الآية ٧٣ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٧٣ من سورة مريم

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌۭ مَّقَامًۭا وَأَحْسَنُ نَدِيًّۭا ٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٣ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٣ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان : أنهم يصدون عن ذلك ، ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم : ( خير مقاما وأحسن نديا ) أي : أحسن منازل وأرفع دورا وأحسن نديا ، وهو مجمع الرجال للحديث ، أي : ناديهم أعمر وأكثر واردا وطارقا ، يعنون : فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل ، وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق ؟

كما قال تعالى مخبرا عنهم : ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) [ الأحقاف : 11 ] .

وقال قوم نوح : ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) [ الشعراء : 111 ] ، وقال تعالى : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ) [ الأنعام : 53 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وإذَا تُتْلَى ) على الناس ( آياتُنا ) التي أنـزلناها على رسولنا محمد ( بَيِّنَات )، يعني واضحات لمن تأمَّلها وفكَّر فيها أنها أدلة على ما جعلها الله أدلة عليه لعباده، ( قال الذين كفروا بالله ) وبكتابه وآياته، وهم قريش، ( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) فصدّقوا به، وهم أصحاب محمد ( أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا ) يَعْني بالمقام: موضع إقامتهم، وهي مساكنهم ومنازلهم ( وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) وهو المجلس، يقال منه: ندوت القوم أندوهم ندوا: إذا جمعتهم في مجلس، ويقال: هو في نديّ قومه وفي ناديهم: بمعنى واحد ، ومن النديّ قول حاتم: ودُعِيــتُ فـي أُولـي النَّـدِيّ ولَـمْ يُنْظَـــرْ إلــيَّ بــأعْيُنٍ خُــزْرِ (1) وتأويل الكلام: وإذا تتلى عليهم آياتنا بيِّنات، قال الذين كفروا للذين آمنوا: أيّ الفريقين منا ومنكم أوسع عيشا، وأنعم بالا وأفضل مسكنا، وأحسن مجلسا، وأجمع عددا وغاشية في المجلس، نحن أم أنتم؟

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قوله ( خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) قال: المقام: المنـزل، والنديّ: المجلس.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ عن شعبة، عن سليمان، عن أبى ظَبيان، عن ابن عباس بمثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) قال: المقام: المسكن، والنديّ، المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها، وهو كما قال الله لقوم فرعون، حين أهلكهم وقصّ شأنهم في القرآن فقال كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ فالمقام: المسكن والنعيم، والنديّ: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال الله فيما قصّ على رسوله في أمر لوط إذ قال وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ، والعرب تسمي المجلس: النادي.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) يقول: مجلسا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ( أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ ) قال: قريش تقولها لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ( وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) قال: مجالسهم، يقولونه أيضا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثنِي حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فعرّض أهل الشرك بما تسمعون.

قوله ( وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) يقول: مجلسا.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) قال: النديّ، المجلس، وقرأ قول الله تعالى فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ قال: مجلسه.

------------------------ الهوامش: (1) البيت لحاتم الطائي ، من شعره في كتاب ( شعراء النصرانية : القسم الأول ص 115 ) وفي ( اللسان : ندى ) : والندى : المجالسة وناديته : جالسته ، وتنادوا : تجالسوا في النادي ، والندي : المجلس ما داموا مجتمعين فيه ، فإذا تفرقوا عنه فليس بندي .

وقيل : الندي : مجلس القوم نهارا عن كراع .

والنادي : كالندي .

التهذيب : النادي المجلس ، يندو إليه من حواليه ، ولا يسمى ناديا حتى يكون فيه أهله ، وإذا تفرقوا لم يكن ناديا ، وهو الندي ، والجمع الأندية .

أه .

الخزر : جمع خزراء من الخزر ، وهو كما في ( اللسان : خزر ) كسر العين بصرها خلقة .

وقيل : هو ضيق العين وصغرها .

وقيل هو النظر الذي كأنه في أحد الشقين ، ثم استشهد ببيت حاتم ، وقد استشهد المؤلف به ، على أن معنى الندي : مجلس القوم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات أي على الكفار الذين سبق ذكرهم في قوله تعالى : أئذا ما مت لسوف أخرج حيا وقال فيهم : ونذر الظالمين فيها جثيا أي هؤلاء إذا قرئ عليهم القرآن تعززوا بالدنيا ، وقالوا : فما بالنا - إن كنا على باطل - أكثر أموالا وأعز نفرا .

وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين ، وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه المحق في دينه ، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا ولا في المسلمين غنيا ، ولم يعلموا أن الله تعالى نحى أولياءه عن الاغترار بالدنيا وفرط الميل إليها .

وبينات معناه مرتلات الألفاظ ملخصة المعاني ، مبينات المقاصد ؛ إما محكمات ، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات ، أو تبيين الرسول - صلى الله عليه وسلم - قولا أو فعلا أو ظاهرات الإعجاز تحدي بها فلم يقدر على معارضتها .

أو حججا وبراهين .

والوجه أن تكون حالا مؤكدة كقوله تعالى : وهو الحق مصدقا لأن آيات الله تعالى لا تكون إلا واضحة وحججا .قال الذين كفروا يريد مشركي قريش النضر بن الحارث وأصحابه .

للذين آمنوا يعني فقراء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت [ ص: 65 ] فيهم قشافة ، وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون ، يرجلون شعورهم ويدهنون رءوسهم ، ويلبسون خير ثيابهم ، فقالوا للمؤمنين : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا .

قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد مقاما بضم الميم وهو موضع الإقامة .

ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإقامة .

الباقون مقاما بالفتح ؛ أي منزلا ومسكنا .

وقيل : المقام الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة ؛ أي أي الفريقين أكثر جاها وأنصارا .

وأحسن نديا أي مجلسا ؛ عن ابن عباس وعنه أيضا المنظر وهو المجلس في اللغة وهو النادي ومنه دار الندوة لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم وناداه جالسه في النادي قال :أنادي به آل الوليد وجعفراوالندي على فعيل : مجلس القوم ومتحدثهم ، وكذلك الندوة والنادي والمتندى ، فإن تفرق القوم فليس بندي قاله الجوهري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وإذا تتلى على هؤلاء الكفار آياتنا بينات، أي: واضحات الدلالة على وحدانية الله وصدق رسله، توجب لمن سمعها صدق الإيمان وشدة الإيقان، قابلوها بضد ما يجب لها، واستهزءوا بها وبمن آمن بها، واستدلوا بحسن حالهم في الدنيا، على أنهم خير من المؤمنين، فقالوا معارضين للحق: { أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ } أي: نحن والمؤمنون { خَيْرٌ مَقَامًا } أي: في الدنيا، من كثرة الأموال والأولاد، وتوفر الشهوات { وَأَحْسَنُ نَدِيًّا } أي مجلسا.

أي: فاستنتجوا من هذه المقدمة الفاسدة، أنهم أكثر مالا وأولادا، وقد حصلت لهم أكثر مطالبهم من الدنيا، ومجالسهم وأنديتهم مزخرفة مزوقة.والمؤمنون بخلاف هذه الحال، فهم خير من المؤمنين، وهذا دليل في غاية الفساد، وهو من باب قلب الحقائق، وإلا فكثرة الأموال والأولاد، وحسن المنظر، كثيرا ما يكون سببا لهلاك صاحبه، وشقائه، وشره

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) واضحات ( قال الذين كفروا ) يعني : النضر بن الحارث وذويه من قريش ( للذين آمنوا ) يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رءوسهم ويلبسون حرير ثيابهم فقالوا للمؤمنين : ( أي الفريقين خير مقاما ) منزلا ومسكنا [ وهو موضع الإقامة .

وقرأ ابن كثير : " مقاما " بضم الميم أي : إقامة ] .

( وأحسن نديا ) أي مجلسا ومثله النادي فأجابهم الله تعالى فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا تتلى عليهم» أي المؤمنين والكافرين «آياتنا» من القرآن «بينات» واضحات حال «قال الذين كفروا للذين آمنوا أيُّ الفريقين» نحن وأنتم «خير مقاما» منزلا ومسكنا بالفتح من قام وبالضم من أقام «وأحسن نديا» بمعنى النادي وهو مجتمع القوم يتحدثون فيه، يعنون نحن فنكون خيرا منكم قال تعالى:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا تتلى على الناس آياتنا المنزلات الواضحات قال الكفار بالله للمؤمنين به: أيُّ الفريقين منَّا ومنكم أفضل منزلا وأحسن مجلسًا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تسوق السورة بعد ذلك موقف الكافرين عند سماعهم لآيات الله - تعالى - كما تسوق ما قالوه للمؤمنين على سبيل التفاخر عليهم ، وما رد به القرآن على هؤلاء المترفين المتعالين ، قال - تعالى - : ( وَإِذَا تتلى .

.

.

) .قوله - سبحانه - : ( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بينات .

.

) حكاية لما قاله الكافرون للمؤمنين على سبيل التباهى والتفاخر .أى : وإذا تتلى على هؤلاء المشركين المنكرين للبعث آياتنا البينات الواضحات ، الدالة على صحة وقوع البعث والحساب يوم القيامة ( قَالَ الذين كَفَرُواْ ) على سبيل العناد والتعالى ( لِلَّذِينَ آمنوا ) بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، قالوا لهم انظروا ( أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ) .والمقام - بفتح الميم - : مكان القيام والمراد به مساكنهم ومنازلهم التى يسكنونها وينزلون بها .والندى والنادى والمنتدى : مجلس القوم ومكان تجمعهم .يقال : ندوت القوم أندوهم ندوا ، إذا جمعتهم فى مجلس للانتداء .

ومنه : دار الندوة للمكان الذى كانت تجتع فيه قريش للتشاور فى أمورها .أى : وإذا تتلى على هؤلاء الكافرين آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وعلى أن البعث حق .

قالوا للمؤمنين على سبيل الاحتقار لهم : نحن وأنتم أينا خير من الآخر مكانا ، وأحسن مجلسا ومجتمعا فهم يتفاخرون على المؤمنين بمساكنهم الفارهة ، ومجالسهم التى يجتمع فيها أغنياؤهم ووجهاؤهم .قال الجمل فى حاشيته : " أى قالوا للمؤمنين : انظروا إلى منازلنا فتروها أحسن من منازلكم وانظروا إلى مجلسنا عند التحدث ومجلسكم ، فترونا نجلس فى صدر المجلس ، وأنتم جالسون فى طرفه الحقير .

فإذا كنا بهذه المثابة وأنتم بتلك فنحن عند الله خير منكم ، ولو كنتم على حق لأكرمكم الله بهذه الأمور كما أكرمنا بها " .وما حكاه الله - تعالى - عن هؤلاء الكافرين فى هذه الآية ، قد جاء ما يشبهه فى آيات أخرى ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على مشركي قريش المنكرين للبعث أتبعه بالوعيد على ما تقدم ذكره عنهم أنهم عارضوا حجة الله بكلام فقالوا: لو كنتم أنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا، لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في العذاب والذل وأعداءه المعروضين عن خدمته في العز والراحة، ولما كان الأمر بالعكس فإن الكفار كانوا في النعمة والراحة والاستعلاء، والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والذل دل على أن الحق ليس مع المؤمنين، هذا حاصل شبهتهم في هذا الباب ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ  ﴾ ويروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون بالزينة الفاخرة ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله منهم.

بقي بحثان: الأول: قوله: ﴿ آياتنا بينات ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أنها مرتلات الألفاظ مبينات المعاني إما محكمات أو متشابهات فقد تبعها البيان بالمحكمات أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً.

وثانيها: أنها ظاهرات الإعجاز تحدى بها فما قدروا على معارضتها.

وثالثها: المراد بكونها آيات بينات أي دلائل ظاهرة واضحة لا يتوجه عليها سؤال ولا اعتراض مثل قوله تعالى في إثبات صحة الحشر: ﴿ أَوْ لاَ يَذْكُرُ إلإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً  ﴾ .

البحث الثاني: قرأ ابن كثير: ﴿ مَقَاماً ﴾ بالضم وهو موضع الإقامة والمنزل، والباقون بالفتح وهو موضع القيام، والمراد والندى المجلس يقال: ندى وناد، والجمع الأندية، ومنه قوله: ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر  ﴾ وقال: ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ  ﴾ ويقال: ندوت القوم أندوهم إذا جمعتهم في المجلس، ومنه دار الندوة بمكة وكانت مجتمع القوم.

ثم أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بينات ﴾ مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني: مبينات المقاصد: إما محكمات أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات.

أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً.

أو ظاهرات الإعجاز تحدّى بها فلم يقدر على معارضتها.

أو حججاً وبراهين.

والوجه أن تكون حالاً مؤكدة كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الحق مُصَدّقًا ﴾ [البقرة: 91] لأن آيات الله لا تكون إلا واضحة وحججاً ﴿ لِلَّذِينَ ءامنوا اْ ﴾ يحتمل أنهم يناطقون المؤمنين بذلك ويواجهونهم به، وأنهم يفوهون به لأجلهم وفي معناهم، كقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ [الأحقاف: 11] .

قرأ ابن كثير ﴿ مقاماً ﴾ بالضم وهو موضع الإقامة والمنزل، والباقون بالفتح وهو موضع القيام، والمراد المكان والموضع.

والندىّ: المجلس ومجتمع القوم، وحيث ينتدون.

والمعنى: أنهم إذا سمعوا الآيات وهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا وذلك مبلغهم من العلم، قالوا: أيّ الفريقين من المؤمنين بالآيات والجاحدين لها أوفر حظاً من الدنيا حتى يجعل ذلك عياراً على الفضل والنقص، والرفعة والضعة؟

ويروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة، ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ مُرَتَّلاتِ الألِفاظِ مُبَيَّناتِ المَعانِي بِنَفْسِها أوْ بِبَيانِ الرَّسُولِ  أوْ واضِحاتِ الإعْجازِ.

﴿ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِأجْلِهِمْ أوْ مَعَهم.

﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ ﴾ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

﴿ خَيْرٌ مَقامًا ﴾ مَوْضِعَ قِيامٍ أوْ مَكانًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالضَّمِّ أيْ مَوْضِعُ إقامَةٍ ومَنزِلٍ.

﴿ وَأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ مَجْلِسًا ومُجْتَمَعًا والمَعْنى أنَّهم لَمّا سَمِعُوا الآياتِ الواضِحاتِ وعَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِها والدَّخْلِ عَلَيْها، أخَذُوا في الِافْتِخارِ بِما لَهم مِن حُظُوظِ الدُّنْيا والِاسْتِدْلالِ بِزِيادَةِ حَظِّهِمْ فِيها عَلى فَضْلِهِمْ وحَسُنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى الحالِ وعِلْمِهِمْ بِظاهِرٍ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ التَّهْدِيدِ نَقْضًا بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذا تتلى عليهم آياتنا} أي القرآن {بينات} ظاهرات الإعجاز أو حججاً وبراهين حال مؤكدة كقوله وهو الحق مصدقاً إذ آيات الله لا تكون إلا واضحة وحججاً {قَالَ الذين كَفَرُواْ} أي مشركو قريش وقد رجلوا شعورهم وتكلفوا في زيهم {لِلَّذِينَ آمنوا} للفقراء ورءوسهم شعثة وثيابهم خشنة {أَىُّ الفريقين} نحن أم أنتم {خَيْرٌ مَّقَاماً} بالفتح وهو موضع القيام والمراد المكان والمسكن وبالضم مكي وهو موضع الإقامة والمنزل {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} مجلسا يجتمع القوم فيه للمشاورة ومعنى الآية أن الله تعالى يقول إذا أنزلنا آية فيها دلائل وبراهين أعرضوا عن التدبر فيها إلى الافتخار بالثروة والمال وحسن المنزل والحال فقال تعالى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ إلى آخِرِها حِكايَةٌ لِما قالُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ فَظاعَةَ حالِهِمْ ووَخامَةَ مَآلِهِمْ أيْ وإذا تُتْلى عَلى المُشْرِكِينَ ﴿ آياتُنا ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ السّابِقَةُ ﴿ بَيِّناتٍ ﴾ أيْ: ظاهِراتِ الإعْجازِ تُحُدِّيَ بِها فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى مُعارَضَتِها أوْ مُرَتَّلاتِ الألْفاظِ مُلَخَّصاتِ المَعْنى مُبَيِّناتِ المَقاصِدِ، أمّا مُحْكَماتٌ أوْ مُتَشابِهاتٌ قَدْ تَبِعَها البَيانُ بِالمُحْكَماتِ أوْ تَبْيِينُ الرَّسُولِ  قَوْلًا أوْ فِعْلًا، والوَجْهُ كَما في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ ﴿ بَيِّناتٍ ﴾ حالًا مُؤَكِّدَةً لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَقَدَها مِنِ اسْمَيْنِ لِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وإذا يُتْلى ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ ﴿ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ قالُوا.

ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم قالُوا ما قالُوا كافِرِينَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ رادِّينَ لَهُ أوْ قالَ الَّذِينَ مَرَدُوا مِنهم عَلى الكُفْرِ وأصَرُّوا عَلى العُتُوِّ والعِنادِ وهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ الفَجَرَةُ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ.

واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِلتَّبْلِيغِ كَما في قُلْتُ لَهُ كَذا إذا خاطَبْتَهُ بِهِ، وقِيلَ لامُ الأجَلِ أيْ قالُوا لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ قَوْلَهم لَيْسَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ كَأنَّهم قالُوا: أيُّنا (خَيْرٌ) نَحْنُ أوْ أنْتُمْ (مَقامًا) أيْ مَكانًا ومَنزِلًا، وأصْلُهُ مَوْضِعُ القِيامِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِمُطْلَقِ المَكانِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ والجُعْفِيُّ وأبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( مُقامًا ) بِضَمِّ المِيمِ وأصْلُهُ مَوْضِعُ الإقامَةِ، والمُرادُ بِهِ أيْضًا المَنزِلُ والمَكانُ فَتَتَوافَقُ القِراءَتانِ.

وجُوِّزَ في البَحْرِ احْتِمالُ المَفْتُوحِ والمَضْمُومِ لِلْمَصْدَرِيَّةِ عَلى أنَّ الأصْلَ مَصْدَرُ قامَ يَقُومُ، والثّانِي مَصْدَرُ أقامَ يُقِيمُ، ورَأيْتُ في بَعْضِ المَجْمُوعاتِ كَلامًا يُنْسَبُ لِأبِي السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ والمُقامِ بِالضَّمِّ وقَدْ سَألَهُ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: يا وحِيدَ الدَّهْرِ يا شَيْخَ الأنامِ نَبْتَغِي فَرْقَ المَقامِ والمُقامِ وهُوَ أنَّ الأوَّلَ يَعْنِي المَفْتُوحَ المِيمِ مَوْضِعُ قِيامِ الشَّيْءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ قِيامُهُ فِيهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِإقامَةِ غَيْرِهِ، ومِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُكَثَّفِ فِيهِ أوْ بِدُونِهِ، والثّانِي مَوْضِعُ إقامَةِ الغَيْرِ إيّاهُ أوْ مَوْضِعُ قِيامِهِ بِنَفْسِهِ قِيامًا مُمْتَدًّا، فَإنْ كانَ الفِعْلُ النّاصِبُ ثُلاثِيًّا فَمُقْتَضى المُقامُ هو الأوَّلُ، وكَذا إنْ كانَ رُباعِيًّا ولَمْ يُقْصَدْ بَيانُ كَوْنِ المَقامِ مَوْضِعَ قِيامِ المُضافِ إلَيْهِ بِإقامَةِ غَيْرِهِ أوْ مَوْضِعَ قِيامِهِ المُمْتَدِّ، وأمّا إذا قُصِدَ ذَلِكَ فَمُقْتَضاهُ الثّانِي كَما إذا قُلْتَ: أُقِيمَتْ تاءُ القَسَمِ مَقامَ الواوِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها خَلْفٌ عَنِ الباءِ الَّتِي هي الأصْلُ مِن أحْرُفِ القَسَمِ.

ومَقاماتُ الكَلِماتِ كُلِّها وإنْ كانَتْ مَنُوطَةً بِوَضْعِ الواضِعِ لَكِنَّ مَقامَها المَنُوطَ بِأصْلِ الوَضْعِ لِكَوْنِهِ مَقامًا أصْلِيًّا لَها قَدْ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَوْضِعِ قِيامِها بِأنْفُسِها، وجَعْلُ مَقامِها المَنُوطِ بِالِاسْتِعْمالِ الطّارِئِ جارِيًا مَجْرى المَقامِ الِاضْطِرارِيِّ لِذَواتِ الِاخْتِيارِ، هَذا إذا كانَ المَقامُ ظَرْفًا أمّا إذا كانَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا والفِعْلُ النّاصِبُ رُباعِيٌّ فَحَقُّهُ ضَمُّ المِيمِ.

انْتَهى المُرادُ مِنهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ في هَذا المَقامِ لَيْسَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بَلْ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ عَلى ما قِيلَ: أيْ أيُّ الفَرِيقَيْنِ مَقامُهُ خَيْرٌ ﴿ وأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ أيْ مَجْلِسًا ومُجْتَمَعًا، وفي البَحْرِ هو المَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ لِحادِثَةٍ أوْ مَشُورَةٍ، وقِيلَ: مَجْلِسُ أهْلِ النَّدى أيِ الكَرَمِ.

وكَذا النّادِي يُرْوى أنَّهم كانُوا يُرَجِّلُونَ شُعُورَهم ويَدْهُنُونَها ويَتَطَيَّبُونَ ويَلْبَسُونَ مُفاخِرَ المَلابِسِ ثُمَّ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ، قالَ الإمامُ: ومُرادُهم مِن ذَلِكَ مُعارَضَةُ المُؤْمِنِينَ كَأنَّهم قالُوا: لَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ وكُنّا عَلى الباطِلِ كانَ حالُكم في الدُّنْيا أحْسَنَ وأطْيَبَ مِن حالِنا؛ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُوقِعَ أوْلِياءَهُ المُخْلِصِينَ في العَذابِ والذُّلِّ وأعْداءَهُ المُعْرِضِينَ عَنْ خِدْمَتِهِ في العِزِّ والرّاحَةِ لَكِنَّ الكَفّارَ كانُوا في النِّعْمَةِ والرّاحَةِ والمُؤْمِنِينَ كانُوا بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا مَعَ ظُهُورِ أنَّهُ قِياسٌ عَقِيمٌ ناشِئٌ مِن رَأْيٍ سَقِيمٍ نَقَضَهُ اللَّهُ تَعالى وأبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ يعني: تعرض عليهم آياتُنا بَيِّناتٍ يعني: واضحات، قد بين فيها الحلال والحرام قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: النضر بن الحارث قال لأصحاب النبيّ  ويقال: أهل مكة قالوا لأصحاب النبيّ  أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ يعني أيّ دينين خَيْرٌ مَقاماً، يعني: منزلاً.

قرأ ابن كثير مَقاماً بضم الميم، وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم فهو الإقامة، يقال: أقمت إقامة ومقاماً، ومن قرأ بالنصب فهو المكان الذي يقام فيه وَأَحْسَنُ نَدِيًّا يعني: مجلساً، وذلك أنهم لبسوا الثياب، وادّهنوا الرؤوس، ثم قالوا للمؤمنين: أيُّ الفريقين خير منزلةً: المسلمون أو المشركون؟

وأرادوا أن يصرفوهم عن دينهم.

قوله عز وجل: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً يعني: أكثر أموالا وَرِءْياً يعني: منظراً حسناً، فلم يُغن عنهم ذلك من عذاب الله شيئا.

قرأ نافع وابن عامر وريّاً بتشديد الياء بغير همز، يعني: النعمة، وقرأ الباقون ورئياً بالهمز بغير تشديد، يعني: المنظر.

قال أبو عبيد: وهكذا تقرأ مهموزة لأنه من رؤية العين، وإنما هي المنظر.

ثم قال عز وجل: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ يعني: قل يا محمد، من كان في الكفر والشرك فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا يعني: يزيد له مالاً وولداً.

قوله: فَلْيَمْدُدْ هذا لفظ الأمر، ومعناه الخبر، وتأويله: أن الله عز وجل جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها، ويمده فيها، كما قال وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: 15] .

ثم قال تعالى: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ يعني: في الآخرة من العذاب والثواب إِمَّا الْعَذابَ في الدنيا وَإِمَّا السَّاعَةَ يعني: قيام الساعة فَسَيَعْلَمُونَ يعني: فسيعرفون يوم القيامة مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً يعني: صنيعاً في الدنيا، ومنزلاً في الآخرة وَأَضْعَفُ جُنْداً يعني: أقل عدداً وقوة ومنعة، أهم أم المؤمنون.

قوله عز وجل: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً يعني: يزيد الله عز وجل الذين آمنوا بالمنسوخ هدى بالناسخ، ليعملوا بالناسخ دون المنسوخ، ويقال: جعل جزاءهم أن يزيدهم في يقينهم، ويزيدهم بصيرة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وقد ذكرناه وَخَيْرٌ مَرَدًّا يعني: وأفضل مرجعاً في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذه من أبي علي نزعةٌ اعتزالية [فتأملها] «٢» ، والضمير في لَنَحْشُرَنَّهُمْ عائدٌ على الكفَّارِ القائلين ما تقدم، ثم أَخبر تعالى: أنه يقرن بهم الشياطين المغوين لهم، وجِثِيًّا جمعُ جَاثٍ، فأخبر سبحانه: أَنه يحضر هؤلاءِ المنكرين البعث مع ٥ ب الشياطين [المغوِينَ] «٣» ، فيجثُون/ حول جهنَّم وهو «٤» قعودُ الخائف الذَّلِيل على رُكْبتيْهِ كالأَسِير، ونحوهِ.

قال ابنُ زيدٍ «٥» : الجَثْيُ: شَرُّ الجلُوسَ، و «الشيعة» : الفِرْقَةُ المرتبطة بمذهبٍ وَاحدٍ، المتعاونةِ فيه، فأخبر سبحانه أَنه ينزع مِنْ كُلِّ شيعةٍ أَعْتاها وأَولاَها بالعذاب، فتكون مقدمتها إلى النَّار.

قال أَبو الأحوص: المعنى: نبدأ بالأكابر «٦» جرما «٧» ، وأيّ: هنا بُنِيَتْ لمَّا حُذِف الضميرُ العَائِدُ عليها مِنْ صَدْر صِلَتها، وكان التقدِيْرُ: أَيَّهم هو أشَدُّ، وصِلِيًّا: مصدر صلي يصلى إذا باشره.

وقوله عزَّ وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قسم، والواو تقتضيه، ويفسّره قوله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ، لَمْ تَمَسَّهُ النّار إلّا تحلّة القسم» «٨» .

وقرأ ابن

عباس «١» ، وجماعَةٌ: «وإنْ مِنْهُمْ» بالهَاءِ على إرَادة الكُفَّار.

قال ع «٢» : ولا شغب في هذه القراءة، وقالت فِرْقَةٌ من الجمهور القارئين «منكم» ، المعنى: قُلْ لهم يا محمَّدُ، فالخِطَاب ب مِنْكُمْ للكفرةِ، وتأويل هؤلاءِ أَيضاً سَهْلُ التناوُلِ.

وقال الأكثرُ: المخاطَبُ العَالَمُ كلّه، ولا بُدّ من ورود الجميع، ثم اختلفوا في كَيْفِيَّةِ ورود المُؤْمِنِينَ، فقال ابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وخالدُ بن مَعْدَانَ، وابنُ جُرَيْجٍ «٣» ، وغيرُهم: هو ورودُ دخولٍ، لكنَّها لا تعدو عليهم، ثم يخرجهم الله عز وجل منها بعدَ مَعْرِفتهم حَقِيقَةَ ما نَجَوْا منه.

وروى «٤» جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أَنه قال: «الوُرُودُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ الدُّخُولُ» «٥» ، وقد أَشْفَقَ كَثِيرٌ من العلماء من تحقُّقِ «٦» الورودِ مع الجَهْلِ بالصَّدَرِ- جعلنا الله تعالى من الناجين بفضله ورحمته-، وقالت فِرْقَة: بَلْ هُو ورودُ إشْرَافٍ، واطِّلاعٍ، وقُرْبٍ، كما تقول: وردتُ الماءَ إذا جِئْتَه، وليس يلزم أن تدخل فيه، قالوا:

وحسب المؤمن بهذا هؤلاء ومنه قولُه تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [القصص: الآية ٢٣] .

وروت فرقة أثراً: أنّ الله تعالى يجعلُ النَّار يوم القيامة جامدةَ الأعلى كأنها إهالةٌ فيأتي الخلقُ كلُّهم برُّهم وفاجرُهم، فيقفون عليها، ثم تسوخُ بأهلِها، ويخرجُ المؤمنون الفائزون، لم ينلهم ضرٌّ، قالوا: فهذا هو الورودُ.

قال المهدوي «١» : وعن قتادةَ قال: يرد النَّاسُ جهنَّمَ وهي سَوْدَاءُ مظلِمةٌ، فأَما المؤْمنُونَ فأَضَاءَتْ لهم حَسَناتُهم، فَنَجَوْا منها، وأما الكفارُ فأوبقتهم سَيِّئَاتُهم، واحتبسوا بذنوبهم.

[انتهى] » .

وروت حَفْصَةُ- رضي الله عنها- أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَالحُدَيْبِيَةِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وأَيْنَ قَوْلُ اللهِ تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال صلى الله عليه وسلّم: «فَمَهْ «٣» ، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا» «٤» ورجح الزجاجُ «٥» هذا القَوْلَ بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] .

ت: وحديثُ حفصةَ هذا أَخرجهُ مُسْلِم، وفيه: «أَفلم تَسْمَعِيهِ يقولُ: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا «٦» .

وروى ابنُ المبارك في «رُقائقه» : أنه لما نزلت هذه الآية: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى [فَجَاءَتِ امرأته، فبكت] ، «٧» وجاءت الخادم فبكت، وجاء

أهل البيت فَجَعَلُوا يَبْكُونَ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عَبْرَتُهُ، قَالَ: يَا أَهْلاَهُ، مَا يُبْكِيكُمْ، قَالُوا: لاَ نَدْرِي، وَلَكِنْ رَأَيْنَاكَ بَكَيْتَ فَبَكَيْنَا، فَقَالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلّم يُنْبِئُنِي فِيهَا رَبِّي أَنِي وَارِدُ النَّارَ، وَلَمْ يُنْبِئْنِي أَنِّي صَادِرٌ عَنْهَا، فَذَلِكَ الَّذِي أبْكَانِي «١» .

انتهى.

وَقال ابنُ مَسْعُودٍ: ورودُهُمْ/: هو جَوَازُهُمْ على الصراط «٢» ، وذلك أنّ الحديث ٦ أالصحيح تضمن أَنَّ الصراط مَضْرُوبٌ على مَتْنِ جهنم.

والحتم: الأمر المنفد المجزوم، والَّذِينَ اتَّقَوْا: معناه اتَّقَوْا الكُفْر وَنَذَرُ دالةٌ على أَنهم كَانُوا فيها.

قال أَبُو عُمَر بنُ عَبْدِ البَرِّ في «التمهيد» بعد أَن ذكر روَاية جابِر، وابنِ مَسْعُودٍ في الوُرُودِ: وروي عن كَعْبٍ أَنه تَلاَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال: أَتَدْرُونَ مَا وُرُودُهَا؟

إنه يُجَاءُ بجهنَّم فتُمْسكُ للناس كأَنها متْن إهَالَة: يعني: الوَدَك الذي يجمد على القِدْر من المرقَةِ، حَتَّى إذا استقرت عليها أَقدَام الخَلائِق: بَرّهم وفاجرهم، نَادَى مُنَادٍ: أَنْ خُذِي أَصْحَابِك، وذَرِي أَصْحَابِي، فيُخْسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، فَلَهِيَ أَعلَمُ بهم مِنَ الوَالِدَة بولَدِهَا، وينجو المُؤْمِنُونَ نَدِيَّة ثيابهم «٣» .

وروي هذا المعنى عن أَبي نَضْرَةَ، وزاد: وهو معنى قولِه تَعَالَى: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس: ٦٦] .

انتهى.

وقوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً ...

الآية، هذا افتخارٌ من كفار قريش وأَنه إِنما أَنعم الله عليهم لأَجْلِ أَنهم على الحقِّ بزعمهم.

والنَّدِيّ، والنَّادِي: المجْلِسُ، ثم رد الله تعالى حُجَّتَهم وحقَّر أَمْرهم فقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً أيْ: فلم يُغْن ذلك عنهم شَيْئاً «٤» ، والأَثَاث: المال العين، والعَرْض «٥» والحيوان.

وقرأَ نافِعٌ «٦» وغيرُه: «ورءيا» بهمزةٍ بعدها ياء من رؤية العين.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ آياتُنا ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ.

﴿ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ أيْ: لِفُقَراءَ المُؤْمِنِينَ، ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: [ مَقامًا ] بِفَتْحِ المِيمِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَقامُ: اسْمُ المَثْوى، إنْ فُتِحَتِ المِيمُ أوْ ضُمَّتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ والنَّدِيُّ والنّادِي: مَجْلِسُ القَوْمِ ومُجْتَمَعُهم.

وقالَ الفَرّاءُ: النِّدِيُّ والنّادِي لُغَتانِ.

ومَعْنى الكَلامِ: أنْحَنِ خَيْرٌ أمْ أنْتُمْ ؟

فافْتَخَرُوا عَلَيْهِمْ بِالمَساكِنِ والمَجالِسِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ ﴾ ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى القَرْنِ في ( الأنْعامِ: ٦ )، وشَرَحْنا الأثاثَ في ( النَّحْلِ: ٨٠ ) .

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرِئْيًا ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ورِئْيًا ) بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الرّاءِ والياءِ في وزْنِ: ( رِعْيًا ) .

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: مَنظَرًا، مِن ( رَأيْتُ ) .

وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ( رِيًّا ) بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَها تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الأُولى.

والثّانِي: أنَّها مِنَ الرِّيِّ، فالمَعْنى: مَنظَرُهم مُرْتَوٍ مِنَ النِّعْمَةِ، كَأنَّ النَّعِيمَ بَيِّنٌ فِيهِمْ.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ( زِيًّا ) بِالزّايِ المُعْجَمَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: حَسَنٌ هَيْئَتُهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا ﴾ ﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَحْمَنُ مَدًّا ﴾ قَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يُتْلى" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لِما كانَ الرَجُلُ مِنهم يُكَلِّمُ المُؤْمِنَ في مَعْنى الدِينِ فَيَقْرَأُ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ القُرْآنَ، ويَبْهَرُهُ بِآياتِ النَبِيِّ  ، كانَ الكافِرُ مِنهم يَقُولُ: إنَّ اللهَ إنَّما يُحْسِنُ لِأحَبِّ الخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما يُنْعِمْ عَلى أهْلِ الحَقِّ، ونَحْنُ قَدْ أنْعَمَ عَلَيْنا دُونَكُمْ، فَنَحْنُ أغْنِياءُ وأنْتُمْ فُقَراءُ، ونَحْنُ أحْسَنُ مَجْلِسًا وأجْمَلُ شارَةً، فَهَذا المَعْنى ونَحْوَهُ هو المَقْصُودُ بِالتَوْقِيفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ ﴾ ؟

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَقامًا" بِفَتْحِ المِيمِ، و"لا مَقامَ لَكُمْ" بِالفَتْحِ أيْضًا، وهو المَصْدَرُ مَن قامَ، أوِ الظَرْفُ مِنهُ في مَوْضِعِ القِيامِ.

وهَذا يَقْتَضِي لَفْظَ المَقامُ، إلّا أنَّ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ يُحْرِزُ أنَّهُ واقِعٌ عَلى الظَرْفِ فَقَطْ، وقَرَأ أبِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي مُقامٍ أمِينٍ"، بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مُقامًا" بِضَمِّ المِيمِ، وهو ظَرْفٌ مَن أقامَ، وكَذَلِكَ أيْضًا مِنَ المَصْدَرِ مِنهُ مِثْلَ "مَجْراها ومُرْساها" وقَرَأ: "فِي مَقامٍ أمِينٍ" و"لا مَقامَ لَكُمْ" بِالفَتْحِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ جَمِيعُهَنَّ بِالفَتْحِ، ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمْ "لا مُقامَ لَكُمْ" بِالضَمِّ.

و"النَدِيُّ" والنادِي: المَجْلِسُ فِيهِ الجَماعَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمُ الطائِيِّ: ودُعِيَتُ في أُولى النَدِيِّ ولِمْ يُنْظَرْ إلَيَّ بِأعْيُنٍ خُزْرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ ﴾ مُخاطَبَةً مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  ، خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ كَسْرَ حُجَّتِهِمْ واحْتِقارَ أمْرِهِمْ؛ لَأنَّ التَقْدِيرَ: هَذا الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ لا قَدْرَ لَهُ عِنْدَ اللهِ، ولَيْسَ بِمُنْجٍ لَهُمْ، فَكَمْ أهْلَكَ اللهُ مِنَ الأُمَمِ لَمّا كَفَرُوا وهم أشَدُّ مِن هَؤُلاءِ وأكْثَرُ أمْوالًا وأجْمَلَ مَنظَرًا.

و"القَرْنُ": الأُمَّةُ يَجْمَعُها العَصْرُ الواحِدُ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي إذا اجْتَمَعَتْ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ قَرْنًا - فَقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.

و"الأثاثُ": المالُ العَيْنُ والعَرَضُ والحَيَوانُ، وهو اسْمٌ عامٌّ، واخْتَلَفَ، هَلْ هو جَمْعٌ أو إفْرادٌ؟

فَقالَ الفَرّاءُ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالمَتاعِ، وقالَ خَلَفُ الأحْمَرِ، هو جَمْعٌ واحِدُهُ أثاثَةٌ، كَحَمامَةٍ وحَمامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أشاقَتْكَ الظَعائِنُ يَوْمَ بانُوا ∗∗∗ بِذِي الرِئِيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ؟

وأنْشَدَ أبُو العَبّاسِ: لَقَدْ عَلِمَتْ عُرَيْنَةُ حَيْثُ كانُوا ∗∗∗ بِأنّا نَحْنُ أكْثَرُهم أثاثًا وقَرَأ نافِعٌ - بِخِلافٍ - وأهْلُ المَدِينَةِ: "وَرِيًّا" بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فِيما رُوِيَ عنهُ، وطَلْحَةُ: "وَرِيًا" بِياءٍ مُخَفَّفَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيُّ: "وَرَءْيًا" بِهَمْزَةٍ بَعْدَها ياءٌ، عَلى وزْنِ رَعْيًا، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وابْنُ عامِرٍ، رَواها أشْهَبُ عن نافِعٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "وَرِيئًا" بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ، وهو عَلى القَلْبِ، وزْنُهُ فَلِعًا، وكَأنَّهُ مِن راءَ، وقالَ الشاعِرُ: وكُلُّ خَلِيلٍ راءَنِي فَهو قائِلٌ ∗∗∗ مِن أجْلِكَ: هَذا هامَةُ اليَوْمِ أو غَدِ فَأمّا القِراءَتانِ المَهْمُوزَتانِ فَهُما مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، الرِئِيُ اسْمُ المَرْئِيِّ والظاهِرُ لِلْعَيْنِ كالطَحْنِ والسَقْيِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِئِيُ: المَنظَرُ، قالَ الحَسَنَ: ورِيًّا بِمَعْناهُ، وأمّا المُشَدَّدَةُ الياءِ فَقِيلَ: هي بِمَعْنى المَهْمُوزَةِ إلّا أنَّ الهَمْزَةَ خُفِّفَتْ لِتَسْتَوِيَ رُؤُوسِ الآيِ.

وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ مِنَ الرَيِّ في السُقْيا، كَأنَّهُ أرادَ أنَّهم خَيْرٌ مِنهم بِلادًا وأطْيَبُ أرْضًا وأكْثَرُ نِعَمًا؛ إذْ جُمْلَةُ النِعَمِ إنَّما هي مِن والمَطَرِ، وأمّا القِراءَةُ المُخَفَّفَةُ الياءِ فَضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ قِيلَ: هي لَحْنٌ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ويَزِيدُ البَرْبَرِيِّ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "وَزِيًّا" بِالزايِ، وهو بِمَعْنى المَلْبَسُ وهَيْئَتُهُ، تَقُولُ: زُيِّيَتْ بِمَعْنى: زَيَّنَتْ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَلالَةِ ﴾ فَقَوْلٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الدُعاءِ والِابْتِهالِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: الأضَلُّ مِنّا أو مِنكم مَدَّ اللهُ لَهُ حَتّى يَؤُولُ ذَلِكَ إلى عَذابِهِ.

والمَعْنى الآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَبَرِ كَأنَّهُ يَقُولُ: مَن كانَ ضالًّا مِنَ الأُمَمِ فَعادَةُ اللهِ فِيهِ أنَّهُ يَمُدُّ لَهُ ولا يُعاجِلُهُ حَتّى يُفْضِيَ ذَلِكَ إلى عَذابِهِ في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فاللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَلْيَمْدُدْ" عَلى المَعْنى الأوَّلِ لامُ رَغْبَةٍ في صِيغَةِ الأمْرِ، وعَلى المَعْنى الثانِي لامُ أمْرٍ دَخَلَتْ في مَعْنى الخَبَرِ لِيَكُونَ أوكَدَ وأقْوى، وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ وفَصاحَتِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله ﴿ ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً ﴾ [مريم: 66] وهذا صنف آخر من غرور المشركين بالدنيا وإناطتهم دلالة على السعادة بأحوال طيب العيش في الدنيا فكان المشركون يتشففون على المؤمنين ويرون أنفسهم أسعد منهم.

والتّلاوة: القراءة.

وقد تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلو الشياطين على مُلك سليمان ﴾ في البقرة (102)، وقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ في أول الأنفال (2).

كان النبي يقرأ على المشركين القرآن فيسمعون آيات النعي عليهم وإنذارهم بسوء المصير، وآيات البشارة للمؤمنين بحسن العاقبة، فكان المشركون يكذّبون بذلك ويقولون: لو كان للمؤمنين خير لعُجل لهم، فنحن في نعمة وأهل سيادة، وأتباع محمّد من عامة الناس، وكيف يفوقوننا بل كيف يستوون معنا، ولو كنا عند الله كما يقول محمد لمنّ على المؤمنين برفاهية العيش فإنّهم في حالة ضنك ولا يساووننا فلو أقصاهم محمد عن مجلسه لاتّبعناه، قال تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ [الأنعام: 52، 53]، وقال تعالى: ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ [الأحقاف: 11].

فلأجل كون المشركين كانوا يقيسون هذا القياس الفاسد ويغالطون به جعل قولهم به معلّقاً بزمان تلاوة آيات القرآن عليهم.

فالمراد بالآيات البيّنات: آيات القرآن، ومعنى كونها بيّنات: أنّها واضحات الحجّة عليهم ومفعمة بالأدلّة المقنعة.

واللاّم في قوله ﴿ للّذين آمنوا ﴾ يجوز كونها للتّعليل، أي قالوا لأجل الذين آمنوا، أي من أجل شأنهم، فيكون هذا قول المشركين فيما بينهم.

ويجوز كونها متعلقة بفعل ﴿ قَالَ ﴾ لتعديته إلى متعلّقه، فيكون قولهم خطاباً منهم للمؤمنين.

والاستفهام في قولهم ﴿ أيُّ الفريقين ﴾ تقريريّ.

وقرأ من عدا ابن كثير ﴿ مَقاماً ﴾ بفتح الميم على أنه اسم مكان مِن قام، أطلق مجازاً على الحظ والرفعة، كما في قوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربّه جنتان ﴾ [الرحمن: 46]، فهو مأخوذ من القيام المستعمل مجازاً في الظهور والمقدرة.

وقرأه ابن كثير بضم الميم من أقام بالمكان، وهو مستعمل في الكون في الدنيا.

والمعنى: خيرٌ حياةً.

وجملة ﴿ وكم أهلكنا قبلهم من قرن ﴾ خطاب من الله لرسوله.

وقد أهلك الله أهل قرون كثيرة كانوا أرفه من مشركي العرب متاعاً وأجمل منهم منظراً.

فهذه الجملة معترضة بين حكاية قولهم وبين تلقين النبي صلى الله عليه وسلم ما يجيبهم به عن قولهم، وموقعها التهديد وما بعدها هو الجواب.

والأثاث: متاع البيوت الذي يُتزين به، و ﴿ رئياً ﴾ قرأه الجمهور بهمزة بعد الراء وبعد الهمزة ياء على وزن فِعْل بمعنى مفعول كذبِح، من الرؤية، أي أحسن مَرِئيّاً، أي منظراً وهيئة.

وقرأه قالون عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر «رِيّاً» بتشديد الياء بلا همزة إما على أنّه من قلب الهمزة ياء وإدغامها في الياء الأخرى، وإما على أنّه من الرِيّ الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: ريّان من النّعيم.

وأصله من الريّ ضد العطش، لأنّ الريّ يستعار للتنعم كما يستعار التلهّف للتألّم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَنزِلُ إقامَةٍ في الجَنَّةِ أوِ النّارِ.

والثّانِي: يَعْنِي كَلامٌ قائِمٌ بِجَدَلٍ واحْتِجاجٍ أيْ: أمَّنْ فَلَجَتْ حُجَّتُهُ بِالطّاعَةِ خَيْرٌ أمْ مَن دُحِضَتْ حُجَّتُهُ بِالمَعْصِيَةِ، وشاهِدُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ومَقامِ ضِيقٍ فُرْجَتُهْ بِلِسانِي وحُسامِي وجَدَلْ ﴿ وَأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أفْضَلُ مَجْلِسًا.

الثّانِي: أوْسَعُ عَيْشًا.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أيُّهُما خَيْرٌ مَقامًا في مَوْقِفِ العَرْضِ، مَن قَضى لَهُ بِالثَّوابِ أوِ العِقابِ؟

﴿ وَأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ مَنزِلُ إقامَةٍ في الجَنَّةِ أوْ في النّارِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: المُقامُ بِضَمِّ المِيمِ: الإقامَةُ، وبِفَتْحِها المَجْلِسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أثاثًا ورِئْيًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الأثاثَ: المَتاعُ، والرِّئْيَ: المَنظَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الشّاعِرُ: أشاقَّتِ الظَّعائِنُ يَوْمَ ولَّوْا ∗∗∗ بِذِي الرِّئْيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ.

الثّانِي: أنَّ الأثاثَ ما كانَ جَدِيدًا مِن ثِيابِ البَيْتِ، والرِّئْيُ الِارْتِواءُ مِنَ النِّعْمَةِ.

الثّالِثُ: الأثاثُ ما لا يَراهُ النّاسُ.

والرِّئْيُ ما يَراهُ النّاسُ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ أكْثَرُ أمْوالًا وأحْسَنُ صُوَرًا.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ الأثاثَ ما يُعَدُّ لِلِاسْتِعْمالِ، والرِّئْيَ ما يُعَدُّ لِلْجَمالِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ الآية قال: قالها العاصي بن وائل.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ لسوف أخرج ﴾ برفع الألف ﴿ أولا يذكر الإنسان ﴾ خفيفة بنصب الياء ورفع الكاف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ جثياً ﴾ قال: قعوداً.

وفي قوله: ﴿ عتياً ﴾ قال: معصية.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عتيا ﴾ قال: عصيا.

وأخرج الحاكم، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ عتياً ﴾ أو ﴿ جثياً ﴾ فإنهما جميعاً بالضم.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في البعث، عن عبدالله بن باباه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين» .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ جثياً ﴾ برفع الجيم ﴿ وعتياً ﴾ برفع العين وصليا برفع الصاد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ حول جهنم جثياً ﴾ قال: قياماً.

وأخرج ابن المنذر.

عن ابن جريج ﴿ ثم لننزعن ﴾ قال لنبدأن.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ثم لننزعن ﴾ الآية: قال: ﴿ لننزعن من كل ﴾ أهل دين قادتهم ورؤوسهم في الشر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ أيهم أشد على الرحمن عتياً ﴾ قال: في الدنيا.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي الأحوص ﴿ ثم لننزعن من كل شيعة ﴾ الآية.

قال: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال: يحشر الأوّل على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، ثم قرأ ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ إلى قوله: ﴿ عتياً ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ لننزعن من كل شيعة ﴾ قال: من كل أمة أشد على الرحمن ﴿ عتياً ﴾ قال: كفراً.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ يقول: إنهم أولى بالخلود في جهنم.

وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن جرير بسند حسن عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جنهم وإنسهم، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنهم وإنسهم بضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزعوا إليهم فيقولون: أفيكم ربنا؟

فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحان ربنا!

ليس فينا وهو آت.

ثم تقاض السماء الثانية، ولأهل السماء الثانية وحدهم، أكثر من أهل السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض، بضعف جنهم وإنسهم، فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟

فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا!

ليس فينا وهو آت، ثم تقاض السموات: سماء سماء، كلما قيضت سماء عن أهلها، كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا نثروا على أهل الأرض، يفزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، فيرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقاض السماء السابعة، فلأهل السماء السابعة، أكثر من أهل ست سموات، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله فيهم، والأمم جثيّ صفوف، فينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال، فيقومون، فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [ السجدة: 16] فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة، ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؟

أين الذين ﴿ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ [ النور: 37] فيقومون فيسرحون إلى الجنة.

فإذا أخذ كل من هؤلاء ثلاثة، خرج عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثانية فتقول: إني وكلت منكم بمن آذى الله تعالى ورسوله، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حَبَّ السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثالثة فتقول: إني وكلت بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة: نشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودعي الخلائق للحساب.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ﴿ ثم ينجي الله الذين اتقوا ﴾ فلقيت جابر بن عبدالله، فذكرت له فقال: وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه صمتاً، إن لم أكن سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم ﴿ ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال ابن عباس: الورود الدخول: وقال نافع: لا.

فقرأ ابن عباس ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ [ الأنبياء: 98] وقال: وردوا أم لا، وقرأ ﴿ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ﴾ [ هود: 98] أوردوا أم لا، أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ قال: يردُهَا البَرّ والفاجر.

ألم تسمع قوله: ﴿ فأوردهم النار وبئس الورد المورود ﴾ [ هود: 98] وقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ [ مريم: 86] .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس: أن رجالاً من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- كانوا يطلبون العاص بن وائل بدين فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟

قالوا: بلى.

قال: فإن موعدكم الآخرة.

والله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به.

فقال الله: ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ الآيات.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: كان لرجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- دين على رجل من المشركين فأتاه يتقاضاه، فقال ألست مع هذا الرجل؟

قال: نعم.

قال أليس يزعم أن لكم جنة وناراً وأموالاً وبنين؟

قال: بلى.

قال: اذهب، فلست بقاضيك إلا ثمة.

فأنزلت ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ إلى قوله: ﴿ ويأتينا فرداً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أطلع الغيب ﴾ يقول: أطلعه الله الغيب؟

يقول: ما له فيه ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ بعمل صالح قدمه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: لا إله إلا الله، يرجو بها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ﴾ يعني: على المشركين ﴿ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ يريد القرآن ﴿ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مشركوا قريش ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ \[الفقراء المؤمنين\] (١) ﴿ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ ﴾ أنحن أم أنتم ﴿ خَيْرٌ مَقَامًا ﴾ وقرئ: مُقَاما بالضم (٢) (٣) والمَقَام بالفتح المصدر واسم الموضع جميعًا، وفَعَلَ يَفْعُل المصدر واسم الموضع منه على مَفْعَلٍ نحو: قَتَلَن يَقْتُل، مَقْتَلاً، وهذا مَقْتَلُ فلان، وأما المُقَام بالضم فيصلح أن يكون بمعنى الإقامة فعول أقَمْت مُقَاما كما تقول: أَقَمْت إِقَامَة، ومكان الإقَامَة مُقَام أيضًا، وكذلك ما زاد من الأفعال على ثلاثة أحرف بحرف زائد أو أصلي فالمصدر اسم الموضع يكون منه على مفعل (٤) قال الأخفش: (يقال للمَقْعد المَقَام وللمشهد المَقَام) (٥) ﴿ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ  ﴾ أي: من مشهدك، وقد يكون المقام حيث يقوم الإنسان كقول الراجز (٦) هَذَا مُقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ أي: موضع قيامه.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ الندي فعيل بمعنى الفاعل وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: نَدَوْتُ القوم، أَنْدُوهم، نَدْوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النَّادِي، والنَّادِي لا يسمى نَادِيًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون نَادِيا ومن هذا قوله: ﴿ وَتَأْتُونَ في نَادِيكُمُ الْمُنْكَر  ﴾ ولذلك سميت دار النَّدْوة بمكة، كانوا إذا حز بهم أمر نَدَوا إليها فاجتمعوا للتشاور، وأُنَادِيك أشاورك، وأجالسك من النَّادِي (٧) أُنَادِيْكَ مَا حَجَّتْ حَجِيْجٌ وَكَبَرَتْ ...

بِفَيْفَا غَزَالٍ رُفْقَةٌ وَأَهَلَّتِ (٨) والمعنى: أن المشركين قالوا للفقراء المؤمنين أنحن أم أنتم أعظم شأنًا، وأعز مجلسًا في قومه افتخروا عليهم بمساكنهم، ومجالسهم وحسن معاشهم (٩) (١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٢) قرأ ابن كثير المكي: ﴿ خَيْرٌ مُقاما ﴾ بضم الميم.

وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: ﴿ خَيْرٌ مَقَامًا ﴾ بفتح الميم.

انظر: "السبعة" ص 411، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 205، "التبصرة" ص 256، "الغاية في القراءات" ص 317.

(٣) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 11، "جامع البيان" 16/ 114، "بحر العلوم" 2/ 331 "النكت والعيون" 3/ 385 "المحرر الوجيز" 9/ 516.

(٤) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 207، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 116، "الدر المصون" 7/ 628.

(٥) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 206.

(٦) هذا صدر بيت لقطر.

وعجزه: ذَبَّبَ حَتى دَلَكَتْ بَرَاحِ والبَرَاحِ: الشمس.

ومعنى البيت: أن الشمس قد غربت وزالت فهم يضعون راحاتهم على عيونهم ينظرون هل غربت أو زالت.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 208، "النوادر" ص 315، "لسان العرب" (برح) 1/ 245.

(٧) "تهذيب اللغة" (ندا) 4/ 3543، "الصحاح" (ندا) 6/ 2505، "المفردات في غريب القرآن" (ندا) ص 487، "لسان العرب" (ندى) 7/ 4387.

(٨) البيت لكثير.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 208، "المنصف" 2/ 180.

(٩) "جامع البيان" 16/ 116، "النكت والعيون" 3/ 386، "معالم التنزيل" 3/ 152، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 148، "زاد المسير" 5/ 157.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ خطاب لجميع الناس عند الجمهور، فأما المؤمنون فيدخلونها، ولكنها تخمد فلا تضرهم، فالورود على هذا بمعنى الدخول كقوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا واردون ﴾ [الأنبياء: 89]، ﴿ أَوْرَدَهُمُ النار ﴾ [هود: 98]، بمعنى القدوم عليها كقوله: ﴿ وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾ [القصص: 33]، والمراد بذلك جواز الصراط وقيل: الخطاب للكفار، فلا إشكال ﴿ حَتْماً ﴾ أي أمراً لابد منه ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا ﴾ إن كان الورود بمعنى الدخول، فنجاة الذين اتقوا بكون النار عليهم برداً وسلاماً، ثم بالخروج منها، وإن كان بمعنى المرور على الصراط فنجاتهم بالجواز والسلامة من الوقوع فيها ﴿ أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ الفريقان هم المؤمنون والكفار، والمقام اسم مكان من قام، وقرئ بالضم من أقام، والنديّ المجلس، ومعنى الآية: أن الكفار قالوا للمؤمنين: نحن خير منكم مقاماً: أي أحسن حالاً في الدنيا، وأجمل مجلساً فنحن أكرم على الله منكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أئذا ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ يذكر ﴾ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد.

والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد.

الآخرون بالتشديد ﴿ خير مقاماً ﴾ بضم الميم: ابن كثير.

الباقون بفتحها.

﴿ رياً ﴾ بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة.

الآخرون بهمز بعدها يا ﴿ وولداً ﴾ وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.

الآخرون بفتحهما ﴿ يكاد ﴾ على التذكير: نافع وعليّ ﴿ ينفطرن ﴾ من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.

الباقون ﴿ يتفطرن ﴾ من التفطر.

الوقوف: ﴿ حياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ جثياً ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ عتياً ﴾ ه ج لذلك ﴿ صلياً ﴾ ه ﴿ واردها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ مقضياً ﴾ ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ جثياً ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ لا لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ ندياً ﴾ ه ﴿ ورئياً ﴾ ه ﴿ مدّاً ﴾ ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" ﴿ الساعة ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ جنداً ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ مرداً ﴾ ه ﴿ وولداً ﴾ ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ﴿ عهداً ﴾ ط ه للردع ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ مداً ﴾ ه لا للعطف ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ عزاً ﴾ ه ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ ضدّاً ﴾ ه ﴿ أزاً ﴾ ه لا للتعجيل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ عدّاً ﴾ ه ط ﴿ وفداً ﴾ ه ط ﴿ ورداً ﴾ ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ﴿ عهداً ﴾ ه م حذرا من إيهام العطف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ إدّاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ هداً ﴾ ه لا لأن التقدير لأن دعوا ﴿ ولداً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ عبداً ﴾ ه ط ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ ودّاً ﴾ ه ﴿ من قرن ﴾ ط ﴿ ركزاً ﴾ ه.

التفسير: لما أمر نبيه  وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم.

وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف.

وقيل: بعض الجنس هم الكفرة.

وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أخرج ﴾ المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله.

لا تقول: اليوم لزيد قائم.

وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف.

و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟

والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً.

وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟!

ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال  منبهاً على ذلك ﴿ أو لا يذكر ﴾ وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر.

وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر.

قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال.

والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء.

وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟

وفي قوله: ﴿ ولم يك شيئاً ﴾ بحث قد مر في أول السورة مثله.

وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله  بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في ﴿ والشياطين ﴾ إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال.

وكذا في قوله: ﴿ لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم.

﴿ ثم لننزعن ﴾ لنميزن ﴿ من كل شيعة ﴾ طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام.

﴿ أيهم أشد ﴾ قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد.

وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول ﴿ لننزعن ﴾ بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول ﴿ لننزعن ﴾ كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل.

ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام.

ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب.

ثم إن علقت قوله: ﴿ على الرحمن ﴾ بـ ﴿ أشد ﴾ كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.

فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟

فقيل: على الرحمن.

وكذا الكلام في ﴿ أولى بها صلياً ﴾ تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ ﴿ صلياً ﴾ على التأويل.

صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق.

أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ.

ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل.

﴿ وإن منكم ﴾ الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ إشكال.

ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟

وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟

فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة" .

وعنه أيضاً  أن رسول الله  قال: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" .

وأما قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ فالمراد عن عذابها.

وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة.

ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله  : ﴿ لما ورد ماء مدين  ﴾ ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه.

ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.

وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال  : "الحمى من فيح جهنم" وفي رواية "الحمى حظ كل مؤمن من النار" .

وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون.

أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟

زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع.

والأصح أنه  يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب.

ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟

فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها.

ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم.

ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا.

ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء.

هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟

قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء.

فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها.

قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: ﴿ كان ﴾ أي الورود ﴿ على ربك حتماً ﴾ أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ﴿ مقضياً ﴾ قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار.

وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً.

وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه.

وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين.

وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه.

ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: ﴿ ونذر الظالمين ﴾ ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر.

قال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه.

يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً  ﴾ لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف.

ومعنى ﴿ للذين آمنوا ﴾ أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم.

والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون.

قوله: ﴿ أيّ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله  بقول: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك.

ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب.

و ﴿ هم أحسن ﴾ في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة ﴿ قرن ﴾ والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: ﴿ أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ قال الجوهري: من همز ﴿ رئياً ﴾ جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت.

وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول".

وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي".

وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة.

وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه  أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً.

ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: ﴿ فليمدد له الرحمن ﴾ خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر  ﴾ أو ليزدادوا إثماً كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته.

والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم.

أما قوله: ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ إلى آخر.

فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ أي الفريقين ﴾ إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون.

والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ أما العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها.

وقوله: ﴿ فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ خير مقاماً وأحسن ندياً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة.

ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم.

وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها.

ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان.

والواو في ﴿ ويزيد ﴾ للاستئناف.

وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى ﴿ فليمدد ﴾ أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه.

وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات.

وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها.

وقوله: ﴿ خير ﴾ يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ﴿ ثواباً وخير مرداً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع".

ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ﴿ أفرأيت ﴾ كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.

وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه.

عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل.

قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ.

من قرأ ﴿ ولداً ﴾ بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله  عليه بقوله مستفهماً ﴿ أطلع الغيب ﴾ من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك.

وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة ﴿ كلا ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: ﴿ سنكتب ﴾ بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: ﴿ ونمد له ﴾ أي نطوّل له ﴿ من العذاب ﴾ ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.

مده وأمده معنى.

ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: ﴿ لأوتين ﴾ ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية.

والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ﴿ ويأتينا ﴾ غداً ﴿ فرداً ﴾ بلا مال ولا ولد.

وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه.

وكذا في قوله: ﴿ فرداً ﴾ على الأول حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين  ﴾ لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف.

قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله.

وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: ﴿ كلا ﴾ ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ﴿ سيكفرون ﴾ فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: ﴿ عليهم ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ لهم عزاً ﴾ وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله  : " وهم يد على من سواهم" ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ يكونون ﴾ للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها.

وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا ﴾ الآية.

والأز الهز والتهييج.

قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه  مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله  : " سم الله وأرسل كلبك عليه" ويؤيده قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات.

وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه.

وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين.

ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله  فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه.

﴿ فلا تعجل عليهم ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.

قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط.

وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك.

وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.

وقال بعضهم: إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: ﴿ يوم نحشر ﴾ وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.

ويجوز أن ينتصب ﴿ بلا يملكون ﴾ خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين.

يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب.

عن علي  أن النبي  قال: "ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت" .

وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.

وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون.

قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟

قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً  ﴾ وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.

وقوله: ﴿ إلى الرحمن ﴾ دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ﴿ من اتخذ ﴾ على البدلية لأنه في معنى الجمع.

ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون ﴿ من اتخذ ﴾ فاعلاً والاستثناء مفرغاً.

ويجوز أن ينتصب ﴿ من اتخذ ﴾ على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة.

من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.

وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم.

واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة.

وعن ابن مسعود أن النبي  قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟

قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة" ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: ﴿ وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله  ﴾ .

وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة.

وفي قوله: ﴿ لقد جئتم ﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه.

والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها.

ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير.

وانتصب ﴿ هذا ﴾ إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد.

ومحل ﴿ أن دعوا ﴾ إما مجرور بدلاً من الهاء في ﴿ منه ﴾ وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء.

أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً.

﴿ وما ينبغي ﴾ لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال.

أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام.

سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟

أجيب بأنه  كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك.

ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: ﴿ إن كل ﴾ "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ﴿ إلا أتى الرحمن ﴾ إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته.

ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب.

والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم.

وعن النبي  قال لعلي: "يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة" ، فأنزل الله  هذه الآية.

وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.

وعن رسول الله  يقول الله عز وجل: " يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.

وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله  ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ هذا قول جمهور المفسرين.

وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير.

وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.

وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى.

وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم.

ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: ﴿ فإنما يسرناه ﴾ كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر.

واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" ﴿ وهو ألد الخصام  ﴾ يريد أهل مكة.

ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد.

والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون.

التأويل: ﴿ ويقول ﴾ النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ﴿ أخرج حياً ﴾ بالصفات الروحانية.

﴿ ولنحشرهم والشياطين ﴾ فلكل شخص قرين من الشياطين ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم ﴾ القهر والطبيعة ﴿ وإن منكم ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ﴿ حتماً مقضياً ﴾ لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ﴿ آياتنا ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ستروا الحق ﴿ للذين آمنوا ﴾ تحقيقاً وإيقاناً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ﴿ أما العذاب ﴾ وهو الموت على الإنكار والغفلة ﴿ وإما الساعة ﴾ وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة.

﴿ فسيعلمون ﴾ حزب الله من حزب الشيطان ﴿ ويزيد الله ﴾ بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً.

﴿ فإنما يسرنا ﴾ فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي  وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ﴿ وكم أهلكنا ﴾ في تيه الضلالة ﴿ أو تسمع لهم ركزاً ﴾ بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ : كأن هذا القول من الكفرة خرج جواب ما احتج عليهم أهل الإيمان بالآيات التي ذكروا حجاجاً عليهم، فيقولون: إنكم تقولون: إن الدنيا والآخرة لله، فقد وسع علينا الدنيا وضيق عليكم، فعلى ذلك يوسع الآخرة علينا ويضيق عليكم كما فعل في الدنيا؛ إذ لا يجوز أن يوالينا في الدنيا ويعادينا في الآخرة، وعلى هذا قولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ، فظنوا أنه لما وسع عليهم وأحسن بهم الندى والمجلس كذلك يكونون في الآخرة، فأكذبهم الله، وردّ عليهم ذلك فقال: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً ﴾ .

أخبرهم بما عرفوا هم أنهم كانوا أهل السعة والزينة، ثم أهلكوا بتكذيبهم الرسل وعصيانهم ربهم، فلو كان ما ذكر هؤلاء الكفرة لكانوا لا يهلكون؛ فيلزمهم بما ذكر أن من وسع عليه الدنيا وضيق عليه الآخرة إنما يكون بحق المحنة، لا بحق المنزلة والقدر، وأمّا الثواب والجزاء فهو بحق القدر والمنزلة والخذلان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثَاثاً ﴾ قيل: المتاع والمال، ﴿ وَرِءْياً ﴾ أي: منظراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً ﴾ ، أي: خيرا وسعة في الدنيا، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ ﴾ هو العذاب والهلاك الذي وعدهم رسول الله في الدنيا، ﴿ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ ﴾ القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ : هذا يدل أن قولهم: ﴿ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ أرادوا: الخدم والحواشي، حيث قال: ﴿ وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: واجباً، ﴿ نَدِيّاً ﴾ أي: مجلساً، وأندية: جمع، والأثاث: المتاع، ﴿ وَرِءْياً ﴾ منظراً، ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ ﴾ أي: نطيل عذابه.

وقال القتبي: ﴿ نَدِيّاً ﴾ مجلساً، يقال للمجلس: ندي ونادٍ، ومنه قيل: دار الندوة التي كان المشركون يجلسون ويتشاورون بها في رسول الله، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر، والبشارة، والهيئة.

وقوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً ﴾ ، أي: يمد له في ضلالته، ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ ، أي: نرثه المال والولد الّذي قال: ﴿ لأُوتَيَنَّ ﴾ .

قوله: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ لا شيء معه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى ﴾ : جميع ما ذكر الله - عز وجلّ - من زيادة الهداية وابتداء الهداية فهو إنما يزيد له الهداية ويهديه ابتداء إذا كان من العبد رغبة في ذلك وبغية وطلب، [و] إذا كان مهتدياً يزيد له الثبات على ما كان عليه في وقت رغبته وطلبه منه.

أو إن لم يكن مهتدياً يهده ابتداء هداية في وقت رغبته وقبوله، على هذا يخرج عندنا ما ذكر بحق الزيادة أو بحق الابتداء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى ﴾ ، أي: يوفقهم - إذا اهتدوا وعرفوا وحدانية الله - لأنواع الخيرات والطاعات.

وقالت المعتزلة: البيان، وهي هداية عامة، والهداية الثانية [شرح] الصدر لها والتوفيق، وهي هداية خاصّة تكون في وقت ثانٍ بحق الثواب، فعلى زعمهم يجيء ألا يكفر أحد بعد ما هداه الله مرة أبداً؛ لأنهم يقولون: إذا اهتدوا وقبلوا هدايته مرة، يوفقه ويشرح صدره في الوقت الثاني، فهو أبداً يكون على الهداية والإيمان، فإذا وجد عن كثير ممن اهتدوا مرة الكفر من بعد، دلّ أن تأويلهم فاسد، وأن التأويل ما ذكرنا نحن: أنه يزيد لهم الهداية وقت رغبتهم وطلبهم الهداية إن كان بحق الزيادة أو بحق الابتداء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ﴾ : الأمور الباقيات التي لها البقاء، أي: ما يبقى لكم عند الله خير مما يبطل؛ لأن الله  وصف الحق والخير بالبقاء والمكث، ووصف الباطل بالذهاب والتلاشي بقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ...

 ﴾ ، وقال في آية: ﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً...

 ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 26]، وقال في آية: ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً  ﴾ أي: ذاهباً.

فيشبه أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ ﴾ ، أي: الأعمال التي لها البقاء خير لكم عند الله ثواباً من التي ليس لها البقاء.

ويحتمل ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ﴾ ، أي: ما أبقى الله لكم في الآخرة من الثواب خير لكم مما أعطى لكم في الدنيا؛ لأن هذا فإن وذاك باق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا تُقْرأ على الناس آياتنا المنزلة على رسولنا واضحات قال الكفار للمؤمنين: أيُّ فريقينا خير إقامة ومسكنا، وأحسن مجلسًا ومجتمعًا: فريقنا أم فريقكم؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.Q7eDA"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده