الآية ١٢٨ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٢٨ من سورة النحل

إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ١٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٨ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٨ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) أي : معهم بتأييده ونصره ومعونته وهذه معية خاصة ، كقوله : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ) [ الأنفال : 12 ] وقوله لموسى وهارون : ( لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ) [ طه : 46 ] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للصديق وهما في الغار : ( لا تحزن إن الله معنا ) [ التوبة : 40 ] وأما المعية العامة فبالسمع والبصر والعلم ، كقوله تعالى : ( وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ) [ الحديد : 4 ] وكقوله تعالى : ( ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ) [ المجادلة : 7 ] وكما قال تعالى : ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا [ إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ] ) [ يونس : 61 ] .

ومعنى : ( الذين اتقوا ) أي : تركوا المحرمات ، ( والذين هم محسنون ) أي : فعلوا الطاعات ، فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم ، وينصرهم ويؤيدهم ، ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا مسعر ، عن ابن عون ، عن محمد بن حاطب قال : كان عثمان - رضي الله عنه - من الذين آمنوا ، والذين اتقوا ، والذين هم محسنون .

[ آخر تفسير سورة النحل ولله الحمد أجمعه والمنة ، وبه المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره ( إِنَّ اللَّهَ ) يا محمد ( مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) الله في محارمه فاجتنبوها، وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عن التقدّم عليها( وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) يقول: وهو مع الذين يحسنون رعاية فرائضه ، والقيام بحقوقه ، ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) قال: اتقوا الله فيما حرّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن الحسن، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن هَرِم بن حَيان العَبْدِي لما حضره الموت، قيل له: أوص ، قال: ما أدري ما أُوصي، ولكن بيعوا درعي ، فاقضوا عني ديني، فإن لم تف ، فبيعوا فرسي، فإن لم يف فبيعوا غلامي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لما نـزلت هذه الآية قال بَلْ نَصْبرُ" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون أي اتقوا الفواحش والكبائر بالنصر والمعونة والفضل والبر والتأييد .

وتقدم معنى الإحسان .

وقيل لهرم بن حبان عند موته : أوصنا ; فقال : أوصيكم بآيات الله وآخر سورة [ النحل ] ادع إلى سبيل ربك إلى آخرها .تمت سورة النحل والحمد لله رب العالمين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

والله مع المتقين المحسنين، بعونه وتوفيقه وتسديده، وهم الذين اتقوا الكفر والمعاصي، وأحسنوا في عبادة الله، بأن عبدوا الله كأنهم يرونه فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم، والإحسان إلى الخلق ببذل النفع لهم من كل وجه.

نسأل الله أن يجعلنا من المتقين المحسنين.

تم تفسير سورة النحل والحمد لله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الله مع الذين اتقوا ) المناهي ، ( والذين هم محسنون ) بالعون والنصرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الله مع الذين اتقوا» الكفر والمعاصي «والذين هم محسنون» بالطاعة والصبر، بالعون والنصر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الله سبحانه وتعالى مع الذين اتقوه بامتثال ما أمر واجتناب ما نهى بالنصر والتأييد، ومع الذين يحسنون أداء فرائضه والقيام بحقوقه ولزوم طاعته، بعونه وتوفيقه ونصره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ ) تعليل لم سبق من أمره بالصبر ، ومن نهيه عن الحزن وضيق الصدر .أى : إن الله - تعالى - بمعونته وتأييده مع الذين اتقوه فى كل أحوالهم ، وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضاه .

ومع الذين يحسنون القول والعلم ، بأن يؤدوهما بالطريقة التى أمر الإِسلام بها ، ومن كان الله - تعالى - معه ، سعد فى دنياه وفى أخراه .وقد قيل لبعض الصالحين وهو يحتضر : أوص .

فقال : إنما الوصية من المال .

ولا مال لى ، ولكنى أوصيكم بالعمل بخواتيم سورة النحل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: هذه الآية فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: وهو الذي عليه العامة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة وقد مثلوا به قال: والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك فنزل جبريل عليه السلام بخواتيم سورة النحل فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسك عما أراد.

وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء، وأبي بن كعب والشعبي وعلى هذا قالوا: إن سورة النحل كلها مكية إلا هذه الآيات الثلاث.

والقول الثاني: أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد، حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدؤا بالقتال وهو قوله تعالى: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين  ﴾ وفي هذه الآية أمر الله بأن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.

والقول الثالث: أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم، وهذا قول مجاهد والنخعي وابن سيرين قال ابن سيرين: إن أخذ منك رجل شيئاً فخذ منه مثله، وأقول: إن حمل هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله تعالى وذلك يطرق الطعن إليه وهو في غاية البعد، بل الأصوب عندي أن يقال: المراد أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالطريق الأحسن، ثم إن تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم، وبالإعراض عنه والحكم عليه بالكفر والضلالة وذلك مما يشوش القلوب ويوحش الصدور، ويحمل أكثر المستمعين على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة، وبالضرب ثانياً وبالشتم ثالثاً، ثم إن ذلك المحق إذا شاهد تلك السفاهات، وسمع تلك المشاغبات لابد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وتارة بالضرب، فعند هذا أمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه.

فإن قيل: فهل تقدحون فيما روي أنه عليه السلام ترك العزم على المثلة وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية؟

قلنا: لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية، لأنا نقول: تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية فيمكن التمسك في تلك الواقعة بعموم هذه الآية، إنما الذي ينازع فيه أنه لا يجوز قصر هذه الآية على هذه الواقعة، لأن ذلك يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية ورتب ذلك على أربع مراتب: المرتبة الأولى: قوله: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ يعني إن رغبتم في استقباء القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه، فإن استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته وفي قوله: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ دليل على أن الأولى له أن لا يفعل، كما أنك إذا قلت للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح، كان معناه أن الأولى بك أن لا تأكله، فذكر تعالى بطريق الرمز والتعريض على أن الأولى تركه.

والمرتبة الثانية: الانتقال من التعريض إلى التصريح وهو قوله: ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين ﴾ وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك الانتقام، لأن الرحمة أفضل من القسوة والإنفاع أفضل من الإيلام.

المرتبة الثالثة: وهو ورود الأمر بالجزم بالترك وهو قوله: ﴿ واصبر ﴾ لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى، وفي هذه المرتبة الثالثة صرح بالأمر بالصبر، ولما كان الصبر في هذا المقام شاقاً شديداً ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال: ﴿ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله ﴾ أي بتوفيقه ومعونته وهذا هو السبب الكلي الأصلي المفيد في حصول الصبر وفي حصول جميع أنواع الطاعات.

ولما ذكر هذا السبب الكلي الأصلي ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب فقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ وذلك لأن إقدام الإنسان على الانتقام، وعلى إنزال الضرر بالغير لا يكون إلا عند هيجان الغضب، وشدة الغضب لا تحصل إلا لأحد أمرين: أحدهما: فوات نفع كان حاصلاً في الماضي وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ قيل معناه: ولا تحزن على قتلى أحد، ومعناه لا تحزن بسبب فوت أولئك الأصدقاء.

ويرجع حاصله إلى فوت النفع.

والسبب الثاني: لشدة الغضب توقع ضرر في المستقبل، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ ومن وقف على هذه اللطائف عرف أنه لا يمكن كلام أدخل في الحسن والضبط من هذا الكلام بقي في لفظ الآية مباحث: البحث الأول: قرأ ابن كثير: ﴿ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ ﴾ بكسر الضاد، وفي النمل مثله، والباقون: بفتح الضاد في الحرفين.

أما الوجه في القراءة المشهورة فأمور: قال أبو عبيدة: الضيق بالكسر في قلة المعاش والمساكن، وما كان في القلب فإنه الضيق.

وقال أبو عمرو: الضيق بالكسر الشدة والضيق بفتح الضاد الغم.

وقال القتيبي: ضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ولين ولين.

وبهذا الطريق قلنا: إنه تصح قراءة ابن كثير.

البحث الثاني: قرئ ﴿ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ ﴾ .

البحث الثالث: هذا من الكلام المقلوب، لأن الضيق صفة، والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون المصوف حاصلاً في الصفة، فكان المعنى فلا يكون الضيق فيك، إلا أن الفائدة في قوله: ﴿ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ ﴾ هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى والله أعلم.

المرتبة الرابعة: قوله: ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ وهذا يجري مجرى التهديد لأن في المرتبة الأولى رغب في ترك الانتقام على سبيل الرمز، وفي المرتبة الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله: ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين ﴾ وفي المرتبة الثالثة أمرنا بالصبر على سبيل الجزم، وفي هذه المرتبة الرابعة كأنه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال: ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا ﴾ عن استيفاء الزيادة: ﴿ والذين هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ في ترك أصل الانتقام، فإن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين.

ومن وقف على هذا التريب عرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون على سبيل الرفق واللطف مرتبة فمرتبة، ولما قال الله لرسوله: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ ذكر هذه المراتب الأربعة، تنبيهاً على أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعة على هذا الوجه، وعند الوقوف على هذه اللطائف يعلم العاقل أن هذا الكتاب الكريم بحر لا ساحل له.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا ﴾ معيته بالرحمة والفضل والرتبة، وقوله: ﴿ الذين اتقوا ﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله تعالى، وقوله: ﴿ والذين هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله، وذلك يدل على أن كمال السعادة للإنسان في هذين الأمرين أعني التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله، وعبر عنه بعض المشايخ فقال: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق، وقال الحكماء: كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وعن هرم بن حيان أنه قيل له عند القرب من الوفاة أوص، فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة النحل.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين ﴾ منسوخ بآية السيف، وهذا في غاية البعد، لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى الله تعالى، وترك التعدي وطلب الزيادة، ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف، وأكثر المفسرين مشغوفون بتكثير القول بالنسخ، ولا أرى فيه فائدة والله أعلم بالصواب.

قال المصنف رحمه الله: تم تفسير هذه السورة ليلة الثلاثاء بعد العشاء الآخرة بزمان معتدل، وقال رحمه الله: الحق عزيز والطريق بعيد والمركب ضعيف والقرب بعد والوصل هجر والحقائق مصونة والمعاني في غيب الغيب محصونة والأسرار فيما وراء العز مخزونة، وبيد الخلق القيل والقال والكمال ليس إلا لله ذي الإكرام والجلال، والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

سمي الفعل الأول باسم الثاني للمزاوجة.

والمعنى: إن صنع بكم صنيع سوء من قتل أو نحوه، فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه.

وقرئ: ﴿ وإن عقبتم فعقبوا ﴾ ، أي: وإن قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم.

روي أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد: بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به، وروي: فرآه مبقور البطن فقال: «أما والذي أحلف به، لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك» فنزلت، فكفر عن يمينه وكفّ عما أراده، ولا خلاف في تحريم المثلة.

وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور.

إما أن يرجع الضمير في ﴿ لَهُوَ ﴾ إلى صبرهم وهو مصدر صبرتم.

ويراد بالصابرين: المخاطبون، أي: ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع الصابرون موضع الضمير ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد.

أو وصفهم بالصفة التي تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة.

وإما أن يرجع إلى جنس الصبر- وقد دل عليه صبرتم- ويراد بالصابرين جنسهم، كأنه قيل: وللصبر خير وللصابرين ونحوه قوله تعالى ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ [الشورى: 40] .

﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ [البقرة: 237] ثم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ واصبر ﴾ أنت فعزم عليه بالصبر ﴿ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبك ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ أي على الكافرين، كقوله ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين ﴾ [المائدة: 68] أو على المؤمنين وما فعل بهم الكافرون ﴿ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ ﴾ وقرئ: ﴿ ولا تكن في ضيق ﴾ أي: ولا يضيقن صدرك من مكرهم والضيق: تخفيف الضيق، أي في أمر ضيق.

ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين، كالقيل والقول ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا ﴾ أي هو وليّ الذين اجتنبوا المعاصي ﴿ و ﴾ ولي ﴿ الذين هُمْ مُّحْسِنُونَ ﴾ في أعمالهم.

وعن هرم ابن حيان أنه قيل له حين احتضر: أوص.

فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي، وأوصيكم بخواتم سورة النحل.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلته، كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ إلّا بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ.

﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ عَلى الكافِرِينَ أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ وما فُعِلَ بِهِمْ.

﴿ وَلا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ ﴾ في ضِيقِ صَدْرٍ مِن مَكْرِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ فِي ضَيْقٍ ﴾ بِالكَسْرِ هُنا وفي « النَّمْلِ» وهُما لُغَتانِ كالقَوْلِ والقِيلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّيْقُ تَخْفِيفَ ضِيقٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ المَعاصِيَ.

﴿ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ في أعْمالِهِمْ بِالوِلايَةِ والفَضْلِ، أوْ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِتَعْظِيمِ أمْرِهِ ﴿ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ بِالشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ.

عَنِ النَّبِيِّ  «مَن قَرَأ سُورَةَ النَّحْلِ لَمْ يُحاسِبْهُ اللَّهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ في دارِ الدُّنْيا وإنْ ماتَ في يَوْمٍ تَلاها أوْ لَيْلَةٍ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ كالَّذِي ماتَ وأحْسَنَ الوَصِيَّةَ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا والَّذِينَ هُم محسنون} أي هو ولى الذين اجتنبوا السيآت وولي العاملين بالطاعات قيل من اتقى في أفعاله وأحسن في أعماله كان الله معه في أحواله ومعينه نصرته في المأمور وعصمته في المحظور

سورة بنى إسرائيل مكية وهي مائة وعشر آيات بصرى واحدى عشرة آية كوفي وشامى

بسم الله الرحمن الرحيم

الإسراء (١)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ الوِلايَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي لا يَحُولُ حَوْلَ صاحِبِها شَيْءٌ مِنَ الجَزَعِ والحُزْنِ وضِيقِ الصَّدْرِ وما يُشْعِرُ بِهِ دُخُولُ كَلِمَةِ ( مَعَ ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ المُتَّقِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلتَّقْوى، والمُرادُ بِها هُنا أعْلى مَراتِبِها أعْنِي التَّنَزُّهَ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ السِّرَّ عَنِ الحَقِّ سُبْحانَهُ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المُوَرِّثُ لِوِلايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ المَقْرُونَةِ بِبِشارَةِ ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّ الَّذِينَ تَبَتَّلُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ وتَنَزَّهُوا عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهم عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ فَلَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن مَطْلُوبٍ أوْ مَحْذُورٍ فَضْلًا عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِ فَواتًا أوْ وُقُوعًا وهو المَعْنى بِما بِهِ الصَّبْرُ المَأْمُورُ بِهِ عَلى أوَّلِ الِاحْتِمالاتِ السّالِفَةِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ التَّقْرِيبُ ويَتِمُّ التَّعْلِيلُ وإلّا فَمُجَرَّدُ التَّوَقِّي عَنِ المَعاصِي لا يَكُونُ مَدارًا لِشَيْءٍ مِنَ العَزائِمِ المُرَخَّصِ في تَرْكِها فَكَيْفَ بِالصَّبْرِ المُشارِ إلَيْهِ ورَدِيفَيْهِ وإنَّما مَدارُهُ المَعْنى المَذْكُورُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ صَبَرُوا، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى الصَّبْرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِن خَصائِصِ أجَلِّ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ورَوادِفِهِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي فِيهِ يَتَنافَسُ المُتَنافِسُونَ عَلى ما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى مِن قَبِيلِ الإحْسانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ وحَقِيقَةُ الإحْسانِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وقَدْ فَسَّرَهُ  بِأنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ كُلٍّ مِنَ الصِّلَتَيْنِ في وِلايَتِهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ إحْداهُما تَتِمَّةً لِلْأُخْرى، وإيرادُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ كَما أنَّ إيرادَ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ كَوْنِ مَضْمُونِها شِيمَةً راسِخَةً لَهُمْ، وتَقْدِيمُ التَّقْوى عَلى الإحْسانِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ إمّا جِنْسُ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ ويَدْخُلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا إمّا هو  وأشْياعُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْهم مَدْحًا لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالنَّعْتَيْنِ الجَمِيلَيْنِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صَنِيعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَتْبَعٌ لِاقْتِداءِ الأُمَّةِ بِهِ كَقَوْلِ مَن قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِنْدَ التَّعْزِيَةِ: اصْبِرْ نَكُنْ بِكَ صابِرِينَ وإنَّما صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرّاسِ قالَ: كُلُّ ذَلِكَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وإلى كَوْنِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما سَبَقَ ذَهَبَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ حَبِيبَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذى المُخالِفِينَ ونَهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلى عِنادِهِمْ وإبائِهِمُ الحَقَّ وعَمّا يَلْحَقُهُ مِن مَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ عُلِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ ) إلَخْ أيْ لا تُبالِ بِهِمْ وبِمَكْرِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّكَ ومُحِبُّكَ وناصِرُكَ ومُبْغِضُهم وخاذِلُهُمْ، وعَمَّمَ الحُكْمَ إرْشادًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُخالِفِينَ وبِخُذْلانِهِمْ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ وذَكَرَ أنَّ إيرادَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةً وبِناءَ ﴿ مُحْسِنُونَ ﴾ عَلى ( هم ) عَلى سَبِيلِ التَّقْوى مُؤْذِنٌ بِاسْتِدامَةِ الإحْسانِ واسْتِحْكامِهِ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِاسْتِمْرارِ التَّقْوى لِأنَّ الإحْسانَ إنَّما يَتِمُّ إذا لَمْ يَعُدْ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإساءَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما ورَدَ ««مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»».

وما ذُكِرَ مِن حَمْلِ التَّقْوى عَلى أعْلى مَراتِبِها غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وما ذَكَرَهُ في بَيانِهِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهم عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: اتَّقُوا فِيما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وأحْسِنُوا فِيما افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالمُعاقَبَةِ بِالمِثْلِ حَيْثُ قالَ: إنَّ المَعْنى إنَّ اللَّهَ بِالعَوْنِ والرَّحْمَةِ والفَضْلِ مَعَ الَّذِينَ خافُوا عِقابَ اللَّهِ تَعالى وأشْفَقُوا مِنهُ فَشَفِقُوا عَلى خَلْقِهِ بَعْدَ الإسْرافِ في المُعاقَبَةِ، وفَسَّرَ الإحْسانَ بِتَرْكِ الإساءَةِ كَما قِيلَ.

تَرْكُ الإساءَةِ إحْسانٌ وإجْمالٌ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى تَعْلِيمٍ حُسْنِ الأدَبِ في الدَّعْوَةِ وتَرْكِ التَّعَدِّي والأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى المَكْرُوهِ مَعَ البِشارَةِ لِلْمُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ، وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ هَرَمِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ الِاحْتِضارِ: أوْصِ فَقالَ: إنَّما الوَصِيَّةُ مِنَ المالِ ولا مالَ لِي وأُوصِيكم بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ هَذا.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ مِمّا كانَ وما يَكُونُ فَيُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ والصّادِقِ والكاذِبِ والمُتَّبِعِ والمُبْتَدِعِ، وقِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ هو النَّبِيُّ  كَما قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الإمامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ قالَ السِّيادِيُّ: العَدْلُ رُؤْيَةُ المِنَّةِ مِنهُ تَعالى قَدِيمًا وحَدِيثًا، والإحْسانُ الِاسْتِقامَةُ بِشَرْطِ الوَفاءِ إلى الأبَدِ، وقِيلَ: العَدْلُ أنْ لا يُرى العَبْدُ فاتِرًا عَنْ طاعَةِ مَوْلاهُ مَعَ عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى العِوَضِ، وإيتاءُ ذِي القُرْبى الإحْسانُ إلى ذَوِي القَرابَةِ في المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والدِّينِ فَيَخْدِمُهم بِالصِّدْقِ والشَّفَقَةِ ويُؤَدِّي إلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، والفَحْشاءُ الِاسْتِهانَةُ بِالشَّرِيعَةِ، والمُنْكَرُ الإصْرارُ عَلى الذَّنْبِ كَيْفَما كانَ، والبَغْيُ ظُلْمُ العِبادِ، وقِيلَ: الفَحْشاءُ إضافَةُ الأشْياءِ إلى غَيْرِهِ تَعالى مِلْكًا وإيجادًا ﴿ وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ المَأْخُوذِ عَلَيْكم في عالَمِ الأرْواحِ بِالبَقاءِ عَلى حُكْمِهِ وهو الإعْراضُ عَنِ الغَيْرِ والتَّجَرُّدُ عَنِ العَلائِقِ والعَوائِقِ في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ تَعالى إذا عاهَدْتُمْ أيْ تَذَكَّرْتُمُوهُ بِإشْراقِ نُورِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْكم وتَذْكِيرِهِ إيّاكم قالَ النَّصْراباذِيُّ: العُهُودُ مُخْتَلِفَةٌ فَعَهْدُ العَوامِّ لُزُومُ الظَّواهِرِ وعَهْدُ الخَواصِّ حِفْظُ السَّرائِرِ وعَهْدُ خَواصِّ الخَواصِّ التَّخَلِّي مِن مِنَ الكُلِّ لِمَن لَهُ الكُلُّ ﴿ ما عِنْدَكُمْ ﴾ مِنَ الصِّفاتِ يَنْفَدُ لِمَكانِ الحُدُوثِ ﴿ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ﴾ لِمَكانِ القِدَمِ فالعَبْدُ الحَقِيقِيُّ مَن كانَ فانِيًا مِن أوْصافِهِ باقِيًا بِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَذا في أسْرارِ القُرْآنِ ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴾ أيْ عَمَلًا يُوصِلُهُ إلى كَمالِهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ ﴿ وهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ مُعْتَقِدٌ لِلْحَقِّ اعْتِقادًا جازِمًا ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ﴾ أيْ حَياةً حَقِيقِيَّةً لا مَوْتَ بَعْدَها بِالتَّجَرُّدِ عَنِ المَوادِّ البَدَنِيَّةِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ والتَّلَذُّذِ بِكِمالاتِ الصِّفاتِ ومُشاهَداتِ التَّجَلِّياتِ الإفْعالِيَّةِ والصِّفاتِيَّةِ ﴿ ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ ﴾ مِن جَنّاتِ الصِّفاتِ والأفْعالِ ﴿ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ إذْ عَمَلُهم يُناسِبُ صِفاتِهِمُ الَّتِي هي مَبادِئُ أفْعالِهِمْ وأجْرُهم يُناسِبُ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي مَصادِرُ أفْعالِهِ فانْظُرْ كَمْ بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ في الحُسْنِ، ويُقالُ: الحَياةُ الطَّيِّبَةُ ما تَكُونُ مَعَ المَحْبُوبِ ومِن هُنا قِيلَ: كُلُّ عَيْشٍ يَنْقَضِي ما لَمْ يَكُنْ مَعَ مَلِيحٍ ما لِذاكَ العَيْشِ مِلْحُ ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قالَ سَهْلٌ: هو إشارَةٌ إلى الَّذِينَ رَجَعُوا القَهْقَرى في طَرِيقِ سُلُوكِهِمْ ثُمَّ عادُوا أيْ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ هَجَرُوا قُرَناءَ السُّوءِ مِن بَعْدِ أنْ ظَهَرَ لَهم مِنهُمُ الفِتْنَةُ في صُحْبَتِهِمْ ثُمَّ جاهَدُوا أنْفُسَهم عَلى مُلازَمَةِ أهْلِ الخَيْرِ ثُمَّ صَبَرُوا مَعَهم عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الفِتْنَةِ لِساتِرٍ عَلَيْهِمْ ما صَدَرَ مِنهم مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الإنْعامِ، وقِيلَ: إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ هاجَرُوا أيْ تَباعَدُوا عَنْ مَوْطِنِ النَّفْسِ بِتَرْكِ المَأْلُوفاتِ والمُشْتَهِياتِ مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا بِها بِحُكْمِ النَّشْأةِ البَشَرِيَّةِ ثُمَّ جاهَدُوا في اللَّهِ تَعالى بِالرِّياضاتِ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ سُبْحانَهُ بِالتَّرَقِّي في المَقاماتِ والتَّجْرِيدِ عَنَ التَّعَلُّقاتِ وصَبَرُوا عَمّا تُحِبُّ النَّفْسُ وعَلى ما تَكْرَهُهُ بِالثَّباتِ في السَّيْرِ إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ يَسْتُرُ غَواشِي الصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ رَحِيمٌ بِإفاضَةِ الكَمالِ والصِّفاتِ القُدْسِيَّةِ ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) لِلنَّفْسِ المُسْتَعِدَّةِ القابِلَةِ لِفَيْضِ القَلْبِ الثّابِتَةِ في طَرِيقِ اكْتِسابِ الفَضائِلِ الآمِنَةِ مِن خَوْفِ فَواتِها المُطَمْئِنَةِ بِاعْتِقادِها ﴿ يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا ﴾ مِنَ العُلُومِ والفَضائِلِ والأنْوارِ ﴿ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الطُّرُقِ البَدَنِيَّةِ كالحَواسِّ والجَوارِحِ والآلاتِ ومِن جِهَةِ القَلْبِ ﴿ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ ﴾ ظَهَرَتْ بِصِفاتِها بَطَرًا وإعْجابًا بِزِينَتِها ونَظَرًا إلى ذاتِها بِبَهْجَتِها وبَهائِها فاحْتَجَبَتْ بِصِفاتِها الظَّلْمانِيَّةِ عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ ومالَتْ إلى الأُمُورِ السُّفْلِيَّةِ وانْقَطَعَ إمْدادُ القَلْبِ عَنْها وانْقَلَبَتِ المَعانِي الوارِدَةُ عَلَيْها مِن طُرُقِ الحِسِّ هَيْئاتٍ غاسِقَةً مِن صُوَرِ المَحْسُوساتِ الَّتِي انْجَذَبَتْ إلَيْها ﴿ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ ﴾ بِانْقِطاعِ مَدَدِ المَعانِي والفَضائِلِ والأنْوارِ مِنَ القَلْبِ والخَوْفِ مِن زَوالِ مُقْتَنِياتِها مِنَ الشَّهَواتِ والمَأْلُوفاتِ ﴿ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ مِن كُفْرانِ أنْعُمِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ وهي القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ بِما ألْقى إلَيْهِمْ مِنَ المَعانِي المَعْقُولَةِ والآراءِ الصّادِقَةِ ﴿ فَأخَذَهُمُ العَذابُ ﴾ أيْ عَذابُ الحِرْمانِ والِاحْتِجابِ ﴿ وهم ظالِمُونَ ﴾ في حالَةِ ظُلْمِهِمْ وتَرَفُّعِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الفَضِيلَةِ ونَقْصِهِمْ لِحُقُوقِ صاحِبِهِمْ ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ﴾ لِاجْتِماعِ ما تَفَرَّقَ في غَيْرِهِ مِنَ الصِّفاتِ الكامِلَةِ فِيهِ وكَذا كُلُّ نَبِيٍّ ولِذا جاءَ في الخَبَرِ عَلى ما قِيلَ: لَوْ وُزِنْتُ بِأُمَّتِي لَرَجَحْتُ بِهِمْ ﴿ قانِتًا لِلَّهِ ﴾ مُطِيعًا لَهُ سُبْحانَهُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ ﴿ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ تَعالى ﴿ ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ بِنِسْبَةِ شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ شاكِرًا ﴾ لِأنْعَمِهِ مُسْتَعْمِلًا لَها عَلى ما يَنْبَغِي ﴿ اجْتَباهُ ﴾ اخْتارَهُ بِلا واسِطَةِ عَمَلٍ لِكَوْنِهِ مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى فَتَقَدَّمَ كُشُوفُهم عَلى سُلُوكِهِمْ ﴿ وهَداهُ ﴾ بَعْدَ الكَشْفِ ﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو مَقامُ الإرْشادِ والدَّعْوَةِ يَنْعُونَ بِهِ مَقامَ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ ﴿ وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ وهي الذِّكْرُ الجَمِيلُ والمُلْكُ العَظِيمُ والنُّبُوَّةُ ﴿ وإنَّهُ في الآخِرَةِ ﴾ قِيلَ أيْ في عالَمِ الأرْواحِ ﴿ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ وقِيلَ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ لِلْجُلُوسِ عَلى بِساطِ القُرْبِ والمُشاهَدَةِ بِلا حِجابٍ وهَذا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ ما أُوتِيَهُ في الدُّنْيا يَنْقُصُ مَقامُهُ في العُقْبى كَما قِيلَ إنَّ مَقامَ الوَلِيِّ المَشْهُورِ دُونَ الوَلِيِّ الَّذِي في زَوايا الحُمُولِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ: الشُّهْرَةُ آفَةٌ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الشَّعَرانِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ ﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ وهُمُ اليَهُودُ واخْتارُوهُ لِأنَّهُ اليَوْمَ الَّذِي انْتَهَتْ بِهِ أيّامُ الخَلْقِ فَكانَ بِزَعْمِهِمْ أنْسَبَ لِتَرْكِ الأعْمالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وهو عَلى ما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الفُتُوحاتِ يَوْمَ الأبَدِ الَّذِي لا انْقِضاءَ لَهُ فَلَيْلُهُ في جَهَنَّمَ ونَهارُهُ في الجَنَّةِ واخْتِيارُ النَّصارى لِيَوْمِ الأحَدِ لِأنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ اعْتَنى اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِخَلْقِ الخَلْقِ فَكانَ بِزَعْمِهِمْ أوْلى بِالتَّفَرُّغِ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ هَدى اللَّهُ تَعالى لِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ الَّذِي أكْمَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَلْقَ وظَهَرَتْ فِيهِ حِكْمَةُ الِاقْتِداءِ بِخَلْقِ الإنْسانِ الَّذِي خُلِقَ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ فَكانَ أوْلى بِأنْ يَتَفَرَّغَ فِيهِ الإنْسانُ لِلْعِبادَةِ والشُّكْرِ مِن ذَيْنِكَ اليَوْمَيْنِ وسُبْحانَ مَن خَلَقَ فَهَدى ﴿ وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ ﴾ لِما في ذَلِكَ مِن قَهْرِ النَّفْسِ المُوجِبِ لِتَرَقِّيها إلى أعْلى المَقاماتِ ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ قِيلَ: الصَّبْرُ أقْسامٌ: صَبْرٌ لِلَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ في اللَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ بِاللَّهِ تَعالى، فالصَّبْرُ بِاللَّهِ تَعالى هو مِن لَوازِمِ الإيمانِ وأوَّلُ دَرَجاتِ الإسْلامِ وهو حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الجَزَعِ عِنْدَ فَواتِ مَرْغُوبٍ أوْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ وهو مِن فَضائِلِ الأخْلاقِ المَوْهُوبَةِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأهْلِ دِينِهِ وطاعَتِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلثَّوابِ الجَزِيلِ.

والصَّبْرُ في اللَّهِ تَعالى هو الثَّباتُ في سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ وتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى المُجاهَدَةِ بِالِاخْتِيارِ وتَرْكِ المَأْلُوفاتِ واللَّذّاتِ وتَحَمُّلِ البَلِيّاتِ وقُوَّةِ العَزِيمَةِ في التَّوَجُّهِ إلى مَنبَعِ الكِمالاتِ وهو مِن مَقاماتِ السّالِكِينَ يَهَبُهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن أهْلِ الطَّرِيقَةِ، والصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ تَعالى هو لِأهْلِ الحُضُورِ والكَشْفِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ مَلابِسِ الأفْعالِ والصِّفاتِ والتَّعَرُّضِ لِتَجَلِّياتِ الجَمالِ والجَلالِ وتَوارُدِ وارِداتِ الأُنْسِ والهَيْبَةُ فَهو بِحُضُورِ القَلْبِ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ والِاحْتِراسُ عَنِ الغَفْلَةِ والغَيْبَةِ عِنْدَ التَّلْوِيناتِ بِظُهُورِ النَّفْسِ، وهو أشَقُّ عَلى النَّفْسِ مِنَ الضَّرْبِ عَلى الهامِّ وإنْ كانَ لَذِيذًا جِدًّا، والصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى هو لِأهْلِ العِيانِ والمُشاهَدَةِ مِنَ العُشّاقِ المُشْتاقِينَ المُتَقَلِّبِينَ في أطْوارِ التَّجَلِّي والِاسْتِتارِ المُنْخَلِعِينَ عَنِ النّاسُوتِ المُتَنَوِّرِينَ بِنُورِ اللّاهُوتِ ما بَقِيَ لَهم قَلْبٌ ولا وصْفٌ كُلَّما لاحَ لَهم نُورٌ مِن سَبَحاتِ أنْوارِ الجَمالِ احْتَرَقُوا وتَفانَوْا وكُلَّما ضُرِبَ لَهم حِجابٌ ورُدَّ وجُودُهم تَشْوِيقًا وتَعْظِيمًا ذاقُوا مِن ألَمِ الشَّوْقِ وحُرْقَةِ الفِرْقَةِ ما عِيلَ بِهِ صَبْرُهم وتَحَقَّقَ مَوْتُهُمْ، والصَّبْرُ بِاللَّهِ تَعالى هو لِأهْلِ التَّمْكِينِ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ الَّذِينَ أفْناهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ وما تَرَكَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن بَقِيَّةِ الآنِيَةِ والِاثْنَيْنِيَّةِ ثُمَّ وهَبَ لَهم وُجُودًا مِن ذاتِهِ حَتّى قامُوا بِهِ وفَعَلُوا بِصِفاتِهِ وهو مِن أخْلاقِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ نَصِيبٌ، ولِهَذا بَعْدَ أنْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّكَ لا تُباشِرُهُ إلّا بِي ولا تُطِيقُهُ إلّا بِقُوَّتِي ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ فالكُلُّ مِنِّي ﴿ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ ﴾ لِانْشِراحِ صَدْرِكَ بِي ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ بَقاياهم وفَنُوا فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ بِشُهُودِ الوَحْدَةِ في الكَثْرَةِ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَحْجُبُهُمُ الفَرْقُ عَنِ الجَمْعِ ولا الجَمْعُ عَنِ الفَرْقِ ويَسَعُهم مُراعاةُ الحَقِّ والخَلْقِ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ التَّقْوى في الآيَةِ بِمَنزِلَةِ التَّوْبَةِ لِلْعارِفِ والإحْسانَ بِمَنزِلَةِ السِّيَرِ والسُّلُوكِ في الأحْوالِ والمَقاماتِ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى مَحْوِ الرَّسْمِ والوُصُولِ إلى مَخْدَعِ الأُنْسِ، هَذا واللَّهُ سُبْحانَهُ الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ فَنَسْألُهُ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يَهْدِيَنا إلَيْهِ ويُوَفِّقَنا لِلْعِلْمِ النّافِعِ لَدَيْهِ ويَفْتَحَ لَنا خَزائِنَ الأسْرارِ ويَحْفَظَنا مِن شَرِّ الأشْرارِ بِحُرْمَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ والرَّسُولِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: وَاصْبِرْ يقول: وَاصْبِرْ أي أثبت على الصبر وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ يعني: ألهمك ووفقك للصبر وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على كفار قريش إن لم يسلموا وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ قرأ ابن كثير فِي ضَيْقٍ بكسر الضاد، وقرأ الباقون: بالنصب.

ومعناهما واحد.

أي: لا يضق صدرك مما يقولون لك، ويصنعون بك.

وقال مقاتل: نزلت الآية في المستهزئين.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا أي: معين للذين اتقوا الشرك وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ في العمل.

ويقال: معين الذين اتقوا مكافأة المسيء وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ إلى من أساء إليهم.

والله أعلم بالصواب.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: يعنى أنَّ الاختلاف المذكورَ في الآيةِ هو بَيْنَ اليهود فيما بينهم، والاختلاف المذكور في الحديثِ الصحيحِ هو فيما بَيْنَ اليهودِ والنصارى.

وقوله سبحانه: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، أمر عليه السلام أنْ يدعو إِلى دينِ اللَّه وشَرْعِهِ بتلطُّف، وهكذا ينبغى أنْ يوعَظَ المسلمون إلى يوم القيامة.

وقوله سبحانه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ...

الآية: أطبق أهْل التفسير أنَّ هذه الآية مدنيَّة، نزلَتْ في شأن التمثيل بَحْمَزة وغيره في يَوْمِ أحُدِ، ووقع ذلك في «صحيح البخاريّ» وغيره، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لأُمثِّلَنَّ بِثَلاَثِين» «١» كتاب «النْحَّاس» وغيره: «بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ» ، فقال الناس: إِنْ ظفرنا، لنفعلَنَّ ولنفعَلنَّ، فنزلَتْ هذه الآية، ثم عزم على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الصَّبْر عن المجازاة بالتمثيل في القتلى، ويروى أنه عليه السلام قَالَ لأصحابه: «أَمَّا أنا فَأصْبِرُ كَمَا أُمِرْتُ، فَمَاذَا تَصْنَعُونَ؟

فَقَالُوا: نَصْبِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كما نُدِبْنَا!!!» .

وقوله: وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بمعونة اللَّهِ وتأييده على ذلك.

وقوله سبحانه: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ قيل: الضمير في قوله: عَلَيْهِمْ يعودُ على الكفار، أي: لا تتأسّف على أنْ لم يُسْلِمُوا، وقالتْ فرقة: بل يعودُ على القَتْلى حمزة وأصحابه الذين حَزِنَ عليهم صلّى الله عليه وسلّم والأولُ أصوبُ.

وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ قرأ الجمهور «٢» : «في ضَيْقٍ» - بفتح الضاد-، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد، وهما لغتان.

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا: أي بالنصْرِ والمعونة، واتَّقَوْا يريد المعاصي، ومُحْسِنُونَ هم الذين يتزيَّدون فيما نُدِبَ إِليه من فِعْلِ الخَيْرِ/ وصلَّى اللَّهُ على سَيِّدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  أشْرَفَ عَلى حَمْزَةَ، فَرَآهُ صَرِيعًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، فَقالَ: " واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم "، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، والنَّبِيُّ  واقِفٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ ﴾ .

.

" إلى آخِرِها، فَصَبَرَ رَسُولُ اللَّهِ وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ»، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ  حَمْزَةَ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ، وجُدِعَتْ أُذُناهُ، فَقالَ: " لَوْلا أنْ تَحْزَنَ النِّساءُ، أوْ تَكُونَ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِن بُطُونِ السِّباعِ والطَّيْرِ، ولَأقْتُلَنَّ مَكانَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهم " فَنَزَلَ قَوْلُهُ: " ﴿ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ » .

ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ يَوْمَئِذٍ: " «لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقاتِلِ حَمْزَةَ لَأُمَثِّلَنَّ بِهِ مُثْلَةً تَتَحَدَّثُ بِها العَرَبُ» "، وكانَتْ هِنْدٌ وآخَرُونَ مَعَها قَدْ مَثَّلُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ مِنهم حَمْزَةُ، ومَثَّلُوا بِقَتْلاهم، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، لَنَزِيدَنَّ عَلى عِدَّتِهِمْ مَرَّتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

وَرَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَئِنْ أمْكَنَنا اللَّهُ مِنهم، لَنُمَثِّلَنَّ بِالأحْياءِ فَضْلًا عَنِ الأمْواتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ، فَمَثِّلُوا بِالأمْواتِ، كَما مَثَّلُوا بِأمْواتِكم.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما سَمّى فِعْلَ المُشْرِكِينَ مُعاقَبَةً وهُمُ ابْتَدَؤُوا بِالمُثْلَةِ، لِيَزْدَوِجَ اللَّفْظانِ، فَيَخِفَّ عَلى اللِّسانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها  ﴾ .

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ هَذِهِ [الآيَةُ] مَنسُوخَةٌ، أمْ لا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ (بَراءَةٍ) فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ولا يَبْدَأُ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وأُمِرَ بِالجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ﴾ عَنِ القِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ فِيمَن ظُلِمَ ظُلامَةً، فَلا يَحْلُّ لَهُ أنْ يَنالَ مِن ظالِمِهِ أكْثَرَ مِمّا نالَهُ الظّالِمُ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: ولَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُثْلَةِ، لا عَنِ القِتالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ أيْ: بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ.

وهَذا أمْرٌ بِالعَزِيمَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَلى كُفّارِ مَكَّةَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ولا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَكُ في ضَيْقٍ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِنَصْبِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " في ضِيقٍ " بِكَسْرِ الضّادِ هاهُنا وفي (النَّمْلِ:٧٠) .

قالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِفَتْحِ الضّادِ: ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ: ما يَكُونُ في الَّذِي يَضِيقُ ويَتَّسِعُ، مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ وأشْباهِ ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّيْقُ: تَخْفِيفُ ضَيِّقٍ، مِثْلُ: هَيْنٍ ولَيْنٍ، وهو، إذا كانَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: صِفَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: لا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.

قالَ: ويُقالُ: مَكانٌ ضَيْقٌ وضَيِّقٌ، بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: رَطْلٌ ورِطْلٌ، وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ.

فَأمّا مَكْرُهُمُ المَذْكُورُ هاهُنا، فَقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فِعْلُهم وعَمَلُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ ما نَهاهم عَنْهُ، وأحْسَنُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، بِالعَوْنِ والنَّصْرِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبِّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ ﴾ ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ الأمْرِ بِمُهادَنَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، أمْرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ إلى اللهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَوابُ القَرِيبُ الواقِعُ في النَفْسِ أجْمَلُ مَوْقِعٍ، و"المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ": التَخْوِيفُ والتَوْجِيهُ والتَلَطُّفُ بِالإنْسانِ، بِأنْ يُجِلَّهُ ويُنَشِّطَهُ ويَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ، فَهَذِهِ حالَةُ مَن يُدْعى، وحالَةُ مَن يُجادِلُ دُونَ مُخاشَنَةٍ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِ دُونَ قِتالٍ، والكَلامُ يُعْطِي أنَّ جِدَّكَ وهَمَّكَ وتَعَبَكَ لا يُغْنِي؛ لَأنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ مَن يُؤْمِنُ مِنهم ويَهْتَدِي، وعِلْمَ مَن يَضِلُّ، فَجُمْلَةُ المَعْنى: اسْلُكْ هَذِهِ السَبِيلَ ولا تَلْجَأْ لِلْمُخاشَنَةِ فَإنَّها غَيْرُ مُجْدِيَةٍ، لَأنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ سَبَقَ بِالمُهْتَدِي مِنهم والضالِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَحْكَمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وألّا يَتَعَدّى مَعَ الكَفَرَةِ مَتى احْتِيجَ إلى المُخاشَنَةِ وهو مَنسُوخٌ لا مَحالَةَ.

وأمّا مَن أمْكَنَتْ مَعَهُ هَذِهِ الأحْوالُ مِنَ الكَفّارِ، ويُرْجى إيمانُهُ بِها دُونَ قِتالٍ، فَهي فِيهِ مَحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا فَهي مُحَكَّمَةٌ في جِهَةِ العُصاةِ، فَهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يُوعَظَ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا ﴾ الآيَةُ، أطْبَقَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِيَرِ، وذَهَبَ النُحاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها مِنَ المَكِّيِّ اتِّصالًا حَسَنًا، لَأنَّها تَتَدَرَّجُ الرُتَبُ مِنَ الَّذِي يُدْعى ويُوعَظُ، إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ﴾ تَعَلَّقَ بِمَعْنى الآيَةِ عَلى ما رَوى الجَمْعُ «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَ: "لَئِنْ أظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لِأُمَثِّلُنَّ بِثَلاثِينَ -وَفِي كِتابِ النُحاسِ وغَيْرِهِ: بِسَبْعِينَ- مِنهُمْ"، فَقالَ الناسُ: إنْ ظَفَرْنا لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ثُمَّ عَزَمَ عَلى رَسُولِ اللهِ  في الصَبْرِ في الآيَةِ بَعْدَها وسَمّى الإذاياتِ في هَذِهِ الآيَةِ عُقُوبَةً، والعُقُوبَةُ حَقِيقَةً إنَّما هي الثانِيَةُ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَوِي اللَفْظانِ وتَتَناسَبُ دِيباجَةُ القَوْلِ، وهَذا بِعَكْسِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، فَإنَّ الثانِي هو المَجازِيُّ، والأوَّلُ هو الحَقِيقَةُ.

وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "وَإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا".

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ ألّا يَنالَ مِن ظالِمِيهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ، لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن ظَلَمَهُ رَجُلٌ في أخْذِ مالٍ، ثُمَّ ائْتَمَنَ الظالِمُ المَظْلُومَ عَلى مالٍ، هَلْ تَجُوزُ لَهُ خِيانَتُهُ في القَدْرِ الَّذِي ظَلَمَهُ؟

-فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ ذَلِكَ"، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ، واحْتَجَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ وعُمُومِ لَفْظِها، وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- وفِرْقَةٌ مَعَهُ: "لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ"، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ  : « "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلا تَخُنْ مَن خانَكَ".» ووَقَعَ في مُسْنَدِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما ورَدَ في رَجُلٍ زِنا بِامْرَأةِ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ الآخَرُ مِن زَوْجَةِ الثانِي بِأنْ تَرَكَها عِنْدَهُ وسافَرَ، فاسْتَشارَ الرَجُلُ رَسُولَ اللهِ  في الأمْرِ، فَقالَ لَهُ هَذا: قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَقَوّى في أمْرِ المالِ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ؛ لَأنَّ الخِيانَةَ لاحِقَةٌ في ذَلِكَ، وهي رَذِيلَةٌ لا انْفِكاكَ عنها، ولا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أنْ يَتَأسّى بِغَيْرِهِ في الرَذائِلِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَتَجَنَّبَها لِنَفْسِهِ، وأمّا الرَجُلُ يَظْلِمُ في المالِ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِصافِ دُونَ أنْ يُؤْتَمَنَ فَيُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ لَهُ جائِزٌ، يَرى أنَّ اللهَ حَكَمَ لَهُ كَما لَوْ تَمَكَّنَ لَهُ بِالحُكْمِ مِنَ الحاكِمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ﴾ ، هَذِهِ عَزِيمَةٌ عَلى رَسُولِ اللهِ  في الصَبْرِ عَلى المُجازاةِ في التَمْثِيلِ بِالقَتْلى، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها مَحْكَمَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ  قالَ لِأصْحابِهِ: « "أمّا أنا فَأصْبِرُ كَما أُمِرْتُ، فَماذا تَصْنَعُونَ؟"، قالُوا: نَصْبِرُ يا رَسُولَ اللهِ كَما نُدِبْنا،» وقَوْلُهُ: ﴿ وَما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ﴾ أيْ: بِمَعُونَةِ اللهِ وتَأْيِيدِهِ لَكَ عَلى ذَلِكَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِمْ"، قِيلَ: يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لا تَتَأسَّفُ عَلى أنَّ لَمْ يُسَلِّمُوا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يَعُودُ عَلى القَتْلى: حَمْزَةَ وأصْحابِهُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ حَزِنَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ  ، والأوَّلُ أُصَوِّبُ؛ إذْ يَكُونُ عَوْدُ الضَمائِرِ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ضَيْقٍ" بِفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "فِي ضِيقٍ" بِكَسْرِها، وَرُوِيَتْ عن نافِعٍ وهو غَلَطٌ مِمَّنْ رَواهُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الكَسْرُ والفَتْحُ في الضادِ لُغَتانِ في المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضِيقُ مَصْدَرٌ، والضَيْقُ مُخَفَّفٌ مَن ضَيِّقٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ، وهَيْنٍ وهَيِّنٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ الضَيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ؛ لَأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّما تَقُومُ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِفَةِ، كَما تَقُولُ: "رَأيْتُ ضاحِكًا"، فَإنَّما تَخَصِّصُ الإنْسانُ، ولَوْ قُلْتَ: "رَأيْتُ بارِدًا" لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مَثَّلَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ، و"ضَيِّقٍ" لا تُخَصِّصُ المَوْصُوفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأمْرِ بِالصَبْرِ مَنسُوخٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والتَأْيِيدِ، و"اتَّقَوْا" يُرِيدُ: المَعاصِي، و"مُحْسِنُونَ" مَعْناهُ: يَزِيدُونَ فِيما نُدِبَ إلَيْهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ.

نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

(إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [128]) تعليل للأمر بالاقتصار على قدر الجرم في العقوبة وللترغيب في الصبر على الأذى والعفو عن المعتدين ولتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالصبر والاستعانة على تحصيله بمعونة الله تعالى ولصرف الكدر عن نفسه من جراء أعمال الذين لم يؤمنوا به علل ذلك كله بأن الله مع الذين يتقونه فيقفون عندما حد لهم ومع المحسنين.

والمعية هنا مجاز في التأييد والنصر وأتي في جانب التقوى بصلة فعلية ماضية للإشارة إلى لزوم حصولها وتقررها من قبل لأنها من لوازم الإيمان لأن التقوى آيلة إلى أداء الواجب وهو حق على المكلف.

ولذلك أمر فيها بالاقتصار على قدر الذنب وأتي في جانب الإحسان بالجملة الاسمية للإشارة إلى كون الإحسان ثابتا لهم دائما معهم لأن الإحسان فضيلة فبصاحبه حاجة إلى رسوخه من نفسه وتمكنه الجزء الخامس عشر

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قَتْلى أُحُدٍ حِينَ مَثَّلَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ.

واخْتَلَفَ قائِلُ ذَلِكَ في نَسْخِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ الثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ فَهَذا أحَدُ القَوْلَيْنِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَظْلُومٍ أنْ يَقْتَصَّ مِن ظالِمِهِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ ﴿ واصْبِرْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِنَ الأذى، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: واصْبِرْ بِالعَفْوِ عَنِ المُعاقَبَةِ بِمِثْلِ ما عاقَبُوا مِنَ المُثْلَةِ بِقَتْلى أُحُدٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ وَما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وما صَبْرُكَ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ.

الثّانِي: وما صَبْرُكَ إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ.

﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ لَمْ يَقْبَلُوا.

الثّانِي: إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

﴿ وَلا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ ضَيْقٍ ﴾ بِالكَسْرِ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِالفَتْحِ ما قَلَّ، وبِالكَسْرِ ما كَثُرَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ بِالفَتْحِ ما كانَ في الصَّدْرِ، وبِالكَسْرِ ما كانَ في المَوْضِعِ الَّذِي يَتَّسِعُ ويَضِيقُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ اتَّقَوْا يَعْنِي فِيما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ فِيما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى، فَجَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ اجْتِنابَ المَعاصِي وفِعْلَ الطّاعاتِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أيْ ناصِرُ الَّذِينَ اتَّقَوْا.

وَقالَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ: مَنِ اتَّقى اللَّهَ في أفْعالِهِ أحْسَنَ إلَيْهِ في أحْوالِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الترمذي وحسنه وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لَنُربِيَنَّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصبر ولا نعاقب...

كفوا عن القوم إلا أربعة» .

وأخرج ابن سعد والبزار وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد، فنظر إلى منظر لم يَرَ شيئاً قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مثل به فقال: رحمة الله عليك فإنك كنت ما علمت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات، ولولا حزن من بعدك عليك لسّرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك.

فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم النحل ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم...

﴾ الآية.

فكفّر النبي عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر» .

وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل حمزة ومثل به: «لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين رجلاً منهم.

فأنزل الله: ﴿ وإن عاقبتم...

﴾ الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نصبر يا رب» فصبر ونهى عن المثلة.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير، عن الشعبي قال: لما كان يوم أحد وانصرف المشركون فرأى المسلمون بإخوانهم مثله، جعلوا يقطعون آذانهم وآنافهم ويشقون بطونهم.

فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن أنالَنَا الله منهم لنفعلن ولنفعلن...

فأنزل الله: ﴿ وإن عاقبتم...

﴾ الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل نصبر» .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة يوم أحد حيث قتل حمزة ومثل به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلاً منهم فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط» فأنزل الله: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا...

﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ قال: هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله، ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم.

قال: فهذا من المنسوخ.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد قال: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين فأسلم رجال ذو منعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب.

فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ إن الله من الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ قال: اتقوا فيما حرم الله عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن هرم بن حيان أنه لما نزل به الموت قالوا له: أوص.

قال: أوصيكم بآخر سورة النحل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة...

﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ قال: لا تعتدوا.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن سيرين في قوله: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ قال: إن أخذ منك رجل شيئاً فخذ منه مثله.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ قال ابن عباس: يريد خَافَوْني ولم يشركوا بي شيئًا، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ يريد موحدون، وقال الحسن: اتقوا الله فيما حرم عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم (١) (٢) ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ : في العمل.

وقال الزجاج في هذه الآية: قد وعدوا النصر (٣) ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  ﴾ .

(١) أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 364) بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 198 بنصه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 114، بنحوه، وانظر: "الدر المنثور" 4/ 256، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢) ورد بنصه غير منسوب في "تفسير الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 461، و"تفسير القرطبي" 10/ 203، و"تنوير المقباس" ص 295.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 224، بنحوه.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله ﴾ هذا عزم على النبي صلى الله عليه وسلم في خاصته على الصبر، ويروى انه قال لأصحابه أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟

قالوا نصبر كما ندبنا ثم أخبره أنه لا يصبر إلا بمعونة الله؛ وقد قيل إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ بالسيف، وهذا إن كان الصبر يراد به ترك القتال، وأما إن كان الصبر يراد به ترك المثلة التي فعل مثلها بحمزة فذلك غير منسوخ ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ أي لا تتاسف لكفرهم ﴿ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ أي لا يضق صدرك بمكرهم، والضيق بفتح الضاد تخفيف من ضيق كميت وميت، وقرئ بالكسر وهو مصدر، ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدران ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا ﴾ يريد أنه معهم بمعونته ونصره ﴿ والذين هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وهذا هو الأظهر، لأنه رتبه فوق التقوى.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.

ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.

﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.

﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.

﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".

الآخرون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.

﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد  .

قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.

﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.

قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.

ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه  أخبر بتبديل مكان الآية.

وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.

﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".

والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.

وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.

﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.

﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.

ثم حكى شبهة أخرى عنهم.

كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.

واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.

وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.

وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله  إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.

وقيل: هو سلمان الفارسي.

ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.

قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.

ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.

وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.

ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ .

وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.

وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.

ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر  ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.

وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.

وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.

فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي  موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.

قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.

زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.

ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.

روي أن النبي  قيل له: هل يكذب المؤمن؟

قال: لا.

وقرأ هذه الآية.

ثم إنه  من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.

واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .

وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.

وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.

وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.

قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.

فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.

وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله  بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.

فأتى عمار رسول الله  وهو يبكي فجعل رسول الله  يمسح عينيه وقال  : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.

وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.

وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.

أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.

وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.

ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.

فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.

ومنهم من قال: ليس له ذلك.

واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.

ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.

وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.

ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله  بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.

ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.

وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.

ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.

والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.

قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.

وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.

ولكن من شرح بالكفر صدره.

فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.

قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه  ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.

وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.

وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.

﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون  ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.

ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".

وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.

ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.

قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.

ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.

ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.

وتكرير "إن" لطول الكلام.

من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.

ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.

وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.

فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه  بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.

وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي  بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله  ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.

وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.

ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون  ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.

والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.

فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين  أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.

قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.

وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.

ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا  ﴾ ﴿ ما كنا مشركين  ﴾ ونحو ذلك.

عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل  يفعل ذلك.

ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.

وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.

قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.

فوصف الله  تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.

ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.

قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.

قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.

وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".

قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.

وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد  - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.

عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي  يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.

نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟

قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً  ما كان نبياً أما كان عربياً؟

كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.

والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.

فكانت الاستعارة مجردة.

ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.

وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.

وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.

ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.

وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي  من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.

قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.

ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.

قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.

وقيل: القتل يوم بدر.

وقيل: إن قول ابن عباس أولى.

والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.

﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.

فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.

وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله  حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟

وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله  فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .

ورجح قول ابن عباس بأنه  قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه  أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.

وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.

ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.

وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".

واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.

والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.

ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.

وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.

والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.

ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم  ﴾ .

ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.

وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.

﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.

ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم  رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله  في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.

وكان رسول الله  يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.

وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.

وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.

وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.

وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.

﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.

يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله  حببه إلى أهل الأديان كلها.

وقيل: الأموال والأولاد.

وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".

﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ .

قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.

قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟

فأجاب الله  بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.

فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.

ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.

وروى أبو هريرة عن النبي  : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.

والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.

وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.

ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.

سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه  خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.

واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.

فما وجه جعل الجمعة عيداً؟

والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.

ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.

ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم  بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.

وفيه أن طريقة إبراهيم  في الدعوة كانت هكذا.

وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.

فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.

وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.

وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.

وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.

فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.

هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.

وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.

ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله  فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.

أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.

ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.

والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.

فوقف رسول الله  على حمزة وقد مثل به.

وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.

قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.

ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.

ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم  ﴾ أمر الله  أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.

وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.

وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.

ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.

﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.

فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.

ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.

وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.

وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.

وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين  ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.

وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.

ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.

فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.

وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.

واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.

فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.

التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه  يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.

﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم  : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين  ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك  ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.

﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.

قال النبي  : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .

﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.

﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً  فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.

﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم  ".

﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.

﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.

﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.

﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.

﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.

﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ .

قيل: دين ربك.

﴿ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ .

قال الحسن: الحكمة: القرآن، أي: ادعهم إلى دين الله بالقرآن.

وقال بعضهم: بالحكمة: بالحجة والبرهان، أي: ادعهم إلى دين الله بالحجج والبراهين؛ أي: ألزمهم دين الله بالحجج والبراهين؛ حتى يقروا به.

وقوله - عزّ وجلّ: ﴿ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

قال الحسن: أي عظهم بالمواعظ التي وعظهم الله -  - في الكتاب.

وقال أبو بكر: أي ذكرهم النعم التي أنعم عليهم، ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، أي: جادلهم أحسن المجادلة بلين القول، وخفض الجانب والجناح؛ لعلهم يقبلون دينهم، ويخضعون لربهم.

وكذلك اختلفوا في قوله: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ  ﴾ : قال الحسن: الكتاب والحكمة: واحد؛ اسم شيء، وهو القرآن.

وقال بعضهم: الكتاب هو القرآن، وهو سماع الوحي، والحكمة: وحي الإلهام، وهو السنة.

وقال بعضهم: الكتاب: هو التنزيل، والحكمة: هي المعنى المودع فيه؛ فمن يقول: إن الكتاب والحكمة واحد، وهي القرآن يقول في قوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ : القرآن، ومن يقول عنه: إنهما غيرٌ - يقول - هاهنا -: إنّ الحكمة: الحجة والبرهان، إمّا من جهة الإلهام أو من جهة الانتزاع من الكتاب.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ : التي ذكر في هذه السورة؛ من ذلك قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ  ﴾ : يعني: من بطون النحل، وقوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ  ﴾ ، وما ذكر أنه يخرج من الخشب اليابسة - الأعناب وأنواع الثمرات ونحوه؛ فذلك كله بحكمته، أي: ادعهم إلى دينه وذكرهم بهذا، وهم يقرون به؛ ليقبلوا دينه ويخضعوا لأمره.

والموعظة الحسنة: ما ذكر في قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...

﴾ الآية [النحل: 90]، وذلك كله مستحسن في العقل وتوجبه الحكمة؛ لأن العدل والإحسان، وما ذكر من إيتاء ذي القربى - الصدقة - مستحسن في عقل كل أحد.

والانتهاء - أيضاً - عن الفحشاء والمنكر مستحسن، مستقبح ارتكابه وإتيانه؛ كأن الحكمة هي التي تشتمل على العلم والعمل جميعاً؛ كأنه قال: ادعهم إلى دين الله بالعلم والعمل جميعاً؛ حتى ينجع ذلك فيهم؛ أو: ادعهم باللّين وخفض الجناح مرة، [و] بالعنف والخشونة ثانياً؛ فيكون وضع الشيء موضعه، ثم قال: ﴿ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .

يحتمل - والله أعلم - أي: جادلهم بالذي يقرون على ما ينكرون، وهو ما ذكر: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ...

﴾ الآية [النحل: 17]، وقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً...

﴾ الآية [النحل: 75]، وقوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ...

﴾ الآية [النحل: 76]، وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ...

﴾ الآية [النحل: 71]، ونحو هذا.

يجادلهم بأحسن المجادلة بالذي يقرون أنه كذلك على الذين ينكرون؛ فيلزمهم القبول والخضوع له.

ثم في الآية دلالة تعليم المناظرة في الدين وكيفية المعاملة - بعضهم لبعض - فيها؛ حيث قال: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ : التي عنده بالقرآن أو غيره من الحجج والبينات، ﴿ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ : هكذا يجب أن يناظر بعضهم بعضاً بالوجه الذي وصف الله، وعلى ذلك ما ذكر الله في كتابه: مناظرة الأنبياء والرسل مع الفراعنة والأكابر، وهو ما قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وقوْله: ﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 80]، [و] مناظرة فرعون مع موسى - صلوات الله عليه - حيث قال: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الشعراء: 23-24]، ولما قال: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ  فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ  ﴾ ، وما قال: ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ  قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  ﴾ وأمثاله ممّا يكثر، فهذه مناظرة الرسل والأنبياء مع الفراعنة والأعداء؛ فكيف المناظرة بين الأولياء؟!

فهذا كله يردّ على من يأبى المناظرة في الدين ويمتنع عن التكلم فيه والاحتجاج.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

في الآية نسبتهم إلى الضلال إشارة وكناية لا تصريحاً؛ لأنه لم يقل لهم مصرحاً: إنكم قد ضللتم عن سبيله؛ لحسن معاملته التي علم رسوله وأمره أن يعاملهم؛ لأن ذلك أقرب إلى القبول وأَمْيل إلى القلوب وآخذ؛ ألا ترى أنه قال لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ .

اختلف في سبب نزول ذلك: قال بعضهم: [نزلت] في أصحاب رسول الله  ، وذلك أن نفراً منهم قد مثلوا يوم أحد مثلة سيّئة: من قطع الآذان، وتجديع الأنوف، وبقر البطون، ونحوه؛ فقال أصحابهم: لئن أدالنا الله منهم لنفعلن ولنفعلن كذا وكذا.

فأرادوا أن يجازوا بذلك؛ فأنزل الله: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ...

﴾ الآية [النحل: 126].

وفيه البشارة لهم بالنصر والظفر على أعدائهم؛ لأنه لو لم يكنْ لهم الظفر فكيف يقدرون على معاقبة مثل ما عاقبوا؛ دل أنه على البشارة لهم بالنصر والظفر بهم.

وفيه دلالة جواز أخذ من لم يتولّ القتل والأخذ والضرب؛ لما لعلهم لا يظفرون بأولئك الذين تولّوا ذلك، لكن لا يؤاخذ إخوانهم بهم؛ لما بمعونة بعضهم بعضاً فيها، ويكون فيه دليل أخذ قطاع الطريق بالقتل والقطع، وإن كان الذي تولّى ذلك بعضٌ منهم؛ لما أن من تولّى ذلك إنّما تولى بمعونة من لم يتول.

وقال بعضهم: إنما نزلت الآية في ابتداء الأمر الذي كان القتل مع الكفرة قتل مجازاة؛ مثل قوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ  ﴾ ، ومثله؛ فإذا كان على المجازاة أمر ألا يتجاوزوا عقوبتهم، ولكن بمثله، وأمّا إذا كان القتال معهم لا قتال مجازاة فإنهم يقتلون جميعاً إذا أبوا الإسلام؛ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29]، وقوله -  -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله" ، وقوله -  - ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم: لا، ولكن قد نزلت في أهل الإسلام، وحكمه في القصاص والقطع فيما دون النفس والجراحات: أمر ألا يتجاوزوا حقوقهم؛ كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 194]، وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى...

﴾ الآية [البقرة: 178].

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ ﴾ .

على ذلك.

﴿ لَهُوَ خَيْرٌ ﴾ اي: الصبر خير ﴿ لِّلصَّابِرينَ ﴾ .

ودل قوله: ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ﴾ على أن الآية في القصاص لا في الحرب؛ لأنه في الحرب لا يقال اصبر ولا تصبر، بل يكون الصبر جهاداً؛ دل أنه في غير المحاربة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ .

أي: ما توفيقك على الصّبر إلا بالله؛ كقول شعيب: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [هود: 88].

والثاني: واصبر وما صبرك إلا بالله، أي: تركك القصاص لأمر الله؛ حيث أمرك به، لا لضعف أو عجز فيك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

قال: إنه كان يحزن ويضيق صدره؛ لمكان كفرهم بالله، وتركهم الإيمان بالله؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ؛ فقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ : لذلك على التسلي والتخفيف لا على النهي عن ذلك.

ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ ﴾ : على المؤمنين الذين قتلوا واستشهدوا؛ لأنهم مستبشرون فرحون عند ربّهم بما آتاهم الله من فضله [؛ كقوله: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ أي: لا تحزن عليهم، وهم فيما ذكر.

أو لا تحزن على المؤمنين، ولا يضيقن صدرك مما يمكر بك أولئك الكفرة؛ إذ كانوا يكفرون برسول الله وبأصحابه ويؤذونهم، أخبر أن لا يضيقن صدرك لذلك.

وقال بعضهم: نزلت في أمر حمزة سيّد الشهداء: أنه مثل به وجرح جراحات عظيمة؛ فاشتد على النبي  فقال: "لَئِنْ ظَفِرْنَا بِأُولَئِكَ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَلَنَفْعَلَنَّ كَذَا؛ فنزلت الآية: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ...

﴾ " ، لكن إن ثبت هذا فإنه يكون في الوقت الذي كان يؤخذ غيره - القاتل والجارح - بالقتل، وذلك قد كان في الابتداء؛ ألا ترى أنّه قال: ﴿ ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ...

 ﴾ : كانوا همّوا أن يأخذوا الحرّ بالعبد والذكر بالأنثى، حتى نزل هذا فصار منسوخاً به، وبقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ ، ولو كان يؤخذ غير القاتل بالقصاص - لم يكن فيه حياة، أو إن قالوا في الحرب مع الكفرة فذلك لا يحتمل؛ لأنه في الحرب لهم أن يقتلوا الكل، وألا يتركوا واحداً منهم؛ دلّ أنه يخرج على أحد وجهين: على النسخ الذي ذكرنا.

أو على النهي عن أخذ أكثر من حقه، وكقوله: ﴿ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...

﴾ الآية [البقرة: 194].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ .

[يحتمل: اتقوا] مخالفة الله ورسوله بالنصر لهم والعون؛ فإن الله ناصركم ومعينكم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ .

في العمل والتوحيد، أو يقول: إن الله مع الذين اتقوا محارم الله وارتكاب مناهيه بالنصر لهم والمعونة.

﴿ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ .

إلى نعم الله - عزّ وجلّ - بالقيام بالشكر لها.

وبالله التوفيق، وصلى الله -  - على سيدنا محمد وآله أجمعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الله مع الذين اتقوه بترك المعاصي، والذين هم محسنون بأداء الطاعات، وامتثال ما أمروا به، فهو معهم بالنصر والتأييد.

من فوائد الآيات اقتضت رحمة الله أن يقبل توبة عباده الذين يعملون السوء من الكفر والمعاصي، ثم يتوبون ويصلحونَ أعمالهم، فيغفر الله لهم.

يحسن بالمسلم أن يتخذ إبراهيم  قدوة له.

على الدعاة إلى دين الله اتباع هذه الطرق الثلاث: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.

العقاب يكون بالمِثْل دون زيادة، فالمظلوم منهي عن الزيادة في عقوبة الظالم.

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر