الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٣٧ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قول تعالى : ( فإن آمنوا ) أي : الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ( بمثل ما آمنتم به ) أيها المؤمنون ، من الإيمان بجميع كتب الله ورسله ، ولم يفرقوا بين أحد منهم ( فقد اهتدوا ) أي : فقد أصابوا الحق ، وأرشدوا إليه ( وإن تولوا ) أي : عن الحق إلى الباطل ، بعد قيام الحجة عليهم ( فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله ) أي : فسينصرك عليهم ويظفرك بهم ( وهو السميع العليم ) وقال ابن أبي حاتم : قرئ على يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب ، حدثنا زياد بن يونس ، حدثنا نافع بن أبي نعيم ، قال : أرسل إلي بعض الخلفاء مصحف عثمان بن عفان ليصلحه .
قال زياد : فقلت له : إن الناس يقولون : إن مصحفه كان في حجره حين قتل ، فوقع الدم على ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) فقال نافع : بصرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قدم .
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به "، فإن صدّق اليهودُ والنصارَى بالله، ومَا أنـزل إليكم، وما أنـزل إلى إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ, ومَا أوتي مُوسى وعيسى, وما أوتي النبيون من ربهم, وأقروا بذلك، مثلَ ما صدّقتم أنتم به أيّها المؤمنون وأقررتم, فقد وُفِّقوا ورَشِدوا، ولزموا طريق الحق، واهتدوا, وهم حينئذ منكم وأنتم منهم، بدخولهم في ملتكم بإقرارهم بذلك.
فدلّ تعالى ذكره بهذه الآية، على أنه لم يقبل من أحد عَملا إلا بالإيمان بهذه المعاني التي عدَّها قَبلها، كما:- 2108- حدثنا المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا " ونحو هذا, قال: أخبر الله سبحانه أنّ الإيمان هو العروة الوثقى, وَأنه لا يقبل عملا إلا به, ولا تحرُم الجنة إلا على مَن تركه.
* * * وقد روي عن ابن عباس في ذلك قراءةٌ، جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافها, وأجمعت قَرَأة القرآن على تركها.
وذلك ما:- 2109- حدثنا به محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن أبي حمزة, قال: قال ابن عباس: لا تقولوا: " فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا " -فإنه ليس لله مثل- ولكن قولوا: " فإن آمنوا بالذي آمنتم به فَقد اهتدوا "- أو قال: " فإن آمنوا بما آمنتم به ".
* * * فكأن ابن عباس -في هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه- يوجِّه تأويل قراءة من قرأ: " فإن آمنُوا بمثل مَا آمنتم به "، فإن آمنوا بمثل الله, وبمثل ما أنـزل على إبراهيم وإسماعيل.
وذلك إذا صرف إلى هذا الوجه، شِركٌ لا شكَّ بالله العظيم.
لأنه لا مثل لله تعالى ذكرُه, فنؤمن أو نكفر به.
* * * ولكن تأويل ذلك على غير المعنى الذي وَجّه إليه تأويله.
وإنما معناه ما وصفنا, وهو: فإن صدّقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به -من جميع ما عددنا عليكم من كتُب الله وأنبيائه- فقد اهتدوا.
فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والإقرارين اللذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء.
كقول القائل: " مرّ عمرو بأخيك مثلَ ما مررتُ به ", يعني بذلك مرّ عمرو بأخيك مثل مُروري به.
والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين المرورين, لا بين عمرو وبين المتكلم.
فكذلك قوله: " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به "، إنما وقع التمثيل بين الإيمانين، لا بين المؤمَنِ به.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: " وإن تَوَلَّوْا "، وإن تولى -هؤلاء الذين قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى - فأعرضوا، (31) = فلم يؤمنوا بمثل إيمانكم أيّها المؤمنون بالله, وبما جاءت به الأنبياءُ, وابتُعِثت به الرسل, وفرّقوا بين رُسُل الله وبين الله ورسله, فصدّقوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ = فاعلموا، أيها المؤمنون، أنهم إنما هُمْ في عصيان وفِرَاق وحَربٍ لله ولرسوله ولكم، كما:- 2110- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد, عن سعيد، عن قتادة: " وإنما هُم في شقاق "، أي: في فراق (32) 2111- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فإنما هُمْ في شقاق "، يعني فراق.
2112- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: " وإن توَلوا فإنما هم في شقاق " قال: الشقاق: الفراقُ والمحاربة.
إذا شَاقَّ فقد حارب, وإذا حَارب فقد شاقَّ, وهما واحدٌ في كلام العرب، وقرأ: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [سورة النساء: 115].
* * * قال أبو جعفر: وأصل " الشقاق " عندنا، والله أعلم، مأخوذٌ من قول القائل: " شَقَّ عليه هذا الأمر "، إذا كرَبه وآذاه.
ثم قيل: " شاقَّ فلانٌ فلانًا "، بمعنى: نال كل واحد منهما من صاحبه ما كرَبه وآذاه، وأثقلته مَساءَته.
ومنه قول الله تعالى ذكره: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا [سورة النساء: 35] بمعنى: فراقَ بينهما.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فسيكفيكهمُ الله "، فسيكفيكَ الله يا محمد، هؤلاء الذين قالوا لَكَ ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ، من اليهود والنصارى, إنْ هم تولوْا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله, وبما أنـزل إليك, وما أنـزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأنبياء غيرهم, وفرقوا بين الله ورُسُله - إما بقتل السيف, وإما بجلاء عن جوارك, وغير ذلك من العقوبات؛ فإن الله هو " السميع " لما يقولون لك بألسنتهم، ويبدون لك بأفواههم، من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضّالة -" العليمُ" بما يُبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحَسد والبغضاء.
ففعل الله بهم ذلك عَاجلا وأنجزَ وَعْده, فكفى نبيّه صلى الله عليه وسلم بتسليطه إيّاه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجلَى بعضًا، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار.
--------- (31) انظر معنى"تولى" فيما سلف ، 2 : 162 ، 163 / ثم 298 ، 299 .
(32) الأثر : 2110- سقط من المطبوعة في إسناده : "عن سعيد" ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقر به فيما سلف : 2104 .
قوله تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم قوله تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته .
المعنى : فإن آمنوا مثل إيمانكم ، وصدقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا ، فالمماثلة وقعت بين الإيمانين ، وقيل : إن الباء زائدة مؤكدة .
وكان ابن عباس يقرأ فيما حكى الطبري : فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف ، ف مثل زائدة كما هي في قوله : ليس كمثله شيء أي ليس كهو شيء .
وقال الشاعر [ هو حميد الأرقط ] :فصيروا مثل كعصف مأكولوروى بقية حدثنا شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس قال : لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فإن الله ليس له مثل ، ولكن قولوا : بالذي آمنتم به .
تابعه علي بن نصر الجهضمي عن شعبة ، ذكره البيهقي .
والمعنى : أي فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم تفرقوا فقد اهتدوا ، وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن الدين إلى الشقاق فسيكفيكهم الله .
وحكي عن جماعة من أهل النظر قالوا : ويحتمل أن تكون الكاف في قوله : ليس كمثله شيء [ ص: 134 ] زائدة .
قال : والذي روي عن ابن عباس من نهيه عن القراءة العامة شيء ذهب إليه للمبالغة في نفي التشبيه عن الله عز وجل .
وقال ابن عطية : هذا من ابن عباس على جهة التفسير ، أي هكذا فليتأول .
وقد قيل : إن الباء بمعنى على ، والمعنى : فإن آمنوا على مثل إيمانكم .
وقيل : مثل على بابها أي بمثل المنزل ، دليله قوله : وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ، وقوله : وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم .قوله تعالى : وإن تولوا أي عن الإيمان فإنما هم في شقاق قال زيد بن أسلم : الشقاق المنازعة .
وقيل : الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي .
وأصله من الشق وهو الجانب ، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه .
قال الشاعر :إلى كم تقتل العلماء قسرا وتفجر بالشقاق وبالنفاقوقال آخر :وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاقوقيل : إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب ، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه .قوله تعالى : فسيكفيكهم الله أي فسيكفي الله رسوله عدوه .
فكان هذا وعدا من الله تعالى لنبيه عليه السلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من المتولين بمن يهديه من المؤمنين ، فأنجز له الوعد ، وكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة وإجلاء بني النضير .
والكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان .
ويجوز في غير القرآن : فسيكفيك إياهم .
وهذا الحرف فسيكفيكهم الله هو الذي وقع عليه دم عثمان حين قتل بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم إياه بذلك .
والسميع لقول كل قائل العليم بما ينفذه في عباده ويجريه عليهم .
وحكي أن أبا دلامة دخل على المنصور وعليه قلنسوة طويلة ، ودراعة مكتوب بين كتفيها فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ، وسيف معلق في وسطه ، وكان المنصور قد أمر الجند بهذا الزي ، فقال له : كيف حالك يا أبا دلامة ؟
قال : بشر يا أمير المؤمنين قال : وكيف ذاك ؟
قال : ما ظنك برجل وجهه في وسطه ، وسيفه في استه ، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره فضحك المنصور منه ، وأمر بتغيير ذلك الزي من وقته .
أي: فإن آمن أهل الكتاب { بمثل ما آمنتم به } - يا معشر المؤمنين - من جميع الرسل, وجميع الكتب, الذين أول من دخل فيهم, وأولى خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن, وأسلموا لله وحده, ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله { فَقَدِ اهْتَدَوْا } للصراط المستقيم, الموصل لجنات النعيم، أي: فلا سبيل لهم إلى الهداية, إلا بهذا الإيمان، لا كما زعموا بقولهم: " كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " فزعموا أنَّ الهداية خاصة بما كانوا عليه، و " الهدى " هو العلم بالحق, والعمل به, وضده الضلال عن العلم والضلال عن العمل بعد العلم, وهو الشقاق الذي كانوا عليه, لما تولوا وأعرضوا، فالمشاق: هو الذي يكون في شق والله ورسوله في شق، ويلزم من المشاقة المحادة, والعداوة البليغة, التي من لوازمها, بذل ما يقدرون عليه من أذية الرسول، فلهذا وعد الله رسوله, أن يكفيه إياهم, لأنه السميع لجميع الأصوات, باختلاف اللغات, على تفنن الحاجات, العليم بما بين أيديهم وما خلفهم, بالغيب والشهادة, بالظواهر والبواطن، فإذا كان كذلك, كفاك الله شرهم.
وقد أنجز الله لرسوله وعده, وسلطه عليهم حتى قتل بعضهم, وسبى بعضهم, وأجلى بعضهم, وشردهم كل مشرد.
ففيه معجزة من معجزات القرآن, وهو الإخبار بالشيء قبل وقوعه, فوقع طبق ما أخبر.
قوله تعالى : {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} أي بما آمنتم به، وكذلك كان يقرؤها ابن عباس، والمثل صلة كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} أي ليس هو كشيء، وقيل: معناه فإن آمنوا بجميع ما آمنتم به أي أتوا بإيمان كإيمانكم وتوحيد كتوحيدكم، وقيل: معناه فإن آمنوا مثل ما أمنتم به و الباء زائدة كقوله تعالى : {وهزي إليك بجذع النخلة} [25- مريم ]، وقال أبو معاذ النحوي: "معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم".
{فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق} أي في خلاف ومنازعة..
قاله ابن عباس وعطاء.
ويقال: شاق مشاقةً إذا خالف كأن كل واحد آخذ في شق غير شق صاحبه قال الله تعالى : {لا يجرمنكم شقاقي} [89- هود] أي خلافي، وقيل: في عداوة، دليله قوله تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله} [13-الأنفال] أي عادوا الله.
{فسيكفيكهم الله} يا محمد أي يكفيك شر اليهود والنصارى وقد كفى بإجلاء بني النضير، وقتل بني قريظة وضرب الجزية على اليهود و النصارى.
{وهو السميع} لأقوالهم.
{العليم} بأحوالهم .
«فإن آمنوا» أي اليهود والنصارى «بمثل» زائدة «ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا» عن الإيمان به «فإنما هم في شقاق» خلاف معكم «فسيكفيكهم الله» يا محمد شقاقهم «وهو السميع» لأقوالهم «العليم» بأحوالهم وقد كفاه إياهم بقتل قريظة، ونفي النضير وضرب الجزية عليهم.
فإنْ آمن الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم بمثل الذي آمنتم به، مما جاء به الرسول، فقد اهتدوا إلى الحق، وإن أعرضوا فإنما هم في خلاف شديد، فسيكفيك الله -أيها الرسول- شرَّهم وينصرك عليهم، وهو السميع لأقوالكم، العليم بأحوالكم.
( فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السميع العليم ) .والفاء التي صدرت بها الآية الكريمة لترتيب ما بعدها على ما قبلها .
لأن قول المؤمنين ( آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ ) إلخ .من شأنه أن يرقق القلوب الجاحدة ، ويستميل النفوس الشاردة ، لبعده عن التعصب والعناد ، لأنه الحق الذي تؤيده العقول السليمة ، وإذا لم يؤمنوا به فمرد ذلك إلى شدة عنادهم والتواء أفكارهم .وقوله تعالى : ( فَقَدِ اهتدوا ) ترغيب لهم في اتباع الحق الذي اتبعه المؤمنون ، أي : فإن آمنوا مثل إيمانكم فقد اهتدوا ورشدوا .وكلمة : ( مثل ) في الآية الكريمة معناها ، نفس الشيء وحقيقته .
المراد فإن آمنوا بنفس ما آمنتم به فقد اهتدوا ، ومنه قول العرب : " مثلك لا يبخل " ولامراد أنت لا تبخل .
ويرى بعض المفسرين أن كلمة " مثل " هنا على حقيقتها وهي الشبية والنظير ، وأن المماثلة وقعت بين الإِيمانيين ، وأنها لا تقتضي تعدد ما أمرنا الله أن نؤمن به .قال الإِمام القرطبي : " المعنى : فإن آمنوا مثل إيمانكم ، وصدقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا " .وقال ابن جرير : فإن صدقوا مثل تصديقكم بجميع ما أنزل عليكم من كتب الله وأنبيائه ، فقد اهتدوا فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والاقرارين اللذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء ، كقول القائل : ( مر عمرو بأخيك مثل ما مررت به ) يعني ذلك ( مر عمرو بأخيك مثل مروري به ) والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين المرورين لا بين عمرو وبين المتكلم ، فكذلك قوله : ( فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ ) إنما وقع التمثيل بين الإِيمانين لا بين المؤمن به " .وقوله تعالى : ( وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السميع العليم ) بيان لحالهم عند إعراضهم ، عن دعوة الحق ، ووعد من الله - تعالى - للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنصر عليهم ، والعصمة من شرورهم .والشقاق : المنازعة والمخالفة وأصله من الشق سوهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه .وقيل : إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه .والمعنى : وإن أعرض هؤلاء الذين زعموا أن الهداية ميلهم عن الإِيمان الذي تدعوهم إليه - يا محمد - فاعلم أن إعراضهم سببه المخالفة والمعاندة والمعاداة إذ لا حجة أوضح من حجتك ، وما داموا هم كذلك فسيقيك الله شرهم ، وينصرك عليهم ، فهو سميع لما يقولونه فيك ، عليه بما يبيتونه لك ولأتباعك من مكر وكيد ، وهو الكفيل بكف بأسهم ، وقطع دابرهم .وعبر - سبحانه - عن شدة مخالفتهم بقوله : " فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ " مبالغة في وصفهم بالشقاق حيث جعله مستوليا عليهم استيلاء الظرف على ما يوضع فيه .ورتب قوله : ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ) على قوله ( فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ) تثبيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن إعلامهم أن أهل الكتاب في مخالفة ومعاداة لهم قد يحملهم على الخوف منهم بسبب كثرتهم وقوتهم ، فبشر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم مهما بلغت قوتهم فلن يستطيعوا أن يصلوا إليك بأذى .
وأنه - سبحانه - سيكفيك شرهم .وقد أوفى الله - تعالى - بوعده ، فنصر نبيه صلى الله عليه وسلم وعصمه من كيدهم بإلقاء العداوة بينهم وطرد من يستحق الطرد منهم ، وقتل من لا بد من قتله بسبب خيانته وغيدره .
فالآية الكريمة قد تضمنت وعداً للمؤمنين بالنصر ، ووعيداً لليهود ومن على شاكلتهم بالهزيمة والخيبة .
اعلم أنه تعالى لما بين الطريق الواضح في الدين، وهو أن يعترف الإنسان بنبوة من قامت الدلالة على نبوته، وأن يحترز في ذلك عن المناقضة: رغبهم في مثل هذا الإيمان فقال: ﴿ فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا ﴾ .
من وجوه: أحدها: أن المقصود منه التثبيت والمعنى: إن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد فقد اهتدوا، لما استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه: هذا هو الرأي والصواب فإن كان عندك رأى أصوب منه فاعمل به وقد علمت أن لا أصوب من رأيك ولكنك تريد تثبيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه، وإنما قلنا: إنه يستحيل أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد لأن هذا الدين مبناه على أن كل من ظهر عليه المعجز وجب الاعتراف بنبوته، وكل ما غاير هذا الدين لابد وأن يشتمل على المناقضة، والمتناقض يستحيل أن يكون مساوياً لغير المتناقض في السداد والصحة.
وثانيها: أن المثل صلة في الكلام قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ أي ليس كهو شيء، وقال الشاعر: وصاليات ككما يؤثفين، وكانت أم الأحنف ترقصه وتقول: والله لولا حنف برجله *** ودقة في ساقه من هزله ما كان منكم أحد كمثله *** وثالثها: أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا بمثل ذلك وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف فقد اهتدوا لأنهم يتصلون به إلى معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ورابعها: أن يكون قوله: ﴿ فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ ﴾ أي فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين فقد اهتدوا، فالتمثيل في الآية بين الإيمانين والتصديقين، وروى محمد بن جرير الطبري أن ابن عباس قال: لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فليس لله مثل ولكن قولوا فإن آمنوا بالذي آمنتم به، قال القاضي: لا وجه لترك القراءة المتواترة من حيث يشكل المعنى ويلبس لأن ذلك إن جعله المرء مذهباً لزمه أن يغير تلاوة كل الآيات المتشابهات وذلك محظور والوجه الأول في الجواب هو المعتمد.
أما قوله: ﴿ فَقَدِ اهتدوا ﴾ فالمراد فقد عملوا بما هدوا إليه وقبلوه، ومن هذا حاله يكون ولياً لله داخلاً في أهل رضوانه، فالآية تدل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا على الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عنها وبين وجوه دلالتها، ثم بين على وجه الزجر ما يلحقهم إن تولوا فقال: ﴿ وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ وفي الشقاق بحثان: البحث الأول: قال بعض أهل اللغة: الشقاق مأخذو من الشق، كأنه صار في شق غير شق صاحبه بسبب العداوة وقد شق عصا المسلمين إذا فرق جماعتهم وفارقها، ونظيره: المحادة وهي أن يكون هذا في حد وذاك في حد آخر، والتعادي مثله لأن هذا يكون في عدوة وذاك في عدوة، والمجانبة أن يكون هذا في جانب وذاك في جانب آخر وقال آخرون: إنه من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي فراق بينهما في الاختلاف حتى يشق أحدهما على الآخر.
البحث الثاني: قوله: ﴿ وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ أي إن تركوا مثل هذا الإيمان فقد التزموا المناقضة والعاقل لا يلتزم المناقضة ألبتة فحيث التزموها علمنا أنه ليس غرضهم طلب الدين والانقياد للحق وإنما غرضهم المنازعة وإظهار العداوة ثم للمفسرين عبارات.
أولها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ في خلاف مذ فارقوا الحق وتمسكوا بالباطل فصاروا مخالفين لله.
وثانيها: قال أبو عبيدة ومقاتل في شقاق.
أي في ضلال.
وثالثها: قال ابن زيد في منازعة ومحاربة.
ورابعها: قال الحسن في عداوة قال القاضي: ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا تكون معصية أنه شقاق وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنه وفي استحقاق النار فصار هذا القول وعيداً منه تعالى لهم وصار وصفهم بذلك دليلاً على أن القوم معادون للرسول مضمرون له السؤال مترصدون لإيقاعه في المحن، فعند هذا آمنه الله تعالى من كيدهم وآمن المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ﴾ تقوية لقلبه وقلب المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به قال المتكلمون: هذا أخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدقة وإنما قلنا إنه إخبار عن الغيب وذلك لأنا وجدنا مخبر هذا القول على ما أخبر به لأنه تعالى كفاه شر اليهود والنصارى ونصره عليهم حتى غلبهم المسلمون وأخذوا ديارهم وأموالهم فصاروا أذلاء في أيديهم يؤدون إليهم الخراج والجزية أو لا يقدرون ألبتة على التخلص من أيديهم وإنما قلنا: إنه معجز لأنه المتخرص لا يصيب في مثل ذلك على التفصيل، قال الملحدون: لا نسلم أن هذا معجز وذلك لأن المعجز هو الذي يكون ناقضاً للعادة، وقد جرت العادة بأن كل من كان مبتلى بإيذاء غيره فإنه يقال له: اصبر فإن الله يكفيك شره، ثم قد يقع ذلك تارة ولا يقع أخرى، وإذا كان هذا معتاداً فكيف يقال: إنه معجز وأيضاً لعله توصل إلى ذلك برؤيا رآها، وذلك مما لاسبيل إلى دفعه، فإن المنجمين يقولون: من كان سهم الغيب في طالعه فإنه يأتي بمثل هذه الأخبار وإن لم يكن نبياً.
والجواب: أنه ليس غرضنا من قولنا أنه معجز أن هذا الإخبار وحده معجز، بل غرضنا أن القرآن يشتمل على كثير من هذا النوع، والإخبار عن الأشياء الكثيرة على سبيل التفصيل مما لا يتأتى من المتخرص الكاذب.
ثم إنه تعالى لما وعده بالنصرة والمعونة أتبعه بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من هذا الأمر لا يخفى عليه تعالى فقال: ﴿ وَهُوَ السميع العليم ﴾ وفيه وجهان.
الأول: أنه وعيد لهم والمعنى أنه يدرك ما يضمرون ويقولون وهو عليم بكل شيء فلا يجوز لهم أن يقع منهم أمر إلا وهو قادر على كفايته إياهم فيه.
الثاني: أنه وعد للرسول عليه السلام يعني: يسمع دعاءك ويعلم نيتك وهو يستجيب لك ويوصلك إلى مرادك، واحتج الأصحاب بقوله: ﴿ وَهُوَ السميع العليم ﴾ على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات لأن قوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بناء مبالغة فيتناول كونه عالماً بجميع المعلومات، فلو كان كونه سميعاً عبارة عن علمه بالمسموعات لزم التكرار وأنه غير جائز، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعاً أمراً زائداً على وصفه بكونه عليماً والله أعلم بالصواب.
أما قوله: ﴿ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ ﴾ ففيه إشكال وهو أن الذي آمن به المؤمنون ليس له مثل، وجوابه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقُولُواْ ﴾ خطاب للمؤمنين.
ويجوز أن يكون خطابً للكافرين، أي وقولوا لتكونوا على الحق، وإلا فأنتم على الباطل وكذلك قوله: ﴿ بَلْ مِلَّةَ إبراهم ﴾ يجوز أن يكون على: بل اتبعوا أنتم ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته.
والسبط: الحافد.
وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَالاسْبَاطِ ﴾ حفدة يعقوب ذراريّ أبنائه الاثني عشر ﴿ لا نفرق بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ ﴾ لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى.
و ﴿ أَحَدٍ ﴾ في معنى الجماعة.
ولذلك صحّ دخول ﴿ بَيْنَ ﴾ عليه.
﴿ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ ﴾ من باب التبكيت، لأن دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 185] فلا يوجد إذاً دين آخر يماثل دين الإسلام في كونه حقاً، حتى إن آمنوا بذلك الدين المماثل له كانوا مهتدين، فقيل: فإن آمنوا بكلمة الشك على سبيل الفرض والتقدير، أي: فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم مساوياً له في الصحة والسداد فقد اهتدوا.
وفيه أنّ دينهم الذي هم عليه وكل دين سواه مغاير له غير مماثل، لأنه حق وهدى وما سواه باطل وضلال.
ونحو هذا قولك للرجل الذي تشير عليه: هذا هو الرأي الصواب، فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به، وقد علمت أن لا أصوب من رأيك.
ولكنك تريد تبكيت صاحبك، وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه.
ويجوز أن لا تكون الباء صلة وتكون باء الاستعانة، كقولك: كتبت بالقلم، وعملت بالقدوم أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها.
وقرأ ابن عباس وابن مسعود: ﴿ بما آمنتم به ﴾ وقرأ أبيّ: ﴿ بالذي آمنتم به ﴾ ﴿ وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ ﴾ عما تقولون لهم ولم ينصفوا فما هم إلا ﴿ فِى شِقَاقٍ ﴾ أي في مناوأة ومعاندة لا غير، وليسوا من طلب الحق في شيء.
أو: وإن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ﴾ ضمان من الله لإظهار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير.
ومعنى السين أنّ ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين ﴿ وَهُوَ السميع العليم ﴾ وعيد لهم، أي يسمع ما ينطقون به، ويعلم ما يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه.
أو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى: يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق، وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ مِن بابِ التَّعْجِيزِ والتَّبْكِيتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ﴾ إذْ لا مِثْلَ لِما آمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ، ولا دِينَ كَدِينِ الإسْلامِ.
وقِيلَ: الباءُ لِلْآلَةِ دُونَ التَّعْدِيَةِ، والمَعْنى إنْ تَحَرَّوُا الإيمانَ بِطَرِيقٍ يَهْدِي إلى الحَقِّ مِثْلَ طَرِيقِكُمْ، فَإنَّ وحْدَةَ المَقْصِدِ لا تَأْبى تَعَدُّدَ الطُّرُقِ، أوْ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ﴾ .
والمَعْنى فَإنْ آمَنُوا بِاللَّهِ إيمانًا مِثْلَ إيمانِكم بِهِ، أوِ المِثْلُ مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ﴾ أيْ عَلَيْهِ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِما آمَنتُمْ بِهِ أوْ بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ ﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ ﴾ أيْ إنْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ، أوْ عَمّا تَقُولُونَ لَهم فَما هم إلّا في شِقاقِ الحَقِّ، وهو المُناوَأةُ والمُخالَفَةُ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَخالِفِينَ في شِقٍّ غَيْرَ شِقٍّ الآخَرِ ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ تَسْلِيَةٌ وتَسْكِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووَعْدٌ لَهم بِالحِفْظِ والنُّصْرَةِ عَلى مَن ناوَأهم ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ إمّا مِن تَمامِ الوَعْدِ، بِمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ أقْوالَكم ويَعْلَمُ إخْلاصَكم وهو مُجازِيكم لا مَحالَةَ، أوْ وعِيدٌ لِلْمُعْرِضِينَ، بِمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ ما يُبْدُونَ ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وهو مُعاقِبُهم عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{فإن آمنوا بمثل ما آمنتم بِهِ فَقَدِ اهتدوا} ظاهر الآية مشكل لأنه يوجب أن يكون الله تعالى مثل وتعالى عن ذلك فقيل الباء زائدة ومثل صفة مصدر محذوف تقديره فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم والهاء يعود إلى الله عز وجل وزيادة الباء غير عزيز قال الله تعالى والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها والتقدير جزاء سيئة مثلها كقوله في الآية الاخرى وجزاء سيئة سيئة مثلها وقيل المثل زيادة أي فإن آمنوا بما آمنتم به يؤيده قراءة ابن مسعود رضى الله عنه بما آمنتم به وما بمعنى الذي بدليل قراءة أبي بالذي آمنتم به وقيل الباء للاستعانة كقولك كتبت بالقلم أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها {وإن تَوَلَّوْا} عما تقولون لهم ولم ينصفوا أو إن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها {فإنّما هم في شقاقٍ} أي فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء {فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله} ضمان من الله لإظهار رسوله عليهم وقد أنجز وعده بقتل بعضهم وإجلاء بعضهم ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين {وَهُوَ السميع} لما ينطقون به {العليم} بما يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه فهو وعيد لهم أو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أى بسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك
﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُولُوا آمَنّا ﴾ إلَخْ، أوْ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ إلَخْ، وإنْ لِمُجَرَّدِ الفَرْضِ، والكَلامُ مِن بابِ الِاسْتِدْراجِ وإرْخاءِ العِنانِ مَعَ الخَصْمِ حَيْثُ يُرادُ تَبْكِيتُهُ، وهو مِمّا تَتَراكَضُ فِيهِ خُيُولُ المُناظِرِينَ، فَلا بَأْسَ بِحَمْلِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، يَعْنِي: نَحْنُ لا نَقُولُ: إنَّنا عَلى الحَقِّ وأنْتُمْ عَلى الباطِلِ، ولَكِنْ إنْ حَصَّلْتُمْ شَيْئًا مُساوِيًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ أوِ التَّدَيُّنُ بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَيْتُمْ، ومَقْصُودُنا هِدايَتُكم كَيْفَما كانَتْ، والخَصْمُ إذا نَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ في هَذا الكَلامِ، وتَفَكَّرَ فِيهِ عَلِمَ أنَّ الحَقَّ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ لا غَيْرُ، إذْ لا مِثْلَ لِما آمَنُوا بِهِ، وهو ذاتُهُ تَعالى، وكُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلى أنْبِيائِهِ، ولا دِينَ كَدِينِهِمْ، (فَآمَنُوا) مُتَعَدِّيَةٌ بِالباءِ، ومِثْلٌ عَلى ظاهِرِها، وقِيلَ: آمَنُوا جارٍ مَجْرى اللّازِمِ، والباءُ إمّا لِلِاسْتِعانَةِ والآلَةِ، والمَعْنى: إنْ دَخَلُوا في الإيمانِ بِواسِطَةِ شَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكم قَوْلًا واعْتِقادًا فَقَدِ اهْتَدَوْا، أوْ فَإنْ تَحَرَّوُا الإيمانَ بِطَرِيقٍ يَهْدِي إلى الحَقِّ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ، فَإنَّ وحْدَةَ المَقْصِدِ لا تَأْبى تَعَدُّدَ الطُّرُقِ، كَما قِيلَ: الطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ، والمَقامُ مَقامُ تَعْيِينِ الدِّينِ الحَقِّ لا مَقامُ تَعْيِينِ شَخْصِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ لِيَأْتِيَ هَذا التَّوْجِيهُ، وإمّا زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ (بِهِ) لِلَّهِ، أوْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ إلَخْ، بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أوْ لِلْقُرْآنِ، أوْ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِما ذُكِرَ مِثْلَ إيمانِكم بِهِ، وإمّا لِلْمُلابَسَةِ أيْ فَآمَنُوا مُتَلَبِّسِينَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ، أوْ فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مُتَلَبِّسًا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ إيمانًا مُتَلَبِّسًا بِهِ، مِنَ الإذْعانِ والإخْلاصِ، وعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المَثَلُ مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ﴾ أيْ عَلَيْهِ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ، (بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ)، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ (بِما آمَنتُمْ بِهِ)، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: اقْرَءُوا ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلَّهِ تَعالى مِثْلٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ أنْكَرَ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ، وخَفِيَ عَلَيْهِ مَعْناها، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُمْكِنُ الِاسْتِغْناءُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: فَإنْ آمَنَ اليَهُودُ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ كَمُؤْمِنِيهِمْ قَبْلَ التَّحْرِيفِ فَإنَّهم آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنَ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّ فِيما أُوتِيَ بِهِ النَّبِيُّونَ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْلَهُ، إلّا أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ يَقْتَضِي إبْقاءَ صِيغَةِ الماضِي عَلى مَعْناها كَما في قَوْلِهِمْ: إنْ أكْرَمَتْنِي فَقَدْ أكْرَمْتُكَ، فَتَأمَّلِ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ لا يَتَصَوَّرُ فِيهِ التَّعَدُّدَ، وإبْقاءُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، والِاسْتِغْناءُ عَنْ جَمِيعِ ما ذُكِرَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ ذَلِكَ التَّعَدُّدِ المُحالِ، فَماذا عَسى يَنْفَعُ هَذا سِوى تَكْثِيرِ القِيلِ والقالِ، وتَوْسِيعِ دائِرَةِ النِّزاعِ، والجِدالِ، فَتَدَبَّرْ.
﴿ وإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ المَأْمُورِ بِهِ، أوْ عَنْ قَوْلِكم في جَوابِ قَوْلِهِمْ ﴿ فَإنَّما هم في شِقاقٍ ﴾ أيْ مُخالَفَةٍ لِلَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ مُنازَعَةٍ ومُحارَبَةٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ عَداوَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِ الشِّقاقِ فَقِيلَ: مِنَ الشِّقِّ، أيِ الجانِبِ، وقِيلَ: مِنَ الشُّقَّةِ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَقَّ العَصا إذا أظْهَرَ العَداوَةَ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ إمّا عَلى أنَّ المُرادَ مُشاقَّتُهُمُ الحادِثَةُ بَعْدَ تَوَلِّيهِمْ عَنِ الإيمانِ، وأُوثِرَتِ الِاسْمِيَّةُ لِلدِّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ، واسْتِقْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ، وإمّا بِتَأْوِيلِ فاعْلَمُوا.
﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَفْرِيحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِوَعْدِ النَّصْرِ والغَلَبَةِ، وضَمانِ التَّأْيِيدِ والإعْزازِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِلسِّينِ الدّالَّةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ البَتَّةَ، أوْ لِلتَّذْيِيلِ الآتِي حَيْثُ إنَّ السِّينَ في المَشْهُورِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ التَّنْفِيسِ عَقِبَ ذِكْرِ ما يُؤَدِّي إلى الجِدالِ والقِتالِ، والمُرادُ: سَيَكْفِيكَ كَيْدَهُمْ، وشِقاقَهم لِأنَّ الكِفايَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ، بَلْ بِالأفْعالِ، وتَلْوِينُ الخِطابِ بِتَجْرِيدِهِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أنْجَزَ وعْدَهُ الكَرِيمَ بِما هو كِفايَةٌ لِلْكُلِّ مِن قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وسَبْيِهِمْ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ لِما أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الأصْلُ والعُمْدَةُ في ذَلِكَ، وهو سِلْكُ حَبّاتِ أفْئِدَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَطْمَحُ نَظَرِ كَيْدِ الكافِرِينَ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ القِيامَ بِأُمُورِ الحُرُوبِ، وتَحَمُّلَ المَشاقِّ، ومُقاساةَ الشَّدائِدِ في مُناهَضَةِ الأعْداءِ مِن وظائِفِ الرُّؤَساءِ، فَنِعْمَتُهُ تَعالى في الكِفايَةِ، والنُّصْرَةِ في حَقِّهِ أتَمُّ وأكْمَلُ، ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ، أيْ هو السَّمِيعُ لِما تَدْعُو بِهِ، العَلِيمُ بِما في نِيَّتِكَ مِن إظْهارِ دِينِهِ، فَيَسْتَجِيبُ لَكَ، ويُوصِلُكَ إلى مُرادِكَ، أوْ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ بِمَعْنى يَسْمَعُ ما يُبْدُونَ، ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وهو مُعاقِبُهم عَلَيْهِ، وفِيهِ أيْضًا تَأْكِيدُ الوَعْدِ السّابِقِ، فَإنَّ وعِيدَ الكَفَرَةِ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، <div class="verse-tafsir"
فعلمهم الله عز وجل بقوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ، أي صدقنا بأنه واحد لا شريك له.
وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا، يقول: صدقنا بما أنزل إلينا، أي بما أنزل على نبينا من القرآن وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ، يقول صدقنا بما أنزل على إبراهيم من الصحف.
وَما أنزل إلى إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم أولاد يعقوب، كان له اثنا عشر ابناً، فصار أولاد كل واحد منهم سبطاً، والسبط بلغتهم بمنزلة القبيلة للعرب.
وإنما أنزل على أنبيائهم وكانوا يعملون به، فأضاف إليهم، كما أنه أنزل على محمد فأضاف إلى أمته فقال: وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا فكذلك الأسباط أنزل على أنبيائهم فأضاف إليهم، لأنهم كانوا يعملون به.
ثم قال تعالى: وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى، يعني التوراة والإنجيل.
وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، يعني وما أنزل على الأنبياء من الله تعالى وقد آمنا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أي من رسله كما فرقت اليهود والنصارى، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، أي مخلصون له بالتوحيد.
ثم قال تعالى للمؤمنين فَإِنْ آمَنُوا، يعني اليهود والنصارى بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ، يعني به يا أصحاب محمد ، فَقَدِ اهْتَدَوْا من الضلالة.
وَإِنْ تَوَلَّوْا، أي: أعرضوا عن الإيمان بمحمد وبجميع الأنبياء- عليهم السلام- فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، يقول إنهم في خلاف من الدين.
ويقال: في ضلال.
والشقاق في اللغة: له ثلاثة معان، أحدها: العداوة مثل قوله تعالى: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي [هود: 89] ، والثاني: الخلاف مثل قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما [النساء: 35] ، والثالث: الضلالة مثل قوله: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [الحج: 53] ، فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، أي يدفع الله عنكم مؤنتهم.
وقال الزجاج: هذا ضمان من الله تعالى النصر لنبيه، أنه سيكفيه إياهم بإظهاره على كل دين سواه، كقوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: 21] يعني أن عاقبة الأمر كانت لهم.
قال مقاتل: يعني قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير.
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بقولهم للمؤمنين حيث قالوا: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، العليم بعقوبتهم.
ثم فضل دين محمد على كل دين فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)
وقوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ...
الآية، يعني بالأُمَّةِ الأنبياءَ المذكورينَ، والمخاطَبُ في هذه الآية اليهودُ والنصارى، وقولهم: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا نظير قولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: ١١١] ، والحنيف في الدين: الذي مال عن الأديان المكروهة إِلى الحقِّ، ويجيء الحنيفُ في الدين بمعنى المستقيمِ على جميع طاعاتِ اللَّهِ.
قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية: هذا الخطاب لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا: يعني القرآن، والْأَسْباطِ هم ولَدُ يعقوبَ، وهم: رُوبِيل، وشَمْعُون، ولاَوي، ويَهُوذَا، وريالُون، ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خَلَف على أختها رَاحِيل، فولَدَتْ له يوسُفَ، وبِنْ يَامِين، ووُلِدَ له من سُرِّيَّتَيْنِ:
ذان، وتفثالا، وجاد، واشر.
والسِّبْطُ في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسُمُّوا الأسباط لأنه كان من كل واحدٍ منهم سبط.
ولا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أي: لا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض كما تفعلون، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ، أيْ: فإن صَدَّقوا تصديقاً مثْلَ تصديقكم، فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا، أي: أعرضوا، يعني: اليهودَ والنصارى، فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، أي: في مشاقَّةٍ ومخالفةٍ لَكَ، هم في شِقٍّ، وأنت في شِقٍّ، وقيل: شَاقَّ معناه: شَقَّ كل واحدٍ وصل ما بينَه وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إِياهم، ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قَتْل بني قَيْنُقَاعَ، وبني قريظة، وإِجلاء النَّضِير.
وهذا الوَعْدُ وانتجازه من أعلام نبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم.
والسَّمِيعُ لقول كل قائل، والْعَلِيمُ بما ينفذه في عباده، وصِبْغَةَ اللَّهِ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي: أهْلَ الكِتابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: مِثْلُ إيمانِكم، فَزِيدَتِ الباءُ لِلتَّوْكِيدِ، كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ .
قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ هاهُنا: الكِتابُ، وتَقْدِيرُهُ: فَإنْ آَمَنُوا بِكِتابِكم كَما آَمَنتُمْ بِكِتابِهِمْ، قالَهُ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ المَثَلَ هاهُنا: صِلَةٌ، والمَعْنى، فَإنْ آَمَنُوا بِما آَمَنتُمْ بِهِ.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
أيْ: لَيْسَ كَهُوٍ شَيْءٌ وأنْشَدُوا: يا عاذِلِي دَعْنِي مِن عَذْلِكا مِثْلِي لا يَقْبَلُ مِن مِثْلِكا أيْ: أنا لا أقْبَلُ مِنكَ، فَأمّا الشِّقاقُ؛ فَهو المُشاقَّةُ والعَداوَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانٌ قَدْ شَقَّ عَصا المُسْلِمِينَ، يُرِيدُونَ: فارَقَ ما اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ إمامِهِمْ، فَكَأنَّهُ صارَ في شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ هَذا ضَمانٌ لِنَصْرِ النَّبِيِّ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ صِبْغَةَ اللهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةَ ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ﴾ هَذا الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، عَلَّمَهُمُ اللهُ الإيمانَ.
﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْنا ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وصَحَّتْ إضافَةُ الإنْزالِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هُمُ المَأْمُورُونَ والمَنهِيُّونَ فِيهِ.
و( إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ) يَجْمَعانِ "بَراهِيمَ وسَماعِيلَ"، هَذا هو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ.
وقالَ قَوْمٌ: "بَراهِمُ وسَماعِلُ"، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "بَراهِمَةُ وسَماعِلَةُ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "أبارِهُ وأسامِعُ"، وأجازَ ثَعْلَبٌ "بَرّاهُ"، كَما يُقالُ في التَصْغِيرِ "بِرَيِّهِ".
و"الأسْباطِ" هم وُلَدُ يَعْقُوبَ، وهُمْ: رُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ورَبالُونُ، ويَشْحُرُ، ودَنِيَّةُ بِنْتُهُ، وأُمُّهم لِيّا، ثُمَّ خَلَّفَ عَلى أُخْتِها راحِيلُ فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ، وبِنْيامِينُ، ووُلِدَ لَهُ مِن سَرِيَّتَيْنِ، ذانُ، وتَفْتالِي، وجادُ، وأشْرُو.
والسِبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، فَسُمُّوا الأسْباطَ لِأنَّهُ كانَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم سِبْطٌ.
﴿ وَما أُوتِيَ مُوسى ﴾ هو التَوْراةُ وآياتُهُ، و( ما أُوتِيَ عِيسى ) هو الإنْجِيلُ وآياتُهُ، فالمَعْنى: إنّا نُؤْمِنُ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ لِأنَّ جَمِيعَهم جاءَ بِالإيمانِ بِاللهِ، فَدِينُ اللهِ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُ الشَرائِعِ، و ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ أيْ: لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَما تَفْعَلُونَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وبَيْنَ نَظِيرِهِ، فاخْتُصِرَ لِفَهْمِ السامِعِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ ﴾ الآيَةُ.
خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتُهُ، والمَعْنى: إنْ صَدَّقُوا تَصْدِيقًا مِثْلَ تَصْدِيقِكُمْ، فالمُماثَلَةُ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ.
وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، والتَقْدِيرُ آمَنُوا مِثْلُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ كالضَمِيرِ في "لَهُ"، فَكَأنَّ الكَلامَ: فَإنْ آمَنُوا بِاللهِ مِثْلَ ما آمَنتُمْ بِهِ.
ويَظْهَرُ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى "ما".
وقِيلَ: "مِثْلِ" زائِدَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن مَجازِ الكَلامِ، تَقُولُ: هَذا أمْرٌ لا يَفْعَلُهُ مِثْلُكَ، أيْ لا تَفْعَلُهُ أنْتَ، فالمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَكاهُ عنهُ الطَبَرِيُّ قِراءَةً، ثُمَّ أُسْنِدَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ، فَإنَّهُ لا مَثَلَ لِلَّهِ تَعالى، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ أو بِما آمَنتُمْ بِهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ، أيْ هَكَذا فَلْيَتَأوَّلْ، وَحَكاهُما أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قِراءَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فاللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا، يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ والنَصارى، والشِقاقُ: المُشاقَّةُ والمُحادَّةُ والمُخالَفَةُ، أيْ في شِقاقٍ لَكَ هم في شِقٍّ وأنْتَ في شِقٍّ، وقِيلَ: الشِقاقُ مَعْناهُ شَقَّ كُلُّ واحِدٍ وصَلَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ سَيَكْفِيهِ إيّاهُمْ، ويُغَلِّبُهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ في قَتْلِ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ النَضِيرِ، وهَذا الوَعْدُ وانْتِجازُهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ .
و"السَمِيعُ" لِقَوْلِ كُلِّ قائِلٍ، "العَلِيمُ" بِما يَجِبُ أنْ يَنْفُذَ في عِبادِهِ.
و ﴿ صِبْغَةَ اللهِ ﴾ شَرِيعَتُهُ وسُنَّتُهُ وفِطْرَتُهُ، وذَلِكَ أنَّ النَصارى لَهم ماءٌ يَصْبُغُونَ فِيهِ أولادَهُمْ، فَهَذا يَنْظُرُ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: سُمِّيَ الدِينُ "صِبْغَةً" اسْتِعارَةٌ مِن حَيْثُ تَظْهَرُ أعْمالُهُ وسَمْتُهُ عَلى المُتَدَيِّنِ كَما يَظْهَرُ الصَبْغُ في الثَوْبِ وغَيْرِهِ.
ونَصْبُ الصِبْغَةِ عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "مِلَّةَ"، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ هو في مَعْنى يَلْبَسُونَ أو يَتَجَلَّلُونَ صِبْغَةَ اللهِ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ ونَحْنُ لَهُ: مُسْلِمُونَ صِبْغَةُ اللهِ، فَهي مُتَّصِلَةٌ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "مَن قَرَأ بِرَفْعِ "مِلَّةَ" قَرَأ بِرَفْعِ "صِبْغَةَ" ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ذَكَرْتُها عَنِ الأعْرَجِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ.
<div class="verse-tafsir"
كلام معترض بين قوله: ﴿ قولوا آمنا بالله ﴾ [البقرة: 136] وقوله: ﴿ صبغة الله ﴾ [البقرة: 138] والفاء للتفريع ودخول الفاء في الاعتراض وارد في الكلام كثيراً وإن تردد فيه بعض النحاة والتفريع على قوله: ﴿ قولوا آمنا بالله ﴾ والمراد من القول أن يكون إعلاناً أي أعلنوا دينكم واجهروا بالدعوة إليه فإن اتبعكم الذين قالوا: ﴿ كونوا هوداً أو نصارى ﴾ [البقرة: 135] فإيمانهم اهتداء وليسوا قبل ذلك على هدى خلافاً لزعمهم أنهم عليه من قولهم: ﴿ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ فدل مفهوم الشرط على أنهم ليسوا على هدى ما داموا غير مؤمنين بالإسلام.
وجاء الشرط هنا بحرف (إن) المفيدة للشك في حصول شرطها إيذاناً بأن إيمانهم غير مرجو.
والباء في قوله: ﴿ بمثل ما آمنتم به ﴾ للملابسة وليست للتعدية أي إيماناً مماثلاً لإيمانكم، فالمماثلة بمعنى المساواة في العقيدة والمشابهة فيها باعتبار أصحاب العقيدة وليست مشابهة معتبراً فيها تعدد الأديان لأن ذلك ينبو عنه السياق، وقيل لفظ مثل زائد، وقيل الباء للآلة والاستعانة، وقيل: الباء زائدة، وكلها وجوه متكلفة.
وقوله: ﴿ وإن تولوا فإنما هم في شقاق ﴾ أي فقد تبين أنهم ليسوا طالبي هدى ولا حق إذ لا أبين من دعوتكم إياهم ولا إنصاف أظهر من هذه الحجة.
والشقاق شدة المخالفة، مشتق من الشق بفتح الشين وهو الفلق وتفريق الجسم، وجيء بفي للدلالة على تمكن الشقاق منهم حتى كأنه ظرف محيط بهم.
والإتيان بإن هنا مع أن توليهم هو المظنون بهم لمجرد المشاكلة لقوله: ﴿ فإن آمنوا ﴾ .
وفرع قوله: ﴿ سيكفيكهم الله ﴾ على قوله: ﴿ فإنما هم في شقاق ﴾ تثبيتاً للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن إعلامه بأن هؤلاء في شقاق مع ما هو معروف من كثرتهم وقوة أنصارهم مما قد يتحرج له السامع فوعده الله بأنه يكفيه شرهم الحاصل من توليهم.
والسين حرف يمحض المضارع للاستقبال فهو مختص بالدخول على المضارع وهو كحرف سوف والأصح أنه لا فرق بينهما في سوى زمان الاستقبال.
وقيل إن سوف أوسع مدى واشتهر هذا عند الجماهير فصاروا يقولون سوّفه إذا ماطل الوفاء بالآخر، وأحسب أنه لا محيص من التفرقة بين السين وسوف في الاستقبال ليكون لموقع أحدهما دون الآخر في الكلام البليغ خصوصية ثم إن كليهما إذا جاء في سياق الوعد أفاد تخفيف الوعد ومنه قوله تعالى: ﴿ قال سأستغفر لك ربي ﴾ [مريم: 47] فالسين هنا لتحقيق وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يكفيه سوء شقاقهم.
ومعنى كفايتهم كفاية شرهم وشقاقهم فإنهم كانوا أهل تعصب لدينهم وكانوا معتضدين بأتباع وأنصار وخاصة النصارى منهم، وكفاية النبيء كفاية لأمته لأنه ما جاء لشيء ينفع ذاته.
﴿ وهو السميع العليم ﴾ أي السميع لأذاهم بالقول العليم بضمائرهم أي اطمئن بأن الله كافيك ما تتوجس من شرهم وأذاهم بكثرتهم، وفي قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ وعد ووعيد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ لِلْإيمانِ مِثْلٌ لا يَكُونُ إيمانًا؟
قِيلَ: مَعْنى الكَلامِ: فَإنْ آمَنُوا مِثْلَ إيمانِكُمْ، وصَدَّقُوا مِثْلَ تَصْدِيقِكم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وهَذا هو مَعْنى القِراءَةِ وإنْ خالَفَ المُصْحَفَ.
﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ ﴾ يَعْنِي في مَشاقَّةٍ وعَداوَةٍ، وأصْلُ الشِّقاقِ البُعْدُ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ أخَذَ فُلانٌ في شِقٍّ، وفُلانٌ في شِقٍّ آخَرَ، إذا تَباعَدُوا.
وَكَذَلِكَ قِيلَ لِلْخارِجِ عَنِ الجَماعَةِ، قَدْ شَقَّ عَصا المُسْلِمِينَ لِبُعْدِهِ عَنْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ دِينُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في ماءٍ لَهُمْ، ويَقُولُونَ هَذا تَطْهِيرٌ لَهم كالخِتانِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِأنْ قالَ: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ أيْ صِبْغَةُ اللَّهِ أحْسَنُ صِبْغَةٍ، وهي الإسْلامُ.
والثّانِي: أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ، هي خِلْقَةُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
فَإنْ كانَتِ الصِّبْغَةُ هي الدِّينَ، فَإنَّما سُمِّيَ الدِّينُ صِبْغَةً، لِظُهُورِهِ عَلى صاحِبِهِ، كَظُهُورِ الصِّبْغِ عَلى الثَّوْبِ، وإنْ كانَتْ هي الخِلْقَةَ فَلِإحْداثِهِ كَإحْداثِ اللَّوْنِ عَلى الثَّوْبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: لا تقولوا ﴿ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ﴾ فإن الله لا مثل له، ولكن قولوا: فإن آمنوا بالذي آمنتم به.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف والخطيب في تاريخه عن أبي جمرة قال: كان ابن عباس يقرأ ﴿ فإن آمنوا بالذي آمنتم به ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ فإنما هم في شقاق ﴾ قال: فراق.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: كنت قاعداً إذ أقبل عثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة، فتقع قطرة من دمك على ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ » قال الذهبي في مختصر المستدرك: هذا كذب بحت، وفي إسناده أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي، وهو المتهم به.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف وأبو القاسم بن بشران في أماليه وأبو نعيم في المعرفة وابن عساكر عن أبي سعيد مولى بني أسد قال: لما دخل المصريون على عثمان والمصحف بين يديه فضربوه بالسيف على يديه، فجرى الدم على ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ فمد يده وقال: والله لإِنها أوّل يد خطت المفصل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن نافع بن أبي نعيم قال: أرسل إلي بعض الخلفاء بمصحف عثمان بن عفان فقلت له: إن الناس يقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية.
وقد تقدم.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عمرة بنت أرطاة العدوية قال: خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة ورأينا المصحف الذي قتل وهو في حجره، وكانت أوّل قطرة من دمه على هذه الآية ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ قالت عمرة: فما مات منهم رجل سوياً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ قال الزجاج: تأويل هذا: إن أتوا بتصديقٍ مثل تصديقكم (١) ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ .
وقال أبو معاذ النحوي (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ، قيل: ليس كهو شيء (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ أي: فقد صاروا مسلمين (٧) ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ أي: خلاف وعداوة (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ قال المفسرون: كفاه الله أمر اليهود بالقتل والسبي في قريظة، والجلاء والنفي في بني النضير، والجزية والذلة (١١) (١٢) وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ فِى شِقَاقٍ ﴾ يريد في خلاف لدينهم ولدينكم (١٣) .
وقال الحسن: علموا أولادَكم وأهاليكم وخدمَكم أسماء الأنبياء، الذين ذكرهم الله في كتابه، حتى يؤمنوا بهم، ويصدقوا بما جاءوا به.
هذا قوله (١٤) وقالت العلماء: لا يكون الرجل مؤمنًا حتى يؤمن بسائر الأنبياء السابقين، وجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل، فيجب على الإنسان أن يُعَلِّمَ صِبيانَه ونساءهَ أسماءَ الأنبياء ويأمرهم بالإيمان بجميعهم؛ إذ لا يبعد أن يظُنَّوا أنهم كُلِّفوا الإيمان بمحمد فقط فيلقَّنوا قوله تعالى: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ الآية.
(١) "معاني القرآن" 1/ 217.
(٢) هو أبو معاذ النحوي المروزي، المقرئ اللغوي، تقدمت ترجمته في المقدمة.
(٣) ليست في (م).
(٤) نقله البغوي في "تفسيره" 1/ 156.
(٥) "تفسير الثعلبي" 1/ 1224، والبغوي في "تفسيره" 1/ 156، وقد ورد عن ابن عباس أنه كان يقرأ الآية: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، كما ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 569، وبين الطبري أن مراد ابن عباس: فإن صدقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به، فالتشبيه وقع بين التصديقين، الإقرارين اللذين هما: إيمان هؤلاء، وإيمان هؤلاء.
(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1218، "البحر المحيط" 1/ 410.
(٧) كذا قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 214، والثعلبي 1/ 1217.
(٨) ذكره الثعلبي 1/ 1218، عن ابن عباس وعطاء والأخفش.
(٩) في (م): (الإسلام).
(١٠) بنحوه عند الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 214، "تفسير الثعلبي" 1/ 1218، "تفسير السمرقندي" 1/ 162، والرازي 4/ 93.
(١١) في (ش): (والذلة والجزية).
(١٢) "تفسير الثعلبي" 3/ 1220و 1/ 157، "تفسير القرطبي" 2/ 131، "البحر المحيط" 1/ 410.
(١٣) بنحوه مختصرًا عند الثعلبي في "تفسيره" 3/ 1218، والبغوي 1/ 156.
(١٤) ذكره في "الوسيط" عنه، وبنحوه عن الضحاك، كما في "الدر المنثور" 1/ 258.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ﴾ وعدٌ ظهر مصداقه فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير وغير ذلك ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ أي دينه وهو استعارة من صبغ الثوب وغيره، ونصبه على الإغراء، وعلى المصدر من المعاني المتقدمة، أو بدل من ملة إبراهيم ﴿ كَتَمَ شهادة ﴾ من الشهادة بأن الأنبياء على الحنفية ﴿ مِنَ الله ﴾ يتعلق بكتم، أو كأن المعنى شهادة تخلصت له من الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أم تقولون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر والحماد والمفضل، الباقون: بياء الغيبة.
الوقوف: ﴿ تهتدوا ﴾ (ط) ﴿ المشركين ﴾ (ه) ﴿ ومن ربهم ﴾ (ج) لطول الكلام والاستئناف والأصح أنه حال أي آمنا غير مفرقين ﴿ منهم ﴾ (ج) لاحتمال الابتداء والحال أوجه ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ اهتدوا ﴾ (ج) لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ شقاق ﴾ ج للابتداء بسين الوعيد مع دخول الفاء ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ (ج) لاحتمال الواو الابتداء والحال ﴿ العليم ﴾ (ط) لأن الجملة الناصبة لقوله ﴿ صبغة الله ﴾ محذوفة يدل عليها قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ وقوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ شرط معترض ﴿ صبغة الله ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام مع أن الواو للحال ﴿ صبغة ﴾ (ج) على جعل الواو للابتداء أو للحال أو للعطف على آمنا ﴿ عابدون ﴾ (ه) ﴿ وربكم ﴾ (ج) لأن الواو يصلح أن يكون عطفاً على الحال الأولى ويصلح أن يكون مستأنفاً ﴿ أعمالكم ﴾ (ج) ﴿ مخلصون ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ أم يقولون ﴾ بياء الغيبة، ومن قرأ بالتاء لم يقف لكون "أم" معادلة للهمزة في ﴿ أتحاجوننا ﴾ ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أم الله ﴾ (ط) ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ تعملون ﴾ (ه) ﴿ فدخلت ﴾ (ج) ﴿ ما كسبتم ﴾ (ج) ﴿ يعملون ﴾ .
التفسير: إنه لما بين بالدلائل المتقدمة صحة دين الإسلام، ذكر أنواعاً من شبه الطاعنين منها: أن اليهود قالوا ﴿ كونوا هوداً ﴾ تهتدوا، والنصارى قالوا كذلك، لما علم من التعادي بين الفريقين كما بين كل منهما وبين المسلمين وقد مر مثل هذا في قوله ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ فأجابهم الله بقوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ أي نكون أهل ملته مثل ﴿ وسئل القرية ﴾ أي أهلها، أو بل نتبع ملة إبراهيم وقرئ بالرفع أي ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن أهل ملته، وحنيفاً حال من المضاف إليه كقولك "رأيت وجه هند قائمة" وذلك أن المضاف إليه متضمن للحرف فيقتضي متعلقاً هو الفعل أو شبهه، وحينئذ يشتمل على فاعل ومفعول.
فالحال عن المضاف إليه ترجع في التحقيق إلى الحال عن أحدهما وعند الكوفيين نصب على القطع أراد ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منها فانتصب، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وتحنف إذا مال وحاصل الجواب أن المعّول في الدين إن كان النظر والاستدلال فقد قدمنا الدلائل، وإن كان التقليد فالمتفق أولى من المختلف.
وقد اتفق الكل على صحة دين إبراهيم فاتباعه أولى وهذا جواب إلزامي، ثم لما كان من المحتمل أن يزعم اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم أزيحت علتهم بقوله ﴿ وما كان من المشركين ﴾ لكون النصارى قائلين بالتثليث واليهود بالتشبيه، وأيضاً قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، فليسوا من ملة إبراهيم التي هي محض التوحيد وخالص الإسلام في شيء ﴿ قولوا ﴾ خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل، وكذلك قوله ﴿ بل ملة إبراهيم ﴾ يجوز أن يكون أمراً لهم أي اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته، وهذا جواب آخر برهاني، وذلك أن طريق معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز على أيديهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد وجب الاعتراف بنبوته والإيمان به وبما أنزل عليه كما اعترفوا بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وعن الحسن أن قوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ خطاب للنبي وقوله ﴿ قولوا ﴾ خطاب لأمته والظاهر العموم وإنما قدم الإيمان بالله لأن معرفة النبي والكتاب متوقفة على معرفته وفيه إبطال ما ذهب إليه التعليمية والمقلدة من أن طريق معرفة الله الكتاب والسنة، قال الخليل: الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب.
وقيل: السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي النبي فهم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، عدّد بعض الأنبياء لتقدمهم وشرفهم ثم عمم لتعذر التفصيل.
﴿ لا نفرق بين أحد منهم ﴾ لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كأهل الكتاب.
ومعنى الإيمان بجميعهم أن كلا منهم حق في زمانه أولا نقول إنهم متفرقون في أصول الديانة ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وأحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ إذعاناً وإخلاصاً فلا جرم لا نخص بالقبول بعض عبيده المؤيدين بالمعجزات خلاف من كان إسلامه تقليداً أو هوى.
ولما بين الطريق الواضح في الدين وهو أن يعترف الإنسان بنبوة كل من قامت الدلالة على نبوته من غير مناقضة، رغبهم في مثل هذا الإيمان، وههنا سؤال وهو أن دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله ﴿ بمثل ما آمنتم به ﴾ ؟
والجواب أن قوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ بكلمة الشك دليل على أن الأمر مبني على الفرض، والتقدير أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد ﴿ فقد اهتدوا ﴾ لكن لا دين صحيحاً سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف غيره فلا اهتداء إلا بهذا، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه "هذا هو الرأي الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به" وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل: الباء للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم.
وقيل: المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود ﴿ فإن آمنوا بما آمنتم به ﴾ وقيل: معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة نبوة محمد .
وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله وكشف عن وجوهها، والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى.
وإن تولوا عما قيل لهم ولم ينصفوا فما هم إلا في شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم، أو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه، وفي وصف القوم بذلك دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع في المحن، فلا جرم آمنه الله والمؤمنين من كيدهم وقال ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ وناهيك به من كاف كافل.
ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن فيها معنى التوكيد لوقوعها في مقابلة "لن" قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل، ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله في القرآن وكل ذلك مما يتأكد به إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح ﴿ وهو السميع العليم ﴾ وعد لرسول الله أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك في أعلاء كلمة الحق وإعلانها فهو يستجيب لك لا محالة، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك ﴿ صبغة الله ﴾ مصدر مؤكد منتصب عن قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من ﴿ ملة إبراهيم ﴾ أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة الله، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام.
والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة.
والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفس.
وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرام، ونظيره قوله ﴿ إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم ﴾ وقيل: اللفظة من قولهم "فلان يصبغ فلاناً في الشر" أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثوب.
وقيل: سمي الدين صبغة لظهور هيئته عند صاحبه.
﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وقيل: وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله ليبين أن المباينة بينه وبين غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان.
وقيل: صبغة الله فطرته.
أقول: وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم الصبغ للثوب، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به.
وقيل: صبغة الله الختان.
وقيل: حجة الله.
وقيل: سنة الله.
﴿ ومن أحسن من الله صبغة ﴾ معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة أحسن من الإيمان بالله والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر وأوزار الشرك.
﴿ ونحن له عابدون ﴾ عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مراراً.
﴿ قل أتحاجوننا ﴾ أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان، وإما قولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ وقولهم ﴿ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ وأما الخطاب فإما لأهل الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ وإما للكل والمعنى، أتجادلون في شأن الله أو في دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلاً له، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي ﴿ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ فكما أن لكم أعمالاً ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك، فالعمل هو الأساس وبه الاعتبار ولكن ﴿ نحن له مخلصون ﴾ موحدون لا نقصد بالعبادة أحداً سواه، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد الكرامة من عنده.
﴿ أم تقولون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب احتمل أن تكون "أم" منقطعة بمعنى استئناف استفهام آخر أي بل أتقولون والهمزة للإنكار كما في ﴿ أتحاجوننا ﴾ واحتمل أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء إنكاراً عليهم واستجهالاً لهم بما كان منهم.
وعن الزجاج: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟
ومن قرأ بياء الغيبة فلا تكون إلا منقطعة لانقطاع الاستفهام الأول بسبب الالتفات.
﴿ قل أأنتم أعلم أم الله ﴾ بل الله أعلم وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل والقرآن بأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، وكيف لا وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟
ولأنهم مقرون بأن الله أعلم، وقد أخبر بنقيض ما ادعوه فإن قالوا ذلك عن ظن فقد بان لهم خطؤه، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد فما أجهلهم وأشقاهم، فإذن فائدة الكلام إما التنبيه وإما التجهيل.
﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قوله ﴿ من الله ﴾ إما أن يتعلق بأظلم والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه هوداً أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بكتم أي لا أحد أظلم ممن عنده شهادة، ثم إنه لم يقمها عند الله وكتمها وأخفاها منه وأما أن يتعلق بشهادة كقولك "عندي شهادة من فلان" ومثله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ والمعنى ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لم يكتموا ما عندهم من الحق وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله فأنكروا نبوة محمد وحنيفية إبراهيم وغير ذلك من تحريفاتهم.
﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ كلام جامع لكل وعيد لهم ولأضرابهم، ولو أن أحداً كان عليه رقيب من قبل ملك مجازي لكان دائم الحذر والوجل، فكيف بالرقيب القريب الذي يعلم أسراره ويعد عليه أنفاسه وأفكاره ثم هو يقدر على أن يدخله جنته أو ناره؟
﴿ تلك أمة ﴾ إشارة إلى إبراهيم وبنيه.
كما مر، وإنما أعيدت الآية ههنا لغرض آخر وهو زجرهم عن الاشتغال بوصف ما عليه الأمم السالفة من الدين فإن أديانهم لا تنفع إلا إياهم لاندراس آثارها وانطماس أنوارها، وأما الآن فالدين هو الإسلام الثابت بالدليل القاطع والبرهان البين فيجب اتباع المعلوم واقتفاؤه وإلقاء المظنون وإلغاؤه، ولا يسأل المتأخر عن المتقدم ولا المحسن عن المسيء وكل بعمله مجزي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا...
﴾ .
الآية.
فالآية تنقض على من يسْتثنى في إيمانه؛ لأَنه أَمرهم أَن يقولوا قولاً باتّاً، لا ثُنْيا فيه ولا شك.
وكذلك قوله: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ .
ثم يحتمل: أن يكون هذا ردّاً على أُولئك الكفرة، حيث فرقوا بين الرسل، آمنوا ببعضهم وكفروا ببعض.
وكذلك آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعضها؛ فأَمر الله - عز وجل - المؤمنين، ودعاهم: إلى أن يؤمنوا بالرسل كلهم، والكتب جميعاً، لا يفرقون بين أَحد منهم، كما فرق أُولئك الكفرة.
ويحتمل: أَن يكون ابتداء تعليم الإيمان من الله - عز وجل - لهم بما ذكر من الجملة.
ثم اختلف في الحنيف.
قيل: الحنيف: المسلم.
وقيل: الحنيف: الحجاج.
وقيل: كل حنيف ذكر بعده مسلم فهو الحجاج، وكل حنيف لم يذكر بعده مسلم فهو مسلم.
وقيل: الحنيف: المائل إلى الحق والإسلام.
وقوله: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .
روي عن ابن عباس - ما - قال: لا تقرأ ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ ؛ فإِن الله ليس له مثل، ولكن اقرأ: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ ، أو ﴿ بمَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ .
وكذلك في حرف ابن مسعود - -: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بمَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ ، تصديقاً لذلك.
على ذلك قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ إِن الكاف زائدة، أَي: ليس مثله شيء.
وهو في حرف ابن مسعود - - كذلك.
ويحتمل: آمنوا بلسانهم، بمثل ما آمنتم بلسانكم، من الرسله والكتب جميعاً فقد اهتدوا.
ويحتمل بمثل ما آمنتم به: أَي بلسانٍ غير لسانهم فقد اهتدوا.
وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ .
قيل: الشقاق هو الخلاف.
وقيل: الشقاق هو الخلاف الذي فيه العداوة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .
هذا وعيد من الله - عز وجل - لهم، ووَعْدٌ وَعَدَ نَبيَّه بالصبر له؛ لأَن أُولئك كانوا يتناصرون بتناصر بعضهم ببعض، فوَعَد له عز وجل النصر له بقتل بعضهم، وإجلاء آخرين إلى الشام وغيره.
وقوله: ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً ﴾ .
قيل: دين الله.
وقيل: فطرةُ الله؛ كقوله: "كل مولود يولد على الفطرة" وقيل: ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ﴾ : حجة الله التي أقامها على أُولئك.
وقيل: ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ﴾ : سنة الله.
ثم يرجع قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً ﴾ أي: ديناً [وسنة] وحجة تدرك بالدلائل التي نصبها وأَقامها فيه، ليس كدين أُولئك الذين أَسسوا على الحيْرة والغفلة بلا حجة ولا دليل.
وقيل: إن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماءٍ ليطهروهم بذلك؛ فقال الله عز وجل: ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ﴾ يعني الإسلام هو الذي يطهرهم لا الماء.
وقوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ﴾ .
قيل: موحدون.
وقيل: مسلمون مخلصون.
ويحتمل: ونحن عبيده.
فإن آمن اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار إيمانًا مثل إيمانكم؛ فقد اهتدوا إلى الطريق المستقيم الَّذي ارتضاه الله، وإن أعرضوا عن الإيمان بأن كذبوا بالأنبياء كلهم أو ببعضهم فإنما هم في اختِلاف وعِداء، فلا تحزن -أيها النبي- فإن الله سيكفيك أذاهم، ويمنعك من شرهم، وينصرك عليهم، فهو السميع لأقوالهم، والعليم بنياتهم وأفعالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.2Oen2"
بيّن في الآيات السابقة حقيقة ملة إبراهيم في سياق دعوة العرب إلى الإسلام ثم أشرك معهم أهل الكتاب لأنهم أقرب إلى الإيمان بإبراهيم وأجدر بإجلاله واتباعه، وانتقل الكلام بهذه المناسبة إلى بيان وحدة الدين الإلهي واتفاق النبيين في جوهره وبيان جهل أهل الكتاب بهذه الوحدة وقصر نظرهم على ما يمتاز به كل دين من الفروع والجزئيات أو التقاليد التي أضافوها على التوراة والإنجيل فبعد بها كل فريق من الآخر أشد البعد، وصار الدين الواحد كفرًا وإيمانًا، كل فريق من أهله يحتكر الإيمان لنفسه ويرمي الآخر بالكفر والإلحاد، وإن كان نبيهم واحدًا وكتابهم واحدًا.
فقوله تعالى ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ﴾ بيان لعقيدة الفريقين في التفرق في الدين والضمير في ﴿ وَقَالُوا ﴾ لأهل الكتاب و ﴿ أَوْ ﴾ للتوزيع أو التنويع أي أن اليهود يدعون إلى اليهودية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها والنصارى يدعون إلى النصرانية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها -وهذا الأسلوب معهود في اللغة- ولو صدق أي واحد منهما لما كان إبراهيم مهتديًا لأنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، وكيف وهم متفقون على كونه إمام الهدى والمهتدين، لذلك قال تعالى ملقنًا لنبيه البرهان الأقوى في محاجتهم ﴿ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ أي بل نتبع أو اتبعوا ملة إبراهيم الذي لا نزاع في هداه ولا في هديه فهي الملة الحنيفية القائمة على الجادة بلا انحراف ولا زيغ، العريقة في التوحيد والإخلاص بلا وثنية ولا شرك.
والحنيف في اللغة المائل وإنما أطلق على إبراهيم لأن الناس في عصره كانوا على طريقة واحدة وهي الكفر فخالفهم كلهم وتنكب طريقتهم، ولت يسمى المائل حنيفًا إلا إذا كان الميل عن الجادة المعبدة وفي الأساس: من مال عن كل دين أعوج ويطلق على المستقيم وبه فسر الكلمة بعضهم وأورد له شاهدًا من اللغة وهو أقرب.
ومن التأويلات البعيدة ما روي من تفسير الحنيف بالحاج ووجه القول به أنه مما حفظ من دين إبراهيم.
قال بعض المشتغلين بالعربية من الإفرنج إن الحنيفية هي ما كان عليه العرب من الشر واحتجوا على ذلك بقول بعض النصارى في زمن الجاهلية: "إن فعلت هذا أكون حنيفيًا".
وإنها لفلسفة جاءت من الجهل باللغة.
وقد ناظرت بعض الإفرنج في هذا فلم يجد ما يحتج به إلا عبارة ذلك النصراني، وهو الآن يجمع كل ما نقل عن العرب من هذه المادة لينظر كيف كانوا يستعملونها، ولا دليل في كلمة النصراني العربي على أن الكلمة تدل لغة على الشرك وإنما مراده بكلمته البراءة من دين العرب مطلقًا.
ذلك أن بعض العرب كانوا يسمون أنفسهم الحنفاء وينتسبون إلى إبراهيم ويزعمون أنهم على دينه، وكان الناس يسمونهم الحنفاء أيضًا والسبب في التسمية والدعوى أن سلفهم كانوا على ملة إبراهيم حقيقة ثم طرأت عليهم الوثنية فأخذتهم عن عقيدتهم وأنستهم أحكام ملتهم وأعمالها- نسوا بعضها بالمرة وخرجوا ببعض آخر عن أصله ووصفه كالحج- ونفي الشرك عن إبراهيم في آخر الآية احتراس من وهم الواهمين، وتكذيب لدعوى المدعين.
وقد توهم بعض العلماء أن هذا الجواب ﴿ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ إلخ جاء على طريقة الإقناع، وليس حجة حقيقية ووجهوه بقولهم إن أهل الكتاب يعاندون الحق ويكابرون في معجزة النبي فأمر الله نبيه بأن يلزمهم بالدلائل الإقناعية التي لا يقدرون على مكابرتها والمراء فيها.
والحق أن هذا الجواب حجة حقيقية وقد أشرنا إلى وجهها الوجيه أول لكلام في تفسير الآية.
وقد تجرأ كثير من العلماء على مثل هذا الكلام في كثير من الآيات التي احتج بها القرآن حتى في إثبات الوحدانية، والسبب في ذلك افتتانهم بالطريقة النظرية التي أخذوها عن كتب اليونان، ولقد اهتدى بحجج القرآن الألوف وألوف الألوف وقلما اهتدى بتلك الأدلة النظرية المحضة أحد من الناس، وإنما تفيد في دفع شبهاتهم التي يوردونها على العقائد ولا فائدة فيها سوى المراء والجدل، وقد محيت في عصرنا تلك الشبهات، ورغب الناس عن هاتيك النظريات، وقام بناء العلم على أسس الوقائع والحوادث والمجريات.
وقال (الجلال) إن الآية نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران فهم القائلون ما ذكر.
والتحقيق أن الآية في بيان طبيعة أهل الملتين كما تقدم، وقول يهود المدينة ونصارى نجران ما ذكر-إن صح- لا يقتضي التخصيص، فإنهم ما قالوا إلا ما هو لسان حال ملتهم، وغيرهم يقول مثل قولهم، أو يصدق القائلين باعتقاده وسيرته.
أمر الله النبي بأن يدعو إلى اتباع ملة إبراهيم ثم أمر المؤمنين بمثل ذلك فقال ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ ﴾ أي لا تكن دعوتكم إلى شيء خاص بكم يفصل بينكم وبين سائر أهل الأديان السماوية، بل انظروا إلى جهة الجمع والاتفاق، وادعوا إلى أصل الدين وروحه الذي لا خلاف فيه ولا نزاع، وهو التسليم بنبوة جميع الأنبياء والمرسلين، مع الإسلام لرب العالمين، لا نعبد إلا الله، ولا نفرق بين أحد من رسل الله.
والأسباط أولاد يعقوب والفرق أو الشعوب الاثنا عشر المتشعبة منهم.
قال تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾ وقد ورد أن أولاد يعقوب كانوا أنبياء ولم يرد أنهم كانوا مرسلين، فالمراد بالأسباط الإطلاق الأول وإلا كان في الكلام تقدير مصاف أي أنبياء الأسباط كأنه قال وسائر أنبياء بني إسرائيل وهو المختار، ولم يصح في نبوة غير يوسف من أبناء يعقوب شيء.
﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ ههنا نكتة دقيقة في اختلاف التعبير عن الوحي الذي منحه الله الأنبياء، إذ عبر بأنزل تارة وبأوتي تارة أخرى، وهي أن التعبير بأنزل ذكر هنا في جانب الأنبياء الذين ليس لهم كتب تؤثر ولا صحف تنقل، وذلك أن إنزال الوحي على نبي لا يستلزم إعطاءه كتابًا يؤثر عنه، وهذا ظاهر إذا كان النبي غير مرسل، فإن الوحي إليه يكون خاصًا به ويكون إرشاده للناس أن يعملوا بشرع رسول آخر إن كان بعث فيهم رسول وإلا كان قدوة في الخير ومعدًا للنفوس لبعثة نبي مرسل، وأما النبي المرسل فقد يؤمر بالتبليغ الشفاهي ولا يعطى كتابًا باقيًا وقد يكتب ما يوحى إليه في عصره فيضيع من بعده، فهؤلاء الرسل الكرام الذين عبر عنهم بقوله ﴿ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ ﴾ لا يؤثر عن أحد منهم كتاب بسند صحيح ولا غير صحيح، وإننا نؤمن بأنهم كانوا أنبياء وأن ما نزل عليهم هو دين الله الحق، وأنه موافق في جوهره وأصوله لما أنزل على من بعدهم.
وما ذكر الله من ملة إبراهيم بالنص هو روح ذلك الوحي كله.
وقد جاء في سورة النجم وسورة الأعلى ذكر صحف لإبراهيم.
قال (الجلال) هنا إنها عشر.
فنؤمن أنه كان له صحف ولا نزيد على ما ورد شيئًا، وأما إسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط فلم يثبت أن لهم صحفًا ولا كتبًا، فنؤمن بما أنزل إليهم بالإجمال، ونعتقد أنه عين ملة إبراهيم، وجاء التعبير عن وحي الذين كان لهم كتب تؤثر بقوله ﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ فهو يشير بالإيتاء إلى أن ما أوحي إليهم له وجود يمكن الرجوع إليه والنظر فيه فإن أقوامهم يأثرون عنهم كتبًا.
وقال بعد ما ذكر الفريقين ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ أي سواء منهم من له كتاب يؤثر ومن ليس له ذلك، نؤمن بالجميع إجمالًا ونأخذ بالتفصيل عن خاتمهم الذي بين لنا أصل ملتهم التي كانوا عليها وزادنا من الحكم والأحكام ما يناسب هذا الزمان وما بعده من الأزمان، والعمدة في الدين على إسلام القلب لله تعالى ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ أي مذعنون منقادون كما يقتضي الإيمان الصحيح، ولستم كذلك أهل الكتاب وإنما أنتم مبعوثون لأهوائكم وتقاليدكم لا تحولون عنها.
﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ﴾ قال صاحب (الكشاف): إن الآية تعريض بأهل الكتاب وتبكيت لهم، وقال (الجلال) إن لفظ "مثل" زائد.
وليس كذلك، فإن "لمثل" هنا معنى لطيفًا ونكتة دقيقة، وذلك أن أهل الكتاب يؤمنون بالله وبما أنزل على الأنبياء ولكن طرأت على إيمانهم بالله نزغات الوثنية وأضاعوا لباب ما أنزل على الأنبياء وهو الإخلاص والتوحيد وتزكية النفس والتأليف بين الناس وتمسكوا بالقشور وهي رسوم العبادات الظاهرة ونقصوا منها وزادوا عليها ما يبعد كلًا منهم عن الآخر ويزيد في عداوته وبغضائه له، ففسقوا عن مقصد الدين من حيث يدعون العمل بالدين.
فلما بيّن الله لنا حقيقة دين الأنبياء وأنه واحد لا خلاف فيه ولا تفريق، وأن هؤلاء الذين يدعون اتباع الأنبياء قد ضلوا عنه فوقعوا في الخلاف والشقاق، أمرنا سبحانه وتعالى أن ندعوهم إلى الإيمان الصحيح بالله وبما أنزل على النبيين والمرسلين بأن يؤمنوا بمثل ما نؤمن نحن به لا بما هم عليه من ادعاء حلول الله في بعض البشر، وكون رسولهم إلهًا أو ابن الله، ومن التفرق والشقاق لأجل الخلاف في بعض الرسوم والتقاليد.
فالذي يؤمنون به في الله ليس مثل الذي نؤمن به، فنحن نؤمن بالتنزيه، وهم يؤمنون بالتشبيه، وعلى ذلك القياس، فلو قال: فإن آمنوا بالله وبما أنزل على أولئك النبيين وما أوتوه فقد اهتدوا.
لكان لهم أن يجادلونا بقولهم إننا نحن المؤمنين بذلك دونكم، ولفظ"مثل"هو الذي يقطع عرق الجدل.
على أن المساواة في الإيمان بين شخصين بحيث يكون إيمان أحدهما كإيمان الآخر في صفته وقوته وانطباقه على المؤمن به وما يكون في نفس كل منهما من متعلق الإيمان يكاد يكون محالًا فكيف يتساوى إيمان أمم وشعوب كثيرة مع الخلاف العظيم في طرق التعليم والتربية والفهم والإدراك ولو كانت القراءة: فإن آمنوا بما آمنتم به.
كما روي عن ابن عباس في الشواذ لكان الأولى أن يقدر المثل فكيف نقول- وقد ورد لفظ"مثل"متواترًا- إنه زائد؟
﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ أي أعرضوا عما تدعوهم إليه من الرجوع إلى أصل دين الأنبياء ولبابه بإيمان كإيمانكم ﴿ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ أي أن أمرهم محصور في العداوة والمشاقة أي الإيذاء والإيقاع في المشقة أو شق العصا بتحري الخلاف والتعصب لما يفصلهم ويبينهم منكم ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ أي يكفيك إيذاءهم ومكرهم السيء ويؤيد دعوتك، وينصر أمتك، فهذا الوعد بالكفاية عام للمؤمنين وإن كان الخطاب خاصًا فإن أهل الكتاب وغيرهم ما شاقوا النبي لذاته وما كان لهم حظ في مقاومة شخصه، فالإيذاء كان متوجهًا إليه من حيث هو نبي يدعو إلى دين غير ما كانوا عليه.
وقد أنجز الله وعده للنبي والمؤمنين عندما كانوا على ذلك الإيمان وكان الناس يقاومونهم لأجله، فلما انحرفوا من بعدهم عنه خرجوا عن الوعد، ولو عادوا لعاد الله عليهم بالكفاية والنصر ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ .
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ أي صبغنا بما ذكر من ملة إبراهيم صبغة الله، وفطرته فطرنا عليها وهي ما صبغ الله به أنبياءه ورسله والمؤمنين من عباده على سنة الفطرة فلا دخل فيه للتقاليد الوضعية ولا لآراء الرؤساء وأهواء الزعماء، وإنما هو من الله تعالى بلا واسطة متوسط ولا صنع صانع.
والصبغة في أصل اللغة صيغة للهيئة من صبغ الثوب إذا لونه بلون خاص ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ ، أي لا أحسن من صبغته فهي جُماع الخير الذي يؤلف بين الشعوب والقبائل، ويزكي النفوس ويطهر العقول والقلوب، وأما ما أضافه أهل الكتاب إلى الدين من آراء أحبارهم ورهبانهم فهو من الصنعة الإنسانية، والصبغة البشرية، قد جعل الدين الواحد مذاهب متفرقة مفرقة، والأمة الواحدة شيعًا متنافرة متمزقة ﴿ وَنَحْنُ لَهُ ﴾ وحده ﴿ عَابِدُونَ ﴾ فلا نتخذ أحبارنا وعلماءنا أربابًا يزيدون في ديننا وينقصون، ويحلون لنا بآرائهم ويحرمون، ويمحون من نفوسنا صبغة الله الموجبة للتوحيد، ويثبتون مكانها صبغة البشر القاضية بالخلاف والتفريق.
والآية تشير إلى أنه لا حاجة في الإسلام إلى تمييز المسلم من غيره بأعمال صناعية كالمعمودية عند النصارى مثلًا، وإنما المدار فيه على ما صبغ الله به الفطرة السليمة من الإخلاص وحب الخير والاعتدال والقصد في الأمور ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"