الآية ٥١ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٥١ من سورة الحجر

وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥١ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥١ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى وأخبرهم يا محمد عن قصة ضيف إبراهيم والضيف يطلق على الواحد والجمع كالزور والسفر.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأخبر عبادي يا محمد عن ضيف إبراهيم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ضيف إبراهيم : الملائكة الذين بشروه بالولد وبهلاك قوم لوط .وقد تقدم ذكرهم .وكان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان , وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد .وسمي الضيف ضيفا لإضافته إليك ونزوله عليك .وقد مضى من حكم الضيف في " هود " ما يكفي والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } أي: عن تلك القصة العجيبة فإن في قصك عليهم أنباء الرسل وما جرى لهم ما يوجب لهم العبرة والاقتداء بهم، خصوصا إبراهيم الخليل، الذي أمرنا الله أن نتبع ملته، وضيفه هم الملائكة الكرام أكرمه الله بأن جعلهم أضيافه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ونبئهم عن ضيف إبراهيم ) أي : عن أضيافه .

والضيف : اسم يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى ليبشروا إبراهيم عليه السلام بالولد ، ويهلكوا قوم لوط .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ونبئهم عن ضيف إبراهيم» وهم الملائكة اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أخبر -أيها الرسول- عبادي أني أنا الغفور للمؤمنين التائبين، الرحيم بهم، وأن عذابي هو العذاب المؤلم الموجع لغير التائبين.

وأخبرهم -أيها الرسول- عن ضيوف إبراهيم من الملائكة الذين بشَّروه بالولد، وبهلاك قوم لوط.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ .

.

.

) معطوف على قوله قبل ذلك ( نبئ عبادى .

.

.

) .قال الجمل : وأصل الضيف : الميل ، يقال أضفت إلى كذا إذا ملت إليه .

والضيف من مال إليك نزولاً بك ، وصارت الضيافة فى القرى وأصل الضيف مصدر ، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع فى غالب كلامهم .

وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف .

.

.

.والمراد بضيف إبراهيم هنا : الملائكة الذين نزلوا عنده ضيوفًا فى صورة بشرية ، وبشروه بغلام عليم ، ثم أخبروه بأنهم أرسلو إلى قوم لوط لإِهلاكهم .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء، ومحذراً عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء، فبدأ أولاً بقصة إبراهيم عليه السلام، والضمير في قوله: ﴿ وَنَبّئْهُمْ ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ عِبَادِى ﴾ والتقدير: ونبئ عبادي عن ضيف إبراهيم، يقال: أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا أخبرتهم وذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر.

وبانجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضاً بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار.

المسألة الثانية: الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنساناً لطلب القرى، ثم سمى به، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة.

فإن قيل: كيف سماهم ضيفاً مع امتناعهم عن الأكل؟

قلنا: لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك.

وقيل أيضاً: إن من يدخل دار الإنسان ويلتجئ إليه يسمى ضيفاً وإن لم يأكل، وقوله تعالى: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا ﴾ أي نسلم عليك سلاماً أو سلمت سلاماً، فقال إبراهيم: ﴿ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴾ أي خائفون، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل.

وقيل: لأنهم دخلوا عليه بغير إذن وبغير وقت وقرأ الحسن: ﴿ لاَ تَوْجَلْ ﴾ بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه.

وقرئ لا تأجل ولا تواجل من واجله بمعنى أو جله، وهذه القصة قد مر ذكرها بالاستقصاء في سورة هود.

وقوله: ﴿ قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام عَلِيمٍ ﴾ فيه أبحاث: البحث الأول: قرأ حمزة: ﴿ إِنَّا نُبَشّرُكَ ﴾ بفتح النون، وتخفيف الباء، والباقون: ﴿ نُبَشّرُكَ ﴾ بالتشديد.

البحث الثاني: قوله: ﴿ إنا نُبَشّرُكَ ﴾ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى: أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل.

البحث الثالث: قوله: ﴿ إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام عَلِيمٍ ﴾ بشروه بأمرين: أحدهما: أن الولد ذكر والآخر أنه يصير عليماً، واختلفوا في تفسير العليم، فقيل: بشروه بنبوته بعده.

وقيل: بشروه بأنه عليم بالدين.

ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم تبشرون، فمعنى: ﴿ على ﴾ هاهنا للحال أي حالة الكبر، وقوله: ﴿ فَبِمَ تُبَشّرُونَ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: لفظ ما هاهنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال: بأي أعجوبة تبشروني؟

فإن قيل: في الآية إشكالان: الأول: أنه كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر وإنكار قدرة الله تعالى في هذا الموضع كفر.

الثاني: كيف قال: ﴿ فَبِمَ تُبَشّرُونَ ﴾ مع أنهم قد بينوا ما بشروه به، وما فائدة هذا الإستفهام.

قال القاضي: أحسن ما قيل في الجواب عن ذلك أنه أراد أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة أو يقلبه شاباً، ثم يعطيه الولد، والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة وإنما يحصل في حال الشباب.

فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين.

قلنا: إنهم بينوا أن الله تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة وقوله: فلا تكن من القانطين.

لا يدل على أنه كان كذلك، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون ﴾ وفيه جواب آخر، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت، وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، وطلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله: ﴿ ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى  ﴾ وقيل أيضاً: استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم؟

المسألة الثانية: قرأ نافع: ﴿ تُبَشّرُونَ ﴾ بكسر النون خفيفة في كل القرآن، وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها.

والباقون بفتح النون خفيفة، أما الكسر والتشديد فتقديره تبشرونني أدغمت نون الجمع في نون الإضافة، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع استثقالاً لاجتماع المثلين وطلباً للتخفيف قال أبو حاتم: حذف نافع الياء مع النون.

قال: وإسقاط الحرفين لا يجوز، وأجيب عنه: بأنه أسقط حرفاً واحداً وهي النون التي هي علامة للرفع.

وعلى أن حذف الحرفين جائز قال تعالى في موضع: ﴿ وَلاَ تَكُ ﴾ وفي موضع: ﴿ وَلاَ تَكُن ﴾ فأما فتح النون فعلى غير الإضافة والنون علامة الرفع وهي مفتوحة أبداً، وقوله: ﴿ بشرناك بالحق ﴾ قال ابن عباس: يريد بما قضاه الله تعالى والمعنى: أن الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحاق عليه السلام.

ويخرج من صلب إسحاق مثل ما أخرج من صلب آدم فإنه تعالى بشر بأنه يخرج من صلب إسحاق أكثر الأنبياء فقوله: ﴿ بالحق ﴾ إشارة إلى هذا المعنى وقوله: ﴿ فَلاَ تَكُن مّنَ القانطين ﴾ نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط وقد ذكرنا كثيراً أن نهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهى فاعلاً للمنهى عنه كما في قوله: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين  ﴾ ثم حكى تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الكلام حق، لأن القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور: أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.

وثانيها؛ أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.

وثالثها: أن يجهل كونه تعالى منزهاً عن البخل والحاجة والجهل فكل هذه الأمور سبب للضلال، فلهذا المعنى قال: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون ﴾ .

المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو والكسائي: (يقنط) بكسر النون ولا تقنطوا كذلك، والباقون بفتح النون وهما لغتان: قنط يقنط، نحو ضرب يضرب، وقنط يقنط نحو علم يعلم، وحكى أبو عبيدة: قنط يقنط بضم النون، قال أبو علي الفارسي: قنط يقنط بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ  ﴾ وحكاية أبي عبيدة تدل أيضاً على أن قنط بفتح النون أكثر، لأن المضارع من فعل يجيء على يفعل ويفعل مثل فسق يفسق ويفسق ولا يجيء مضارع فعل على يفعل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَلاَماً ﴾ أي نسلم عليك سلاماً، أو سلمت سلاماً ﴿ وَجِلُونَ ﴾ خائفون، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل.

وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت.

وقرأ الحسن: ﴿ لا توجل ﴾ بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه.

وقرئ: ﴿ لا تأجل ﴾ .

﴿ ولا تواجل ﴾ ، من واجله بمعنى أوجله.

وقرئ: ﴿ نبشرك ﴾ بفتح النون والتخفيف ﴿ إِنَّا نُبَشّرُكَ ﴾ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل: أرادوا أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل.

يعني ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِى ﴾ مع مس الكبر، بأن يولد لي.

أي: أن الولادة أمر عجيب مستنكر في العادة مع الكبر ﴿ فَبِمَ تُبَشّرُونَ ﴾ هي ما الاستفهامية دخلها معنى التعجب، كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشرونني أو أراد أنكم تبشرونني بما هو غير مقصور في العادة فبأي شيء تبشرون يعني لا تبشرونني في الحقيقة بشيء؛ لأنّ البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء.

ويجوز أن لا يكون صلة لبشر، ويكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني: بأي طريقة تبشرونني بالولد، والبشارة لا طريقة لها في العادة.

وقوله ﴿ بشرناك بالحق ﴾ يحتمل أن تكون الباء فيه صلة، أي: بشرناك باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بطريقة هي حق وهي قول الله ووعده، وأنه قادر على أن يوجد ولداً من غير أبوين، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر.

وقرئ: ﴿ تبشرونَ ﴾ ، بفتح النون وبكسرها على حذف نون الجمع، والأصل تبشرونن، ﴿ وتبشرونِّ ﴾ بإدغام نون الجمع في نون العماد.

وقرئ: ﴿ من القنطين ﴾ من قنط يقنط، وقرئ: و ﴿ من يقنط ﴾ ، بالحركات الثلاث في النون، أراد: ومن يقنط من رحمة ربه إلا المخطئون طريق الصواب، أو إلا الكافرون، كقوله: ﴿ لا يَيْئَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون ﴾ [يوسف: 87] يعني: لم أستنكر ذلك قنوطاً من رحمته، ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ ﴿ وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ ﴾ فَذْلَكَةُ ما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وتَقْرِيرٌ لَهُ، وفي ذِكْرِ المَغْفِرَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي الذُّنُوبَ بِأسْرِها كَبِيرَها وصَغِيرَها، وفي تَوْصِيفِ ذاتِهِ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ دُونَ التَّعْذِيبِ تَرْجِيحُ الوَعْدِ وتَأْكِيدُهُ وفي عَطْفِ ﴿ وَنَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ ﴾ عَلى ﴿ نَبِّئْ عِبادِي ﴾ تَحْقِيقٌ لَهُما بِما يَعْتَبِرُونَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وعطف {ونبئهم} وأخبر أمتك على نبىء عبادي ليتخذوا ما أحل من العذاب بقوم لوط عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين ويتحققوا عنده أن عذابه هو العذاب الأليم {عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} أي أضيافه وهو جبريل عليه السلام مع أحد عشر ملكاً والضيف يجىء واحداً وجمعاً لأنه مصدر ضافه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ ذَكَرَ ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ البُشْرى والإهْلاكِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّهُ تَفْصِيلٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ السّابِقَةُ مِنهُما لا مِنَ الوَعِيدِ فَقَطْ كَما قِيلَ، والمُرادُ بِضَيْفِ إبْراهِيمَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ بَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ وبِهَلْكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما سُمُّوا ضَيْفًا لِأنَّهم في صُورَةِ مَن كانَ يَنْزِلُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأضْيافِ وكانَ لا يَنْزِلُ بِهِ أحَدٌ إلّا أضافَهُ، وكانَ لِقَصْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعَةُ أبْوابٍ مِن كُلِّ جِهَةٍ بابٌ لِئَلّا يَفُوتَهُ أحَدٌ، ولِذا كانَ يُكَنّى أبا الضَّيْفانِ، واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ كَما تَقَدَّمَ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ والأفْصَحُ أنْ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعَ ولا يُؤَنَّثَ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُؤَنَّثِ فَلا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ إضْمارٍ أيْ أصْحابِ ضَيْفٍ كَما قالَهُ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ سُبْحانَهُ لِعُنْوانِ رِسالَتِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «ونَبِّيهُمْ» بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: نَبِّئْ عِبادِي أي: أخبر عبادي يا محمد أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لمن تاب منهم وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ لمن مات على الكفر، ولم يتب.

قال: حدّثنا أبو جعفر.

قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن.

قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري.

قال: حدثنا محمد بن مقاتل.

قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك.

قال: حدّثنا مصعب بن ثابت عن عاصم بن عبيد، عن عطاء، عن رجل من أصحاب النبي  قال: اطلع علينا رسول الله  من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، ونحن نضحك، فقال: «أَتَضْحَكُونَ؟» ثم قال: «لا أُرَاكُمْ تَضْحَكُونَ» ثم أدبر فكأن على رؤوسنا الرخم، حتى إذا كان عند الحجر، ثم رجع إلينا القهقري فقال: «جَاءَ جِبْرِيلُ.

فقال: يا محمد إن الله تَعَالَى يَقُولُ: لِمَ تقنط عبادي؟

(١)  قال: «لو يعلم العَبْدُ قَدَرَ رَحْمَةِ الله، مَا تَوَرَّعَ عَنْ حَرَامٍ قطّ، ولو علم قَدَرَ عُقُوَبةِ الله، لَبَخَعَ نفسه» .

أي: أهلك نفسه في عبادة الله تعالى.

ثم قال: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ أي: عن أضياف إبراهيم إلا أن هذا اللفظ مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، وذلك حين بعث الله تعالى جبريل في اثني عشر من الملائكة.

قوله: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ أي: على إبراهيم فَقالُوا سَلاماً أي: فسلموا عليه.

فرد عليهم السلام.

كما قال في موضع آخر فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [الذاريات: 25] وقال الكلبي: فأنكرهم إبراهيم في تلك الأرض، لأنهم لم يطعموا من طعامه.

قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ أي: خائفين قالُوا لاَ تَوْجَلْ أي: لا تخف منا، وبشروه، فقالوا: إِنَّا نُبَشِّرُكَ قرأ حمزة نُبَشِّرُكَ بجزم الباء، مع التخفيف.

ونصب النون، وضم الشين.

وقرأ الباقون بالتشديد بِغُلامٍ عَلِيمٍ أي: بإسحاق عَلِيمٍ في صغره، حليم في كبره، قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ أي: بعد ما أصابني الكبر والهرم فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قرأ نافع تُبَشِّرُونَ بكسر النون مع التخفيف، لأن أصله: تبشروني بالياء، فأقيم الكسر مقامه.

وقرأ ابن كثير فَبِمَ تُبَشِّرُونَ بكسر النون مع التشديد، لأنه في الأصل بنونين، فأدغم إحداهما في الأخرى مثل قوله تَأْمُرُونِّي وتُحاجُّونِّي في الأصل.

وقرأ الباقون تُبَشِّرُونَ بنصب النون مع التخفيف، لأنها نون الجماعة.

وقال أبو عبيدة: هذا أعجب إليّ لصحتها في العربية قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ أي: بالولد.

ويقال: بالصدق فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ أي: من الآيسين من الولد.

ويقال: من نعم الله قالَ إبراهيم وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ أي: من نعمة ربه إِلَّا الضَّالُّونَ أي: الجاهلون.

قرأ الكسائي، وأبو عمرو، يَقْنَطُ بكسر النون، وقرأ الباقون يَقْنَطُ بالنصب، ومعناهما واحد.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 86 إلى ابن جرير وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال مجاهد: لاَ يَنْظُرُ أَحَدُهُمْ في قفا صاحبه «١» ، وقيل غير هذا مما لا يعطِيهِ اللفظ، والنصب: التعب، ونَبِّئْ: معناه: أعْلِم.

قال الغَزَّالِيُّ رحمه اللَّه في «منهاجه» : «ومن الآيات اللطيفة الجامعةِ بَيْنَ الرجاءِ والخَوْفِ قولُهُ تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ثم قال في عَقِبَهُ: وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ لئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الرجاءِ بِمَرَّة، وقوله تعالى: شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: ٣] ، ثم قال في عقبه: ذِي الطَّوْلِ [غافر: ٣] ، لَئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الخوف، وأَعْجَبُ من ذلك قَولُهُ تعالَى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٣٠] ، ثم قال في عقبه: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [آل عمران: ٣٠] ، وأعجَبُ منه قولُهُ تعالَى: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ق: ٣٣] ، فعلَّق الخشية باسم الرحمن، دون اسْمِ الجَبَّار أو المنتقِمِ أو المتكبِّر ونحوه، ليكون تخويفاً في تأمينٍ، وتحريكاً في تسكينٍ كما تقولُ: «أَما تخشى الوالدةَ الرحيمة، أمَا تخشى الوالِدَ الشَّفِيقَ» ، والمراد من ذلك أنْ يكونَ الطَّريقُ عدلاً، فلا تذهب إِلى أَمْنٍ وقنوطٍ جعلنا اللَّه وإِيَّاكم من المتدبِّرين لهذا الذكْرِ الحكيمِ، العامِلِينَ بما فيه، إنه الجواد الكريم انتهى.

وقوله سبحانه: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ...

الآية: هذا ابتداءُ قصصٍ بعدَ انصرام الغرضِ الأول، و «الضيف» : مصدرٌ وصف به، فهو للواحدِ والاثنين والجمعِ، والمذكَر والمؤنَّث بلفظٍ واحدٍ، وقوله: إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، أي: فزعون، وَإِنما وَجِلَ منهم لما قَدَّم إِليهم العجْلَ الحنيذ، فلم يرهم يأكُلُون، وكانَتْ عندهم العلامة المُؤَمِّنة أكْلَ الطعام وكذلك هو في غابِرِ الدهْرِ أمْنَةً للنازلِ، والمنزولِ به.

وقوله: أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ، أي: في حالةٍ قد مسَّني فيها الكِبَر، وقول إِبراهيم عليه السلام: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ: / تقرير على جهة التعجُّب والاستبعاد، لكبرهما، أو على جهةَ الاحتقار وقلَّة المبالاة بالمَسَرَّات الدنيويَّة، لمضيِّ العمر، واستيلاء الكبر، وقولهم:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها ما رَوى ابْنُ المُبارَكِ بِإسْنادٍ لَهُ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: «طَلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ، ونَحْنُ نَضْحَكُ، فَقالَ: " ألا أراكم تَضْحَكُونَ " ثُمَّ أدْبَرَ، حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحِجْرِ، رَجَعَ إلَيْنا القَهْقَرى، فَقالَ: " إنِّي لَمّا خَرَجْتُ، جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟

﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ "» .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِتَحْرِيكِ ياءِ " عِبادِيَ " وياءِ " أنِّيَ أنا "، وأسْكَنَها الباقُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ ﴾ قَدْ شَرَحْنا القِصَّةَ في (هُودٍ:٦٩) وبَيَّنّا هُنالِكَ مَعْنى الضَّيْفِ والسَّبَبَ في خَوْفِهِ مِنهم، وذَكَرْنا مَعْنى الوَجَلِ في (الأنْفالِ:٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ أيْ: إنَّهُ يَبْلُغُ ويَعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنَبِّئْهم عن ضَيْفِ إبْراهِيمَ ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ ﴾ ﴿ قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضالُّونَ ﴾ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَنَبِّهُمْ" بِضَمِّ الهاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ بَعْدَ انْصِرامِ الغَرَضِ الأوَّلِ، و"الضَيْفُ" مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، قالَ النَحّاسُ وغَيْرُهُ: التَقْدِيرُ: عن أصْحابِ ضَيْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُغْنِي عن هَذا أنَّ هَذا المَصْدَرَ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ، كَما فُعِلَ في "رَهْنٍ" ونَحْوَهُ، والمُرادُ بِالضَيْفِ هُنا المَلائِكَةُ الَّذِينَ جاؤُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وبَشَّرُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ-، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهم.

وقَوْلُهُ: "سَلامًا" مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا، أو نُسَلِّمُ سَلامًا، والسَلامُ هُنا التَحِيَّةُ، وقَوْلُهُ: "سَلامًا" حِكايَةُ قَوْلِهِمْ، فَلا يَعْمَلُ القَوْلُ فِيهِ، وإنَّما يَعْمَلُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ تَرْجَمَةً عن كَلامٍ لَيْسَ يُحْكى بِعَيْنِهِ، كَما تَقُولُ لِمَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ": قُلْتَ حَقًّا، ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا مِنكم وجِلُونَ ﴾ أيْ: فَزِعُونَ، وإنَّما وجِلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنهم لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِمُ العِجْلَ الحَنِيذَ فَلَمْ يَرَهم يَأْكُلُونَ، وكانَ عِنْدَهُمُ العَلامَةُ المُؤْمِنَةُ أكْلُ الطَعامِ، وكَذَلِكَ هو في غابِرِ الدَهْرِ أمَنَةٌ لِلنّازِلِ والمَنزُولِ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَوْجَلْ" مُسْتَقْبَلُ "وَجِلَ"، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ التاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مَن "أوجَلَ"، لَأنَّ "وَجِلَ" لا يَتَعَدّى، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِإسْحاقَ، وذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ إسْماعِيلَ بِمُدَّةٍ، وقَوْلُ إبْراهِيمَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ  ﴾ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّهُما حِينَئِذٍ وُهِبَهُما، بَلْ قَبْلَ الحَمْدِ بِكَثِيرٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَّرْتُمُونِي" بِألْفِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "بَشَّرْتُمُونِي" بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ ﴾ أيْ: في حالَةٍ قَدْ مَسَّنِي الكِبَرُ فِيها، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "الكُبْرُ" بِضَمِّ الكافِ وسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُبَشِّرُونَ" بِفَتْحِ النُونِ الَّتِي هي عَلامَةُ الرَفْعِ، والفِعْلُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- غَيْرُ مُعَدّى، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "تُبَشِّرُونِّي" بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وياءٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِشَدِّ النُونِ دُونَ ياءٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ أُدْغِمَتْ فِيها نُونُ العَلامَةِ في النُونِ الَّتِي هي لِلْمُتَكَلِّمِ مُوطِئَةً لِلْياءِ، وقَرَأ نافِعٌ: "تُبَشِّرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وغَلَّطَ أبُو حاتِمٍ نافِعًا في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: إنَّ شاهِدَ الشِعْرِ في هَذا اضْطِرارٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَمْلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ حُذِفَتِ النُونُ الَّتِي لِلْمُتَكَلِّمِ، وكُسِرَتِ النُونُ الَّتِي هي عَلامَةُ الرَفْعِ بِحَسْبِ الياءِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْها، ونَحْوَ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ -أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ -: تَراهُ كالثَغامِ يُعَلُّ مِسْكًا ∗∗∗ يَسُرُّ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أبِالمَوْتِ الَّذِي لا بُدَّ أنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ مُلاقٍ -لا أباكِ- تُخَوِّفِينِي؟

ومِن حَذْفِ هَذِهِ النُونِ قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ ومُصْعَبًا ابْنِيِ الزُبَيْرِ، وكانَ عَبْدُ اللهِ يُكَنّى أبا خُبَيْبٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ "فَبِمَ تَبْشُرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الشِينِ.

وقَوْلُ إبْراهِيمَ: ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ لِكِبَرِهِما، أو عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ وقِلَّةِ المُبالاةِ بِالمَسَرّاتِ لِمُضِيِّ العُمْرِ واسْتِيلاءِ الكِبَرِ.

قالَ مُجاهِدٌ: عَجِبَ مَن كِبَرِهِ ومَن كِبَرِ امْرَأتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سِنِّهِ وقْتَ البِشارَةِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ شِدَّةٌ ما، أيْ: أبْشِرْ بِما بُشِّرْتَ بِهِ ودَعْ غَيْرَ ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "القانِطِينَ"، والقُنُوطُ: أتَمُّ اليَأْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ، ورُوِيَتْ عن عَمْرٍو: "القَنِطِينَ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "وَمَن يَقْنَطُ" بِفَتْحِ النُونِ في كُلِّ القُرْآنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِها، وكُلُّهم قَرَأ: "مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا" بِفَتْحِ النُونِ، ورَدَّ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الحَرَمَيْنِ، وأنْكَرَ أنْ يُقالَ: "قَنِطَ" بِكَسْرِ النُونِ، ولَيْسَ كَما قالَ، لَأنَّهم لا يُجْمِعُونَ إلّا عَلى قَوِيٍّ في اللُغَةِ مَرْوِيٍّ عِنْدَهُمْ، وهي قِراءَةٌ فَصِيحَةٌ، يُقالُ: قَنَطَ يَقْنِطُ، وقَنِطَ يَقْنَطُ، مِثْلَ: نَقَمَ ونَقِمَ، وقَرَأ الأعْمَشُ هُنا: "يَقْنِطُ" بِكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ: "مِن بَعْدِ ما قَنِطُوا" بِكَسْرِ النُونِ أيْضًا، فَقَرَأ بِاللُغَتَيْنِ، وقَرَأ الأشْهَبُ: "يَقْنُطُ" بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ أيْضًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا العطف مع اتحاد الفعل المعطوف بالفعل المعطوف عليه في الصيغة دليل على أن المقصود الإنباء بكلا الأمرين لمناسبة ذكر القصة أنها من مظاهر رحمته تعالى وعذابه.

و ﴿ ضيف إبراهيم ﴾ : الملائكة الذين تشكلوا بشكل أناس غرباء مارّين ببيته.

وتقدمت القصة في سورة هود.

وجملة ﴿ قال إنا منكم وجلون ﴾ جاءت مفصولة بدون عطف لأنها جواب عن جملة ﴿ فقالوا سلاماً ﴾ .

وقد طوي ذكر رده السلام عليهم إيجازاً لظهوره.

صُرح به في قوله: ﴿ قال سلام قوم منكرون ﴾ [سورة الذاريات: 25]، أي قال إنا منكم وجلون بعد أن رد السلام.

وفي سورة هود أنه أوجس منهم خِيفة حين رآهم لم يمدّوا أيديهم للأكل.

وضمير ﴿ إنا ﴾ من كلام إبراهيم عليه السلام فهو يعني به نفسه وأهله، لأن الضيف طرقوا بيتهم في غير وقت طروق الضيف فظنّهم يريدون به شراً، فلما سلموا عليه فاتحهم بطلب الأمْن، فقال: ﴿ إنا منكم وجلون ﴾ ، أي أخفتمونا.

وفي سورة الذاريات أنه قال لهم: ﴿ قوم منكرون ﴾ [سورة الحجر: 25].

والوجِل: الخائف.

والوجَل بفتح الجيم الخوف.

ووقع في سورة هود (70) ﴿ نكِرهم وأوجس مِنهم خِيفة ﴾ وقد جُمع في هذه الآية متفرق كلام الملائكة، فاقتصر على مجاوبتهم إياه عن قوله: إنا منكم وجلون } ، فنِهاية الجواب هو ﴿ لا توجل ﴾ .

وأما جملة ﴿ إنا نبشرك بغلام عليم ﴾ فهي استئناف كلام آخر بعد أن قدّم إليهم القِرى وحضرت امرأته فبشّروه بحضرتها كما فُصّل في سورة هود.

والغلام العليم: إسحاق عليه السلام أي عليم بالشريعة بأن يكون نبيئاً.

وقد حكي هنا قولهم لإبراهيم عليه السلام، وحكي في سورة هود قولهم لامرأته لأن البشارة كانت لهما معاً فقد تكون حاصلة في وقت واحد فهي بشارتان باعتبار المبشّر، وقد تكون حصلت في وقتين متقاربين بشّروه بانفراد ثم جاءت امرأته فبشروها.

وقرأ الجمهور ﴿ نبشرك ﴾ بضم النون وفتح الموحدة وتشديد الشين المكسورة مضارع بشر بالتشديد.

وقرأ حمزة وحده ﴿ نَبْشُرُكَ ﴾ بفتح النون وسكون الموحدة وضم الشين وهي لغة.

يقال بشَرَه يبشره من باب نصر.

والاستفهام في ﴿ أبشرتموني ﴾ للتعجب.

و ﴿ على ﴾ بمعنى (مع): دالة على شدة اقتران البشارة بمسّ الكبر إياه.

والمسّ: الإصابة.

والمعنى تعجب من بشارته بولد مع أن الكبر مسّه.

وأكد هذا التعجب بالاستفهام الثاني بقوله: ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ ﴾ استفهام تعجب.

نُزل الأمر العجيب المعلوم منزلة الأمر غير المعلوم لأنه يكاد يكون غير معلوم.

وقد علم إبراهيم عليه السلام من البشارة أنهم ملائكة صادقون فتعين أن الاستفهام للتعجب.

وحذف مفعول «بشرتموني» لدلالة الكلام عليه.

قرأ نافع ﴿ تبشرونِ ﴾ بكسر النون مخففة دون إشباع على حذف نون الرفع وحذف ياء المتكلم وكل ذلك تخفيف فصيح.

وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة على حذف ياء المتكلم خاصة.

وقرأ الباقون بفتح النون على حذف المفعول لظهوره من المقام، أي تبشرونني.

وجواب الملائكة إياه بأنهم بشّروه بالخَبَر الحق، أي الثابت لا شك فيه إبطالاً لما اقتضاه استفهامه بقوله: ﴿ فبم تبشرون ﴾ من أن ما بشروه به أمر يكاد أن يكون منتفياً وباطلاً.

فكلامهم رد لكلامه وليس جواباً على استفهامه لأنه استفهام غير حقيقي.

ثم نهوه عن استبعاد ذلك بأنه استبعاد رحمة القدير بعد أن علم أن المبشّرين بها مرسلون إليه من الله فاستبعاد ذلك يفضي إلى القنوط من رحمة الله فقالوا: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ .

ذلك أنه لما استبعد ذلك استبعاد المتعجب من حصوله كان ذلك أثَراً من آثار رسوخ الأمور المعتادة في نفسه بحيث لم يقلعه منها الخبر الذي يعلم صدقه فبقي في نفسه بقية من التردّد في حصول ذلك فقاربتْ حاله تلك حال الذين يَيأسون من أمر الله.

ولما كان إبراهيم عليه السلام منزّهاً عن القنوط من رحمة الله جاءوا في موعظته بطريقة الأدب المناسب فنهوه عن أن يكون من زمرة القانطين تحذيراً له مما يدخله في تلك الزمرة، ولم يفرضوا أن يكون هو قانطاً لرفعة مقام نبوءته عن ذلك.

وهو في هذا المقام كحاله في مقام ما حكاه الله عنه من قوله: ﴿ أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ﴾ [سورة البقرة: 260].

وهذا النّهي كقول الله تعالى لنوح عليه السلام ﴿ إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ [سورة هود: 46].

وقد ذكرته الموعظة مقاماً نسيه فقال: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ .

وهو استفهام إنكار في معنى النفي، ولذلك استثنى منه ﴿ إلا الضالون ﴾ .

يعني أنه لم يذهب عنه اجتناب القنوط من رحمة الله، ولكنه امتلكه المعتاد فتعجب فصار ذلك كالذهول عن المعلوم فلما نبّهه الملائكة أدنى تنبيه تذكّر.

القنوط: اليأس.

وقرأ الجمهور ﴿ ومن يقنط ﴾ بفتح النون.

وقرأه أبو عمرو والكسائي ويعقوب وخلف بكسر النون وهما لغتان في فعل قَنط.

قال أبو علي الفارسي: قَنَط يقنِط بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات.

قال تعالى: ﴿ وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنَطوا ﴾ [سورة الشورى: 28].

قلت: ومن فصاحة القرآن اختياره كل لغة في موضع كونها فيه أفصح، فما جاء فيه إلا الفتح في الماضي، وجاء المضارع بالفتح والكسر على القراءتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا لا تَوْجَلْ ﴾ أيْ لا تَخَفْ، ومِنهُ قَوْلُ مَعْنِ بْنِ أوْسٍ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وأنِّي لَأوْجَلُ عَلى أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ ﴿ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ أيْ بِوَلَدٍ هو غُلامٌ في صِغَرِهِ، عَلِيمٌ في كِبَرِهِ، وهو إسْحاقُ.

لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ﴾ وفي ﴿ عَلِيمٍ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: حَلِيمٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: عالِمٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

فَأجابَهم عَنْ هَذِهِ البُشْرى مُسْتَفْهِمًا لَها مُتَعَجِّبًا مِنها ﴿ قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ ﴾ أيْ عُلُوُّ السِّنِّ عِنْدَ الإياسِ مِنَ الوَلَدِ.

﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِفْهامًا لَهم، هَلْ بَشَّرُوهُ بِأمْرِ اللَّهِ؟

لِيَكُونَ أسْكَنَ لِنَفْسِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ بِالصِّدْقِ، إشارَةً مِنهم إلى أنَّهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ ﴾ أيْ مِنَ الآيِسِينَ مِنَ الوَلَدِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ قالوا لا توجل ﴾ قالوا: لا تخف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ فبم تبشرون ﴾ قال: عجب من كبره، وكبر امرأته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ من القانطين ﴾ قال: الآيسين.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر من طريق الأعمش، عن يحيى أنه قرأها ﴿ فلا تكن من القنطين ﴾ بغير ألف.

قال: وقرأ ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه ﴾ مفتوحة النون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: من ذهب يقنط الناس من رحمة الله، أو يقنط نفسه فقد أخطأ، ثم نزع بهذه الآية ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه ﴾ قال: من ييأس من رحمة ربه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأحمد في الزهد، عن موسى بن علي، عن أبيه قال: بلغني أن نوحاً عليه السلام قال لابنه سام: يا بني، لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الشرك بالله؛ فإنه من يأت الله عز وجل مشركاً فلا حجة له.

ويا بني، لا تدخل القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الكبر؛ فإن الكبر رداء الله، فمن ينازع الله رداءه يغضب الله عليه.

ويا بني، لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من القنوط؛ فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا ضال.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفاجر الراجي لرحمة الله، أقرب منها من العابد القنط» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: بيني وبين القدرية هذه الآية ﴿ إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ قال: أنكرهم لوط.

وفي قوله: ﴿ بما كانوا فيه يمترون ﴾ قال: بعذاب قوم لوط.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة ﴿ بما كانوا فيه يمترون ﴾ قال: يشكون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ قال: أمر أن يكون خلف أهله يتبع أدبارهم في آخرهم إذا مشوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال: أخرجهم الله إلى الشام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر ﴾ قال: أوحينا إليه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ يعني استئصالهم وهلاكهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وجاء أهل المدينة يستبشرون ﴾ قال: استبشروا بأضياف نبي الله لوط، حين نزلوا به لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ قال: يقولون أن تضيف أحداً أو تؤويه ﴿ قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ﴾ قال: أمرهم لوط بتزويج النساء، وأراد أن يقي أضيافه ببناته والله أعلم.

وأخرج ابن أبي شيبة والحرث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم.

وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره.

قال: ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ يقول: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعمرك ﴾ قال: لعيشك.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد، قال: ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ وحياتك يا محمد» .

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يقول الرجل: لعمري، يرونه كقوله وحياتي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ أي في ضلالتهم يلعبون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الأعمش أنه سئل عن قوله تعالى ﴿ لَعَمْرُكَ إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ قال: لفي غفلتهم يترددون.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ قال: ﴿ الصيحة ﴾ مثل الصاعقة، كل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ مشرقين ﴾ قال: حين أشرقت الشمس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ قال: علامة.

أما ترى الرجل يرسل بخاتمه إلى أهله فيقول هاتوا كذا وكذا؟

فإذا رأوه عرفوا أنه حق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لآيات للمتوسمين ﴾ قال: للناظرين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن قتادة في قوله: ﴿ لآيات للمتوسمين ﴾ قال: للمعتبرين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لآيات للمتوسمين ﴾ قال: هم المتفرسون.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ قال: هم المتفرسون.

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً في الطب، وابن مردويه والخطيب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ قال: المتفرسين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله» .

وأخرج ابن جرير عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله» .

وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن السني وأبو نعيم، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ يقول: لبهلاك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ يقول: لبطريق واضح.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ هذه القصة قد مضى ذكرها في سورة هود [[آية: [69].]] والضيف في الأصل مصدر ضاف يَضِيف؛ إذا أتى إنسانًا لطلب القِرى، ثم يسمى به، ولذلك وحد اللفظ وهم جماعة (١) (١) أصل الضيف مصدر بمعنى الميل؛ ومنه ضافت الشمس للغروب، أي مالت، وضاف السهم إذا عدل عن الهدف، ومنه الإضافة النحوية لأن فيها إضافة أحد الاسمين إلى الآخر على المجاز، وسمي الضيف ضيفاً لميله إلى من ينزلُ به، ولأن أصله مصدر استوى فيه الواحد والجمع، وقد يجمع فيقال: أضيافٌ وضُيوفٌ وضِيفانٌ.

انظر: (ضيف) في "المحيط في اللغة" 8/ 52، "مجمل اللغة" 1/ 570، "الصحاح" 4/ 1392، "المفردات" ص 513، "عمدة الألفاظ" 2/ 452.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي ﴾ الآية: أعلمهم والآية آية ترجيه وتخويف ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ضيف هنا واقع على جماعة وهم الملائكة الذين جاؤوا إلى إبراهيم بالبشرى ﴿ وَجِلُونَ ﴾ أي خائفون، والوجل الخوف ﴿ لاَ تَوْجَلْ ﴾ أي لا تخف ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بغلام عَلِيمٍ ﴾ هو إسحاق ﴿ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر ﴾ المعنى: أبشرتموني بالولد مع أنني قد كبر سني، وكان حينئذ ابن مائة سنة، وقيل: أكثر ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ قال ذلك على وجه التعجب من ولادته في كبره أو على وجه الاستبعاد، ولذلك قرئ تبشرون، بتشديد النون وكسرها على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وبالكسر والتخفيف على حذف إحدى النونين، وبالفتح وهو نون الجمع ﴿ قَالُواْ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الثابت فلا تستبعده ولا تشك فيه ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون ﴾ دليل على تحريم القنوط، وقرئ يقنط بفتح النون وكسرها وهما لغتان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إذ دخلوا ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام ﴿ إنا نبشرك ﴾ بسكون الباء وضم الشين: حمزة.

الآخرون بالتشديد ﴿ تبشرون ﴾ بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله.

ولكن مشددة النون: ابن كثير.

الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع ﴿ يقنط ﴾ بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه.

الآخرون بالفتح ﴿ آل لوط ﴾ مدغماً حيث كان شجاع ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف: يعقوب وحمزة علي وخلف.

الباقون بالتشديد ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد ﴿ بناتي إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أني أنا ﴾ بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ه ج لئلا يصير ﴿ إذا دخلوا ﴾ ظرفاً ﴿ لنبئهم ﴾ فإنه محال ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ وجلون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تبشرون ﴾ ه ﴿ القانطين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه لا للاستثناء.

﴿ آل لوط ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ قدرنا ﴾ لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ يمترون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ تؤمرون ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ فلا تفضحون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا تخزون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ط لابتداء القسم ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مشرقين ﴾ ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة ﴿ من سجيل ﴾ ط ﴿ للمتوسمين ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط لتمام القصة ﴿ لظالمين ﴾ ه لا لاتصال الانتقام بظلمهم ﴿ منهم ﴾ ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال ﴿ مبين ﴾ ه ط لتمام قصتهم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم ﴿ معرضين ﴾ ه لا للعطف ﴿ آمنين ﴾ ه ط ﴿ مصبحين ﴾ ه ط للاتصال معنى ﴿ يكسبون ﴾ ه م لتمام القصص ﴿ إلا بالحق ﴾ ط ﴿ الجميل ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ج لجواز تعلق الكاف بقوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ أو بقوله: ﴿ فانتقمنا ﴾ ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير.

﴿ المقتسمين ﴾ ه لا ﴿ عضين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ المستهزئين ﴾ ه لا ﴿ آخر ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يقولون ﴾ ه لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية ﴿ الساجدين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اليقين ﴾ ه.

التفسير: إنه  عطف ﴿ ونبئهم ﴾ على ﴿ نبىء عبادي ﴾ ليكون سماع هذه القصص مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذراً من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين.

وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم.

وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام.

فقوله: ﴿ وجلون ﴾ معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت.

﴿ إنا نبشرك ﴾ استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل.

بشروه بالولد الذكر بكونه عليماً فقيل: أرادوا بعلمه نبوته.

وقيل: العلم مطلقاً.

وقوله: ﴿ على أن مسني ﴾ في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكراً للولادة في حالة الهرم أنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله  ولذلك قال: ﴿ فبم تبشرون ﴾ "ما" استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أي أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟

وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: "بما" صلة للتبشير بل يكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق.

المعتاد ممتنعاً فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه ﴿ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله  ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلاً من شيخ فانٍ وعجوز عاقر.

قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز.

وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة.

قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب.

وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء.

وقوله: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ لا يدل على أنه كان قانطاً فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين  ﴾ .

ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم.

وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين.

ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: ﴿ فما خطبكم ﴾ والخطب الشأن العظيم.

فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟

وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟.

وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافياً.

وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة.

قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيماً لشأنهم ﴿ قالوا إنا أرسلنا ﴾ زعم صاحب الكشاف أن الإرسال ههنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى.

وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين  ﴾ فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم ﴿ إلا آل لوط ﴾ وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط.

يكون قوله: ﴿ إنا لمنجوهم ﴾ جارياً مجرى خبر "لكن" كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: ﴿ إلا امرأته ﴾ استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط ﴿ إلا امرأته ﴾ كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحداً.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ إلا آل لوط ﴾ مستثنى من الضمير في ﴿ مجرمين ﴾ حتى يكون الاستثناء متصلاً أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم.

ولم لا يجوزالاستثناء من الاستثناء بناء على أن ﴿ آل لوط ﴾ مستثنى من معمول ﴿ أرسلنا ﴾ أو ﴿ مجرمين ﴾ و ﴿ إلا امرأته ﴾ من معمول ﴿ منجوهم ﴾ وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله.

قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر.

وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا.

وقال الزجاج: دبرنا.

وقيل: قضينا.

والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالاً وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟

فقيل: ﴿ قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ أي الباقين في الهوالك.

ويقال للماضي أيضاً غابر وهو من الأضداد.

قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم.

وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع التقدير لله عز وجل بياناً لاختصاصهم به  كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده.

ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم  بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون قال ﴾ أي لوط ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ تنكركم نفسي وتنفر منكم.

وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ﴾ أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه.

﴿ وأتيناك بالحق ﴾ باليقين الثابت.

وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه ﴿ وإنا لصادقون ﴾ فيما أخبرناك به ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد ههنا قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم.

ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴾ قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا.

وجوز أن يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال الجوهري: مضى الشيء مضياً ذهب، ومضى في الأمر مضياً أنفذه.

وقال في الكشاف: عدى ﴿ وامضوا ﴾ إلى ﴿ حيث ﴾ تعديته إلى الظرف المبهم لأن ﴿ حيث ﴾ مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في ﴿ تؤمرون ﴾ قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك.

عن ابن عباس: إنه الشام.

وقيل: مصر.

وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط.

ثم أخبر عن حالهم مجملاً فقال: ﴿ وقضينا ﴾ ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا.

﴿ إليه ذلك الأمر ﴾ مقتضياً مبتوتاً.

ثم فسر ذلك الأمر بقوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه.

وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له.

ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: ﴿ وجاء أهل المدينة ﴾ أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم.

﴿ يستبشرون ﴾ بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مرداً حسان الوجوه ﴿ قال ﴾ لوط لما قصدوا أضيافه ﴿ إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ﴾ بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف.

يقال: فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ مر في "هود" ﴿ قالوا ﴾ في جواب لوط ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟

وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط  ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره ﴿ لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ﴾ {الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم ﴿ قال هؤلاء بناتي ﴾ من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في "هود".

قال جار الله ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون.

وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم.

ثم قالت الملائكة للوط  ﴿ لعمرك ﴾ مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو ما أقسم به.

والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلاّ أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعاً للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم ﴿ إنهم لفي سكرتهم ﴾ غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك ﴿ يعمهون ﴾ يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟

وقيل: إنه  خاطب رسول الله  وأقسم بحياته  كرامة له  وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين ﴾ داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان اتبداء العذاب من أول الصبح لقوله: ﴿ مصبحين ﴾ أليس الصبح بقريب؟

وغلبته كانت عن طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل.

قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم.

قال بعض المفسرين: إنما قال: ﴿ وأمطرنا عليهم ﴾ وفي سورة هود ﴿ وأمطرنا عليها  ﴾ لأنه أراد ههنا من شذ من القرية منهم.

وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ للمتفرسين.

وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر ﴿ وإنها ﴾ يعني تلك القرى وآثارها ﴿ لبسبيل مقيم ﴾ ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك.

قال بعضهم: إنما جميع الآيات في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف براهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم.

وقال في الثانية ﴿ وإنها ﴾ أي القرية ﴿ لبسبيل ﴾ وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في "العنكبوت" { ﴿ خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين  ﴾ .

ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها.

كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها.

والآيكة الشجر الملتف.

والضمير في قوله: ﴿ وإنهما ﴾ يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة.

وقيل: بل إلى الآيكة ومدين لأن شعيباً كان مبعوثاً إليهما فدل بذكر أحد الموضعين ههنا - وهو الأيكة - على الآخر ﴿ لبإمام مبين ﴾ لبطريق واضح.

قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع.

وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده.

ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ﴾ وهو واد بين الشأم والمدينة.

وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح - كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، ﴿ وآتيناهم ﴾ أي أعطينا رسولهم ﴿ آياتنا ﴾ أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخر وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا في "الأعراف" ﴿ فكانوا عنها ﴾ أي عن النظر فيها والاعتبار بها ﴿ معرضين ﴾ وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب ﴿ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين ﴾ من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر.

﴿ فما أغنى عنهم ﴾ لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله ﴿ ما كانوا يكسبون ﴾ من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد.

ولم فرغ من القصص قال: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل.

وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها.

ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: ﴿ وإن الساعة لآتية ﴾ معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟

ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ أي فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ ﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ كثير الخلق ﴿ العليم ﴾ الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك.

وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح.

ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي  ما وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة.

وذلك أنها سبع آيات.

والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة.

وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها.

وأيضاً قسمت بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وقد مر في أول الكتاب.

وأيضاً كلماتها مثناة مثل: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ إياك ﴾ و ﴿ إياك ﴾ ﴿ الصراط ﴾ ﴿ صراط ﴾ ﴿ عليهم ﴾ ﴿ عليهم ﴾ واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب.

فقيل: كأنه رأى أنه  عطف عليه قوله: ﴿ والقرآن العظيم ﴾ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن.

والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل  ﴾ أو بالعكس كما في الآية.

والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيهاً على مزية ذلك البعض وشرفه.

فإن قلت: ليس لعطف لكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل.

قلنا: يكفي بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ دليلاً على أنه من القرآن.

وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى.

وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية.

وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر.

وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطول والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله  قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل" .

قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني.

وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله  : ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف.

ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام.

وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعاً مثاني ولكونه قرآناً عظيماً.

قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و"من" في ﴿ من المثاني ﴾ للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع.

ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث "من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا" وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرآى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً.

فمن حق قارىء القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها.

قال الواحدي: إنما يكون مادّاً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.

وقال في الكشاف: معنى ﴿ لا تمدن ﴾ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ﴿ إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ أي أصنافاً من الكفار قاله ابن قتيبة.

وقال الجوهري: الأزواج القرناء.

وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا.

وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقاً فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟

ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه  لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته.

ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله.

فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ لا تمدن ﴾ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه.

ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفاراً أمره بالتواضع للفقراء، إذا كانوا مؤمنين فقال: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق.

وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة ﴿ لمن اتبعك  ﴾ لأنه قال قبله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصاً بالأقربين من عشيرته فزيد ﴿ لمن اتبعك  ﴾ ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة.

ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: ﴿ وقل إني أنا النذير المبين ﴾ ويدخل تحت كونه نذيراً كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب.

ويدخل في كونه مبيناً كونه شارحاً لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار.

فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها.

وفي متعلق قوله: ﴿ كما أنزلنا ﴾ وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ أي أنزلنا} أي أنزلنا عليك ما أنزلنا ﴿ على المقتسمين ﴾ ومن هم؟

قيل: أهل الكتاب ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة "فعلة" من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو "فعلة" من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو.

وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة.

ولعن رسول الله  العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضاً.

وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضاً عما لحقها من الحذف كسنين.

فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما.

ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: { ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وفي هذا تسلية لرسول الله  عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: ﴿ لا تمدن ﴾ الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين.

الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ النذير المبين ﴾ وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذاباً كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجهاً كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح.

قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله.

يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريباً من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.

وقال عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه.

قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين.

وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحاً كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ الذين جعلوا ﴾ منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين.

ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في أول "الأعراف" وذلك قوله ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم  ﴾ .

والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام.

ثم شجع نبيه قائلاً ﴿ فاصدع ﴾ أي اجهر ﴿ بما تؤمر ﴾ وأظهره وفرق بين الحق والباطل.

وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعاً كما سمي فلقاً.

وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً.

قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل "أمرتك الخير".

وجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول.

وقالوا: وما زال النبي  مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.

ثم قال: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها.

ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره.

والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم.

والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة.

وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر.

وقال جبرائيل  لرسول الله  : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصابه عرقاً في عقبة فقطعه فمات.

وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه  ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾ من المطاعن فيك وفي القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك.

ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين.

عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حياً وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد.

وكيف يصير الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب؟

قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها.

وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره.

وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه.

التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسناً ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.

فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب.

وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات ﴿ إلا بالحق ﴾ أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات ﴿ وإن الساعة ﴾ يعني قيامة العشق ﴿ لآتية ﴾ لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته ﴿ فاصفح ﴾ أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.

﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها ﴿ العليم ﴾ بمن خلقه مستعداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكاً فلهذا قال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً ﴾ أي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة ﴿ من المثاني ﴾ أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات.

﴿ والقرآن العظيم ﴾ ولهذا صار خلقه عظيماً لأنه كان خلقه القرآن ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً ﴾ من أهل الدنيا والآخرة ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه ﴿ على المتقسمين ﴾ الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهاراً للفضل وطلباً للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقهه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم.

﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله ﴿ الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ لأنك لست منهم ﴿ وكن من الساجدين ﴾ سجدة الشكر ﴿ واعبد ربك ﴾ بالإخلاص ﴿ حتى يأتيك اليقين ﴾ أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضاً، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

أي: نبئ قومك عن ضيف إبراهيم؛ أي: نبئهم بتمام ما فيه من الزجر والموعظة؛ لأن في ذلك أخبار ما نزل بالمكذبين؛ بتكذيبهم الرسل، وهو الإهلاك، ونجاة من صدق الرسل، ففيه تمام ما يزجرهم، ويعظهم، من الترهيب والترغيب، فإن فيهم آية لرسالتك ونبوتك؛ لأنه يخبرهم على ما في كتبهم لم يشهدها هو، فيدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله.

أو نبئهم؛ فإن ذلك ما يزجرهم عن مثل صنيعهم، وفيه ذكر نعم الله؛ لأنهم جاءوا بالبشارة؛ بشارة الولد، وجاءوا بإهلاك قوم مجرمين، فذلك بالذي يزجرهم عن مثله، والبشارة ترغبهم في مثل صنيع إبراهيم، فنبئهم فإن فيه ما ذكرنا.

ودل قوله: ﴿ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أن الضيف اسم لكل نازل على آخر، طعم عنده أو لم يطعم، وكان نزله للطعام أو لا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً ﴾ .

أي: سلموا على إبراهيم، فرد إبراهيم عليهم السلام.

وقال أبو بكر الأصم: السلام جعله الله أماناً بين الخلق، وعطفاً فيما بينهم، وسبباً لإخراج الضغائن من قلوبهم.

وقال بعضهم: جعل الله السلام تحية على كل داخل على آخر، وهو ما ذكرناه.

وقال بعضهم: السلام: هو اسم كل خير وبرّ وبركة؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴾ أي: خائفون.

قال بعض أهل التأويل: إنما خاف؛ لأنه ظن أنهم لصوص وأهل ريبة، لكن هذا لا يحتمل أن يخاف منهم؛ ويظن أنهم لصوص وأهل ريبة، وقد سلمّوا عليه وقت ما دخلوا عليه، واللصوص وأهل الريبة إذا دخلوا بيت آخر لا يسلمون عليه، لكنه إنما خافهم إذ رأى أيديهم لا تصل إليه؛ كما قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً  ﴾ عند ذلك خافهم؛ فلما رأى ذلك ظن إبراهيم أنهم ملائكة؛ إنما جاءوا لأمر عظيم؛ حيث لم يتناولوا مما قرب إليهم؛ وبين إبراهيم وبين المكان الذي يرتحل منه - مكان يقع لهم الحاجة إلى الطعام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَوْجَلْ ﴾ أي: لا تخف: ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ  ﴾ والحلم: هو الذي ينفي عن صاحبه كل أخلاق دنية، والعلم: هو الذي يدعو صاحبه إلى كل خلق رفيع؛ ليعلم أنه اجتمع فيه [جميع] الخصال الرفيعة، ونفى عنه كل خلق دنيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ ﴾ .

أي: أبشرتموني أن يولد لي، وأنا على الحال التي أنا عليها، أو يردّ إليَّ شبابي وشباب امرأتي.

﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ على الحال التي أنا عليها وامرأتي، أو يرد الشباب إلينا، وإلا لا يحتمل أن يخفى عليه قدرة الله هبة الولد في حال الكبر، لكنه لم ير الولد يولد في تلك الحال، فاستخبرهم أنه يولد في تلك الحال، أو يرد إلى حالة أخرى حالة الشباب.

والله  أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

أي: بما هو كائن لا محالة، أي: وعد كائن لا محالة، والواجب على كل من أنعم عليه بنعمة أن يشتغل بالشكر للمنعم، لا يستكشف عن الوجوه التي أنعم، والأحوال التي يكون عليها.

ثم في بشارة الولد بشارتان: إحداهما: بشارة بالغلام.

والثانية: بالبقاء والبلوغ إلى وقت العلم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً  ﴾ ، ففي قوله "كهلا" دلالة وبشارة: إلى أنه يبقى إلى أن يصير كهلا، وإلا الكهل يضعف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن الأنبياء قد نهوا عن أشياء [قد] عصموا عنها ما لا يحتمل أن يكون منهم ما نهوا عنه؛ [نحو قوله]: ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ و ﴿ مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ ، ﴿ ٱلْكَٰفِرِينَ  ﴾ وأمثاله، وذلك مما لا يتوهم كونه منهم؛ وذلك لما ذكرنا أن العصمة لا ترفع المحنة؛ لأنها لو رفعت لذهبت فائدة العصمة؛ لأنها إنما يحتاج إليها عند المحنة، وأمّا إذا لم يكن محنة فلا حاجة تقع إليها، فعلى ذلك إبراهيم لم يكن قنط من رحمة ربه؛ أنه لا يهب له الولد في حال كبره؛ ولكن ما ذكرنا، ثم بين أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون: أخبر أن القنوط من رحمة الله هو ضلال، والإياس من رحمته كفر، فعندهم تضيق رحمته حتى لا يسع فيها الكبائر، والمعتزلة يقنطون من رحمة ربهم؛ لقولهم في أصحاب الكبائر ما يقولون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ  ﴾ .

قيل: فما خبركم، وما قصتكم، وما شأنكم؟

والخطب: الشأن؛ أي: على أي أمر وشأن أرسلتم.

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  ﴾ .

لم يحتمل أن يكون أول ما أخبروا إبراهيم وقالوه هذا، ولكن كان فيه ما ذكر في آية أخرى: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ  ﴾ ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  ﴾ فقال إبراهيم ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا  ﴾ يذكر هاهنا على الاختصار؛ فذلك يدل أن الخبر إذا أدّى معناه يجوز، وإن لم يؤت بلفظه على ما كان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ كأن الثنيا هاهنا تكون عن الأشخاص، وأنفس أهل القرية؛ عن قوله: ﴿ مُّجْرِمِينَ ﴾ ؛ لأن آل لوط لم يكونوا مجرمين؛ فلا يحتمل الاستثناء من ذلك.

أو لا يكون على حقيقة الثنيا، وإن كان في الخبر استثناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ .

أخبر أنهم يهلكون قومه، ثم استثنى آله منهم، ثم امرأته من آله؛ ففيه دلالة أن الثنيا ليس برجوع؛ لأنه لو كان رجوعاً لكان يوجب الكذب في الخبر، ولكن في الثنيا بيان تحصيل المراد مما أجمل في اللفظ.

وفيه دلالة أيضاً أنه يجوز أن يستثنى من الاستثناء؛ لأنه استثنى امرأته من آله؛ بقوله: ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ فحصلت المرأة من قومه؛ حيث استثناها من آله.

وفيه أنه قد يجوز أن يستثنى من خلاف نوعه؛ لأنه استثنى آل لوط من قومه، والمجرم ليس من نوع الصالح، ثم استثنى امرأته من آله؛ وهي ليست منهم.

وفيه أيضاً أن آل الرجل يكون أتباعه؛ حيث استثنى آله منهم، يدخل فيه من تبعه؛ ألا ترى أنه قال: آل فرعون، وإنما هم أتباعه، وآل موسى؛ وآل هارون، وآل عمران: كل يرجع إلى أتباعهم، فيدخل في قولهم: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد - كلّ من تبعه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا ﴾ : أي: أخبرنا، لكن هذا منه احتيال على تقوية مذهب الاعتزال؛ لأنهم ينكرون أن يكون أفعال العبيد مقدرة لله مخلوقة، ففي ذلك دلالة أن أفعالهم مخلوقة لله، مقدرة له، وأصله: أي: قدرنا بقاءها من الأصل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ : أي: الباقين.

قال أبو عوسجة: الغابرون: الباقون، والغابرون: الماضون أيضاً؛ يقال: غبر يغبر غبراً: إذا بقى، وإذا مضى أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأعلمهم بخبر ضيوف إبراهيم -  - من الملائكة الذين جاؤوه بالبشرى بالولد، وبإهلاك قوم لوط.

من فوائد الآيات في الآيات دليل على تزاور المتقين واجتماعهم وحسن أدبهم فيما بينهم، في كون كل منهم مقابلًا للآخر لا مستدبرًا له.

ينبغي للعبد أن يكون قلبه دائمًا بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة.

سجد الملائكة لآدم كلهم أجمعون سجود تحية وتكريم إلا إبليس رفض وأبى.

لا سلطان لإبليس على الذين هداهم الله واجتباهم واصطفاهم في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفو الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.ykNAj"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله