الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٣٦ من سورة مريم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) أي : ومما أمر عيسى به قومه وهو في مهده ، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربهم وربه ، وأمرهم بعبادته ، فقال : ( فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) أي : هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم ، أي : قويم ، من اتبعه رشد وهدى ، ومن خالفه ضل وغوى .
وقوله ( وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والبصرة ( وأنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبكُمْ ) واختلف أهل العربية في وجه فتح " أن " إذا فتحت، فقال بعض نحوييّ الكوفة: فُتحت ردّا على عيسى وعطفا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أن الله ربي وربكم.
وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا، وتكون بتأويل خفض، كما قال ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ قال: ولو فتحت على قوله (وَأَوْصَانِي) بأن الله، كان وجها.
وكان بعض البصريين يقول: وذُكر ذلك أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح إنما فتحت أن بتأويل (وَقَضَى) أن الله ربي وربُّكم.
وكانت عامّة قرّاء الكوفيين يقرءونه (وَإنَّ الله) بكسر إن بمعنى النسق على قوله ( فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ ) .
وذُكر عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرؤه (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) بغير واو.
قال أبو جعفر: والقراءة التي نختار في ذلك: الكسر على الابتداء.
وإذا قرئ كذلك لم يكن لها موضع، وقد يجوز أن يكون عطفا على " إن " التي مع قوله قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ ...
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ولو قال قائل، ممن قرأ ذلك نصبا: نصب على العطف على الكتاب، بمعنى: آتاني الكتاب، وأتاني أن الله ربي وربكم، كان وجها حسنا.
ومعنى الكلام: وإني وأنتم أيها القوم جميعا لله عبيد، فإياه فاعبدوا دون غيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه ( إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أي إني وإياكم عبيد الله، فاعبدوه ولا تعبدوا غيره.
وقوله ( هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) يقول: هذا الذي أوصيتكم به، وأخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى، لأنه دين الله الذي أمر به أنبياءه.
وإن الله ربي وربكم قرأ أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو بفتح ( أن ) وأهل الكوفة ( وإن ) بكسر الهمزة على أنه مستأنف .
تدل عليه قراءة أبي ( كن فيكون وإن الله ) بغير واو على العطف على قال إني عبد الله وفي الفتح أقوال : فمذهب الخليل وسيبويه أن المعنى ؛ ولأن الله ربي وربكم ، وكذا وأن المساجد لله ف ( أن ) في موضع نصب عندهما .وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض على حذف اللام ، وأجاز أن يكون أيضا في موضع خفض بمعنى ؛ [ ص: 34 ] وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبأن الله ربي وربكم ؛ وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى ؛ والأمر أن الله ربي وربكم .
وفيها قول خامس حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله ، وهو أن يكون المعنى : وقضى أن الله ربي وربكم ؛ فهي معطوفة على قوله : ( أمرا ) من قوله : إذا قضى أمرا والمعنى إذا قضى أمرا وقضى أن الله .
ولا يبتدأ ب ( أن ) على هذا التقدير ، ولا على التقدير الثالث .
ويجوز الابتداء بها على الأوجه الباقية .
فاعبدوه هذا صراط مستقيم أي دين قويم لا اعوجاج فيه .
أخبر عيسى أنه عبد مربوب كغيره، فقال: { وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ْ} الذي خلقنا، وصورنا، ونفذ فينا تدبيره، وصرفنا تقديره.
{ فَاعْبُدُوهُ ْ} أي: أخلصوا له العبادة، واجتهدوا في الإنابة، وفي هذا الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والاستدلال بالأول على الثاني، ولهذا قال: { هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ْ} أي: طريق معتدل، موصل إلى الله، لكونه طريق الرسل وأتباعهم، وما عدا هذا، فإنه من طرق الغي والضلال.
( وإن الله ربي وربكم ) قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو : " أن الله " بفتح الألف ، يرجع إلى قوله : ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ) وبأن الله ربي وربكم ، وقرأ أهل الشام والكوفة ويعقوب بكسر الألف على الاستئناف ( فاعبدوه هذا صراط مستقيم )
(وأن الله ربي وربكم فاعبدوه) بفتح أن بتقدير اذكر، وبكسرها بتقدير قل بدليل "" ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم "" (هذا) المذكور (صراط) طريق (مستقيم) مؤد إلى الجنة.
وقال عيسى لقومه: وإن الله الذي أدعوكم إليه هو وحده ربي وربكم فاعبدوه وحده لا شريك له، فأنا وأنتم سواء في العبودية والخضوع له، هذا هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه.
وقوله - تعالى - : ( وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه .
.
.
) قرأه ابن عامر والكوفيون بكسر همزة ( إِنَّ ) على الاستئناف ، أى : وإن عيسى - عليه السلام - قد قال لقومه - أيضاً - وإن الله - تعالى - هو ربى وهو ربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ، وهذا الذى أمرتكم به هو الصراط المستقيم الذى لا يضل سالكه .وقرأ الباقون بفتح همزة ( أَنَّ ) بتقدير حذف حرف الجر أى : وقال عيسى لقومه : ولأن الله ربى وربكم فاعبدوه .
.
.
كما فى قوله - تعالى - : ( وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً ) أى : ولأن المساجد لله .
.
.
اعلم أن قوله: ﴿ وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح أن، ومعناه ولأنه ربي وربكم فاعبدوه، وقرأ الكوفيون وأبو عبيدة بالكسر على الابتداء، وفي حرف أبي ﴿ إِنَّ الله ﴾ بالكسر من غير واو أي بسبب ذلك فاعبدوه.
المسألة الثانية: أنه لا يصح أن يقول الله: ﴿ وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه ﴾ فلابد وأن يكون قائل هذا غير الله تعالى، وفيه قولان: الأول: التقدير فقل يا محمد إن الله ربي وربكم بعد إظهار البراهين الباهرة في أن عيسى هو عبد الله.
الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني: الواو في وإن الله عطف على قول عيسى عليه السلام: ﴿ إِنّى عَبْدُ الله ءاتَانِىَ الكتاب ﴾ كأنه قال: إني عبد الله وإنه ربي وربكم فاعبدوه، وقال وهب بن منبه عهد إليهم حين أخبرهم عن بعثه ومولده ونعته أن الله ربي وربكم أي كلنا عبيد الله تعالى.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ يدل على أن مدبر الناس ومصلح أمورهم هو الله تعالى على خلاف قول المنجمين إن مدبر الناس ومصلح أمورهم في السعادة والشقاوة هي الكواكب ويدل أيضاً على أن الإله واحد لأن لفظ الله اسم علم له سبحانه فلما قال: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ أي لا رب للمخلوقات سوى الله تعالى وذلك يدل على التوحيد، أما قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ فقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية فهاهنا الأمر بالعبادة وقع مرتباً على ذكر وصف الربوبية فدل على أنه إنما تلزمنا عبادته سبحانه لكونه رباً لنا، وذلك يدل على أنه تعالى إنما تجب عبادته لكونه منعماً على الخلائق بأصول النعم وفروعها، ولذلك فإن إبراهيم عليه السلام لما منع أباه من عبادة الأوثان قال: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً ﴾ يعني أنها لما لم تكن منعمة على العباد لم تجز عبادتها، وبهذه الآية ثبت أن الله تعالى لما كان رباً ومربياً لعباده وجب عبادته، فقد ثبت طرداً وعكساً تعلق العبادة بكون المعبود منعماً، أما قوله: ﴿ هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ يعني القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة صراط مستقيم وأنه سمي هذا القول بالصراط المستقيم تشبيهاً بالطريق لأنه المؤدي إلى الجنة، أما قوله تعالى: ﴿ فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ ﴾ ففي الأحزاب أقوال: الأول: المراد فرق النصارى على ما بينا أقسامهم.
الثاني: المراد النصارى واليهود فجعله بعضهم ولداً وبعضهم كذاباً.
الثالث: المراد الكفار الداخل فيهم اليهود والنصارى والكفار الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وإذا قلنا المراد بقوله: ﴿ وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه ﴾ أي قل يا محمد إن الله ربي وربكم، فهذا القول أظهر لأنه لا تخصيص فيه، وكذا قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ مؤكد لهذا الاحتمال، وأما قوله: ﴿ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فالمشهد إما أن يكون هو الشهود وما يتعلق به أو الشهادة وما يتعلق بها.
أما الأول: فيحتمل أن يكون المراد من المشهد نفس شهودهم هول الحساب، والجزاء في القيامة أو مكان الشهود فيه وهو الموقف، أو وقت الشهود، وأما الشهادة فيحتمل أن يكون المراد شهادة الملائكة والأنبياء وشهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال، وأن يكون مكان الشهادة أو وقتها، وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه، وإنما وصف ذلك المشهد بأنه عظيم لأنه لا شيء أعظم مما يشاهد في ذلك اليوم من محاسبة ومساءلة، ولا شيء من المنافع أعظم مما هنالك من الثواب ولا بد من المضار أعظم مما هنالك من العقاب، أما قوله تعالى: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: التعجب هو استعظام الشيء مع الجهل بسبب عظمه، ثم يجوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظم سبب حصول، قال الفراء قال سفيان: قرأت عند شريح: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ ﴾ فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه، وعبد الله أعلم بذلك منه قرأها: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ ﴾ ومعناه أنه صدر من الله تعالى فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم، وبهذا التأويل يضاف المكر والاستهزاء إلى الله تعالى، وإذا عرفت هذا فنقول: للتعجب صفتان: إحداهما: ما أفعله.
والثانية: أفعل به كقوله تعالى: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾ والنحويون ذكروا له تأويلات: الأول: قالوا: أكرم بزيد أصله أكرم زيد أي صار ذا كرم كأغد البعير أي صار ذا غدة إلا أنه خرج على لفظ الأمر ومعناه الخبر كما خرج على لفظ الخبر ما معناه الأمر كقوله تعالى: ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ﴾ ، ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن ﴾ ، ﴿ قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ﴾ أي يمد له الرحمن مداً، وكذا قولهم: رحمه الله خبر وإن كان معناه الدعاء والباء زائدة.
الثاني: أن يقال إنه أمر لكل أحد بأن يجعل زيداً كريماً أي بأن يصفه بالكرم، والباء زائدة مثل قوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ ولقد سمعت لبعض الأدباء فيه تأويلاً.
ثالثاً: وهو أن قولك أكرم بزيد يفيد أن زيداً بلغ في الكرم إلى حيث كأنه في ذاته صار كرماً حتى لو أردت جعل غيره كريماً فهو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك، كما أن من قال: أكتب بالقلم فمعناه أن القلم هو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المشهور الأقوى أن معناه ما أسمعهم وما أبصرهم والتعجب على الله تعالى محال كما تقدم، وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وقيل: معناه التهديد مما سيسمعون وسيبصرون مما يسوء بصرهم ويصدع قلوبهم.
وثانيها: قال القاضي ويحتمل أن يكون المراد أسمع هؤلاء وأبصرهم أي عرفهم حال القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا.
وثالثها: قال الجبائي: ويجوز أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم بهم ليعرفوا أمرهم وسوء عاقبتهم فينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم أما قوله: ﴿ لكن الظالمون اليوم فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ ففيه قولان: الأول: لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وفي الآخرة يعرفون الحق.
والثاني: ﴿ لكن الظالمون اليوم فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وهم في الآخرة في ضلال عن الجنة بخلاف المؤمنين، وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ ﴾ فلا شبهة في أنه أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن ينذر من في زمانه فيصلح بأن يجعل هذا كالدلالة على أن قوله فاختلف الأحزاب أراد به اختلاف جميعهم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأما الإنذار فهو التخويف من العذاب لكي يحذروا من ترك عبادة الله تعالى وأما يوم الحسرة فلا شبهة في أنه يوم القيامة من حيث يكثر التحسر من أهل النار وقيل يتحسر أيضاً في الجنة إذا لم يكن من السابقين الواصلين إلى الدرجات العالية والأول هو الصحيح لأن الحسرة غم وذلك لا يليق بأهل الثواب، أما قوله تعالى: ﴿ إِذْ قُضِىَ الأمر ﴾ ففيه وجوه: أحدها: إذ قضى الأمر ببيان الدلائل وشرح أمرالثواب والعقاب.
وثانيها: إذ قضى الأمر يوم الحسرة بفناء الدنيا وزوال التكليف والأول أقرب لقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فكأنه تعالى بين أنه ظهرت الحجج والبينات وهم في غفلة وهم لا يؤمنون.
وثالثها: روي أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: قضى الأمر: فقال حين يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح وأهل النار غماً على غم واعلم أن الموت عرض فلا يجوز أن يصير جسماً حيوانياً بل المراد أنه لا موت ألبتة بعد ذلك وأما قوله: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ﴾ أي عن ذلك اليوم وعن كيفية حسرته وهم لا يؤمنون أي بذلك اليوم ثم قال بعده: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ أي هذه الأمور تؤول إلى أن لا يملك الضر والنفع إلا الله تعالى: ﴿ وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ أي إلى محل حكمنا وقضائنا لأنه تعالى منزه عن المكان حتى يكون الرجوع إليه وهذا تخويف عظيم وزجر بليغ للعصاة.
<div class="verse-tafsir"
قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح إن ومعناه: ولأنه ربي وربكم فاعبدوه، كقوله: ﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً ﴾ [الجن: 18] والاستار وأبو عبيد بالكسر على الابتداء.
وفي حرف أبيّ ﴿ إن الله ﴾ ، بالكسر بغير واو، و ﴿ بأن الله ﴾ ، أي: بسبب ذلك فاعبدوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ ﴾ تَكْذِيبٌ لِلنَّصارى وتَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَمّا بَهَتُوهُ.
﴿ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم، فَإنَّ مَن إذا أرادَ شَيْئًا أوْجَدَهُ بِـ ﴿ كُنْ ﴾ كانَ مُنَزَّهًا عَنْ شَبَهِ الخَلْقِ إلى الحاجَةِ في اتِّخاذِ الوَلَدِ بِإحْبالِ الإناثِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿ فَيَكُونُ ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الجَوابِ.
﴿ وَإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «آلِ عِمْرانَ»، وقَرَأ الحِجازِيّانِ والبَصْرِيّانِ ( وأنَّ ) بِالفَتْحِ عَلى ولِأنَّ وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ بِالصَّلاةِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه} بالكسر شامي وكوفي على الابتداء وهو من كلام عيسى يعني كما أنا عبده فأنتم عبيده علي وعليكم أن نعبده ومن فتح عطف على بالصلاة أي وأوصاني بالصلاة
مريم (٤٠ - ٣٦)
وبالزكاة وبأن الله ربي وربكم أو علقه بما بعده أي ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه {هذا} الذي ذكرت {صراط مُّسْتَقِيمٍ} فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ عَلى قَوْلِهِ ﴿ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ فَهو مِن تَمامِ قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَقْرِيرًا لِمَعْنى العُبُودِيَّةِ، والآيَتانِ مُعْتَرِضَتانِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وقَرَأ أُبَيٌّ بِغَيْرِ واوٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى هَذا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ خِطابًا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّ اللَّهَ إلَخْ.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأنَّ بِالواوِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ وخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وتَعَلُّقِهِ بِاعْبُدُوهُ أيْ ولِأنَّهُ تَعالى رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ إنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ عَطْفًا عَلى (الزَّكاةِ) أيْ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وبِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم إلَخْ.
وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ والأمْرُ أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم.
وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (أمْرًا) مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إذا قَضى أمْرًا ﴾ أيْ: إذْ قَضى أمْرًا وقَضى أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم وهو تَخْبِيطٌ في الإعْرابِ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو فَإنَّهُ مِنَ الجَلالَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ بِمَكانٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى الكِتابِ، وأكْثَرُ الأقْوالِ كَما تَرى.
وفي حِرَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا وبِأنَّ بِالواوِ وباءِ الجَرِّ وخَرَّجَهُ بَعْضُهم بِالعَطْفِ عَلى الصَّلاةِ أوِ الزَّكاةِ وبَعْضُهم بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِاعْبُدُوهُ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فاعْبُدُوهُ، والخِطابُ إمّا لِمُعاصِرِي عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإمّا لِمُعاصِرِي نَبِيِّنا (هَذا) أيْ ما ذُكِرَ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ، <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أي ذلك الذي قال: إني عبد الله، هو عيسى ابن مريم ، لا كما يقول النصارى إنه إله.
قَوْلَ الْحَقِّ، يعني: خبر الصدق.
قرأ عاصم وابن عامر قَوْلَ الْحَقِّ بنصب اللام، وقرأ الباقون بالضم.
فمن قرأ بالنصب فمعناه: أقول قول الحق، ومن قرأ بالضم معناه: وهو قول الحق.
الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، يعني: يشكون في عيسى عليه السّلام ويختلفون فيما بينهم.
ثم كذبهم في قولهم، فقال عز وجل: مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ، يعني: عيسى.
ثم نزه نفسه عن الولد فقال: سُبْحانَهُ، إِذا قَضى أَمْراً يعني: إذا أراد أن يخلق خلقاً مثل عيسى، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، قرأ ابن عامر فَيَكُونُ بنصب النون، وقرأ الباقون بالضم، وقرأ بعضهم: تَمْتَرُونَ بالتاء على وجه المخاطبة، وقراءة العامة بالياء، لأنها ليست فيها مخاطبة.
ثم قال: وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وَإِنَّ اللَّهَ بنصب الألف رَبُّكُمْ بالنصب على معنى البناء، وقرأ والباقون وَإِنَّ اللَّهَ بالكسر على معنى الابتداء وهي قراءة أبي عبيدة.
وفي قراءة أبيّ إِنَّ اللَّهَ بغير واو فتكون قراءته شاهدة على الكسر.
ثم قال: فَاعْبُدُوهُ، يعني: وحدوه وأطيعوه.
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، يعني: هذا الإسلام طريق مستقيم.
<div class="verse-tafsir"
قال قتادة: وكان يقولُ: سَلُوني فإني ليّن القلب، صَغِيرٌ في نفسي «١» .
وقالت فرقةٌ: إنَّ عيسى عليه السلام كان أُوتي الكتابَ وهو في سنّ الطفوليّة، وكان يصوم، ويصلّي.
٣ ب قال ع «٢» : / وهذا في غاية الضَّعْف.
ت: وضعفُه مِنْ جهة سنده وإلا فالعقلُ لا يحِيلُه لا سِيَّما وأمره كله خرق عادة، وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد، وغيره: أَنهم لما سَمِعُوا كلام عيسى أَذْعنوا وقالوا: إن هذا الأمر عظيم.
وقوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ المعنى: قل يا محمدُ، لمعاصريكَ من اليَهُود والنَّصَارَى ذلك الذي هذه قصّته عيسى بن مريم.
وقرأَ نافعٌ، وعَامّةُ الناس «٣» : «قَوْلُ الحَقِّ» برفع القول على معنى هذا هو قول الحق.
وقرأ عاصمٌ، وابنُ عَامِرٍ: «قولَ الحقِّ» بنصب اللام «٤» على المصدر.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ...
الآية، هذا من تمام القول الّذي أمر به محمد صلى الله عليه وسلّم: أَن يقولَه، ويحتمل أنْ يكون من قول عيسى عليه السلام ويكون قوله: «أَنَّ» بفتح الهمزة، عطفاً على قوله: «الكتاب» .
وقد قال وَهْبُ بنُ مُنَبِّه: عهد عيسى إليهم: أَن الله ربي وربّكم «٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ: ﴿ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ ، هو ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُ النَّصارى: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وإنَّهُ إلَهٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْلَ الحَقِّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قَوْلُ الحَقِّ ) بِرَفْعِ اللّامِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِنَصْبِ اللّامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ " قَوْلُ الحَقِّ " فالمَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، يَعْنِي: هَذا الكَلامَ، ومَن نَصَبَ فالمَعْنى: أقُولُ قَوْلَ الحَقِّ.
وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في الآَيَةِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا وصَفَ بِالكَلِمَةِ جازَ أنْ يَنْعِتَ بِالقَوْلِ.
والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ نَبَأُ عِيسى، ذَلِكَ النَّبَأُ قَوْلُ الحَقِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَشُكُّونَ.
قالَ قَتادَةُ: أمْتَرَتِ اليَهُودُ فِيهِ والنَّصارى، فَزَعَمَ اليَهُودُ أنَّهُ ساحِرٌ، وزَعَمَ النَّصارى أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وثالِثُ ثَلاثَةٍ.
قَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَمْتَرُونَ ) بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا.
و " مِن " مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ؛ لِأنَّ لِلْقائِلِ أنْ يَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ فَرَسًا، يُرِيدُ: اتَّخَذْتُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: ما اتَّخَذْتُ فَرَسَيْنِ ولا أكْثَرَ، يُرِيدُ: اتَّخَذْتُ فَرَسًا واحِدًا، فَإذا قالَ: ما اتَّخَذْتُ مِن فَرَسٍ، فَقَدْ دَلَّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَمِيعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( فَيَكُونُ ) بِالنَّصْبِ، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَهُ في ( البَقَرَةِ: ١١٧ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( وأنَّ اللَّهَ ) بِنَصْبِ الألِفٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وإنَّ اللَّهَ ) بِكَسْرِ الألِفِ.
وهَذا مِن قَوْلِ عِيسى، فَمَن فَتَحَ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴾ وبِأنَّ اللَّهَ رَبِّي، ومَن كَسَرَ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ وَإنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِمُعاصِرِيكَ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى: ذَلِكَ الَّذِي مِنهُ قِصَّةُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما قَدَّرْنا في الكَلامِ "قُلْ" لِأنَّهُ يَجِيءُ في الآيَةِ بَعْدَ "وَإنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ"، وهَذِهِ مُقالَةُ بَشَرٍ، ولَيْسَ يَقْتَضِي ظاهِرُ الآيَةِ قائِلًا مِنَ البَشَرِ سِوى مُحَمَّدٍ ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "ذَلِكَ عِيسى " إلى قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ" إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ واعْتِراضًا أثْناءَ كَلامِ عِيسى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "وَأنْ" بِفَتْحِ الألِفِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "الكِتابَ"، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: عَهِدَ عِيسى إلَيْهِمْ "أنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ"، ومَن كَسَرَ الألِفَ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "إنِّي عَبْدُ اللهِ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعامَّةُ الناسِ: "قَوْلُ الحَقِّ"، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قَوْلَ الحَقِّ" بِنَصْبِ "القَوْلِ" عَلى المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ المُقْرِي: كانَ يُجالِسُنِي ضَرِيرٌ ثِقَةٌ، فَقالَ: رَأيْتُ النَبِيَّ في النَوْمِ يَقْرَأُ: "قَوْلَ الحَقِّ" نَصْبًا، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: وكُنْتُ أقْرَأُ بِالرَفْعِ فَحَسْبُ، فَصِرْتُ أقْرَأُ بِها جَمِيعًا، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "قالَ اللهُ" بِمَعْنى: كَلِمَةُ اللهِ، وقَرَأ عِيسى: "قالَ الحَقَّ".
وقَرَأ نافِعٌ والجُمْهُورُ، "يَمْتَرُونَ" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عنهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ: "تَمْتَرُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ لَهُمْ، والمَعْنى: تَخْتَلِفُونَ أيُّها اليَهُودُ والنَصارى، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: هو لِزَنْيَةٍ ونَحْوُ هَذا، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: هو اللهُ تَعالى، فَهَذا هو امْتِراؤُهُمْ، وسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مِن بَعْدِ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ ﴾ مَعْناهُ النَفْيُ وهَذا هو مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ حَيْثُ وقَعَتْ، ثُمْ يُضافُ إلى ذَلِكَ بِحَسْبِ حالِ المَذْكُورِ فِيها، إمّا زَجْرٌ ونَهْيٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا ﴾ ، وإمّا تَعْجِيزٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ ، وإمّا تَبَرُّئُهُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ولَدٍ ﴾ ، دَخَلَتْ "مِن" مُؤَكِّدَةً لِلْجَحْدِ، لِنَفْيِ الواحِدِ فَما فَوْقَهُ مِمّا يَحْتَلُّهُ نَظِيرُ هَذِهِ العِبارَةِ إذا لَمْ تَدَخُّلْ "مِن"، وقَوْلُهُ: "أمْرًا" أيْ: واحِدًا مِنَ الأُمُورِ، ولَيْسَ بِمَصْدَرِ "أمَرَ يَأْمُرُ"، فَمَعْنى قَضى أوجَدَ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ وهَذِهِ التَصارِيفُ في هَذِهِ الأفْعالِ مِن مُضِيٍّ واسْتِقْبالٍ هي بِحَسَبِ تَجَوُّزِ العَرَبِ واتِّساعِها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: " كُنْ فَيَكُونُ ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ اللهَ" بِفَتْحِ الألِفِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ ﴾ و ﴿ وَإنَّ اللهَ رَبِّي ﴾ ، كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَإنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ" بِكَسْرِ الألْفِ دُونِ واوٍ.
وقَوْلُهُ: " فاعْبُدُوهُ "، وقَفَ ثُمُ ابْتَدَأ: " هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ " أيْ: ما أعْلَمَتْكم بِهِ عَنِ اللهِ تَعالى مِن وحْدانِيَّتِهِ، ونَفْيِ الوَلَدِ عنهُ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَزَّهُ عنهُ، طَرِيقٌ واضِحٌ مُفْضٍ إلى النَجاةِ ورَحْمَةِ اللهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن يكون هذا بقيةً لكلام جرى على لسان عيسى تأييداً لبراءة أمّه وما بينهما اعتراض كما تقدم آنفاً.
والمعنى: تعميم ربوبية الله تعالى لكل الخلق.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب همزة ﴿ وأَنَّ ﴾ مفتوحة فخرجه الزمخشري أنه على تقدير لام التعليل، فإن كان من كلام عيسى فهو تعليل لقوله ﴿ فاعبدوهُ ﴾ على أنه مقدّم من تأخير للاهتمام بالعِلّة لكونها مقررة للمعلول ومثبته له على أسلوب قوله تعالى: ﴿ وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ [الجنّ: 18] ويكون قوله ﴿ فَاعبُدُوهُ ﴾ متفرعاً على قوله ﴿ إني عَبْدُ الله ﴾ [مريم: 30] بعد أن أُردف بما تعلّق به من أحوال نفسه.
ولما اشتمل مدخول لام التعليل على اسم الجلالة أضمر له فيما بعد.
وتقدير النظم هكذا: فاعبدوا الله لأنه ربّي وربكم.
ويجوز أن يكون عطفاً على قوله ﴿ بالصلاة والزكواة ﴾ [مريم: 31]، أي وأوصاني بأنّ الله ربّي وربكم، فيكون بحذف حرف الجر وهو مطرد مع (أنّ).
ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الحَقّ ﴾ من قوله ﴿ قَولَ الحَقّ ﴾ [مريم: 34] على وجه جعل ﴿ قَولَ ﴾ بمعنى قائل، أي قائل الحق وقائلُ إن الله ربّي وربّكم، فإن همزة ﴿ أنَّ ﴾ يجوز فتحها وكسرها بعد مادة القول.
وإن كان ممّا خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بأنْ يقوله كان بتقدير قول محذوف، أو عطفاً على ﴿ مَرْيَمَ ﴾ من قوله تعالى: ﴿ واذْكُر فِي الكتاب مَرْيَمَ ﴾ [مريم: 16]، أي اذْكر يا محمد أن الله ربّي فكذلك، ويكون تفريع ﴿ فاعبدوه ﴾ على قوله: ﴿ مَا كانَ لله أن يتَّخِذَ من وَلدٍ سبحانه ﴾ [مريم: 35] إلى آخره...
وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخَلف، ورَوْح عن يعقوب بكسر همزة ﴿ إنَّ ﴾ .
ووجهها ظاهر على كلا الاحتمالين.
وجملة ﴿ هَذا صِراطٌ مسْتَقِيم ﴾ تذييل وفذلكة لما سبقه على اختلاف الوجوه.
والإشارة إلى مضمون ما تقدّم على اختلاف الوجوه.
والمراد بالصراط المستقيم اعتقاد الحق، شُبه بالصراط المستقيم على التشبيه البليغ، شُبه الاعتقاد الحق في كونه موصولاً إلى الهدى بالصراط المستقيم في إيصاله إلى المكان المقصود باطمئنان بال، وعُلم أن غير هذا كبنَيّات الطريق مَن سلكها ألقت به في المخاوف والمتالف كقوله ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾ [الأنعام: 153].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ هو اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: عِيسى وسَمّاهُ حَقًّا لِأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ.
الثّالِثُ: هو القَوْلُ الَّذِي قالَهُ عِيسى مِن قَبْلُ.
﴿ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَشُكُّونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: يَخْتَلِفُونَ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في اللَّهِ وفي عِيسى، فَقالَ قَوْمٌ هو اللَّهُ، وقالَ آخَرُونَ هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَ آخَرُونَ هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ.
وَهَذِهِ الأقاوِيلُ الثَّلاثَةُ لِلنَّصارى.
وَقالَ المُسْلِمُونَ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ.
وَنَسَبَتْهُ اليَهُودُ إلى غَيْرِ رِشْدَةٍ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: الَّذِي فِيهِ تَفْتَرُونَ بِالفاءِ مُعْجَمَةً مِن فَوْقُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَفِرَّ بِمَرْيَمَ ابْنُ عَمِّها مَعَها ابْنُها إلى مِصْرَ فَكانُوا فِيها اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً حَتّى ماتَ المَلِكُ الَّذِي كانُوا يَخافُونَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق ﴾ قال: الله عز وجل، الحق.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي فيه يمترون ﴾ قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج من كل قوم عالمهم فتشاوروا في عيسى حين رُفِعَ، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيى من أحيى وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية فقالت الثلاثة: كذبت.
ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه.
فقال: هو ابن الله، وهم النسطورية.
فقال اثنان: كذبت.
ثم قال أحد الإثنين للآخر: قل فيه.
قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله.
وهم الإسرائيلية وهم ملوك النصارى.
فقال الرابع: كذبت..
هو عبد الله ورسوله وروحه من كلمته، وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا فظهر على المسلمين.
فذلك قول الله: ﴿ ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ﴾ [ آل عمران: 21] قال قتادة: وهم الذين قال الله: ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزاباً، فاختلف القوم، فقال المرء المسلم: أنشدكم...
هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام، وأن الله لا يطعم الطعام؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: فهل تعلمون أن عيسى كان ينام، وأن الله لا ينام؟
قالوا: اللهم نعم.
فخصمهم المسلمون فانسل القوم، فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ، وأصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآن ﴿ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ [ مريم: 37] .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ قال: هم أهل الكتاب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ﴾ الآية.
ذكر الفراء في فتح ﴿ أَن ﴾ ثلاثة أوجه أحدها: العطف على عيسى بن مريم، بتأويل ذلك عيسى بن مريم، وأن الله ربي وربكم، فيكون في موضع رفع.
والثاني: ولأن الله ربي ربكم [فاعبدوه، فيعمل فيه فاعبدوه] (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ ويجوز أن يكون استئنافًا بالواو من غير عطف، ويؤكد هذا الوجه ما روي في قراءة أبي: أن الله ربي وربكم، بغير واو (٥) قوله تعالى: ﴿ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ أي: هذا الذي أخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة.
(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخه (س).
(٢) "الحجة للقراء السبعة" 2/ 203.
(٣) "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 315، " الجامع لأحكام القرآن" 11/ 108، "البحر المحيط" 6/ 190.
وقال السمين الحلبي في "الدر المصون" 7/ 600: واستبعد الناس صحة هذا النقل عن أبي عمرو؛ لأنه من الجلالة في العلم والمعرفة بمنزلة يمنعه من هذا القول، وذلك لأنه إذا عطف على (أمرا) لزم أن يكون داخلا في حيز الشرط به (إذا) وكونه تبارك ربنا لا يتقد يشترط البته.
(٤) في (س): (وهذا).
(٥) "جامع البيان" 16/ 85، "بحر العلوم" 2/ 324، "الكشاف" 2/ 411، "البحر المحيط" 6/ 189، "معاني القرآن" للفراء 2/ 168.= واختلف القراء في قراءة هذه الآية: فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (وأن الله ربي) بنصب الألف.
وقرأ ابن عامر، وعاصم، حمزة، والكسائي: (وإن الله) بالكسر.
انظر: "السبعة" ص 410، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 202، "المبسوط في القراءات" ص 243، "النشر" 2/ 318.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَوْلَ الحق ﴾ بالرفع خبر مبتدأ تقديره: هذا قول الحق، أو بدل أو خبر بعد خبر، وبالنصب على المدح بفعل مضمر، أو على المصدرية من معنى الكلام المتقدم ﴿ فِيهِ يَمْتُرُونَ ﴾ أي يختلفون فهو من المراء، أو يشكون فهو من المِرية، والضمير لليهود والنصارى ﴿ وَإِنَّ الله رَبِّى ﴾ من كلام عيسى وقرئ بفتح الهمز تقديره ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه، وبكسرها لابتداء الكلام، وقيل: هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: يا محمد قل لهم ذلك عيسى بن مريم، وأن الله ربي وربكم، والأول أظهر ﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ هذا ابتداء إخبار، والأحزاب اليهود والنصارى، لأنهم اختلفوا في أمر عيسى اختلافاً شديداً، فكذبه اليهود وعبده النصارى، والحق خلاف أقوالهم كلها ﴿ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ معناه من تلقائهم، ومن أنفسهم وأن الاختلاف لم يخرج عنهم ﴿ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يعني يوم القيامة ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة، على أنهم في الدنيا في ضلال مبين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ ليهب لك ﴾ على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف.
الآخرون ﴿ لأهب ﴾ على التكلم ﴿ نسياً ﴾ بفتح النون: حمزة وحفص.
الباقون بكسرها.
﴿ من تحتها ﴾ بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقونه بفتحهما على أن "من" موصولة والظرف صلتها ﴿ تساقط ﴾ بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة.
﴿ تساقط ﴾ من المفاعلة: حفص غير الخزاز ﴿ يساقط ﴾ بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد.
الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة ﴿ آتاني الكتاب ﴾ ممالة مفتوحة الياء: عليّ.
وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف.
﴿ وأوصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ قول الحق ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم ويعقوب.
﴿ وإن الله ﴾ بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد.
الوقوف: ﴿ مريم ﴾ لا ليصير "إذ" ظرفاً لأذكر ﴿ شرقياً ﴾ لا للعطف ﴿ زكياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط لما مر ﴿ هين ﴾ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ﴿ منا ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ مقضياً ﴾ ه ﴿ قصياً ﴾ ه ﴿ النخلة ﴾ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ﴿ منسياً ﴾ ه ﴿ سرياً ﴾ ه ﴿ جنياً ﴾ ه ز ﴿ عيناً ﴾ ه ج للشرط مع الفاء ﴿ أحداً ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ نسياً ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ تحمله ﴾ ط ﴿ فرياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ج ﴿ إليه ﴾ ج ﴿ صبياً ﴾ ه ﴿ عبد الله ﴾ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة.
ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في "إن" عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ﴿ أينما كنت ﴾ ص لطول الكلام ﴿ حياً ﴾ ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله ﴿ وبراً ﴾ معطوف على قوله ﴿ مباركاً ﴾ .
﴿ بوالدتي ﴾ ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ﴿ شقياً ﴾ ، ﴿ حياً ﴾ ه، ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ﴿ يمترون ﴾ ه، ﴿ من ولد ﴾ ه استعجالاً للتنزيه { } ط ﴿ فيكون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وأن ﴾ بالكسر ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ، ه ﴿ من بينهم ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ وأبصر ﴾ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ﴿ مبين ﴾ ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ﴿ قضى الأمر ﴾ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ﴿ لا يؤمنون ﴾ ، ه ﴿ يرجعون ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى.
وقوله "إذ" بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه.
والانتباه "افتعال" من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها.
قال ابن عباس: من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل ، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة.
وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها.
وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي ﴿ فتمثل لها ﴾ حال كونه ﴿ بشراً سوياً ﴾ تام الخلق أو حسن الصورة.
وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس.
فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس.
قوله: ﴿ إن كنت تقياً ﴾ أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك.
وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله.
وقيل: "إن" نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي.
وحين علم جبريل خوفها ﴿ قال إنما أنا رسول ربك ﴾ أرسلني ﴿ لأهب لك ﴾ أو ليهب لك ﴿ غلاماً زكياً ﴾ طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة.
وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟
احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله .
وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل ﴿ لأهب لك ﴾ ؟
قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها.
ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع.
﴿ قالت ﴾ استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولم تقل ههنا "رب" إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ هي الفاجرة التي تبغي الرجال.
عن المبرد أن أصله يغوى على "فعول" قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة.
وعن ابن جنى أنه "فعيل" وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء.
ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران.
فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ﴾ فلم تحتج إلى هذه الزيادة.
وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ ﴿ أو لامستم النساء ﴾ وإنما يقال في الزنا "فجر بها" و "خبث بها" ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب.
قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: ﴿ ولم أك بغياً ﴾ في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم.
﴿ قال كذا قال ربك هو عليّ هين ﴾ تفسيره كما مر في قصة زكريا ﴿ ولنجعله ﴾ أي ولنجعل الغلام أو خلقه ﴿ آية للناس ﴾ يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه ﴿ هين ﴾ أي تخلقه لنبين به قدرتنا ﴿ ولنجعله آية ﴾ وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه ﴾ ﴿ ورحمة منا ﴾ على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله.
وههنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت.
وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.
وقيل: في فمها.
وقيل: إن النافخ هو الله كقوله ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ ﴿ لأهب لك ﴾ قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة.
وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل.
وكم مدة حملها؟
عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله في أثناء مدائحها.
وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى.
قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه.
وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر.
وقيل: ستة أشهر.
وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها.
وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ ولفاآت التعقيب في قوله: ﴿ فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض ﴾ وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها.
ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها.
وقصى مبالغة قاص.
وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها و كانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما.
فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك.
فقالت: قل قولاً جميلاً.
فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟
قالت: نعم.
ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر!
أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى!
فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل.
فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة.
قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.
لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره "آتى" حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل "أتيت المكان وآتانيه فلان".
قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و ﴿ المخاض ﴾ بفتح الميم وجع الولادة.
قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً.
قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة.
يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح.
وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها.
تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة.
ومعنى ﴿ منسياً ﴾ أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه.
وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها.
ومن قرأ ﴿ نسياً ﴾ بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر.
ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل.
وقرىء ﴿ نسأ ﴾ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته ﴿ فناداها من تحتها ﴾ الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني.
وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم.
وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة.
قوله: ﴿ سرياً ﴾ جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول.
وروي ذلك عن النبي سمي بذلك لأن الماء يسري فيه.
وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم.
وجمع السري سراة وجمع سراة سروات.
عن الحسن: كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾ لأنه خلاف الظاهر.
وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق.
وكل من كان أبعد منه كان تحت.
وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها.
وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله: ﴿ وءاوينٰهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ \[المؤمنون: 50\] وقوله: ﴿ فكلي واشربي ﴾ يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب.
وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله ﴿ قد جعل ربك ﴾ مشعر بالأحداث في ذلك الوقت.
قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة.
وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: ﴿ بجذع النخلة ﴾ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به.
و ﴿ رطباً ﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية.
وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بــ ﴿ هزي ﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها.
والجني المأخوذ طرياً.
والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً.
وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره.
قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك.
والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: ﴿ وقري عيناً ﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.
وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟
وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿ فإما ترين ﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: ﴿ إمَّا يبلغن عندك الكبر ﴾ إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة.
عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت.
وعن ابن عباس مثله.
وقال أبو عبيدة: كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.
وقيل:أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم.
قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام.
وفي الكشاف: نهى رسول الله عن صوم الصمت.
وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي.
وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.
وكيف أخبرتهم بالنذر؟
قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض.
وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية.
وقوله: ﴿ إنسياً ﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: ﴿ فإما ترين من البشر ﴾ .
﴿ فأتت به ﴾ أي بعيسى ﴿ قومها تحمله ﴾ الجملة حال.
عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها.
وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.
فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ بديعاً من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم: ﴿ يأخت هرون ﴾ الآية.
واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره.
وقيل: يروى عن النبي أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر.
وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.
وقيل: أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح.
ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه.
وقيل: كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته.
ويروى أنهم هموا برجمها ﴿ فأشارت إليه ﴾ أي أن عيسى هو الذي يحكم.
وبم عرفت ذلك؟
إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا.
وعن السدي.
لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد ﴾ قال جار الله: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ﴿ صبياً ﴾ في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: "كان" زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة ﴿ صبياً ﴾ حال مؤكدة.
ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: ﴿ إني عبد الله ﴾ فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى: ﴿ آتاني الكتاب ﴾ هو الإنجيل والتوراة أي فهمها.
وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه.
وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة.
فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل.
والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ كما يجيء.
وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله: ﴿ وجعلني نبياً ﴾ ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك.
ومعنى قوله: ﴿ مباركاً أينما كنت ﴾ نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله .
وقيل معلماً للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل: عليّ نحت القوافي من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقر وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً ﴾ يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم.
أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له: اكتب.
فقال له: أي شيء أكتب؟
فقال: اكتب "أبجد" فقال: لا أكتب شيئاً لا أدري.
ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك.
الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله.
وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه.
وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به.
فقال عيسى مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً.
﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ﴿ ما دمت حياً ﴾ وقيل: الزكاة ههنا صدقة الفطر.
وقيل: تطهير البدن من دنس الآثام.
وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما.
وفي قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها.
قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً.
وقرأ ﴿ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر "ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا" ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر.
قوله: ﴿ والسلام عليّ ﴾ قالت العلماء: إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره.
وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير.
قليل منك يكفيني *** قليلك لا يقال له قليل وإني لأرضى منك يا هند بالذي *** لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى *** وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله.
عن بعضهم أن عيسى قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي.
وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه.
وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ يعني أن العذاب على من كذب وتولى.
يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.
وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه.
وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته.
وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم.
﴿ ذلك ﴾ الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: ﴿ إني عبد الله ﴾ إلى آخره هو ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قول الحق ﴾ فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: "كلمة الله" وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك "هو عبد الله الحق" و ﴿ قول الحق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل ﴿ حق اليقين ﴾ قد مر آنفاً.
وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى ﴿ تمترون ﴾ تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة.
ثم صرح ببطلان معتقدم فقال: ﴿ ما كان الله ﴾ ما صح له وما استقام ﴿ أن يتخذ من ولد ﴾ كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة.
والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته .
وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ كقولنا "ما كان لله أن يظلم" فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته.
وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه.
فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئاً آخر فما الدليل على استحالته؟!
احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله: ﴿ كن ﴾ إن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل.
واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: ﴿ إذا قضى ﴾ للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث.
وأيضاً الفاء في ﴿ فيكون ﴾ للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس.
وأيضاً قوله: ﴿ كن ﴾ عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل.
ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: ﴿ كن ﴾ هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً.
ومن قرأ ﴿ وأن الله ﴾ بالفتح فمعناه ولأن الله ﴿ ربي وربكم فاعبدون ﴾ وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو.
وههنا نكتة هي أن الله لا يصح أن يقول: ﴿ إن الله ربي وربكم فاعبدوه ﴾ فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض.
وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ أي من بين أهل الكتاب.
قال الكلبي: هم اليهود والنصارى.
وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟
فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية.
وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم.
وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد.
واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله أعلى من جميع ذلك وأجل ﴿ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف.
ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها.
وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته.
ومعنى"من" التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال ههنا ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ وفي حم الزخرف ﴿ فويل للذين ظلموا ﴾ لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم.
قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر.
والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب.
قال سفيان: قرأت عند شريح ﴿ بل عجبت ويسخرون ﴾ فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم.
فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه.
والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم.
وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم.
وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم.
وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: ﴿ لكن الظالمون ﴾ أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر.
﴿ اليوم ﴾ وهو يوم التكليف ﴿ في ضلال مبين ﴾ حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو ﴿ يوم الحسرة ﴾ لتحسر أهل النار فيه.
وقيل: أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور.
و ﴿ إذ ﴾ بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة.
ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار.
وعن النبي أنه سئل عنه فقال: "يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم" قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيواناً فالمراد أنه لا موت بعد ذلك.
عن الحسن ﴿ وهم في غفلة ﴾ متعلق بقوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ وقوله: ﴿ وأنذرهم ﴾ اعتراض.
ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿ أنذرهم ﴾ أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين.
ويحتمل أن يكون "إذ" ظرفاً لـ ﴿ أنذر ﴾ أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب.
ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة ﴿ وهم لا يؤمنون ﴾ ثم قرر بقوله: ﴿ إنا نحن نرث ﴾ أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه.
التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ مريم ﴾ القلب ﴿ إذا انتبذت من أهلها ﴾ تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي ﴿ فاتخذت من دونهم ﴾ حجاب الخلوة والعزلة ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ ﴿ فتمثل لها بشراً سوياً ﴾ كما تمثل روح التوحيد بحروف "لا إله إلا الله" لانتفاع الخلق به.
و ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك ﴾ ظناً منها أنه يشغلها عن الله.
﴿ قال إنما أنا رسول ﴾ الوارد الرباني ﴿ لأهب لكغلاماً زكياً ﴾ طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية.
﴿ ولم يمسسني بشر ﴾ خاطر من عالم البشرية ﴿ ولم أك بغياً ﴾ أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ﴿ فحملته ﴾ بالقوة القريبة من الفعل ﴿ فانتبذت به مكاناً قصياً ﴾ لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة ﴿ فأجاءها ﴾ مخاض الطلب والتعب ﴿ إلى جذع النخلة ﴾ وهي كلمة "لا إله إلا الله" التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ﴿ قالت يا ليتني مت قبل هذا ﴾ قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.
قال عليّ يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه.
وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة ﴿ فناداها ﴾ بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ﴿ أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك ﴾ أي تحت تصرفك ﴿ سرياً ﴾ هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ بالمداومة على الذكر ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ﴿ فكلي واشربي ﴾ من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقري عينا ﴾ بأنوار الجمال في حجرة الوصال ﴿ فأما ترين ﴾ من السوانح البشرية ﴿ أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله.
﴿ فأتت به قومها ﴾ من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال.
﴿ يا أخت هرون ﴾ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ﴿ وكان أبوك ﴾ وهو الروح المفارق ﴿ إمرأ سوء وما كانت أمك ﴾ وهي القالب ﴿ بغياً ﴾ تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ﴿ فأشارت إليه ﴾ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات ﴿ في المهد ﴾ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه.
﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ ﴿ أسمع بهم ﴾ أي بأهل الله ﴿ وأبصر يوم يأتوننا ﴾ فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ﴾ أي: بعيسى قومها تحمله: ﴿ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: لقد فريت عظيماً من الأمر، لكنه يخرج تأويل فريت من التقدير، يقال: فري، أي: قدر.
وقال بعضهم: لقد افتريت عظيماً، وهو قذف صريح بالزنى، كقوله: ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ كل قائم عجب، أو من عمل فهو فري، وهو هاهنا عجب فري، وهذا أقرب؛ إذ لا يجوز أن يحمل كلامهم على تصريح القذف وثم لتعريض القذف مساغ ووجه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰأُخْتَ هَارُونَ ﴾ قال بعضهم: كانت أخت هارون بن عمران أخي موسى، وعلى ذلك روي خبر عن رسول الله ، فإن ثبت فهو هو.
وقال بعضهم: لا، ولكن كان لها أخ من أبيها يقال له: هارون بن ماتان؛ لذلك نسبوها إليه فقالوا: ﴿ يٰأُخْتَ هَارُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: إن هارون كان رجلاً صالحاً ناسكاً فيهم، فشبهوها به ونسبوها إليه؛ لصلاحها ونسكها.
وقال بعضهم: إن بني إسرائيل تسمّي كل صالح: هارون؛ حبّاً لهارون؛ لذلك سموها ونسبوها إلى هارون، لنسكها وصلاحها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ﴾ أي: ما كان أبوك ما ذكر ولا أمّك ولا أنت، فمن أين كان لك هذا؟!
هذا تعريض من الكلام: ليس بتصريح، فهو ما ذكرنا: أنهم قالوا ذلك على التعجب وليس على تصريح الفرية والقذف لها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
أي: آتاني علم الكتاب، ولا نفسّر أيّ كتاب هو: الإنجيل أو التوراة أو غيره؟
لأنه قال في آية أخرى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ فذكر الكتاب وذكر معه التوراة والإنجيل؛ فهذا يدلّ أن الكتاب غير التوراة والإنجيل.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ﴾ .
هذا يدل أنّه قد تكلم بعد هذه الكلمات، وليس كما قال أهل التأويل: إنه تكلم بهؤلاء، ثم لم يتكلم بعد ذلك إلى أن بلغ المبلغ الذي يتكلم الصبيان؛ لأنه أخبر أنه جعله نبيّاً وجعله مباركاً، فلا يحتمل أن يكون نبيّاً ولا يتكلم ولا يدعو الناس إلى دين الله، وأيّ بركة تكون فيه إذا لم يتكلم بكلام خير؛ فدل ذلك منه أن ليس على ما قالوا هم، والبركة هي اسم كل خير وصلاح، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ .
يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعهودة.
ويحتمل: الصلاة: الثناء له والدعاء في كل وقت وفي كل مكان، والزكاة: كل ما تزكو به النفس وتصلح وتنمو من كل خير.
فإن كان الأوّل الصّلاة المفروضة والزكاة المعروفة، فهو على تعليم الناس، كأنه قال: أوصاني أن أعلم الناس وأعلمهم من الزكاة؛ إذ لم يكن يملك عيسى ما تجب فيه الزكاة، فهو يخرج على إعلام الناس عن حكم الزكاة، أو أن يكون على المواساة، فذلك مما قل وكثر سواء.
وإن كان الثاني فهو وغيره من الناس في تلك الزكاة سواء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي ﴾ أي: جعلني برّاً بوالدتي، صلة بقوله: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ و ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً ﴾ ، وجعلني برّاً بوالدتي.
﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾ ، قد ذكرناه في قصة يحيى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾ .
هذا - أيضاً - قد ذكرناه في قصة يحيى، غير أن الله هو مُسَلِّمٌ على يحيى في تلك الأحوال، وهاهنا ذكر أن عيسى سلم على نفسه.
وذكر في بعض القصّة: أن عيسى ويحيى - عليهما السلام - التقيا، فقال يحيى لعيسى: "أنت خير مني".
فقال عيسى: "بل أنت خير مني، سلَّم الله عليك، وسلمت أنا على نفسي"، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ أي: ذلك عيسى بن مريم، ليس على ما قالت النصارى وغيرهم أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة على ما قالوا، ولكن عيسى بن مريم عبد الله كما أقر هو بالعبودية حيث قال: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ أي: ذلك الذي أنبأتهم من نبأ عيسى: ﴿ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ ﴾ أي: هؤلاء الكفرة حيث أنكروا أنه ليس على ما أنبأتهم من نبئه، أي: الذي يشكون فيه هو قول الحق، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ﴾ .
نزّه نفسه عن أن يتخذ ولداً؛ لأنه لا تقع [له] الأسباب التي لها يتخذ الولد ويطلب منه.
أو يقول: إن اتخاذ الولد يسقط الألوهية؛ لأن الولد في الشاهد يكون شكل الأب وشبيهاً له، فلا يحتمل أن تكون الألوهية لمن يشبه الخلق؛ لأن الولد في الشاهد إنما يتخذ ويطلب لأحد وجوه ثلاثة: إمّا لوحشة تأخذه فيستأنس به.
وإمّا لحاجة تمسّه فيستغني به في دفعها.
أو لخوف يخاف من أعدائه فيستنصر به، فإذا كان الله يتعالى عن ذلك وله من سرعة نفاذ أمره ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، فمن له من سرعة نفاذ الأمر ما ذكر، لا تقع له الحاجة إلى الولد في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
ثم قول أهل التأويل: إنه نفخ في جيب مريم، أو في أنفها، أو في غيره، وغير ذلك من القصص التي ذكروها ممّا ليس في الكتاب ذكرها - فلا يجوز أن يقال ذلك إلا بخبر عن الله ، أو عمن أوحى إليه، فإنه لم يعلم صدقه ولا ثبوته، فنذكر مقدار ما في الكتاب لا يزاد على ذلك ولا ينقص؛ لأن هذه الأنباء لما ذكرت لرسول الله لتكون آية لرسالته ونبوّته؛ لأنها كانت مذكورة في الكتب المتقدمة، وكان هنالك من يعرفها، فذكرت له هذه الأنباء على ما كانت في كتبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، فلو زيد فيه أو نقص لكانت غير دالة لهم على ذلك.
قال القتبي: الصوم: الإمساك؛ صوماً: أي: صمتاً، فريّاً: أي: عظيماً عجباً، والبغي: يقال: امرأة بغي ونسوة بغايا، أي: فاجرات، وكذلك قال أبو عوسجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ .
إنهم كانوا يعرفون أن الله هو ربهم حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، ونحوه، فكأن عيسى قال لهم: ارجعوا إلى عبادة الذي تعرفون أنه ربّي وربكم، واتركوا العبادة لمن تعرفون أنه ليس بربّكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى في حياته، منهم من قال: هو ساحر.
وقال بعضهم: هو كاهن.
وقال بعضهم: كذا من هذا النحو.
وقال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى بعد ما رفع [من] بينهم: فمنهم من قال: هو الله، وقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة، أمثال ما قالوا على علم منهم أنه لم يكن على ما وصفوه وقالوا فيه، لكنهم عاندوا وكابروا.
وقال بعضهم: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ : الذين تحزبوا واختلفوا في رسول الله لما بعث، فمنهم من قال: إنه ساحر، وإنه كاهن ومجنون، وإنه مفتر، وإنه كذاب، ونحو ما قالوا فيه على علم منهم أن ما يقول هو يوافق كتبهم، وأن كتابه مصدق لكتبهم، وأنه يؤمن بالرسل الذين يؤمنون هم بهم، لكنّهم قالوا ذلك على المعاندة والمكابرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قال أصحاب التأويل: الويل: الوعيد، واختلفوا فيه، [وهو] - والله أعلم - الويل لكل كافر، ما من كافر إلا وله ذلك الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ : وصف ذلك اليوم بالعظم؛ لما فيه مجمع الأوّلين والآخرين، ويشهده الجن والإنس والملائكة، فهو مشهد يوم عظيم.
ويحتمل أنه وصفه بالعظم؛ لأنه هو المقصود في خلق العالم في الدنيا، فهو إنما خلقهم لأمر عظيم وهو ذلك اليوم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ : قال الحسن: يكونون سمعاء وبصراء في الآخرة، ليس على ما كانوا في الدنيا عميا بكما صمّاً.
وقال بعضهم: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا.
وقال بعضهم: لا يصح هذا؛ لأن هذا ليس على وجه النهر والتعجب، ولكن تأويله أي: يسمعون ما قالوا ويبصرون ما عملوا.
وقال بعضهم: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾ أي: ﴿ أَسْمِعْ ﴾ بحديثهم إليهم وأعلمهم و ﴿ وَأَبْصِرْ ﴾ كيف نصنع بهم يوم يأتوننا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .
أي: في حسرة بينة، أو في هلاك بيّن، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: الحسرة: هي أن يصور الموت بصورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، فينظر إليه أهل النار وأهل الجنة، فيندم أهل النار ويكون لهم الحسرة؛ لما كانوا يطمعون الموت يتأملون منه، فذلك الحسرة التي ذكر، ولكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن رسول الله، فإن ثبت شيء عنه فهو ذاك، وإلا فالحسرة لهم هي أعمالهم التي عملوا في الدنيا، وهو ما قال: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ ، ونحوه كل عمل عملوا في الدنيا يكون لهم ذلك حسرة في الآخرة وندامة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ ، أي: أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ﴾ ، أي: هم كانوا في غفلة من هذا ﴿ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ .
هذا - والله أعلم - كناية عن فناء الخلق جميعاً وبقاء الخالق، فذلك معنى الوراثة، والله أعلم.
وعلى ذلك سمّي الوارث في الشاهد: وارثاً؛ لأنه باق بعد فناء مورثه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإن الله سبحانه هو ربي وهو ربكم جميعًا، فأخلصوا له العبادة وحده، هذا الذي ذكرت لكم هو الطريق المستقيم الموصل إلى مرضاة الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.pEJk9"