الآية ٣٧ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٣٧ من سورة مريم

فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فاختلف الأحزاب من بينهم ) أي : اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله ، وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فصممت طائفة - وهم جمهور اليهود ، عليهم لعائن الله - على أنه ولد زنية ، وقالوا : كلامه هذا سحر .

وقالت طائفة أخرى : إنما تكلم الله .

وقال آخرون : هو ابن الله ، وقال آخرون : ثالث ثلاثة .

وقال آخرون : بل هو عبد الله ورسوله .

وهذا هو قول الحق ، الذي أرشد الله إليه المؤمنين .

وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون ، وابن جريج ، وقتادة ، وغير واحد من السلف والخلف .

قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ) ، قال : اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر ، أخرج كل قوم عالمهم ، فامتروا في عيسى حين رفع ، فقال أحدهم : هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا ، وأمات من أمات ، ثم صعد إلى السماء - وهم اليعقوبية .

فقال الثلاثة : كذبت .

ثم قال اثنان منهم للثالث : قل أنت فيه ، قال : هو ابن الله - وهم النسطورية .

فقال الاثنان : كذبت .

ثم قال أحد الاثنين للآخر : قل فيه .

قال : هو ثالث ثلاثة : الله إله ، وهو إله ، وأمه إله - وهم الإسرائيلية ملوك النصارى ، عليهم لعائن الله .

قال الرابع : كذبت ، بل هو عبد الله ورسوله وروحه ، وكلمته ، وهم المسلمون .

فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا ، فاقتتلوا فظهر على المسلمين ، وذلك قول الله تعالى : ( ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ) [ آل عمران : 21 ] وقال قتادة : وهم الذين قال الله : ( فاختلف الأحزاب من بينهم ) قال : اختلفوا فيه فصاروا أحزابا وقد روى ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس ، وعن عروة بن الزبير ، وعن بعض أهل العلم ، قريبا من ذلك .

وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم : أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم ، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا ، فاختلفوا في عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، اختلافا متباينا ، فقالت كل شرذمة فيه قولا فمائة تقول فيه قولا وسبعون تقول فيه قولا آخر ، وخمسون تقول فيه شيئا آخر ، ومائة وستون تقول شيئا ، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم ، اتفقوا على قول وصمموا عليه ومال إليهم الملك ، وكان فيلسوفا ، فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم ، فوضعوا له الأمانة الكبيرة ، بل هي الخيانة العظيمة ، ووضعوا له كتب القوانين ، وشرعوا له أشياء وابتدعوا بدعا كثيرة ، وحرفوا دين المسيح ، وغيروه ، فابتنى حينئذ لهم الكنائس الكبار في مملكته كلها : بلاد الشام ، والجزيرة ، والروم ، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة ألف كنيسة ، وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح ، وقد كذبوا ، بل رفعه الله إلى السماء .

وقوله : ( فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله ، وافترى ، وزعم أن له ولدا .

ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة وأجلهم حلما وثقة بقدرته عليهم; فإنه الذي لا يعجل على من عصاه ، كما جاء في الصحيحين : " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) [ هود : 102 ] وفي الصحيحين أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ، إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم " .

وقد قال الله تعالى : ( وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ) [ الحج : 48 ] وقال تعالى : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) [ إبراهيم : 42 ] ولهذا قال هاهنا : ( فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) أي : يوم القيامة ، وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته ، عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فاختلف المختلفون في عيسى، فصاروا أحزابا متفرّقين من بين قومه.

كما حدثني محمد بن عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثني الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) قال: أهل الكتاب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) ذُكر لنا أن لما رُفع ابن مريم، انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم، فقالوا للأوّل: ما تقول في عيسى؟

قال: هو الله هبط إلى الأرض، فخلق ما خلق، وأحيا ما أحيا، ثم صَعِد إلى السماء، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت اليعقوبية من النصارى; وقال الثلاثة الآخرون: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثاني: ما تقول في عيسى؟

قال: هو ابن الله ، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت النَّسطورية من النصارى; وقال الاثنان الآخران: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟

قال: هو إله، وأمه إله، والله إله، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت الإسرائيلية من النصارى، فقال الرابع: أشهد أنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه; فاختصم القوم، فقال المرء المسلم: أنشدُكم الله ما تعلمون أن عيسى كان يَطعم الطعام، وأن الله تبارك وتعالى: لا يطعم الطعام قالوا: اللهمّ نعم، قال: هل تعلمون أن عيسى كان ينام؟

قالوا: اللهمّ نعم ، قال فخصمهم المسلم; قال: فاقتتل القوم.

قال: فذُكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنـزل الله في ذلك القرآن إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ( فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) اختلفوا فيه فصاروا أحزابا.

وقوله: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يقول: فوادي جهنم الذي يدعى ويلا للذين كفروا بالله، من الزاعمين أن عيسى لله ولد، وغيرهم من أهل الكفر به من شهودهم يومًا عظيما شأنه ، وذلك يوم القيامة.

وكان قتادة يقول في تأويل ذلك ما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) شهدوا هولا إذا عظيما.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وله تعالى : فاختلف الأحزاب من بينهم من زائدة أي اختلف الأحزاب بينهم .

وقال قتادة : أي ما بينهم فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى - عليه السلام - فاليهود بالقدح والسحر .

والنصارى قالت النسطورية منهم : هو ابن الله .

والملكانية ثالث ثلاثة .

وقالت اليعقوبية : هو الله ؛ فأفرطت النصارى وغلت ، وفرطت اليهود وقصرت .

وقد تقدم هذا في ( النساء ) وقال ابن عباس : المراد من الأحزاب الذين تحزبوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذبوه من المشركين .فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أي من شهود يوم القيامة ، والمشهد بمعنى المصدر ، والشهود الحضور ويجوز أن يكون الحضور لهم ، ويضاف إلى الظرف لوقوعه فيه ، كما يقال : ويل لفلان من قتال يوم كذا ؛ أي من حضوره ذلك اليوم .

وقيل : المشهد بمعنى الموضع الذي يشهده الخلائق ، كالمحشر للموضع الذي يحشر إليه الخلق .

وقيل : فويل للذين كفروا من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور ، فأجمعوا على الكفر بالله وقولهم : إن الله ثالث ثلاثة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما بين تعالى حال عيسى بن مريم الذي لا يشك فيها ولا يمترى، أخبر أن الأحزاب، أي: فرق الضلال، من اليهود والنصارى وغيرهم، على اختلاف طبقاتهم اختلفوا في عيسى عليه السلام، فمن غال فيه وجاف، فمنهم من قال: إنه الله، ومنهم من قال: إنه ابن الله.ومنهم من قال: إنه ثالث ثلاثة.ومنهم من لم يجعله رسولا، بل رماه بأنه ولد بغي كاليهود..وكل هؤلاء أقوالهم باطلة، وآراؤهم فاسدة، مبنية على الشك والعناد، والأدلة الفاسدة، والشبه الكاسدة، وكل هؤلاء مستحقون للوعيد الشديد، ولهذا قال: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ْ} بالله ورسله وكتبه، ويدخل فيهم اليهود والنصارى، القائلون بعيسى قول الكفر.

{ مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ْ} أي: مشهد يوم القيامة، الذي يشهده الأولون والآخرون، أهل السماوات وأهل الأرض، الخالق والمخلوق، الممتلئ بالزلازل والأهوال، المشتمل على الجزاء بالأعمال، فحينئذ يتبين ما كانوا يخفون ويبدون، وما كانوا يكتمون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فاختلف الأحزاب من بينهم ) يعني : النصارى سموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى : النسطورية والملكانية واليعقوبية .

( فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) يعني يوم القيامة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاختلف الأحزاب من بينهم» أي النصارى في عيسى أهو ابن الله أو إله معه أو ثالث ثلاثة «فويل» فشدة عذاب «للذين كفروا» بما ذكر وغيره «من مشهد يوم عظيم» أي: حضور يوم القيامة وأهواله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فاختلفت الفِرَق من أهل الكتاب فيما بينهم في أمر عيسى عليه السلام، فمنهم غال فيه وهم النصارى، فمنهم من قال: هو الله، ومنهم من قال: هو ابن الله، ومنهم من قال: ثالث ثلاثة - تعالى الله عما يقولون -، ومنهم جافٍ عنه وهم اليهود، قالوا: ساحر، وقالوا: ابن يوسف النجار، فهلاك للذين كفروا مِن شهود يوم عظيم الهول، وهو يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - موقف أهل الكتاب من عيسى - عليه السلام - فقال : ( فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) .والأحزاب جمع حزب والمراد بهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا فى شأنه - عليه السلام - فمنهم من اتهم أمه بما هى بريئة منه ، وهم اليهود كما فى قوله : ( وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ) ومنهم من قال هو ابن الله ، أو هو الله ، أو إله مع الله ، أو هو ثالث ثلاثة .

.

.

إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة التى حكاها القرآن عن الضالين وهم النصارى .ولفظ ( وْيْلٌ ) مصدر لا فعل له من لفظه ، وهو كلمة عذاب ووعيد .و ( مَّشْهَدِ ) يصح أن يكون مصدراً ميما بمعنى الشهود والحضور .والمعنى : هكذا قال عيسى - عليه السلام - لقومه : ( اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) ولكن الفرق الضالة من اليهود والنصارى اختلفوا فيما بينهم فى شأنه اختلافاً كبيراً ، وضلوا ضلالا بعيدا ، حيث وصفوه بما هو برىء منه ، فويل لهؤلاء الكافرين من شهود ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، حيث سيلقون عذاباً شديداً من الله بسبب ما نطقوا به من زور وبهتان .وعبر عنهم بالموصول فى قوله ( لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ) إيذاناً بكفرهم جميعاً ، وإشعاراً بعلة الحكم .قال أبو حيان : " ومعنى : ( مِن بَيْنِهِمْ ) أن الاختلاف لم يخرج عنهم ، بل كانوا هم المختلفين دون غيرهم " .وجاء التعبير فى قوله ( مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) بالتنكير ، للتهويل من شأن هذا المشهد ، ومن شأن هذا اليوم وهو يوم القيامة ، الذى يشهده الثقلان وغيرهما من مخلوقات الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح أن، ومعناه ولأنه ربي وربكم فاعبدوه، وقرأ الكوفيون وأبو عبيدة بالكسر على الابتداء، وفي حرف أبي ﴿ إِنَّ الله ﴾ بالكسر من غير واو أي بسبب ذلك فاعبدوه.

المسألة الثانية: أنه لا يصح أن يقول الله: ﴿ وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه ﴾ فلابد وأن يكون قائل هذا غير الله تعالى، وفيه قولان: الأول: التقدير فقل يا محمد إن الله ربي وربكم بعد إظهار البراهين الباهرة في أن عيسى هو عبد الله.

الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني: الواو في وإن الله عطف على قول عيسى عليه السلام: ﴿ إِنّى عَبْدُ الله ءاتَانِىَ الكتاب  ﴾ كأنه قال: إني عبد الله وإنه ربي وربكم فاعبدوه، وقال وهب بن منبه عهد إليهم حين أخبرهم عن بعثه ومولده ونعته أن الله ربي وربكم أي كلنا عبيد الله تعالى.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ يدل على أن مدبر الناس ومصلح أمورهم هو الله تعالى على خلاف قول المنجمين إن مدبر الناس ومصلح أمورهم في السعادة والشقاوة هي الكواكب ويدل أيضاً على أن الإله واحد لأن لفظ الله اسم علم له سبحانه فلما قال: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ أي لا رب للمخلوقات سوى الله تعالى وذلك يدل على التوحيد، أما قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ فقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية فهاهنا الأمر بالعبادة وقع مرتباً على ذكر وصف الربوبية فدل على أنه إنما تلزمنا عبادته سبحانه لكونه رباً لنا، وذلك يدل على أنه تعالى إنما تجب عبادته لكونه منعماً على الخلائق بأصول النعم وفروعها، ولذلك فإن إبراهيم عليه السلام لما منع أباه من عبادة الأوثان قال: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً ﴾ يعني أنها لما لم تكن منعمة على العباد لم تجز عبادتها، وبهذه الآية ثبت أن الله تعالى لما كان رباً ومربياً لعباده وجب عبادته، فقد ثبت طرداً وعكساً تعلق العبادة بكون المعبود منعماً، أما قوله: ﴿ هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ يعني القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة صراط مستقيم وأنه سمي هذا القول بالصراط المستقيم تشبيهاً بالطريق لأنه المؤدي إلى الجنة، أما قوله تعالى: ﴿ فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ ﴾ ففي الأحزاب أقوال: الأول: المراد فرق النصارى على ما بينا أقسامهم.

الثاني: المراد النصارى واليهود فجعله بعضهم ولداً وبعضهم كذاباً.

الثالث: المراد الكفار الداخل فيهم اليهود والنصارى والكفار الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وإذا قلنا المراد بقوله: ﴿ وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه ﴾ أي قل يا محمد إن الله ربي وربكم، فهذا القول أظهر لأنه لا تخصيص فيه، وكذا قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ مؤكد لهذا الاحتمال، وأما قوله: ﴿ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فالمشهد إما أن يكون هو الشهود وما يتعلق به أو الشهادة وما يتعلق بها.

أما الأول: فيحتمل أن يكون المراد من المشهد نفس شهودهم هول الحساب، والجزاء في القيامة أو مكان الشهود فيه وهو الموقف، أو وقت الشهود، وأما الشهادة فيحتمل أن يكون المراد شهادة الملائكة والأنبياء وشهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال، وأن يكون مكان الشهادة أو وقتها، وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه، وإنما وصف ذلك المشهد بأنه عظيم لأنه لا شيء أعظم مما يشاهد في ذلك اليوم من محاسبة ومساءلة، ولا شيء من المنافع أعظم مما هنالك من الثواب ولا بد من المضار أعظم مما هنالك من العقاب، أما قوله تعالى: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: التعجب هو استعظام الشيء مع الجهل بسبب عظمه، ثم يجوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظم سبب حصول، قال الفراء قال سفيان: قرأت عند شريح: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ  ﴾ فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه، وعبد الله أعلم بذلك منه قرأها: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ ﴾ ومعناه أنه صدر من الله تعالى فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم، وبهذا التأويل يضاف المكر والاستهزاء إلى الله تعالى، وإذا عرفت هذا فنقول: للتعجب صفتان: إحداهما: ما أفعله.

والثانية: أفعل به كقوله تعالى: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾ والنحويون ذكروا له تأويلات: الأول: قالوا: أكرم بزيد أصله أكرم زيد أي صار ذا كرم كأغد البعير أي صار ذا غدة إلا أنه خرج على لفظ الأمر ومعناه الخبر كما خرج على لفظ الخبر ما معناه الأمر كقوله تعالى: ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ  ﴾ ، ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن  ﴾ ، ﴿ قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً  ﴾ أي يمد له الرحمن مداً، وكذا قولهم: رحمه الله خبر وإن كان معناه الدعاء والباء زائدة.

الثاني: أن يقال إنه أمر لكل أحد بأن يجعل زيداً كريماً أي بأن يصفه بالكرم، والباء زائدة مثل قوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة  ﴾ ولقد سمعت لبعض الأدباء فيه تأويلاً.

ثالثاً: وهو أن قولك أكرم بزيد يفيد أن زيداً بلغ في الكرم إلى حيث كأنه في ذاته صار كرماً حتى لو أردت جعل غيره كريماً فهو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك، كما أن من قال: أكتب بالقلم فمعناه أن القلم هو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المشهور الأقوى أن معناه ما أسمعهم وما أبصرهم والتعجب على الله تعالى محال كما تقدم، وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وقيل: معناه التهديد مما سيسمعون وسيبصرون مما يسوء بصرهم ويصدع قلوبهم.

وثانيها: قال القاضي ويحتمل أن يكون المراد أسمع هؤلاء وأبصرهم أي عرفهم حال القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا.

وثالثها: قال الجبائي: ويجوز أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم بهم ليعرفوا أمرهم وسوء عاقبتهم فينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم أما قوله: ﴿ لكن الظالمون اليوم فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ ففيه قولان: الأول: لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وفي الآخرة يعرفون الحق.

والثاني: ﴿ لكن الظالمون اليوم فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وهم في الآخرة في ضلال عن الجنة بخلاف المؤمنين، وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ ﴾ فلا شبهة في أنه أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن ينذر من في زمانه فيصلح بأن يجعل هذا كالدلالة على أن قوله فاختلف الأحزاب أراد به اختلاف جميعهم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأما الإنذار فهو التخويف من العذاب لكي يحذروا من ترك عبادة الله تعالى وأما يوم الحسرة فلا شبهة في أنه يوم القيامة من حيث يكثر التحسر من أهل النار وقيل يتحسر أيضاً في الجنة إذا لم يكن من السابقين الواصلين إلى الدرجات العالية والأول هو الصحيح لأن الحسرة غم وذلك لا يليق بأهل الثواب، أما قوله تعالى: ﴿ إِذْ قُضِىَ الأمر ﴾ ففيه وجوه: أحدها: إذ قضى الأمر ببيان الدلائل وشرح أمرالثواب والعقاب.

وثانيها: إذ قضى الأمر يوم الحسرة بفناء الدنيا وزوال التكليف والأول أقرب لقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فكأنه تعالى بين أنه ظهرت الحجج والبينات وهم في غفلة وهم لا يؤمنون.

وثالثها: روي أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: قضى الأمر: فقال حين يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح وأهل النار غماً على غم واعلم أن الموت عرض فلا يجوز أن يصير جسماً حيوانياً بل المراد أنه لا موت ألبتة بعد ذلك وأما قوله: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ﴾ أي عن ذلك اليوم وعن كيفية حسرته وهم لا يؤمنون أي بذلك اليوم ثم قال بعده: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ أي هذه الأمور تؤول إلى أن لا يملك الضر والنفع إلا الله تعالى: ﴿ وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ أي إلى محل حكمنا وقضائنا لأنه تعالى منزه عن المكان حتى يكون الرجوع إليه وهذا تخويف عظيم وزجر بليغ للعصاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الاحزاب ﴾ اليهود والنصارى عن الكلبي.

وقيل النصارى لتحزبهم ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكانية.

وعن الحسن: الذين تحزبوا على الأنبياء لما قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيه من بين الناس ﴿ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ أي من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف.

أو من وقت الشهود، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال.

أو من مكان الشهادة أو وقتها.

وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى أوْ فِرَقُ النَّصارى: نَسْطُورِيَّةٌ قالُوا إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وَيَعْقُوبِيَّةٌ قالُوا هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، ومَلْكانِيَّةٌ قالُوا هو عَبْدُ اللَّهِ ونَبِيُّهُ.

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ مِن شُهُودِ يَوْمٍ عَظِيمٍ هَوْلُهُ وحِسابُهُ وجَزاؤُهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ مِن وقْتِ الشُّهُودِ أوْ مِن مَكانِهِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ وهو أنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ وألْسِنَتُهم وآرابُهم وأرْجُلُهم بِالكُفْرِ والفِسْقِ، أوْ مِن وقْتِ الشَّهادَةِ أوْ مِن مَكانِها.

وقِيلَ هو ما شَهِدُوا بِهِ في عِيسى وأُمِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فاختلف الأحزاب} الحزب الفرقة المنفردة برأيها عن غيرها وهم ثلاث فرق نسطورية ويعقوبية وملكانية {مِن بَيْنِهِمْ} من بين أصحابه أو من بين قومه أو من بين الناس وذلك أن النصارى اختلفوا في عيسى حين رفع ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول ثلاثة كانوا عندهم

أعلم أهل زمانهم وهو يعقوب ونسطور وملكان فقال يعقوب هو الله هبط إِلى الأرض ثم صعد إلى السماء وقال نسطور كان ابن الله أظهره ما شاء ثم رفعه إليه وقال الثالث كذبوا كان عبداً مخلوقاً نبياً فتبع كل واحد منهم قوم {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ} من الأحزاب إذ الواحد منهم على الحق {مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو يوم القيامة أو من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء جوارحهم بالكفر أو من مكان الشهادة أو وقتها أو المراد يوم اجتماعهم للتشاور فيه وجعله عظيماً لفظاعة ما شهدوا به في عيسى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها تَنْبِيهًا عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِجَعْلِهِمْ ما يُوجِبُ الِاتِّفاقَ مَنشَأً لِلِاخْتِلافِ فَإنَّ ما حُكِيَ مِن مَقالاتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِها نُصُوصًا قاطِعَةً في كَوْنِهِ عَبْدَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولَهُ قَدِ اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَّصارى بِالتَّفْرِيطِ والإفْراطِ، فالمُرادُ بِالأحْزابِ اليَهُودُ والنَّصارى وهو المَرْوِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ، ومَعْنى ﴿ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ أنَّ الِاخْتِلافَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهم بَلْ كانُوا هُمُ المُخْتَلِفِينَ، و( بَيْنَ ) ظَرْفٌ اسْتُعْمِلَ اسْمًا بِدُخُولِ مِن عَلَيْهِ.

ونُقِلَ في البَحْرِ القَوْلُ بِزِيادَةِ مِن.

وحَكى أيْضًا القَوْلَ بِأنَّ البَيْنَ هُنا بِمَعْنى البُعْدِ أيِ اخْتَلَفُوا فِيهِ لِبُعْدِهِمْ عَنِ الحَقِّ فَتَكُونُ سَبَبِيَّةً ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأحْزابِ فِرَقُ النَّصارى فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بَعْدَ رَفْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ فَقالَ: نَسْطُورُ هو ابْنُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ أظْهَرَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ، وقالَ يَعْقُوبُ: هو اللَّهُ تَعالى هَبَطَ ثُمَّ صَعِدَ وقالَ مَلَكًا: هو عَبْدُ اللَّهِ تَعالى ونَبِيُّهُ، وفي المِلَلِ والنِّحَلِ أنَّ المَلْكانِيَّةَ قالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ يَعْنِي أُقْنُومَ العِلْمِ اتَّحَدَتْ بِالمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَدَرَّعَتْ بِناسُوتِهِ.

وقالُوا أيْضًا: إنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ ناسُوتٌ كُلِّيٌّ لا جُزْئِيٌّ وهو قَدِيمٌ وقَدْ ولَدَتْ مَرْيَمُ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا، والقَتْلُ والصَّلْبُ وقَعَ عَلى النّاسُوتِ واللّاهُوتِ مَعًا، وقَدْ قُمْنا مِن أمْرِ النَّصارى ما فِيهِ كِفايَةٌ فَلْيُتَذَكَّرْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قُصَّ عَلَيْهِمْ قِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن بَيْنِ النّاسِ، قِيلَ: إنَّهم مُطْلَقُ الكُفّارِ فَيَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ نَبِيِّنا  وغَيْرَهُمْ، ورَجَّحَهُ الإمامُ بِأنَّهُ لا مُخَصَّصَ فِيهِ، ورَجَّحَ القَوْلَ بِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ بِأنَّ ذِكْرَ الِاخْتِلافِ عَقِيبَ قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فالمُرادُ بِهِمُ الأحْزابُ المُخْتَلِفُونَ، وعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ إيذانًا بِكُفْرِهِمْ جَمِيعًا وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإذا قِيلَ بِدُخُولِ المُسْلِمِينَ أوِ المَلْكانِيَّةِ وقِيلَ: إنَّهم قالُوا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَبْدُ اللَّهِ ونَبِيُّهُ في الأحْزابِ، فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُ الأحْزابِ أيْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا مِنهم ﴿ مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ أيْ: مِن مَشْهُودِ يَوْمٍ عَظِيمِ الهَوْلِ والحِسابِ والجَزاءِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ مِن وقْتِ شُهُودِهِ أوْ مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ وهو أنْ تَشْهَدَ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْهِمْ وألْسِنَتُهم وسائِرُ جَوارِحِهِمْ بِالكُفْرِ والفُسُوقِ أوْ مِن وقْتِ الشَّهادَةِ أوْ مِن مَكانِها.

وقِيلَ: هو ما شَهِدُوا بِهِ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمِّهِ وعِظَمِهِ لِعِظَمِ ما فِيهِ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ .

وقِيلَ هو يَوْمُ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ حِينَ اخْتَلَفَ الأحْزابُ وهو كَما تَرى.

والحَقُّ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، يعني: الكفار من أهل النصارى مِنْ بَيْنِهِمْ يعني: بينهم في عيسى عليه السّلام وتفرقوا ثلاث فرق: قالت النسطورية: عيسى ابن الله، واليعقوبية قالوا: إن الله هو المسيح، والملكانية قالوا: إن الله ثالث ثلاثة.

فَوَيْلٌ، يعني: شدة من العذاب لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، يعني: مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة، بأن عيسى لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه، ويقال: ويل صخرة في جهنم.

قال عز وجل: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني: أعلمهم وأسمعهم.

وأبصرهم يَوْمَ يَأْتُونَنا يعني: يوم القيامة بأن عيسى لم يكن الله، ولا ولده، ولا شريكه، لكِنِ الظَّالِمُونَ يعني: المشركون.

الْيَوْمَ، يعني: في الدنيا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، يعني: في خطإ بين لا يسمعون الهدى ولا يبصرون ولا يرغبون فيه.

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، يقول: خوفهم يا محمد بهول يوم القيامة، إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ يعني: فرغ من الأمر، إذا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَدَخَلَ أهْلُ النَّارِ النار، وهو يوم الندامة.

وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، يعني: هم في الدنيا في غفلة عن تلك الندامة والحسرة.

وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، يعني: لا يصدقون بالبعث.

قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن الزهري، عن أبي هريرة أن النبيّ  قال: «يَؤْتَى بِالمَوْتِ فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيطلعُونَ.

وَيُقَالُ: يا أهْلَ النَّارِ، فيطلعونَ.

فيقالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟

فَيَقُولُونَ: نَعَم يَا رَبَّنَا، هَذا المَوْتُ.

قال: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ على الصَّرَاطِ، ثم يقالُ: للفريقينِ.

خُلُودٌ لا مَوْتَ فِيهَا أبداً» .

وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ  نحوه، فذلك قوله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: وما ذكره وَهْبُ [مصرح به في القرآن، ففي آخر المائدة: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ...

الآية.

[المائدة: ١١٧] .

وامتراؤهم] «١» في عيسى هو اختلافهم فيقول بعضُهم: لَزَنْيَةٌ، وهم اليهُود، ويقول بعضُهم: هو اللهُ تعالى اللهُ عن قولهم عُلُوّاً كبيراً، فهذا هو امتراؤُهم، وسيأتِي شرح ذلك بإثر هذا.

وقوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلّم بأَن بني إسْرَائِيلَ اختلفوا أَحزاباً، أيْ: فرقاً.

وقوله: مِنْ بَيْنِهِمْ بمعنى: من تلقَائِهم، ومن أَنْفسِهم ثار شرُّهم، وإنّ الاِخْتلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين.

وروي في هذا عن قتادةَ: أَنَّ بني إسْرَائِيلَ جمعوا من أَنفسهم أَربعة أحبار غاية في المَكَانةِ والجَلاَلة عندهم وطلبوهم أن يبيِّنُوا لهم أَمْرَ عيسى فقال أَحَدُهم: عيسى هو اللهُ تعالى الله عن قولهم.

وقال له الثلاثة: كذبتَ، واتبعه اليعقوبيةُ، ثم قِيلَ للثلاثة فقال أحدهم: عيسى ابنُ الله، [تعالى الله عن قولهم] «٢» فقال له الاِثنان: كذبت، واتبعه النُّسْطُورِيَّةُ، ثم قيل للاِثنين فقال أَحدهما: عيسى أحد ثلاثةٍ: الله إله، ومريم إله، وعيسى إله [تعالى الله عن قولهم عُلوّاً كبيراً] «٣» فقال له الرابع: كذبت، واتَّبَعَتْهُ الإِسْرَائِيلية، فقِيلَ للرابع فقال:

عيسى عبدُ الله، وكلمتُه أَلقاها إلى مريم، فاتّبعَ كلَّ واحد فريقٌ من بني إسْرَائِيل، ثم اقْتَتلُوا فغُلِبَ المؤمنون، وقُتِلوا، وظَهَرَت اليَعْقُوبيّة على الجميع «٤» .

و «الويل» : الحزنُ، والثُّبور، وقِيلَ: «الويل» : واد في جهنّم، ومَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ:

هو يوم القيامة.

وقولُه سبحانه: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أي: ما أَسْمَعَهم، وأبصرهم يوم يرجعُون إلَيْنا، ويرَوْن ما نصنع بهم، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ أَيْ: في الدنيا في ضَلالٍ مُبِينٍ أَيْ بيِّنٍ، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ وهو يوم ذَبْحِ الموت قاله الجمهورُ.

وفي هذا حَدِيثٌ صحيحٌ خرجه البُخَاريُّ وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أَنَّ المَوْتَ يُجَاءُ بِهِ في صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ويُنَادِى: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ...

«١» [الآية] «٢» .

قال ع «٣» : [وعند ذلك تُصِيب أَهلَ النار حسرةٌ لا حَسْرة مثلها.

وقال ابنُ زيد، وغيره: يَوْمَ الحَسْرَةِ] «٤» : هو يَوْمَ القِيَامَةِ «٥» .

قال ع «٦» : ويحتمل أَن يكونَ يوم الحسرة اسمُ جِنْسٍ شاملٌ لحسَرَاتٍ كَثِيرَةٍ بحسب مواطن الآخرة: منها يومَ مَوْتِ الإنسان، وأَخْذِ الكتاب بالشِّمال، وغير ذلك، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ

يريد: في الدنيا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: " مِن " زائِدَةٌ، والمَعْنى: اخْتَلَفُوا بَيْنَهم.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا تَمَسَّكَ المُؤْمِنُونَ بِالحَقِّ، كانَ اخْتِلافُ الأحْزابِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ.

وَفِي " الأحْزابِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، فَكانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، والنَّصارى تَدَّعِي فِيهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهم فِرَقُ النَّصارى، قالَ بَعْضُهُمْ: هو اللَّهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: ابْنُ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِقَوْلِهِمْ في المَسِيحِ، ﴿ مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ؛ أيْ: مِن حُضُورِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلْجَزاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الخَبَرُ، فالمَعْنى: ما أسْمَعَهم وأبْصَرَهم يَوْمَ القِيامَةِ، سَمِعُوا وأبْصَرُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا مِن أمْرِ اللَّهِ ما لا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى نَظَرٍ وفِكْرٍ، فَعَلِمُوا الهُدى وأطاعُوا، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أسْمِعْ بِحَدِيثِهِمُ اليَوْمَ وأبْصِرْ كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِمْ ﴿ يَوْمَ يَأْتُونَنا ﴾ ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنِ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ والكُفّارِ، ﴿ اليَوْمَ ﴾ يَعْنِي: في الدُّنْيا ﴿ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْذِرْهُمْ ﴾ ؛ أيْ: خَوِّفْ كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ يَوْمَ الحَسْرَةِ ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ، يَتَحَسَّرُ المُسِيءُ إذْ لَمْ يُحْسِنْ، والمُقَصِّرُ إذْ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ الخَيْرِ.

وَمُوجِباتُ الحَسْرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ، فَمِن ذَلِكَ ما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: " «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، قِيلَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، وقِيلَ: يا أهْلَ النّارِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فَيُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟

فَيَقُولُونُ: هَذا المَوْتُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يُقالَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ  : ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ "» .

قالَ المُفَسِّرُونُ: فَهَذِهِ هي الحَسْرَةُ إذا ذُبِحَ المَوْتُ، فَلَوْ ماتَ أحَدٌ فَرِحا ماتَ أهْلُ الجَنَّةِ، ولَوْ ماتَ أحَدٌ حُزْنًا ماتَ أهْلُ النّارِ.

وَمِن مُوجِباتِ الحَسْرَةِ ما رَوى عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: " «يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِناسٍ إلى الجَنَّةِ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها، واسْتَنْشَقُوا رِيحَها، ونَظَرُوا إلى قُصُورِها، نُودُوا: أنِ اصْرِفُوهم عَنْها، لا نُصِيبُ لَهم فِيها، فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرَةٍ ما رَجَعَ الأوَّلُونَ بِمِثْلِها، فَيَقُولُونُ: يا رَبَّنا لَوْ أدْخَلْتَنا النّارَ قَبْلَ أنْ تُرِيَنا ما أرَيْتَنا كانَ أهْوَنَ عَلَيْنا، قالَ: ذَلِكَ أرَدْتُ بِكُمْ، كُنْتُمْ إذا خَلَوْتُمْ بارَزْتُمُونِي بِالعَظائِمِ، وإذا لَقِيتُمُ النّاسَ لَقِيتُمُوهم مُخْبِتِينِ، تُراؤُونَ النّاسَ بِخِلافِ ما تُعْطُونِي مِن قُلُوبِكُمْ، هِبْتُمُ النّاسَ ولَمْ تَهابُونِي، وأجْلَلْتُمُ النّاسَ ولَمْ تُجِلُّونِي، تَرَكْتُمْ لِلنّاسِ ولَمْ تَتْرُكُوا لِي، فاليَوْمَ أُذِيقُكُمُ العَذابَ مَعَ ما حَرَمْتُكم مِنَ الثَّوابِ» " .

وَمِن مُوجِباتِ الحَسْرَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا وهي تَنْظُرُ إلى بَيْتٍ في الجَنَّةِ وبَيْتٍ في النّارِ، ثُمَّ يُقالُ - يَعْنِي: لِهَؤُلاءِ -: لَوْ عَمِلْتُمْ، ولِأهْلِ الجَنَّةِ: لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم.

وَمِن مُوجِباتِ الحَسْرَةِ قَطْعُ الرَّجاءَ عِنْدَ إطْباقِ النّارِ عَلى أهْلِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " قُضِيَ " في اللُّغَةِ بِمَعْنى: أُتْقِنَ وأُحْكِمَ، وإنَّما سُمِّيَ الحاكِمُ قاضِيًا لِإتْقانِهِ وإحْكامِهِ ما يُنَفِّذُ.

وفي الآَيَةِ اخْتِصارٌ، والمَعْنى: إذْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في الأمْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَبْحُ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: قُضِيَ العَذابُ لَهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ ﴾ ؛ أيْ: هم في الدُّنْيا في غَفْلَةٍ عَمّا يُصْنَعُ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ، ﴿ وَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بِما يَكُونُ في الآَخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ﴾ ؛ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَنَرِثُها، ﴿ وَمَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في " نَحْنُ " وقَدْ كَفَتْ عَنْها " إنّا " ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا جازَ في قَوْلِ المُعَظِّمِ: ( إنّا نَفْعَلُ )، أنْ يُوهِمَ أنَّ أتْباعَهُ فَعَلُوا، أبانَتْ " نَحْنُ " بِأنَّ الفِعْلَ مُضافٌ إلَيْهِ حَقِيقَةً.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿ وَمَن عَلَيْها ﴾ ، وهو يَرِثُ الآَدَمِيِّينَ وغَيْرِهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ " مَن " تَخْتَصُّ أهْلَ التَّمْيِيزِ، وغَيْرَ المُمَيِّزِينَ يَدْخُلُونَ في مَعْنى الأرْضِ ويُجْرُونَ مَجْراها، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ عَنِ السُّؤالَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ خَبَرٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِمُحَمَّدٍ  بِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفُوا أحْزابًا، أيْ: فِرَقًا، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ مَعْناهُ أنَّ الِاخْتِلافَ لَمْ يَخْرُجْ عنهُمْ، بَلْ كانُوا المُخْتَلِفِينَ، ورُوِيَ في هَذا عن قَتادَةَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ جَمَعُوا مِن أنْفُسِهِمْ أرْبَعَةَ أحْبارٍ غايَةَ في المَكانَةِ والجَلالَةِ عِنْدَهُمْ، وطَلَبُوهم بِأنْ يُبَيِّنُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَ أحَدُهُمْ: عِيسى هو اللهُ نَزَلَ إلى الأرْضِ فَأحْيا مَن أحْيا وأماتَ ثُمْ صَعِدَ، فَقالَ لَهُ الثَلاثَةُ: كَذَبْتَ، واتَّبَعَهُ اليَعْقُوبِيَّةُ، ثُمْ قِيلَ لِلثَّلاثَةِ، فَقالَ أحَدُهُمْ: عِيسى ابْنُ اللهِ، فَقالَ لَهُ الِاثْنانِ: كَذَبْتَ، واتَّبَعَهُ النَسْطُورِيَّةُ، ثُمْ قِيلَ لِلِاثْنَيْنِ، فَقالَ أحَدُهُما: عِيسى أحَدُ ثَلاثَةٍ، عِيسى إلَهٌ، ومَرْيَمُ إلَهٌ، واللهُ إلَهٌ، فَقالَ لَهُ الرابِعُ: كَذَبْتَ، واتَّبَعَهُ الإسْرائِيلِيَّةُ، فَقِيلَ لِلرّابِعِ، فَقالَ: عِيسى رُوحُ اللهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، فاتَّبَعَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأرْبَعَةِ فَرِيقٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمُ اقْتَتَلُوا فَغُلِبَ المُؤْمِنُونَ وقُتِلُوا، وظَهَرَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ عَلى الجَمِيعِ.

وَرُوِيَ أنَّ في ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ الناسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ  ﴾ .

و"الوَيْلُ": الحُزْنُ والثُبُورُ، وقِيلَ: ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ، ومَشْهَدُ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو مَشْهَدُ يَوْمِ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ﴿ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يَوْمَ قُتِلَ المُؤْمِنُونَ حِينَ اخْتَلَفَ الأحْزابُ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ ﴾ ، أيْ: ما أسْمَعَهم وأبْصَرَهم يَوْمَ يَرْجِعُونَ إلَيْنا ويَرَوْنَ ما نَصْنَعُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَإنَّ إعْراضَهم حِينَئِذٍ يَزُولُ، ويُقْبِلُونَ عَلى الحَقِيقَةِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإقْبالُ عَلَيْها وهم في الدُنْيا صُمْ عُمْيٌ؛ إذْ لا يَنْفَعُهُمُ النَظَرُ مَعَ إعْراضِهِمْ، ثُمْ قالَ: لَكِنَّهُمُ اليَوْمَ في الدُنْيا في ضَلالٍ، وهو جَهْلُ المَسْلَكِ، و"المُبِينُ": البَيِّنُ في نَفْسِهِ وإنْ لَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: "أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ" بِمَعْنى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ  ، أيْ: أسْمِعِ الناسَ اليَوْمَ وأبْصِرْهم بِهِمْ وبِحَدِيثِهِمْ، ماذا يُصْنَعُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إذا أتَوْا مَحْشُورِينَ مَغْلُوبِينَ.

واخْتُلِفَ في ﴿ يَوْمَ الحَسْرَةِ ﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: هو يَوْمُ ذَبْحِ المَوْتِ، وفي هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وقَعَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «أنَّ المَوْتَ يُجاءُ بِهِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كَأنَّهُ دابَّةٌ، فَيُذْبَحُ عَلى الصِراطِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ، ويُنادى: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ لا مَوْتَ، ويا أهْلَ النارِ خُلُودٌ لا مَوْتَ.

ويُرْوى أنَّ أهْلَ النارِ يَشْرَئِبُّونَ إلَيْهِ رَجاءَ أنْ يَخْرُجُوا مِمّا هم فِيهِ، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَشْرَئِبُّونَ خَوْفًا عَلى ما هم فِيهِ، و"الأمْرُ المَقْضِيُّ" هو ذَبْحُ الكَبْشِ الَّذِي هو مِثالُ المَوْتِ»، وهَذا عِنْدَ حُذّاقِ العُلَماءِ كَما يُقالُ: تُدْفَنُ الغَوائِلُ ويُجْعَلُ التُرابُ تَحْتَ القَدَمِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وعِنْدَ ذَلِكَ تُصِيبُ أهْلَ النارِ حَسْرَةٌ لا حَسْرَةَ مِثْلُها.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ النارِ قَدْ حَصَلُوا مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ في سُخْطِ اللهِ وأمارَتِهِ، فَهم في حالِ حَسْرَةٍ، و الأمْرُ المَقْضِيُّ - عَلى هَذا - هو الحَتْمُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ وظُهُورُ إنْفاذِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمُ الحَسْرَةِ حِينَ يَرى الكُفّارُ مَقاعِدَهُمُ الَّتِي فاتَتْهم في الجَنَّةِ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَوْمُ الحَسْرَةِ اسْمَ جِنْسٍ لِأنَّ هَذِهِ حَسَراتٌ كَثِيرَةٌ في مَواطِنَ عِدَّةٍ، ومِنها يَوْمُ القِيامَةِ، ومِنها وقْتُ أخْذِ الكِتابِ بِالشِمالِ وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ ﴾ ، يُرِيدُ: في الدُنْيا الآنَ وهم لا يُؤْمِنُونَ كَذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ﴾ تَجَوُّزٌ وعِبارَةٌ عن فَناءِ المَخْلُوقاتِ وبَقاءِ الخالِقِ، فَكَأنَّها وِراثَةٌ، وقَرَأ عاصِمْ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، والأعْمَشُ: "يُرْجَعُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ "تُرْجَعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وعِيسى: "يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الجِيمِ، وحَكى عنهم أبُو عَمْرٍو: "تَرْجِعُونَ" بِالتاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع الإخبار بحصول الاختلاف على الإخبار بأن هذا صراط مستقيم، أي حادَ عن الصراط المستقيم الأحزابُ فاختلفوا بينهم في الطرائق التي سلكوها، أي هذا صراط مستقيم لا يختلف سالكوه اختلافاً أصلياً، فسلك الأحزاب طرقاً أخرى هي حائدة عن الصراط المستقيم فلم يتفقوا على شيء.

وقوله ﴿ مِن بينهم ﴾ متعلّق باخْتَلَفَ.

و(من) حرف توكيد، أي اختلفوا بينهم.

والمراد بالأحزاب أحزاب النصارى، لأن الاختلاف مؤذن بأنهم كانوا متفقين ولم يكن اليهود موافقين النصارى في شيء من الدين.

وقد كان النصارى على قول واحد على التّوحيد في حياة الحواريين ثم حدث الاختلاف في تلاميذهم.

وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ﴾ في سورة النساء (171) أن الاختلاف انحلّ إلى ثلاثة مذاهب: المَلْكَانِيّة (وتسمى الجاثُلِيقيّة)؛ واليعقوبية، والنسطورية.

وانشعبت من هذه الفرق عدّة فِرق ذكرها الشهرستاني، ومنها الاليانة، والبليارسية، والمقدانوسية، والسبالية، والبوطينوسية، والبولية، إلى فرق أخرى.

منها فرقة كانت في العرب تسمى الرّكوسية ورد ذكرها في الحديث: أن النبي قال لعدي بن حاتم: إنّك رَكُوسي.

قال أهل اللغة هي نصرانية مشوبة بعقائد الصابئة.

وحدثت بعد ذلك فرقة الاعتراضية (البُرُوتِسْتان) أتباع (لوثير).

وأشهر الفرق اليوم هي الملكانية (كاثوليك)، واليعقوبية (أرثودوكس)، والاعتراضية (بُرُوتستان).

ولما كان اختلافهم قد انحصر في مرجع واحد يرجع إلى إلهية عيسى اغتراراً وسوءَ فهم في معنى لفظ (ابن) الذي ورد صفة للمسيح في الأناجيل مع أنه قد وصف بذلك فيها أيضاً أصحابه.

وقد جاء في التوراة أيضاً أنتم أبناء الله.

وفي إنجيل متي الحواري وإنجيل يوحنا الحواري كلمات صريحة في أن المسيح ابن إنسان وأن الله إلههُ وربُّه، فقد انحصرت مذاهبهم في الكفر بالله فلذلك ذُيل بقوله فَوَيْلٌ للذين كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يوممٍ عَظِيمٍ } ، فشمل قولُه (الَّذِينَ كَفَرُوا) هؤلاء المخبرَ عنهم من النصارى وشمل المشركين غيرهم.

والمشهد صالح لمعان، وهو أن يكون مشتقاً من المشاهدة أو من الشهود، ثمّ إما أن يكون مصدراً ميمياً في المعنيين أو اسم مكان لهما أو اسم زمان لهما، أي يوم فيه ذلك وغيره.

والويل حاصل لهم في الاحتمالات كلها وقد دخلوا في عموم الذين كفروا بالله، أي نفوا وحدانيته، فدخلوا في زمرة المشركين لا محالة، ولكنهم أهل كتاب دون المشركين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ هو اللَّهُ تَعالى.

الثّانِي: عِيسى وسَمّاهُ حَقًّا لِأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ.

الثّالِثُ: هو القَوْلُ الَّذِي قالَهُ عِيسى مِن قَبْلُ.

﴿ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَشُكُّونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: يَخْتَلِفُونَ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في اللَّهِ وفي عِيسى، فَقالَ قَوْمٌ هو اللَّهُ، وقالَ آخَرُونَ هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَ آخَرُونَ هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ.

وَهَذِهِ الأقاوِيلُ الثَّلاثَةُ لِلنَّصارى.

وَقالَ المُسْلِمُونَ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ.

وَنَسَبَتْهُ اليَهُودُ إلى غَيْرِ رِشْدَةٍ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: الَّذِي فِيهِ تَفْتَرُونَ بِالفاءِ مُعْجَمَةً مِن فَوْقُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَفِرَّ بِمَرْيَمَ ابْنُ عَمِّها مَعَها ابْنُها إلى مِصْرَ فَكانُوا فِيها اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً حَتّى ماتَ المَلِكُ الَّذِي كانُوا يَخافُونَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق ﴾ قال: الله عز وجل، الحق.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي فيه يمترون ﴾ قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج من كل قوم عالمهم فتشاوروا في عيسى حين رُفِعَ، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيى من أحيى وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية فقالت الثلاثة: كذبت.

ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه.

فقال: هو ابن الله، وهم النسطورية.

فقال اثنان: كذبت.

ثم قال أحد الإثنين للآخر: قل فيه.

قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله.

وهم الإسرائيلية وهم ملوك النصارى.

فقال الرابع: كذبت..

هو عبد الله ورسوله وروحه من كلمته، وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا فظهر على المسلمين.

فذلك قول الله: ﴿ ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ﴾ [ آل عمران: 21] قال قتادة: وهم الذين قال الله: ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزاباً، فاختلف القوم، فقال المرء المسلم: أنشدكم...

هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام، وأن الله لا يطعم الطعام؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: فهل تعلمون أن عيسى كان ينام، وأن الله لا ينام؟

قالوا: اللهم نعم.

فخصمهم المسلمون فانسل القوم، فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ، وأصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآن ﴿ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ [ مريم: 37] .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ قال: هم أهل الكتاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ ﴾ يعني: فرق النصاري اختلفوا في عيسى فقال بعضهم: هو الله (١) (٢) (٣) قوله تعالى: ﴿ مِنْ بَيْنِهِمْ ﴾ أي: بينهم، ومن زائدة.

قال المفسرون: (كانوا أحزابا متفرقين ﴿ بَيْنِهِمْ ﴾ في أمر عيسى) (٤) ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فشدة عذاب للذين كفروا بالله بقولهم في المسيح بأنه ابن الله وأنه إله ﴿ مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ أي: من حضور ذلك اليوم، والمشهد مصدر يراد به [الشهود، والمعنى: ويل لهم إذا جاءت القيامة (٥) ويجوز أن يكون الحضور لهم وأضيف إلى الظرف لوقوعه فيه، كما تقول: ويل لفلان] (٦) (٧) (١) وهم اليعقوبية.

انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 8، "جامع البيان" 16/ 85 - 86، "بحر العلوم" 2/ 324، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "زاد المسير" 5/ 232.

(٢) وهم النسطورية.

انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 9، "جامع البيان" 16/ 86، "وبحر العلوم" 2/ 324، "معالم التنزيل" 5/ 231، "الدر المنثور" 2/ 488.

(٣) وهم الإسرائيلية من ملوك النصارى.

انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 9، "جامع البيان" 16/ 86، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.

(٤) "جامع البيان" 16/ 86، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "معالم التنزيل" 5/ 231، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.

(٥) "جامع البيان" 16/ 86، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٧) "الكشاف" 2/ 411، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 108، "البحر المحيط" 6/ 190، "فتح القدير" 3/ 477.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَوْلَ الحق ﴾ بالرفع خبر مبتدأ تقديره: هذا قول الحق، أو بدل أو خبر بعد خبر، وبالنصب على المدح بفعل مضمر، أو على المصدرية من معنى الكلام المتقدم ﴿ فِيهِ يَمْتُرُونَ ﴾ أي يختلفون فهو من المراء، أو يشكون فهو من المِرية، والضمير لليهود والنصارى ﴿ وَإِنَّ الله رَبِّى ﴾ من كلام عيسى وقرئ بفتح الهمز تقديره ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه، وبكسرها لابتداء الكلام، وقيل: هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: يا محمد قل لهم ذلك عيسى بن مريم، وأن الله ربي وربكم، والأول أظهر ﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ هذا ابتداء إخبار، والأحزاب اليهود والنصارى، لأنهم اختلفوا في أمر عيسى اختلافاً شديداً، فكذبه اليهود وعبده النصارى، والحق خلاف أقوالهم كلها ﴿ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ معناه من تلقائهم، ومن أنفسهم وأن الاختلاف لم يخرج عنهم ﴿ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يعني يوم القيامة ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة، على أنهم في الدنيا في ضلال مبين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ ليهب لك ﴾ على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف.

الآخرون ﴿ لأهب ﴾ على التكلم ﴿ نسياً ﴾ بفتح النون: حمزة وحفص.

الباقون بكسرها.

﴿ من تحتها ﴾ بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقونه بفتحهما على أن "من" موصولة والظرف صلتها ﴿ تساقط ﴾ بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة.

﴿ تساقط ﴾ من المفاعلة: حفص غير الخزاز ﴿ يساقط ﴾ بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد.

الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة ﴿ آتاني الكتاب ﴾ ممالة مفتوحة الياء: عليّ.

وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف.

﴿ وأوصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ قول الحق ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم ويعقوب.

﴿ وإن الله ﴾ بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد.

الوقوف: ﴿ مريم ﴾ لا ليصير "إذ" ظرفاً لأذكر ﴿ شرقياً ﴾ لا للعطف ﴿ زكياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط لما مر ﴿ هين ﴾ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ﴿ منا ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ مقضياً ﴾ ه ﴿ قصياً ﴾ ه ﴿ النخلة ﴾ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ﴿ منسياً ﴾ ه ﴿ سرياً ﴾ ه ﴿ جنياً ﴾ ه ز ﴿ عيناً ﴾ ه ج للشرط مع الفاء ﴿ أحداً ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ نسياً ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ تحمله ﴾ ط ﴿ فرياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ج ﴿ إليه ﴾ ج ﴿ صبياً ﴾ ه ﴿ عبد الله ﴾ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة.

ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في "إن" عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ﴿ أينما كنت ﴾ ص لطول الكلام ﴿ حياً ﴾ ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله ﴿ وبراً ﴾ معطوف على قوله ﴿ مباركاً ﴾ .

﴿ بوالدتي ﴾ ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ﴿ شقياً ﴾ ، ﴿ حياً ﴾ ه، ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ﴿ يمترون ﴾ ه، ﴿ من ولد ﴾ ه استعجالاً للتنزيه {  } ط ﴿ فيكون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وأن ﴾ بالكسر ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ، ه ﴿ من بينهم ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ وأبصر ﴾ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ﴿ مبين ﴾ ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ﴿ قضى الأمر ﴾ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ﴿ لا يؤمنون ﴾ ، ه ﴿ يرجعون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه.

والانتباه "افتعال" من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها.

قال ابن عباس: من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل  ، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة.

وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها.

وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي ﴿ فتمثل لها ﴾ حال كونه ﴿ بشراً سوياً ﴾ تام الخلق أو حسن الصورة.

وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس.

فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس.

قوله: ﴿ إن كنت تقياً ﴾ أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك.

وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله.

وقيل: "إن" نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي.

وحين علم جبريل خوفها ﴿ قال إنما أنا رسول ربك ﴾ أرسلني ﴿ لأهب لك ﴾ أو ليهب لك ﴿ غلاماً زكياً ﴾ طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة.

وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟

احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله  .

وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل ﴿ لأهب لك ﴾ ؟

قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها.

ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع.

﴿ قالت ﴾ استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولم تقل ههنا "رب" إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ هي الفاجرة التي تبغي الرجال.

عن المبرد أن أصله يغوى على "فعول" قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة.

وعن ابن جنى أنه "فعيل" وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء.

ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران.

فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك  ﴾ فلم تحتج إلى هذه الزيادة.

وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ أو لامستم النساء  ﴾ وإنما يقال في الزنا "فجر بها" و "خبث بها" ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب.

قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: ﴿ ولم أك بغياً ﴾ في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم.

﴿ قال كذا قال ربك هو عليّ هين ﴾ تفسيره كما مر في قصة زكريا ﴿ ولنجعله ﴾ أي ولنجعل الغلام أو خلقه ﴿ آية للناس ﴾ يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه ﴿ هين ﴾ أي تخلقه لنبين به قدرتنا ﴿ ولنجعله آية ﴾ وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه  ﴾ ﴿ ورحمة منا ﴾ على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله.

وههنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت.

وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.

وقيل: في فمها.

وقيل: إن النافخ هو الله كقوله ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ ﴿ لأهب لك ﴾ قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة.

وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل.

وكم مدة حملها؟

عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله  في أثناء مدائحها.

وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى.

قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه.

وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر.

وقيل: ستة أشهر.

وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها.

وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله  : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ كن فيكون  ﴾ ولفاآت التعقيب في قوله: ﴿ فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض ﴾ وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها.

ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها.

وقصى مبالغة قاص.

وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها و كانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما.

فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك.

فقالت: قل قولاً جميلاً.

فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟

قالت: نعم.

ألم تعلم أن الله  أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر!

أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله  خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى!

فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل.

فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة.

قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.

لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره "آتى" حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل "أتيت المكان وآتانيه فلان".

قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و ﴿ المخاض ﴾ بفتح الميم وجع الولادة.

قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً.

قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة.

يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح.

وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها.

تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة.

ومعنى ﴿ منسياً ﴾ أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه.

وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها.

ومن قرأ ﴿ نسياً ﴾ بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر.

ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل.

وقرىء ﴿ نسأ ﴾ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته ﴿ فناداها من تحتها ﴾ الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني.

وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم.

وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة.

قوله: ﴿ سرياً ﴾ جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول.

وروي ذلك عن النبي  سمي بذلك لأن الماء يسري فيه.

وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم.

وجمع السري سراة وجمع سراة سروات.

عن الحسن: كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي  ﴾ لأنه خلاف الظاهر.

وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق.

وكل من كان أبعد منه كان تحت.

وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها.

وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله: ﴿ وءاوينٰهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ \[المؤمنون: 50\] وقوله: ﴿ فكلي واشربي ﴾ يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب.

وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله ﴿ قد جعل ربك ﴾ مشعر بالأحداث في ذلك الوقت.

قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة.

وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: ﴿ بجذع النخلة ﴾ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به.

و ﴿ رطباً ﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية.

وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بــ ﴿ هزي ﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها.

والجني المأخوذ طرياً.

والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً.

وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره.

قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك.

والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: ﴿ وقري عيناً ﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.

وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟

وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿ فإما ترين ﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: ﴿ إمَّا يبلغن عندك الكبر  ﴾ إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة.

عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت.

وعن ابن عباس مثله.

وقال أبو عبيدة: كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.

وقيل:أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم.

قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله  وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام.

وفي الكشاف: نهى رسول الله  عن صوم الصمت.

وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي.

وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.

وكيف أخبرتهم بالنذر؟

قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض.

وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية.

وقوله: ﴿ إنسياً ﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: ﴿ فإما ترين من البشر ﴾ .

﴿ فأتت به ﴾ أي بعيسى ﴿ قومها تحمله ﴾ الجملة حال.

عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها.

وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.

فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ بديعاً من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم: ﴿ يأخت هرون ﴾ الآية.

واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره.

وقيل: يروى عن النبي  أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر.

وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.

وقيل: أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح.

ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه.

وقيل: كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته.

ويروى أنهم هموا برجمها ﴿ فأشارت إليه ﴾ أي أن عيسى هو الذي يحكم.

وبم عرفت ذلك؟

إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا.

وعن السدي.

لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد ﴾ قال جار الله: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ﴿ صبياً ﴾ في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: "كان" زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة ﴿ صبياً ﴾ حال مؤكدة.

ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: ﴿ إني عبد الله ﴾ فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى: ﴿ آتاني الكتاب ﴾ هو الإنجيل والتوراة أي فهمها.

وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه.

وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة.

فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل.

والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ كما يجيء.

وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله: ﴿ وجعلني نبياً ﴾ ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك.

ومعنى قوله: ﴿ مباركاً أينما كنت ﴾ نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله  .

وقيل معلماً للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل: عليّ نحت القوافي من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقر وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً  ﴾ يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم.

أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له: اكتب.

فقال له: أي شيء أكتب؟

فقال: اكتب "أبجد" فقال: لا أكتب شيئاً لا أدري.

ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك.

الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله.

وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه.

وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به.

فقال عيسى  مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً.

﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ﴿ ما دمت حياً ﴾ وقيل: الزكاة ههنا صدقة الفطر.

وقيل: تطهير البدن من دنس الآثام.

وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما.

وفي قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها.

قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً.

وقرأ ﴿ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً  ﴾ وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر "ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا" ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر.

قوله: ﴿ والسلام عليّ ﴾ قالت العلماء: إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره.

وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير.

قليل منك يكفيني *** قليلك لا يقال له قليل وإني لأرضى منك يا هند بالذي *** لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى *** وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله.

عن بعضهم أن عيسى  قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي.

وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه.

وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ يعني أن العذاب على من كذب وتولى.

يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.

وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه.

وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته.

وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم.

﴿ ذلك ﴾ الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: ﴿ إني عبد الله ﴾ إلى آخره هو ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قول الحق ﴾ فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: "كلمة الله" وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك "هو عبد الله الحق" و ﴿ قول الحق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل ﴿ حق اليقين  ﴾ قد مر آنفاً.

وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ تمترون ﴾ تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة.

ثم صرح ببطلان معتقدم فقال: ﴿ ما كان الله ﴾ ما صح له وما استقام ﴿ أن يتخذ من ولد ﴾ كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة.

والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته  .

وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ كقولنا "ما كان لله أن يظلم" فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته.

وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه.

فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئاً آخر فما الدليل على استحالته؟!

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله: ﴿ كن ﴾ إن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل.

واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: ﴿ إذا قضى ﴾ للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث.

وأيضاً الفاء في ﴿ فيكون ﴾ للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس.

وأيضاً قوله: ﴿ كن ﴾ عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل.

ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: ﴿ كن ﴾ هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً.

ومن قرأ ﴿ وأن الله ﴾ بالفتح فمعناه ولأن الله ﴿ ربي وربكم فاعبدون ﴾ وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو.

وههنا نكتة هي أن الله  لا يصح أن يقول: ﴿ إن الله ربي وربكم فاعبدوه ﴾ فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض.

وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله  ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ أي من بين أهل الكتاب.

قال الكلبي: هم اليهود والنصارى.

وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟

فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية.

وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم.

وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد.

واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله  أعلى من جميع ذلك وأجل ﴿ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف.

ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها.

وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته.

ومعنى"من" التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال ههنا ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ وفي حم الزخرف ﴿ فويل للذين ظلموا  ﴾ لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم.

قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر.

والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب.

قال سفيان: قرأت عند شريح ﴿ بل عجبت ويسخرون  ﴾ فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم.

فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه.

والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم.

وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم.

وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم.

وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: ﴿ لكن الظالمون ﴾ أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر.

﴿ اليوم ﴾ وهو يوم التكليف ﴿ في ضلال مبين ﴾ حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو ﴿ يوم الحسرة ﴾ لتحسر أهل النار فيه.

وقيل: أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور.

و ﴿ إذ ﴾ بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار.

وعن النبي  أنه سئل عنه فقال: "يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم" قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيواناً فالمراد أنه لا موت بعد ذلك.

عن الحسن ﴿ وهم في غفلة ﴾ متعلق بقوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ وقوله: ﴿ وأنذرهم ﴾ اعتراض.

ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿ أنذرهم ﴾ أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين.

ويحتمل أن يكون "إذ" ظرفاً لـ ﴿ أنذر ﴾ أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب.

ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة ﴿ وهم لا يؤمنون ﴾ ثم قرر بقوله: ﴿ إنا نحن نرث ﴾ أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ مريم ﴾ القلب ﴿ إذا انتبذت من أهلها ﴾ تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي ﴿ فاتخذت من دونهم ﴾ حجاب الخلوة والعزلة ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ ﴿ فتمثل لها بشراً سوياً ﴾ كما تمثل روح التوحيد بحروف "لا إله إلا الله" لانتفاع الخلق به.

و ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك ﴾ ظناً منها أنه يشغلها عن الله.

﴿ قال إنما أنا رسول ﴾ الوارد الرباني ﴿ لأهب لكغلاماً زكياً ﴾ طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية.

﴿ ولم يمسسني بشر ﴾ خاطر من عالم البشرية ﴿ ولم أك بغياً ﴾ أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ﴿ فحملته ﴾ بالقوة القريبة من الفعل ﴿ فانتبذت به مكاناً قصياً ﴾ لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة ﴿ فأجاءها ﴾ مخاض الطلب والتعب ﴿ إلى جذع النخلة ﴾ وهي كلمة "لا إله إلا الله" التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ﴿ قالت يا ليتني مت قبل هذا ﴾ قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.

قال عليّ  يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه.

وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله  يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة ﴿ فناداها ﴾ بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ﴿ أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك ﴾ أي تحت تصرفك ﴿ سرياً ﴾ هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ بالمداومة على الذكر ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ﴿ فكلي واشربي ﴾ من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقري عينا ﴾ بأنوار الجمال في حجرة الوصال ﴿ فأما ترين ﴾ من السوانح البشرية ﴿ أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله.

﴿ فأتت به قومها ﴾ من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال.

﴿ يا أخت هرون ﴾ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ﴿ وكان أبوك ﴾ وهو الروح المفارق ﴿ إمرأ سوء وما كانت أمك ﴾ وهي القالب ﴿ بغياً ﴾ تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ﴿ فأشارت إليه ﴾ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات ﴿ في المهد ﴾ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه.

﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ ﴿ أسمع بهم ﴾ أي بأهل الله ﴿ وأبصر يوم يأتوننا ﴾ فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ﴾ أي: بعيسى قومها تحمله: ﴿ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: لقد فريت عظيماً من الأمر، لكنه يخرج تأويل فريت من التقدير، يقال: فري، أي: قدر.

وقال بعضهم: لقد افتريت عظيماً، وهو قذف صريح بالزنى، كقوله: ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ كل قائم عجب، أو من عمل فهو فري، وهو هاهنا عجب فري، وهذا أقرب؛ إذ لا يجوز أن يحمل كلامهم على تصريح القذف وثم لتعريض القذف مساغ ووجه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰأُخْتَ هَارُونَ ﴾ قال بعضهم: كانت أخت هارون بن عمران أخي موسى، وعلى ذلك روي خبر عن رسول الله  ، فإن ثبت فهو هو.

وقال بعضهم: لا، ولكن كان لها أخ من أبيها يقال له: هارون بن ماتان؛ لذلك نسبوها إليه فقالوا: ﴿ يٰأُخْتَ هَارُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: إن هارون كان رجلاً صالحاً ناسكاً فيهم، فشبهوها به ونسبوها إليه؛ لصلاحها ونسكها.

وقال بعضهم: إن بني إسرائيل تسمّي كل صالح: هارون؛ حبّاً لهارون؛ لذلك سموها ونسبوها إلى هارون، لنسكها وصلاحها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ﴾ أي: ما كان أبوك ما ذكر ولا أمّك ولا أنت، فمن أين كان لك هذا؟!

هذا تعريض من الكلام: ليس بتصريح، فهو ما ذكرنا: أنهم قالوا ذلك على التعجب وليس على تصريح الفرية والقذف لها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

أي: آتاني علم الكتاب، ولا نفسّر أيّ كتاب هو: الإنجيل أو التوراة أو غيره؟

لأنه قال في آية أخرى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ  ﴾ فذكر الكتاب وذكر معه التوراة والإنجيل؛ فهذا يدلّ أن الكتاب غير التوراة والإنجيل.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ﴾ .

هذا يدل أنّه قد تكلم بعد هذه الكلمات، وليس كما قال أهل التأويل: إنه تكلم بهؤلاء، ثم لم يتكلم بعد ذلك إلى أن بلغ المبلغ الذي يتكلم الصبيان؛ لأنه أخبر أنه جعله نبيّاً وجعله مباركاً، فلا يحتمل أن يكون نبيّاً ولا يتكلم ولا يدعو الناس إلى دين الله، وأيّ بركة تكون فيه إذا لم يتكلم بكلام خير؛ فدل ذلك منه أن ليس على ما قالوا هم، والبركة هي اسم كل خير وصلاح، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ .

يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعهودة.

ويحتمل: الصلاة: الثناء له والدعاء في كل وقت وفي كل مكان، والزكاة: كل ما تزكو به النفس وتصلح وتنمو من كل خير.

فإن كان الأوّل الصّلاة المفروضة والزكاة المعروفة، فهو على تعليم الناس، كأنه قال: أوصاني أن أعلم الناس وأعلمهم من الزكاة؛ إذ لم يكن يملك عيسى ما تجب فيه الزكاة، فهو يخرج على إعلام الناس عن حكم الزكاة، أو أن يكون على المواساة، فذلك مما قل وكثر سواء.

وإن كان الثاني فهو وغيره من الناس في تلك الزكاة سواء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي ﴾ أي: جعلني برّاً بوالدتي، صلة بقوله: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ و ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً ﴾ ، وجعلني برّاً بوالدتي.

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾ ، قد ذكرناه في قصة يحيى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾ .

هذا - أيضاً - قد ذكرناه في قصة يحيى، غير أن الله  هو مُسَلِّمٌ على يحيى في تلك الأحوال، وهاهنا ذكر أن عيسى سلم على نفسه.

وذكر في بعض القصّة: أن عيسى ويحيى - عليهما السلام - التقيا، فقال يحيى لعيسى: "أنت خير مني".

فقال عيسى: "بل أنت خير مني، سلَّم الله عليك، وسلمت أنا على نفسي"، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ أي: ذلك عيسى بن مريم، ليس على ما قالت النصارى وغيرهم أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة على ما قالوا، ولكن عيسى بن مريم عبد الله كما أقر هو بالعبودية حيث قال: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ أي: ذلك الذي أنبأتهم من نبأ عيسى: ﴿ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ ﴾ أي: هؤلاء الكفرة حيث أنكروا أنه ليس على ما أنبأتهم من نبئه، أي: الذي يشكون فيه هو قول الحق، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ﴾ .

نزّه نفسه عن أن يتخذ ولداً؛ لأنه لا تقع [له] الأسباب التي لها يتخذ الولد ويطلب منه.

أو يقول: إن اتخاذ الولد يسقط الألوهية؛ لأن الولد في الشاهد يكون شكل الأب وشبيهاً له، فلا يحتمل أن تكون الألوهية لمن يشبه الخلق؛ لأن الولد في الشاهد إنما يتخذ ويطلب لأحد وجوه ثلاثة: إمّا لوحشة تأخذه فيستأنس به.

وإمّا لحاجة تمسّه فيستغني به في دفعها.

أو لخوف يخاف من أعدائه فيستنصر به، فإذا كان الله  يتعالى عن ذلك وله من سرعة نفاذ أمره ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ ، فمن له من سرعة نفاذ الأمر ما ذكر، لا تقع له الحاجة إلى الولد في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

ثم قول أهل التأويل: إنه نفخ في جيب مريم، أو في أنفها، أو في غيره، وغير ذلك من القصص التي ذكروها ممّا ليس في الكتاب ذكرها - فلا يجوز أن يقال ذلك إلا بخبر عن الله  ، أو عمن أوحى إليه، فإنه لم يعلم صدقه ولا ثبوته، فنذكر مقدار ما في الكتاب لا يزاد على ذلك ولا ينقص؛ لأن هذه الأنباء لما ذكرت لرسول الله لتكون آية لرسالته ونبوّته؛ لأنها كانت مذكورة في الكتب المتقدمة، وكان هنالك من يعرفها، فذكرت له هذه الأنباء على ما كانت في كتبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، فلو زيد فيه أو نقص لكانت غير دالة لهم على ذلك.

قال القتبي: الصوم: الإمساك؛ صوماً: أي: صمتاً، فريّاً: أي: عظيماً عجباً، والبغي: يقال: امرأة بغي ونسوة بغايا، أي: فاجرات، وكذلك قال أبو عوسجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ .

إنهم كانوا يعرفون أن الله هو ربهم حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، ونحوه، فكأن عيسى قال لهم: ارجعوا إلى عبادة الذي تعرفون أنه ربّي وربكم، واتركوا العبادة لمن تعرفون أنه ليس بربّكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى في حياته، منهم من قال: هو ساحر.

وقال بعضهم: هو كاهن.

وقال بعضهم: كذا من هذا النحو.

وقال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى بعد ما رفع [من] بينهم: فمنهم من قال: هو الله، وقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة، أمثال ما قالوا على علم منهم أنه لم يكن على ما وصفوه وقالوا فيه، لكنهم عاندوا وكابروا.

وقال بعضهم: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ : الذين تحزبوا واختلفوا في رسول الله لما بعث، فمنهم من قال: إنه ساحر، وإنه كاهن ومجنون، وإنه مفتر، وإنه كذاب، ونحو ما قالوا فيه على علم منهم أن ما يقول هو يوافق كتبهم، وأن كتابه مصدق لكتبهم، وأنه يؤمن بالرسل الذين يؤمنون هم بهم، لكنّهم قالوا ذلك على المعاندة والمكابرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قال أصحاب التأويل: الويل: الوعيد، واختلفوا فيه، [وهو] - والله أعلم - الويل لكل كافر، ما من كافر إلا وله ذلك الوعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ : وصف ذلك اليوم بالعظم؛ لما فيه مجمع الأوّلين والآخرين، ويشهده الجن والإنس والملائكة، فهو مشهد يوم عظيم.

ويحتمل أنه وصفه بالعظم؛ لأنه هو المقصود في خلق العالم في الدنيا، فهو إنما خلقهم لأمر عظيم وهو ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ : قال الحسن: يكونون سمعاء وبصراء في الآخرة، ليس على ما كانوا في الدنيا عميا بكما صمّاً.

وقال بعضهم: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا.

وقال بعضهم: لا يصح هذا؛ لأن هذا ليس على وجه النهر والتعجب، ولكن تأويله أي: يسمعون ما قالوا ويبصرون ما عملوا.

وقال بعضهم: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾ أي: ﴿ أَسْمِعْ ﴾ بحديثهم إليهم وأعلمهم و ﴿ وَأَبْصِرْ ﴾ كيف نصنع بهم يوم يأتوننا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

أي: في حسرة بينة، أو في هلاك بيّن، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: الحسرة: هي أن يصور الموت بصورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، فينظر إليه أهل النار وأهل الجنة، فيندم أهل النار ويكون لهم الحسرة؛ لما كانوا يطمعون الموت يتأملون منه، فذلك الحسرة التي ذكر، ولكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن رسول الله، فإن ثبت شيء عنه فهو ذاك، وإلا فالحسرة لهم هي أعمالهم التي عملوا في الدنيا، وهو ما قال: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا  ﴾ ، ونحوه كل عمل عملوا في الدنيا يكون لهم ذلك حسرة في الآخرة وندامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ ، أي: أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ﴾ ، أي: هم كانوا في غفلة من هذا ﴿ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ .

هذا - والله أعلم - كناية عن فناء الخلق جميعاً وبقاء الخالق، فذلك معنى الوراثة، والله أعلم.

وعلى ذلك سمّي الوارث في الشاهد: وارثاً؛ لأنه باق بعد فناء مورثه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فاختلف المختلفون في شأن عيسى  فصاروا أحزابًا متفرقين من بين قومه، فآمن به بعضهم وقالوا: هو رسول، وكفر به آخرون كاليهود، كما غلا فيه طوائف فقال بعضهم: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله، تعالى الله عن ذلك، فويل للمختلفين في شأنه من شهود يوم القيامة العظيم بما فيه من مشاهد وحساب وعقاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.xqvra"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر