الآية ٢٥ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٢٥ من سورة هود

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن نوح - عليه السلام - وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه : ( إني لكم نذير مبين ) أي : ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه : إني لكم ، أيها القوم ، نذير من الله، أنذركم بأسَه على كفركم به، فآمنوا به وأطيعوا أمره.

ويعني بقوله: (مبين) ، يبين لكم عما أرسل به إليكم من أمر الله ونهيه.

(12) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إني) .

فقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة وبعض المدنيين بكسر " إنّ" على وجه الابتداء إذ كان في " الإرسال " معنى " القول ".

* * * وقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة والكوفة والبصرة بفتح " أن " على إعمال الإرسال فيها، كأن معنى الكلام عندهم: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بأني لكم نذير مبين.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن يقال إنهما قراءتان متفقتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ كان مصيبًا للصواب في ذلك.

--------------------- الهوامش : (12) انظر تفسير " نذير " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة ( نذر ) ، ( بين ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبينقوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ذكر سبحانه قصص الأنبياء - عليهم السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم - تنبيها له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم .إني لكم نذير مبين أي فقال : إني ; لأن في الإرسال معنى القول .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي " أني " بفتح [ ص: 22 ] الهمزة ; أي أرسلناه بأني لكم نذير مبين .

ولم يقل " إنه " لأنه رجع من الغيبة إلى خطاب نوح لقومه ; كما قال : وكتبنا له في الألواح من كل شيء ثم قال : فخذها بقوة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

إلى آخر القصة أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين إلى قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: { إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي: بينت لكم ما أنذرتكم به، بيانا زال به الإشكال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب " أني " بفتح الهمزة أي : بأني ، وقرأ الباقون بكسرها ، أي : فقال إني ، لأن في الإرسال معنى القول : إني لكم نذير مبين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أني» أي بأني وفي قراءة بالكسر على حذف القول «لكم نذير مبين» بيّن الإنذار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال لهم: إني نذير لكم من عذاب الله، مبيِّن لكم ما أُرسلت به إليكم من أمر الله ونهيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد بدأت السورة الكريمة قصصها بقصة نوح مع قومه ، وقد وردت هذه القصة فى سور متعددة منها سورة الأعراف ، وسورة المؤمنون ، وسورة نوح .

.

.

إلا أنها وردت هنا بصورة أكثر تفصيلا من غيرها .( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ .

.

.

) .قوله : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ .

.

.

) جواب لقسم محذوف .

أى والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه .

والدليل على هذا القسم وجود لامه فى بدء الجملة .وافتتحت القصة بصيغة القسم لأن المخاطبين بها لما لم يحذروا ما نزل بقوم نوح بسبب كفرهم نزلوا منزلة المنكر لرسالته .وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاثة وأربعين موضعا .وقوم الرجل : هم أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد واحد وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة .وكان قوم نوح يعبدون الأصنام : فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد .قال ابن كثير : قال ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير : " كان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا .

فبنى قومهم عليهم مساجد ، وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم ، فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين : ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله - تعالى - رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده " .وقوله : ( إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ .

أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله .

.

.

) بيان للوظيفة التى من أجلها أرسل الله - تعالى - نوحا إلى قومه .قال الشوكانى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى بفتح الهمزة فى ( إنى ) على تقدير حرف الجر أى : أرسلناه بأنى .

أى : أرسلناه متلبسا بذلك الكلام وهو أنىلكم نذير مبين .

وقرأ الباقون بالكسر على إرادة القول .

أى : أرسلناه قائلا لهم ( إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) .ونذير من الإِنذار وهو إخبار معه تخويف .

.ومبين : من الإِبانة بمعنى التوضيح والإِظهار .

.أى : أرسلناه إلى قومه فقال لهم يا قوم : إنى لكم محذر تحذيرا واضحا من موجبات العذاب التى تتمثل فى عبادتكم لغير الله - تعالى - .واقتصر على الإِنذار لأنهم لم يعملوا بما بشرهم به وهو الفوز برضا الله - تعالى - إذا ما أخلصوا له العبادة والطاعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الأولى: قصة نوح عليه السلام: اعلم أنه تعالى قد بدأ بذكر هذه القصة في سورة يونس وقد أعادها في هذه السورة أيضاً لما فيها من زوائد الفوائد وبدائع الحكم، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ﴿ أني ﴾ بفتح الهمزة، والمعنى: أرسلنا نوحاً بأني لكم نذير مبين، ومعناه أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ أني لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ فلما اتصل به حرف الجر وهو الباء فتح كما فتح في كان، وأما سائر القراء فقرؤا ﴿ إِنّي ﴾ بالكسر على معنى قال: ﴿ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

المسألة الثانية: قال بعضهم: المراد من النذير كونه مهدداً للعصاة بالعقاب، ومن المبين كونه مبيناً ما أعد الله للمطيعين من الثواب، والأولى أن يكون المعنى أنه نذير للعصاة من العقاب وأنه مبين بمعنى أنه بين ذلك الإنذار على الطريق الأكمل والبيان الأقوى الأظهر، ثم بين تعالى أن ذلك الإنذار إنما حصل في النهي عن عبادة غير الله وفي الأمر بعبادة الله لأن قوله: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله ﴾ استثناء من النفي وهو يوجب نفي غير المستثنى.

واعلم أن تقدير الآية كأنه تعالى قال ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

ثم قال: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله ﴾ فقوله: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله ﴾ بدل من قوله: ﴿ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ ﴾ ثم إنه أكد ذلك بقوله: ﴿ إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ والمعنى أنه لما حصل الألم العظيم في ذلك اليوم أسند ذلك الألم إلى اليوم، كقولهم نهارك صائم، وليلك قائم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي أرسلنا نوحاً بأني لكم نذير.

ومعناه أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام، وهو قوله: ﴿ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ بالكسر، فلما اتصل به الجارّ فتح كما فتح في ﴿ كَانَ ﴾ والمعنى على الكسر، وهو قولك: إنّ زيداً كالأسد.

وقرئ بالكسر على إرادة القول ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ﴾ بدل من ﴿ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إِلاَّ الله ﴾ أو تكون (إن) مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازي لوقوع الألم فيه.

فإن قلت: فإذا وصف به العذاب؟

قلت: مجازي مثله، لأنّ الأليم في الحقيقة هو المعذب، ونظيرهما قولك: نهارك صائم، وجدّ جدّه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكُمْ ﴾ بِأنِّي لَكم.

قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

﴿ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ أُبَيِّنُ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ ووَجْهَ الخَلاصِ.

﴿ أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ بَدَلٌ مِن إنِّي لَكم، أوْ مَفْعُولٌ مُبَيِّنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً مُتَعَلِّقَةً بِـ ﴿ أرْسَلْنا ﴾ أوْ بِـ ﴿ نَذِيرٌ ﴾ .

﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ ﴾ مُؤْلِمٍ وهو في الحَقِيقَةِ صِفَةُ المُعَذِّبِ لَكِنْ يُوصَفُ بِهِ العَذابُ وزَمانُهُ عَلى طَرِيقَةِ جَدِّ جَدِّهِ ونَهارُهُ صائِمٌ لِلْمُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي بأني والمعنى أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام وهو قوله إني لكم نذير مبين

بالكسر فلما اتصل به الجار فتح كما فتح في كأن والمعنى على الكسر وبكسر الألف شامي ونافع وعاصم وحمزة على إرادة القول

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ الواوُ ابْتِدائِيَّةٌ واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ويُقَدَّرُ حَرْفُهُ ياءً لا واوًا وإنْ كانَ هو الشّائِعَ لِئَلّا يَجْتَمِعَ واوانِ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُها ولا يُبالِي بِذَلِكَ.

ونُوحٌ في المَشْهُورِ ابْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُوشَلْخَ بْنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: بُعِثَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ مِن عُمُرِهِ ولَبِثَ يَدْعُو قَوْمَهُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا؛ وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً وكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وخَمْسِينَ سَنَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: بُعِثَ وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسِينَ، وقِيلَ: ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ، ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ ما قَصَّ سُبْحانَهُ وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً فَكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً ( إنِّي لَكم نَذِير ) بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ أوْ قائِلًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ مُلْتَبِسًا بِذَلِكَ الكَلامِ، وهو ﴿ إنِّي لَكم نَذِيرٌ ﴾ فَلَمّا اتَّصَلَ الجارُّ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كانَ، والمَعْنى عَلى الكَسْرِ وهو قَوْلُكَ: إنَّ زَيْدًا كالأسَدِ بِناءً عَلى أنَّ كانَ مُرَكَّبَةٌ ولَيْسَتْ حَرْفًا بِرَأْسِهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ خِلافًا لِأبِي عَلِيٍّ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَذِيرًا لِأنَّهم لَمْ يَغْتَنِمُوا مَغانِمَ إبْشارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ مُبِينٌ).

﴾ أيْ مُوَضِّحٌ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ ووَجْهَ الخَلاصِ مِنهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ضرب مثل المؤمنين والكافرين فقال تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ يعني: مثل المؤمن والكافر، مثل الذي يبصر الحق، ومثل الذي لا يبصر الحق: كَالْأَعْمى يعني: عن الإيمان، ولا يبصره، وَالْأَصَمِّ عن الإيمان، ولا يسمعه، وهو الكافر، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ وهو المؤمن.

هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا في الشبه؟

ويقال: معناه، مثل الفريقين كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، يعني: الذي لا يسمع من الذي لا يسمع ولا يبصر، هل يستوي بالذي يسمع ويبصر؟

ويقال معناه: كالأعمى والبصير، والأصم والسميع.

وقال النبيّ  لكفار مكة: «هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ والأصَمُّ وَالسَّمِيعُ؟» قالوا لا.

قال: أَفَلا تَذَكَّرُونَ يعني: أنهما لا يستويان.

قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ بالتخفيف، وقرأ الباقون: أَفَلا تَذَكَّرُونَ بالتشديد.

ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، إِنِّي لَكُمْ بكسر الألف، ومعناه: قال لهم إنِّي لكم نذير.

وقرأ الباقون: بالنصب، ومعناه: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بالإنذار.

وفي الآية تهديد لأهل مكة، ومعناه: واتل عليهم نبأ نوح، يعني: إن لم يتّعظوا بما ذكرت، فاتل عليهم خبر نوح.

وروى أبو صالح، عن ابن عباس: «أن نوحاً أوحي إليه وهو ابن أربعمائة وثمانون سنة، فدعا قومه مائة وعشرين سنة، وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة، ومكث بعد هلاك قومه ثلاثمائة وخمسين سنة، فذلك ألف سنة إلا خمسين عاماً» ، وذكر عن وهب بن منبه، قال: «أوحى الله تعالى إلى نوح وهو ابن خمسين سنة ولبث فيما بينهم تسعمائة وخمسين سنة، فلما هلك قومه عاش بعدهم خمسين سنة، فتمام عمره ألف وخمسون سنة» .

وقال عكرمة: «إنما سُمِّي نوحاً لأنه كان ينوح على أهله ونفسه» .

ويقال: كان اسمه شاكرا، فمن كثرة نواحه على نفسه، سُمِّيَ نوحاً، فدعا قومه إلى الله تعالى وقال لهم: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ من العذاب.

ويقال: مُبِينٌ يعني: بين بلغة تعرفونها أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني: ألا تطيعوا ولا توحِّدوا إلا الله، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ يعني: الغرق.

قال الله تعالى: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني: الأشراف من قومه مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا يعني: آدمياً مثلنا، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ يعني: ما آمن بك إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا يعني: سفلتنا وضعفاؤنا بادِيَ الرَّأْيِ.

قال الكلبي: ظاهر الرأي، يعني: إنهم يعرفون الظاهر، فلا تمييز لهم.

وقال مقاتل: يعني: أراذلنا أي سفلتنا وضعفاؤنا.

وقال القتبي: أَراذِلُنا يعني: شرارنا، وهو جمع أرذل.

وقوله: بادِيَ الرَّأْيِ، بغير همز، أي ظاهر الرأي، من بدا يبدو.

وأما بالهمز، فيعني: أول الرأي، من قولك: بدأ يبدأ.

قرأ أبو عمرو: بادِيَ الرَّأْيِ بالهمز، وقرأ الباقون: على ضد ذلك.

ثم قال: وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي قوم نوح قالوا لنوح: ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في مُلْكٍ ولا مال، بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ يعني: نحسبك من الكاذبين.

وقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة، ويقال: إنما أراد به نوحاً ومن آمن معه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقيل: اطمأنوا قاله مجاهد «١» وقيل: خافوا قاله ابن عباس «٢» أيضاً، وهذه أقوالٌ بعضها قريبٌ من بعض.

وقوله سبحانه: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ...

الآية، «الفريقان» الكافرون والمؤمنون، شبه الكافِرَ بالأعمَى والأصمِّ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ والسميعِ، فهو تمثيلٌ بمثالين.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)

وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ...

الآية: فيها تمثيلٌ لقريشٍ وكفَّار العرب، وإِعلامٌ بأَن محمَّداً عليه السلام ليس بِبِدْعٍ من الرسل، و «الأراذل» جَمْعُ الجمعِ، فقيل: جمع أَرْذُلٍ، وقيل: جَمْعُ أَرْذَالٍ، وهم سِفْلَة النَّاسِ، ومَنْ لا خَلاَقَ له ولا يبالِي ما يَقُولُ، ولا ما يُقَالُ له، وقرأ الجمهور «٣» :

«بَادِيَ الرَّأْي» - بياء دون همز- من بَدَا يَبْدُو، فيحتمل أنْ يتعلَّق «بَادِيَ الرَّأْي» ب «نَرَاكَ» ، أي: وما نراك بأولِ نَظَرٍ وأقلِّ فكرة، وذلك هو بَادِي الرأيِ إِلاَّ ومتَّبِعُوكَ أراذلُنا، ويحتمل أنْ يتعلق بقوله: اتَّبَعَكَ، أيْ: وما نَرَاكَ اتبعك بَادِيَ الرَّأي إِلا الأراذلُ، ثم يحتملُ علَى هذا قوله: بادِيَ الرَّأْيِ معنيين:

أحدهما: أَنْ يريدوا: اتبعك في ظاهر أمرهم، وعسَى أنَّ بواطنهم ليستْ معك.

والثاني: أن يريدوا: اتبعوك بأول نَظَرٍ، وبالرأْيِ البادِي، دون تثبُّت.

ويحتملُ أنْ يكون قولهم: بادِيَ الرَّأْيِ وصْفاً منهم لنوحٍ، أي: تدَّعِي عظيماً وأَنْتَ مكشوفُ الرأْي، لا حَصَافَة لك، ونصبُهُ على الحالِ، أو على الصفة ل «بشر» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ " أنِّي " بِفَتْحِ الألِفِ، والتَّقْدِيرُ: أرْسَلْناهُ بِأنِّي، وكَأنَّ الوَجْهَ بِأنَّهُ لَهم نَذِيرٌ، ولَكِنَّهُ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغائِبِ إلى خِطابِ نُوحٍ قَوْمَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ " إنِّي " بِكَسْرِ الألِفِ، فَحَمَلُوهُ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ فَقالَ لَهم: إنِّي لَكم نَذِيرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ أيْ: إنْسانًا مِثْلَنا، لا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا.

فَأمّا الأراذِلُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ السَّفِلَةُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هم جَمْعُ " أرْذَلَ "، يُقالُ: رَجُلٌ رَذْلٌ، وقَدْ رَذُلَ رَذالَةً ورُذُولَةً.

ومَعْنى الأراذِلِ: الشِّرارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ " بادِيَ " بِغَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالهَمْزِ بَعْدَ الدّالِ.

وكُلُّهم هَمَزَ " الرَّأْيَ " غَيْرَ أبِي عَمْرٍو.

ولِلْعُلَماءِ في مَعْنى " بادِي " إذا لَمْ يُهْمَزُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: ما نَرى أتْباعَكَ إلّا سَفِلَتَنا وأرْذالَنا في بادِي الرَّأْيِ لِكُلِّ ناظِرٍ، يَعْنُونَ أنَّ ما وصَفْناهم بِهِ مِنَ النَّقْصِ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ فَيُخالِفَنا، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ ما يُرى مِنهم، وطَوِيَّتُهم عَلى خِلافِكَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: اتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، ولَمْ يَتَدَبَّرُوا ما قُلْتَ، ولَوْ رَجَعُوا إلى التَّفَكُّرِ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، ذَكَرَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأقْوالِ عَلى قِراءَةِ مَن لَمْ يَهْمِزْ، لِأنَّهُ مِن بَدا، يَبْدُو: إذا ظَهَرَ.

فَأمّا مَن هَمَزَ " بادِئَ " فَمَعْناهُ: ابْتِداءُ الرَّأْيِ، أيِ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ ما ابْتَدَؤُوا يَنْظُرُونَ، ولَوْ فَكَّرُوا لَمْ يَعْدِلُوا عَنْ مُوافَقَتِنا في تَكْذِيبِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن فَضْلٍ في الخَلْقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في المُلْكِ والمالِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: ما فُضِّلْتُمْ بِاتِّباعِكم نُوحًا، ومُخالَفَتِكم لَنا بِفَضِيلَةٍ نَتْبَعُكم طَلَبًا لَها، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَتَيَقَّنُكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: نَحْسَبُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ أيْ: عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُهُ: " إنْ كُنْتُ " شَرْطٌ لا يُوجِبُ شَكًّا يَلْحَقُهُ، لَكِنَّ الشَّكَّ يَلْحَقُ المُخاطَبِينَ مِن أهْلِ الزَّيْغِ، فَتَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي عِنْدَكم.

﴿ وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الهِدايَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " فَعَمِيَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ وفَتْحِ العَيْنِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى عَمِيتُمْ عَنْها، يُقالُ عَمِيَ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ: إذا لَمْ أفْهَمْهُ، وعَمِيتُ عَنْهُ بِمَعْنًى.

قالَ الفَرّاءُ: وهَذا مِمّا حَوَّلَتِ العَرَبُ الفِعْلَ إلَيْهِ، وهو في الأصْلِ لِغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِمْ: دَخَلَ الخاتَمُ في يَدِي، والخُفُّ في رِجْلِي، وإنَّما الإصْبَعُ تَدَخُلُ في الخاتَمِ، والرِّجْلُ في الخُفِّ، واسْتَجازُوا ذَلِكَ إذْ كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " فَعُمِّيَتْ " بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى ذَلِكَ: فَعَمّاها اللَّهُ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالشَّقاءِ.

وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: " فَعَمّاها عَلَيْكم " .

وَفِي المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: البَيِّنَةُ والثّانِي: الرَّحْمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ أيْ: أنُلْزِمُكم قَبُولَها ؟

وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، يَقُولُ: لا نَقْدِرُ أنْ نُلْزِمَكم مِن ذاتِ أنْفُسِنا.

قالَ قَتادَةُ: واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ  لَألْزَمَها قَوْمَهُ، ولَكِنْ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.

وقِيلَ: كانَ مُرادُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدَّ قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فَبَيَّنَ فَضْلَهُ وفَضْلَ مَن آمَنَ بِهِ بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وقَدْ آتاهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ وسُلِبَ المُكَذِّبُونَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى نُصْحِي ودُعائِي إيّاكم ﴿ مالا ﴾ فَتَتَّهِمُونِي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ بِمَعْنى الهُدى والإيمانِ، جازَ تَذْكِيرُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَألُوهُ طَرْدَهم أنَفَةً مِنهم، فَقالَ: لا يَجُوزُ لِي طَرْدُهم، إذْ كانُوا يَلْقَوْنَ اللَّهَ فَيَجْزِيهِمْ بِإيمانِهِمْ، ويَأْخُذُ لَهم مِمَّنْ ظَلَمَهم وصَغَّرَ شُؤُونَهم.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَجْهَلُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تَجْهَلُونَ لِأمْرِكم إيّايَ بِطَرْدِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ قَصَصٍ فِيهِ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ وإعْلامُ مُحَمَّدٍ  لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنَ الرُسُلِ.

ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ رَسُولٍ إلى الناسِ.

ورُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ نَبِيٌّ مِن بَنِي آدَمَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ، فَرِسالَةُ نُوحٍ إنَّما كانَتْ إلى قَوْمِهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ، وأمّا الرِسالَةُ العامَّةُ فَلَمْ تَكُنْ إلّا لِمُحَمَّدٍ  .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ.

فالكَسْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، والمَعْنى: قالَ لَهُمْ: ﴿ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ( ألّا تَعْبُدُوا ) مَعْمُولًا لِـ "أرْسَلْنا"، أيْ: أرْسَلْنا نُوحًا بِألّا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ، واعْتُرِضَ أثْناءَ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ، والفَتْحُ عَلى إعْمالِ "أرْسَلْنا" في "أنِّي" أيْ: بِأنِّي لَكم نَذِيرٌ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَتِهِ لِقَوْلِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم ونَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ.

و"النَذِيرُ" لِلتَّحَفُّظِ مِنَ المَكارِهِ بِأنْ يُعَرِّفَها ويُنَبِّهَ عَلَيْها ومُبِينٌ مِن أبانَ يُبِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ) ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ ونَحْوَها، وذَلِكَ بَيِّنٌ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

و"ألِيمٌ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٌ، ووُصِفَ بِهِ اليَوْمُ وحَقُّهُ أنْ يُوصَفَ بِهِ العَذابُ تَجَوُّزًا إذِ العَذابُ في اليَوْمِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: نَهارٌ صائِمٌ ولَيْلٌ قائِمٌ.

و"المَلَأُ" الجَمْعُ والأكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ والمَدِينَةِ ونَحْوِهِ، ويُسَمّى الأشْرافُ مَلَأً إذْ هم عُمْدَةُ المَلَإ والسادُّونَ مَسَدَّهُ في الآراءِ والأُمُورِ، وكُلُّ جَماعَةٍ كَبِيرَةٍ مَلَأٌ.

ولَمّا قالَ لَهم نُوحٌ: ﴿ إنِّي لَكم نَذِيرٌ ﴾ قالُوا: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ أيْ واللهُ لا يَبْعَثُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، فَأحالُوا الجائِزَ عَلى اللهِ تَعالى.

و"الأراذِلُ" جَمْعُ أرْذَلَ، وقِيلَ: جَمْعُ أرْذَلُ وأرْذالٌ جَمْعُ رَذْلٍ وكانَ اللازِمُ -عَلى هَذا- أنْ يُقالَ: أراذِيلُ وإذا ثَبَتَتِ الياءُ في جَمْعِ "صَيْرَفٍ" فَأحْرى ألّا تُزالَ في مَوْضِعِ اسْتِحْقاقِها.

وهم سَفِلَةُ الناسِ ومَن لا أخْلاقَ لَهُ، ولا يُبالى ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "بادِيَ الرَأْيِ" بِياءٍ دُونَ هَمْزٍ، مِن بَدا يَبْدُو، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بَدَأ مُسَهَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعِيسى الثَقَفِيُّ "بادِئَ الرَأْيِ" بِالهَمْزِ مِن بَدَأ يَبْدَأُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ اخْتِلافٌ في المَعْنى يُعْطِيهِ التَدَبُّرُ، فَتَرَكْتُ التَطْوِيلَ بِبَسْطِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أمّا بادِئَ بَدْءٍ فَإنِّي أحْمَدُ اللهَ"، "وَأمّا بادِيَ بَدْيٍ"، بِغَيْرِ هَمْزِ فِيهِما، وقالَ الراجِزُ: أضْحى لِخالِي شَبَهِي بادِيَ بَدِي ∗∗∗ وصارَ لِلْفَحْلِ لِسانِي ويَدِي وقالَ الآخَرُ: وقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأةٌ بادِي بَدِي.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ "الرَأْيِ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَرْكِ الهَمْزِ.

و"بادِيَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ وصَحَّ أنْ يَكُونَ اسْمَ الفاعِلِ ظَرْفًا كَما يَصِحُّ في قَرِيبٍ ونَحْوِهِ، وفَعِيلٌ وفاعِلٌ مُتَعاقِبانِ أبَدًا عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وفي المَصْدَرِ كَقَوْلِكَ: جَهْدَ نَفْسِي أُحِبُّ كَذا وكَذا.

وتَعَلُّقُ قَوْلِهِ: ﴿ بادِيَ الرَأْيِ ﴾ يَحْتَمِلُ سِتَّةَ أوجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "نَراكَ" بِأوَّلِ نَظَرٍ وأقَلِّ فِكْرَةٍ، وذَلِكَ هو بادِيَ الرَأْيِ، أيْ إلّا ومُتَّبِعُوكَ أراذِلُنا.

والثانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "اتَّبَعَكَ" أيْ، وما نَراكَ اتَّبَعَكَ بادِيَ الرَأْيِ إلّا الأراذِلُ ثُمَّ يَحْتَمِلُ -عَلى هَذا- وقَوْلُهُ: ﴿ بادِيَ الرَأْيِ ﴾ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ وعَسى أنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ مَعَكَ.

والثانِي: أنِ اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَأْيِ البادِي دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوكَ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَأْيِ الغَيْرِ المَرْوِيِّ.

والوَجْهُ الثالِثُ: مِن تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿ بادِيَ الرَأْيِ ﴾ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "أراذِلُنا" أيِ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأوَّلِ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِي الرَأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: "بادِيَ الرَأْيِ" وصْفًا مِنهم لِنُوحٍ، أيْ: تَدَّعِي عَظِيمًا وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ، ونَصْبَهُ عَلى الحالِ وعَلى الصِفَةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا في الكَلامِ مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ  .

ويَجِيءُ جَمِيعُ هَذا سِتَّةَ مَعانٍ، ويَجُوزُ التَعَلُّقُ في هَذا الوَجْهِ بِـ"قالَ".

ومَعْنى: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ أيْ: ما ثَمَّ شَيْءٌ تَسْتَحِقُّونَ بِهِ الِاتِّباعَ والطاعَةَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّهم خاطَبُوا نُوحًا ومَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ، أيْ: أنْتُمْ كاذِبُونَ في تَصْدِيقِكم هَذا الكاذِبَ، وقَوْلِكم إنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.

ويَحْتَمِلُ أنَّهم خاطَبُوا نُوحًا وحْدَهُ فَيَكُونَ مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من إنذار المشركين ووصف أحوالهم وما ناسب ذلك إلى موعظتهم بما أصاب المكذبين قبلهم من المصائب، وفي ذلك تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بما لاقاه الرّسل عليهم السّلام قبله من أقوامهم.

فالعطف من عطف القصة على القصة وهي التي تسمى الواو الابتدائية.

وأكدت الجملة بلام القسم و ﴿ قد ﴾ لأن المخاطبين لما غفلوا عن الحذر مما بقوم نوح مع مماثلة حالهم نزلوا منزلة المنكر لوقوع رسالته.

وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة ﴿ إني ﴾ بكسر الهمزة على أنه محكي بفعل قول محذوف في محل حال، أي قائلاً.

وقرأه ابن كثير، وأبو عَمرو، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف بفتح الهمزة على تقدير حرف جرّ وهو الباء للملابسة، أي أرسلناه متلبساً بذلك، أي بمعنى المصدر المنسبك من (أني نذير)، أي متلبساً بالنذارة البيّنة.

وتقدم الكلام على نوح عليه السلام وقومه عند قوله تعالى: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ في آل عمران (33).

وعند قوله: ﴿ لقد أرْسلْنا نُوحاً إلى قوْمه ﴾ في سورة الأعراف (59.

(وجملة ﴿ ألا تعبدوا إلاّ الله ﴾ مفسرة لجملة ﴿ أرسلنا ﴾ لأن الإرسال فيه معنى القول دون حروفه، ويجوز كونها تفسيراً ل ﴿ نذير ﴾ لما في ﴿ نذير ﴾ من معنى القول، كقوله في سورة نوح (2، 3) ﴿ قال يا قوم إني لَكمْ نَذير مبين أن اعبدوا الله واتّقوه ﴾ وهذا الوجه متعين على قراءة فتح همزة (أني) إذا اعتبرت (أنّ) تفسيرية.

ويجوز جعل (أنْ) مخففة من الثقيلة فيكون بدلاً من ﴿ أني لكم نذير مبين ﴾ على قراءة فتح الهمزة واسمها ضمير شأن محذوفاً، أي أنّه لا تعبدوا إلاّ الله.

وجملة ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ﴾ تعليل ل ﴿ نذير ﴾ لأن شأن النذارة أن تثقل على النفوس وتخَزُهم فكانت جديرة بالتعليل لدفع حرج ما يلاقونه.

ووصف اليوم بالأليم مجاز عقلي، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية جعل زمانه أليماً، أي مؤلماً.

وجملة ﴿ أخاف عليكم ﴾ ونحوها مثل أخشى عليك، تستعمل للتوقّع في الأمر المظنون أو المقطوع به باعتبار إمكان الانفلات من المقطوع به، كقول لبيد: أخشى على أربَد الحتوف ولا *** أخشَى عليه الرياح والمَطرا فيتعدّى الفعل بنفسه إلى الخوف منه ويتعدى إلى المخوف عليه بحرف (على) كما في الآية وبيت لبيد.

و (العذاب) هنا نكرة في المعنى، لأنه أضيف إلى نكرة فكان محتملاً لعذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

فأما عذاب الدنيا فليس مقطوعاً بنزوله بهم ولكنه مظنون من نوح عليه السلام بناء على ما علمه من عناية الله بإيمان قومه وما أوحي إليه من الحرص في التبليغ، فعلم أن شأن ذلك أن لا يترك مَن عَصَوْه دون عقوبة.

ولذلك قال في كلامه الآتي ﴿ إنما يأتيكم به الله إن شاء ﴾ [هود: 33] على ما يأتي هنالك.

وكان العذاب شاملاً لعذاب الآخرة أيضاً إن بقوا على الكفر، وهو مقطوع به لأنّ الله يقرن الوعيد بالدعوة، فلذلك قال نوح عليه السلام في كلامه الآتي ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ [هود: 33]، وقد تبادر إلى أذهان قومه عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث فلذلك قالوا في كلامهم الآتي ﴿ فأتنا بما تعدنا إن كنتم من الصادقين ﴾ [هود: 32].

ولعلّ في كلام نوح عليه السّلام ما تفيدهم أنه توعدهم بعذاب في الدنيا وهو الطوفان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا ﴾ الأراذِلُ جَمْعُ أرْذَلٍ، وأرْذَلُ جَمْعُ رَذْلٍ، والرَّذْلُ الحَقِيرُ، وعَنَوْا بِأراذِلِهِمُ الفُقَراءَ وأصْحابَ المِهَنِ المُتَّضِعَةِ.

﴿ بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ أيْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّكَ تَعْمَلُ بِأوَّلِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: أنَّ ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ، تَعْجِيزًا لَهُ، قالَ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: يَعْنِي أنَّ أراذِلَنا اتَّبَعُوكَ بِأقَلِّ الرَّأْيِ وهم إذا فَكَّرُوا رَجَعُوا عَنِ اتِّباعِكَ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: مِن فَضْلٍ تَفْضُلُونَ بِهِ عَلَيْنا مِن دُنْياكم.

والثّانِي: مِن فَضْلٍ تَفْضُلُونَ بِهِ عَلَيْنا في أنْفُسِكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا باديَ الرأي ﴾ قال: فيما ظهر لنا.

وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه.

مثله.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن كنت على بينة من ربي ﴾ قال: قد عرفتها وعرفت بها أمره وأنه لا إله إلا هو ﴿ وآتاني رحمة من عنده ﴾ قال: الإِسلام والهدى والإِيمان والحكم والنبوة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنلزمكموها ﴾ قال: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ولكنه لم يستطع ذلك ولم يملكه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أنه كان يقرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر قلوبنا ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن أجري ﴾ قال: جزائي.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ قال: قالوا له: يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطردهم وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء.

وفي قوله: ﴿ إنهم ملاقوا ربهم ﴾ قال: فيسألهم عن أعمالهم ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ التي لا يفنيها شيء فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها بملكه أي عليها ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ لا أقول اتبعوني على علمي بالغيب ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ نزلت من السماء برسالة ﴿ ما أنا إلا بشر مثلكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا أقول للذين تزدري أعينكم ﴾ قال: حقرتموهم.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ قال: يعني إيماناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قالوا يا نوح قد جادلتنا ﴾ قال: ماريتنا.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ فائتنا بما تعدنا ﴾ قال: تكذيباً بالعذاب وأنه باطل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعليَّ إجرامي ﴾ قال: عملي ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي مما تعملون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي ﴾ ويقرأ بكسر الألف، فمن فتح (١) (٢) ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ  ﴾ ثم قال: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}، ذكره أبو علي (٣) (٤) (١) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، انظر: "السبعة" 332، "التبصرة" 5/ 537، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 1/ 525، "الحجة" 4/ 315، الثعلبي 7/ 38 ب.

(٢) في (ي): (الخطاب).

(٣) "الحجة" 4/ 315.

(٤) سيأتي تخريج القراءة بعدُ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَثَلُ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين والكافرين ﴿ كالأعمى والأصم والبصير والسميع ﴾ شبَّه الكفار بالأعمى والأصم، وشبّه المؤمنين بالبصير والسميع، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثالين، وتمثيل للكافرين بمثالين، وقيل: التقدير كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، فالواو لعطف الصفات، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثال واحد، وهو من جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكفار بمثال واحد وهو من جمع بين العَمى والصم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.

والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.

﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.

حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.

حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.

والباقون بالضم مفخماً.

﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.

﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.

﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.

ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.

و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.

ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.

وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.

ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.

الأولى أنه بشر مثلهم.

الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.

والأراذل جمع أرذل.

وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.

ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.

وهذا تفسير من قرأ بغير همز.

وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله  بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.

الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.

ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.

والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.

ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.

وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.

ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.

ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.

سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله  حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟

الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.

احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.

وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.

ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.

ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.

وفي قوله  ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.

أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.

ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.

لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.

وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.

ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.

وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.

ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.

واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.

وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه  بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.

ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً  ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.

ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله  عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.

﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.

وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.

وعن مقاتل أنها من قصة محمد  وقعت في أثناء قصة نوح.

قوله  : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.

وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.

قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً  ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.

وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.

ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.

ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.

والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.

وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.

والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.

والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.

عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله  إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.

ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.

وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.

وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.

وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.

ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟

ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.

وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.

وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.

والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.

وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.

و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".

روي أن نوحاً  اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.

وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.

وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.

قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.

﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.

والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.

وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.

عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.

وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.

وعن علي  أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.

وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.

وقيل: بالهند.

روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله  جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.

ويروى عن علي  أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.

وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.

والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.

فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.

فالمراد حمل من كل شيء زوجين.

واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.

ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.

وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.

فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي  كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.

وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.

قوله  وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.

فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.

فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟

قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.

الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.

وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.

وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.

وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.

ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله  .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.

يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.

ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.

البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟

والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله  بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.

وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.

قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.

واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.

وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً  قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله  ﴿ فخانتاهما  ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين  ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.

وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.

وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.

وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.

وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.

ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟

وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى  ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.

وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.

وقوله  : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.

مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.

أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.

فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.

وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.

وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.

ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.

ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.

واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.

ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.

ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.

وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.

واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.

وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.

ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.

ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.

وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.

واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.

ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.

وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.

ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.

وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.

ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.

ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.

قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟

وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.

وقد روى جمع من المفسرين أنه  أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.

وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.

والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله  لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.

وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.

وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله  أعلم بمراده من كلامه.

﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.

﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.

ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.

وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.

ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.

ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.

﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا  ﴾ الآية.

فلذلك عفى عنه.

﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.

وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.

والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله  ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين  ﴾ فنوح آدم الأصغر.

وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.

وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.

وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.

وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.

والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.

ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي  على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .

التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.

وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.

﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.

﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟

فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.

وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.

﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.

فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.

﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.

والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.

وفي قوله  : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.

فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ : أخبر أنه أرسله إلى قومه، ولم يفهم منه الإرسال من مكان إلى مكان؛ وكذلك قوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ولم يكن مجيئه من مكان إلى مكان، فهذا يدل أنه لا يفهم من ذكر المجيء الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك الإرسال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: نذير لمن عصى بالنار وبعقابه بين الإنذار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ ﴾ أي: لا تجعلوا عبادتكم إلا لمعبود هو معبود بشهادة خلقتكم؛ لأن خلقتهم تشهد على أنه هو المستحق للعبادة، لا من تعبدون من الأصنام والأوثان.

ويحتمل قوله: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: وحدوا الله ولا تصرفوا الألوهية إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ : أضاف [الألم إلى اليوم واليوم ليس بمؤلم ولكنه - والله أعلم - أضاف إليه؛ لما فيه يؤلم، وهو كقوله: ﴿ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً  ﴾ والليل لا يسكن ولا يوصف به، لكنه يسكن] فيه، وكذلك قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ والنهار لا يبصر، لكنه يبصر فيه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ لما فيه يكون العذاب الأليم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: الخوف في غيره لا يكون في الحقيقة خوفاً؛ وكذلك الرجاء في غيره لا يكون في الحقيقة رجاء، وفي نفسه يكون في الحقيقة خوفاً ورجاء؛ لما يلحقه ضرر في نفسه أن جعل به ذلك لغيره، ويلحقه نفع فيكون الخوف في نفسه حقيقة خوف والرجاء حقيقة رجاء، وأما في غيره لما لا يلحقه ضرر وإن حل ذلك لغيره، ولا ينال من النفع في الرجاء إن نال ذلك الغير، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على العلم، أي: إني أعلم أنه ينزل بكم العذاب؛ نحو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا  ﴾ أي: علمتم.

وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ  ﴾ أي: فإن علمتم أن يضيعا حدود الله.

والثاني: يخاف عليهم إشفاقا منه؛ لأن الخلق جبلوا على أن يتألم بما يحل بغير حتى لا يكون في وسع بعض أن يروا ذلك في غيره.

على هذين الوجهين يخرج الخوف على غيره، وفي الخوف رجاء وفي الرجاء خوف؛ لأن الخوف إذا لم يكن فيه رجاء فهو إياس، وقال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، والرجاء إذا لم يكن فيه خوف فهو أمن قال: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ...

 ﴾ كذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ ﴾ : قيل: أشراف قومه وأئمتهم.

﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا ﴾ : وكذلك قال عامة القوم لرسلهم الذين بعثوا إليهم: ﴿ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ ، كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون - والله أعلم -: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من [عند] أحد في الظاهر، والرسول هو الذي يأتي من عند غير، ويكون للرسول خصوصية عند المرسل، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، فكيف بعثتم إلينا رسلا دون أن نبعث نحن إليكم رسلا؛ إذ أنتم ونحن في الخلقة سواء وفي الأمور الظاهرة سواء؟!

أو نحوه من الكلام، احتجوا على رسلهم في رد الرسالة؛ وكذلك كان عادة الكفرة يقولون للرسل إذا لزمتهم الحجة وأقيم عليهم نسبوها إلى السحر، ونسبوا الرسل أنهم بشر مثلهم.

فجواب هذا كله ما ذكر: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ  ﴾ ، وما قال لهم نوح: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: آتاني رحمة من عنده، وجعل لي بينة وبرهانا على ما آتاني رحمة من عنده بمثل هذا يحتج عليهم.

ويقال أيضاً: إنكم لا تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بما جعلكم أئمة ورؤساء بأمور الدنيا على غيرهم، فكيف تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بفضل الدين والرسالة؟!.

وقوله: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ : احتجوا أيضاً في رد الرسالة يقولون: إن الأراذل هم أتباع لكل من دعاهم وأهل طاعة لكل متبوع، فليس في اتباع الأراذل إياك والضعفاء دلالة ثبوت رسالتك؛ إذ هم يتبعون بلا دليل ولا حجة وهم فروع وأتباع لغير، ولم يتبعك أحد من الأصول.

لكن يقال: إن هؤلاء الأراذل لما اتبعوا الرسول ولم يتبعوا الأئمة والرؤساء الذين معهم الأموال والدنيا، ولم يكن في أيدي الرسل ذلك، ثم تركوا اتباع أولئك وفي أيديهم ما يدعوهم إليه واتبعوا الرسل دل أنهم إنما اتبعوا الرسل بالحجج والبراهين التي أقاموها عليهم أو نحوه.

والأراذل: قيل: هم السفهاء والضعفاء.

وقال القتبي: أراذلنا: شرارنا.

و ﴿ بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ \[قال بعضهم: ظاهر الرأي؛\] من قولك: بدا لي ما كان خفيا.

وقال بعضهم: بادي الرأي: خفيف الرأي لا يعرفون حقائق الأمور، إنما يعرفون ظواهرها، كأنهم يقولون: إنما اتبعك من كان خفيف الرأي وباديه، لم يتبعك من يعرف حقائق الأمور والأصول.

وقد قرئ: (بادئ الرأي) بالهمز، وقد قرئ بغير همز.

ومن قرأ بالهمز فهو من الابتداء، أي: في أول الرأي وابتدائه لا ينظر في عواقب الأمور.

ومن قرأ بغير همز فهو من الظهور، أي: ظاهر الرأي على غير تفكر ونظر فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ...

﴾ الآية: يحتمل هذا أي: فضلا في الخلقة، أو في ملك أو مال ولا في شيء، لكن جواب هذا ما سبق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ : هكذا كانت عادة الكفرة، يردون دلالات الرسل والحجج بالظن لم يردوا لحقيقة ظهرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ ﴾ أي: على بيان من ربي، أو على حجة من ربي وبرهان فيما آتاني من رحمته.

والرحمة تحتمل النبوة لأنهم كانوا ينكرون رسالته لما أنه بشر مثلهم، فكيف خص هو بها دونهم وهو مثلهم؟!

فيقول: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً ﴾ أي: النبوة، وآتاني - أيضاً - على ذلك بينة وحجة.

وتحتمل الرحمة الدين الذي كان يدعوهم إليه والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، أي: لبست، أو التبس عليكم حيث أعرضتم عنه.

ومن قرأ: بالتشديد: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ يرجع إلى الأتباع والسفلة، أي: عميت عليهم القادة والرؤساء منهم ولبست.

(وعميت) بالتخفيف أي: التبس، وعمي على القادة والرؤساء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ أي: أنوجبها عليكم، وهي التي ذكر أنه آتاها إياه أو البينة التي ذكر أيضاً أو الدين الذي كان يدعوهم إليه، أي: لا نوجبها عليكم ولا نلزمها، وأنتم لها كارهون بلا حجة ولا برهان.

﴿ وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾ أي: لا نلزمها لكم بلا حجة شئتم أو أبيتم ولكن بحجة.

وفيه أن الدين لا يقبل بالإكراه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً ﴾ : على تبليغ الرسالة إليكم، أو على إقامة الحجة على ما أدعي من الرسالة، أو على الدين الذي يدعوهم إليه، أي: لا أسألكم على ذلك أجرا، فلماذا تعرضون عما أدعوكم إليه وأقيمه عليكم ليكون لكم الاحتجاج أو الاعتذار؟!

وكذلك يخرج قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ [أي: لا تسألهم أجرا على ما تبلغه إليهم ويدعوهم إليه]، فيمنعهم ثقل ذلك الغرم إجابتكم إياه، فعلى ذلك الأول ذكر هذا؛ لأن ما يلحق الإنسان من الضرر إنما يمنعه عن الإذعان بالحق [للخلق] والإقبال إليه والقيام بوفائه، أو يمنع ذلك لما لا يتبين له الحق لئلا يكون لهم الاحتجاج والاعتلال عند الله وإن لم يكن لهم حجة؛ وكقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ ليس على أنه إذا سألهم على ذلك أجرا يكون لهم عذر في ردِّ ذلك وترك الإجابة له؛ إذ لله أن يكلفهم الإجابة والطاعة له بالمال وبغير المال.

والثاني: بقوله: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم إياه مالاً، مع حاجتي وقلة مالي، فيقع عندكم أني أدعوكم إليه رغبة فيما في أيديكم من الأموال أو لمنفعة نفسي بل إنما أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه لمنفعة أنفسكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله في ذلك ليس عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ : فيه دلالة أنهم كأنهم كانوا سألوا رسولهم أن يتخذ لهم مجلسا على حدة، ويفرد لهم ذلك دون الأراذل والضعفاء الذين اتبعوه ويطرد الضعفاء؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ...

﴾ الآية [الأنعام: 52].

وقال أهل التأويل: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي: ما أنا بالذي لا يقبل الإيمان من الأراذل والضعفاء عندكم؛ لقولهم حيث قالوا: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ  ﴾ لأنهم يقولون: اتبعوك الأراذل ظاهراً، وأما في الباطن فليسوا على ذلك؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ يعني: ما في قلوب السفلة فيقول: ما أنا بطارد الذين آمنوا ظاهراً الله أعلم بما في قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: ملاقو ربهم فيشكون مني إليه في رد إيمانهم، ويخاصمونني في ذلك ويطالبونني في طردي إياهم.

والثاني: أنهم ملاقو ربهم بإيمانهم ظاهراً كان إيمانهم أو باطناً [أي في حال هم يلاقون] ربهم فيجزيهم بما هم عليه ؛ كقوله: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ﴾ يحتمل تجهلون ما أدعوكم إليه أو تجهلون في قولكم: إنهم إنما آمنوا واتبعوا في ظاهر الحال، وأما في السر فلا، أو تجهلون ما يلحقني في طردهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ : أي: من يمنعني من عذاب الله، ﴿ إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ : على ما تدعونني إليه، أو من يمنعني من عذاب الله إن لم أقبل منهم الإيمان.

﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنه لا يسع لي ما تدعونني إليه من طرد هؤلاء أو رد إيمانهم، أو أفلا تذكرون فتؤمنون.

وما روي في حرف أبي بن كعب: (أنلزمكموها شطر أنفسنا) فمعناه أنلزمكموها نحن أنفسنا وأنتم قوم معاندون.

وفي حرف ابن عباس: (أنلزمكموها من شطر أنفسنا) أي: من تلقاء أنفسنا، أي: لا نقدر أن نلزمكم ذلك من تلقاء أنفسنا وأنتم كارهون لذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: يقول: ليس عندي خزائن الله والسعة، فأبذل لكم لتؤمنوا رغبة في المال والسعة.

والثاني: يقول: ليس عندي سعة، فيقع عندكم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه افتعالا رغبة في المال على ما يفعل المفتعلون للرغبة في المال، ولكن لتعلموا أني مكلف في ذلك.

والثالث: يحتمل ما ذكرنا من أسئلة كانت منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ : هذا القول منه لهم يحتمل الوجهين: أحدهما: أنه قال ذلك لهم على أثر أمور وأسئلة كانت منهم من نحو قولهم ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ  ﴾ ، وقولهم لرسول الله  : ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ  ﴾ وأمثال ما كان منهم، فيقول لهم: ليس ذلك عندي وبيدي، إنما ذلك عند الله وبيده.

﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ يحتمل أن يكونوا سألوه أن يخبرهم عن أمور تستقبلهم قبل أن تستقبلهم، إن كان شرا فيعدوا له في دفعه، وإن كان منافع فيستقبلوا لها ويتهيئوا، فيقول لهم: ذا غيب وأنا لا أعلم الغيب إنما العلم في ذلك إلى الله، ولا أقول: إني ملك أعلم أخبار السماء والأمور التي فيها، إنما أنا بشر مثلكم.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ أي: مفاتيح الله في الرزق، فهذا كأنهم سألوه السعة فيتبعونه، فيقول: ليس عندي ذلك.

ويحتمل أن يكون قال لهم الرسول هذا لدفع الشبهة عنهم، وذلك أن من الكفار من اتخذ الرسول إلها فعبدوه بعدما عاينوا أنه من البشر.

ومنهم من قال: إنه ابن الله.

ومنهم من قال: إنه ملك، وكانوا يعبدون الملائكة وكانوا يخبرونهم عن أشياء غابت عنهم، فظنوا أنه إنما علم ذلك لأنه إله، فيقول لهم ذلك ليدفع عنهم تلك الشبهة ويتبرأ من ذلك؛ ولذلك قال عيسى: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً  وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً  ﴾ هو -  - كان يعلم في نفسه أنه عبد الله، ولكن يقول لهم لئلا ينسبوه إلى الألوهية والربوبية على ما نسبوا إليه، فأقر بالعبودية له، والله أعلم بذلك.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: مفاتيح الله بأنه يهدي السفلة دونكم، ﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ أي: لا أقول: إن عندي علم ذلك أن الله يهديهم وهم مؤمنون في السر؛ وذلك كقوله: ﴿ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : من الصدق.

﴿ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ أي: إنما [أنا] بشر لقولهم: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا...

﴾ إلى آخر الآية [هود: 27].

ثم قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ ﴾ قيل: الذين حقرتموهم يعني السفلة والأتباع.

وقال ابن عباس: (الذين لم تأخذهم أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) يعني إيماناً الله أعلم بما في أنفسهم من الصدق، إني إذا لمن الظالمين لهم إن لم أقبل منهم [الإيمان] أو طردتهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد بعثنا نوحًا  رسولًا إلى قومه، فقال لهم: يا قوم، إني نذير لكم من عذاب الله، مبين لكم ما أرسلت به إليكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.eQAXw"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل