمى والصمم .

لأنهم مع كونهم يرون ويسمعون لكنهم لم ينتفعوا بذلك فصاروا كالفاقد لهما .وأما المؤمنون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جميع بين النصر السليم والسمع الواعى لأنهم انتفعوا بما رأوا من دلائل تدل على وحدانية الله وقدرته وبما سمعوا من توجيهات تدل على صحة تعاليم الإِسلام .والمقصود من هذا التمثيل .

تنبيه الكافرين إلى ما هم عليه من ضلال وجهالة لعلهم بهذا التنبيه يتداركون أمرهم ، فيدخلون فى دين الإِسلام وتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من حق ، وبذلك يزدادون إيمانا على إيمانهم .والاستفهام فى قوله ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ) للإِنكار والنفى ، أى : هل يستوى فى الصفة والحال من كان ذا سمع وبصر بمن فقدهما؟

كلا إنهما لا يستويان حتى عند أقل العقلاء عقلا .وقوله : ( أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) حض على التذكر والتدبر والتفكر .أى : أتشكون فى عدم استواء الفريقين؟

لا إن الشك فى عدم استوائهما لا يليق بعاقل وإنما اللائق به هو اعتقاد تباين صفتيهما والدخول فى صفوف المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحات وأخبتوا إلى ربهم .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت حال الكافرين وذكرت من أوصافهم أربعة عشر وصفا أولهما : افتراء الكذب .

.

.

وآخرها : الخسران فى الآخرة .

كما بينت حال المؤمنين وبشرتهم بالخلود فى الجنة : ثم ضربت مثلا لكل فريق وشبهت حاله بما يناسبه من صفات .

.وفى ذلك ما فيه من الهداية إلى الطريق المستقيم ، لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهيد .وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله ووحدانيته وعن إعجاز القرآن الكريم وعن حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين ساقت السورة الكريمة بترتيب حكيم قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم وقد استغرق هذا القصص معظم الآيات الباقية فيها فقد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه وعن قصة هود مع قومه ، وعن قصة صالح مع قومه ، وعن قصة لوط مع قومه ، وعن قصة شعيب مع قومه ، كما تحدثت عن قصة إبراهيم مع رسل الله الذين جاءوا بالبشرى ، وعن جانب من قصة موسى مع فرعون .قال الإِمام الرازى : إعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة ، وبينات قاهرة ، وبراهين باهرة ، أتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد :أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم النبى - صلى الله عليه وسلم - ، بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة فى جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت .

فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم وعنادهم يفيد تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - وتخفيف ذلك على قلبه .وثانيها : أنه - تعالى - يحكى فى هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللعن فى الدنيا والخسارة فى الآخرة .

وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة فى الدنيا ، والسعادة فى الآخرة ، وذلك يقوى قلوب المحقين ، ويكسر قلوب المبطلين .وثالثها : التنبيه على أنه - تعالى - وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ، ولكنه لا يهملهم ، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه .ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان أميا ، وما طالع كتابا ولا تتلمذ على أسناذ ، فإذا ذكر هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ ، دل ذلك على أنه إنما عرفه بالوحى من الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين ذكر فيهما مثالاً مطابقاً ثم اختلفوا فقيل: إنه راجع إلى من ذكر آخراً من المؤمنين والكافرين من قبل، وقال آخرون: بل رجع إلى قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ  ﴾ ثم ذكر من بعده الكافرين ووصفهم بأنهم لا يستطيعون السمع ولا يبصرون، والسميع والبصير هم الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم.

واعلم أن وجه التشبيه هو أنه سبحانه خلق الإنسان مركباً من الجسد ومن النفس، وكما أن للجسد بصراً وسمعاً فكذلك حصل لجوهر الروح سمع وبصر، وكما أن الجسد إذا كان أعمى أصم بقي متحيراً لا يهتدي إلى شيء من المصالح، بل يكون كالتائه في حضيض الظلمات لا يبصر نوراً يهتدي به ولا يسمع صوتاً، فكذلك الجاهل الضال المضل، يكون أعمى وأصم القلب، فيبقى في ظلمات الضلالات حائراً تائهاً.

ثم قال تعالى: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ منبهاً على أنه يمكنه علاج هذا العمى وهذا الصمم، وإذا كان العلاج ممكناً من الضرر الحاصل بسبب حصول هذا العمى وهذا الصمم وجب على العاقل أن يسعى في ذلك العلاج بقدر الإمكان.

واعلم أنه قد جرت العادة بأنه تعالى إذا ورد على الكافر أنواع الدلائل أتبعها بالقصص، ليصير ذكرها مؤكداً لتلك الدلائل على ما قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة، وفي هذه السورة ذكر أنواعاً من القصص.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع، وهو من اللف والطباق.

وفيه معنيان: أن يشبه الفريق تشبيهين اثنين، كما شبه امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب، وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصمم، أو الذي جمع بين البصر والسمع.

على أن تكون الواو في ﴿ والأصم ﴾ وفي ﴿ والسميع ﴾ لعطف الصفة على الصفة، كقوله: الصَّابِحِ فَالْغَانِمِ فَالآيِبِ ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ ﴾ يعني الفريقين ﴿ مَثَلاً ﴾ تشبيهاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ اطْمَأنُّوا إلَيْهِ وخَشَعُوا لَهُ مِنَ الخَبْتِ وهو الأرْضُ المُطْمَئِنَّةُ.

﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ دائِمُونَ.

﴿ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ ﴾ الكافِرِ والمُؤْمِنِ.

﴿ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ تَشْبِيهُ الكافِرِ بِالأعْمى لِتَعامِيهِ عَنْ آياتِ اللَّهِ، وبِالأصَمِّ لِتَصامِّهِ عَنْ إسْماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وتَأبِّيهِ عَنْ تَدَبُّرِ مَعانِيهِ، وتَشْبِيهُ المُؤْمِنِ بِالسَّمِيعِ والبَصِيرِ لِأنَّ أمْرَهُ بِالضِّدِّ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشَبَّهًا بِاثْنَيْنِ بِاعْتِبارِ وصْفَيْنِ، أوْ تَشْبِيهُ الكافِرِ بِالجامِعِ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ والمُؤْمِنِ بِالجامِعِ بَيْنَ ضِدَّيْهِما والعاطِفُ لِعَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ: الصّائِحُ فالغانِمُ فالآئِبُ وَهَذا مِن بابِ اللَّفِّ والطِّباقِ.

﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ ﴾ هَلْ يَسْتَوِي الفَرِيقانِ.

﴿ مَثَلا ﴾ أيْ تَمْثِيلًا أوْ صِفَةً أوْ حالًا.

﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ بِضَرْبِ الأمْثالِ والتَّأمُّلِ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} شبه فريق الكافرين بالأعمى

هود (٢٤ _ ٢٨)

والأصم وفريق المؤمنين بالبصير والسميع {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} يعني الفريقين {مَثَلاً} تشبيها وهو نصب على التمييز {أفلا تذكرون} فتنفعون بضرب المثل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ ﴾ المَذْكُورَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، أيِ: حالُهُما العَجِيبُ، وأصْلُ المَثَلِ كالمِثْلِ النَّظِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِقَوْلٍ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، ولا يَكُونُ إلّا لِما فِيهِ غَرابَةٌ وصارَ في ذَلِكَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، ومِن هُنا يُسْتَعارُ لِلْقِصَّةِ والحالِ والصِّفَةِ العَجِيبَةِ.

﴿ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ ﴾ أيْ كَحالِ مَن جَمَعَ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ، ومَن جَمَعَ بَيْنَ البَصَرِ والسَّمْعِ فَهُناكَ تَشْبِيهانِ: الأوَّلُ تَشْبِيهُ حالِ الكَفَرَةِ المَوْصُوفِينَ بِالتَّعامِي والتَّصامِّ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى بِحالِ مَن خُلِقَ أعْمى أصَمَّ لا تَنْفَعُهُ عِبارَةٌ ولا إشارَةٌ، والثّانِي تَشْبِيهُ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فانْتَفَعُوا بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمُ اهْتِداءً إلى الجَنَّةِ وانْكِفاءً عَمّا كانُوا خابِطِينَ فِيهِ مِن ضَلالِ الكُفْرِ والدُّجْنَةِ بِحالِ مَن هو بَصِيرٌ سَمِيعٌ يَسْتَضِيءُ بِالأنْوارِ في الظَّلامِ ويَسْتَفِيءُ بِمَغانِمِ الإنْذارِ والإبْشارِ فَوْزًا بِالمَرامِ، والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ كَما في قَوْلِهِ: يا لَهَفَ زِيابَةَ لِلْحَرْثِ الصَّ ابِحِ فالغانِمُ فالآيِبِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَشْبِيهاتٌ بِأنْ يُعْتَبَرَ تَشْبِيهُ حالِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الفَرِيقِ الكافِرِ والفَرِيقِ المُؤْمِنِ بِحالِ اثْنَيْنِ، أيْ مَثَّلَ الفَرِيقَ الكافِرَ كالأعْمى ومَثَّلَهُ أيْضًا كالأصَمِّ، ومَثَّلَ الفَرِيقَ المُؤْمِنَ كالبَصِيرِ ومَثَّلَهُ أيْضًا كالسَّمِيعِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ تَنْوِيعُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى نَوْعَيْنِ فَيُشَبَّهُ نَوْعٌ مِنَ الكُفّارِ بِالأعْمى ونَوْعٌ مِنهم بِالأصَمِّ، ويُشَبَّهُ نَوْعٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالبَصِيرِ ونَوْعٌ مِنهم بِالسَّمِيعِ، واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ إذْ تَقْسِيمُ الكُفّارِ إلى مُشَبَّهٍ بِالأوَّلِ ومُشَبَّهٍ بِالثّانِي وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ غَيْرُ مَقْصُودٍ البَتَّةَ بِدَلِيلِ نَظائِرِهِ في الآياتِ الأُخَرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ في الكُفّارِ الخُلَّصِ، وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ في المُنافِقِينَ، ولِلْآيَةِ عَلى احْتِمالاتِها شَبَهٌ في الجُمْلَةِ بِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العَنّابِ والحَشَفِ البالِي فَتَدَبَّرْهُ، وقَدْ يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا بِأنْ يَنْتَزِعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ في تَصامِّهِمْ وتَعامِيهِمُ المَذْكُورَيْنِ ووُقُوعِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ الَّذِي لا خُسْرانَ فَوْقَهُ هَيْئَةً مُنْتَزَعَةً مِمَّنْ فَقَدَ مَشْعَرَيِ البَصَرِ والسَّمْعِ فَتَخَبَّطَ في مَسْلَكِهِ فَوَقَعَ في مَهاوِي الرَّدى ولَمْ يَجِدْ إلى مَقْصِدِهِ سَبِيلًا، ويَنْتَزِعُ مِن حالِ الفَرِيقِ الثّانِي في اِسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ في آياتِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يَنْبَغِي وفَوْزِهِمْ بِدارِ الخُلُودِ هَيْئَةً تُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ لَهُ بَصَرٌ وسَمْعٌ يَسْتَعْمِلُهُما في مُهِمّاتِهِ فَيَهْتَدِي إلى سَبِيلِهِ ويَنالُ مَرامَهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ أظْهَرَ الِاحْتِمالاتِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا والكَلامُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ، واللَّفُّ إمّا تَقْدِيرِيٌّ إنِ اعْتُبِرَ في الفَرِيقَيْنِ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ تَحْقِيقِيٌّ إنِ اعْتُبِرَ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ﴾ إلَخْ..

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ، وأمْرُ النَّشْرِ ظاهِرٌ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الطِّباقِ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ وبَيْنَ الأصَمِّ والسَّمِيعِ، وقَدَّمَ ما لِلْكافِرِينَ قِيلَ: مُراعاةً لِما تَقَدَّمَ ولِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ حالِهِمْ، وقُدِّمَ الأعْمى عَلى الأصَمِّ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ وأشْهَرَ في سُوءِ الحالِ مِنهُ.

وفِي البَحْرِ إنَّما لَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ كالأعْمى والبَصِيرِ، والأصَمِّ والسَّمِيعِ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُتَقابِلِينَ عَلى إثْرِ مُقابِلِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ والأتَمُّ في الإعْجازِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ ﴿ وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى ﴾ ثُمَّ الظّاهِرُ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وهو مَجْرُورٌ بِالكافِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنْ مَثَلٍ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ ويَكُونُ مَعْناها مَعْنى المَثَلِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ، ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ مُذَكَّرٌ عَلى ما قِيلَ: لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ المُماثَلَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ إلَخْ.

(مَثَلًا) أيْ حالًا وصِفَةً ونَصَبَهُ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ حالًا وفِيهِ بُعْدٌ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ أتَشُكُّونَ في عَدَمِ الِاسْتِواءِ وما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ أوْ تَغْفُلُونَ عَنْهُ فَلا تَتَذَكَّرُونَهُ بِالتَّأمُّلِ فِيما ذُكِرَ لَكم مِنَ المَثَلِ، فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وهو وارِدٌ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا، أوْ أتَسْمَعُونَ هَذا فَلا تَتَذَكَّرُونَ فَيَكُونُ الإنْكارُ وارِدًا عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ وُجُودَهُ، وهو المَثَلُ المَضْرُوبُ، أيْ أفَلا تَفْعَلُونَ التَّذَكُّرَ أوْ أفَلا تَعْقِلُونَ ومَعْنى إنْكارِ عَدَمِ التَّذَكُّرِ اسْتِبْعادُهُ مِنَ المُخاطَبِينَ، وأنَّهُ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ولَيْسَ مِن قَبِيلِ الإنْكارِ في ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ)، ﴾ و ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لِنَفْيِ المُماثَلَةِ ونَفْيِ الِاسْتِواءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَعَ في ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى وبَيانِ حالِهِمْ مَعَ أُمَمِهِمْ لِيَزْدادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشْمِيرًا في الدَّعْوَةِ وتَحَمُّلًا لِما يُقاسِيهِ مِنَ المُعانِدِينَ، فَقالَ عَزَّ مَن قائِلٍ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ضرب مثل المؤمنين والكافرين فقال تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ يعني: مثل المؤمن والكافر، مثل الذي يبصر الحق، ومثل الذي لا يبصر الحق: كَالْأَعْمى يعني: عن الإيمان، ولا يبصره، وَالْأَصَمِّ عن الإيمان، ولا يسمعه، وهو الكافر، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ وهو المؤمن.

هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا في الشبه؟

ويقال: معناه، مثل الفريقين كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، يعني: الذي لا يسمع من الذي لا يسمع ولا يبصر، هل يستوي بالذي يسمع ويبصر؟

ويقال معناه: كالأعمى والبصير، والأصم والسميع.

وقال النبيّ  لكفار مكة: «هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ والأصَمُّ وَالسَّمِيعُ؟» قالوا لا.

قال: أَفَلا تَذَكَّرُونَ يعني: أنهما لا يستويان.

قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ بالتخفيف، وقرأ الباقون: أَفَلا تَذَكَّرُونَ بالتشديد.

ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، إِنِّي لَكُمْ بكسر الألف، ومعناه: قال لهم إنِّي لكم نذير.

وقرأ الباقون: بالنصب، ومعناه: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بالإنذار.

وفي الآية تهديد لأهل مكة، ومعناه: واتل عليهم نبأ نوح، يعني: إن لم يتّعظوا بما ذكرت، فاتل عليهم خبر نوح.

وروى أبو صالح، عن ابن عباس: «أن نوحاً أوحي إليه وهو ابن أربعمائة وثمانون سنة، فدعا قومه مائة وعشرين سنة، وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة، ومكث بعد هلاك قومه ثلاثمائة وخمسين سنة، فذلك ألف سنة إلا خمسين عاماً» ، وذكر عن وهب بن منبه، قال: «أوحى الله تعالى إلى نوح وهو ابن خمسين سنة ولبث فيما بينهم تسعمائة وخمسين سنة، فلما هلك قومه عاش بعدهم خمسين سنة، فتمام عمره ألف وخمسون سنة» .

وقال عكرمة: «إنما سُمِّي نوحاً لأنه كان ينوح على أهله ونفسه» .

ويقال: كان اسمه شاكرا، فمن كثرة نواحه على نفسه، سُمِّيَ نوحاً، فدعا قومه إلى الله تعالى وقال لهم: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ من العذاب.

ويقال: مُبِينٌ يعني: بين بلغة تعرفونها أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني: ألا تطيعوا ولا توحِّدوا إلا الله، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ يعني: الغرق.

قال الله تعالى: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني: الأشراف من قومه مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا يعني: آدمياً مثلنا، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ يعني: ما آمن بك إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا يعني: سفلتنا وضعفاؤنا بادِيَ الرَّأْيِ.

قال الكلبي: ظاهر الرأي، يعني: إنهم يعرفون الظاهر، فلا تمييز لهم.

وقال مقاتل: يعني: أراذلنا أي سفلتنا وضعفاؤنا.

وقال القتبي: أَراذِلُنا يعني: شرارنا، وهو جمع أرذل.

وقوله: بادِيَ الرَّأْيِ، بغير همز، أي ظاهر الرأي، من بدا يبدو.

وأما بالهمز، فيعني: أول الرأي، من قولك: بدأ يبدأ.

قرأ أبو عمرو: بادِيَ الرَّأْيِ بالهمز، وقرأ الباقون: على ضد ذلك.

ثم قال: وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي قوم نوح قالوا لنوح: ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في مُلْكٍ ولا مال، بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ يعني: نحسبك من الكاذبين.

وقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة، ويقال: إنما أراد به نوحاً ومن آمن معه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الجمهورُ: «فِي مِرْيَةٍ» «١» - بكسر الميم-، وهو الشكُّ، والضمير في «منه» عائدٌ على كون الكَفَرة موعدُهُم النَّارُ، وسائر الآية بيِّن.

وقوله تعالى: وَيَقُولُ الْأَشْهادُ: قالت فرقة: يُريدُ الشهداءَ مِنَ الأنبياء والملائكةِ، وقالت فرقة: الأشهادُ: بمعنى المشاهِدِينَ، ويريد جميعَ الخلائق، وفي ذلك إِشادةٌ بهم وتشهيرٌ لخزيهم، وروي في نحو هذا حديثٌ: «أَنَّهُ لاَ يُخْزَى أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ/ إلاَّ وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ المَحْشَرَ» ، وباقي الآية بيِّن مِمَّا تقدَّم في غيرها.

قال ص: وقوله: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ يحتملُ أنْ يكون داخلاً في مفعولِ القولِ، وإِليه نحا بعضُهم.

انتهى.

وقوله سبحانَهُ: مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ: يَحْتَمِلُ وجوهاً:

أَحدُها: أَنه وصف سبحانه هؤلاء الكُفَّار بهذه الصفة في الدنيا علَى معنى أَنَّهم لا يسمعون سماعاً ينتفعُونَ به، ولا يبصُرونَ كذلك.

والثاني: أنْ يكون وصفهم بذلك مِنْ أجل بغضتهم في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فهم لا يستطيعُونَ أَنْ يحملوا نفُوسَهم على السّمع منه، والنّظر إليه.

و «ما» في هذين الوجهين: نافيةٌ.

الثالث: أنْ يكون التقديرُ: يضاعَفُ لهم العذابُ بما كانوا، أيْ: بسبب ما كانوا ف «مَا» مصدريةٌ، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ ...

الآية: لاَ جَرَمَ تقدم بيانها، وَأَخْبَتُوا: قال قتادة: معناه: خشعوا «٢» ، وقيل: معناه أنابوا قاله ابن عباس «٣» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: حَقًّا إنَّهُمُ الأخْسَرُونَ.

وقالَ الفَرّاءُ: " لا جَرَمَ " كَلِمَةٌ كانَتْ في الأصْلِ بِمَنزِلَةِ لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، فَجَرَتْ عَلى ذَلِكَ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهم إيّاها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ " حَقًّا "، ألا تَرى أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، لا جَرَمَ لَقَدْ أحْسَنْتَ، وأصْلُها مِن جَرَمْتُ، أيْ: كَسَبْتُ الذَّنْبَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى " لا جَرَمَ ": " لا " نَفْيٌ لِما ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهم كَأنَّ المَعْنى: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ، أيْ: كَسَبَ لَهم ذَلِكَ الفِعْلُ الخُسْرانَ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ " لا " رَدٌّ عَلى أهْلِ الكُفْرِ فِيما قَدَّرُوهُ مِنِ انْدِفاعِ الشَّرِّ عَنْهم في الآخِرَةِ، والمَعْنى: لا يَنْدَفِعُ عَنْهم عَذابِي، ولا يَجِدُونَ ولِيًّا يَصْرِفُ عَنْهم نِقْمَتِي، ثُمَّ ابْتَدَأ مُسْتَأْنِفًا " جَرَمَ "، قالَ: وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: كَسَبَ كَفْرُهم وما قَدَّرُوا مِنَ الباطِلِ وُقُوعَ العَذابِ بِهِمْ.

فَـ " جَرَمَ " فِعْلٌ ماضٍ، مَعْناهُ: كَسَبَ، وفاعِلُهُ مُضْمَرٌ فِيهِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ وتَقْرِيرِ الباطِلِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى جَرَمَ: أحَقَّ وصَحَّحَ، وهو فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ مُضْمَرٌ فِيهِ، والمَعْنى: أحَقَّ كُفْرُهم وُقُوعَ العَذابِ والخُسْرانِ بِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ: ولَقَدْ طَعَنْتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أرادَ: حَقَّتِ الطَّعْنَةُ فَزارَةَ بِالغَضَبِ.

ومِنَ العَرَبِ مَن يُغَيِّرُ لَفْظَ " جَرَمَ " مَعَ " لا " خاصَّةً، فَيَقُولُ بَعْضُهم: " لا جُرْمَ "، ويَقُولُ آخَرُونَ: " لا جَرْ " بِإسْقاطِ المِيمِ، ويُقالُ: " لاذا جَرَمَ " و " لاذا جَرْ " بِغَيْرِ مِيمٍ، و" لا إنْ ذا جُرْمٌ " و " لا عَنْ ذا جُرْمٌ "، ومَعْنى اللُّغاتِ كُلِّها: حَقًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خافُوا رَبَّهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنابُوا إلى رَبِّهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ثابُوا إلى رَبِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: اطْمَأنُّوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أخْلَصُوا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والسّادِسُ: تَخْشَّعُوا لِرَبِّهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: تَواضَعُوا لِرَبِّهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ أُوثِرَتْ " إلى " عَلى اللّامِ في قَوْلِهِ: " وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ "، والعادَةُ جارِيَةٌ بِأنْ يُقالَ: أخْبَتُوا لِرَبِّهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: وجَّهُوا خَوْفَهم وخُشُوعَهم وإخْلاصَهم إلى رَبِّهِمْ، واطْمَأنُّوا إلى رَبِّهِمْ.

قالَ الفَرّاءُ: ورُبَّما جَعَلَتِ العَرَبُ " إلى " في مَوْضِعِ اللّامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها ﴾ \[الزِّلْزالِ:٥\]، وقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي هَدانا لِهَذا  ﴾ .

وقَدْ يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ: فُلانٌ يُخْبِتُ إلى اللَّهِ، يُرِيدُ: يَفْعَلُ ذَلِكَ مُوَجِّهَهُ إلى اللَّهِ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ نازِلَةٌ في أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وما قَبْلَها نازِلٌ في المُشْرِكِينَ.

ثُمَّ ضَرَبَ لِلْفَرِيقَيْنِ مَثَلًا، فَقالَ: ﴿ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيقانِ المُؤْمِنُ والكافِرُ.

فَأمّا الأعْمى والأصَمُّ فَهو الكافِرُ، وأمّا البَصِيرُ والسَّمِيعُ فَهو المُؤْمِنُ.

قالَ قَتادَةُ: الكافِرُ عَمِيَ عَنِ الحَقِّ وصُمَّ عَنْهُ، والمُؤْمِنُ: أبَصَرَ الحَقَّ وسَمِعَهُ ثُمَّ انْتَفَعَ بِهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ ضَمِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَمَثَلِ الأعْمى.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ المُسْلِمَيْنِ كالبَصِيرِ والسَّمِيعِ، ومَثَلُ فَرِيقِ الكافِرِينَ كالأعْمى والأصَمِّ، لِأنَّهم في عَداوَتِهِمْ وتَرْكِهِمْ لِلْفَهْمِ بِمَنزِلَةِ مِن يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ أيْ: هَلْ يَسْتَوِيانِ في المُشابَهَةِ ؟

والمَعْنى: كَما لا يَسْتَوِيانِ عِنْدَكم، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُ والكافِرُ عِنْدَ اللَّهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " هَلْ " هاهُنا بِمَعْنى الإيجابِ، لا بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: لا يَسْتَوِيانِ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: " يَسْتَوُونَ " لِأنَّ الأعْمى والأصَمَّ مِن صِفَةِ واحِدٍ، والسَّمِيعَ والبَصِيرَ مِن صِفَةِ واحِدٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: مَرَرْتُ بِالعاقِلِ واللَّبِيبِ، وهو يَعْنِي واحِدًا، قالَ الشّاعِرُ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا ∗∗∗ أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي فَقالَ: أيُّهُما.

وإنَّما ذَكَرَ الخَيْرَ وحْدَهُ، لِأنَّ المَعْنى يُعْرَفُ، إذِ المُبْتَغِي لِلْخَيْرِ مُتَّقٍ لِلشَّرِّ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الأعْمى والأصَمُّ صِفَتانِ لِكافِرٍ، والسَّمِيعُ والبَصِيرُ صِفَتانِ لِمُؤْمِنٍ، فَرَدَّ الفِعْلَ إلى المَوْصُوفِينَ بِالأوْصافِ الأرْبَعَةِ، كَما تَقُولُ: العاقِلُ والعالِمُ، والظّالِمُ والجاهِلُ، حَضَرا مَجْلِسِي، فَتُثَنِّي الخَبَرَ بَعْدَ ذِكْرِكَ أرْبَعَةً، لِأنَّ المَوْصُوفَ بِالعِلْمِ هو المَوْصُوفُ بِالعَقْلِ، وكَذَلِكَ المَنعُوتُ بِالجَهْلِ هو المَنعُوتُ بِالظُّلْمِ، فَلَمّا كانَ المَنعُوتانِ اثْنَيْنِ، رَجَعَ الخَبَرُ إلَيْهِما، ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى تَفْرِيقِ الأوْصافِ، ألا تَرى أنَّهُ يَسُوغُ أنْ تَقُولَ: الأدِيبُ واللَّبِيبُ والكَرِيمُ والجَمِيلُ قَصَدَنِي، فَتُوَحِّدُ الفِعْلَ بَعْدَ أوْصافٍ لِعِلَّةِ أنَّ المَوْصُوفَ بِهِنَّ واحِدٌ، ولا يَمْتَنِعُ عَطْفُ النُّعُوتِ عَلى النُّعُوتِ بِحُرُوفِ العَطْفِ، والمَوْصُوفُ واحِدٌ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ  ﴾ ثُمَّ قالَ: " الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ " فَلَمْ يَقْتَضِ دُخُولُ الواوِ وُقُوعَ خِلافٍ بَيْنِ الآمِرِينَ والنّاهِينَ، وقَدْ قِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ في حالِ أمْرِهِ، وكانَ دُخُولُ الواوِ دَلالَةً عَلى الآمِرِ بِالمَعْرُوفِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ لا يَنْفَرِدُ دُونَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، كَما يَنْفَرِدُ الحامِدُونَ بِالحَمْدِ دُونَ السّائِحِينَ، والسّائِحُونَ بِالسِّياحَةِ دُونَ الحامِدِينَ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ العَرَبَ تَنْسِقُ النَّعْتَ عَلى النَّعْتِ والمَنعُوتُ واحِدٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ يُخاطِبُ سَعِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: يَظُنُّ سَعِيدٌ وابْنُ عَمْرٍو بِأنَّنِي ∗∗∗ إذا سامَنِي ذُلًّا أكُونُ بِهِ أرْضى فَنَسَقَ ابْنَ عَمْرٍو عَلى سَعِيدٍ، وهو سَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِوُجُوبِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن خُسْرانِ النَفْسِ، و"وَضَلَّ" مَعْناهُ: تَلَفَ ولَمْ يَجِدُوهُ حَيْثُ أمَّلُوهُ.

و"لا جَرَمَ" لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن: "لا"، ومِن: "جَرَمَ" بُنِيَتا.

ومَعْنى لا جَرَمَ: حَقَّ.

هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ.

وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: مَعْناها: لا بُدَّ ولا شَكَّ ولا مَحالَةَ وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ.

وقالَ الزَجّاجُ: "لا" رَدٌّ عَلَيْهِمْ، ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: كَسَبَ، أيْ كَسَبَ فِعْلُهم ﴿ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ .

فَمَوْضِعُ "أنْ" -عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ - رَفْعٌ: ومَوْضِعُها عَلى مَذْهَبِ الزَجّاجِ - نَصْبٌ.

وقالَ الكِسائِيُّ مَعْناها لا صَدَّ ولا مَنعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ جَرَمَ -عَلى هَذا- مِن مَعْنى القَطْعِ، تَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ قَطَعْتُ: وهي عَلى مَنزَعِ الزَجّاجِ مِنَ الكَسْبِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا وجَرِيمَةُ القَوْمِ كاسِبُهم.

وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ ولِقَدْ طَعنتُ أبا أُمَيْمَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا فَيَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ: ويَخْتَلِفُ مَعْنى البَيْتِ.

وفِي لا جَرَمَ لُغاتٌ: يَقُولُ بَعْضُ العَرَبِ: لا ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا أنْ ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا عن ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا جَرَ، حَذَفُوا المِيمَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ.

وأخْبَتُوا قِيلَ: مَعْناهُ: خَشَعُوا، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: أنابُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: اطْمَأنُّوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: خافُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وهَذِهِ الأقْوالُ بَعْضُها قَرِيبٌ مِن بَعْضٍ، وأصْلُ اللَفْظِ مِنَ الخَبْتِ، وهو البَراحُ القَفْرُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ فَكَأنَّ المُخْبِتَ في القَفْرِ قَدِ انْكَشَفَ واسْتَسْلَمَ وبَقِيَ ذا مَنَعَةٍ، فَشُبِّهَ المُتَذَلِّلُ الخاشِعُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّما اشْتُقَّ مِنهُ لِاسْتِوائِهِ وطُمَأْنِينَتِهِ.

وقَوْلُهُ: إلى رَبِّهِمْ قِيلَ: هي بِمَعْنى اللامِ أيْ أخْبَتُوا لِرَبِّهِمْ.

وقِيلَ: المَعْنى جَعَلُوا قَصْدَهم بِإخْباتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ، و"الفَرِيقانِ" الكافِرُونَ والمُؤْمِنُونَ: شُبِّهَ الكافِرُ بِالأعْمى والأصَمِّ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِـ البَصِيرِ والسَمِيعِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالَيْنِ.

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: التَقْدِيرُ كالأعْمى الأصَمِّ والبَصِيرِ السَمِيعِ ودَخَلَتْ واوُ العَطْفِ كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ العاقِلُ والكَرِيمُ، وأنْتَ تُرِيدُهُ بِعَيْنِهِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالٍ واحِدٍ.

ومَثَلًا نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد أن تبين الاختلاف بين حال المشركين المفترين على الله كذباً وبين حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات في منازل الآخرة أعقب ببيان التنظير بين حالي الفريقين المشركين والمؤمنين بطريقة تمثيل ما تستحقه من ذم ومدح.

فالجملة فذلكة للكلام وتحصيل له وللتحذير من مواقعة سببه.

والمَثل، بالتحريك: الحالة والصفة كما في قوله تعالى: ﴿ مثَل الجنة التي وعد المتقون ﴾ الآية من سورة [الرعد: 35]، أي حالة الفريقين المشركين والمؤمنين تشبه حال الأعمى الأصم من جهة وحال البصير السميع من الجهة الأخرى، فالكلام تشبيه وليس استعارة لوجود كاف التشبيه وهو أيضاً تشبيه مفرد لا مركب.

والفريقان هما المعهودان في الذكر في هذا الكلام، وهما فريق المشركين وفريق المؤمنين، إذ قد سبَق ما يؤذن بهذين الفريقين من قوله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ [هود: 18].

ثم قوله: ﴿ إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ﴾ [هود: 23] الآية.

والفريق: الجماعة التي تفارق، أي يخالف حالها حال جماعة أخرى في عمل أو نحلة.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ﴾ في سورة [الأنعام: 81].

شبه حال فريق الكفار في عدم الانتفاع بالنظر في دلائل وحدانية الله الواضحة من مخلوقاته بحال الأعمى، وشبهوا في عدم الانتفاع بأدلة القرآن بحال من هو أصم.

وشبه حال فريق المؤمنين في ضد ذلك بحال من كان سليم البصر، سليم السمع فهو في هدى ويقين من مدركاته.

وترتيب الحالين المشبه بهما في الذكر على ترتيب ذكر الفريقين فيما تقدم ينبئ بالمراد من كل فريق على طريقة النشر المرتب.

والترتيب في اللف والنشر هو الأصل والغالب.

وقد علم أن المشبهين بالأعمى والأصم هم الفريق المقول فيهم ﴿ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ﴾ [هود: 20].

والواو في قوله: ﴿ والأصَم ﴾ للعطف على ﴿ الأعمى ﴾ عطف أحد المشبهين على الآخر.

وكذلك الواو في قوله: ﴿ والسميع ﴾ للعطف على ﴿ البصير ﴾ .

وأما الواو في قوله: ﴿ والبصير ﴾ فهي لعطف التشبيه الثاني على الأول، وهو النشر بعد اللف.

فهي لعطف أحد الفريقين على الآخر، والعطف بها للتقسيم والقرينة واضحة.

وقد يظن الناظر أن المناسب ترك عطف صفة ﴿ الأصم ﴾ على صفة ﴿ الأعمى ﴾ كما لم يعطف نظيراهما في قوله تعالى: ﴿ صُمٌ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ في سورة [البقرة: 18] ظناً بأن مورد الآيتين سواء في أن المراد تشبيه من جمعوا بين الصفتين.

وذلك أحد وجهين ذكرهما صاحب الكشاف.

وقد أجاب أصحاب حواشي الكشاف بأن العطف مبني على تنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات.

ولم يذكروا لهذا التنزيل نكتة ولعلهم أرادوا أنه مجرد استمال في الكلام كقول ابن زيابة يا لهف زيابة للحارب ال *** صابح فالغانم فالآيب والوجه عندي في الداعي إلى عطف صفة الأصم } على صفة ﴿ الأعمى ﴾ أنه ملحوظ فيه أن لفريق الكفار حالين كل حال منهما جدير بتشبيهه بصفة من تينك الصفتين على حدة، فهم يُشبهون الأعمى في عدم الاهتداء إلى الدلائل التي طريق إدراكها البصر، ويُشْبهون الأصم في عدم فهم المواعظ النافعة التي طريق فهمها السمع، فهم في حالتيْن كلُّ حال منهما مشبّه به، ففي قوله تعالى: ﴿ كالأعمى والأصم ﴾ تشبيهان مُفرقان كقول امرئ القيس: كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً *** لدى وكرها العُنّاب والحشف البالي والذي في الآية تشبيه معقولين بمحسوسين، واعتبار كل حال من حالي فريق الكفار لا محيد عنه لأن حصول أحد الحالين كاف في جر الضلال إليهم بله اجتماعِهما، إذ المشبّه بهما أمر عدمي فهو في قوة المنفي.

وأما الدّاعي إلى العطف في صفتي ﴿ البصير والسّميع ﴾ بالنسبة لحال فريق المؤمنين فبخلاف ما قررنا في حال فريق الكافرين لأن حال المؤمنين تشبه حالة مجموع صفتي ﴿ البصير السميع ﴾ ، إذ الإهتداء يحصل بمجموع الصفتين فلو ثبتت إحدى الصفتين وانتفت الأخرى لم يحصل الاهتداء إذ الأمران المشبه بهما أمران وجوديان، فهما في قوة الإثبات؛ فتعين أن الكون الداعي إلى عطف ﴿ السميع ﴾ على ﴿ البصير ﴾ في تشبيه حال فريق المؤمنين هو المزاوجة في العبارة لتكون العبارة عن حال المؤمنين مماثلة للعبارة عن حال الكافرين في سياق الكلام، والمزاوجةُ من محسنات الكلام ومرجعها إلى فصاحته.

وجملة ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ واقعة موقع البيان للغرض من التشبيه وهو نفي استواء حالهما، ونفي الاستواء كناية عن التفضيل والمفضل منهما معلوم من المقام، أي معلوم تفضيل الفريق الممثل بالسميع والبصير على الفريق الممثل بالأعمى والأصم.

والاستفهام إنكاري.

وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على التمييز، أي من جهة حالهما، والمثل: الحال.

والمقصود تنبيه المشركين لما هم فيه من الضلالة لعلهم يتداركون أمرهم فلذلك فرع عليه بالفاء جملةُ ﴿ أفلا تذكرون ﴾ .

والهمزة استفهام وإنكار انتفاء تذكرهم واستمرارهم في ضلالهم.

وقرأ الجمهور «تذّكرون» بتشديد الدال.

وأصله تتذكرون، فقلبت التاء دَالاً لِقرب مخرجيهما وليتأتّى الإدْغام تخفيفاً.

وقرأه حفص، وحمزة، والكسائي بتخفيف الذال على حذف إحدى التاءين من أول الفعل.

وفي مقابلة ﴿ الأعمى والأصم ﴾ ب ﴿ البصير والسميع ﴾ محسن الطباق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي خافُوا رَبَّهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَعْنِي اطْمَأنُّوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنابُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: خَشَعُوا وتَواضَعُوا لِرَبِّهِمْ، رَواهُ مَعْمَرٌ.

الخامِسُ: أخْلَصُوا إلى رَبِّهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مثل الفريقين كالأعمى والأصم ﴾ قال: الكافر ﴿ والبصير والسميع ﴾ قال: المؤمن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ ﴾ الآية، قال المفسرون (١) ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ إلى قوله ﴿ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ﴾ نزل في المستهزئين ورؤساء المشركين، ثم نزل في أصحاب رسول الله  قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية، ثم نزلت هذه الآية مثلا جامعًا للفريقين فقال: ﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ﴾ أي مثل (٢) ﴿ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ ﴾ ذكرنا معناه في قوله: ﴿ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ  ﴾ ، قال قتادة (٣) وقوله تعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ﴾ ، قال الفراء (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ ﴾ (٩) (١٠) يظن سعيد وابن عمرو بأنني ...

إذا سامني ذلا أكون به أرضى فنسق ابن عمرو على سعيد في المعنى، وهذا أعرب من الأول، إذا (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ مَثَلًا ﴾ نصب على التفسير، ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ قال ابن عباس (١٤) (١) "زاد المسير" 4/ 93.

(٢) ساقط من (ب).

(٣) الطبري 12/ 25، ابن أبي حاتم 6/ 2020، "زاد المسير" 4/ 93، القرطبي 9/ 21.

(٤) "معاني القرآن" 2/ 7.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(٦) ساقط من (ي).

(٧) "زاد المسير" 4/ 94، وانظر: الطبري 12/ 25، وابن عطية 7/ 268.

(٨) في (ب): (بمخصوص).

(٩) البقرة: 53.

وفي الأصل: (وآتينا موسى ..) وهو خطأ.

وقد ذكر عند هذه الآية ما ملخصه: أن الكتاب هو الفرقان، والعرت تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه.

ويمكن أن يراد بالفرقان انفراق البحر، ويمكن أن يكون الفرقان نعتًا للكتاب، يريد: وإذ == آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي الفارق بين الحلال والحرام، زيدت الواو كما تزاد في النعوت، فيقال: فلان حسن طويل وسخي.

ولعل هذا القول هو المناسب لإيراده هنا.

(١٠) البيت من الطويل، ولم ينسبه الواحدي، وهو بلا نسبة في "زاد المسير" 4/ 78، والمخاطب بهذا البيت هو سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان.

(١١) كذا في النسخ ولعله (إذْ).

(١٢) ساقط من (ب).

(١٣) ساقط من (ب).

(١٤) "تنوير المقباس" /139، البغوي 4/ 170.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَثَلُ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين والكافرين ﴿ كالأعمى والأصم والبصير والسميع ﴾ شبَّه الكفار بالأعمى والأصم، وشبّه المؤمنين بالبصير والسميع، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثالين، وتمثيل للكافرين بمثالين، وقيل: التقدير كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، فالواو لعطف الصفات، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثال واحد، وهو من جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكفار بمثال واحد وهو من جمع بين العَمى والصم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وإن تولوا ﴾ بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ فإني أخاف ﴾ بفتح الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

﴿ عني إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابو عمرو.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ ق كوفي ﴿ خبير ﴾ ه لا بناء على أنّ ألا يتعلق بما قبله ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ وبشير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فضله ﴾ ج ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ مرجعكم ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط ﴿ ثيابهم ﴾ لا بناء على أن عامل ﴿ حين ﴾ قوله: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ يعلنون ﴾ ج ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ ومستودعها ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما يحبسه ﴾ ط ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لحذف جواب ﴿ لئن ﴾ أي لييأسن.

وقيل: جوابها إنه والأول أوجه ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عني ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ لا للاستثناء ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ ملك ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ وكيل ﴾ هـ ط "أم" استفهام تقريع ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء.

﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ يبخسون ﴾ ه ﴿ إلا النار ﴾ ز بناء على أن "ليس" بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن "ليس" فعل ماض وهو مع ما عطف عليه المجموع جزاء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ط ﴿ موعده ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ كذباً ﴾ ط ﴿ على ربهم ﴾ الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من قول الاشهاد أو ابتداء إخبار.

﴿ الظالمين ﴾ ه لا ﴿ عوجاً ﴾ ط ﴿ من أولياء ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده صفة أولياء ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يفرون ﴾ ه ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ إلى ربهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن".

﴿ الجنة ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ والسميع ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ آلر ﴾ إن كان اسماً للسورة فما بعده خبره، وإن كان وارداً على سبيل التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب.

والإِشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن.

ومعنى ﴿ أحكمت ﴾ نظمت نظماً رصيناً من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيماً.

أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.

أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير.

﴿ ثم فصلت ﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني من هذه المعاني فصل انفرد به.

أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد.

ومعنى "ثم" التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

و ﴿ أحكمت ﴾ صفة كتاب.

و ﴿ من لدن ﴾ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها.

وفي قوله: ﴿ حكيم خبير ﴾ لف ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور.

احتج الجبائي بقوله: ﴿ أحكمت ثم فصلت ﴾ على كون القرآن محدثاً لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل، وكذا بقوله: ﴿ من لدن ﴾ لأن القديم لا يصدر من القديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي.

وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون "أن" مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي  قل لهم لا تعبدوا.

وجوز في الكشاف أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله محكياً على لسان النبي  يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه قال: ترك عبادة غير الله مثل ﴿ فضرب الرقاب  ﴾ والضمير في ﴿ منه ﴾ لله عز وجل حالاً من ﴿ نذير وبشير ﴾ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، وبشير إن خصصتموه بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ منه ﴾ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه، ويكون صلة بشير محذوفاً أي أبشركم بثوابه.

ثم عطف على قوله: ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ قوله: ﴿ وأن استغفروا ﴾ أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم.

ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ ثم توبوا إليه ﴾ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة.

وقيل استغفروا أي توبوا ثم قال: ﴿ توبوا ﴾ أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها.

وقيل: استغفرا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب.

وقيل: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة.

وقيل: الاستغفار أن يطلب من الله الإعانة في إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله مقدم على الاستعانة بسعي النفس.

ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ .

سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله  : ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ {الزخرف: 33] وقول النبي  : "الدنيا سجن المؤمن" "البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء" ؟

وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان.

والجواب الثاني أن الإِنسان إذا كان مشغولاً بطاعة الله مستغرقاً في نور معرفته وعبادته كان مبتهجاً في نفسه مسروراً في ذاته، هيناً عليه ما فاته من اللذات العاجلة، قانعاً بما يصيبه من الخيرات الزائلة.

الثاني قوله: ﴿ ويؤت ﴾ أي في الآخرة ﴿ كل ذي فضل فضله ﴾ أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات.

وتسمية العمل الحسن فضلاً تشريف ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ فضله ﴾ إلى الله  .

وفيه تنبيه على أن الدرجات في الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات.

ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: ﴿ وإن تولوا ﴾ أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإِخلاص في العبادة وعن الاستغفار والتوبة ﴿ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ﴾ هو يوم القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضاً ﴿ ويذورن وراءهم يوماً ثقيلاً  ﴾ .

ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي لا حكم في ذلك اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.

وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية تتضمن البشارة من وجه آخر.

وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة الاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا يقيم لعذابه وزناً.

اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة.

ثم ذكر أن التولي عن الأوامر المذكورة باطناً كالتولي عنها ظاهراً فقال: ﴿ ألا إنهم يثنون ﴾ يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازورَّ عنه وانحرف وطوى عنه كشحاً.

قال المفسرون: وههنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ﴿ ليستخفوا منه ﴾ أي من الله.

ثم كرر كلمة ﴿ ألا ﴾ تنبيهاً على وقت استخفائهم وهو ﴿ حين يستغشون ثيابهم ﴾ أي يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب.

قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم بنا.

وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار.

وقيل: إنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله  وما يتلو من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن.

ثم استأنف قوله: ﴿ يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ تنبيهاً على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه  عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر.

ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بكونه كافلاً لأرزاق جميع الحيوانات ضامناً لمصالحها ومهامها فضلاً وامتناناً وكرماً وإحساناً فقال: ﴿ وما من دابة ﴾ الآية.

والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب أو رحم أو بيضة.

وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه.

وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام.

واستدل الأشاعرة بالآية على أن الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر.

ثم إنا نرى إنساناً لا يأكل من الحال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقاً.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي كل واحد من الدواب.

ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت في علم الله أو في اللوح المحفوظ.

وقد ذكرنا فائدته في قوله: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ يروى أن موسى  عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله  أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني.

ثم أكد دلائل قدرته بقوله: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ قال كعب الأحبار: خلق الله ياقوته خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء، وقال أبو بكر الأصم: هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقاً بالآخر.

وعلى هذا فيكون الآن أيضاً عرشهً على الماء.

وقال في الكشاف: المراد أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون خلقهما قبل أن يعتبر بهما عبثاً إذ لا يتصور عود نفعهما إليه  .

وقال أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء.

وقال حكماء الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك.

وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير.

أما قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه.

والأشاعرة قالوا: إن أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلاً لو كان يفعله من يجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض.

وإنما علق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع في قولك: انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن كلاماً.

قال في الكشاف: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون.

وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وارءهم من الفساق والكفار تشريفاً لهم.

قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب جميع المكلفين.

ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ﴿ ولئن قلت ﴾ الآية.

والإشارة في قوله: ﴿ إن هذا إلا سحر ﴾ إلى البعث أي هو باطل كبطلان السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث.

وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم.

ومن قرأ ﴿ ساحر ﴾ فالإشارة إلى النبي  : ثم بين أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ما الذي حبسه عنا فقال: ﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ الآية: والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع الموعود.

وقيل: هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين.

فالمراد إلى حين ينقضي أمة معدودة من الناس.

وقال في الكشاف.

أي جماعة من الأوقات.

والعذاب عذاب الآخرة.

وقيل: عذاب يوم بدر.

عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين.

ومعنى ﴿ ما يحبسه ﴾ أيّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله بقوله: ﴿ أَلا يوم يأتيهم ﴾ وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.

واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع.

ثم قال: ﴿ وحاق بهم ﴾ أي أحاط بهم ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ أراد يستعجلون ولكنه وضع ﴿ يستهزؤون ﴾ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء.

وإنما قال: ﴿ وحاق ﴾ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع.

ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان ﴾ الآية.

واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات.

وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد.

وقد مر ذكر الكافر،، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد.

وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة والأجر الكبير.

أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين.

والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها.

واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة كذلك.

قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء.

والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ فلعلك تارك ﴾ قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولاً فاجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله  نبيه بقوله: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ﴾ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك.

وقال الحسن: طلبوا منه  أن يترك قوله: ﴿ إن الساعة آتية  ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب بعدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها، أو لعله كان  بين محذورين: أحدهما ترك أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل كذا أي لا تفعل.

وإنما قال: ﴿ وضائق ﴾ ولم يقل وضيق ﴿ به صدرك ﴾ دلالة على أنه ضيق حادث لأنه  كان أفسح الناس صدراً.

ومعنى ﴿ أن يقولوا ﴾ مخافة أن يقولوا: ﴿ لولا أنزل ﴾ أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.

ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ أم يقولون ﴾ الآية.

وقد مر مثله في سورة يونس.

عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ههنا.

واعترض عليه بأن هذه السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد.

فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه.

تحداهم أوّلاً بمجموع القرآن في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ﴾ الآية.

وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة على الإطلاق ولهذا قال: ﴿ فإن لم يستجيبوا ﴾ إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ﴿ لكم ﴾ أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله  والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله  ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ﴾ أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على العلوم الجمة الظاهرة الغائبة.

ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين إذا تبينتم صدق قول محمد  وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة.

وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في ﴿ لم يستجيبوا ﴾ لمن في ﴿ من استطعتم ﴾ والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ وفي ﴿ أنتم ﴾ والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب.

ثم رغبهم في أصل الإِسلام وهددهم على تركه بقوله: ﴿ فهل أنتم ﴾ بعد لزوم الحجة ﴿ مسلمون ﴾ ثم أوعد من كانت همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلاً عن الدين جهلاً أو عناداً فقال: ﴿ من كان يريد ﴾ الآية.

عن أنس أنهم اليهود والنصارى.

وقيل: المنافقون كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان  يسهم لهم فيها.

وقال الأصم: هم منكرو البعث.

وقال آخرون: هي عامة في الكافر والمسلم المرائي.

وقال القاضي: المراد من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات المنافع.

عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟

فيقول: يا رب قمت فيه آناء الليل والنهار.

فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارىء.

وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟

فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك.

ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله  : كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء.

قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله  ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق فقال: صدق الله ورسوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتان.

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال: ﴿ أفمن كان ﴾ والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟

نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال.

ويمكن أن يقال: التقدير أفمن كان ﴿ على بينة من ربه ﴾ كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  ﴾ ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟

الثاني ما المراد بالبينة؟

الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو؟

الرابع الشاهد من هو؟

وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة.

بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ ، ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها ﴿ إماماً ﴾ أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه ﴿ ورحمة ﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم.

والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق.

ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً: البينة.

وهي الدلائل العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب.

وقيل: أفمن كان محمد  ، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب  ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي  هو صورته ومخايله، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن.

وقيل: الكائن على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد  أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجداً قبله، أو ذلك الشاهد كونه القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم: ثم مدح الكائن على البينة بقوله: ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ أي بالقرآن.

ثم أوعد غيرهم بقوله: ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ﴿ فالنار موعده فلا تك في مرية ﴾ في شك ﴿ منه ﴾ من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا ﴾ ومن إنكارهم نبوة محمد  وذلك قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال، ﴿ ومن أظلم ﴾ .

ثم قال: ﴿ أولئك يعرضون ﴾ لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف.

أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد.

ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب.

والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب.

قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة.

وقال قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس.

وقيل: هم الأنبياء لقوله: ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف.

قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضحية.

وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في "الأعراف".

﴿ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ﴾ أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه  قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي.

﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ تنصرهم وتمنعهم من عقابه.

جمع  بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه  لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال.

﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر.

ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله  حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال: إنه  منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

وفي الآخرة كما قال: ﴿ يدعون إلى السجود فلا يستطيعون  ﴾ .

وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره.

والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء.

ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية؟

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراضاً بوعيد.

واعلم أنه  وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة.

الأولى ﴿ ومن أظلم ممن افترى ﴾ الثانية ﴿ أولئك يعرضون ﴾ أي في موقف الذل والهوان.

الثالثة بيان الخزي والفضيحة في قوله: ﴿ ويقول الأشهاد ﴾ الرابعة اللعنة عليهم.

الخامسة الصد عن سبيل الله.

السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ السابعة كونهم كافرين بالآخرة.

الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار ﴿ أولئك لم يكونوا ﴾ .

التاسعة ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ .

العاشرة مضاعفة العذاب لهم.

الحادية عشرة والثانية عشرة ﴿ ما كانوا يستطيعون ﴾ الآية.

الثالثة عشرة ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ وقد مر في "الأنعام".

الرابعة عشرة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ وقد سبق في "يونس".

الخامسة عشرة ﴿ لا جرم ﴾ قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً.

وقال النحويون: "لا" حرف نفي وجزم أي قطع معناه لا قطع قاطع ﴿ أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ وقال الزجاج "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين.

قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين ﴿ وأخبتوا إلى ربهم ﴾ معناه اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله.

وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده.

وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال.

ثم ضرب للفريقين مثلاً وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع.

ولا شك أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن فقيل: المراد به قوله: ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ وقيل: المذكرون في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ أي تشبيهاً.

وفي قوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ تنبيه على أن علاج هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله  وتوفيقه.

التأويل: ﴿ آلر ﴾ إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول.

يعني ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير كقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا  ﴾ ورأس العلم اللدني أن تقول لأمتك يا محمد ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم ﴾ مما ضاع من عمركم في غير طلب الله ﴿ ثم توبوا ﴾ ارجعوا ﴿ إليه ﴾ بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار.

﴿ يمتعكم متاعاً حسناً ﴾ هو الترقي في المقامات العلية ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ﴿ ويؤت كل ذي فضل فضله ﴾ أي يؤت كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات.

والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات السير في الله.

﴿ عذاب يوم كبير ﴾ هو عذاب الانقطاع عن الله الكبير ﴿ ألا حين يستغشون ﴾ ثياب الجسمية على وجه الروح كان ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب ﴿ وما يعلنون ﴾ من ثني الصدور ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية.

﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائماً لمزاجه.

فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقاً لمزاج كل منها، ثم يهديها إلى ما هو أوفق لها ﴿ ويعلم مستقرها ﴾ في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة بها ﴿ ومستودعها ﴾ الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل.

﴿ ليبلوكم ﴾ فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء.

﴿ ولئن قلت ﴾ للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ أي كلام مموه لا أصل له.

﴿ ولئن أخرنا عنهم ﴾ عذاب البعد ﴿ إلى أمة ﴾ إلى حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ هو ما ذكرنا أن لا أحد أظلم على نفسه ممن أخذ نفسه من معبوده وشغلها في عبادة من لا يملك له نفعاً إن عبده ولا ضر إن ترك عبادته، أو يقول: لا أحد أظلم على نفسه ممن ألقى نفسه الطاهرة في عذاب الله ونقمته أبداً بافترائه على الله، وبالله العصمة والقوة.

وفي التأويل لا أحد أظلم على نفسه ممن افترى على الله كذباً، وفي المعنى لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله كذباً بعد معرفته أن جميع ما له من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ أي: أولئك الذين تعرض أعمالهم على أنفسهم عند ربهم، فإن وافقت أعمالهم [ما في] شهادة خلقتهم أدخلوا الجنة، وإن خالفت أعمالهم شهادة خلقتهم أدخلوا النار، تعرض أعمالهم على أنفسهم عند ربهم؛ لأن الله عز وجل عالم بما كان منهم من الأعمال والأقوال على ربهم، أي: عند ربهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ  ﴾ [أي: عند ربهم] وتأويله ما ذكرنا يعرضون على ربهم لأنفسهم؛ لأنهم إنما يؤمرون وينهون ويمتحنون لأنفسهم ولمنفعة أنفسهم فيكون عرضهم لهم، أو أن يكون قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ ﴾ على ما وعدهم ربهم في الدنيا، أو يقول: أولئك يعرضون لأنفسهم على ربهم من غير غيبة كانت منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ : اختلف فيه: قيل: الأشهاد: الرسل والأنبياء.

وقال بعضهم: الأشهاد: الملائكة.

وقال بعضهم: الأشهاد: المؤمنون.

فمن قال: هم الأنبياء والمؤمنون؛ فهو كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً  ﴾ ومن قال: هم الملائكة؛ كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ...

﴾ الآية [الانفطار: 10-11]، ونحوه.

ومعناه - والله أعلم - أنه: تعرض أعمالهم وأقوالهم على أنفسهم فإن أقروا بها بعثوا إلى النار، وإن أنكروا يشهد عليهم ما ذكر من الشهداء فإن أنكروا يقال له: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ...

﴾ الآية [الإسراء: 14]، فإن أنكروا ذلك [فعند ذلك] تشهد عليهم جوارحهم؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24].

ويحتمل أن يكون الملائكة نادوا في ملأ الخلق قبل أن يدخلوا النار: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.

ويحتمل ما ذكر من شهادة الذين كانو موكلين بكتابة أعمالهم وأقوالهم يخبرون عما كتبوا في الكتب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : اللعنة.

قال بعضهم: هي الطرد عن جميع المنافع والإبعاد عن رحمة الله في الدنيا عن دينه وفي الآخرة عن ثوابه.

وقال بعضهم: اللعنة هي العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يصدون يحتمل وجهين: يحتمل أن أعرضوا هم بأنفسهم عن دين الله.

ويحتمل صرفوا الناس عن دين الله، لكنه يتبين ذلك بالمصدر أنه أراد ذا أو ذا، يقال في الإعراض بنفسه: صد يصد صدودا؛ كقوله: ﴿ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً  ﴾ ، ويقال في صرف غيره: صد يصد صدا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً  ﴾ : قال بعضهم: هم بغاة على دين الله بالجور.

وقال بعضهم: يبغون من النساء الميل عن دين الله إلى دينهم، فذلك هو بغي العوج، كل سبيل غير سبيل الله فهو عوج وبغي، كأنه يقول: يبغون سبيلا غير سبيل الله.

﴿ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ : في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أولئك لم يكونوا معجزي الله في الدنيا من أن يعذبهم وينتقم منهم إن شاء.

والثاني: أولئك لم يكونوا سابقي الله في الآخرة في دفع العذاب عن أنفسهم.

وجائز أن يكون الآية في الأئمة منهم والجبابرة يخبر أنهم غير معجزي الله فيما يريد منهم من التعذيب لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ هم حسبوا أن أولئك الذين عبدوهم من دون الله يكونون لهم أولياء؛ لأنهم يقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ كانوا يطمعون في شفاعة الأصنام التي كانوا يعبدونها، أو الذين اتبعوهم يكونون لهم أولياء فأخبر أن ليس لهم أولياء على ما ظنوا وحسبوا، بل يكونون لهم أعداء؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً...

﴾ الآية [الأحقاف: 6]، وأمثاله كثير؛ وكقوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  ﴾ أي: لم يكن لهم ما طمعوا، وقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً  ﴾ صاروا لهم أعداء على ما ذكر.

ويحتمل ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ أي: لا ينفعهم ولاية من اتخذوا أولياء؛ كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ : هذا يدل على أن قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ في الأئمة الذين صرفوا الناس عن دين الله؛ لأنه أخبر أنه يضاعف لهم العذاب.

وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لما ضلوا هم بأنفسهم، والآخر: لما صرفوا الناس عن دين الله  .

وقوله - عز وجل -: و ﴿ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ﴾ : قالت المعتزلة فيه بوجهين: أحدهما: أنهم كانوا يسمعون ويبصرون، لكنه قال لا يستطيعون السمع ولا يبصرون استثقالا منهم لذلك، وهو كما يقول الرجل: ما أستطيع أن أنظر إلى فلان ولا أسمع كلامه، وهو ناظر إليه سامع كلامه، لكنه يقول ذلك لاستثقاله النظر إليه وسماع كلامه؛ فعلى ذلك الأول كانوا يسمعون ويبصرون، لكنهم كانوا يستثقلون السمع والنظر إليهم [فنفى عنهم] ذلك.

والثاني: كانوا لا يستطيعون السمع، أي: كانوا كأنهم لا يستطيعون السمع ولا النظر، وهو ما أخبر أنهم صم بكم عمي، كانوا يتصامون ويتعامون الحق.

وأمّا عندنا: الجواب للتأويل الأول أنهم كانوا لا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون السماع سمع الرحمة والنظر إليه بعين الرحمة والقبول، فهم من ذلك الوجه كانوا لا يستطيعون.

والثاني: يحتمل سمع القلب وبصر القلب، وهم كانوا لا يستطيعون السمع سمع القلب وبصر القلب؛ كقوله: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ  ﴾ وهذه الاستطاعة عندنا هي استطاعة الفعل لا استطاعة الأحوال؛ إذ جوارحهم كانت سليمة صحيحة؛ فدل أنها الاستطاعة التي بها يكون الفعل لما ذكرنا.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع)، ثم سئل الحسن عن ذلك؟

فقال: هو قول الله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً  ﴾ إذا سمعوا الوحي تقنعوا في ثيابهم، فلم يستطيعوا احتمال ذلك.

وفي حرف حفصة: (وما كانوا يستطيعون السمع) بالواو.

وأما في حرف ابن مسعود ظاهر تأويله أي: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع، فلم يسمعوا عنادا وإبطاء، وأصله ما كانوا يستطيعون السمع المكتسب والبصر المكتسب عندنا، ما ذكر من السمع والبصر هو السمع المكتسب والبصر المكتسب والحياة المكتسبة؛ لأن سمع الآخرة وحياتها مكتسبان، وحياة الدنيا والسمع والبصر مخلوقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : أما في الدنيا عبادتهم غير معبودهم الذي كان منه جميع النعم والمنافع، وما لحقهم بذلك من الذل والصغار، وأما في الآخرة فالعذاب والهوان الدائم بدلا عن النعم الدائمة.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: بطل عنهم، ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ : ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ...

﴾ الآية [الزمر: 3] وأمثاله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ ﴾ : قال أبو عوسجة: لا جرم واجب من الكلام، أي: الحق أنهم في الآخرة هم الأخسرون.

وقال بعضهم: لا جرم أي: نعم إنهم في الآخرة هم الأخسرون.

وقال الفراء: قوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي: لا بد، لكن الناس أكثروا استعماله فصار في معارفهم حقا، ولا بد في الحقيقة حقا؛ لأنه إذا كان لا بد فهو حق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ ﴾ : تأويله - والله أعلم - أن الذين آمنوا بالله وبجميع ما أنزل على رسوله، وعملوا الصالحات ولزموا ذلك حتى صاروا إلى الله أولئك أصحاب الجنة؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ  ﴾ أي: من تاب من الشرك وآمن بالله وعمل صالحاً ثم اهتدى أي: ثم لزم ذلك حتى صار إلى الله هكذا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ لزموا ذلك كله حتى صاروا إلى الله.

ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ  ﴾ سنن الذين أولئك كذا.

وقوله: ﴿ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: الإخبات التخشع والتواضع، أي: تخشعوا وتواضعوا فرقاً من ربهم.

وقال بعضهم: أخبتوا أي: اطمأنوا على ذلك أولئك كذا.

وعن ابن عباس -  -: أخبتوا قال: خافوا من ربهم.

وقال القتبي: أخبتوا أي: تواضعوا لربهم، وقال: الإخبات التواضع والوقار.

وقال أبو عوسجة: الإخبات التوبة والمخبت التائب.

وقال غيرهم: الإخبات الإنابة، أخبتوا أي: أنابوا إلى الله؛ وبعضه قريب من بعض.

ومن قال: الإخبات هو التواضع الخشوع فمعناه - والله أعلم - أي: تواضعوا وخشعوا بالإجابة إلى ما دعاهم إليه ربهم وندبهم إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ ﴾ أي: الصنفين اللذين سبق وصفهما، وهو قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ الآية [هود: 15] فهو وصف الكافر، والفريق الآخر قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ إلى آخر ما ذكر وفيه وصف المؤمن.

أو يكون وصف الكافر ما ذكر: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ هو وصف أحد الفريقين وهم الكفار، والفريق الآخر ما ذكر: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ هذا - والله أعلم - الفريقين اللذين ضرب مثلهما بالأعمى والأصم و [البصير والسميع].

ثم وجه ضرب مثل الكافر بالأعمى والأصم، والمؤمن بالبصير والسميع، فهو - والله أعلم - أن الكافر أعمى القلب وأصم السمع، لم يبصر ما غاب عنه من الموعود، ولا يسمع ما غاب عنه من الموعود، وإنما أبصر ظواهر الأمر؛ وكذلك إنما سمع ظواهر من الأمور وبواديها، لم ينظر إلى الغائب من الموعود ولا سمع ذلك، وهو لم يخلق لمعرفة ذلك الظاهر خاصة، وإنما خلق لما وعد وأوعد في الغائب.

والمؤمن أبصر ذلك الغائب وسمع ما غاب من الموعود، فيقول [كما لم يستو] عندكم في الظاهر البصير والأعمى والسميع والأصم لم يستو من كان أعمى القلب بمن كان بصير القلب بذلك، ولم يستو أيضاً من به صمم القلب بمن كان سميعاً بذلك.

﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنهما لا يستويان، أو يقول: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: أفلا تتعظون بما نزل من القرآن وتنتهون عما تنهون، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ وجوه من الأسئلة: أحدها: أن يقال: كيف احتج عليهم وهو ما ذكر أنهم عميان وصم أو كالعميان والصم، ولا يكلف الأعمى الإبصار والنظر ولا الأصم السماع؟!

والثاني: يقولون: إنا [بصراء سمعاء] ليس بنا صمم ولا عمى، بل أنتم العميان والصم.

والثالث: كيف ذكر المثل لهم، وهم لا يتفكرون ولا ينظرون في المثل ولا يلتفتون إليه؟!

أما جواب الأول: فأنه احتج عليهم؛ لأنهم تركوا اكتساب بصر الآخرة وسمع سماع الآخرة، فنفى عنهم السمع والبصر والحياة؛ لأنه ببصر المخلوق يكتسب بصرا في الدين وسمعا في أمر الدين وحياة الدين، فيصير بذلك مكتسب الحياة الدائمة والبصر الدائم والسمع الدائم، فيكونون في الآخرة بصراء سمعاء أحياء؛ كقوله: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ  ﴾ .

والثاني: نفى عنهم هذه الحواس؛ لأنهم لم ينتفعوا بها؛ لأن هذه الحواس إنما أنشئت لهم وخلقت لينتفعوا بها، وهو المقصود بإنشائها، فإذا تركوا الانتفاع بها فكأنها ليست لهم.

وأما جواب ما قالوا: إنا [بصراء وسمعاء] وأنتم العميان والصم، فيقال لهم: إن أهل الإسلام إذا سمعوا ذلك قد اشتغلوا بالتفكر فما فرغ سماعهم من الآيات والنظر فيها، وأنتم لا بل تعاموا عنها وتصاموا، فدل تفكرهم ونظرهم فيها على أنهم بصراء و [سمعاء وأحياء]، وأنتم يا أهل الكفر العميان والصم والأموات.

والثاني: أن هذه الآيات إنما نزلت في محاجة أهل مكة، وهم قد علموا أن آباءهم لم يكونوا حكماء ولا علماء، فلم يكونوا ما ذكر بصراء ولا أحياء ولا سمعاء، فصاروا صمّاً عمياناً أمواتا؛ ولأن أحد الفريقين لا محالة ما ذكر نحن، أوهم ثم قد استووا في هذه الدنيا وفي العقل والحكمة التفريق بينهما؛ فدل أنهم بما ذكر أولى.

وأما جواب ذكر المثل لهم على علم منهم أنهم لا يقبلون المثل ولا ينظرون بأنه إنما ذكر لأهل الإسلام؛ ولأن ذكر المثل به ربما يبعثهم على النظر فيه والتفكر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

مثل فريقي الكفار والمؤمنين مثل الأعمى الَّذي لا يبصر، والأصم الَّذي لا يسمع، وهذا مثل فريق الكفار الذين لا يسمعون الحق سماع قبول، ولا يبصرونه إبصارًا ينفعهم، ومثل السميع البصير، وهذا مثل فريق المؤمنين الَّذي يجمع بين السمع والإبصار، هل يستوي هذان الفريقان حالًا وصفة؟!

لا يستويان، أفلا تعتبرون بعدم استوائهما؟!

ولما ظهر ما ظهر من إعراض المشركين عن الإيمان سلّى الله نبيه  بأنه ليس هو أول من كُذِّب، وذلك بذكر قصص الأنبياء، فقال سبحانه: <div class="verse-tafsir" id="91.PJMOL"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله