الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٧٢ من سورة مريم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٢ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ثم ننجي الذين اتقوا ) أي : إذا مر الخلائق كلهم على النار ، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم ، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم .
فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا ، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين ، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون ، فيخرجون خلقا كثيرا قد أكلتهم النار ، إلا دارات وجوههم - وهي مواضع السجود - وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان ، فيخرجون أولا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان ، ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه حتى يخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ثم يخرج الله من النار من قال يوما من الدهر : " لا إله إلا الله " وإن لم يعمل خيرا قط ، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود ، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم; ولهذا قال تعالى : ( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا )
يقول تعالى ذكره: ( ثُمَّ نُنَجِّي ) من النار بعد ورود جميعهم إياها، ( الَّذِينَ اتَّقَوْا ) فخافوه، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ( وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) يقول جل ثناؤه: وندع الذين ظلموا أنفسهم، فعبدوا غير الله، وعصوا ربهم، وخالفوا أمره ونهيه في النار جثيا، يقول: بروكا على ركبهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) على ركبهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ( وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) على ركبهم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) قال: الجثيّ: شرّ الجلوس، لا يجلس الرجل جاثيا إلا عند كرب ينـزل به.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) إن الناس وردوا جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم، فأنجوا منها.
وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم، واحتبسوا بذنوبهم.
قوله تعالى : ثم ننجي الذين اتقوا أي نخلصهم ونذر الظالمين فيها جثيا وهذا مما يدل على أن الورود الدخول ؛ لأنه لم يقل وندخل الظالمين وقد مضى هذا المعنى مستوفى ، والمذهب أن صاحب الكبيرة ، وإن دخلها فإنه يعاقب بقدر ذنبه ، ثم ينجو وقالت المرجئة : لا يدخل .
وقالت الوعيدية : يخلد وقد مضى بيان هذا في غير موضع وقرأ عاصم الجحدري ومعاوية بن قرة ثم ننجي مخففة من أنجى وهي قراءة حميد ويعقوب والكسائي وثقل الباقون وقرأ ابن أبي ليلى ( ثمه ) بفتح الثاء أي هناك وثم ظرف إلا أنه مبني لأنه غير محصل فبني كما بني ذا ؛ والهاء يجوز أن تكون لبيان الحركة فتحذف في الوصل ، ويجوز أن تكون لتأنيث البقعة فتثبت في الوصل تاء .
{ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا } الله تعالى بفعل المأمور، واجتناب المحظور { وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ } أنفسهم بالكفر والمعاصي { فِيهَا جِثِيًّا } وهذا بسبب ظلمهم وكفرهم، وجب لهم الخلود، وحق عليهم العذاب، وتقطعت بهم الأسباب.
( ثم ننجي الذين اتقوا ) أي : اتقوا الشرك وهم المؤمنون .
والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه .
وقرأ الكسائي ويعقوب : " ننجي " بالتخفيف .
والآخرون : بالتشديد .
والدليل على هذا : ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحيم بن منيب أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم " .
وأراد بالقسم قوله : ( وإن منكم إلا واردها ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا هشام أخبرنا قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " وقال أبان عن قتادة : " من إيمان " مكان " خير " .
أخبرنا أبو المظفر محمد بن إسماعيل بن علي الشجاعي أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن محمود الجرجاني أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري أخبرنا محمد بن عبد الوهاب أخبرنا محمد بن الفضل أبو النعمان أخبرنا سلام بن مسكين أخبرنا أبو الظلال عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن رجلا في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان فيقول الله عز وجل لجبريل : اذهب فأتني بعبدي هذا قال : فذهب جبريل فوجد أهل النار منكبين يبكون قال : فرجع فأخبر ربه عز وجل قال اذهب فإنه في موضع كذا وكذا قال : فجاء به قال : يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟
قال : يا رب شر مكان وشر مقيل قال ، ردوا عبدي .
قال : ما كنت أرجو أن تعيدني إليها إذ أخرجتني منها ، قال الله تعالى لملائكته : دعوا عبدي " .
وأما قوله عز وجل : لا يسمعون حسيسها " ( الأنبياء : 102 ) قيل : إن الله عز وجل أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنهم لا يسمعون حسيسها ، فيجوز أن يكونوا قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة لأنه لم يقل : لم يسمعوا حسيسها ، ويجوز أن لا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها لأن الله عز وجل يجعلها عليهم بردا وسلاما .
وقال خالد بن معدان : يقول أهل الجنة : ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟
فيقال بلى ولكنكم مررتم بها وهي خامدة .
وفي الحديث : تقول النار للمؤمن : " جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " .
وروي عن مجاهد في قوله عز وجل : ( وإن منكم إلا واردها ) قال : من حم من المسلمين فقد وردها .
وفي الخبر : " الحمى كير من جهنم ، وهي حظ المؤمن من النار " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا يحيى عن هشام أخبرني أبي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " .
( كان على ربك حتما مقضيا ) أي : كان ورودكم جهنم حتما لازما ( مقضيا ) قضاه الله عليكم .
( ثم ننجي الذين اتقوا ) أي : اتقوا الشرك .
وقرأ الكسائي " ننجي " بالتخفيف والباقون بالتشديد ( ونذر الظالمين فيها جثيا ) جميعا .
وقيل : جاثين على الركب وفيه دليل على أن الكل دخلوها ثم أخرج الله منها المتقين وترك فيها الظالمين وهم المشركون .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟
قال : " هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب " قالوا : لا يا رسول الله ، قال : " فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب " قالوا : لا قال : فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله عز وجل فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ؟
فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل ، وكلام الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم شوك السعدان ؟
قالوا : نعم ، قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم من يوبق بعمله ، ومنهم من يجردل ثم ينجو ، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود ، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ، فيخرجون من النار ، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار ، وهو آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها ، فيقول : هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غير ذلك فيقول : لا وعزتك ، فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق فيصرف الله وجهه عن النار ، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم قال يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول الله تبارك وتعالى : أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول يا رب لا أكون أشقى خلقك فيقول فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غير ذلك فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فسكت ما شاء الله أن يسكت فيقول يا رب أدخلني الجنة فيقول الله ويحك يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله عز وجل منه ثم يأذن له في دخول الجنة فيقول تمن فيتمنى حتى إذا انقطع أمنيته قال الله عز وجل من كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى لك ذلك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة لم أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله لك ذلك ومثله معه قال أبو سعيد إني سمعته يقول ذلك لك وعشرة أمثاله .
ورواه محمد بن إسماعيل عن محمود بن غيلان أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة بمعناه وقال : فيأتيهم الله عز وجل في غير الصورة التي يعرفون فيقول : أنا ربكم فيقولون : نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا آتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول : أنا ربكم فيقولون : أنت ربنا فيتبعونه .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يعذب أناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة قال : فيخرجون فيطرحون على أبواب الجنة قال : فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما تنبت القثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة " .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا هناد بن السري أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأعرف آخر أهل النار خروجا رجل يخرج منها زحفا فيقول يا رب قد أخذ الناس المنازل قال فيقال له انطلق فادخل الجنة قال فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل فيرجع فيقول يا رب قد أخذ الناس المنازل قال فيقال له أتذكر الزمان الذي كنت فيه فيقول نعم فيقال له تمن قال فيتمنى فيقال له فإن لك الذي تمنيته وعشرة أضعاف الدنيا قال فيقول أتسخر بي وأنت الملك قال فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه " .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن حفصة أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا والحديبية " قال : قلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) قال : أفلم تسمعيه يقول : ( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) .
«ثم ننجِّي» مشددا ومخففا «الذين اتقوا» الشرك والكفر منها «ونذر الظالمين» بالشرك والكفر «فيها جثيا» على الركب.
ثم ننجي الذين اتقوا ربهم بطاعته والبعد عن معصيته، ونترك الظالمين لأنفسهم بالكفر بالله في النار باركين على رُكَبهم.
( ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا ) أى : ثم بعد دخول الناس جميعاً النار ، ننجى الذين اتقوا ، فنخرجهم منها دون أن يذوقوا حرها ( وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً ) أى : ونترك الظالمين فى النار مخلدين فيها .
جاثين على ركبهم ، عاجزين عن الحركة ، من شدة ما يصيبهم من هولها وسعيرها .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا أقوال الجاحدين فى شأن البعث والحساب ، وردت عليهم رداً يبطل اقوالهم ، كما أثبتت أن البعث حق ، وأن الحساب حق ، وأن الظالمين سيدخلون النار ، وأن المؤمنين سينجيهم الله - تعالى - بفضله منها .
واعلم أنه تعالى لما قال من قبل: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين ﴾ ثم قال: ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ ﴾ أردفه بقوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ يعني جهنم واختلفوا فقال بعضهم المراد من تقدم ذكره من الكفار فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة، قالوا: إنه لا يجوز للمؤمنين أن يردوا النار ويدل عليه أمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها.
والثاني: قوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا ﴾ ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها.
وثالثها: قوله: ﴿ وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ ﴾ وقال الأكثرون: إنه عام في كل مؤمن وكافر لقوله تعالى: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ فلم يخص.
وهذا الخطاب مبتدأ مخالف للخطاب الأول، ويدل عليه قوله: ﴿ ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا ﴾ أي من الواردين من اتقى ولا يجوز أن يقال: ﴿ ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً ﴾ إلا والكل واردون والأخبار المروية دالة على هذا القول، ثم هؤلاء اختلفوا في تفسير الورود فقال بعضهم: الورود الدنو من جهنم وأن يصيروا حولها وهو موضع المحاسبة، واحتجوا على أن الورود قد يراد به القرب بقوله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ ﴾ ومعلوم أن ذلك الوارد ما دخل الماء وقال تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مّنَ الناس يَسْقُونَ ﴾ وأراد به القرب.
ويقال: وردت القافلة البلدة وإن لم تدخلها فعلى هذا معنى الآية أن الجن والإنس يحضرون حول جهنم: ﴿ كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ أي واجباً مفروغاً منه بحكم الوعيد ثم ننجي أي نبعد الذين اتقوا عن جهنم وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ ومما يؤكد هذا القول ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية فقالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ فقال عليه السلام فمه ثم ننجي الذين اتقوا» ولو كان الورود عبارة عن الدخول لكان سؤال حفصة لازماً.
القول الثاني: أن الورود هو الدخول ويدل عليه الآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ وقال: ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ النار وَبِئْسَ الورد المورود ﴾ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ والمبعد هو الذي لولا التبعيد لكان قريباً فهذا إنما يحصل لو كانوا في النار، ثم إنه تعالى يبعدهم عنها ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً ﴾ وهذا يدل على أنهم يبقون في ذلك الموضع الذي وردوه وهم إنما يبقون في النار فلابد وأن يكونوا قد دخلوا النار، وأما الخبر فهو أن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله عن الورود ولم يخبر بالصدور، فقال عليه السلام: «يا ابن رواحة اقرأ ما بعدها ثم ننجي الذين اتقوا» وذلك يدل على أن ابن رواحة فهم من الورود الدخول والنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه في ذلك وعن جابر: «أنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً حتى أن للناس ضجيجاً من بردها».
والقائلون بهذا القول يقولون: المؤمنون يدخلون النار من غير خوف وضرر ألبتة بل مع الغبطة والسرور وذلك لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ ولأن الآخرة دار الجزاء لا دار التكليف، وإيصال الغم والحزن إنما يجوز في دار التكليف، ولأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة تبشر في القبر من كان من أهل الثواب بالجنة حتى يرى مكانه في الجنة ويعلمه» وكذلك القول في حال المعاينة فكيف يجوز أن يردوا القيامة وهم شاكون في أمرهم، وإنما تؤثر هذه الأحوال في أهل النار لأنهم لا يعلمون كونهم من أهل النار والعقاب، ثم اختلفوا في أنه كيف يندفع عنهم ضرر النار، فقال بعضهم: البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، ويكون من المواضع التي يسلك فيها إلى دركات جهنم، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يدخل الكل في جهنم فالمؤمنون يكونون في تلك المواضع الخالية عن النار، والكفار يكونون في وسط النار.
وثانيها: أن الله تعالى يخمد النار فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يردونها كأنها إهالة وعن جابر بن عبد الله: «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا بأن نرد النار فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة».
وثالثها: أن حرارة النار ليست بطبعها فالأجزاء الملاصقة لأبدان الكفار يجعلها الله عليهم محرقة مؤذية والأجزاء الملاصقة لأبدان المؤمنين يجعلها الله برداً وسلاماً عليهم، كما في حق إبراهيم عليه السلام.
وكما أن الكوز الواحد من الماء كان يشربه القبطي فكان يصير دماً ويشربه الإسرائيلي فكان يصير ماء عذباً.
واعلم أنه لابد من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين، فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم النار فما الفائدة في ذلك الدخول؟
قلنا فيه وجوه: أحدها: أن ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه.
وثانيها: أن فيه مزيد غم على أهل النار حيث يرون المؤمنين الذين هم أعداؤهم يتخلصون منها وهم يبقون فيها.
وثالثها: أن فيه مزيد غم على أهل النار من حيث تظهر فضيحتهم عند المؤمنين بل وعند الأولياء وعند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إليه.
ورابعها: أن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فزاد ذلك غماً للكفار وسروراً للمؤمنين.
وخامسها: أن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر ويقيمون عليهم صحة الدلائل فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوا، وأن المكذبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين.
وسادسها: أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار ذلك سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة كما قال الشاعر: وبضدها تتبين الأشياء *** فأما الذين تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ فقد بينا أنه أحد ما يدل على الدخول في جهنم وأيضاً فالمراد عن عذابها وكذا قوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا ﴾ فإن قيل: هل ثبت بالأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها إلى الجنة؟
قلنا: ثبت بالأخبار أن المحاسبة تكون في الأرض أو حيث كانت الأرض ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء ففي موضع المحاسبة يكون الاجتماع فيدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم ثم يرفع الله أهل الجنة وينجيهم ويدفع أهل النار فيها.
أما قوله: ﴿ كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ فالحتم مصدر حتم الأمر إذا أوجبه فسمى المحتوم بالحتم كقولهم: خلق الله وضرب الأسير، واحتج من أوجب العقاب عقلاً فقال: إن قوله: ﴿ كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ يدل على وجوب ما جاء من جهة الوعيد والأخبار لأن كلمة على للوجوب والذي ثبت بمجرد الأخبار لا يسمى واجباً.
والجواب أن وعد الله تعالى لما استحال تطرق الخلف إليه جرى مجرى الواجب أما قوله: ﴿ ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا وَّنَذَرُ الظالمين ﴾ قرئ ننجي وننجي وينجي على ما لم يسم فاعله، قال القاضي: الآية دالة على قولنا في الوعيد لأن الله تعالى بين أن الكل يردونها ثم بين صفة من ينجو وهم المتقون والفاسق لا يكون متقياً، ثم بين تعالى أن من عدا المتقين يذرهم فيها جثياً فثبت أن الفاسق يبقى في النار أبداً.
قال ابن عباس: المتقي هو الذي اتقى الشرك بقول لا إله إلا الله، واعلم أن الذي قاله ابن عباس هو الحق الذي يشهد الدليل بصحته، وذلك لأن من آمن بالله وبرسله صح أن يقال: إنه متق عن الشرك ومن صدق عليه أنه متق عن الشرك صدق عليه أنه متق لأن المتقي جزء من المتقي عن الشرك ومن صدق عليه المركب صدق عليه المفرد، فثبت أن صاحب الكبيرة متق وإذا ثبت ذلك وجب أن يخرج من النار لعموم قوله: ﴿ ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا ﴾ فصارت هذه الآية التي توهموها دليلاً من أقوى الدلائل على فساد قولهم: قال القاضي: وتدل الآية أيضاً، على فساد قول من يقول: إن من المكلفين من لا يكون في الجنة ولا في النار، قلنا: هذا ضعيف لأن الآية تدل على أنه تعالى ينجي الذين اتقوا وليس فيها ما يدل على أنه ينجيهم إلى الجنة، ثم هب أنها تدل على ذلك ولكن الآية تدل على أن المتقين يكونون في الجنة والظالمين يبقون في النار فيبقى هاهنا قسم ثالث خارج عن القسمين وهو الذي استوت طاعته ومعصيته فتسقط كل واحدة منهما بالأخرى فيبقى لا مطيعاً ولا عاصياً، فهذا القسم إن بطل فإنما يبطل بشيء سوى هذه الآية فلا تكون هذه الآية دالة على الحصر الذي ادعاه ومن المعتزلة من تمسك في الوعيد بقوله: ﴿ وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً ﴾ ولفظ الظالمين لفظ جمع دخل عليه حرف التعريف فيفيد العموم والكلام على التمسك بصيغ العموم قد تقدم مراراً كثيرة في هذا الكتاب، أما قوله: ﴿ جِثِيّاً ﴾ قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً ﴾ دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وأن المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة بعد نجاتهم وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن مِّنكُمْ ﴾ التفات إلى الإنسان، يعضده قراءة ابن عباس وعكرمة رضي الله عنهما: ﴿ وإن منهم ﴾ أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور، فإن أريد الجنس كله فمعنى الورود دخولهم فيها وهي خامدة، فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم.
عن ابن عباس رضي الله عنه: يردونها كأنها إهالة.
وروي دواية.
وعن جابر بن عبد الله أنه سألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟
فقال: «إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ قالَ بعضُهُمْ لبعضٍ: أليسَ قدْ وعدَنَا رَبنا أنْ نردَ النارَ، فيقالُ لَهُمْ: قدْ وردتمُوها وهي خامدةٌ» وعنه رضي الله عنه أنه سُئِل عن هذه الآية؟
فقال: سمعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الورودُ الدخولُ، لا يبقَى بَرٌ ولا فاجرٌ إلاَّ دخلها، فتكونُ على المؤمنِينَ برَداً وسلامَاً كَما كانَتْ على إبراهيمَ، حتَّى إنَّ للنارِ ضجيجَاً مِنْ بردهِا» وأما قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 101] فالمراد عن عذابها.
وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط؛ لأنّ الصراط ممدود عليها.
وعن ابن عباس: قد يرد الشيءُ الشيءَ ولا يدخله، كقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ ﴾ [القصص: 23] ووردت القافلة البلد، وإن لم تدخله ولكن قربت منه.
وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا، بقوله عليه الصلاة والسلام: «الحمّى من فيح جهنم» .
وفي الحديث: «الحمّى حظ كل مؤمن من النار» ويجوز أن يراد بالورود: جثوّهم حولها.
وإن أريد الكفار خاصة، فالمعنى بيِّن.
﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ الحتم: مصدر حتم الأمر إذا أوجبه، فسمى به الموجب، كقولهم: خلق الله، وضرب الأمير، أي: كان ورودهم واجباً على الله، أوجبه على نفسه وقضى به، وعزم على أن لا يكون غيره ﴿ ثُمّ نُنَجِّي ا لَّذِينَ ا تَّقَواْ ﴾ قرئ ﴿ نُنَجِّى ﴾ و ﴿ ننجى ﴾ و ﴿ ينجى ﴾ و ﴿ ينجى ﴾ على ما لم يسم فاعله.
إن أريد الجنس بأسره فهو ظاهر، وإن أريد الكفرة وحدهم فمعنى ﴿ ثُمَّ نُنَجِّى الذين اتقوا ﴾ أنّ المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار، لا أنهم يواردونهم ثم يتخلصون.
وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس والجحدري وابن أبي ليلى ﴿ ثَمَّ ننجى ﴾ بفتح الثاء، أي هناك.
وقوله: ﴿ وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً ﴾ دليل على أنّ المراد بالورود الجثوّ حواليها، وأن المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة بعد تجاثيهم، وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ مِنكُمْ ﴾ وما مِنكُمُ التِفاتٌ إلى الإنْسانِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «وَإنَّ مِنهم» .
﴿ إلا وارِدُها ﴾ إلّا واصِلُها وحاضِرٌ دُونَها يَمُرُّ بِها المُؤْمِنُونَ وهي خامِدَةٌ وتَنْهارُ بِغَيْرِهِمْ.
وَعَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ألَيْسَ قَدْ وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ، فَيُقالُ لَهم: قَدْ ورَدْتُمُوها وهي خامِدَةٌ» .
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ﴾ فالمُرادُ عَنْ عَذابِها.
وقِيلَ وُرُودُها الجَوازُ عَلى الصِّراطِ فَإنَّهُ مَمْدُودٌ عَلَيْها.
﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾ كانَ وُرُودُهم واجِبًا أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ وقَضى بِهِ بِأنْ وعَدَ بِهِ وعْدًا لا يُمْكِنُ خُلْفُهُ.
وقِيلَ أقْسَمَ عَلَيْهِ.
﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ فَيُساقُونَ إلى الجَنَّةِ وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿ نُنَجِّي ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ ثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ أيْ هُناكَ.
﴿ وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ﴾ مُنْهارًا بِهِمْ كَما كانُوا، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الجُثُوُّ حَوالَيْها وإنَّ المُؤْمِنِينَ يُفارِقُونَ الفَجَرَةَ إلى الجَنَّةِ بَعْدَ تَجاثِيهِمْ، وتَبْقى الفَجَرَةُ فِيها مُنْهارًا بِهِمْ عَلى هَيْئاتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ نُنَجّى} وعلي بالتخفيف {الذين اتقوا} عن الشرك وهم المؤمنون {وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً} فيه دليل على دخول الكل لأنه قال ونذر ولم يقل وندخل والمذهب ان
مريم (٧٥ - ٧٣)
صاحب الكبيرة قد يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو لا محاله وقالت المرجئة الخبيثة لا يعاقب لأن المعصية لا تضر مع الإسلام عندهم وقالت المعتزلة يخلد
﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ بِالإخْراجِ مِنها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجَمْعُ الكَثِيرُ ﴿ ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ﴾ عَلى رُكَبِهِمْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ عِنْدِي في أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الدُّخُولُ وهو الأمْرُ المُشْتَرَكُ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّها دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الجُثُوُّ حَوالَيْها وذَلِكَ لِأنَّ نُنَجِّي (ونَذَرُ) تَفْصِيلٌ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ نُنَجِّي هَؤُلاءِ ونَتْرُكُ هَؤُلاءِ عَلى حالِهِمُ الَّذِي أحْضَرُوا فِيهِ جاثِينَ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِن أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ في حَوالَيْها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ والجُثُوُّ لا يُوجِبُ ذَلِكَ، وخُولِفَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (اتَّقَوا) وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ (الظّالِمِينَ) لِيُؤْذِنَ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ وأنَّ التَّوْحِيدَ هو المُنَجِّي والإشْراكُ هو المَرَدِّي فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نُنَجِّي مَن وُجِدَ مِنهُ تَقْوى ما وهو الِاحْتِرازُ مِنَ الشِّرْكِ ونُهْلِكُ مَنِ اتَّصَفَ بِالظُّلْمِ أيْ بِالشِّرْكِ وثَبَتَ عَلَيْهِ، وفي إيقاعِ (نَذَرُ) مُقابِلًا لِنُنَجِّي إشْعارٌ بِتِلْكَ اللَّطِيفَةِ أيْضًا، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: فُلانٌ يَذَرُ الشَّيْءَ أيْ يَقْذِفُهُ لِقِلَّةِ اعْتِدادِهِ بِهِ.
ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِقِطْعَةِ اللَّحْمِ الَّتِي لا يُعْتَدُّ بِها وذَرَ، وجِيءَ بِثُمَّ لِلْإيذانِ بِالتَّفاوُتِ بَيْنَ فِعْلِ الخَلْقِ وهو وُرُودُهُمُ النّارَ وفِعْلِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وهو النَّجاةُ والدَّمارُ زَمانًا ورُتْبَةً، قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ الآثارُ الوارِدَةُ في عُصاةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّنْجِيَةَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ دَفْعِيَّةً بَلْ تَحْصُلُ أوَّلًا فَأوَّلًا عَلى حَسَبِ قُوَّةِ التَّقْوى وضَعْفِها حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ مَن في قَلْبِهِ وزْنُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ، وذَلِكَ بَعْدَ العَذابِ حَسَبَ مَعْصِيَتِهِ وما ظاهِرُهُ مِنَ الأخْبارِ كَخَبَرِ جابِرٍ السّابِقِ: إنَّ المُؤْمِنَ لا تَضُرُّهُ النّارُ مُؤَوَّلٌ بِحَمْلِ المُؤْمِنِ عَلى المُؤْمِنِ الكامِلِ لِكَثْرَةِ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ.
ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ( «يُعَذَّبُ ناسٌ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ في النّارِ حَتّى يَكُونُوا حُمَمًا ثُمَّ تُدْرِكُهُمُ الرَّحْمَةُ فَيُخْرَجُونَ فَيُطْرَحُونَ عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ، فَيَرُشُّ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَنَّةِ الماءَ، فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ الغُثاءُ في حَمِيلِ السَّيْلِ» ) ومِن هُنا حَظَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ يُقالَ في الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِجَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ أوِ اللَّهُمَّ لا تُعَذِّبْ أحَدًا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ هَذا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ مِنَ التَّنْجِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بِالكَفَرَةِ أنْ يُساقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إلى الجَنَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا عَلى شَفِيرِ النّارِ، وجِيءَ بِثُمَّ لِبَيانِ التَّفاوُتِ بَيْنَ وُرُودِ الكافِرِينَ النّارَ وسَوْقِ المَذْكُورِينَ إلى الجَنَّةِ وأنَّ الأوَّلَ لِلْإهانَةِ والآخَرَ لِلْكَرامَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الَّذِينَ يُذْهَبُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ مِنَ الَّذِينَ اتَّقَوْا مِن غَيْرِ دُخُولٍ في النّارِ أصْلًا لَيْسُوا إلّا الخَواصَّ.
والمُعْتَزِلَةُ خَصُّوا الَّذِينَ اتَّقَوْا بِغَيْرِ أصْحابِ الكَبائِرِ وأدْخَلُوهم في الظّالِمِينَ، واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ عَلى خُلُودِهِمْ في النّارِ وكانُوا ظالِمِينَ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والجَحْدَرِيُّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ ويَعْقُوبُ (ثَمَّ) بِفَتْحِ الثّاءِ أيْ هُناكَ وابْنُ أبِي لَيْلى (ثَمَّةَ) بِالفَتْحِ مَعَ هاءِ السَّكْتِ وهو ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وقَرَأ يَحْيى والأعْمَشُ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَعْقُوبُ ( نُنْجِي ) بِتَخْفِيفِ الجِيمِ.
وقُرِئَ ( يُنْجِي ) و(يُنَجّى) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مَعَ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (نُجِّيَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ بِظاهِرِها تَفْسِيرَ الوُرُودِ بِالقُرْبِ والحُضُورِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال بعضهم: يعني: داخلها، المؤمن والكافر يدخلون على الصراط، وهو ممدود على متن جهنم، ويقال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم.
وروى سفيان عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، أن نافع بن الأزرق خاصم ابن عباس وقال: لا يردها مؤمن، فقال ابن عباس: «أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر بماذا نخرج منها إن خرجنا» (١) وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «يرد الناس جميعاً الصراط وورودهم قيامهم حول النار، ثم يمرون على الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى أن آخرهم مثل رجل نوره على موضع إهاب قدميه، ثم يتكفأ به الصراط، والصراط دحض (٢) (٣) (٤) (٥) وروى سفيان عن ثور بن خالد بن معدان قال: «إذا دَخَلَ أَهْلُ الجنة الجنة قالوا: أَلَمْ يَعِدْنا رَبُّنَا أنّا نرد النّار؟
قيل: إنكم قد مررتم بها وهي خامدة، فذلك قوله عز وجل وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها يعني: الخلائق على الصراط، والصراط في جهنم كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا يعني قضاء واجباً.
قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مندوست رحمه الله قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا عدي بن عاصم قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا جرير عن أبي السليل عن غنيم بن قيس عن أبي العوام قال: قال كعب: «هل تدرون ما قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها؟
قالوا: ما كنا نرى ورودها إلا دخولها.
قال: لا، ولكن ورودها أن يجاء بجهنم كأنها متن إهالة، حتى إذا استوت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، نادى مناد: خذي أصحابك وذري أصحابي، فتخسف بكلّ ولي لها، وهي أعلم بهم من الوالد بولده، وينجو المؤمنون نديَّة ثيابهم» .
قال الفقيه: وحدثني الثقة بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية كبا لها الناس كبوةً شديدة، وحزنوا حتى بلغ الحزن منهم كل مبلغ، وقالوا: وليس أحد إلا وهو يدخلها فأنشؤوا يبكون.
قال: ونزل بابن مظعون ضيف فقال لامرأته: هيئي لنا طعاماً فاستوصي بضيفك خيراً حتى آتي رسول الله ، فانتهى إليهم وهم يبكون فقال: ما يُبْكِيكُمْ؟
قالوا: نزلت هذه الآية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا يقول: كائناً لا يبقى أحد إلا دخلها، فأنشأ عثمان بن مظعون يبكي، ثم انصرف إلى منزله باكياً، فلما أتى منزله سمعت امرأته بكاءه، فأنشأت تبكي، فلما سمع الضيف بكاءهما أنشأ يبكي، فلما دخل عليهما عثمان قال لها: ما يبكيك؟
قالت: سمعت بكاءك فبكيت، فقال للضيف: وأنت ما يبكيك؟
قال: عرفت أن الذي أبكاكما سيبكيني، قال عثمان: فابكوا وحق لكم أن تبكوا، أنزل الله عز وجل اليوم على رسوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فمكثوا بعد هذه الآية سنتين، ثم أنزل الله هذه الآية، وهو قوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وروي في بعض الأخبار أنه نزل بعد ثلاثة أيام ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا أي الذين اتقوا الشرك والمعاصي وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ يعني: المشركين فِيها جِثِيًّا يعني: جميعا، ففرح المسلمون بها.
قرأ الكسائي.
ننجي بالتخفيف، قرأ والباقون بالنصب والتشديد، أنجى ينجي وَنَجَّى ينجي بمعنى واحد.
(١) عزاه السيوطي: 5/ 535 إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.
(٢) دحض: دحضت رجله أي زلقت، والإدحاض الإزلاق.
(٣) زلق: بالتحريك، دحض.
وهو في الأصل مصدر زلقت وأزلقتها، والمزلق والمزلقة.
(٤) حسك: ما يعمل من الحديد على مثاله وهو من آلات العسكر كما في الصحاح.
(٥) مخدوش هو الكدوح وخدش وجهه من باب ضرب.
وكدش: كدح وبابه ضرب.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : وهذه من أبي علي نزعةٌ اعتزالية [فتأملها] «٢» ، والضمير في لَنَحْشُرَنَّهُمْ عائدٌ على الكفَّارِ القائلين ما تقدم، ثم أَخبر تعالى: أنه يقرن بهم الشياطين المغوين لهم، وجِثِيًّا جمعُ جَاثٍ، فأخبر سبحانه: أَنه يحضر هؤلاءِ المنكرين البعث مع ٥ ب الشياطين [المغوِينَ] «٣» ، فيجثُون/ حول جهنَّم وهو «٤» قعودُ الخائف الذَّلِيل على رُكْبتيْهِ كالأَسِير، ونحوهِ.
قال ابنُ زيدٍ «٥» : الجَثْيُ: شَرُّ الجلُوسَ، و «الشيعة» : الفِرْقَةُ المرتبطة بمذهبٍ وَاحدٍ، المتعاونةِ فيه، فأخبر سبحانه أَنه ينزع مِنْ كُلِّ شيعةٍ أَعْتاها وأَولاَها بالعذاب، فتكون مقدمتها إلى النَّار.
قال أَبو الأحوص: المعنى: نبدأ بالأكابر «٦» جرما «٧» ، وأيّ: هنا بُنِيَتْ لمَّا حُذِف الضميرُ العَائِدُ عليها مِنْ صَدْر صِلَتها، وكان التقدِيْرُ: أَيَّهم هو أشَدُّ، وصِلِيًّا: مصدر صلي يصلى إذا باشره.
وقوله عزَّ وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قسم، والواو تقتضيه، ويفسّره قوله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ، لَمْ تَمَسَّهُ النّار إلّا تحلّة القسم» «٨» .
وقرأ ابن
عباس «١» ، وجماعَةٌ: «وإنْ مِنْهُمْ» بالهَاءِ على إرَادة الكُفَّار.
قال ع «٢» : ولا شغب في هذه القراءة، وقالت فِرْقَةٌ من الجمهور القارئين «منكم» ، المعنى: قُلْ لهم يا محمَّدُ، فالخِطَاب ب مِنْكُمْ للكفرةِ، وتأويل هؤلاءِ أَيضاً سَهْلُ التناوُلِ.
وقال الأكثرُ: المخاطَبُ العَالَمُ كلّه، ولا بُدّ من ورود الجميع، ثم اختلفوا في كَيْفِيَّةِ ورود المُؤْمِنِينَ، فقال ابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وخالدُ بن مَعْدَانَ، وابنُ جُرَيْجٍ «٣» ، وغيرُهم: هو ورودُ دخولٍ، لكنَّها لا تعدو عليهم، ثم يخرجهم الله عز وجل منها بعدَ مَعْرِفتهم حَقِيقَةَ ما نَجَوْا منه.
وروى «٤» جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أَنه قال: «الوُرُودُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ الدُّخُولُ» «٥» ، وقد أَشْفَقَ كَثِيرٌ من العلماء من تحقُّقِ «٦» الورودِ مع الجَهْلِ بالصَّدَرِ- جعلنا الله تعالى من الناجين بفضله ورحمته-، وقالت فِرْقَة: بَلْ هُو ورودُ إشْرَافٍ، واطِّلاعٍ، وقُرْبٍ، كما تقول: وردتُ الماءَ إذا جِئْتَه، وليس يلزم أن تدخل فيه، قالوا:
وحسب المؤمن بهذا هؤلاء ومنه قولُه تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [القصص: الآية ٢٣] .
وروت فرقة أثراً: أنّ الله تعالى يجعلُ النَّار يوم القيامة جامدةَ الأعلى كأنها إهالةٌ فيأتي الخلقُ كلُّهم برُّهم وفاجرُهم، فيقفون عليها، ثم تسوخُ بأهلِها، ويخرجُ المؤمنون الفائزون، لم ينلهم ضرٌّ، قالوا: فهذا هو الورودُ.
قال المهدوي «١» : وعن قتادةَ قال: يرد النَّاسُ جهنَّمَ وهي سَوْدَاءُ مظلِمةٌ، فأَما المؤْمنُونَ فأَضَاءَتْ لهم حَسَناتُهم، فَنَجَوْا منها، وأما الكفارُ فأوبقتهم سَيِّئَاتُهم، واحتبسوا بذنوبهم.
[انتهى] » .
وروت حَفْصَةُ- رضي الله عنها- أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَالحُدَيْبِيَةِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وأَيْنَ قَوْلُ اللهِ تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال صلى الله عليه وسلّم: «فَمَهْ «٣» ، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا» «٤» ورجح الزجاجُ «٥» هذا القَوْلَ بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] .
ت: وحديثُ حفصةَ هذا أَخرجهُ مُسْلِم، وفيه: «أَفلم تَسْمَعِيهِ يقولُ: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا «٦» .
وروى ابنُ المبارك في «رُقائقه» : أنه لما نزلت هذه الآية: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى [فَجَاءَتِ امرأته، فبكت] ، «٧» وجاءت الخادم فبكت، وجاء
أهل البيت فَجَعَلُوا يَبْكُونَ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عَبْرَتُهُ، قَالَ: يَا أَهْلاَهُ، مَا يُبْكِيكُمْ، قَالُوا: لاَ نَدْرِي، وَلَكِنْ رَأَيْنَاكَ بَكَيْتَ فَبَكَيْنَا، فَقَالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلّم يُنْبِئُنِي فِيهَا رَبِّي أَنِي وَارِدُ النَّارَ، وَلَمْ يُنْبِئْنِي أَنِّي صَادِرٌ عَنْهَا، فَذَلِكَ الَّذِي أبْكَانِي «١» .
انتهى.
وَقال ابنُ مَسْعُودٍ: ورودُهُمْ/: هو جَوَازُهُمْ على الصراط «٢» ، وذلك أنّ الحديث ٦ أالصحيح تضمن أَنَّ الصراط مَضْرُوبٌ على مَتْنِ جهنم.
والحتم: الأمر المنفد المجزوم، والَّذِينَ اتَّقَوْا: معناه اتَّقَوْا الكُفْر وَنَذَرُ دالةٌ على أَنهم كَانُوا فيها.
قال أَبُو عُمَر بنُ عَبْدِ البَرِّ في «التمهيد» بعد أَن ذكر روَاية جابِر، وابنِ مَسْعُودٍ في الوُرُودِ: وروي عن كَعْبٍ أَنه تَلاَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال: أَتَدْرُونَ مَا وُرُودُهَا؟
إنه يُجَاءُ بجهنَّم فتُمْسكُ للناس كأَنها متْن إهَالَة: يعني: الوَدَك الذي يجمد على القِدْر من المرقَةِ، حَتَّى إذا استقرت عليها أَقدَام الخَلائِق: بَرّهم وفاجرهم، نَادَى مُنَادٍ: أَنْ خُذِي أَصْحَابِك، وذَرِي أَصْحَابِي، فيُخْسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، فَلَهِيَ أَعلَمُ بهم مِنَ الوَالِدَة بولَدِهَا، وينجو المُؤْمِنُونَ نَدِيَّة ثيابهم «٣» .
وروي هذا المعنى عن أَبي نَضْرَةَ، وزاد: وهو معنى قولِه تَعَالَى: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس: ٦٦] .
انتهى.
وقوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً ...
الآية، هذا افتخارٌ من كفار قريش وأَنه إِنما أَنعم الله عليهم لأَجْلِ أَنهم على الحقِّ بزعمهم.
والنَّدِيّ، والنَّادِي: المجْلِسُ، ثم رد الله تعالى حُجَّتَهم وحقَّر أَمْرهم فقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً أيْ: فلم يُغْن ذلك عنهم شَيْئاً «٤» ، والأَثَاث: المال العين، والعَرْض «٥» والحيوان.
وقرأَ نافِعٌ «٦» وغيرُه: «ورءيا» بهمزةٍ بعدها ياء من رؤية العين.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الإنْسانُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا بالِيًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ، ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا بَعْدَ أنْ نَكُونَ مِثْلَ هَذا العَظْمِ البالِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ إنْ قِيلَ: ظاهِرُهُ ظاهِرُ سُؤالٍ، فَأيْنَ جَوابُهُ ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْناهُ مَعْنى جَحْدٍ وإنْكارٍ، تَلْخِيصُهُ: لَسْتُ مَبْعُوثًا بَعْدَ المَوْتِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَفْهَمَ بِهَذا الكَلامِ عَنِ البَعْثِ، أجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ﴾ ، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى مَعْنى: نَعَمْ، وأنْتَ مَبْعُوثٌ.
والثّالِثُ: أنَّ جَوابَ سُؤالِ هَذا الكافِرِ في ( يَسِ: ٧٨ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ﴾ ، ولا يُنْكَرُ بَعْدَ الجَوابِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ، والسُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَذْكُرُ ) ساكِنَةَ الذّالِ خَفِيفَةً.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ) بِياءٍ وتاءٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ: ( يَذْكُرُ ) بِياءٍ مِن غَيْرِ تاءٍ ساكِنَةَ الذّالِ مُخَفَّفَةً مَرْفُوعَةَ الكافِ، والمَعْنى: أوَلا يَتَذَكَّرُ هَذا الجاحِدُ أوَّلَ خَلْقِهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ﴿ والشَّياطِينَ ﴾ ؛ أيْ: مَعَ الشَّياطِينِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ كافِرٍ يُحْشَرُ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ ﴾ .
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: في جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنْ حَوْلَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلَهُ، تَقُولُ: جَلَسَ القَوْمُ حَوْلَ البَيْتِ: إذا جَلَسُوا داخِلَهُ مُطِيفِينَ بِهِ.
وقِيلَ: يَجْثُونَ حَوْلَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ جِثِيًّا ﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ جاثٍ، مِثْلَ: قاعِدٍ وقُعُودٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجاءَ كَسْرُها إتْباعًا لِكَسْرَةِ الثّاءِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُعُودًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: جَماعاتٍ جَماعاتٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
فَعَلى هَذا هو جَمْعُ جَثْوَةٍ، وهي المَجْمُوعُ مِنَ التُّرابِ والحِجارَةِ.
والثّالِثُ: جِثِيًّا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: قِيامًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
والخامِسُ: قِيامًا عَلى رُكَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ بِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ ؛ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، وأُمَّةٍ، وأهْلِ دِينٍ، ﴿ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ﴾ ؛ أيْ: أعْظَمُهم لَهُ مَعْصِيَةً، والمَعْنى: أنَّهُ يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ الأعْتى فالأعْتى، وبِالأكابِرِ جُرْمًا، والرُّؤُوسِ القادَةِ في الشَّرِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " أيُّهم " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولَمْ تَعْمَلْ ﴿ لَنَنْزِعَنَّ ﴾ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ يُونُسَ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى الَّذِي يُقالُ لَهم: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ؟
قالَهُ الخَلِيلُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ: التَّأْوِيلُ: لَنَنْزِعَنَّ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ، يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا ؟
وأنْشَدَ ولَقَدْ أبِيتُ عَنِ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ المَعْنى: أبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ.
والثّالِثُ: أنَّ ﴿ أيُّهُمْ ﴾ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ؛ لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، فالمَعْنى: أيُّهُمُّ هو أفْضَلُ.
وبَيانُ خِلافِها لِأخَواتِها أنَّكَ تَقُولُ: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: اضْرِبْ مَن أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: مَن هو أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: كُلْ ما أطْيَبُ، حَتّى تَقُولَ: ما هو أطْيَبُ، ولا خُذْ ما أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: الَّذِي هو أفْضَلُ؛ فَلَمّا خالَفَتْ ( ما )، و( مَن )، و( الَّذِي ) بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، قالَهُسِيبَوَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم أوْلى بِها صِلِيًّا ﴾ يَعْنِي: أنَّ الأوْلى بِها صِلِيّا الَّذِينَ هم أشَدُّ عِتِيًّا، فَيُبْتَدَأُ بِهِمْ قَبْلَ أتْباعِهِمْ.
و" صِلِيّا " مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها: إذا دَخَلَها وقاسى حَرَّها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وما مِنكم أحَدٌ إلّا وهو وارِدُها.
وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْكُفّارِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ووَجْهُ هَذا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ لَنُحْضِرَنَّهُمْ ﴾ ، وقالَ: ﴿ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ﴾ ، كانَ التَّقْدِيرُ: وإنْ مِنهم، فَأُبْدِلَتِ الكافُ مِنَ الهاءِ، كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً ﴾ ، المَعْنى: كانَ لَهم؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَسَقاهم رَبُّهُمْ ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ: شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ عِسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ أرادَ: طِلابَها.
وفي هَذا الوُرُودِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخُولُ.
رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " الوُرُودُ: الدُّخُولُ، لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ - أوْ قالَ: لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ» " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ: أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ أيُخَرِجُنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها أمْ لا ؟
فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ ﴾ ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ ﴾ .
وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَبْكِي ويَقُولُ: أُنْبِئْتُ أنِّي وارِدٌ، ولَمْ أُنَبَّأْ أنِّيَ صادِرٌ.
وحَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِأخِيهِ: يا أخِي هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ النّارَ ؟
قالَ: نَعِمْ.
قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها.
قالَ: لا.
قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟
وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: ألَمْ يَعِدْنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ ؟
فَيُقالُ لَهم: بَلى، ولَكِنْ مَرَرْتُمْ بِها وهي خامِدَةٌ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ الدُّخُولُ: الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وأبُو مالِكٍ.
وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ بِأشْياءَ، فَقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: ورَدْتُ بَلَدَ كَذا، ووَرَدْتُ ماءَ كَذا: إذا أشْرَفُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ ﴾ ، والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ﴾ ، وقالَ زُهَيْرٌ: فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ∗∗∗ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ أيْ: لَمّا بَلَغْنَ الماءَ قُمْنَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وقَدْ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ، فَقالَ: أمّا الآيَةُ الأُولى، فَإنَّ مُوسى لَمّا أقامَ حَتّى اسْتَقى الماءَ وسَقى الغَنَمَ، كانَ بِلُبْثِهِ ومُباشَرَتِهِ كَأنَّهُ دَخَلَ، وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَإنَّها تَضَمَّنَتِ الأخْبارَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ كَوْنِهِمْ فِيها، وحِينَئِذٍ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها.
وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّهم يَمُرُّونَ بِها ولا يَعْلَمُونَ.
والثّانِي: أنَّ الوُرُودَ: المَمَرُّ عَلَيْها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، [ ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ ]، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ.
والثّالِثُ: أنَّ وُرُودَها: حُضُورُها، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِينَ: المُرُورُ عَلى الجِسْرِ، ووُرُودَ المُشْرِكِينَ: دُخُولُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ إلَيْها: ما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى في الدُّنْيا، رَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الحِمى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ: " وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها "؛ فَعَلى هَذا مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي: الوُرُودُ، ﴿ حَتْمًا ﴾ والحَتْمُ: إيجابُ القَضاءِ والقَطْعِ بِالأمْرِ.
والمَقْضِيُّ: الَّذِي قَضاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ وقَضاهُ عَلى الخَلْقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثّاءِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( نُنْجِي ) مُخَفَّفَةً.
وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو بَحْرِيَّةَ، [ وأبُو الجَوْزاءِ الرَّبَعِيُّ: ( ثُمَّ يُنْجِي ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ النُّونِ خَفِيفَةَ الجِيمِ مَكْسُورَةً.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ]، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ: ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
وهَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها القائِلُونَ بِدُخُولِ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النَّجاةَ: تَخْلِيصُ الواقِعِ في الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: ونُدْخِلُهم، وإنَّما يُقالُ: نَذَرَ ونَتْرُكُ لِمَن قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ.
ومَن قالَ: إنَّ الوُرُودَ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ: نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ النّارَ.
والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وبِالظّالِمِينَ: الكُفّارُ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جِثِيًّا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أولى بِها صِلِيًّا ﴾ ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾ ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ﴾ أيْ: نَحْنُ في ذَلِكَ النَزْعِ لا نَضَعُ شَيْئًا غَيْرَ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّنا قَدْ أحَطْنا عِلْمًا بِكُلِّ أحَدٍ، فالأولى بَصِلِيِّ النارِ نَعْرِفُهُ، و"الصِلِيُّ" مَصْدَرُ صَلِيَ يَصْلى إذا باشَرَهُ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنى: أولى بِالخُلُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ حَتْمٌ، والواوُ تَقْتَضِيهِ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ تَمَسَّهُ النارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ».
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: "وَإنْ مِنهُمْ" بِالهاءِ، عَلى إرادَةِ الكُفّارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَلا شَغَبَ في هَذِهِ القِراءَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الجُمْهُورِ القارِئِينَ "مِنكُمْ": المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، فَإنَّما المُخاطَبُ بِـ "مِنكُمُ" الكَفَرَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأْوِيلُ هَؤُلاءِ أيْضًا سَهْلُ التَناوُلِ.
وقالَ الأكْثَرُ: المُخاطَبُ العالَمُ كُلُّهُ، ولا بُدَّ مِن وُرُودِ الجَمِيعِ، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ وُرُودِ المُؤْمِنِينَ - فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، وخالِدُ بْنُ مَعْدانَ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُمْ: وُرُودُ دُخُولٍ، لَكِنَّها لا تَعْدُو عَلى المُؤْمِنِينَ، ثُمْ يُخْرِجُهُمُ اللهُ مِنها بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ ما نَجَوا مِنهُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ المَسْألَةِ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ: أمّا أنا وأنْتَ فَلا بُدَّ أنْ نَرِدُها، فَأمّا أنا فَيُنَجِّينِي اللهُ مِنها، وأمّا أنْتَ فَما أظُنُّهُ يُنَجِّيكَ، وقالُوا: في القُرْآنِ أرْبَعَةُ أورادٍ مَعْناها الدُخُولِ، هَذا أحَدُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأورَدَهُمُ النارَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ ﴾ ، وقالُوا: كانَ مِن دُعاءِ بَعْضِ السَلَفِ: "اللهم أدْخِلْنِي النارَ سالِمًا، وأخْرِجْنِي مِنها غانِمًا".
ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ «عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: الوُرُودُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الدُخُولُ».
وأشْفَقَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِن تَحَقُّقِ الوُرُودِ والجَهْلِ بِالصُدُورِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو وُرُودُ إشْرافٍ واطِّلاعٍ وقُرْبٍ، كَما تَقُولُ: ورَدْتُ الماءَ إذا جِئْتَهُ، ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ تَدْخُلَ فِيهِ، قالُوا: وحَسْبُ المُؤْمِنِينَ بِهَذا هَوْلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ ﴾ .
وَرَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ يَوْمَ القِيامَةِ النارَ جامِدَةَ الأعْلى كَأنَّها هالَةٌ، فَيَأْتِي الخَلْقُ كُلُّهم بِرُّهم وفاجِرُهُمْ، فَيَقِفُونَ عَلَيْها، ثُمْ تَسُوخُ بِأهْلِها، ويَخْرُجُ المُؤْمِنُونَ الفائِزُونَ ولَمْ يَنُلْهم ضُرٌّ، فَقالُوا: هَذا هو الوُرُودُ.
ورَوَتْ حَفْصَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «لا يَدْخُلُ النارَ أحَدٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ والحُدَيْبِيَةَ "، فَقالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، وأيْنَ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ ؟، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "فَمَهْ، ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ »، ورَجَّحَ الزُجاجُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عنها مُبْعَدُونَ ﴾ .
وذَكَرَ النِقاشُ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: نُسِخَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عنها مُبْعَدُونَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ نَسْخٍ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وُرُودُهم هو جَوازُهم عَلى الصِراطِ، وذَلِكَ أنَّ الحَدِيثَ الصَحِيحَ تَضَمَّنَ أنَّ الصِراطَ مَضْرُوبٌ عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ، فَيَمُرُّ الناسُ كالبَرْقِ الخاطِفِ، وكالرِيحِ، وكالجَوادِ مِنَ الخَيْلِ، عَلى مَراتِبَ، ثُمْ يَسْقُطُ الكافِرُ في جَهَنَّمَ وتَأْخُذُهم كَلالِيبُ، قالُوا: فالجَوازُ عَلى الصِراطِ هو الوُرُودُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: وُرُودُ المُؤْمِنِينَ هو الحُمّى الَّتِي تُصِيبُهم في دارِ الدُنْيا، وفي الحَدِيثِ «الحُمّى مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأبْرِدُوها بِالماءِ»، وفي الحَدِيثِ أيْضًا «الحُمّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النارِ»، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ لِرَجُلٍ مَرِيضٍ عادَهُ مِنَ الحُمّى: «إنَّ اللهَ يَقُولُ: هي نارِي أُسَلِّطُها عَلى عَبْدِي المُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِن نارِ الآخِرَةِ» فَهَذا هو الوُرُودُ.
و"الحَتْمُ": الأمْرُ المُنَفَّذُ المَجْذُومُ، وقَرَأ أبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ثُمْ" بِفَتْحِ الثاءِ عَلى الظَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى: "ثَمَّةَ" بِفَتْحِ الثاءِ وهاءُ السَكْتِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وجُمْهُورٌ مِنَ الناسِ: "نُنَجِّي" بِفَتْحِ النُونِ الثانِيَةِ وشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ يَحْيى، والأعْمَشُ: "نُنْجِي" بِسُكُونِ النُونِ الثانِيَةِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُجِّيَ" بِضَمِّ النُونِ واحِدَةٌ وشَدِّ جِيمٍ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ثُمْ" بِفَتْحِ الثاءِ "نُحِّيَ" بِالحاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ.
و ﴿ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ مَعْناهُ: اتَّقَوُا الكُفْرَ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَضِيعُ أحَدٌ بَيْنَ الإيمانِ والشَفاعَةِ.
و"نَذَرُ" دالَّةٌ عَلى أنَّهم كانُوا فِيها، و"الظُلْمُ" هُنا هو ظُلْمُ الكَفْرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ: " جِثِيًّا "، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ثُمْ نُنْجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا مِنها ونَتْرُكُ الظالِمِينَ".
<div class="verse-tafsir"
لمّا ذكر انتزاع الذين هم أولى بالنّار من بقية طوائف الكفر عطف عليه أنّ جميع طوائف الشرك يدخلون النار، دفعاً لتوهم أنّ انتزاع من هو أشد على الرحمان عتياً هو قصارى ما ينال تلك الطوائف من العذاب؛ بأن يحسبوا أنّ كبراءهم يكونون فداء لهم من النّار أو نحو ذلك، أي وذلك الانتزاع لا يصرف بقية الشيع عن النّار فإن الله أوجب على جميعهم النّار.
وهذه الجملة معترضة بين جملة ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ [مريم: 68] الخ وجملة ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا ﴾ [مريم: 73] الخ...
فالخطاب في ﴿ وإن منكم ﴾ التفات عن الغيبة في قوله ﴿ لنحشرنّهم ولنحضرنّهم ﴾ [مريم: 68]؛ عدل عن الغيبة إلى الخطاب ارتقاء في المواجهة بالتهديد حتى لا يبقى مجال للالتباس المراد من ضمير الغيبة فإن ضمير الخطاب أعرَف من ضمير الغيبة.
ومقتضى الظاهر أن يقال: وإن منهم إلا واردها.
وعن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ فالمعنى: وما منكم أحد ممن نُزع من كلّ شيعة وغيرِه إلاّ واردُ جهنّم حتماً قضاه الله فلا مبدل لكلماته، أي فلا تحسبوا أن تنفعكم شفاعتهم أو تمنعكم عزّة شِيعكم، أو تُلقون التبعة على سادتكم وعظماء أهل ضلالكم، أو يكونون فداء عنكم من النّار.
وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين ﴾ [الحجر: 42، 43]، أي الغاوين وغيرهم.
وحرف (إنْ) للنفي.
والورود: حقيقته الوصول إلى الماء للاستقاء.
ويطلق على الوصول مطلقاً مجازاً شائعاً، وأما إطلاق الورود على الدخول فلا يُعرف إلا أن يكون مجازاً غير مشهور فلا بد له من قرينة.
وجملة ﴿ ثمّ ننجي الذين اتّقوا ﴾ زيادة في الارتقاء بالوعيد بأنّهم خالدون في العذاب، فليس ورودهم النّار بموقّت بأجل.
و ﴿ ثمّ ﴾ للترتيب الرتبي تنويهاً بإنجاء الذين اتّقوا وتشويهاً بحال الذين يبقون في جهنم جُثيّاً.
فالمعنى: وعلاوة على ذلك ننجي الذين اتّقوا من ورود جهنم.
وليس المعنى: ثمّ ينجي المتقين من بينهم بل المعنى أنهم نَجَوْا من الورود إلى النّار.
وذكر إنجاء المتقين: أي المؤمنين، إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين.
وجملة ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ عطف على جملة ﴿ وإن منكم إلاّ واردها ﴾ .
والظالمون: المشركون.
والتعبير بالّذين ظلموا إظهار في مقام الإضمار.
والأصل: ونذركم أيها الظالمون.
ونذر: نترك، وهو مضارع ليس له ماض من لفظه، أمات العرب ماضي (نذر) استغناء عنه بماضي (ترك)، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ في سورة الأنعام (91).
فليس الخطاب في قوله وإن منكم إلاّ واردها} لجميع النّاس مؤمنهم وكافِرِهم على معنى ابتداء كلام؛ بحيث يقتضي أن المؤمنين يردون النّار مع الكافرين ثم يُنْجوَن من عذابها، لأنّ هذا معنى ثقيل ينبو عنه السياق، إذ لا مناسبة بينه وبين سياق الآيات السابقة، ولأنّ فضل الله على المؤمنين بالجنّة وتشريفهم بالمنازل الرفيعة ينافي أن يسوقهم مع المشركين مَساقاً واحداً، كيف وقد صُدّر الكلام بقوله ﴿ فوربك لنحشرنهم والشياطين ﴾ [مريم: 68] وقال تعالى: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفداً ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ [مريم: 85، 86]، وهو صريح في اختلاف حشر الفريقين.
فموقع هذه الآية هنا كموقع قوله تعالى: ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجمعين ﴾ [الحجر: 43] عقب قوله ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ [الحجر: 42].
فلا يتوهم أن جهنّم موعد عباد الله المخلصين مع تقدّم ذكره لأنّه ينبو عنه مقام الثناء.
وهذه الآية مثار إشكال ومحطّ قيل وقال؛ واتفق جميع المفسرين على أن المتّقين لا تنالهم نار جهنّم، واختلفوا في محل الآية فمنهم من جعل ضمير ﴿ منكُم ﴾ لجميع المخاطبين بالقرآن، ورووه عن بعض السلف فصدمَهم فساد المعنى ومنافاة حكمة الله والأدلّة الدالة على سلامة المؤمنين يومئذ من لقاء أدنى عذاب، فسلكوا مسالك من التّأويل، فمنهم من تأوّل الورود بالمرور المجرد دون أن يمس المؤمنين أذى، وهذا بُعد عن الاستعمال، فإن الورود إنما يراد به حصول ما هو مودع في المَورد لأنّ أصله من وُرود الحوض.
وفي آي القرآن ما جاء إلاّ لمعنى المصير إلى النّار كقوله تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ﴾ [الأنبياء: 98، 99] وقوله ﴿ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود ﴾ [هود: 98] وقوله ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم وِرداً ﴾ [مريم: 86].
على أن إيراد المؤمنين إلى النّار لا جدوى له فيكون عبثاً، ولا اعتداد بما ذكره له الفخر ممّا سمّاه فوائد.
ومنهم من تأوّل ورود جهنّم بمرورالصراط، وهو جسر على جهنّم، فساقوا الأخبار المروية في مرور الناس على الصراط متفاوتين في سُرعة الاجتياز.
وهذا أقل بُعداً من الذي قبله.
وروى الطبري وابن كثير في هذين المحملين أحاديث لا تخرج عن مرتبة الضعف مما رواه أحمد في «مسنده» والحكيمُ التّرمذي في «نوادر الأصول».
وأصح ما في الباب ما رواه أبو عيسى الترمذي قال: «يرد النّاس النّار ثمّ يصدرون عنها بأعمالهم» الحديث في مرور الصراط.
ومن النّاس من لفق تعضيداً لذلك بالحديث الصحيح: أنه «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النّار إلاّ تَحلة القسم» فتأول تحلة القسم بأنها ما في هذه الآية من قوله تعالى: ﴿ وإن منكم إلاَّ واردها ﴾ وهذا محمل باطل، إذ ليس في هذه الآية قسم يتحلل، وإنّما معنى الحديث: إن من استحق عذاباً من المؤمنين لأجل معاص فإذا كان قد مات له ثلاثة من الولد كانوا كفارة له فلا يلج النّار إلاّ ولوجاً قليلاً يشبه ما يفعل لأجل تحلة القسم، أي التحلل منه.
وذلك أن المقسم على شيء إذا صعب عليه بر قسمه أخذ بأقل ما يتحقق فيه ما حلف عليه، فقوله «تحلة القسم» تمثيل.
ويروى عن بعض السلف روايات أنّهم تخوفوا من ظاهر هذه الآية، من ذلك ما نقل عن عبد الله بن رواحة، وعن الحسن البصري، وهو من الوقوف في موقف الخوف من شيء محتمل.
وذكر فعل ﴿ نَذَرُ ﴾ هنا دون غيره للإشعار بالتحقير، أي نتركهم في النار لا نعبأ بهم، لأن في فعل الترك معنى الإهمال.
والحتم: أصله مصدر حتمه إذ جعله لازماً، وهو هنا بمعنى المفعول، أي محتوماً على الكافرين، والمقضي: المحكوم به.
وجُثِيّ تقدم.
وقرأ الجمهور ﴿ ثمّ تنَجِّي ﴾ بِفَتح النون الثانية وتشديد الجيم، وقرأه الكسائي بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الحُمّى والمَرَضَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ فِيهِ وعَكٌ وأنا مَعَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: (أبْشِرْ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: هي نارِي أُسَلِّطُها عَلى عَبْدِيَ المُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النّارِ)» أيْ في الآخِرَةِ.
الثّانِي: يَعْنِي جَهَنَّمَ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِذَلِكَ الكافِرِينَ يَرِدُونَها دُونَ المُؤْمِنِ; قالَهُ عِكْرِمَةُ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ مِنكُمْ ﴾ أيْ مِنهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً ﴾ أيْ لَهم.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنَ والكافِرَ.
رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (الزّالُّونَ والزّالّاتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ)» وفي كَيْفِيَّةِ وُرُودِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الدُّخُولُ فِيها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيَرِدَنَّها كُلُّ بَرٍّ وفاجِرٍ.
لَكِنَّها تَمَسُّ الفاجِرَ دُونَ البَرِّ.
قالَ وكانَ دُعاءُ مَن مَضى: اللَّهُمَّ أخْرِجْنِي مِنَ النّارِ سالِمًا، وأدْخِلْنِي الجَنَّةَ عالِمًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِ عَلَيْها الوُصُولُ إلَيْها ناظِرًا لَها ومَسْرُورًا بِالنَّجاةِ مِنها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ ﴾ أيْ وصَلَ.
وَكَقَوْلِ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ولَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ وُرُودَ عُرْضَةِ القِيامَةِ الَّتِي تَجْمَعُ كُلَّ بَرٍّ وفاجِرٍ.
﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قَضاءً مُقْتَضِيًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: قَسَمًا واجِبًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ الآية قال: قالها العاصي بن وائل.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ لسوف أخرج ﴾ برفع الألف ﴿ أولا يذكر الإنسان ﴾ خفيفة بنصب الياء ورفع الكاف.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ جثياً ﴾ قال: قعوداً.
وفي قوله: ﴿ عتياً ﴾ قال: معصية.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عتيا ﴾ قال: عصيا.
وأخرج الحاكم، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ عتياً ﴾ أو ﴿ جثياً ﴾ فإنهما جميعاً بالضم.
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في البعث، عن عبدالله بن باباه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين» .
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ جثياً ﴾ برفع الجيم ﴿ وعتياً ﴾ برفع العين وصليا برفع الصاد.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ حول جهنم جثياً ﴾ قال: قياماً.
وأخرج ابن المنذر.
عن ابن جريج ﴿ ثم لننزعن ﴾ قال لنبدأن.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ثم لننزعن ﴾ الآية: قال: ﴿ لننزعن من كل ﴾ أهل دين قادتهم ورؤوسهم في الشر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ أيهم أشد على الرحمن عتياً ﴾ قال: في الدنيا.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي الأحوص ﴿ ثم لننزعن من كل شيعة ﴾ الآية.
قال: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال: يحشر الأوّل على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، ثم قرأ ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ إلى قوله: ﴿ عتياً ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ لننزعن من كل شيعة ﴾ قال: من كل أمة أشد على الرحمن ﴿ عتياً ﴾ قال: كفراً.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ يقول: إنهم أولى بالخلود في جهنم.
وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن جرير بسند حسن عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جنهم وإنسهم، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنهم وإنسهم بضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزعوا إليهم فيقولون: أفيكم ربنا؟
فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحان ربنا!
ليس فينا وهو آت.
ثم تقاض السماء الثانية، ولأهل السماء الثانية وحدهم، أكثر من أهل السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض، بضعف جنهم وإنسهم، فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟
فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا!
ليس فينا وهو آت، ثم تقاض السموات: سماء سماء، كلما قيضت سماء عن أهلها، كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا نثروا على أهل الأرض، يفزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، فيرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقاض السماء السابعة، فلأهل السماء السابعة، أكثر من أهل ست سموات، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله فيهم، والأمم جثيّ صفوف، فينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال، فيقومون، فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [ السجدة: 16] فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة، ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؟
أين الذين ﴿ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ [ النور: 37] فيقومون فيسرحون إلى الجنة.
فإذا أخذ كل من هؤلاء ثلاثة، خرج عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثانية فتقول: إني وكلت منكم بمن آذى الله تعالى ورسوله، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حَبَّ السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثالثة فتقول: إني وكلت بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة: نشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودعي الخلائق للحساب.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ﴿ ثم ينجي الله الذين اتقوا ﴾ فلقيت جابر بن عبدالله، فذكرت له فقال: وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه صمتاً، إن لم أكن سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم ﴿ ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال ابن عباس: الورود الدخول: وقال نافع: لا.
فقرأ ابن عباس ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ [ الأنبياء: 98] وقال: وردوا أم لا، وقرأ ﴿ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ﴾ [ هود: 98] أوردوا أم لا، أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ قال: يردُهَا البَرّ والفاجر.
ألم تسمع قوله: ﴿ فأوردهم النار وبئس الورد المورود ﴾ [ هود: 98] وقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ [ مريم: 86] .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس: أن رجالاً من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- كانوا يطلبون العاص بن وائل بدين فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟
قالوا: بلى.
قال: فإن موعدكم الآخرة.
والله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به.
فقال الله: ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ الآيات.
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: كان لرجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- دين على رجل من المشركين فأتاه يتقاضاه، فقال ألست مع هذا الرجل؟
قال: نعم.
قال أليس يزعم أن لكم جنة وناراً وأموالاً وبنين؟
قال: بلى.
قال: اذهب، فلست بقاضيك إلا ثمة.
فأنزلت ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ إلى قوله: ﴿ ويأتينا فرداً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أطلع الغيب ﴾ يقول: أطلعه الله الغيب؟
يقول: ما له فيه ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ بعمل صالح قدمه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: لا إله إلا الله، يرجو بها.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ قال ابن عباس: (يريد اتقوا الشرك وصدقوا بنبيي) (١) ﴿ وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ ﴾ قال: (يريد المشركين والكفار والمنافقين) (٢) ﴿ فِيهَا جِثِيًّا ﴾ قيل: على الركب، وقيل: جميعًا، وقد مر قبل ذلك [[عند قوله سبحانه: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ﴾ .
[مريم: 68]]].
(١) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "الكشف والبيان" 3/ 12 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 516، "معالم التنزيل" 5/ 249، "زاد المسير" 5/ 257، "إرشاد العقل السليم" 5/ 276.
(٢) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 331، "المحرر الوجيز" 9/ 516 "معالم التنزيل" 5/ 249، "التفسير الكبير" 21/ 245.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ خطاب لجميع الناس عند الجمهور، فأما المؤمنون فيدخلونها، ولكنها تخمد فلا تضرهم، فالورود على هذا بمعنى الدخول كقوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا واردون ﴾ [الأنبياء: 89]، ﴿ أَوْرَدَهُمُ النار ﴾ [هود: 98]، بمعنى القدوم عليها كقوله: ﴿ وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾ [القصص: 33]، والمراد بذلك جواز الصراط وقيل: الخطاب للكفار، فلا إشكال ﴿ حَتْماً ﴾ أي أمراً لابد منه ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا ﴾ إن كان الورود بمعنى الدخول، فنجاة الذين اتقوا بكون النار عليهم برداً وسلاماً، ثم بالخروج منها، وإن كان بمعنى المرور على الصراط فنجاتهم بالجواز والسلامة من الوقوع فيها ﴿ أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ الفريقان هم المؤمنون والكفار، والمقام اسم مكان من قام، وقرئ بالضم من أقام، والنديّ المجلس، ومعنى الآية: أن الكفار قالوا للمؤمنين: نحن خير منكم مقاماً: أي أحسن حالاً في الدنيا، وأجمل مجلساً فنحن أكرم على الله منكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أئذا ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ يذكر ﴾ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد.
والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً.
﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد.
الآخرون بالتشديد ﴿ خير مقاماً ﴾ بضم الميم: ابن كثير.
الباقون بفتحها.
﴿ رياً ﴾ بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة.
الآخرون بهمز بعدها يا ﴿ وولداً ﴾ وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.
الآخرون بفتحهما ﴿ يكاد ﴾ على التذكير: نافع وعليّ ﴿ ينفطرن ﴾ من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.
الباقون ﴿ يتفطرن ﴾ من التفطر.
الوقوف: ﴿ حياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ جثياً ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ عتياً ﴾ ه ج لذلك ﴿ صلياً ﴾ ه ﴿ واردها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ مقضياً ﴾ ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ جثياً ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ لا لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ ندياً ﴾ ه ﴿ ورئياً ﴾ ه ﴿ مدّاً ﴾ ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" ﴿ الساعة ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ جنداً ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ مرداً ﴾ ه ﴿ وولداً ﴾ ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ﴿ عهداً ﴾ ط ه للردع ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ مداً ﴾ ه لا للعطف ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ عزاً ﴾ ه ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ ضدّاً ﴾ ه ﴿ أزاً ﴾ ه لا للتعجيل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ عدّاً ﴾ ه ط ﴿ وفداً ﴾ ه ط ﴿ ورداً ﴾ ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ﴿ عهداً ﴾ ه م حذرا من إيهام العطف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ إدّاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ هداً ﴾ ه لا لأن التقدير لأن دعوا ﴿ ولداً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ عبداً ﴾ ه ط ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ ودّاً ﴾ ه ﴿ من قرن ﴾ ط ﴿ ركزاً ﴾ ه.
التفسير: لما أمر نبيه وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم.
وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف.
وقيل: بعض الجنس هم الكفرة.
وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أخرج ﴾ المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله.
لا تقول: اليوم لزيد قائم.
وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف.
و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟
والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً.
وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟!
ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال منبهاً على ذلك ﴿ أو لا يذكر ﴾ وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر.
وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر.
قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال.
والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء.
وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟
وفي قوله: ﴿ ولم يك شيئاً ﴾ بحث قد مر في أول السورة مثله.
وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في ﴿ والشياطين ﴾ إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال.
وكذا في قوله: ﴿ لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم.
﴿ ثم لننزعن ﴾ لنميزن ﴿ من كل شيعة ﴾ طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام.
﴿ أيهم أشد ﴾ قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد.
وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول ﴿ لننزعن ﴾ بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول ﴿ لننزعن ﴾ كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل.
ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام.
ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب.
ثم إن علقت قوله: ﴿ على الرحمن ﴾ بـ ﴿ أشد ﴾ كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.
فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟
فقيل: على الرحمن.
وكذا الكلام في ﴿ أولى بها صلياً ﴾ تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ ﴿ صلياً ﴾ على التأويل.
صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق.
أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ.
ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل.
﴿ وإن منكم ﴾ الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ إشكال.
ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟
وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله عن ذلك فقال: "إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟
فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة" .
وعنه أيضاً أن رسول الله قال: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" .
وأما قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ فالمراد عن عذابها.
وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة.
ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله : ﴿ لما ورد ماء مدين ﴾ ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه.
ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.
وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال : "الحمى من فيح جهنم" وفي رواية "الحمى حظ كل مؤمن من النار" .
وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون.
أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟
زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع.
والأصح أنه يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب.
ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟
فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها.
ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم.
ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا.
ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء.
هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟
قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء.
فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها.
قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: ﴿ كان ﴾ أي الورود ﴿ على ربك حتماً ﴾ أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ﴿ مقضياً ﴾ قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار.
وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً.
وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه.
وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين.
وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه.
ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: ﴿ ونذر الظالمين ﴾ ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر.
قال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه.
يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً ﴾ لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف.
ومعنى ﴿ للذين آمنوا ﴾ أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم.
والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون.
قوله: ﴿ أيّ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله بقول: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك.
ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب.
و ﴿ هم أحسن ﴾ في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة ﴿ قرن ﴾ والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: ﴿ أثاثاً ومتاعاً إلى حين ﴾ قال الجوهري: من همز ﴿ رئياً ﴾ جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت.
وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول".
وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي".
وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة.
وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً.
ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: ﴿ فليمدد له الرحمن ﴾ خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ أو ليزدادوا إثماً كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته.
والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم.
أما قوله: ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ إلى آخر.
فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ أي الفريقين ﴾ إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون.
والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ أما العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها.
وقوله: ﴿ فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ خير مقاماً وأحسن ندياً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة.
ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم.
وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها.
ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان.
والواو في ﴿ ويزيد ﴾ للاستئناف.
وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى ﴿ فليمدد ﴾ أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه.
وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات.
وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها.
وقوله: ﴿ خير ﴾ يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ﴿ ثواباً وخير مرداً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع".
ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ﴿ أفرأيت ﴾ كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.
وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه.
عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل.
قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ.
من قرأ ﴿ ولداً ﴾ بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله عليه بقوله مستفهماً ﴿ أطلع الغيب ﴾ من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك.
وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة ﴿ كلا ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: ﴿ سنكتب ﴾ بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: ﴿ ونمد له ﴾ أي نطوّل له ﴿ من العذاب ﴾ ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.
مده وأمده معنى.
ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: ﴿ لأوتين ﴾ ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية.
والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ﴿ ويأتينا ﴾ غداً ﴿ فرداً ﴾ بلا مال ولا ولد.
وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه.
وكذا في قوله: ﴿ فرداً ﴾ على الأول حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.
وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف.
قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله.
وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: ﴿ كلا ﴾ ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ﴿ سيكفرون ﴾ فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ﴾ وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون ﴾ وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون ﴾ وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: ﴿ عليهم ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ لهم عزاً ﴾ وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله : " وهم يد على من سواهم" ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ يكونون ﴾ للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها.
وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا ﴾ الآية.
والأز الهز والتهييج.
قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله : " سم الله وأرسل كلبك عليه" ويؤيده قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات.
وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه.
وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين.
ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه.
﴿ فلا تعجل عليهم ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.
قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط.
وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك.
وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.
وقال بعضهم: إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: ﴿ يوم نحشر ﴾ وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.
ويجوز أن ينتصب ﴿ بلا يملكون ﴾ خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين.
يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب.
عن علي أن النبي قال: "ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت" .
وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.
وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون.
قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟
قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً ﴾ وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.
وقوله: ﴿ إلى الرحمن ﴾ دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ﴿ من اتخذ ﴾ على البدلية لأنه في معنى الجمع.
ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون ﴿ من اتخذ ﴾ فاعلاً والاستثناء مفرغاً.
ويجوز أن ينتصب ﴿ من اتخذ ﴾ على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة.
من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.
وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم.
واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة.
وعن ابن مسعود أن النبي قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟
قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة" ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: ﴿ وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله ﴾ .
وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة.
وفي قوله: ﴿ لقد جئتم ﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه.
والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها.
ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير.
وانتصب ﴿ هذا ﴾ إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد.
ومحل ﴿ أن دعوا ﴾ إما مجرور بدلاً من الهاء في ﴿ منه ﴾ وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء.
أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً.
﴿ وما ينبغي ﴾ لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال.
أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام.
سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟
أجيب بأنه كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك.
ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: ﴿ إن كل ﴾ "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ﴿ إلا أتى الرحمن ﴾ إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته.
ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب.
والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم.
وعن النبي قال لعلي: "يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة" ، فأنزل الله هذه الآية.
وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.
وعن رسول الله يقول الله عز وجل: " يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.
وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ هذا قول جمهور المفسرين.
وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير.
وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.
وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى.
وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم.
ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: ﴿ فإنما يسرناه ﴾ كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر.
واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" ﴿ وهو ألد الخصام ﴾ يريد أهل مكة.
ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد.
والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون.
التأويل: ﴿ ويقول ﴾ النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ﴿ أخرج حياً ﴾ بالصفات الروحانية.
﴿ ولنحشرهم والشياطين ﴾ فلكل شخص قرين من الشياطين ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم ﴾ القهر والطبيعة ﴿ وإن منكم ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ﴿ حتماً مقضياً ﴾ لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ﴿ آياتنا ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ستروا الحق ﴿ للذين آمنوا ﴾ تحقيقاً وإيقاناً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ﴿ أما العذاب ﴾ وهو الموت على الإنكار والغفلة ﴿ وإما الساعة ﴾ وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة.
﴿ فسيعلمون ﴾ حزب الله من حزب الشيطان ﴿ ويزيد الله ﴾ بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً.
﴿ فإنما يسرنا ﴾ فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ﴿ وكم أهلكنا ﴾ في تيه الضلالة ﴿ أو تسمع لهم ركزاً ﴾ بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ .
هذا الكلام يخرج على وجهين: أحدهما: على إنكار البعث: ﴿ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ أي: ما أخرج حيّاً.
والثاني: على التهزؤ والهزء، جواب ما قال لهم أهل الإسلام: إنكم تبعثون وتحيون، فقالوا عند ذلك: ذلك على التهزؤ بهم والسّخرية.
ثم ذكرهم بدء حالهم حيث لم يكونوا شيئاً فخلقهم فقال: ﴿ أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ فإن قدر على خلقه في الابتداء ولم يك شيئاً كان على إحيائه وبعثه بعدما كان شيئاً أقدر.
ثم أقسم أنهم يبعثون فقال: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ﴾ ، أي: لَنجعلهم والشياطين الذين أضلّوهم، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [الصافات: 22-23].
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ جِثِيّاً ﴾ : جماعات، كقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ جِثِيّاً ﴾ على الركب؛ لأنّ أقدامهم لا تحمل؛ لشدّة هول ذلك اليوم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ : قال بعضهم: الشيعة: الصنف، أي: من كل صنف، والشيعة: الأتباع، كقوله: ﴿ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ أي: من أتباعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً ﴾ ، أي: تمرداً وعناداً، والعاتي: هو القاسي المتمرد في عُتُوِّه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ ﴾ ، أي: لنخرجن، أي: نبدأ بهم من كان منهم أشد على الرحمن تمرداً وعناداً وهم القادة والرؤساء منهم، فيقذفون في النّار أولاً، ثم الأمثل [فالأمثل] على المراتب التي كانوا في الدّنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً ﴾ ، أي: أعلم بمن أولى بها صليّاً، أي: يصلي بالنار، وهم القادة والكفرة.
[وقوله: ﴿ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ قال أبو عوسجة: الغيّ: [الشرّ]، ﴿ جِثِيّاً ﴾ ، قال: جماعات، والجاثي: هو الراكب على ركبتيه، والشيعة: الصنف من الناس.
وقال القتبي: ﴿ جِثِيّاً ﴾ : جمع جاثٍ، وفي التفسير: جماعات.
وقال قتادة في قوله: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ قال: لا سمي لله ولا عدل ولا مثل، كل خلقه يقر له ويعرفه ويعلم أنه خالقه.
وقال بعضهم: لا يسمى أحد باسمه، يعني: بالله.
وقال بعضهم: بالرحمن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: الآية في الكفرة خاصّة، واستدلّ بأوّل الآية بقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ﴾ إلى آخر ما ذكر، والمؤمنون لا يحشرون مع الشياطين، ولكن إنما يحشر الكفار مع الشياطين، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ الآية [الصافات: 22-23]، ويكون قوله: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ﴾ على ابتداء منع الورود عليها والنجاة منها.
وقال بعضهم: الآية في المؤمنين والكافرين جميعاً، لكن اختلف في الورود: فقال بعضهم: الورود: الحضور دون الدخول؛ لأن الله - عز وجل - أخبر أن من أدخل النار فقد أخزاه بقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ .
وقال بعضهم: الورود: الدخول فيها، واستدلّ بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ وبقوله: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ...
﴾ الآية [هود: 98]، يقول: يدخل الفريقان جميعاً فيها، لكنها تصير جامدة وبرداً على المؤمنين على ما صارت برداً وسلاماً على إبراهيم، ثم تصير حارة محرقة للكفار والظلمة.
قال الحسن: لا يحتمل أن يدخل أهل الإيمان النار؛ لأن الله - عز وجل - آمن المؤمنين أن يكون عليهم خوف أو حزن بقوله: ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ، فلو كانوا يدخلون النار، لكان لهم خوف وحزن، وقد أخبر أن ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ دلّ أنهم لا يدخلونها.
وجائز أن يكونوا واردين جميعاً، داخلين فيها، لا دخول تعذيب فيها وعقاب؛ لأنه ذكر أن ممرهم جميعاً على الصراط لجنهم كالسطح للدار؛ كمن حلف ألا يدخل داراً فتسور بسورها أو صعد سطحاً من سطوحها حنث ويصير داخلاً فيها؛ فعلى ذلك جائز أنهم إذا مرّوا على الصراط نجا أهل الإيمان فمّروا به، وتزل أقدام الكفار فيها؛ فبقوا فيها، فكان الفريقان يوصفان بالدخول على الوجه الذي وصفنا.
وقال بعضهم: ورود المسلمين: المرور بهم على الجسر بين أظهرها، [و] ورود المشركين: أن يدخلوها.
وقال النبي : "الزَّالُّونَ والزَّالاَّت" وما ذكر الحسن أنه من المرسلين ألا يكون عليهم خوف ولا حزن، فجائز أن يكون الله يدخلهم فيها على غير جهة العقوبة فلا يكون لهم خوف ولا حزن، ألا ترى أنه أخبر أنه جعل الملائكة أصحاب النار بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ ثم لا يكون لهم خوف ولا حزن وهم ممن أوعدوا بها إذا خالفوا أمر الله وعصوه بقوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 29]؛ ألا ترى أنه أخبر أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار ثم لا يخافون ولا يحزنون بقوله: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ وهم في الدنيا إذا اطلعوا عليها لا شك أنهم يخافون ويحزنون ويسوءهم ذلك أشدّ الخوف ثم في الآخرة لا، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يردونها ويدخلونها ولا يخيفهم ذلك ولا يحزنهم ولا يسوءهم، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: قضاء واجباً، ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ الشرك والفواحش ﴿ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ﴾ على ركبهم.
<div class="verse-tafsir"
ثم بعد هذا العبور على الصراط نسلّم الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ونترك الظالمين باركين على ركبهم، لا يستطيعون الفرار منها.
<div class="verse-tafsir" id="91.28gvG"