الآية ٣٤ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٣٤ من سورة النحل

فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 48 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك ، ( وحاق بهم ) أي : أحاط بهم من العذاب الأليم ( ما كانوا به يستهزئون ) أي : يسخرون من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله ; فلهذا يقال يوم القيامة : ( هذه النار التي كنتم بها تكذبون ) [ الطور : 14 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فأصاب هؤلاء الذين فعلوا من الأمم الماضية فعل هؤلاء المشركين من قريش سيئات ما عملوا ، يعني عقوبات ذنوبهم ، ونقم معاصيه التي اكتسبوها( وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) يقول: وحلّ بهم من عذاب الله ما كانوا يستهزئون منه ، ويسخرون عند إنذارهم ذلك رسلُ الله، ونـزل ذلك بهم دون غيرهم من أهل الإيمان بالله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون قوله تعالى : فأصابهم سيئات ما عملوا قيل : فيه تقديم وتأخير ; التقدير : كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا ، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ، فأصابهم عقوبات كفرهم وجزاء الخبيث من أعمالهم .وحاق بهم أي أحاط بهم ودار .ما كانوا به يستهزئون أي عقاب استهزائهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ْ} أي: عقوبات أعمالهم وآثارها، { وَحَاقَ بِهِمْ ْ} أي: نزل { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ْ} فإنهم كانوا إذا أخبرتهم رسلهم بالعذاب استهزأوا به، وسخروا ممن أخبر به فحل بهم ذلك الأمر الذي سخروا منه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأصابهم سيئات ما عملوا ) عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة ، ( وحاق بهم ) [ نزل بهم ] ( ما كانوا به يستهزئون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

فأصابهم سيئات ما عملوا» أي جزاءها «وحاق» نزل «بهم ما كانوا به يستهزءُون» أي العذاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فنزلت بهم عقوبة ذنوبهم التي عملوها، وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) معطوف على قوله ( كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ) وما بينهما اعتراض .وحاق : بمعنى أحاط ، من الحيق بمعنى الإِحاطة ، وبابه باع ، يقال : حاق يحيق ، وخص فى الاستعمال بإحاطة الشر ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ) أى : هكذا تمادى أسلافهم فى الكفر والجحود ، فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم ، وأحاط بهم العذاب من كل جانب ، بسبب كفرهم وسخريتهم بالرسل وبما أخبروهم به من حساب وثواب وعقاب فى الآخرة ، وسيقال لهؤلاء المجرمين يوم القيامة وهم يردون النار : ( هذه النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ) وبذلك نرى أن هاتين الآيتين ، قد هددتا الكافرين ودعتهما إلى الدخول فى الحق ، وحذرتاهم من انتهاج نهج الظالمين من قبلهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية لمنكري النبوة، فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله تعالى ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال تعالى: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ ﴾ في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك، ويحتمل أن يقال: إن القوم لما طعنوا في القرآن بأن قالوا: إنه أساطير الأولين، وذكر الله تعالى أنواع التهديد والوعيد لهم، ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيراً وصدقاً وصواباً، عاد إلى بيان أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن الكفر بسبب البيانات التي ذكرناها، بل كانوا لا ينزجرون عن تلك الأقوال الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد وأتاهم أمر ربك وهو عذاب الاستئصال.

واعلم أن على كلا التقديرين فقد قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي كلام هؤلاء وأفعالهم يشبه كلام الكفار المتقدمين وأفعالهم.

ثم قال: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ والتقدير: كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم الهلاك المعجل وما ظلمهم الله بذلك، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم بأن كفروا، وكذبوا الرسول فاستوجبوا ما نزل بهم.

ثم قال: ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ والمراد أصابهم عقاب سيئات ما عملوا ﴿ وَحَاقَ بِهِم ﴾ أي نزل بهم على وجه أحاط بجوانبهم: ﴿ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ ﴾ أي عقاب استهزائهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تَأْتِيَهُمُ الملائكة ﴾ قرئ بالتاء والياء، يعني: أن تأتيهم لقبض الأرواح.

و ﴿ أَمْرُ رَبّكَ ﴾ العذاب المستأصل، أو القيامة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب ﴿ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ﴾ بتدميرهم ﴿ ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ لأنهم فعلوا ما استوجبوا به التدمير ﴿ سَيّئَاتُ مَا عَلِمُواْ ﴾ جزاء سيئات أعمالهم.

أو هم كقوله ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ ما يُنْتَظَرُ الكُفّارُ المارُّ ذِكْرُهم.

﴿ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ.

﴿ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ القِيامَةُ أوِ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ.

﴿ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فَأصابَهم ما أصابُوا.

﴿ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ بِتَدْمِيرِهِمْ.

﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِكَفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ.

﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ﴾ أيْ جَزاءُ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ تَسْمِيَةُ الجَزاءِ بِاسْمِها.

﴿ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وأحاطَ بِهِمْ جَزاؤُهُ والحَيْقُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} جزاء سيئات أعمالهم {وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون} وأحاط بهم جزاء استهزائهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ﴾ أيْ أجِزْيَةُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقَةِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ إيذانًا بِفَظاعَتِهِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ لَهم أعْمالًا غَيْرَ سَيِّئَةٍ والتَزَمَ ومِثْلُ ذَلِكَ بِنَحْوِ صِلَةِ الأرْحامِ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى التَّخْصِيصِ، والدّاعِي إلى ارْتِكابِ أحَدِ الأمْرَيْنِ أنَّ الكَلامَ بِظاهِرِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أصابَهم سَيِّئَةٌ، ولَيْسَ بِها.

وقَدْ يُسْتَغْنى عَنِ ارْتِكابِ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ بِأنَّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها  ﴾ كَما في الكَشّافِ ﴿ وحاقَ بِهِمْ ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ، وأصْلُ مَعْنى الحَيْقِ الإحاطَةُ مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ في الِاسْتِعْمالِ بِإحاطَةِ الشَّرِّ، فَلا يُقالُ: أحاطَتْ بِهِ النِّعْمَةُ بَلِ النِّقْمَةُ.

وهَذا أبْلَغُ وأفْظَعُ مِن أصابَهم ﴿ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ كَما قِيلَ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ، ولَيْسَ في الكَلامِ حَذْفٌ ولا ارْتِكابُ مَجازٍ عَلى نَحْوَ ما مَرَّ آنِفًا، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ وضَمِيرُ (بِهِ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، والمُرادُ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرَّسُولِ  أوْ مَوْصُولَةٌ عامَّةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِ وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلَيْها والمَعْنى عَلى الجَزاءِ أيْضًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وأيًّا ما كانَ فَـ (بِهِ) مُتَعَلِّقٌ- بِـ يَسْتَهْزِئُونَ- قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ، هَذا ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ إلَخْ عَلى ما في الكَشْفِ رُجُوعٌ إلى عَدِّ ما هم فِيهِ مِنَ العِنادِ والِاسْتِشْراءِ في الفَسادِ وأنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْ ذَلِكَ كَأسْلافِهِمُ الغابِرِينَ إلى يَوْمِ التَّنادِ، وما وقَعَ مِن أحْوالِ أضْدادِهِمْ في البَيْنِ كانَ لِزِيادَةِ التَّحْسِيرِ والتَّبْكِيتِ والتَّخْسِيرِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ وأنَّهُ  أدّى ما عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ المُبِينِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصابَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) مُتَرَتِّبٌ إذِ المَعْنى كَذَلِكَ التَّكْذِيبِ والشِّرْكِ فَعَلَ أسْلافُهم وأصابَهم ما أصابَهُمْ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ مِمّا فَعَلَهُ هَؤُلاءِ وتَذْكِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ  ﴾ ولا يَخْفى حُسْنُ التَّرَتُّبِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ التَّكْذِيبَ والشِّرْكَ تَسَبَّبا لِإصابَةِ السَّيِّئاتِ لِمَن قَبْلَهُمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ) اعْتِراضٌ واقِعٌ حاقَ مَوْقِعَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ راجِعًا إلى المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ كَذَلِكَ كانَ مَن قَبْلَهم مُكَذِّبِينَ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ مُنْتَظِرِينَ فَأصابَهم ما كانُوا مُنْتَظَرِينَ سَدِيدٌ حَسَنٌ إلّا أنَّ مُعْتَمَدَ الكَلامِ الأوَّلُ وهو أقْرَبُ مَأْخَذًا، ودَلالَةُ (فَعَلَ) عَلَيْهِ أظْهَرُ، فَهَذِهِ فَذْلَكَةٌ ضُمِّنَتْ مُحَصِّلَ ما قابَلُوا بِهِ تِلْكَ النِّعَمَ والبَصائِرَ وأدْمَجَ فِيها تَسْلِيَتَهُ  والبُشْرى بِقَلْبِ الدّائِرَةِ عَلى مَن تَرَبَّصَ بِهِ وبِأصْحابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدَّوائِرَ وخُتِمَتْ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا فاحْتَجُّوا بِآخِرِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المَحْجُوجُ يَتَقَلَّبُ عَلَيْهِ فَلا يُبْصَرُ إلّا وهو مَثْلُوجٌ مَشْجُوجٌ وهو ما تَضَمَّنَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا أي: جزاء ما عملوا وَحاقَ بِهِمْ أي: نزل بهم مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من العذاب إنه غير نازل بهم.

قوله: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي: أهل مكة لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ قالوا ذلك على وجه الاستهزاء، يعني: أن الله قد شاء لنا ذلك الذي نَحْنُ فيه وَلا آباؤُنا ولكن شاء لنا ولآبائنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ولكن شاء لنا ولآبائنا من تحريم البحيرة والسائبة وأمرنا به، ولو لم يشأ، ما حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ.

قال الله تعالى: كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول: هكذا كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ من الأمم فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ أي: تبليغ الرسالة الْمُبِينُ أي: يبيّنوا لهم ما أمروا به.

قوله: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ أي: في كل جماعة رَسُولًا كما بعثناك إلى أهل مكة أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي: وحدوا الله، وأطيعوه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أي: اتركوا عبادة الطاغوت، وهو: الشيطان، والكاهن، والصنم، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ لدينه، وهم الذين أجابوا الرسل للإيمان وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فلم يجب الرسل إلى الإيمان فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يقول: سافروا في الأرض فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يقول: اعتبروا كيف كان آخر أمر المكذبين.

فلما نزلت هذه الآية، قرأها  عليهم فلم يؤمنوا، فنزل: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ يعني: على إيمانهم فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ يقول: من يضلل الله وعلم أنه أهل لذلك، وقدر عليه ذلك.

قال مقاتل: فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ، يقول: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [الأعراف: 186] قرأ أهل الكوفة: حمزة، وعاصم، والكسائي: لاَّ يَهْدِي بنصب الياء وكسر الدال، أي: لا يهدي من يضلله الله.

وقرأ الباقون: لاَّ يَهِدِّى بضم الياء، ونصب الدال، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقال إبراهيم بن الحكم: سألت أبي عن قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ فقال: قال عكرمة: قال ابن عباس: «من يضلله الله لا يهدى» وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي: من مانعين من نزول العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ومن الرحمة والتغمُّد أنْ يوفِّق اللَّهُ العبْدَ إِلى أعمالٍ بَرَّة، ومقصِدُ الحديثِ نفْيُ وجوبِ ذلك على اللَّه تعالى بالعَقْل كما ذهب إليه فريق من المعتزلة.

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)

وقوله سبحانه: لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

: نْظُرُونَ

: معناه: ينتظرون، و «نظر» متى كانَتْ من رؤية العين، فإِنما تعدِّيها العربُ ب «إِلَى» ومتَى لم تتعدَّ ب «إِلى» ، فهي بمعنى «انتظر» ومنها: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] ، ومعنى الكلام: أنْ تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ظالمي أنفسهم.

وقوله: وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ

: وعيدٌ يتضمَّن قيامَ الساعة، أو عذابَ الدنيا، ثم ذَكر تعالَى أَنَّ هذا كان فعْلَ الأمم قَبْلهم، فَعُوقِبوا.

وقوله سبحانه: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا: أي: جزاءُ ذلك في الدنيا والآخرة، وحاقَ: معناه: نَزَلَ وأحَاطَ.

وقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ...

الآية: تقدَّم تفسير نظيرها في «الأنعام» ، وقولهم: وَلا حَرَّمْنا: يريد: من البحيرة والسّائبة والوصيلة وغير ذلك.

وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَأْتِيَهم " بِالياءِ، وهَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وقَدْ شَرَحْناهُ في (البَقَرَةِ:٢١٠) وآخِرِ (الأنْعامِ:١٥٨) .

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أمْرُ اللَّهِ فِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العَذابُ في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يُرِيدُ: كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَذَّبُوا كَما كَذَّبَ هَؤُلاءِ.

﴿ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ بِإهْلاكِهِمْ ﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ، بِالشِّرْكِ ﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ﴾ أيْ: جَزاؤُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَزاءُ ما عَمِلُوا مِنَ الشِّرْكِ، ﴿ وَحاقَ بِهِمْ ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في (الأنْعامِ:١٠)، والمَعْنى: أحاطَ بِهِمْ ﴿ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ "يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ يَنْتَظِرُونَ، و"نَظَرَ" مَتى كانَتْ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ فَإنَّما تُعَدِّيها العَرَبُ بِإلى، ومَتى لَمْ تَتَعَدَّ بِإلى) فَهو بِمَعْنى انْتَظَرَ، كَما قالَ امْرِؤُ القَيْسَ: فَإنَّكُما إنْ تَنْظُرانِي ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَهْرِ تَنْفَعُنِي لَدى أمْ جُنْدُبِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ  ﴾ ، وقَدْ جاءَ شاذًّا نَظَرَتْ بِمَعْنى الرُؤْيَةِ مُتَعَدِّيًا بِغَيْرِ إلى كَقَوْلِ الشاعِرِ: باهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرُ...

نَ كَما تَنْظُرُ الأراكَ الظِباءُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَأْتِيَهِمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَأْتِيَهِمْ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومَعْنى الكَلامِ أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ لِتَقْبِضَ أرْواحَهم ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ قِيامَ الساعَةِ أو عَذابَ الدُنْيا.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَذا كانَ فِعْلُ أسْلافِهِمْ مِنَ الأُمَمِ، أيْ: فَعُوقِبُوا، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا لِأنَّهُ لَمْ يُوضَعْ ذَلِكَ العِقابُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا كُفْرَهم في جِهَةِ اللهِ تَعالى، ومَيْلِهِمْ إلى الأصْنامِ والأوثانِ، فَهَذا وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أيْ: آذَوْها بِنَفْسِ فِعْلِهِمْ وإنْ كانُوا لَمْ يَقْصِدُوا ظُلْمَها ولا إذايَتَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ﴾ ، أيْ جَزاءُ ذَلِكَ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

"وَحاقَ" مَعْناهُ نَزَلَ وأحاطَ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ الآيَةُ جَدَلٌ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ الكُفّارِ يَعْتَقِدُونَ وُجُودَ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهُمْ، فَإنَّ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ، نَحْنُ مِنَ اللهِ بِمَرْأى في عِبادَتِنا الأوثانَ، واتِّخاذِها لِتَنْفَعَ وتُقَرِّبَ زُلْفى، ولَوْ كَرِهَ اللهُ فِعْلَنا لِغَيَّرَهُ مُنْذُ مُدَّةٍ، إمّا بِإهْلاكِنا وإمّا بِهِدايَتِنا.

وكانَ مِنَ الكَفّارِ فَرِيقٌ لا يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ اللهِ، فَإنْ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم أخَذُوا الحُجَّةَ عَلى النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن قَوْلِهِ، أيْ: إنَّ الرَبَّ الَّذِي تُثْبِتُهُ يا مُحَمَّدُ وهو عَلى ما تَصِفُهُ يَعْلَمُ ويَقْدِرُ، لا شَكَّ أنَّهُ يَعْلَمُ حالَنا، ولَوْ كَرِهَها لِغَيَّرَها.

والرَدُّ عَلى هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو في أنَّ اللهَ تَعالى يَنْهى عَنِ الكُفْرِ وقَدْ أرادَهُ بِقَوْمٍ، وإنَّما نَصَبَ الأدِلَّةَ وبَعَثَ الرُسُلَ ويَسَّرَ كُلًّا لِما حُتِمَ عَلَيْهِ، وهَذا الجِدالُ -بَيْنَ أيِّ الصِنْفَيْنِ فَرَضْتُهُ- لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ، لَكِنَّ أبا إسْحاقِ الزُجاجِ قَدْ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الهُزْءِ، فَذَهَبَ أبُو إسْحاقٍ -واللهُ أعْلَمُ إلى أنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لا تَقُولُ بِالإثْمِ، ثُمَّ أقامَتِ الحُجَّةَ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها كَأنَّها مُسْتَهْزِئَةٌ في ذَلِكَ، وهَذا جَدَلٌ مَحْضٌ، والرَدُّ عَلَيْهِ كَما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ يُشِيرُ إلى ما ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ: "وَلا حَرَّمْنا" يُرِيدُونَ البَحِيرَةَ والسائِبَةَ والوَصِيلَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ، وأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ هَذِهِ النَزْعَةَ قَدْ سَبَقَهُمُ الأوَّلُونَ مِنَ الكُفّارِ إلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: والأمْرُ لَيْسَ عَلى ما ظَنُّوهُ مِن أنَّ اللهَ تَعالى إذا أرادَ الكُفْرَ لا يَأْمُرُ بِتَرْكِهِ، بَلْ قَدْ نَصَبَ اللهُ لِعِبادِهِ الأدِلَّةَ، وأرْسَلَ الرُسُلَ مُنْذِرِينَ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا البَلاغُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني ناشئ عن جملة ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ [سورة الرعد: 42] لأنّها تثير سؤال من يسأل عن إبّان حلول العذاب على هؤلاء كما حلّ بالّذين من قبلهم، فقيل: ما ينظرون إلا أحد أمرين هما مجيء الملائكة لقبض أرواحهم فيحقّ عليهم الوعيد المتقدم، أو أن يأتي أمرُ الله.

والمراد به الاستئصال المعرّض بالتهديد في قوله: ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ [سورة النحل: 26].

والاستفهام إنكاري في معنى النّفي، ولذلك جاء بعده الاستثناء.

﴿ وينظرون ﴾ هنا بمعنى الانتظار وهو النظِرة.

والكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم تذكيراً بتحقيق الوعيد وعدم استبطائه وتعريضاً بالمشركين بالتحذير من اغترارهم بتأخّر الوعيد وحثّاً لهم على المبادرة بالإيمان.

وإسناد الانتظار المذكور إليهم جار على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيلهم منزلة من ينتظر أحد الأمرين، لأنّ حالهم من الإعراض عن الوعيد وعدم التفكّر في دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم مع ظهور تلك الدلائل وإفادتها التحقّق كحال من أيقن حلول أحد الأمرين به فهو يترقّب أحدهما، كما تقول لمن لا يأخذ حِذره من العدوّ: ما تترقّب إلاّ أن تقع أسيراً.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ﴾ [سورة يونس: 102] وقوله تعالى: ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ﴾ [سورة القصص: 19].

وهذا قريب من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه وما هو بذلك.

وجملة كذلك فعل الذين من قبلهم} تنظير بأحوال الأمم الماضية تحقيقاً للغرضين.

والإشارة إلى الانتظار المأخوذ من ﴿ ينظرون ﴾ المراد منه الإعراض والإبطاء، أي كإبطائهم فعل الذين من قبلهم، فيوشك أن يأخذهم العذاب بغتة كما أخذ الذين من قبلهم.

وهذا تحذير لهم وقد رفع الله عذاب الاستئصال عن أمّة محمد عليه الصلاة والسلام ببركته ولإرادته انتشار دينه.

و ﴿ الذين من قبلهم ﴾ هم المذكورن في قوله تعالى: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ [سورة الرعد: 42].

وجملة ﴿ وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ معترضة بين جملة ﴿ الذين من قبلهم ﴾ [سورة النحل: 33] وجملة فأصابهم سيئات ما عملوا } .

ووجه هذا الاعتراض أن التعرّض إلى ما فعله الذين من قبلهم يشير إلى ما كان من عاقبتهم وهو استئصالهم، فعُقب بقوله تعالى: ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ ، أي فيما أصابهم.

ولمّا كان هذا الاعتراض مشتملاً على أنهم ظلموا أنفسهم صار تفريع ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ عليه أو على ما قبله.

وهو أسلوب من نظم الكلام عزيز.

وتقديرُ أصله: كذلك فعل الذين من قبلهم وظلموا أنفسهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله.

ففي تغيير الأسلوب المتعارف تشويق إلى الخبر، وتهويل له بأنه ظُلم أنفسهم، وأن الله لم يظلمهم، فيترقّب السامع خبراً مفظعاً وهو ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ .

وإصابة السيئات إما بتقدير مضاف، أي أصابهم جزاؤها، أو جعلت أعمالهم السيئة كأنها هي التي أصابتهم لأنها سبب ما أصابهم، فهو مجاز عقلي.

و ﴿ حاق ﴾ : أحاط.

والحَيْق: الإحاطة.

ثم خصّ الاستعمالُ الحيقَ بإحاطة الشرّ.

وقد تقدّم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ في أوائل سورة الأنعام (10).

و ﴿ ما ﴾ موصولة، ما صْدقها العذاب المتوعدون به.

والباء في ﴿ به ﴾ للسببية.

وهو ظرف مستقِرّ هو صفة لمفعول مطلق.

والتقدير: الذي يستهزئون استهزاء بسببه، أي بسبب تكذيبهم وقوعَه.

وهذا استعمال في مثله.

وقد تكرّر في القرآن، من ذلك ما في سورة الأحقاف، وليست الباء لتعدية فعل ﴿ يستهزءون ﴾ وقدّم المجرور على عامل موصوفه للرّعاية على الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما ظَلَمَهم أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أخْرَجُوهم إلى الحَبَشَةِ بَعْدَ العَذابِ والإبْعادِ.

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُزُولُ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ.

الثّانِي: الرِّزْقُ الحَسَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لِسانُ صِدْقٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: أنَّهُ ما بَقِيَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ.

وَقالَ داوُدُ بْنُ إبْراهِيمَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سَهْلٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ عَذَّبَهم أهْلُ مَكَّةَ حَتّى قالُوا لَهم ما أرادُوا في الدُّنْيا، فَلَمّا خَلَّوْهم هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ.

وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ إذا دَفَعَ إلى المُهاجِرِينَ العَطاءَ قالَ: هَذا ما وعَدَكُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما خَوَّلَكم في الآخِرَةِ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ قال: بالموت.

وقال في آية أخرى ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ﴾ [ الأنفال: 50] .

وهو ملك الموت، وله رسل ﴿ أو يأتي أمر ربك ﴾ وذاك يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ يقول: عند الموت، حين تتوفاهم ﴿ أو يأتي أمر ربك ﴾ قال: ذلك يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ نظير هذه الآية في سورة البقرة [آية: 210]، وآخر سورة الأنعام [آية: 158]، وقد مر، والمعنى: هل ينظرون إلا الموت؛ لأن الملائكة إنما تأتيهم لقبض أرواحهم، ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ قال ابن عباس: يريد القتل وغيره، وقال قتادة ومجاهد: يعني القيامة (١) وقال الزجاج: ما وعدهم الله به من عذابه (٢) قال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟!

ولكن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه عز وجل قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلا مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب عليهم، وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا ﴾ الآية [القصص: 8]، وقد مر [[في تفسير الآية [25] من هذه السورة.]]، وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام.

وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ يريد كفار الأمم الماضية، وفي الآية حذف على قول الزجاج؛ لأنه قال: أي كذلك فعلوا فأتاهم أمرُ الله بالعذاب (٣) ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ : بتعذيبهم ﴿ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ : بإقامتهم على الشرك وكفران ما أنعم الله عليهم، وإن شئت حملت الكلام على التقديم والتأخير فقلت: التقدير: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ ، ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ﴾ الآية، ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ الآية، وهو قول ابن عباس: يريد جزاء ما عملوا من الشرك (٤) ﴿ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ : من العذاب والنقمة.

(١) أخرج الطبري 14/ 102 بلفظه عنهما من طريقين، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، والبغوي 5/ 18، و"تفسير القرطبي" 10/ 102، والخازن 3/ 113.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 196، بنصه.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 197، بنصه.

(٤) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 445، و"تنوير المقباس" ص 285، بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ أي ينتظرون، والضمير للكفار وإنما أن تأتيهم الملائكة يعني لقبض أرواحهم ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ يعني قيام الساعة أو العذاب في الدنيا ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي أصابهم جزاء سيئات ما عملوا ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي أحاط بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤن، وهذا تفسيره حيث وقع ﴿ وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة والاحتجاج على صحة فعلهم؛ أي أن فِعلنا هو بمشيئة الله فهو صواب، ولو شاء الله أن لا نفعله ما فعلناه، والرّد عليهم بأن الله نهى عن الشرك ولكنه قضى على من يشاء من عباده، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك في الآخرة على وجه التمني فإن ﴿ لو ﴾ تكون للتمني والمعنى هذا أنهم لما رأوا العذاب تمنوا أن يكونوا لم يعبدوا غيره، ولم يحرموا ما أحل الله من البحيرة وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ .

هذا الحرف يخرج على الإياس [له] من إيمانهم؛ أي: ما ينظرون لإيمانهم إلا وقت قبض أرواحهم، أو وقت نزول العذاب عليهم؛ أي: لا يؤمنون إلا في هذين الوقتين، ولا ينفعهم إيمانهم في هذين الوقتين؛ لإن إيمانهم إيمان اضطرار؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  ﴾ [يؤمنون] عند معاينتهم بأس الله؛ لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، يخبر أنهم ينظرون ذلك الوقت يؤيس رسوله عن إيمانهم، لما علم أنهم لا يؤمنون؛ ليرفع عنه مؤنة الدعاء إلى الإيمان والقتال معهم.

وقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ يحتمل العذاب في الدنيا، ويحتمل عند معاينتهم العذاب في الآخرة.

وقوله  : ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: كذلك فعل المعاندون، والمكابرون، الذين كانوا من قبل برسلهم؛ من التكذيب لهم، والعناد، وتركهم الإيمان إلى الوقت الذي ذكر، كما فعل قومك من التكذيب لك يا محمد والعناد.

ويحتمل كذلك فعل الذين من قبلهم؛ أي: هكذا أنزل العذاب بمن كان قبل قومك بتكذيبهم الرسل والعناد معهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ بما عذبهم ﴿ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ حيث وضعوا أنفسهم في غير موضعها الذي وضعها الله، وحيث صرفوها عن عبادة من نفعهم، وأنعم عليهم، واستحق ذلك عليهم إلى من لا يملك نفعاً ولا ضرّاً، ولا يستحق العبادة بحال، فهم ظلموا أنفسهم؛ حيث صرفوها عن الحكمة إلى غير الحكمة لا الله؛ إذ الله وضعها؛ حيث توجب الحكمة ذلك، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، فهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها، فأما الله  فقد وضعها في المواضع التي توجب الحكمة وضعها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ .

كأنه قال: ما ينتظرون للإيمان بعد الحجج السمعيات، وبعد الحجج العقليات، والحجج الحسيات إلا نزول الملائكة بالعذاب من الله  [عليهم]؛ لأن رسول الله  قد أقام عليهم الحجج السمعيات والعقليات والحسيات، فلم يؤمنوا به ولم يصدقوه، فيقول: إنهم ما ينتظرون إلا الحجج التي تقهرهم وتضطرهم، فعند ذلك يؤمنون؛ وهو ما ذكر من نزول العذاب بهم.

أو يقول: ما ينظرون بإيمانهم إلا الوقت الذي لا ينفعهم إيمانهم، وهو الوقت الذي تخرج أنفسهم من أيديهم؛ فأخبر إن إيمانهم لا ينفعهم في ذلك، وهو ما قال: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ...

﴾ الآية [غافر: 85].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فنزلت عليهم عقوبات أعمالهم التي كانوا يعملونها، وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه إذا ذُكروا به.

من فوائد الآيات فضيلة أهل العلم، وأنهم الناطقون بالحق في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأن لقولهم اعتبارًا عند الله وعند خلقه.

من أدب الملائكة مع الله أنهم أسندوا العلم إلى الله دون أن يقولوا: إنا نعلم ما كنتم تعملون، وإشعارًا بأنهم ما علموا ذلك إلا بتعليم من الله تعالى.

من كرم الله وجوده أنه يعطي أهل الجنة كل ما تمنوه عليه، حتى إنه يُذَكِّرهم أشياء من النعيم لم تخطر على قلوبهم.

العمل هو السبب والأصل في دخول الجنة والنجاة من النار، وذلك يحصل برحمة الله ومنته على المؤمنين لا بحولهم وقوتهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.1VXMg"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده