الآية ٧٢ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٧٢ من سورة النحل

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تعالى نعمه على عبيده ، بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا من جنسهم وشكلهم [ وزيهم ] ولو جعل الأزواج من نوع آخر لما حصل ائتلاف ومودة ورحمة ، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثا ، وجعل الإناث أزواجا للذكور .

ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة ، وهم أولاد البنين .

قاله ابن عباس ، وعكرمة ، والحسن ، والضحاك ، وابن زيد .

قال شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( بنين وحفدة ) هم الولد وولد الولد .

وقال سنيد : حدثنا حجاج عن أبي بكر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : بنوك حين يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك .

قال جميل : حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال وقال مجاهد : ( بنين وحفدة ) ابنه وخادمه .

وقال في رواية : الحفدة : الأنصار والأعوان والخدام .

وقال طاوس : الحفدة : الخدم وكذا قال قتادة ، وأبو مالك ، والحسن البصري .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة أنه قال : الحفدة : من خدمك من ولدك وولد ولدك .

قال الضحاك : إنما كانت العرب يخدمها بنوها .

وقال العوفي ، عن ابن عباس قوله : ( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) يقول : بنو امرأة الرجل ليسوا منه .

ويقال : الحفدة : الرجل يعمل بين يدي الرجل ، يقال : فلان يحفد لنا قال : ويزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل .

وهذا [ القول ] الأخير الذي ذكره ابن عباس قاله ابن مسعود ، ومسروق ، وأبو الضحى ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والقرظي .

ورواه عكرمة ، عن ابن عباس .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هم الأصهار .

قال ابن جرير : وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى : " الحفد " وهو الخدمة ، الذي منه قوله في القنوت : " وإليك نسعى ونحفد " ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والأصهار والخدم فالنعمة حاصلة بهذا كله ; ولهذا قال : ( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) قلت : فمن جعل ) وحفدة ) متعلقا بأزواجكم فلا بد أن يكون المراد الأولاد ، وأولاد الأولاد ، والأصهار ; لأنهم أزواج البنات ، وأولاد الزوجة ، وكما قال الشعبي والضحاك فإنهم غالبا يكونون تحت كنف الرجل وفي حجره وفي خدمته .

وقد يكون هذا هو المراد من قوله [ عليه الصلاة ] والسلام في حديث بصرة بن أكثم : " والولد عبد لك " رواه أبو داود .

وأما من جعل الحفدة هم الخدم فعنده أنه معطوف على قوله : ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) أي : وجعل لكم الأزواج والأولاد .

( ورزقكم من الطيبات ) من المطاعم والمشارب .

ثم قال تعالى منكرا على من أشرك في عبادة المنعم غيره : ( أفبالباطل يؤمنون ) وهم : الأصنام والأنداد ، ( وبنعمة الله هم يكفرون ) أي : يسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره .

وفي الحديث الصحيح : " إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة ممتنا عليه " ألم أزوجك ؟

ألم أكرمك ؟

ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع ؟

" .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره ( وَاللَّهُ ) الذي (جَعَلَ لَكُمْ) أيها الناس ( مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) يعني أنه خلق من آدم زوجته حوّاء، ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ).

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) : أي والله خلق آدم، ثم خلق زوجته منه ثم جعل لكم بنين وحفدة.

واختلف أهل التأويل في المعنيين بالحفدة، فقال بعضهم: هم الأختان، أختان الرجل على بناته.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا ثنا أبو معاوية، قال: ثنا أبان بن تغلب، عن المنهال بن عمرو، عن ابن حبيش، عن عبد الله ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: الأختان.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن ورقاء سألت عبد الله: ما تقول في الحَفَدَة؟

هم حَشَم الرجل يا أبا عبد الرحمن؟

قال: لا ولكنهم الأختان.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن ؛ وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قالا جميعا: ثنا سفيان، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن زِرّ بن حُبَيْش، عن عبد الله، قال: الحَفَدَة: الأختان.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي.

عن سفيان بإسناده عن عبد الله، مثله.

حدثنا ابن بشار وأحمد بن الوليد القرشي وابن وكيع وسوار بن عبد الله العنبريّ ومحمد بن خلف بن خراش والحسن بن خلف الواسطيّ، قالوا: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، قال: الحَفَدَة: الأختان.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: الحَفَدَة: الأختان.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: الحَفَدَة: الأختان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: الحَفَدَة: الخَتْن.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، قال: الأختان.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الأختان.

وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله ( وَحَفَدَةً ) قال: الأصهار.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن عاصم ، عن زِرّ، عن ابن مسعود، قال: الحَفَدَة: الأختان.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، قال: قال لي عبد الله بن مسعود: ما الحَفَدَة يا زِرّ؟

قال: قلت: هم أحفاد الرجل من ولده وولد ولده.

قال: لا هم الأصهار.

وقال آخرون: هم أعوان الرجل وخدمه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثني سليم بن قتيبة، عن وهب بن حبيب الأسَدي، عن أبي حمزة، عن ابن عباس سئل عن قوله ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: من أعانك فقد حَفَدك، أما سمعت قوله الشاعر: حَــفَدَ الوَلائِــدُ حَـوْلَهُنَّ وأُسْـلِمَتْ بـــأكُفِّهِنَّ أزِمَّـــةُ الأجْمـــال (12) حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: الحفدة: الخُدّام.

حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثني سَلْم بن قتيبة، عن حازم بن إبراهيم البَجَلي، عن سماك، عن عكرمة، قال: قال: الحَفَدَة: الخُدّام.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن عكرمة، قال: هم الذين يعينون الرجل من ولده وخدمه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة ( وَحَفَدَةً ) قال: الحَفَدَة: من خدمك مِنْ ولدك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سلام بن سليم، وقيس عن سِماك، عن عكرمة، قال: هم الخدم.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد ، قال: ثنا سلام أبو الأحوص، عن سِماك، عن عكرمة، مثله.

حدثني محمد بن خالد، قال: ثني سلمة، عن أبي هلال، عن الحسن، في قوله ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: البنين وبني البنين، مَنْ أعانك من أهل وخادم فقد حفدك.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، قال: هم الخَدَم.

حدثني محمد بن خالد وابن وكيع، ويعقوب بن إبراهيم، قالوا: ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الحَفَدة: الخَدَم.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: ابنه وخادمه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: أنصارًا وأعوانًا وخدامًا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: الحفدة: الخدم.

حدثنا ابن بشار مرّة أخرى، قال: ابنه وخادمه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) مهنة يمهنونك ويخدمونك من ولدك، كرامة أكرمكم الله بها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السُّديّ، عن أبي مالك: الحَفَدَة، قال: الأعوان.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن عكرمة، قال: الذين يعينونه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن الحكَم بن أبان، عن عكرمة، في قوله ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: الحفدة: من خدمك من ولدك وولد ولدك.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التيميّ، عن أبيه، عن الحسن، قال: الحَفَدَة: الخَدَم.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن عكرمة ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: ولده الذين يعينونه.

وقال آخرون: هم ولد الرجل وولد ولده.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ( وَحَفَدَةً ) قال: هم الولد وولد الولد.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: الحَفَدَة: البنون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غُنْدَر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بنوك حين يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك، قال حميد: حَــفَدَ الوَلائِــدُ حَـوْلَهُنَّ وأُسْـلِمَتْ بـــأكُفِّهِنَّ أزِمَّـــةُ الأجْمـــال (13) حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) قال: الحَفَدَة: الخدم من ولد الرجل هم ولده، وهم يخدمونه ؛ قال: وليس تكون العبيد من الأزواج، كيف يكون من زوجي عبد ، إنما الحَفَدَة: ولد الرجل وخدمه.

حُدثت عن الحسين بن الفَرَج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) يعني: ولد الرجل يحفِدونه ويخدُمونه، وكانت العرب إنما تخدمهم أوْلادهم الذكور.

وقال آخرون: هم بنو امرأة الرجل من غيره.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) يقول: بنو امرأة الرجل ليسوا منه ، ويقال: الحَفَدَة: الرجل يعمل بين يدي الرجل، يقول: فلان يحفد لنا، ويزعم رجال أن الحَفَدَة أخْتان (14) الرجل.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر عباده معرفهم نعمه عليهم، فيما جعل لهم من الأزواج والبنين، فقال تعالى ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) فأعلمهم أنه جعل لهم من أزواجهم بنين وحفَدة، والحفَدة في كلام العرب: جمع حافد، كما الكذبة: جمع كاذب، والفسَقة: جمع فاسق.

والحافد في كلامهم ؛ هو المتخفِّف في الخدمة والعمل.

والحَفْد: خفة العمل يقال: مرّ البعير يَحفِد حفَدَانا: إذا مرّ يُسرع في سيره.

ومنه قولهم: " إليك نسعى ونحفِد ": أي نسرع إلى العمل بطاعتك.

يقال منه: حَفد له يحفد حفدا وحفودا وحفدانا ومنه قول الراعي: كَــلَّفْتُ مَجْهُولَهَــا نُوقــا يَمَانيَّـةً إذا الحُــدَاةُ عـلى أكْسـائها حَـفَدُوا (15) وإذ كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل ، المتخففون فيها، وكان الله تعالى ذكره أخبرنا أن مما أنعم به علينا أن جعل لنا حفدة تحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا وخدمنا من مماليكنا إذا كانوا يحفدوننا ، فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دلّ بظاهر تنـزيله ، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ ولا بحجة عقل، على أنه عنى بذلك نوعا من الحفدة ، دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكلّ ذلك علينا، لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم.

وإذا كان ذلك كذلك فلكلّ الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة ، ومَخْرج في التأويل.

وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا ، لما بيَّنا من الدليل.

وقوله ( وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ) يقول: ورزقكم من حلال المعاش والأرزاق والأقوات ، ( أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ) يقول تعالى ذكره: يحرّم عليهم أولياء الشيطان من البحائر والسوائب والوصائل، فيصدّق هؤلاء المشركون بالله ( وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ) يقول: وبما أحلّ الله لهم من ذلك ، وأنعم عليهم بإحلاله، يكفرون ، يقول: ينكرون تحليله، ويجحدون أن يكون الله أحله.

------------------------ الهوامش: (12) استشهد بالبيت أبو عبيدة في مجاز القرآن: (1 : 364) ونسبه لجميل بن عبد الله بن معمر العذري.

قال عند قوله تعالى: (بنين وحفدة): أعواناً وخداما، قال جميل: "حفد الولائد ...

الخ" واحدهم حافد مخرج كامل.

والجميع: كملة وقال في (اللسان: حفد) يحفد بالكسر حفدا، وحفدانا.

واحتفد: خف في العمل وأسرع.

وحفد يحفد حفدا: خدم.

الأزهري: الحفد في الخدمة والعمل: الخفة، وأنشد (حفد الولائد ...) البيت.

(13) سبق الاستشهاد بالبيت قريبا في صفحة 144 فراجعه ثمة.

(14) الأختان: جمع ختن، بسكون التاء، وهو زوج بنت الرجل.

(15) الأكساء: واحدها كسى، بوزن قفل، وهو مؤخر العجز، أو مؤخر كل شيء، والجمع أكساء (اللسان: كسا).

وقال في (كسأ): كسء كل شيء وكسوءه: مؤخره.

وكسء الشهر وكسوءه: آخره، قدر عشر بقين منه...

وأنشد أبو عبيدة: كــلفت مجهولهـا ................

إذا الحـــداد ..........

حــفدوا ولعل الحداد في رواية الأزهري محرفة عن الحداة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرونوالله جعل لكم من أنفسكم أزواجا جعل بمعنى خلق وقد تقدم من أنفسكم أزواجا يعني آدم خلق منه حواء .

وقيل : المعنى جعل لكم من أنفسكم ، أي من جنسكم ونوعكم وعلى خلقتكم ; كما قال : لقد جاءكم رسول من أنفسكم أي من الآدميين .

وفي هذا رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن وتباضعها ، حتى روي أن عمرو بن هند تزوج منهم غولا وكان يخبئوها عن البرق لئلا تراه فتنفر ، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة فقالت : عمرو !

ونفرت ، فلم يرها أبدا .

وهذا من أكاذيبها ، وإن كان جائزا في حكم الله وحكمته فهو رد على الفلاسفة الذين ينكرون وجود الجن ويحيلون طعامهم .

" أزواجا " زوج الرجل هي ثانيته ، فإنه فرد فإذا انضافت إليه كانا زوجين ، وإنما جعلت الإضافة إليه دونها لأنه أصلها في الوجود كما تقدم .قوله تعالى : وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : وجعل لكم من أزواجكم بنين ظاهر في تعديد النعمة في الأبناء ، ووجود الأبناء يكون منهما معا ; ولكنه لما كان خلق المولود فيها وانفصاله عنها أضيف إليها ، ولذلك تبعها في الرق والحرية وصار مثلها في المالية .

قال ابن العربي : سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول : إنما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحرية ; لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة ، وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلأجل ذلك تبعها .

كما لو أكل رجل تمرا في أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل بإجماع من الأمة لأنها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها .الثانية : قوله تعالى : وحفدة روى ابن القاسم عن مالك قال وسألته عن قوله - تعالى - : [ ص: 130 ] بنين وحفدة قال : الحفدة الخدم والأعوان في رأيي .

وروي عن ابن عباس في قوله - تعالى - : وحفدة قال هم الأعوان ، من أعانك فقد حفدك .

قيل له : فهل تعرف العرب ذلك ؟

قال نعم وتقول أوما سمعت قول الشاعر :حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمالأي أسرعن الخدمة .

والولائد : الخدم ، الواحدة وليدة ; قال الأعشى :كلفت مجهولها نوقا يمانية إذا الحداة على أكسائها حفدواأي أسرعوا .

وقال ابن عرفة : الحفدة عند العرب الأعوان ، فكل من عمل عملا أطاع فيه وسارع فهو حافد ، قال : ومنه قولهم إليك نسعى ونحفد ، والحفدان السرعة .

قال أبو عبيد : الحفد العمل والخدمة .

وقال الخليل بن أحمد : الحفدة عند العرب الخدم ، وقاله مجاهد .

وقال الأزهري : قيل الحفدة أولاد الأولاد .

وروي عن ابن عباس .

وقيل الأختان ; قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحى وسعيد بن جبير وإبراهيم ; ومنه قول الشاعر :فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد ما يعد كثيرولكنها نفس علي أبية عيوف لإصهار اللئام قذوروروى زر عن عبد الله قال : الحفدة الأصهار ; وقاله إبراهيم ، والمعنى متقارب .

قال الأصمعي : الختن من كان من قبل المرأة ، مثل أبيها وأخيها وما أشبههما ; والأصهار منها جميعا .

يقال : أصهر فلان إلى بني فلان وصاهر .

وقول عبد الله هم الأختان ، يحتمل المعنيين جميعا .

يحتمل أن يكون أراد أبا المرأة وما أشبهه من أقربائها ، ويحتمل أن يكون أراد وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن ، فيكون لكم بسببهن أختان .

وقال عكرمة : الحفدة من نفع الرجل من ولده ; وأصله من حفد يحفد - بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل - إذا أسرع في سيره ; كما قال كثير :حفد الولائد بينهن .

.

.

البيتويقال : حفدت وأحفدت ، لغتان إذا خدمت .

ويقال : حافد وحفد ; مثل خادم وخدم ، وحافد وحفدة مثل كافر وكفرة .

قال المهدوي : ومن جعل الحفدة الخدم جعله منقطعا مما قبله ينوي به التقديم ; كأنه قال : جعل لكم حفدة وجعل لكم من أزواجكم بنين .قلت : ما قاله الأزهري من أن الحفدة أولاد الأولاد هو ظاهر القرآن بل نصه ; ألا ترى أنه قال : وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة فجعل الحفدة والبنين منهن .

وقال ابن [ ص: 131 ] العربي : الأظهر عندي في قوله بنين وحفدة أن البنين أولاد الرجل لصلبه والحفدة أولاد ولده ، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا ، ويكون تقدير الآية على هذا : وجعل لكم من أزواجكم بنين ومن البنين حفدة .

وقال معناه الحسن .الثالثة : إذا فرعنا على قول مجاهد وابن عباس ومالك وعلماء اللغة في قولهم إن الحفدة الخدم والأعوان ، فقد خرجت خدمة الولد والزوجة من القرآن بأبدع بيان ; قاله ابن العربي .

روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لعرسه فكانت امرأته خادمهم .

.

.

الحديث ، وقد تقدم في سورة " هود " وفي الصحيح عن عائشة قالت : أنا فتلت قلائد بدن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيدي .

الحديث .

ولهذا قال علماؤنا : عليها أن تفرش الفراش وتطبخ القدر وتقم الدار ، بحسب حالها وعادة مثلها ; قال الله - تعالى - : وجعل منها زوجها ليسكن إليها فكأنه جمع لنا فيها السكن والاستمتاع وضربا من الخدمة بحسب جري العادة .الرابعة : ويخدم الرجل زوجته فيما خف من الخدمة ويعينها ، لما روته عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج .

وهذا قول مالك : ويعينها .

وفي أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخصف النعل ويقم البيت ويخيط الثوب .

وقالت عائشة وقد قيل لها : ما كان يعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته ؟

قالت : كان بشرا من البشر يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه .الخامسة : وينفق على خادمة واحدة ، وقيل على أكثر ; على قدر الثروة والمنزلة .

وهذا [ ص: 132 ] أمر دائر على العرف الذي هو أصل من أصول الشريعة ، فإن نساء الأعراب وسكان البوادي يخدمن أزواجهن في استعذاب الماء وسياسة الدواب ، ونساء الحواضر يخدم المقل منهم زوجته فيما خف ويعينها ، وأما أهل الثروة فيخدمون أزواجهن ويترفهن معهم إذا كان لهم منصب ذلك ; فإن كان أمرا مشكلا شرطت عليه الزوجة ذلك ، فتشهد أنه قد عرف أنها ممن لا تخدم نفسها فالتزم إخدامها ، فينفذ ذلك وتنقطع الدعوى فيه .قوله تعالى : ورزقكم من الطيبات أي من الثمار والحبوب والحيوان .أفبالباطل يعني الأصنام ; قاله ابن عباس .

يؤمنون قراءة الجمهور بالياء .

وقرأ أبو عبد الرحمن بالتاء .وبنعمة الله أي بالإسلام .

هم يكفرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادا تقرُّ بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم من الطيبات من جميع المآكل والمشارب، والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن يحصوها.

{ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } أي: أيؤمنون بالباطل الذي لم يكن شيئا مذكورا ثم أوجده الله وليس له من وجوده سوى العدم فلا تخلق ولا ترزق ولا تدبر من الأمر شيئا، وهذا عام لكل ما عبد من دون الله فإنها باطلة فكيف يتخذها المشركون من دون الله؟" { وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } يجحدونها ويستعينون بها على معاصي الله والكفر به، هل هذا إلا من أظلم الظلم وأفجر الفجور وأسفه السفه؟"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) يعني : النساء ، خلق من آدم زوجته حواء .

وقيل : " من أنفسكم " أي : من جنسكم أزواجا .

( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) قال ابن مسعود ، والنخعي : الحفدة أختان الرجل على بناته .

وعن ابن مسعود أيضا : أنهم الأصهار ، فيكون معنى الآية على هذا القول : وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات ، تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار .

وقال عكرمة ، والحسن ، والضحاك : هم الخدم .

قال مجاهد : هم الأعوان ، من أعانك فقد حفدك .

وقال عطاء : هم ولد ولد الرجل ، الذين يعينونه ويخدمونه .

وقال قتادة : مهنة يمتهنونكم ويخدمونكم من أولادكم .

قال الكلبي ومقاتل : " البنين " : الصغار ، و " الحفدة " : كبار الأولاد الذين يعينونه على عمله .

وروى مجاهد ، وسعيد بن جبير عن ابن عباس : أنهم ولد الولد .

وروى العوفي عنه : أنهم بنو امرأة الرجل ليسوا منه .

( ورزقكم من الطيبات ) من النعم والحلال ، ( أفبالباطل ) يعني الأصنام ، ( يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ) ؟

يعني التوحيد والإسلام .

وقيل : " الباطل " : الشيطان ، أمرهم بتحريم البحيرة ، والسائبة ، و " بنعمة الله " أي : بما أحل الله لهم " يكفرون " : يجحدون تحليله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا» فخلق حواء من ضلع آدم وسائر الناس من نطف الرجال والنساء «وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة» أولاد الأولاد «ورزقكم من الطيبات» من أنواع الثمار والحبوب والحيوان «أفبالباطل» الصنم «يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون» بإشراكهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله سبحانه جعل مِن جنسكم أزواجا؛ لتستريح نفوسكم معهن، وجعل لكم منهن الأبناء ومِن نسلهنَّ الأحفاد، ورزقكم من الأطعمة الطيبة من الثمار والحبوب واللحوم وغير ذلك.

أفبالباطل من ألوهية شركائهم يؤمنون، وبنعم الله التي لا تحصى يجحدون، ولا يشكرون له بإفراده جل وعلا بالعبادة؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرت السورة الكريمة بعد ذلك نعمة أخرى من نعم الله - تعالى - على الناس ، فقال - تعالى - : ( والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ) .أى : والله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم ( من أنفسكم ) أى : من جنسكم ونوعكم ( أزواجا ) لتسكنوا إليها ، وتستأنسوا بها ، فإن الجنس إلى الجنس آنس وأسكن .قال - تعالى - : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً .

.

.

) قال الإِمام ابن كثير : " يذكر - تعالى - نعمه على عبيده ، بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا ، أى : من جنسهم وشكلهم ، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة ، ولكن من رحمته أنه خلق من بنى آدم ذكورا وإناثا ، وجعل الإِناث أزواجا للذكور .

.

.

" .وقوله - سبحانه - : ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ) بيان لنعمة أخرى من نعمه - تعالى - والحفدة ، جمع حافد يقال ، حفد فلان يحفد حفدا من باب ضرب إذا أسرع فى خدمة غيره وطاعته .

ومن دعاء القنوت : " وإليك نسعى ونحفد " أى : نسرع فى طاعتك ياربنا .

والمراد بالحفدة : أبناء الأبناء .

روى عن ابن عباس إنه قال : الحفيد ولد الابن والبنت ، ذكرا كان أو أنثى .

وقيل المراد بهم : الخدم والأعوان ، وقيل المراد بهم : الأَختان والأصهار أى : أزواج البنات وأقارب الزوجة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار الحكيم، وليكون ذلك تنبيهاً على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم، فقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ قال بعضهم: المراد أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم، وهذا ضعيف، لأن قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ خطاب مع الكل، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل، بل هذا الحكم عام في جميع الذكور والإناث.

والمعنى: أنه تعالى خلق النساء ليتزوج بهن الذكور، ومعنى: ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ مثل قوله: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ  ﴾ أي بعضكم على بعض، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا  ﴾ قال الأطباء وأهل الطبيعة: التفاوت بين الذكر والأنثى إنما كان لأجل أن كل من كان أسخن مزاجاً فهو الذكر، وكل من كان أكثر برداً ورطوبة فهو المرأة.

ثم قالوا: المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الذكر، ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة، وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم، كان الولد أنثى تاماً في الأنوثة، وإن انصب إلى الخصية اليمنى، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم، كان الولد ذكراً في طبيعة الإناث وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم، كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور.

واعلم أن حاصل هذا الكلام أن الذكورة علتها الحرارة واليبوسة، والأنوثة علتها البرودة والرطوبة، وهذه العلة في غاية الضعف، فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان مزاجه في غاية البرودة، ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك لامتنع ذلك، فثبت أن خالق الذكر والأنثى هو الإله القديم الحكيم وظهر بالدليل الذي ذكرناه صحة قوله تعالى: ﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أزواجكم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ قال الواحدي: أصل الحفدة من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل.

يقال: حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفداناً إذا أسرع، ومنه في دعاء القنوت وإليك نسعى ونحفد، والحفدة جمع الحافد، والحافد كل من يخف في خدمتك ويسرع في العمل بطاعتك، يقال في جمعه الحفد بغير هاء كما يقال الرصد، فمعنى الحفدة في اللغة الأعوان والخدام، ثم يجب أن يكون المراد من الحفدة في هذه الآية الأعوان الذين حصلوا للرجل من قبل المرأة، لأنه تعالى قال: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أزواجكم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ فالأعوان الذين لا يكونون من قبل المرأة لا يدخلون تحت هذه الآية.

إذا عرفت هذا فنقول: قيل هم الأختان، وقيل: هم الأصهار، وقيل: ولد الولد، والأولى دخول الكل فيه، لما بينا أن اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك الذي ذكرناه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات ﴾ لما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة، سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة أو كانت من الحيوان، ثم قال: ﴿ أفبالباطل يُؤْمِنُونَ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بالأصنام، وقال مقاتل: يعني بالشيطان، وقال عطاء: يصدقون أن لي شريكاً وصاحبة وولداً: ﴿ وبنعمت الله هم يكفرون ﴾ أي بأن يضيفوها إلى غير الله ويتركوا إضافتها إلى الله تعالى.

وفي الآية قول آخر وهو أنه تعالى لما قال: ﴿ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطيبات ﴾ قال بعده: ﴿ أفبالباطل يؤمنون زبنعمت الله هم يكفرون ﴾ والمراد منه أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب يعني لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة، وبإنعام الله في تحليل الطيبات، وتحريم الخبيثات يجحدون ويكفرون والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ من جنسكم.

وقيل: هو خلق حواء من ضلع آدم.

والحفدة: جمع حافد، وهو الذي يحفد، أي يسرع في الطاعة والخدمة.

ومنه قول القانت.

وإليك نسعى ونحفد وقال: حَفَدَ الْوَلاَئِدَ بَيْنَهُنَّ وَأُسْلِمَت ** بِأَكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأَجْمَالِ واختلف فيهم فقيل: هم الأختان على البنات وقيل: أولاد الأولاد، وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل، وقيل: المعنى وجعل لكم حفدة، أي خدما يحفدون في مصالحكم ويعينونكم ويجوز أن يراد بالحفدة: البنون أنفسهم؛ كقوله: ﴿ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ [النحل: 67] كأنه قيل: وجعل لكم منهنّ أولاداً هم بنون وهم حافدون، أي جامعون بين الأمرين ﴿ مّنَ الطيبات ﴾ يريد بعضها؛ لأنّ كل الطيبات في الجنة، وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها ﴿ أفبالباطل يُؤْمِنُونَ ﴾ وهو ما يعتقدون من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها.

وما هو إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة، فليس لهم إيمان إلا به، كأنه شيء معلوم مستيقن.

ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز: هم كافرون بها منكرون لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره العقول.

وقيل: الباطل يسوّل لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما.

ونعمة الله: ما أحل لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم لِتَأْنَسُوا بِها ولِتَكُونَ أوْلادُكم مِثْلَكم.

وقِيلَ هو خَلْقُ حَوّاءَ مِن آدَمَ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ﴾ وأوْلادَ أوْلادٍ أوْ بَناتٍ، فَإنَّ الحافِدَ هو المُسْرِعُ في الخِدْمَةِ والبَناتُ يَخْدِمْنَ في البُيُوتِ أتَمَّ خِدْمَةٍ.

وقِيلَ هُمُ الأُخْتانِ عَلى البَناتِ.

وقِيلَ الرَّبائِبُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها البَنُونَ أنْفُسُهم والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ.

﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ مِنَ اللَّذائِذِ أوِ الحَلالاتِ و ﴿ مِن ﴾ لِلتَّبْعِيضِ فَإنَّ المَرْزُوقَ في الدُّنْيا أُنْمُوذَجٌ مِنها.

﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ وهو أنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم، أوْ أنَّ مِنَ الطَّيِّباتِ ما يَحْرُمُ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ.

﴿ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ حَيْثُ أضافُوا نِعَمَهُ إلى الأصْنامِ، أوْ حَرَّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ عَلى الفِعْلِ إمّا لِلِاهْتِمامِ أوْ لِإيهامِ التَّخْصِيصِ مُبالَغَةً، أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الفَواصِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} أي من جنسكم {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أزواجكم بَنِينَ وَحَفَدَةً} جمع حافد وهو الذي يحفد أي يسرع في الطاعة والخدمة ومنه قول القانت وإليك نسعى ونحفد واختلف فيه فقيل هم الأختان على البنات وقيل أولاد الأولاد والمعنى وجعل لكم حفدة

أي خدما

النحل (٧٢ _ ٧٦)

يحفدون في مصالحكم ويعينونكم {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطيبات} أي بعضها لأن كل الطيبات في الجنة وطيبات الدنيا أنموذج منها {أفبالباطل يُؤْمِنُونَ} هو ما يعتقدونه من منفعة الأصنام وشفاعتها {وبنعمة اللهِ} أي الإسلام {هُمْ يَكْفُرُونَ} أو الباطل الشيطان والنعمة محمد صلى الله عليه وسلم أو الباطل ما يسول لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله ما أحل لهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم ونَوْعِكم وهو مَجازٌ في ذَلِكَ، والأشْهَرُ مِن مَعانِي النَّفْسِ الذّاتُ ولا يَسْتَقِيمُ هُنا كَغَيْرِهِ فَلِذا ارْتَكَبَ المَجازَ وهو إمّا في المُفْرَدِ أوِ الجَمْعِ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَنْكِحَ مِنَ الجِنِّ ﴿ أزْواجًا ﴾ لِتَأْنَسُوا بِها وتُقِيمُوا بِذَلِكَ مَصالِحَكم ويَكُونَ أوْلادُكم أمْثالَكم.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذا خَلْقُ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ جَمْعُ الأنْفُسِ والأزْواجِ، وحَمْلُهُ عَلى التَّغْلِيبِ تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ وكَذا كَوْنُ المُرادِ مِنهُما بَعْضَ الأنْفُسِ وبَعْضَ الأزْواجِ ﴿ وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ ﴾ أيْ مِنها فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ جَعَلَ لَكم مِنكم مَن زَوْجِهِ لا مِن زَوْجِ غَيْرَهُ ﴿ بَنِينَ ﴾ وبِأنَّ نَتِيجَةَ الزَّواجِ هو التَّوالُدُ ﴿ وحَفَدَةً ﴾ جَمْعُ حافِدٍ كَكاتِبٍ وكَتَبَةٍ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْدًا وحُفُودًا وحَفَدانًا إذا أسْرَعَ في الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وفي الحَدِيثِ: ««إلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ»» وقالَ جَمِيلٌ: حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأسْلَمَتْ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأجْمالِ وقَدْ ورَدَ الفِعْلُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ: يَحْفِدُونَ الضَّيْفَ في أبْياتِهِمْ ∗∗∗ كَرَمًا ذَلِكَ مِنهم غَيْرَ ذُلِّ وجاءَ في لُغَةٍ- كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أحْفَدَ إحْفادًا، وقِيلَ: الحَفْدُ سُرْعَةُ القَطْعِ، وقِيلَ: مُقارَبَةُ الخَطْوِ، والمُرادُ بِالحِفَدَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

والأزْهَرِيُّ وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ أوْلادُ الأوْلادِ، وكَوْنُهم مِنَ الأزْواجِ حِينَئِذٍ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: البَناتُ عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ إيذانًا بِوَجْهِ المِنَّةِ فَإنَّهُنَّ في الغالِبِ يَخْدُمْنَ في البُيُوتِ أتَمَّ خِدْمَةٍ، وقِيلَ: البَنُونَ والعَطْفُ لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ البُنُوَّةِ والخِدْمَةِ، وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ امْتِنانًا بِإعْطاءِ الجامِعِ لِهَذِهِ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلَ لَكم مِنهُنَّ أوْلادًا هم بَنُونَ وهم حافِدُونَ أيْ جامِعُونَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ البَنِينَ صِغارُ الأوْلادِ والحَفَدَةَ كِبارُهُمْ، وكَذا ما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ مِنَ العَكْسِ، وكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ نَظَرَ إلى أنَّ الكِبارَ أقْوى عَلى الخِدْمَةِ (1) ومُقاتِلٌ نَظَرَ إلى أنَّ الصِّغارَ أقْرَبُ لِلِانْقِيادِ لَها وامْتِثالِ الأمْرِ بِها واعْتَبَرَ الحَفْدَ بِمَعْنى مُقارَبَةِ الخَطِّ، وقِيلَ: أوْلادُ المَرْأةِ مِنَ الزَّوْجِ الأوَّلِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُمُ الأُخْتانِ وأُرِيدَ بِهِمْ- عَلى ما قِيلَ- أزْواجُ البَناتِ ويُقالُ لَهُمْ: أصْهارٌ، وأنْشَدُوا: فَلَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ ∗∗∗ لَها حَفْدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عُيُونِي لِأصْهارِ اللِّئامِ تَدُورُ والنَّصْبُ عَلى هَذا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ وجَعَلَ لَكم حَفَدَةً لا بِالعَطْفِ عَلى ( بَنِينَ ) لِأنَّ القَيْدَ إذا تَقَدَّمَ يُعَلَّقُ بِالمُتَعاطِفَيْنِ وأزْواجُ البَناتِ لَيْسُوا مِنَ الأزْواجِ، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى تَقْدِيرِ خِلافِ الظّاهِرِ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.

وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ بِأنْ يُرادَ بِالأخْتانِ أقارِبُ المَرْأةِ كَأبِيها وأخِيها لا أزْواجُ البَناتِ فَإنَّ إطْلاقَ الأُخْتانِ عَلَيْهِ إنَّما هو عِنْدَ العامَّةِ وأمّا عِنْدَ العَرَبِ فَلا كَما في الصِّحاحِ، وتَجْعَلُ ( مِن ) سَبَبِيَّةً ولا شَكَّ أنَّ الأزْواجَ سَبَبٌ لِجَعْلِ الحَفَدَةِ بِهَذا المَعْنى وهو كَما تَرى.

وتُعُقِّبَ تَفْسِيرُهُ بِالأخْتانِ والرَّبائِبِ بِأنَّ السِّياقَ لِلِامْتِنانِ ولا يُمْتَنُّ بِذَلِكَ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الِامْتِنانَ بِاعْتِبارِ الخِدْمَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ مُصَحَّحٌ لا مُرَجَّحٌ.

وقِيلَ: الحَفَدَةُ هُمُ الخَدَمُ والأعْوانُ وهو المَعْنى المَشْهُورُ لَهُ لُغَةً.

والنَّصْبُ أيْضًا بِمُقَدَّرٍ أيْ وجَعَلَ لَكم خَدَمًا يَحْفِدُونَ في مَصالِحِكم ويُعِينُونَكم في أُمُورِكم.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ نَقْلِ عِدَّةِ أقْوالٍ في المُرادِ مِن ذَلِكَ: وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ جُعِلَ لَهُ مِن زَوْجَتِهِ بَنُونَ وحَفَدَةٌ ولا يَخْفى أنَّهُ بِاعْتِبارِ الغالِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ عَلى العُمُومِ والِاشْتِراكِ أيْ جَعَلَ مِن أزْواجِ البَشَرِ البَنِينَ والحَفَدَةَ ويَسْتَقِيمُ عَلى هَذا إجْراءُ الحَفَدَةِ عَلى مَجْراها في اللُّغَةِ إذِ البَشَرُ بِجُمْلَتِهِمْ لا يَسْتَغْنِي أحَدُهم عَنْ حَفَدَةٍ اهـ، وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ فِيهِ بُعْدًا، وتَأْخِيرُ المَنصُوبِ في المَوْضِعَيْنِ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ التَّشْوِيقِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِاللّامِ عَلى المَجْرُورِ بِمِن لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَوْدِ مَنفَعَةِ الجَعْلِ إلَيْهِمْ إمْدادًا لِلتَّشْوِيقِ وتَقْوِيَةً لَهُ.

﴿ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ أيِ اللَّذائِذِ وهو مَعْناها اللُّغَوِيُّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّيِّبِ ما هو مُتَعارَفٌ في لِسانِ الشَّرْعِ وهو الحَلالُ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذا الكُفّارُ وهم لا شَرْعَ لَهم فَتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرٍ، وأُجِيبُ بِأنَّهم مُكَلَّفُونَ بِالفُرُوعِ كالأُصُولِ فَيُوجَدُ في حَقِّهِمُ الحَلّالُ والحَرامُ، وأيْضًا هم مَرْزُوقُونَ بِكَثِيرٍ مِنَ الحَلالِ الَّذِي أكَلُوا بَعْضَهُ ولا يَلْزَمُ اعْتِقادُهم لِلْحِلِّ ونَحْوِهِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ما رُزِقُوهُ بَعْضٌ مِن كُلِّ الطَّيِّباتِ فَإنَّ ما في الدُّنْيا مِنها بِأسْرِهِ أُنْمُوذَجٌ لِما في الآخِرَةِ إذْ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وما في الدُّنْيا لَمْ يَصِلْ كَثِيرٌ مِنهُ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرْنا عُمُومُ الطَّيِّباتِ لِلنَّباتِ والثِّمارِ والحُبُوبِ والأشْرِبَةِ والحَيَوانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما أتى مِن غَيْرِ نَصَبٍ، وقِيلَ: الغَنائِمُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ أفَبِالباطِلِ ﴾ وهو مَنفَعَةُ الأصْنامِ وبَرَكَتُها وما ذاكَ إلّا وهْمٌ باطِلٌ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلَيْهِ بِدَلِيلٍ ولا أمارَةٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ وقُدِّمَ لِلْحَصْرِ فَيُفِيدُ أنْ لَيْسَ لَهم إيمانٌ إلّا بِذَلِكَ كَأنَّهُ شَيْءٌ مَعْلُومٌ مُسْتَيْقَنٌ ﴿ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ ﴾ المُشاهَدَةِ المُعايَنَةِ الَّتِي لا شُبْهَةَ فِيها لِذِي عَقْلٍ وتَمْيِيزٍ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لا تُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ البَيانِ ﴿ هم يَكْفُرُونَ ﴾ أيْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِها والإنْكارِ لَها كَما يُنْكَرُ المُحالُ الَّذِي لا يَتَصَوَّرُهُ العُقُولُ وذَلِكَ بِإضافَتِها إلى أصْنامِهِمْ، وقِيلَ: الباطِلُ ما يُسَوِّلُ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما ونِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى ما أحَلَّ لَهم.

والآيَةُ عَلى هَذا ظاهِرَةُ التَّعَلُّقِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ فَقَطْ دُونَ ما قَبْلَهُ أيْضًا والظّاهِرُ تَعَلُّقُها بِهِما، ومِن ذَلِكَ يَظْهَرُ حالٌ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِن أنَّ الباطِلَ الشَّيْطانُ ونِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدٌ  ، وما ذَكَرْناهُ قَدْ صَرَّحَ بِأكْثَرِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتِفادَةُ الحَصْرِ مِنَ التَّقْدِيمِ ظاهِرَةٌ، وأمّا كَأنَّهُ شَيْءٌ مَعْلُومٌ مُسْتَيْقَنٌ فَمُسْتَفادٌ مِن حَصْرِهِمُ الإيمانَ فِيما ذَكَرَ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ المُؤْمِنِ بِهِ لا سِيَّما وقَدْ حُصِرُوا، وأيْضًا المُقابَلَةُ بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ أعْنِي نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى دَلَّتْ عَلى تَعْكِيسِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوا المَوْهُومَ بِمَنزِلَةِ المُتَيَقَّنِ وبِالعَكْسِ، والفاءُ الَّتِي لِلتَّعْكِيسِ شَدِيدَةُ الدَّلالَةِ عَلى هَذا الأمْرِ والحَمْلُ عَلى أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ لَيْسَ بِالوَجْهِ كَذا في الكَشْفِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى ما قِيلَ إنَّ في كِلا التَّرْكِيبَيْنِ تَأْكِيدًا وتَخْصِيصًا، أمّا التَّخْصِيصُ فِيهِما فَمِن تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، وأمّا التَّأْكِيدُ في الأوَّلِ فَلِأنَّ الفاءَ تَسْتَدْعِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ أيَكْفُرُونَ بِالحَقِّ ويُؤْمِنُونَ بِالباطِلِ والكُفْرُ بِالحَقِّ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالباطِلِ فَقَدْ تَكَرَّرَ الإيمانُ بِالباطِلِ والتَّكْرِيرُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ، وأمّا التَّأْكِيدُ في الثّانِي فَمِن بِناءِ ( يَكْفُرُونَ ) عَلى هُمُ المُفِيدِ لِتَقَوِّي الحُكْمِ، وجَعَلَ كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ فَتَدَبَّرْ.

وما ذُكِرَ مِن أنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ في التَّرْكِيبَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، والعَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ جَوَّزَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ أقْحَمَ الإيهامَ هَنا نَظِيرَ ما فَعَلْناهُ فِيما سَلَفَ آنِفًا.

ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ المَقامَ لَيْسَ بِمَقامِ تَخْصِيصِ حَقِيقَةٍ إذْ لا اخْتِصاصَ لِإيمانِهِمْ بِالباطِلِ ولا لِكُفْرانِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يُقْحِمْهُ في تَفْسِيرِ نَظِيرِ ذَلِكَ في العَنْكَبُوتِ فَإنْ وُجِّهَ بِأنَّهم إذا آمَنُوا بِالباطِلِ كانَ إيمانُهم بِغَيْرِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ وإنَّ النِّعَمَ كُلَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ فَلَيْسَ كُفْرانُهم إلّا لِنِعَمِهِ سُبْحانَهُ كَما قِيلَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ بَقِيَ المُخالَفَةُ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ إذا نَظَرَ لِلْواقِعِ فَلا حَصْرَ فِيهِ وإنْ لُوحِظَ ما ذُكِرَ يَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا وهو مَعْنى الإيهامِ لِلْمُبالَغَةِ فَلا تَخالُفَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإنْكارِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ تَعَلُّقُ كُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى واعْتِقادُهم لِلْباطِلِ لا مُطْلَقُ الإيمانِ والكُفْرانِ، وأنْ يَكُونَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ وهو دُونَ النُّكْتَتَيْنِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِيجابِ حالِهِمْ لِلْإعْراضِ عَنْهم وصَرْفِ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ السّامِعِينَ تَعْجِيبًا لَهم مِمّا فَعَلُوهُ.

وفِي البَحْرِ أنَّ السُّلَمِيَّ قَرَأ «تُؤْمِنُونَ» بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ وأنَّهُ رَوى ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، والجُمْلَةُ فِيما بَعْدَهُ عَلى هَذا كَما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ مُجَرَّدًا عَنِ الكَفَرَةِ غَيْرَ مُنْدَرِجٍ في التَّقْرِيعِ.

هَذا بَقِيَ أنَّهُ وقَعَ في العَنْكَبُوتِ ﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ ووَقَعَ هُنا ما سَمِعْتَ بِالضَّمِيرِ، وبَيَّنَ الخَفاجِيُّ سِرَّ ذَلِكَ بِأنَّهُ لِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أيْ يَكْفُرُونَ كَما مَرَّ فَلَوْ ذَكَرَ ما نَحْنُ فِيهِ بِدُونِ الضَّمِيرِ لَكانَتِ الآيَةُ تَكْرارًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ فَأتى بِالضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ لِيَكُونَ تَرَقِّيًا في الذَّمِّ بَعِيدًا عَنِ اللُّغَوِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: إنَّهُ أُجْرِيَ عَلى عادَةِ العِبادِ إذا أخْبَرُوا عَنْ أحَدٍ بِمُنْكَرٍ يَجِدُونَ مَوْجِدَةً فَيُخْبِرُوا عَنْ حالِهِ الأُخْرى بِكَلامٍ آكَدَ مِنَ الأوَّلِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما يَنْفَعُ إذا سُئِلَ لِمَ قِيلَ: ﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ وقِيلَ: ﴿ وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ بِهِ، وأمّا في الفَرْقِ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ فَلا، وقِيلَ: آياتُ العَنْكَبُوتِ اسْتَمَرَّتْ عَلى الغَيْبَةِ فَلَمْ يُحْتَجْ إلى زِيادَةِ ضَمِيرِ الغائِبِ وأمّا الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَقَدْ سَبَقَ قَبْلَها مُخاطَباتٌ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ المُؤَكِّدِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُ هَذِهِ بِالزِّيادَةِ دُونَ ( أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ) مَعَ أنَّها الأُولى بِها بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِتَقَدُّمِها لِئَلّا يَلْزَمَ زِيادَةُ الفاصِلَةِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ.

واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ لا مُقْتَضى لِلُزُومِ الغَيْبَةِ ولا لَبْسَ لَوْ تُرِكَ الضَّمِيرُ.

وقَدْ يُقالُ: إنَّما لَمْ يُؤْتَ في آيَةِ العَنْكَبُوتِ بِالضَّمِيرِ ويُبْنى الفِعْلُ عَلَيْهِ إفادَةً لِلتَّقَوِّي اسْتِغْناءً بِتَكَرُّرِ ما يُفِيدُ كُفْرَ القَوْمِ بِالنِّعَمِ مَعَ قُرْبِهِ مِن تِلْكَ الآيَةِ عَنْ ذَلِكَ، عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ ما تَسْتَمِدُّ مِنهُ الجُمْلَتانِ أتَمَّ اسْتِمْدادٍ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ ومُغايِرَةٍ ما وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ  ﴾ ولَمّا لَمْ تَكُنْ آيَةُ النَّحْلِ فِيما ذُكِرَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ جِيءَ فِيها بِما يُفِيدُ التَّقَوِّيَ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا كانَ سَرْدُ النِّعَمِ هُنا عَلى وجْهٍ ظاهِرٍ في وُصُولِها إلَيْهِمْ والِامْتِنانِ بِها عَلَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ أوْفَقَ بِأنْ يُؤْتى بِما يُفِيدُ كُفْرَهم بِها عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِاسْتِبْعادِ وُقُوعِهِ مِنهم فَجِيءَ بِالضَّمِيرِ فِيهِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ ما هُنالِكَ كَذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ فِيهِ بِما ذَكَرَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ هُنا- بِـ يَكْفُرُونَ- وفِيما قَبْلُ ( يَجْحَدُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَ كانَ مَسْبُوقًا عَلى ما قِيلَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لِكَمالِ قَباحَةِ ما فَعَلُوهُ والجُحُودُ أوْفَقُ بِذَلِكَ لِما أنَّ كَمالَ القُبْحِ فِيهِ أتَمُّ ولا كَذَلِكَ فِيما البَحْثُ فِيهِ كَذا قِيلَ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى بِأسْرارِ كِتابِهِ أعْلَمُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً أي: خلق لكم من جنسكم إناثاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ أي: خلق لكم من نسائكم بَنِينَ وَحَفَدَةً أي: ولد الولد.

ويقال: هم الأَعوان والخدم والأصهار.

وروي عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود أنه قال: «الحفدة: الأختان» .

وقال مجاهد: «الخدم وأنصاره وأعوانه» .

وعن ابن مسعود أنه قال: «هم أصهاره» .

وقال الربيع بن أنس: البنون ابن الرجل من امرأته.

والحفدة ابن المرأة من غيره.

وقال زر بن حبيش: الحفدة: حشم الرجل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: «الولد الصالح» .

وقال أَهل اللغة: أصله في اللغة السرعة في المشي، ويقال في دعاء التوتر: ونحفد أي: ونجتهد في الخدمة والطاعة.

قوله تعالى: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ قال الكلبي: يعني، الحلال إن أخذتم به.

وقال مقاتل: الطَّيِّباتِ الخبز والعسل وغيرهما من الأشياء الطيبة، بخلاف رزق البهائم والطيور.

ثم قال: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ قال الكلبي: يعني: الآلهة، وقال مقاتل: أَفَبِالْباطِلِ يقول: بالشيطان يصدقون بأن مع الله إلهاً آخر.

ويقال أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ يعني: أفيعبدون الأصنام التي لا تقدر على قوتهم، ولا على منفعتهم وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ أي: يجحدون بوحدانية الله تعالى ويقال: وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ فلا يؤمنون برب هذه النعمة.

قوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: الأصنام مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ أي: لا يقدر لهم رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ أي: من إنزال المطر وَالْأَرْضِ والنبات شَيْئاً يعني: لا يملكون شيئاً من ذلك.

وقال القتبي: إنما نصب شَيْئاً بإيقاع الرزق عليه.

ومعناه: يعبدون ما لا يملك أن يرزقهم شيئاً.

كما تقول: ويخدم من لا يستطيع إِعطاءَه درهماً.

وَلا يَسْتَطِيعُونَ ذلك فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ أي: لا تصفوا لله شريكاً فإنه لا إله إلا غيره إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنه لا شريك له، ويقال: إن الله يعلم ضرب الأمثال وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ضرب الأمثال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وائتوني بعَسَلٍ فإن اللَّه تعالى يقول: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وائتوني بزيت فإن اللَّه تعالى يقولُ: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ [النور: ٣٥] فجاءوه بذلك كلِّه فخَلَطَهُ جميعاً، ثم شَرِبَهُ، فَبّرأَ انتهى.

وقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وأرذلُ العَمَر الذي تَفْسُدُ فيه الحواسُّ، ويختلُّ العَقْل، وخص ذلك بالرذيَلةِ، وإن كانَتْ حالة الطُّفُولة كذَلِكَ مِنْ حيثُ كانَتْ هذه لا رَجَاءَ معها، وقال بعضُ الناس: أول أرذَلِ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سنةً، روي ذلك عن علي «١» رضي الله عنه.

قال ع «٢» : وهذا في الأغْلَبِ، وهذا لا ينحصرُ إِلى مدَّة معيَّنة، وإِنما هو بحَسَبِ إِنسانٍ إِنسانٍ، ورُبَّ مَنْ يكون ابْنَ خمسينَ سنَةً، وهو في أرذلِ عمره، وربَّ ابن تسعينَ ليس في أرذَلِ عمره، واللامُ في لِكَيْ يشبه أنْ تكون لامَ الصيرورةِ، والمعنى: ليصير أمره بعْدَ العِلْم بالأشياء إلى ألاَّ يعلم شيئاً، وهذه عبارة عن قلَّة علمه، لا أنه لا يعلم شيئا البتّة.

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ إِخبار يُرَادُ به العِبْرة وإِنما هي قاعدةٌ بني المثل عليها، والمَثَل هو أن المفضَّلين لا يصحُّ منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أُعْطُوا حتى تستوي أحوالُهم، فإِذا كان هذا في البَشَر، فكيف تنسبون أيها الكَفَرةُ إلى اللَّه أنَّه يسمح بأنْ يشرك في الألوهيَّة الأوثانَ والأصْنَامَ وغيرها ممَّا عُبدَ مِنْ دونه، وهم خَلْقُه ومِلْكُه، هذا تأويلُ الطبريِّ، وحكاه عن ابن عباس «٣» قال المفسِّرون:

هذه الآية كقوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ يَعْنِي النِّساءَ.

وَفِي مَعْنى ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ خَلَقَ زَوْجَتَهُ مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: " مِن أنْفُسِكم "، أيْ: مِن جِنْسِكم مِن بَنِي آدَمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي الحَفَدَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأصْهارُ، أخْتانُ الرَّجُلِ عَلى بَناتِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيُّ، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ: ولَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ لَها حَفَدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عَيُوفٌ لِأصْهارِ اللِّئامِ قَذُورُ والثّانِي: أنَّهُمُ الخَدَمُ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةِ الحَسَنِ، وطاوُوسُ، وعِكْرِمَةُ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ، وهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرادُ بِالخَدَمِ: الأوْلادُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الأوْلادَ يَخْدِمُونَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَفَدَةُ: الخَدَمُ والأعْوانُ، فالمَعْنى: هم بَنُونَ، وهم خَدَمٌ.

وأصْلُ الحَفْدِ: مُدارَكَةُ الخَطْوِ والإسْراعُ في المَشْيِ، وإنَّما يَفْعَلُ الخَدَمُ هَذا، فَقِيلَ لَهم: حَفَدَةٌ.

ومِنهُ يُقالُ في دُعاءِ الوِتْرِ: " وإلَيْك نَسْعى ونَحْفِدُ " .

والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالخَدَمِ: المَمالِيكُ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ، وجَعَلَ لَكم حَفَدَةً مِن غَيْرِ الأزْواجِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهم بَنُو امْرَأةِ الرَّجُلِ مِن غَيْرِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: [أنَّهُمْ] ولَدُ الوَلَدِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّهم كِبارُ الأوْلادِ، والبَنُونَ: صِغارُهم، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ تَخْدِمُهم أوْلادُهم.

قالَ الزَّجّاجُ: وحَقِيقَةُ هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مِنَ الأزْواجِ بَنَيْنَ، ومَن يُعاوِنُ عَلى ما يُحْتاجُ إلَيْهِ بِسُرْعَةٍ وطاعَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مِن أنْواعِ الثِّمارِ والحُبُوبِ والحَيَوانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأصْنام، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الشَّرِيكُ والصّاحِبَةُ والوَلَدُ، فالمَعْنى: يُصَدِّقُونَ أنَّ لِلَّهِ ذَلِكَ ؟!

قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ، أمَرَهم بِتَحْرِيمِ البَحِيْرَةِ والسّائِبَةِ، فَصَدَّقُوا.

وَفِي المُرادِ بِـ " نِعْمَةِ اللَّهِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها التَّوْحِيدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: القُرْآنُ، والرَّسُولُ.

والثّالِثُ: الحَلالُ الَّذِي أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا ﴾ وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأصْنامُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ السَّماواتِ ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ، و " مِنَ الأرْضِ " النَّباتَ، والثَّمَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا ﴾ قالَ الأخْفَش: جُعِلَ " شَيْئًا " بَدَلًا مِنَ الرِّزْقِ، والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ رِزْقًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ في أوَّلِ الكَلامِ: " يَمْلِكُ " وفي آخِرِهِ: " يَسْتَطِيعُونَ "، لِأنَّ " ما " في مَذْهَبٍ: جَمْعٌ لِآلِهَتِهِمْ، فَوَحَّدَ " يَمْلِكُ " عَلى لَفْظِ " ما " وتَوْحِيدِها، وجَمَعَ في " يَسْتَطِيعُونَ " عَلى المَعْنى، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ ﴾ أيْ: لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ، لِأنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، فالمَعْنى: لا تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَعْلَمُ ضَرْبَ المَثَلِ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: يَعْلَمُ خَطَأ ما تَضْرِبُونَ مِنَ الأمْثالِ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ صَوابَ ذَلِكَ مِن خَطَئِهِ.

والرّابِعُ: يَعْلَمُ ما كانَ ويَكُونُ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قَدْرَ عَظَمَتِهِ حِينَ أشْرَكْتُمْ بِهِ، ونَسَبْتُمُوهُ إلى العَجْزِ عَنْ بَعْثِ خَلْقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِن الطَيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِبارِ في إيجادِنا بَعْدَ العَدَمِ وإماتَتِنا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِمَن يُنَكِّسُ مِنَ الناسِ لِأنَّهم مَوْضِعُ عِبْرَةٍ، و ﴿ أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ : آخِرُهُ الَّذِي تَفْسَدُ فِيهِ الحَواسُّ ويَخْتَلُّ النُطْقُ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالرَذِيلَةِ -وَإنَّ كانَتْ حالَةُ الطُفُولِيَّةِ كَذَلِكَ- مِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ لِأرْجاءٍ مَعَها، والطُفُولَةُ إنَّما هي بُداءَةُ والرَجاءُ مَعَها مُتَمَكِّنٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: أوَّلُ أرْذَلِ العُمْرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، رُوِيَ ذَلِكَ عن عَلِيٍّ رَضْيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا في الأغْلَبِ، وهو لا يَنْحَصِرُ إلى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما هو بِحَسَبِ إنْسانٍ إنْسانٍ.

والمَعْنى: ومِنكم مَن يَرْتَدُّ إلى أرْذَلِ عُمْرِهِ، ورُبَّ مَن يَكُونُ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً وهو في أرْذَلِ عُمْرِهِ، ورُبَّ ابْنِ مِائَةٍ أوَ تِسْعِينَ لَيْسَ في أرْذَلِ عُمْرِهِ، واللامُ في "لِكَيْلا" يُشَبِهَ أنْ يَكُونَ لامَ صَيْرُورَةٍ، ولَيْسَ بِبَيِّنٍ، والمَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ بَعْدَ العِلْمِ بِالأشْياءِ إلى ألّا يَعْلَمَ شَيْئًا، وهَذِهِ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ عِلْمِهِ، لا أنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا البَتَّةَ، ولَمْ تَحُلْ "لا" بَيْنَ كَيْ ومَعْمُولِها لِتَصَرُّفِها، وأنَّها قَدْ تَكُونُ زائِدَةً.

ثُمَّ قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى عِلْمَهُ وقُدْرَتَهُ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ، ولا تُحِيلُها الحَوادِثُ، ولا تَتَغَيَّرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ﴾ إخْبارٌ يُرادُ بِهِ العِبْرَةُ، وإنَّما هي قاعِدَةُ بُنِيَ المَثَلُ عَلَيْها، والمَثَلَ هو أنَّ المُفَضَّلَيْنِ لا يَصِحُّ مِنهم أنْ يُساهِمُوا مَمالِيكَهم فِيما أعْطَوْا حَتّى تَسْتَوِيَ أحْوالُهُمْ، فَإذا كانَ هَذا في اليَسِيرِ فَكَيْفَ تَنْسُبُونَ أنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ إلى اللهِ تَعالى أنَّهُ يَسْمَحُ بِأنْ يُشْرَكَ في أُلُوهِيَّتِهِ الأوثانُ والأنْصابُ وهم خَلْقُهُ، وغَيْرُ هَذا مِمّا عُبِدَ كالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وهم عَبِيدُهُ وخَلْقُهُ؟

هَذا تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحُكِيَ عنهُ أنَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى جَحْدِهِمْ نِعْمَةَ اللهِ في تَنْبِيهِهِ لَهم عَلى مَثْلِ هَذا مِن مُواطِنِ النَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يَجْحَدُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأها أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْرَجُ -بِخِلافٍ عنهُ-، وهي عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، قالَ قَتادَةُ: لا يَكُونُ الجَحْدُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ آيَةُ تَعْدِيدِ نِعَمٍ، و"الأزْواجُ": الزَوْجاتُ، ولا يَتَرَتَّبُ في هَذِهِ الآيَةِ الأنْواعُ ولا غَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلْقَهُ حَوّاءَ مِن نَفْسِ آدَمَ وجِسْمِهِ، فَمِن حَيْثُ كانا مُبْتَدَأ الجَمِيعِ ساغَ حَمْلَ أمْرِهِما عَلى الجَمِيعِ حَتّى صارَ الأمْرُ كَأنَّ النِساءَ خُلِقْنَ مِن أنْفُسِ الرِجالِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةُ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: مِن نَوْعِكم وعَلى خِلْقَتِكُمْ، كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ ﴾ ظاهِرٌ في تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في الأبْناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: "وَحَفَدَةً" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَفَدَةُ: أولادُ البَنِينَ، وقالَ الحَسَنُ: هم بَنُوكَ وبَنُو بَنِيكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الضُحى، وإبْراهِيمُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الحَفَدَةُ: الأصْهارُ، وهم قُرابَةُ الزَوْجَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَفَدَةُ: الأنْصارُ والأعْوانُ والخَدَمُ، وحَكى الزَجاجُ أنَّ الحِفْدَةَ البَناتُ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، قالَ الزَهْراوِيُّ: لِأنَّهُنَّ خَدَمُ الأبَوَيْنِ، ولِأنَّ لَفْظَةَ "البَنِينَ" لا تَدُلُّ عَلَيْهِنَّ، ألا تَرى أنَّهُنَّ لَيْسَ في قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا  ﴾ ، وإنَّما الزِينَةُ في الذُكُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الحَفَدَةُ: أولادُ زَوْجَةِ الرَجُلِ مِن غَيْرِهِ، ولا خِلافَ أنَّ مَعْنى "الحَفْدُ" هو الخِدْمَةُ والبِرُّ والمَشْيُ في الطاعَةِ مُسْرِعًا، ومِنهُ في القُنُوتِ: "وَإلَيْكَ نَسْعى ونُحْفِدُ"، والحَفَدانُ: خَبَبٌ فَوْقَ المَشْيِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ: حَفَدَ الوَلائِدُ بَيْنَهُنَّ وأُسْلِمَتْ ∗∗∗ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرُ: كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نُوقًا يَمانِيَةً ∗∗∗ ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الفِرَقُ الَّتِي ذَكَرْتُ أقْوالَها إنَّما بَنَتْ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ جُعَلَ لَهُ مِن أزْواجِهِ بَنِينَ وحِفْدَةٍ، وهَذا إنَّما هو في الغالِبِ وعُظْمِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ إنَّما هو عَلى العُمُومِ والِاشْتِراكِ، أيْ: مِن أزْواجِ البَشَرِ جَعَلَ اللهُ لَهُمُ البَنِينَ، ومِنهم جَعَلَ الخِدْمَةِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةً فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُ حَفَدَةً وحَصَّلَ تِلْكَ النِعْمَةَ، وأُولَئِكَ الحَفَدَةُ هم مِنَ الأزْواجِ، وهَكَذا تَتَرَتَّبُ النِعْمَةُ الَّتِي تَشْمَلُ جَمِيعَ العالَمِ، وتَسْتَقِيمُ لَفْظَةُ "الحَفَدَةُ" عَلى مَجْراها في اللُغَةِ، إذِ البَشَرُ بِجُمْلَتِهِمْ لا يَسْتَغْنِي أحَدٌ مِنهم عن حَفَدَةٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَفَدَةُ هُمُ البَنُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَسْتَقِيمُ عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً صِفَةً لَهُمْ، كَما لَوْ قالَ: جَعَلْنا لَهم بَنِينَ وأعْوانًا، أيْ: وهم لَهم أعْوانٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: وهم حَفَدَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ ﴾ يُرِيدُ:المُلَّذَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَطِيبُ لِمَن يُرْزَقُها، ولا يَقْتَصِرُ هُنا عَلى الحَلالِ؛ لِأنَّهم كُفّارٌ لا يَكْتَسِبُونَ بِشَرْعٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: "إنِ الرِزْقَ إنَّما يَكُونُ الحَلالُ فَقَطْ"، ولَهم تَعَلُّقُ في لَفْظَةِ "مِن" إذْ هي لِلتَّبْعِيضِ، فَيَقُولُونَ: لَيْسَ الرِزْقُ المُعَدِّدُ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما بِأيْدِيهِمْ إلّا ما كانَ حَلالًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُؤَمِّنُونَ"، وتَجِيءُ الآيَةُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- تَوْقِيفًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ إخْبارًا مُجَرَّدًا عنهُمْ، وحُكْمًا عَلَيْهِمْ لا تَوْفِيقًا، وقَدْ يُحْتَمَلُ التَوْقِيفُ أيْضًا عَلى قِلَّةِ اطِّرادٍ في القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على التي قبلها، وهو استدلال ببديع الصنع في خلق النسل إذ جعل مقارناً للتأنّس بين الزوجين، إذ جعل النسل منهما ولم يجعله مفارقاً لأحد الأبوين أو كليهما.

وجعل النسل معروفاً متصلاً بأصوله بما ألهمه الإنسان من داعية حفظ النسب، فهي من الآيات على انفراده تعالى بالوحدانية كما قال تعالى في سورة الروم (21): ﴿ ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فجعلها آية تنطوي على آيات، ويتضمّن ذلك الصنع نعماً كثيرة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وبنعمت الله هم يكفرون ﴾ .

والقول في جملة ﴿ والله جعل لكم ﴾ كالقول في نظيرتيها المتقدمتين.

واللام في ﴿ جعل لكم ﴾ لتعدية فعل ﴿ جعل ﴾ إلى ثانٍ.

ومعنى ﴿ من أنفسكم ﴾ من نوعكم، كقوله تعالى: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسَلّموا على أنفسكم ﴾ [سورة النور: 21] أي على الناس الذين بالبيوت، وقوله: ﴿ رسولا من أنفسهم ﴾ [سورة آل عمران: 164] وقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ [سورة البقرة: 85].

والخطاب بضمير الجماعة المخاطبين موجّه إلى الناس كلّهم، وغلب ضمير التذكير.

وهذه نعمة إذ جعل قرين الإنسان متكوّناً من نوعه، ولو لم يجعل له ذلك لاضطُرّ الإنسان إلى طلب التأنّس بنوع آخر فلم يحصل التأنّس بذلك للزوجين.

وهذه الحالة وإن كانت موجودة في أغلب أنواع الحيوان فهي نعمة يدركها الإنسان ولا يدركها غيره من الأنواع.

وليس من قوام ماهيّة النّعمة أن ينفرد بها المنعم عليه.

والأزواج: جمع زوج، وهو الشيء الذي يصير مع شيء آخر اثنين، فلذا وصف بزوج المرادف لثان.

وقد مضى الكلام عليه في قوله تعالى: ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ في [سورة البقرة: 35].

والوصف بالزوج يؤذن بملازمته لآخر، فلذا سمّي بالزوج قرين المرأة وقرينةُ الرجل.

وهذه نعمة اختصّ بها الإنسان إذ ألهمه الله جعل قرين له وجبله على نظام محبّة وغيرة لا يسمَحان له بإهمال زوجه كما تُهمل العجماوات إناثها وتنصرف إناثها عن ذكورها.

و ﴿ من ﴾ الداخلة على ﴿ أنفسكم ﴾ للتّبعيض.

وجعل البنين للإنسان نعمة، وجعل كونهم من زوجة نعمة أخرى، لأن بها تحقّق كونهم أبناءه بالنسبة للذكر ودوام اتّصالهم به بالنّسبة، ووجود المشارك له في القيام بتدبير أمرهم في حالة ضعفهم.

و ﴿ من ﴾ الداخلة على ﴿ أزواجكم ﴾ للابتداء، أي جعل لكم بنين منحدرين من أزواجكم.

والحفدة: جمع حافد، مثل كَملة جمع كامل.

والحافد أصله المسرع في الخدمة.

وأطلق على ابن الابن لأنه يكثر أن يخدم جدّه لضعف الجدّ بسبب الكبر، فأنعم الله على الإنسان بحفظ سلسلة نسبه بسبب ضبط الحلقة الأولى منها، وهي كون أبنائه من زوجه ثم كون أبناء أبنائه من أزواجهم، فانضبطت سلسلة الأنساب بهذا النظام المحكم البديع.

وغير الإنسان من الحيوان لا يشعر بحفدته أصلاً ولا يَشعر بالبنوّة إلا أنثى الحيوان مدة قليلة قريبَة من الإرضاع.

والحفدة للإنسان زيادة في مسرّة العائلة، قال تعالى: ﴿ فبشرّناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ [سورة هود: 71].

وقد عملت من } الابتدائية في ﴿ حفدة ﴾ بواسطة حرف العطف لأن الابتداء يكون مباشرة وبواسطة.

وجملة ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ معطوفة على جملة ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ وما بعدها، لمناسبة ما في الجمل المعطوف عليها من تضمّن المنّة بنعمة أفراد العائلة، فإن من مكمّلاتها سعة الرزق، كما قال تعالى في آل عمران ﴿ زيّن للناس حبّ الشّهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ﴾ [سورة النحل: 14] الآية.

وقال طرفة: فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي *** بنون كرام سادة لمسود فالمال والعائلة لا يروق أحدها بدون الآخر.

ثم الرزق يجوز أن يكون مراداً منه المال كما في قوله تعالى في قصة قارون: ﴿ وأصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون ويكأنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ﴾ [سورة القصص: 82].

وهذا هو الظاهر وهو الموافق لما في الآية المذكورة آنفاً.

ويجوز أن يكون المراد منه إعطاء المأكولات الطيّبة، كما في قوله تعالى: ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ [سورة آل عمران: 37] و ﴿ من ﴾ تبعيضية.

و ﴿ الطيبات ﴾ : صفة لموصوف محذوف دلّ عليه فعل رزقكم، أي الأرزاق الطيّبات.

والتأنيث لأجل الجمع.

والطيّب: فَيْعِللٍ صفة مبالغة في الوصف بالطّيِب.

والطِيبُ: أصله النزاهة وحسن الرائحة، ثم استعمل في الملائم الخالص من النّكد، قال تعالى: ﴿ فلنحيينه حياة طيبة ﴾ [سورة النحل: 97].

واستعمل في الصالح من نوعه كقوله تعالى: ﴿ والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه ﴾ في سورة الأعراف (58).

ومنه قوله تعالى: ﴿ الذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين ﴾ [سورة النحل: 32] وقد تقدم آنفاً.

فالطيّبات هنا الأرزاق الواسعة المحبوبة للناس كما ذكر في الآية في سورة آل عمران؛ أو المطعومات والمشروبات اللذيذة الصالحة.

وقد تقدم ذكر الطيّبات عند قوله تعالى: ﴿ اليوم أحل لكم الطيّبات ﴾ في سورة العقود (5)، وذكر الطيّب في قوله تعالى: ﴿ كلوا مما في الأرض حلالاً طيّباً ﴾ في سورة البقرة (168).

وفرع على هذه الحجّة والمنّة استفهامُ توبيخ على إيمانهم بالباطل البيّن، فتفريع التوبيخ عليه واضح الاتجاه.

والباطل: ضد الحقّ لأن ما لا يخلق لا يُعبد بحقّ.

وتقديم المجرور في قوله تعالى: ﴿ أفبالباطل ﴾ على متعلّقه للاهتمام بالتعريف بباطلهم.

والالتفات عن الخطاب السابق إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿ أفبالباطل ﴾ يجري الكلام فيه على نحو ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أفبنعمة الله يجحدون ﴾ [سورة النحل: 71].

وقوله تعالى: ﴿ وبنعمت الله هم يكفرون ﴾ عطف على جملة التوبيخ، وهو توبيخ متوجّه على ما تضمّنه قوله تعالى: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ من الامتنان بذلك الخلق والرزق بعد كونهما دليلاً على انفراد الله بالإلهية.

وتقديم المجرور في قوله تعالى: ﴿ بنعمت الله هم يكفرون ﴾ على عامله للاهتمام.

وضمير الغيبة في قوله تعالى: ﴿ هم يكفرون ﴾ ضمير فصل لتأكيد الحكم بكفرانهم النّعمة لأن كفران النّعمة أخفى من الإيمان بالباطل، لأن الكفران يتعلّق بحالات القلب، فاجتمع في هذه الجملة تأكيدان: التأكيد الذي أفاده التقديم، والتأكيد الذي أفاده ضمير الفصل.

والإتيان بالمضارع في ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يكفرون ﴾ للدّلالة على التجدّد والتّكرير.

وفي الجمع بين ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يكفرون ﴾ محسنّ بديع الطباق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي جَعَلَ لَكم مِن جِنْسِكم مِثْلَكم، فَضَرَبَ المَثَلَ مِن أنْفُسِكم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: يَعْنِي آدَمُ خَلَقَ مِنهُ حَوّاءَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ﴾ وفي الحَفَدَةِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأصْهارُ أُخْتانِ الرَّجُلِ عَلى بَناتِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو الضُّحى وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وإبْراهِيمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ لَها حَفَدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ ∗∗∗ ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عَيُوفٌ لِأصْهارِ اللِّئامِ قَذُورُ الثّانِي: أنَّهم أوْلادُ الأوْلادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم بَنُو امْرَأةِ الرَّجُلِ مِن غَيْرِهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الأعْوانُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهُمُ الخَدَمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وطاوُسٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ: حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهم وأسْلَمَتْ ∗∗∗ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ وَقالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: يَحْفِدُونَ الضَّيْفَ في أبْياتِهِمْ ∗∗∗ كَرَمًا ذَلِكَ مِنهم غَيْرَ ذُلٍّ وَأصْلُ الحَفْدِ الإسْراعُ، والحَفَدَةُ جَمْعُ حافِدٍ، والحافِدُ هو المُسْرِعُ في العَمَلِ، ومِنهُ قَوْلُهم في القُنُوتِ وإلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ، أيْ نُسْرِعُ إلى العَمَلِ بِطاعَتِكَ، مِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نُوقًا ثَمانِيَةً ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا وَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ بَنِينَ وحَفَدَةً ﴾ البَنِينُ الصِّغارُ والحَفَدَةُ الكِبارُ.

﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الفَيْئِ والغَنِيمَةِ.

الثّانِي: مِنَ المُباحاتِ في البَوادِي.

الثّالِثُ: ما أُوتِيَهُ عَفْوًا مِن غَيْرِ طَلَبٍ ولا تَعَبٍ.

﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالأصْنامِ.

الثّانِي: يَجْحَدُونَ البَعْثَ والجَزاءَ.

﴿ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالإسْلامِ.

الثّانِي: بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ آفَةً مِن أصْنامِهِمْ.

حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ قال: خلق آدم ثم خلق زوجته منه.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ بنين وحفدة ﴾ قال الحفدة الأختان.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحفدة الأصهار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحفدة الولد وولد الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحفدة بنو البنين.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ وحفدة ﴾ قال: ولد الولد وهم الأعوان قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: حفد الولائد حولهن وأسلمت ** بأكفهن أزمة الاجمال وأخرج ابن جرير، عن أبي حمزة قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿ بنين وحفدة ﴾ قال: من أعانك فقد حفدك، أما سمعت قول الشاعر: حفد الولائد حولهن وأسلمت ** بأكفهن أزمة الاجمال وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحفدة بنو امرأة الرجل ليسوا منه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي مالك قال: الحفدة الأعوان.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: الحفدة الخدم.

وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال: الحفدة البنون وبنو البنين، ومن أعانك من أهل أو خادم فقد حفدك.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ قال: الشرك.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ قال: الشيطان ﴿ وبنعمة الله ﴾ قال: محمد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ قال المفسرون: يعني النساء؛ خَلَقَ حواءَ من ضلع آدم (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأُسلَمتْ ...

بأكُفِّهِنَ أَزِمَّةُ الأجْمَالِ (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وأصلُ الحَفَدَةِ من الحَفْد، وهو: الخِفَّةُ في الخدمة والعمل، يقال: حفد يَحْفِدُ حَفْدًا وحَفُودًا وحَفَدانًا إذا أسرع (١٤) (١٥) (١٦) يَحْفِدون الضيفَ في أبياتِهمْ ...

كَرَمًا ذلك منهم غيرَ ذُلّ (١٧) قال أبو عبيد: وفيه لغة أخرى؛ أَحْفَدَ إِحْفادًا، وأنشد للراعي: أَخَبَّ بِهن الْمُخْلِفَان وأَحْفَدَا (١٨) قال: خَدَمَا (١٩) (٢٠) ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ وأعوان الرجل لا] (٢١) (٢٢) ﴿ وَحَفَدَةً ﴾ (٢٣) قوله تعالى: ﴿ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ قال ابن عباس: يريد من أنواع الثمار والحبوب والحيوان (٢٤) ﴿ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال ابن عباس: يعني بالأصنام (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ ، رُوي عن ابن عباس: أنه قال: يعني التوحيد (٢٩) (٣٠) ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ ، والوجهان هاهنا جائزان.

(١) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 143 بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 87، بنصه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 160أ، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 202، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 77، والزمخشري 2/ 336، وابن عطية 8/ 466، والفخر الرازي 20/ 80، وقد ذهب ابن عطية إلى أن الأظهر من قوله: ﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي: من نوعكم وعلى خلقتكم، كما قال: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ ، وكذلك ضعف الفخر الرازي هذا القول، وقال: وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ خطاب مع الكل، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل، بل الحكم عام في جميع المذكور والإناث؛ والمعنى: == أنه تعالى خلق النساء ليتزوج بهن الذكور، ومعنى: ﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ مثل قوله: ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ  ﴾ ، أي: بعضكم على بعض، ونظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  ﴾ انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 469، والفخر الرازي 20/ 80، وابن كثير 2/ 599.

(٢) أخرجه الطبري 14/ 144 بنصه من طريق عكرمة (جيدة)، وأخرج عنه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة) بلفظ: الأصهار، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بنصه، وانظر: "فتح الباري" 8/ 238، والأختان: جمع خَتَن، وهو زوج فتاة القوم ومن كان من قِبَلِه من رجل أو امرأة، فهم كلهم أختانٌ لأهل المرأة، وأم المرأة وأبوها خَتَنَانِ للزَّوْج، وقال الأصمعي: الأسماءُ من قِبَل الزوج، والأختان من قبل المرأة، والصهر يجمعهما، وقيل: الختنُ: الزوج ومن كان من ذوي رَحِمه، والصِّهرُ: من كان من قِبَل المرأة؛ نحو أببها وعمِّها وخالها، وقيل العكس، ومن العرب من يجعلهم كلهم أصهارًا.

انظر: (ختن) في "تهذيب اللغة" 2/ 1102، و"المحيط في اللغة" 4/ 312، و"الصحاح" 5/ 2107، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 88.

(٣) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في تفسير الثعلبي.

(٤) ورد في "غريب الحديث" 2/ 96، عن ابن مسعود: الأصهار، وأخرجه الطبري 14/ 143 - 144 من طرق عنهم قالوا: الأختان، وعن ابن مسعود: الأصهار، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 88، عن ابن مسعود قال: الأختان، وورد عنه وعن النخعي: الأصهار، و"تفسير هود الهواري" 2/ 379، عن ابن مسعود: الأختان، والجصاص 3/ 186، عنهم: الأختان، والسمرقندي 2/ 242، عن ابن مسعود: الأختان، وعنه: الأصهار، والثعلبي 2/ 160 أ، بنصه عنهم، و"تفسير الماوردي" 3/ 202، بنصه عنهم، والطوسي 6/ 407، بنحوه عنهم، وانظر: "تفسير البغوي" == 5/ 31، بنصه عن ابن مسعود والنخعي، وابن الجوزي 4/ 469، عنهم، قال البغوي: فيكون معنى الآية على هذا القول: وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار، و"فتح الباري" 8/ 238، عنهم.

(٥) أبو حمزة السكري، هو محمد بن ميمون المَرْوزي، إمام مشهور، ثقة فاضل، روى عن الأعمش والسدي، وعنه: عبدان ونعيم بن حماد، لقب بالسكري لحلاوة منطقه، توفي سنة (167 هـ).

انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 81، و"ميزان الاعتدال" 5/ 178، و"الكاشف" 2/ 226، و"تقريب التهذيب" ص 510، و"تفسير الطبري" تحقيق شاكر 2/ 372.

(٦) نسبه أبو عبيد للأخطل، وليس في ديوانه، ونسبه أبو عبيدة لجميل، وهو جميل بثينة، وليس في ديوانه، ونسبه الطبري لحميد.

(٧) ورد في: غريب الحديث لأبي عبيد 2/ 96، و"مجاز القرآن" 1/ 364، و"تفسير الطبري" 14/ 144، ونسب لجميل كذلك في "تفسير الماوردي" 3/ 202، و"تفسير ابن عطية" 8/ 467، وابن كثير 2/ 636، و"تفسير الألوسي" 14/ 190، وورد بلا نسبة في "العين" 3/ 185، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 213، و"تفسير الطبري" 14/ 144، و"جمهرة اللغة" 1/ 504، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 90، و"تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 861، و"تفسير الزمخشري" 2/ 336، و"ابن العربي" 3/ 1163، و"تفسير القرطبي" 10/ 143، وأبي حيان 5/ 500، و"اللسان" (حفد) 2/ 923 وفي بعض المصادر برواية (بينهن) بدل (حولهن).

الولائد: الخدم؛ مفردها: وليدة، والبيت يصور ما يقوم به الولائد من خدمة وسعي، ومن إمساكٍ بأزمَّة الأجمال.

(٨) أخرجه الطبري 14/ 144 بنصه، ورد في "تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 861 بنصه ما عدا عجز البيت، والثعلبي 2/ 160 أ، بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 143، و"اللسان" (حفد) 2/ 923، و"الدر المنثور" 5/ 149.

(٩) "تفسير مجاهد" ص 349 بنصه، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 358، عن الحسن: هم الخدم، ورد في غريب الحديث 3/ 374، عن مجاهد: هم الخدم، وأخرجه الطبري 14/ 145 بنصه عن مجاهد، ومن طرق عن الحسن ومجاهد قالا: هم الخدم، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 89، عن الحسن: هم الخدم، و"تفسير الجصاص" 3/ 186، عن مجاهد: هم الخدم، والسمرقندي 2/ 242، بنصه عن مجاهد، والثعلبي 2/ 160، عن عكرمة والحسن: هم الخدم، وعن مجاهد: هم الأنصار والأعوان، و"تفسير الماوردي" 3/ 202، عن الحسن: الأعوان، وعن مجاهد: الخدم، والطوسي 6/ 406، عن مجاهد: هم الخدم، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، وابن عطية 8/ 467، وأبي حيان 5/ 515، عن مجاهد، وابن كثير 2/ 636، عن مجاهد، وقد استحسن النحاس من قال أنهم الخدم، ثم قال: إلا أنه يكون منقطعًا مما قبله عند أبي عبيد -لم أقف عليه- وُينْوى به التقديمُ والتأخيرُ، كأنه قال: وجعل لكم حَفَدةً، أي خدَماً، وجعل لكم من أزواجكم بنين، وجعل ابن الأنباري التقدير: وجعل لكم من أزواجكم بنين، وجعل لكم حفدةً من غير الأزواج.

"تفسير ابن الجوزي" 4/ 470.

(١٠) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 358)، بمعناه، والطبري 14/ 145 - 146 من طرق بنصه وبمعناه عن عكرمة، وعن السُّديّ، قال: الأعوان، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 89، بمعناه عن عكرمة، و"تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 862، بمعناه عن عكرمة، وانظر: "اللسان" (حفد) 2/ 923، عن عكرمة.

(١١) أخرجه الطبري 14/ 145، بنحوه عن قتادة، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بنصه عن عطاء، وبنحوه عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، عنهما، والخازن 3/ 126، عن عطاء.

(١٢) أخرجه الطبري 14/ 146 بنصه عن سعيد، وعن مجاهد من طريقين قال: البنون، == ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بنصه من طريقهما، و"تفسير الماوردي" 3/ 202) بنصه، والطوسي 6/ 406، بمعناه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، وابن الجوزي 4/ 470، و"تفسير القرطبي" 10/ 143، والخازن 3/ 126.

وقد نصر ابن العربى هذا القول، فقال: فالظاهر عندي من قوله: ﴿ بَنِينَ ﴾ : أولاد الرجل من صُلْبِه، ومن قوله: ﴿ وَحَفَدَهً ﴾ : أولاد ولده، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا، ويكون تقدير الآية: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، ومن أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة.

"تفسير ابن العربى" 3/ 1162.

(١٣) أخرجه الطبري 14/ 146 بنصه عن ابن عباس ضعيفة، وورد في "تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 862، بنحوه عن الضحاك، والثعلبي 2/ 160 أ، بنصه عن ابن عباس ضعيفة، وبنحوه عن ابن زيد، و"تفسير الماوردي" 3/ 202، بنحوه عن ابن عباس، والطوسي 6/ 406، بنحوه عن ابن عباس، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، عن ابن عباس، وابن عطية 8/ 467، عن ابن عباس، وابن الجوزي 4/ 470، عن ابن عباس والضحاك، و"اللسان" (حفد) 2/ 923، عن الضحاك، و"تفسير الخازن" 3/ 126، عن ابن عباس، و"الدر المنثور" 4/ 233 - 234، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.

(١٤) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 147، بنحوه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 90، بنحوه، وانظر: (حفد) في "تهذيب اللغة" 1/ 862، و"المحيط في اللغة" 3/ 42، و"اللسان" 2/ 923، و"التاج" (حفد) 4/ 423.

(١٥) هذا جزء من دعاء القنوت الذي ورد عن عمر -  - موقوفًا عليه، أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" الدعاء/ ما يدعو به في قنوت الفجر (6/ 91) من عدة طرق، والبيهقي، الصلاة/ دعاء القنوت 2/ 210، وورد في "الأذكار" للنووي ص 96، و"كنز العمال" 8/ 74 - 75.

(١٦) "مجاز القرآن" 1/ 364، بنحوه.

(١٧) ليس في ديوانه، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 202، وورد غير منسوب في "تفسير أبي حيان" 5/ 500، و"الدر المصون" 7/ 265، و"تفسير الألوسي" 14/ 190.

(١٨) وصدره: مَزَايِدُ خَرْقاَءِ اليَدَيْن مُسِيْفَةٍ "شعر الراعي النميري" ص 61، وورد في "تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 861، (ساف) 2/ 1598، و"مجمل اللغة" 1/ 481، و"مقاييس اللغة" 3/ 122، و"اللسان" (حفد) 2/ 923، (سوف) 4/ 2153، (سيف) 4/ 2172، و"التاج" (حفد) 4/ 424، ويروى: (مزائدُ)، وقياسها: مزاود؛ لأنها جمع مزادة: وهي وعاء الزاد وراوية يحمل فيها الماء، (خرقاء): بَيِّنَةُ الخرق، وهو الجهل والحمق، (مسيفة): المُسِيفُ المتقلِّد بالسيف، وأساف الخرز: أي خرقه، (أخب): يقال: أخبّ فلان في الأمر: أسرع فيه، (المخلفان): المُخْلِفُ: الذي لم تُصِبْ ماشيته الرَّبيعَ، وقيل: هو الذي يحمل الماء العذب إلى القوم ليس معهم ماء عذب، أو يكونون على ماء ملح، ولا يكون الإخلاف إلا في الربيع، وهو في غيره مستعار منه.

(١٩) "غريب الحديث" 2/ 96، بنصه تقريبًا، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 861، بنصه تقريبًا.

(٢٠) ورد في "تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 861، وفيه، قال الليث: الاحْتفادُ: السُّرعةُ في كلِّ شيء.

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).

(٢٢) في (أ)، (د): (عبادهم)، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصحيح.

(٢٣) اختلفت ترجيحات العلماء في المقصود بـ (حفدة) وقد ذكرتها مقترنة بالأقوال، وهنا يرجح الواحدي رحمه الله نوعًا خاصًا من الأعوان؛ هم مَنْ كانوا مِنْ قِبَل المرأة، ولم يرتض الطبري تخصيص المقصود بالحفدة بأحد الأقوال الواردة؛ لأن المنّة تحصل بكل ذلك، لذلك قال: فكل الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة، ومَخْرج في التأويل، وهو الصحيح.

"تفسير الطبري" 14/ 147.

(٢٤) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 470، بنصه، وبلا نسبة في "تفسير القرطبي" 10/ 145، والخازن 3/ 126، وأبي حيان 5/ 515، و"تفسير الألوسي" 14/ 191.

(٢٥) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 470، والفخر الرازي 20/ 81، و"القرطبي" 10/ 145.

(٢٦) "تفسير مقاتل" 1/ 205 أ، بلفظه.

(٢٧) ساقطة من: (أ)، (ش)، (ع).

(٢٨) لم أقف عليه.

(٢٩) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 470.

وورد بلفظه غير منسوب في "تفسير البغوي" 3/ 77.

(٣٠) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 147، بنحوه، والثعلبي 2/ 160 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أزواجا ﴾ يعني الزوجات، ومن انفسكم يحتمل أن يريد من نوعكم وعلى خلقتكم، أو يريد أن حواء خلقت من ضلع آدم، وأسند ذلك إلى بني آدم لأنهم من ذرتيه ﴿ وَحَفَدَةً ﴾ جمع حافد قال ابن عباس: هم أولاد البنين، وقيل: الأصهار وقيل الخدم، وقيل: البنات إلا أن اللفظ المذكور لا يدل عليهم، والحفدة في اللغة الخدمة ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الآية: توبيخ للكفار، وردّ عليهم في عبادتهم للأصنام، وهي لا تملك لهم رزقاً، وانتصب رزقاً لأنه مفعول بيملك، ويحتمل أن يكون مصدراً أو اسماً لما يرزق، فإن كان مصدراً فإعراب شيئاً مفعول به، لأن المصدر ينصب المفعول، وإن كان اسماً فإعراب شيئاً بدل منه ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ الضمير عائد على ما لأن المراد به الإلهية، ونفي الاستطاعة بعد نفي الملك، لأن نفيها أبلغ في الذم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ فإن قيل لنا أي منة له علينا في ذكر خلقنا ثم توفيه إيانا ورده لنا إلى الحال التي ذكر وهو حال الجهل حتى لا نعلم شيئاً.

قيل ذكر هذا - والله أعلم - يحتمل وجوهاً: أحدها: يذكرهم أنه هو الذي خلقكم، ثم هو يتوفاكم، ثم هو يملك ردكم إلى الحال التي لا تعلمون شيئاً، وفي ملكه وسلطانه تتقلبون، فكيف عبدتم الأصنام والأوثان التي لا يملكون شيئاً من ذلك وأشركتموها في ألوهيته وعبادته، أو يذكر هذا أنه خلقكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يتوفاكم بعد ما أحياكم، ثم يردكم إلى الحال التي لا تعقلون شيئاً بعدما جعلكم عقلاء علماء، فمن يملك هذا ويقدر على هذا، يقدر على الإحياء بعد الموت والبعث بعد الفناء.

أو يذكر هذا؛ ليعلموا أنه لم يكن المقصود بخلقهم الفناء خاصة، لكن لأمر آخر قصد بخلقهم، وهو ما ذكر فيما تقدم من أنواع النعم وتسخير ما ذكر من الأشياء لهم ليعلموا أن المقصود في خلقهم لم يكن الفناء خاصة؛ إذ لو كان الفناء خاصة لم يحتج إلى ما خلق لهم من الأغذية والنعم التي أنشأ لهم والأشياء التي سخرها لهم.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ﴾ وكنتم نطفاً أمواتاً فأحياكم، ثم يتوفاكم أطفالا وشيوخاً، ومنكم من يعمر إلى أرذل العمر، يقول: يرده بعد قوة وعلم وتدبير الأمور إلى الخرف والجهل بعد العلم ليبين لخلقه أن العمر والرزق ليس بهما ربي وقوي؛ لأنهما ثابتان ثم يبلى ويفنى بهما ويرجع إلى الجهل، ولكن بلطف من الله وتدبير منه، لا بالأغذية، والله أعلم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بما دبر في خلقه مما يدركون به قدرة خالقهم، وتصريفه الأمور، وبما يكونون به حكماء وعلماء أن الذي دبرها حكيم قدير على ما شاء، والحكمة فيما ذكر من تفريق الآجال ليكونوا أبداً خائفين راجين؛ لأنه لو كانت آجالهم واحدة يأمنون ويتعاطون المعاصي على أمن، لما يعلمون وقت نزول الموت بهم.

والثاني: ليعلموا أن التدبير في أنفسهم وملكهم لغيرهم لا لهم؛ لأن التدبير والأمر لو كان إليهم لكان كل منهم يختار من الحال ما هو أقوى وآكد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: [يذكر] هذا مقابل ما أشركوا خلقه وعباده في ألوهيته [وعبادته]، يقول: فضل الله بعضكم على بعض في الرزق والأموال حتى بلغوا السادة والموالي فلا ترضون أن يكون عبيدكم ومماليككم شركاء في ملككم وأموالكم، فكيف ترضون لله أن يكون عبيده ومماليكه شركاء، إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ ﴾ أغنى بعضكم، وأفقر بعضاً، وجعل منكم أحراراً وعبيداً ﴿ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ ﴾ بالغنى والتمليك ﴿ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ من عبيدهم ﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ إذ يستوي المولى وعبده فيما ملكت يمينه، يقول: فليس أحد منكم يرضى أن يكون عبده بمنزلته فيما يملك سواء، فإذا رأيتم أنتم ذلك نقصا بكم لو فعلتم، فكيف زعمتم أن الله أشرك بينه وبين أحجار حتى أشركتم ما ملككم الله بينه وبين الأوثان في العبادة وفيما آتاكم من رزق، فقلتم: هذا لله، وهذا لشركائنا ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ يقول أنعم الله عليهم بأنفسهم وأرزاقهم وأموالهم وأولادهم، فأشركوا غير الله فيها، وجحدوا نعمة الله عليهم [بها عصوا]، وبها كفروا، ثم ألزمهم النظر في الفضل الذي ذكر أنه فضل بعضهم على بعض إلى عين الفضل الذي كان من الله، لا إلى الأسباب التي اكتسبوها، ليعلموا أنهم لم ينالوا تلك الفضائل باستحقاق منهم، ولكن إنما نالوا بفضل منه ورحمة، فيكون ذلك دليلا لهم فيما أنكروا من أفضال الله، واختصاصه بعضهم بالرسالة والنبوة، وإن كانوا جميعاً من بشر، ومن جنس واحد على ما فضل بعضهم على بعض في الرزق، والسعة، والملك، والحرية والسلطان، وإن كانوا جميعاً في الجنس واحد، فإذا لم تنكروا هذا النوع من الفضل والاختصاص لبعض على بعض، فكيف أنكرتم ذلك الفضل والاختصاص بالرسالة ممن فضله ورحمته، فلذلك قال - والله أعلم -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ  ﴾ أخبر أنه برحمته وفضله ينال ما ينال من الرسالة وغيرها، لا بالاستحقاق والاستيجاب كان منهم، أو أن يذكر سفههم بأنهم يأنفون أن يشركوا عبيدهم ومماليكهم في ملكهم وأموالهم ولهم بهم منافع من الخدمة والإعانة في الأمور، فما بالهم يشركون أحجاراً وخشبا، لا منفعة لأحد منهما في ألوهية الله وربوبيته وفي عبادته: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ على تأويل النبوة أبفضل الله وبرحمته يجحدون أنه لا يفضل بعضا على بعض بالرسالة، أو يجحدون ما آتاهم الله من النعم، فيصرفون نعمه إلى غيره، وهي الأصنام التي عبدوها، فقالوا: هذا لشركائنا، أو يصرفون شكر نعمه إلى غيره، وهي الأوثان التي عبدوها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ قال الحسن وغيره: الحفدة: الخدم والمماليك، فهو على التقديم، على تأويل هؤلاء، يقول: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وخدماً من جنسكم؛ لأنه ذكر فيما تقدم: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ...

﴾ الآية، يذكرهم نعمه وفضله الذي ذكر أنه جعل لكم من جنسكم أزواجاً وخدماً تحت أيديهم، يستمتعون بالأزواج، ويستخدمون الخدم والمماليك، وهم من جنسهم وجوهرهم، يذكرهم فضله ومننه عليهم.

أو يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً...

 ﴾ الآية، كانوا يأنفون عن البنات، ويدفنونهن أحياء إذا ولدن أنفا منهن، يقول - والله أعلم -: كيف تأنفون منهن وقد جعل لكم من البنات أزواجاً تستمتعون بهن حتى لا تصبروا عنهن، وكذلك جعل لكم من البنات والبنين الذين ترغب أنفسكم فيهم ما لولا البنات لم تكن لكم الأزواج التي تستمتعون بهن، ولم يكن لكم البنون الذين ترغبون فيهم، والأنصار والأعوان والخدم الذين ترغبون فيهم، يبين ويذكر تناقضهم في الأنفة منهن يأنفون منهن، ومن البنات يكون ما يرغبون فيهم؛ فهذا يدل أن النساء يصرن كالملك للأزواج، ويصرن تحت أيديهم في حق ملك الاستمتاع، كالمماليك في حق ملك الرقاب، ثم جعل - عز وجل - التناسل في الخلق على التفاريق، وتقلبهم من حال إلى حال، وتنقلهم أبداً كذلك ليكون أذكر لتدبيره، وأنظر في آياته ودلالاته، ولو شاء لأنشأ الخلق كله بمرة واحدة، وأفناهم بدفعة واحدة، وكذلك ما جعل لهم من الأرزاق وأنواع النبات، لو شاء لأخرج لهم ذلك كله بمرة واحدة في وقت واحد، لكنه أنشأ لهم بالتفاريق ليذكرهم النظر في آياته وتدبيره، ليكون ذلك لهم أدعى إلى المرغوب، وأحذر للمرهوب، وكذلك ماردد من الأنباء والقصص، والمواعيد، وذكر الجنة والنار في القرآن في غير موضع ليبعثهم ويحثهم على النظر في آياته وتدبيره، ويرغبهم في كل وقت في المرغوب، ويحذرهم عن المحذور والمرهوب، ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ونحوه، ذكر الأنفس في [هذا] كله، ثم لم يفهم أهل الخطاب من هذا كله معنى واحداً وشيئاً واحداً، وإن كان في حق اللسان واللغة واحدا لكنهم فهموا في كل غير ما فهموا في آخر، فهذا يدل أنه لا يفهم الحكمة والمعنى في الخطاب بحق ظاهر اللسان واللغة، ولكن بدليل الحكمة المجعولة في الخطاب، ومن اعتقد في الخطاب الظاهر حسم باب طلب الحكمة [فيه] والمعنى؛ لأنه يجعل المراد منه الظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ هو ما ذكرنا، وحفدة اختلف فيه، قال بعضهم: الحفدة: الخدم والمماليك.

وقال بعضهم: الحفدة: ولد الولد.

وقال ابن مسعود  : الحفدة: الأختان وروي عنه أنه قال: الحفدة: الأصهار فالأصهار والأختان عنده واحد، وقيل: الحفدة: الأعوان والأنصار [يذكرهم التناقض فيما يأنفون من البنات أن كيف يأنفون عنهن ومنهن يكون لكم الأعوان والأنصار] والأختان في أمر الدنيا.

وقال أبو عوسجة: الحفدة: بنو البنين، وقال أيضاً: الحفدة: الأعوان، والحافد: المجتهد في العبادة وفي العمل، يقول: حفد يحفد، أي: خدم واجتهد، وقوله: وإليك نسعى ونحفد، أي: نجتهد.

وقال القتبي: الحفدة: الخدم والأعوان، يقال: هم بنون وخدم.

وقال: أصل الحفد: مداركة الخطو والإسراع في المشي، وإنما يفعل ذلك الخدم، فقيل لهم: حفدة، واحدها: حافد.

وقال: ومنه يقال في دعاء الوتر: وإليك نسعى ونحفد.

وقال أبو عبيد: وأصل الحفد: العمل.

وقال: ومنه الحرف في القنوت: نحفد، أي: نعمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ قال بعضهم: الطيبات: الحلالات.

وقال بعضهم: الطيبات: أي: كل ما طاب ولان ولطف، ورزق غيركم من الدواب والبهائم كل ما خشن، وخبث يذكرهم مننه عليهم ونعمه [عليهم] ليستأدي بذلك شكره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال بعضهم: أبالشيطان يصدّقون، ويجيبونه إلى ما دعاهم من الأنفة من البنات، وبنعمة الله هم يكفرون، أي: هذه البنات لكم نعمة، فكيف تكفرونها، وقال: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: أبالشيطان إلى ما دعاكم وبنعمة الله أي: بمحمد يكفرون، أو بالإسلام، أو بالقرآن.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ يقول: تقرون بأنكم عبيد لأحجار وتذلون لها وتعبدونها، ﴿ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ يقول: وبما أنعم الله عليكم في أنفسكم وما خولكم ورزقكم تكفرون به، وكان الشكر أولى بكم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله جعل لكم -أيها الناس- من جنسكم أزواجًا تأنسون بهن، وجعل لكم من أزواجكم أولادًا وأولاد أولاد، ورزقكم من المأكولات -كاللحم والحبوب والفواكه- طيبها، أفبالباطل من الأصنام والأوثان يؤمنون، وبنعم الله الكثيرة التي لا يستطيعون حصرها يكفرون ولا يشكرون الله بأن يؤمنوا به وحده؟!

من فوائد الآيات جعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد، ومصالح من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريًّا ونضيجًا وحاضرًا ومُدَّخَرًا وطعامًا وشرابًا.

في خلق النحلة الصغيرة وما يخرج من بطونها من عسل لذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يُحَب غيره ويُدْعى سواه.

من منن الله العظيمة على عباده أن جعل لهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم، ويخدمونهم ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.mD86O"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر