الآية ١٢٢ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٢٢ من سورة النحل

وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٢ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٢ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وآتيناه في الدنيا حسنة ) أي : جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة ، ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) وقال مجاهد في قوله : ( وآتيناه في الدنيا حسنة ) أي : لسان صدق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وآتينا إبراهيم على قنوته لله ، وشكره له على نعمه ، وإخلاصه العبادة له في هذه الدنيا ذكرًا حسنا ، وثناءً جميلا باقيا على الأيام ( وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) يقول: وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة لممن صلح أمره وشأنه عند الله ، وحَسُنت فيها منـزلته وكرامته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) قال: لسان صدق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) فليس من أهل دين إلا يتولاه ويرضاه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وآتيناه في الدنيا حسنة قيل : الولد الطيب .

وقيل الثناء الحسن .

وقيل : النبوة .

وقيل : الصلاة مقرونة بالصلاة على محمد - عليه السلام - في التشهد .

وقيل : إنه ليس أهل دين إلا وهم يتولونه .

وقيل : بقاء ضيافته وزيارة قبره .

وكل ذلك أعطاه الله وزاده - صلى الله عليه وسلم - .وإنه في الآخرة لمن الصالحين " من " بمعنى مع ، أي مع الصالحين ; لأنه كان في الدنيا أيضا مع الصالحين .

وقد تقدم هذا في البقرة

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } رزقا واسعا، وزوجة حسناء، وذرية صالحين، وأخلاقا مرضية { وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } الذين لهم المنازل العالية والقرب العظيم من الله تعالى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وآتيناه في الدنيا حسنة ) يعني الرسالة والخلة وقيل : لسان الصدق والثناء الحسن .

وقال مقاتل بن حيان : يعني الصلوات ، في قول هذه الأمة : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم .

وقيل : أولادا أبرارا على الكبر .

وقيل : القبول العام في جميع الأمم .

( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) مع آبائه الصالحين في الجنة .

وفي الآية تقديم وتأخير ، مجازه : وآتيناه في الدنيا والآخرة حسنة ، وإنه لمن الصالحين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وآتيناه» فيه التفات عن الغيبة «في الدنيا حسنة» هي الثناء الحسن في كل أهل الأديان «وإنه في الآخرة لمن الصالحين» الذين لهم الدرجات العلى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن إبراهيم كان إمامًا في الخير، وكان طائعا خاضعًا لله، لا يميل عن دين الإسلام موحِّدًا لله غير مشرك به، وكان شاكرًا لنعم الله عليه، اختاره الله لرسالته، وأرشده إلى الطريق المستقيم، وهو الإسلام، وآتيناه في الدنيا نعمة حسنة من الثناء عليه في الآخِرين والقدوة به، والولد الصالح، وإنه عند الله في الآخرة لمن الصالحين أصحاب المنازل العالية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَآتَيْنَاهُ فِي الدنيا حَسَنَةً ) أى : وجمعنا له خير الدنيا من كل ما يحتاج المؤمن إليه ليحيا حياة طيبة ، كهدايته إلى الدين الحق ، ومنحه نعمة النبوة ، وإعطائه الذرية الصالحة ، والسيرة الحسنة ، والمال الوفير .وقد أشار القرآن الكريم إلى جانب من هذه النعم ، كما فى قوله - تعالى - : ( واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين ) وكما فى قوله - تعالى - : ( فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً .

.

) ( وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين ) أى : وإنه فى الدار الآخرة لمندرج فى عباد الله الصالحين ، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه ، والذين كانت لهم جنات الفردوس نزلا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما زيف في هذه السورة مذاهب المشركين في أشياء، منها قولهم بإثبات الشركاء والأنداد لله تعالى، ومنها طعنهم في نبوة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وقولهم لو أرسل الله رسولاً لكان ذلك الرسول من الملائكة.

ومنها قولهم بتحليل أشياء حرمها الله، وتحريم أشياء أباحها الله تعالى، فلما بالغ في إبطال مذاهبهم في هذه الأقوال، وكان إبراهيم عليه السلام رئيس الموحدين وقدوة الأصوليين، وهو الذي دعا الناس إلى التوحيد وإبطال الشرك وإلى الشرائع.

والمشركون كانوا مفتخرين به معترفين بحسن طريقته مقرين بوجوب الاقتداء به، لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة، وحكى عنه طريقته في التوحيد ليصير ذلك حاملاً لهؤلاء المشركين على الإقرار بالتوحيد والرجوع عن الشرك، واعلم أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بصفات: الصفة الأول: أنه كان أمة، وفي تفسيره وجوه: الأول: أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في صفات الخير كقوله: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد الثاني: قال مجاهد، كان مؤمناً وحده، والناس كلهم كانوا كفاراً فلهذا المعنى كان وحده أمة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده الثالث: أن يكون أمة فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والبغية، فالأمة هو الذي يؤتم به، ودليله قوله: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا  ﴾ .

الرابع: أنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحيد والدين الحق، ولما جرى مجرى السبب لحصول تلك الأمة سماه الله تعالى بالأمة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، وعن شهر بن حوشب لم تبق أرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم عليه السلام فإنه كان وحده.

الصفة الثانية: كونه قانتاً لله، والقانت هو القائم بما أمره الله تعالى به قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه كونه مطيعاً لله.

الصفة الثالثة: كونه حنيفاً والحنيف المائل إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى، وهذه صفة الحنيفية.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين ﴾ معناه: أنه كان من الموحدين في الصغر والكبر والذي يقرر كونه كذلك أن أكثر همته عليه السلام كان في تقرير علم الأصول فذكر دليل إثبات الصانع مع ملك زمانه وهو قوله: ﴿ رَبّيَ الذي يُحْىِ وَيُمِيتُ  ﴾ ثم أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله: ﴿ لا أُحِبُّ الآفلين  ﴾ ثم كسر تلك الأصنام حتى آل الأمر إلى أن ألقوه في النار، ثم طلب من الله أن يريه كيفية إحياء الموتى ليحصل له مزيد الطمأنينة، ومن وقف على علم القرآن علم أن إبراهيم عليه السلام كان غارقاً في بحر التوحيد.

الصفة الخامسة: قوله: ﴿ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ﴾ روي أنه عليه السلام كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخر غداءه فإذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فأظهروا أن بهم علة الجذام فقال: الآن يجب عليّ مؤاكلتكم فلولا عزتكم على الله تعالى لما ابتلاكم بهذا البلاء.

فإن قيل: لفظ الأنعم جمع قلة، ونعم الله تعالى على إبراهيم عليه السلام كانت كثيرة.

فلم قال: ﴿ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ﴾ .

قلنا: المراد أنه كان شاكراً لجميع نعم الله إن كانت قليلة فكيف الكثيرة.

الصفة السادسة: قوله: ﴿ اجتباه ﴾ أي اصطفاه للنبوة.

والاجتباء هو أن تأخذ الشيء بالكلية وهو افتعال من جبيت، وأصله جمع الماء في الحوض والجابية هي الحوض.

الصفة السابعة: قوله: ﴿ وَهَدَاهُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي في الدعوة إلى الله والترغيب في الدين الحق والتنفير عن الدين الباطل، نظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه  ﴾ .

الصفة الثامنة: قوله: ﴿ وءاتيناه فِي الدنيا حَسَنَةً ﴾ قال قتادة: إن الله حببه إلى كل الخلق فكل أهل الأديان يقرون به، أما المسلمون واليهود والنصارى فظاهر، وأما كفار قريش وسائر العرب فلا فخر لهم إلا به، وتحقيق الكلام أن الله أجاب دعاءه في قوله: ﴿ واجعل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين  ﴾ وقال آخرون: هو قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وقيل: الصدق، والوفاء والعبادة.

الصفة التاسعة: قوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين ﴾ .

فإن قيل: لم قال: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين ﴾ ولم يقل: وإنه في الآخرة في أعلى مقامات الصالحين؟

قلنا: لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: ﴿ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين  ﴾ فقال هاهنا: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين ﴾ تنبيهاً على أنه تعالى أجاب دعاءه ثم إن كونه من الصالحين لا ينفي أن يكون في أعلى مقامات الصالحين فإن الله تعالى بين ذلك في آية أخرى وهي قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما وصف إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات العالية الشريفة قال: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قال قوم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان على شريعة إبراهيم عليه السلام، وليس له شرع هو به منفرد، بل المقصود من بعثته عليه السلام إحياء شرع إبراهيم عليه السلام وعول في إثبات مذهبه على هذه الآية وهذا القول ضعيف، لأنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين، فلما قال: ﴿ اتبع مِلَّةَ إبراهيم ﴾ كان المراد ذلك.

فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية وإذا كان كذلك لم يكن متابعاً له فيمتنع حمل قوله: ﴿ إِنْ أَتَّبِعْ ﴾ على هذا المعنى فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها.

قلنا: يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن.

البحث الثاني: قال صاحب الكشاف: لفظة ثم في قوله: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ تدل على تعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملته من قبل، إن هذه اللفظة دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة عن سائر المدائح التي مدحه الله بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَانَ أُمَّةً ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه كان وحده أمّة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير كقوله: وَلَيْسَ عَلَى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ** أنْ يَجْمَع الْعَالَمَ في وَاحِدِ وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار.

والثاني: أن يكون أمّة بمعنى مأموم، أي: يؤمّه الناس ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى مؤتم به كالرحلة والنخبة، وما أشبه ذلك مما جاء من فعلة بمعنى مفعول، فيكون مثل قوله ﴿ قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة: 124] وروى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعي عن ابن مسعود أنه قال: إنّ معاذاً كان أمّة قانتاً لله، فقلت: غلطت، إنما هو إبراهيم.

فقال: الأمّة الذي يعلم الخير.

والقانت المطيع لله ورسوله، وكان معاذ كذلك.

وعن عمر رضي الله عنه أنه قال- حين قيل له: ألا تستخلف؟-: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته: ولو كان معاذ حياً لاستخلفته.

ولو كان سالم حياً لاستخلفته فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أبو عبيدة أمين هذه الأمّة، ومعاذ أمّة قانت لله، ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون، وسالم شديد الحب لله، لو كان لا يخاف الله لم يعصه» وهو ذلك المعنى، أي: كان إماماً في الدين؛ لأنّ الأئمة معلموا الخير.

والقانت: القائم بما أمره الله.

والحنيف: المائل إلى ملة الإسلام غير الزائل عنه.

ونفى عنه الشرك تكذيباً لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة أبيهم إبراهيم ﴿ شَاكِراً لأنْعُمِهِ ﴾ روي أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف، فلم يجد ذات يوم ضيفاً، فأخر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أنّ بهم جذاماً؟

فقال: الآن وجبت مواكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وَهَدَاهُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ عن قتادة: هي تنويه الله بذكره، حتى ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه.

وقيل: الأموال والأولاد، وقيل: قول المصلي منا: كما صليت على إبراهيم ﴿ لَمِنَ الصالحين ﴾ لمن أهل الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ﴾ لِكَمالِهِ واسْتِجْماعِهِ فَضائِلَ لا تَكادُ تُوجَدُ إلّا مُفَرَّقَةً في أشْخاصٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ.

.

.

أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدٍ وَهُوَ رَئِيسُ المُوَحِّدِينَ وقُدْوَةُ المُحَقِّقِينَ الَّذِي جادَلَ فِرَقَ المُشْرِكِينَ، وأبْطَلَ مَذاهِبَهُمُ الزّائِغَةَ بِالحُجَجِ الدّامِغَةِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ ذِكْرَهُ بِتَزْيِيفِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ مِنَ الشِّرْكِ والطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ، أوْ لِأنَّهُ كانَ وحْدَهُ مُؤْمِنًا وكانَ سائِرُ النّاسِ كُفّارًا.

وقِيلَ هي فِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالرِّحْلَةِ والنُّخْبَةِ مِن أمَّهُ إذا قَصَدَهُ، أوِ اقْتَدى بِهِ فَإنَّ النّاسَ كانُوا يَؤُمُّونَهُ لِلِاسْتِفادَةِ ويَقْتَدُونَ بِسِيرَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ .

﴿ قانِتًا لِلَّهِ ﴾ مُطِيعًا لَهُ قائِمًا بِأوامِرِهِ.

﴿ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنِ الباطِلِ.

﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ كَما زَعَمُوا فَإنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ.

﴿ شاكِرًا لأنْعُمِهِ ﴾ ذُكِرَ بِلَفْظِ القِلَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كانَ لا يُخِلُّ بِشُكْرِ النِّعَمِ القَلِيلَةِ فَكَيْفَ بِالكَثِيرَةِ.

﴿ اجْتَباهُ ﴾ لِلنُّبُوَّةِ.

﴿ وَهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ.

﴿ وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ بِأنْ حَبَّبَهُ إلى النّاسِ حَتّى أنَّ أرْبابَ المِلَلِ يَتَوَلَّوْنَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ، ورَزَقَهُ أوْلادًا طَيِّبَةً وُعُمُرًا طَوِيلًا في السِّعَةِ والطّاعَةِ.

﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ لِمَن أهْلِ الجَنَّةِ كَما سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} نبوة وأموالاً وأولاداً أو تنويه الله بذكره فكل أهل دين يتولونه أو قول المصلى منا

النحل (١٢٢ _ ١٢٦)

كما صليت على إبراهيم {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} لمن أهل الجنة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ بِأنْ حَبَّبَهُ إلى النّاسِ حَتّى إنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسْبَما سَألَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ ﴾ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، وعَنِ الحَسَنِ الحَسَنَةُ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ وقِيلَ: المالُ يَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ والبِرِّ، وقِيلَ: العُمْرُ الطَّوِيلُ في السِّعَةِ والطّاعَةِ- فَ”حَسَنَةً“- عَلى الأوَّلِ بِمَعْنى سِيرَةٍ حَسَنَةٍ وعَلى ما بَعْدَهُ عَطِيَّةٌ أوْ نِعْمَةٌ حَسَنَةٌ كَذا قِيلَ: وجُوِّزَ في الجَمِيعِ أنْ يُرادَ عَطِيَّةٌ حَسَنَةٌ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ وتَفْخِيمِ مَكانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ داخِلٌ في عِدادِهِمْ كائِنٌ مَعَهم في الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ حَسْبَما سَألَ بِقَوْلِهِ: ( وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ) وأرادَ بِهِمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ أي: إماماً يقتدى به قانِتاً أي: مطيعاً لربه.

وروى عامر عن مسروق أنه قال: ذكر عند عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل، فقال عبد الله بن مسعود: «كان معاذ بن جبل أمةً قانتاً» .

فقال رجل: وما الأُمة؟

قال: «الذي يعلِّم الناس الخير، والقانت الذي يطيع الله ورسوله» .

وقال القتبي: إنَّما سماه أُمَّةً لأنه كان سبب الاجتماع وقد يجوز أنه سماه أمةً لأنه اجتمع عنده خصال الخير.

ويقال: إنّما سماه أُمَّةً لأنه آمن وحده حين لم يكن مؤمن غيره.

وهذا كما روي عن رسول الله  أنه قال: «يَجيءُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يوم القيامة أمة وَحْدَهُ» ، وقد كان أسلم قبل خروج النبيّ  حين لَم يكن بمكة مؤمن غيره، وتابعه ورقة بن نوفل، وعاش ورقة بن نوفل إلى وقت خروج النبيّ  حتى أنزل عليه الوحي.

ثم قال: حَنِيفاً مُسْلِماً أي: مستقيماً مائلاً عن الأديان كلها وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي: مع المشركين على دينهم، وأصله: ولم يكن، فحذفت النون لكثرة استعمال هذا الحرف.

شاكِراً لِأَنْعُمِهِ يقول: بما أنعم الله عليه اجْتَباهُ أي: اصطفاه واختاره للنبوة، وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: إلى دين قائم وهو الإسلام وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً يقول: أكرمناه بالثناء الحسن.

ويقال: بالنبوة.

ويقال: بالولد الطيب وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ يعني: مع الأنبياء في الجنة.

قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي: بعده هذه الكرامة التي أعطيناها إبراهيم، أمرناك أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي: استقم على دين إبراهيم حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يطيعون ذلك، ويرضَوْنَه، ومعنى هذا: أنَّ التحليل والتحريمَ إِنما هو للَّه كما تقدم بيانه، فليس لأحدٍ أنْ يصرِّح بهذا في عَيْن من الأعيانِ إلا أنْ يكون الباري تعالى يخبر بذلك عَنْه، وما يؤدِّي إِليه الاجتهادُ أنه حرامٌ يقول فيه: إِني أكْرَهُ كذا، وكذلك كان مَالِكٌ يفعلُ، اقتداء بمن تقدَّم من أهْلِ الفتوى انتهى.

وقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ إشارةٌ إلى عيشهم في الدنيا، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بعد ذلك في الآخرة، وقوله: مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِشارةٌ إِلى ما في «سورة الأنعام» من ذي الظُّفَر والشُّحُوم.

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)

وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ هذه آية تأنيسٍ لجميعِ العالم فهي تتناوَلُ كلَّ كافرٍ وعاصٍ تَابَ من سوءِ حالِهِ، قالتْ فرقة: «الجهالة» هنا: العَمْد، والجهالة عندي في هذا الموضع: ليست ضد العلْم، بل هي تَعَدِّي الطَّوْر ورُكُوب الرأْس.

ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَليِّ» «١» وقد تقدَّم بيان هذا، وقلَّما يوجَدُ في العصاة مَنْ لم يتقدَّم له علْم بُحَظْر المعصيةِ التي يُوَاقِع.

وقوله سبحانه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ ...

الآية: لما كَشَفَ اللَّه فعْلَ اليهودِ وتحكُّمهم في شرعهم بذكْر ما حرَّم عليهم- أراد أنْ يبيِّن بُعْدَهم عن شرْعِ إِبراهيم عليه السلام، «والأمة» ، في اللغة: لفظةٌ مشتركةٌ تقع لِلْحِينِ، وللجَمْعِ الكثير، وللرَّجُل المنفردِ بطريقةٍ وحده، وعلى هذا الوجه سُمِّي إِبراهيم عليه السلام أمة، قال مجاهد: سُمِّيَ إِبراهيم أمةً لانفراده بالإِيمان في وقته مدَّةً مَّا «٢» ، وفي البخاريِّ أنه قال لِسَارَةَ: «لَيْسَ عَلَى الأرْضِ اليَوْمَ مؤمنٌ غيري وغَيْرُكِ» ، وفي البخاريِّ قال ابن مسعود: الأمّة معلّم الخير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رَحْمَةٌ، وفُلانٌ عَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، ويَقْصِدُونَ بِهَذا التَّأْنِيثِ قَصْدَ التَّناهِي في المَعْنى الَّذِي يَصِفُونَهُ، والعَرَبُ قَدْ تُوقِعُ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ عَلى الجَماعَةِ، وعَلى الواحِدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ  ﴾ ، وإنَّما ناداهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالأُمَّةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الأُمَّةَ: الَّذِي يُعْلِّمُ الخَيْرَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ وحْدَهُ في زَمانِهِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإمامُ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وهو في مَعْنى القَوْلِ الأوَّلِ.

فَأمّا القانِتُ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو المُطِيعُ.

وقَدْ شَرَحْنا " القُنُوتَ " في (البَقَرَةِ ١١٦،٢٣٨) وكَذَلِكَ الحَنِيفُ [البَقَرَةِ:١٣٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: لَمْ يَكُنْ، وإنَّما حُذِفَتِ النُّونُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ هَذا الحَرْفِ، وذَكَرَ الجُلَّةُ مِنَ البَصْرِيِّينَ أنَّها إنَّما احْتَمَلَتِ الحَذْفَ، لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيها كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ، وأنَّها عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَمْضِي مِنَ الأفْعالِ وما يُسْتَأْنَفُ، وأنَّها قَدْ أشْبَهَتْ حُرُوفَ اللِّينِ، وأنَّها تَكُونُ عَلامَةً كَما تَكُونُ حُرُوفُ اللِّينِ عَلامَةً، وأنَّها غُنَّةٌ تَخْرُجُ مِنَ الأنْفِ، فَلِذَلِكَ احْتَمَلَتِ الحَذْفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شاكِرًا لأنْعُمِهِ ﴾ انْتَصَبَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ أُمَّةً قانِتًا ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا واحِدُ الأنْعُمِ آنِفًا، وشَرَحْنا مَعْنى " الِاجْتِباءِ " في (الأنْعامِ:٨٧) قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ هاهُنا: الإسْلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الذِّكْرُ الحَسَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لِسانُ صِدْقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: اجْتِماعُ المِلَلِ عَلى وِلايَتِهِ، فَكُلُّهم يَتَوَلَّوْنَهُ ويَرْضَوْنَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّها الصَّلاةُ عَلَيْهِ مَقْرُونَةً بِالصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والسّادِسُ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في (البَقَرَةِ:١٣٠) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ لَمّا كَشَفَ اللهُ فِعْلَ اليَهُودِ وتَحَكُّمَهم في شَرْعِهِمْ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بُعْدُهم عن شَرْعِ إبْراهِيمَ والدَعْوى فِيهِ، أنْ يَصِفَ حالَ إبْراهِيمَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ قُرَيْشٍ أيْضًا.

والأُمَّةُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِلْخَيْرِ، والعامَّةِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ الرَجُلُ العالِمُ أوِ المَلِكُ أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ بِالناسِ الكَثِيرِ فَيُسَمّى أُمَّةً، وعَلى هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أُمَّةً، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وقالَ في بَعْضِ أوقاتِهِ: إنْ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ لَهُ: أبُو قُرَّةَ الكَنَدِيُّ، أو فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو إبْراهِيمُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ: أتُدْرِي ما الأُمَّةُ؟

هو مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويُطِيعُ اللهَ ورَسُولَهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِّي إبْراهِيمُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -أظُنُّهُ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ-: الأُمَّةُ فِعْلَةٌ مِن أمَّ يَؤُمُّ، فَهو كالهَمْزَةِ والضِحْكَةِ، أيْ: يُؤْتَمُّ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "أُمَّةً" -عَلى هَذا- صِفَةٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ اسْمٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ.

و"القانِتُ": المُطِيعُ الدائِمُ عَلى العِبادَةِ، و"الحَنِيفُ": المائِلُ إلى الخَيْرِ والإصْلاحِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ، لِمَن يَخْتَتِنُ ويَحُجُّ البَيْتَ: حَنِيفًا، وحَذْفُ النُونِ مِن "لَمْ يَكُ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَحَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ ولا أدْرِ، وهو أيْضًا لِشَبَهِ النُونِ في حالِ سُكُونِها حُرُوفَ العِلَّةِ لَغُنَّتْها وخِفَّتِها وأنَّها قَدْ تَكُونُ عَلّامَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَأنَّ "لَمْ" هُنا دَخَلَتْ عَلى "يَكُنْ" في حالِ الجَزْمِ، ولا تُحْذَفُ النُونُ إذا لَمْ تَكُنْ ساكِنَةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ولا تُحْذَفُ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِعْرِ فَقَدْ جاءَتْ مَحْذُوفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ مُشِيرٌ إلى حالِ تَبَرُّئِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ ومُشْرِكِي اليَهُودِ، إذْ كُلُّهُمُ ادَّعاهُ، ويَلْزَمُ الإشْراكُ اليَهُودَ مِن جِهَةِ تَجْسِيمِهِمْ.

و"شاكِرًا" صِفَةٌ لِإبْراهِيمَ تابِعَةٌ ما تَقَدَّمَ، و"الأنْعُمُ": جَمْعُ نِعْمَةٍ، و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً ﴾ ، الحَسَنَةُ: لِسانُ الصِدْقِ وإمامَتُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَشِرِّعَةٍ فَهي مُقِرَّةٌ أنَّ إيمانَها إيمانُ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ قُدْوَتُها، وأنَّهُ كانَ عَلى الصَوابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ بِمَعْنى: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، أيْ: مِنَ الصالِحِينَ في أحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، أو بِمَعْنى أنَّهُ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الصالِحِينَ في الدُنْيا، وهَذا عَلى أنَّ الآيَةَ وصْفُ حالَيْهِ في الدارَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: في أعْمالِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا وصْفُ حالَتِهِ في الأعْمالِ الدُنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

الوَحْيُ إلى مُحَمَّدٍ  بِهَذا مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وأمْرُ الفاضِلِ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ لَمّا تَقَدَّمُ إلى الصَوابِ والعَمَلِ بِهِ، و"أنِ" في قَوْلِهِ: ﴿ أنِ اتَّبِعْ ﴾ مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَعْوِلَةً، و"المِلَّةُ": الطَرِيقَةُ في عَقائِدِ الشَرْعِ، و"حَنِيفًا" حالٌ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "اتَّبِعْ" قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ حالًا مِن إبْراهِيمَ" ؛ لَأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ؛ لَأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَبْتُ ﴾ ، أيْ: لَمْ يَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإنَّما جَعَلَهُ اللهُ فَرْضًا عاقَبَ بِهِ القَوْمَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُمْعَةِ يَوْمًا مُخْتَصًّا بِالعِبادَةِ، وأمَرَهم أنْ يَكُونَ الجُمْعَةَ، فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: بَلْ يَكُونُ يَوْمَ السَبْتِ لَأنَّ اللهَ فَرَغَ فِيهِ مَن خَلْقِ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ نَقْبَلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَراجَعَهُمُ الجُمْهُورُ، فَتابَعَهُمُ الآخَرُونَ، فَألْزَمَهُمُ اللهُ يَوْمَ السَبْتِ إلْزامًا قَوِيًّا عُقُوبَةً مِنهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ثُبُوتٌ، بَلْ عَصَوْا فِيهِ وتَعَدُّوا فَأُهْلِكُهم.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّما أنْزَلْنا السَبْتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "جَعَلَ" بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ مِنَ الجُمْعَةِ، فَأخَذَ هَؤُلاءِ السَبْتَ، وهَؤُلاءِ الأحَدَ، فَهَدانا اللهُ نَحْنُ إلى يَوْمِ الجُمْعَةِ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"،» فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الِاخْتِلافُ الَّذِي في الحَدِيثِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للانتقال إلى غرض التّنويه بدين الإسلام بمناسبة قوله: ﴿ ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ﴾ [سورة النحل: 119] المقصودِ به أنّهم كانوا في الجاهلية ثم اتّبعوا الإسلام، فبعد أن بشرهم بأنه غفر لهم ما عملوه من قبل زادهم فضلاً ببيان فضل الدين الذي اتّبعوه.

وجُعل الثناء على إبراهيم عليه السلام مقدّمة لذلك لِبيان أن فضل الإسلام فضْل زائد على جميع الأديان بأن مبدأه برسول ومنتهاه برسول.

وهذا فضل لم يحظ به دين آخر.

فالمقصود بعد هذا التمهيد وهاته المقدّمة هو الإفضاء إلى قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [سورة النحل: 123]، وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ﴾ [سورة الحج: 78].

والأصل الأصيل الذي تفرّع عنه وعن فروعه هذا الانتقالُ ما ذكر في الآية قبلها من تحريم أهل الجاهلية على أنفسهم كثيراً مما أنعم الله به على الناس.

ونظّرهم باليهود إذ حرّم الله عليهم أشياء، تشديداً عليهم، فجاء بهذا الانتقال لإفادة أن كلا الفريقين قد حادوا عن الحنيفية التي يزعمون أنهم متابعوها، وأن الحنيفية هي ما جاء به الإسلام من إباحة ما في الأرض جميعاً من الطيّبات، إلا ما بيّن الله تحريمه في آية ﴿ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً ﴾ [سورة الأنعام: 145] الآية.

وقد وُصف إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمّة.

والأمّة: الطائفة العظيمة من الناس التي تجمعها جهة جامعة.

وتقدم في قوله تعالى ﴿ كان الناس أمّة واحدة ﴾ في سورة البقرة (213).

ووصفُ إبراهيم عليه السلام بذلك وصفٌ بديع جامع لمعنيين: أحدهما: أنه كان في الفضل والفتوة والكمال بمنزلة أمّة كاملة.

وهذا كقولهم: أنت الرجل كل الرجل، وقول البحْتري: ولم أر أمثال الرجال تفاوتاً *** لدى الفضل حتى عُدّ ألفٌ بواحد وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " مَعاذٌ أمّة قانتٌ لله ".

والثاني: أنه كان أمّة وحده في الدين لأنه لم يكن في وقت بعثته، موحّدٌ لله غيره.

فهو الذي أحيا الله به التوحيد، وبثّه في الأمم والأقطار، وبنَى له معلماً عظيماً، وهو الكعبة، ودعا الناس إلى حجّه لإشاعة ذكره بين الأمم، ولم يزل باقياً على العصور.

وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم في خَطر بن مالك الكاهن: " وأنه يبعث يوم القيامة أمّةً وحدَه " رواه السهيلي في «الروض الأنف».

ورأيت رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه المقالة في زيد بن عَمرو بن نُفيل.

والقانت: المطيع.

وقد تقدم في قوله تعالى ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ في سورة البقرة (238).

واللام لام التقوية لأن العامل فرع في العمل.

والحنيف: المجانب للباطل.

وقد تقدم عند قوله: ﴿ قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً ﴾ في سورة البقرة (135)، والأسماء الثلاثة أخبار ﴿ كان ﴾ وهي فضائل.

﴿ ولم يك من المشركين ﴾ اعتراض لإبطال مزاعم المشركين أن ما هم عليه هو دين إبراهيم عليه السلام.

وقد صوّروا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يستقسمان بالأزلام ووضعوا الصورة في جوف الكعبة، كما جاء في حديث غزوة الفتح، فليس قوله: ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ مسوقاً مساق الثناء على إبراهيم ولكنه تنزيه له عمّا اختلقه عليه المبطلون.

فوزانه وزان قوله: ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ [سورة التكوير: 22].

وهو كالتأكيد لوصف الحنيف بنفي ضدّه مثل ﴿ وأضلّ فرعون قومه وما هدى ﴾ [سورة طه: 79].

ونُفي كونه من المشركين بحرف لم } لأن ﴿ لم ﴾ تقلب زمن الفعل المضارع إلى الماضي، فتفيد انتفاء مادة الفعل في الزمن الماضي، وتفيد تجدّد ذلك المنفي الذي هو من خصائص الفعل المضارع فيحصل معنيان: انتفاءُ مدلول الفعل بمادته، وتجدّد الانتفاء بصيغته، فيفيد أن إبراهيم عليه السلام لم يتلبّس بالإشراك قط، فإن إبراهيم عليه السلام لم يشرك بالله منذ صار مميّزاً، وأنه لا يتلبّس بالإشراك أبداً.

و ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ خبر رابع عن ﴿ كان ﴾ .

وهو مدح لإبراهيم عليه السلام وتعريض بذرّيته الذين أشركوا وكفروا نعمة الله مُقابل قوله: ﴿ فكفرت بأنعم الله ﴾ [سورة النحل: 112].

وتقدم قريباً الكلام على أنعُم الله.

وجملة ﴿ اجتباه ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن الثّناء المتقدّم يثير سؤال سائل عن سبب فوز إبراهيم بهذه المحامد، فيجاب بأن الله اجتباه، كقوله تعالى: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ [سورة الأنعام: 124].

والاجتباء: الاختيار، وهو افتعال من جبى إذا جمع.

وتقدم في قوله تعالى ﴿ واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ﴾ في سورة الأنعام (87).

والهداية إلى الصراط المستقيم: الهداية إلى التوحيد ودين الحنيفية.

وضمير آتيناه} التفات من الغيبة إلى التكلّم تفنّناً في الأسلوب لتَوَالي ثلاثة ضمائر غيبة.

والحسنة في الدنيا: كل ما فيه راحة العيش من اطمئنان القلب بالدين، والصحة، والسلامة، وطول العمر، وسعة الرزق الكافي، وحسن الذكر بين الناس.

وقد تقدّم في قوله: ﴿ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ [سورة البقرة: 201].

والصلاح: تمام الاستقامة في دين الحقّ.

واختير هذا الوصف إشارة إلى أن الله أكرمه بإجابة دعوته، إذ حكى عنه أنه قال: ﴿ ربّ هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ﴾ [سورة الشعراء: 83].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْلَمُ الخَيْرَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.

قالَ زُهَيْرٌ: فَأكْرَمَهُ الأقْوامُ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ كِرامٍ فَإنْ كَذَّبْتَنِي فاسْألِ الأُمَمْ يَعْنِي العُلَماءَ.

الثّانِي: أُمَّةٌ يُقْتَدى بِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَسُمِّيَ أُمَّةً لِقِيامِ الأُمَّةِ بِهِ.

الثّالِثُ: إمامٌ يُؤْتَمُّ بِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ.

﴿ قانِتًا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُطِيعًا لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: إنَّ القانِتَ هو الَّذِي يَدُومُ عَلى العِبادَةِ لِلَّهِ.

الثّالِثُ: كَثِيرُ الدُّعاءِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ حَنِيفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُخْلِصٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: حاجًّا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المُسْتَقِيمُ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ.

الثّانِي: لَمْ يَكُ يَرى المَنعَ والعَطاءَ إلّا مِنَ اللَّهِ.

﴿ وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ النُّبُوَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لِسانُ صِدْقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ ويَرْضَوْنَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّها تَنْوِيهُ اللَّهِ بِذِكْرِهِ في الدُّنْيا بِطاعَتِهِ لِرَبِّهِ.

حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ بَقاءُ ضِيافَتِهِ وزِيارَةُ الأُمَمِ لِقَبْرِهِ.

﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في مَنازِلِ الصّالِحِينَ في الجَنَّةِ.

الثّانِي: مِنَ الرُّسُلِ المُقَرَّبِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اتِّباعُهُ في جَمِيعِ مِلَّتِهِ إلّا ما أُمِرَ بِتَرْكِهِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اتِّباعِ الأفْضَلِ لِلْمَفْضُولِ لِأنَّ النَّبِيَّ  أفْضَلُ الأنْبِياءِ.

الثّانِي: اتِّباعُهُ في التَّبَرُّؤِ مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِالإسْلامِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن مسعود أنه سئل: ما الأمة؟

قال: الذي يعلم الناس الخير.

قالوا: فما القانت؟

قال: الذي يطيع الله ورسوله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة قانتاً ﴾ قال: كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره، فلذلك قال الله: ﴿ كان أمة قانتاً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ قال: إماماً في الخير ﴿ قانتاً ﴾ قال: مطيعاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ قال: كان مؤمناً وحده والناس كفار كلهم.

وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: لم يبق في الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض ويخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده.

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يشهد له أمة إلا قبل الله شهادتهم.

والأمة، الرجل فما فوقه إن الله يقول: ﴿ إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ قال: إمام هدى يقتدى به وتتبع سنته.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ قال: لسان صدق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ قال: فليس من أهل دين إلا يرضاه ويتولاه.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة معاً في المصنف، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن ابن عمرو قال: صلى إبراهيم الظهر والعصر والمغرب بعرفات ثم وقف، حتى إذا غابت الشمس دفع.

ثم صلى المغرب والعشاء بجمع، ثم صلى به الفجر كأسرع ما يصلي أحد من المسلمين، ثم وقف به حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين، دفع ثم رمى الجمرة ثم ذبح وحلق، ثم أفاض به إلى البيت فطاف به فقال الله لنبيه: ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول: الذكر الحسن (١) (٢) وقال الحسن: النبوة (٣) (٤) وقال الكلبي: الثناء الحسن من بعده (٥) وقال مقاتل: يعني الصلوات عليه مقرونًا بالصلاة على محمد -  -؛ وهو قول المتشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ وهو أيضًا كان في الدنيا من الصالحين، فلذلك قال: إن [من] (٨) ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ، ولم يقل: في أعلى منازل الصالحين بحسب ما تقتضيه حاله من الفضل؛ لمدح من هو منهم، والترغيب في الصلاح ليكون صاحبُه في جَنْبِه إبراهيم، وناهيك بهذا الترغيب في الصلاح، وبهذا المدح لإبراهيم أن يُشَرَّفَ جُمْلة هو فيها، حتى يصير الاستدعاء إليه بأنه فيها (٩) قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ الآية.

هذا يدل على أن دين محمد -  - دين إبراهيم، وشريعته كشريعته؛ حيث أُمر باتباعه وأُمرنا باتباعه، وهو الأفضل بسبقه إلى القول بالحق والعمل به من غير تقصير، وفيه قال عبد الله بن عمرو: أُمر باتباعه في مناسك الحج كما علَّم جبريلُ إبراهيمَ عليهما السلام (١٠) (١) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 504، وأبي حيان 5/ 547.

(٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 136، بنصه بلا نسبة.

(٣) ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 219، بلفظه، والطوسي 6/ 438، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 504، وأبي حيان 5/ 547، و"القرطبي" 10/ 198، بلا نسبة.

(٤) "تفسير مجاهد" ص 354، بنحوه، أخرجه الطبري 14/ 193، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 111، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 219، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 504، وأبي حيان 5/ 547، وابن كثير 2/ 651، و"الدر المنثور" 4/ 253 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٥) ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 255، وهود الهواري 2/ 394، والثعلبي 2/ 166 أ، والبغوي 5/ 51، و"تفسير القرطبي" 10/ 198، والخازن 3/ 141، و"تنوير المقباس" ص 295.

(٦) الخبر عن مقاتل بن حيان كما صرَّح البغوي وابن الجوزي؛ لذلك لم أجده في تفسير مقاتل بن سليمان، وقد ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 166 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 51، وابن الجوزي 4/ 504، والفخر الرازي 20/ 136، بلا نسبة، والخازن 3/ 141 بلا نسبة.

(٧) أخرجه الطبري 14/ 193، بنحوه، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 166 أ، بنصه تقريبًا، و"تفسير الماوردي" 3/ 291، بنحوه، والطوسي 6/ 438، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 51، والزمخشري 2/ 348، وابن الجوزي 4/ 504، والخازن 3/ 141، و"الدر المنثور" 4/ 253، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٨) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم المعنى، ولعلها سقطت.

(٩) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 438، بنصه تقريبًا.

(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 3/ 317، مفصلًا عن عبد الله بن عمرو عن النبي -  -، والثعلبي 2/ 166 أ، مفصلًا عنه عن النبي -  -، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 198، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 254، مفصلًا وزاد نسبته إلى عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب موقوفًا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه كان وحده أمة من الأمم بكماله وجمعه لصفات الخير كقول الشاعر: فليس على الله بمستنكر ** أن يجمع العالم في واحد والآخر: أن يكون أمة بمعنى إمام كقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ [البقرة: 124] قال ابن مسعود: والأمة معلم الناس الخير، وقد ذكر معنى القانت والحنيف ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدنيا حَسَنَةً ﴾ يعني لسان الصدق، وأن جميع الأمم متفقون عليه، وقيل: يعني المال والأولاد ﴿ لَمِنَ الصالحين ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين ﴾ نفى عنه الشرك لقصد الرد على المشركين من العرب الذين كانوا ينتمون إليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.

ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.

﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.

﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.

﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".

الآخرون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.

﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد  .

قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.

﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.

قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.

ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه  أخبر بتبديل مكان الآية.

وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.

﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".

والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.

وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.

﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.

﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.

ثم حكى شبهة أخرى عنهم.

كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.

واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.

وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.

وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله  إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.

وقيل: هو سلمان الفارسي.

ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.

قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.

ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.

وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.

ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ .

وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.

وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.

ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر  ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.

وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.

وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.

فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي  موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.

قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.

زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.

ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.

روي أن النبي  قيل له: هل يكذب المؤمن؟

قال: لا.

وقرأ هذه الآية.

ثم إنه  من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.

واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .

وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.

وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.

وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.

قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.

فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.

وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله  بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.

فأتى عمار رسول الله  وهو يبكي فجعل رسول الله  يمسح عينيه وقال  : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.

وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.

وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.

أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.

وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.

ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.

فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.

ومنهم من قال: ليس له ذلك.

واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.

ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.

وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.

ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله  بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.

ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.

وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.

ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.

والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.

قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.

وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.

ولكن من شرح بالكفر صدره.

فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.

قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه  ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.

وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.

وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.

﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون  ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.

ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".

وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.

ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.

قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.

ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.

ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.

وتكرير "إن" لطول الكلام.

من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.

ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.

وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.

فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه  بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.

وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي  بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله  ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.

وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.

ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون  ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.

والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.

فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين  أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.

قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.

وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.

ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا  ﴾ ﴿ ما كنا مشركين  ﴾ ونحو ذلك.

عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل  يفعل ذلك.

ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.

وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.

قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.

فوصف الله  تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.

ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.

قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.

قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.

وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".

قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.

وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد  - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.

عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي  يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.

نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟

قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً  ما كان نبياً أما كان عربياً؟

كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.

والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.

فكانت الاستعارة مجردة.

ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.

وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.

وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.

ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.

وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي  من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.

قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.

ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.

قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.

وقيل: القتل يوم بدر.

وقيل: إن قول ابن عباس أولى.

والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.

﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.

فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.

وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله  حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟

وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله  فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .

ورجح قول ابن عباس بأنه  قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه  أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.

وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.

ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.

وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".

واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.

والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.

ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.

وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.

والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.

ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم  ﴾ .

ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.

وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.

﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.

ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم  رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله  في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.

وكان رسول الله  يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.

وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.

وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.

وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.

وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.

﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.

يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله  حببه إلى أهل الأديان كلها.

وقيل: الأموال والأولاد.

وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".

﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ .

قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.

قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟

فأجاب الله  بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.

فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.

ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.

وروى أبو هريرة عن النبي  : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.

والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.

وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.

ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.

سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه  خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.

واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.

فما وجه جعل الجمعة عيداً؟

والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.

ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.

ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم  بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.

وفيه أن طريقة إبراهيم  في الدعوة كانت هكذا.

وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.

فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.

وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.

وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.

وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.

فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.

هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.

وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.

ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله  فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.

أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.

ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.

والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.

فوقف رسول الله  على حمزة وقد مثل به.

وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.

قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.

ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.

ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم  ﴾ أمر الله  أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.

وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.

وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.

ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.

﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.

فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.

ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.

وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.

وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.

وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين  ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.

وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.

ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.

فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.

وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.

واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.

فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.

التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه  يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.

﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم  : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين  ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك  ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.

﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.

قال النبي  : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .

﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.

﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً  فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.

﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم  ".

﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.

﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.

﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.

﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.

﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.

﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً ﴾ .

قال عبد الله بن مسعود: الأمة: الذي يعلم الناس الخير، والقانت: المطيع لله.

وقال بعضهم: أمة قانتاً، أي: مؤمناً وحده والناس كلهم كفار.

وقال بعضهم: كان أمة، أي: إماماً يقتدى به [في كل خير؛ كقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً  ﴾ .

وقال الحسن: كان أمة، أي سنة يقتدى به].

ويحتمل أن يكون سماه: أمّة، لما كان كالأمّة والجماعة من القيام مع الأعداء؛ لأنه، وإن كان منفرداً وحده، فكان قيامه مع الأعداء والأكابر منهم كالجماعة والأمة، والممتنع عنهم كالمتفرد.

وأصل الأمة؛ قيل: الجماعة والعدد.

ويحتمل قوله: ﴿ إِكَانَ أُمَّةً ﴾ ، أي: مجمع كل خير وكل طاعة؛ لما عمل هو من الخير عمل الجماعة، واجتمع فيه كل خير؛ فسميّ أمّة لهذا الذي ذكرنا، أو أن يكون تفسير الأمة ما ذكر على أثره: ﴿ قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ﴾ ، والقانت، قيل: المطيع، والقنوت [هو القيام] - كما ذكر - "أنه سئل عن أفضل الصلاة؛ فقال: طولُ القُنُوتِ" ؛ أي: طول القيام؛ فعلى هذا: المعنى: هو القائم لله في كل ما يعبده وأمره به.

وقيل: ﴿ أُمَّةً ﴾ ، أي: ديناً؛ لقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ ، اي: دينكم ديناً واحداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَنِيفاً ﴾ .

قيل: الحاج، وقيل: الحنيف: المسلم، وقيل: المخلص، وفيه كل ذلك: كان حاجّاً مسلماً مخلصاً لله، وأصل الحنف: الميل، أي: كان مائلاً إلى أمر الله وما يعبده به، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

لا شك أنه لم يكن من المشركين، لكنه ذكر هذين الوجهين.

أحدهما: لما ادعى كل أهل الأديان أنهم على دينه وانتسب كل فرقة إليه فبرّأه الله من ذلك، وأخبر أنه ليس على ما هم عليه من الدين؛ وهو ما قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً...

﴾ الآية [آل عمران: 67].

والثاني: ذكر هذا: أنه لم يكن من المشركين بقوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي  ﴾ ؛ لأنه هو كان ذلك عنه على ظاهر ما نطق: كان ذلك في الظاهر إشراكاً، ففيه مشبه في ظاهره؛ فبرأه الله عن ذلك وأخبر أن ذلك منه لم يكن إشراكاً، ولكن على المحاجة خرج ذلك منه محاجة قومه؛ لقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوْله - عز وجل -: ﴿ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ﴾ .

أي: لم يصرف شكر نعمه إلى غير المنعم، بل صرف شكرها إلى منعمها، والشكر في الشاهد هو المكافأة، ولا يبلغ أحد من الخلائق في المرتبة التي يكافئ الله في أصغر نعمة أنعمها عليه، ولا يتفرغ أحد عن أداء ما عليه من إحسان الله عليه فضلاً أن يتفرغ لمكافأته؛ لكن الله - عز وجل - بفضله ومنّه سمىّ ذلك شكراً، وإن لم يكن في الحقيقة شكراً؛ كما ذكر الصدقة التي تصدّق بها العبد إقراضاً كما سمى تسليمه لنفسه وبذله الأمر لله - شراء، وإن كانت أنفسهُم وأموالهم في الحقيقة - له، ولا يطلب المرء في العرف القرض من عبده، وكذلك شراء؛ لكنّه بلطفه [وفضله] عامل عباده معاملة من لا ملك له في أنفسهم وأموالهم؛ فعلى ذلك في تسمية الشكر؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتَبَاهُ ﴾ .

قال بعضهم: لرسالته ونبوته، واجتباه من بين ذلك القوم وجعله إماماً يقتدى به.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

وهو دين الإسلام، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً...

﴾ الآية [الأنعام: 161].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ .

قال بعضهم: الثناء الحسن، وقال بعضهم: الحسنة في الدنيا؛ لأن جميع أهل الأديان يتولّونه ويرضونه.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ ، أي: ما آتاه الله - لم يؤته إلا حسنة؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ - أي: ما آتيتناه في الدنيا، آتنا كلها حسنة؛ لأن قوله: ﴿ حَسَنَةً ﴾ إنما هي اسم حسنة واحدة أو أن يكون ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ عند قبض روحه، أي: على الحسنة قبض روحه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

أي: لم ينقص ما آتاه في الدنيا عما يؤتيه في الآخرة، وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ : النبوة والرسالة، أو أن يقال: إنّه لم يبين الحسنة التي أخبر أنه آتاها إياه؛ لكنه خصّ به كما هو خص في قوله: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم.

قد كان من إبراهيم معنى؛ حتى خص الله إبراهيم به من بين غيره؛ فذلك الأوّل، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ .

أي: دين إبراهيم وسبيله، وذكر في بعض الأخبار عن نبي الله  أنه قال جبريل -  - إلى إبراهيم - صلوات الله على نبينا وعليه - يوم التروية، فراح به إلى منى فعلمه المناسك كلها، وأراه أباه، فأوحى الله إلى محمد  : ﴿ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ فنحن أمرنا أن نتبع ملّته في الحج وفي غيره.

وأصل الملّة: الدّين، والله أعلم؛ كقوله: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَينِ" ، أي: أهل دينين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .

قال بعضهم: اختلافهم؛ وذلك أن موسى -  - أمر بني إسرائيل أن يتفرغوا في كل سبعة أيام يوماً للعبادة، وهو يوم الجمعة، وينزعوا فيه عمل دنياهم؛ فقالوا: نتفرغ يوم السبت؛ فإن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً؛ فقال فريق منهم: انظروا إلى ما يأمركم نبيّكم؛ فخذوا به، فذلك اختلافهم؛ فجعل لهم يوم السبت على ما سألوا، فاستحلوا فيه المعاصي؛ فحرم الله عليهم العمل فيه؛ عقوبة لهم.

وقال الحسن وقتادة: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ ﴾ ، أي: إنما لعن في السبت؛ فمسخوا قردة ﴿ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ ، وكان اختلافهم أنه حرمه بعضهم، واستحله بعضٌ.

وقال أبو بكر: اختلافهم كان في تكذيب الرسل والأنبياء فمنهم من صدق، ومنهم من كذب؛ فحرم عليهم يوم السبت؛ عقوبة [لهم]؛ أو أن يكون اختلافهم ما سألوا موسى من الآيات العجيبة والأسئلة الوحشة؛ كقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، ونحوه بعدما أقام عليهم من الآيات ما كانت لهم فيها كفاية فيشبه أن يكون اختلافهم الذي ذكر ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : يخرج على وجهين: أحدهما: (إنما جعل محنة السبت على الذين اختلفوا فيه)، أي: على الذين فسقوا فيه؛ حيث قال: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  ﴾ .

والثاني: إنما جعل عقوبة السبت على الذين اعتدوا فيه دون الذين اختلفوا فيه؛ لأن فريقاً منهم قد نهوهم عن ذلك، وفريقاً قد اعتدوا؛ فأهلك الذين اعتدوا دون الذين نهوهم.

وقوله: ﴿ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : يحتمل فيه، أي: في موسى، أو في يوم السبت الذي اختلفوا فيه وعوقبوا فيه، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .

يحكم بينهم بالجزاء، ويحكم بما بين لهم المحق من المبطل: [لكن لو قيل: قد بين في الدنيا: بين المحق من المبطل؛ حيث أهلك] فريقاً؛ وأنجى فريقاً؛ فكيف قال: يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟

لكن يشبه أن يكون ذلك بالجزاء على ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأعطيناه في الدنيا النبوة والثناء الحسن والولد الصالح، وإنه في الآخرة لمن الصالحين الذين أعد الله لهم الدرجات العلا من الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.MOebz"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد