الآية ١٣٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٣٨ من سورة البقرة

صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةًۭ ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَـٰبِدُونَ ١٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( صبغة الله ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : دين الله .

وكذا روي عن مجاهد ، وأبي العالية ، وعكرمة ، وإبراهيم ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وعبد الله بن كثير ، وعطية العوفي ، والربيع بن أنس ، والسدي ، نحو ذلك .

وانتصاب ( صبغة الله ) إما على الإغراء كقوله ( فطرة الله ) [ الروم : 30 ] أي : الزموا ذلك عليكموه .

وقال بعضهم : بدل من قوله : ( ملة إبراهيم ) وقال سيبويه : هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله : ( آمنا بالله ) كقوله ) واعبدوا الله ) [ النساء : 36 ] .

وقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه ، من رواية أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أن نبي الله قال : " إن بني إسرائيل قالوا : يا موسى ، هل يصبغ ربك ؟

فقال : اتقوا الله .

فناداه ربه : يا موسى ، سألوك هل يصبغ ربك ؟

فقل : نعم ، أنا أصبغ الألوان : الأحمر والأبيض والأسود ، والألوان كلها من صبغي " .

وأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم : ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ) .

كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعا ، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف ، وهو أشبه ، إن صح إسناده ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره ب " الصبغة " : صبغةَ الإسلام.

وذلك أنّ النصارى إذا أرادت أن تنصِّر أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنـزلة غُسل الجنابة لأهل الإسلام, وأنه صبغة لهم في النصرانية.

(33) فقال الله تعالى ذكره -إذ قالوا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين به: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا -: قل لهم يا محمد: أيها اليهود والنصارى, بل اتبعوا ملة إبراهيمَ، صبغة الله التي هي أحسن الصِّبَغ, فإنها هي الحنيفية المسلمة, ودعوا الشركَ بالله، والضلالَ عن محجَّة هُداه.

* * * ونصب " الصبغة " من قرأها نصبًا على الردِّ على " الملة ".

وكذلك رَفع " الصبغة " من رَفع " الملة "، على ردّها عليها.

وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه.

وذلك على الابتداء, بمعنى: هي صبغةُ الله.

وقد يجوز نصبها على غير وجه الرّد على " الملة ", ولكن على قوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ إلى قوله وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ،" صبغةَ الله ", بمعنى: آمنا هذا الإيمان, فيكون الإيمان حينئذ هو صبغةُ الله.

(34) * * * وبمثل الذي قلنا في تأويل " الصبغة " قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 2113- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " صبغةَ الله ومن أحسن من الله صبغة " إنّ اليهود تصبغ أبناءها يهودَ, والنصارى تَصبغ أبناءَها نصارَى, وأن صبغة الله الإسلامُ، فلا صبغة أحسنُ من الإسلام، ولا أطهر, وهو دين الله بعث به نُوحًا والأنبياء بعده.

2114- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال عطاء: " صبغةَ الله " صبغت اليهودُ أبناءَهم خالفوا الفِطْرة.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " صبغة الله ".

فقال بعضهم: دينُ الله.

ذكر من قال ذلك: 2115- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: " صبغة الله " قال: دينَ الله.

2116- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: " صبغةَ الله " قال: دينَ الله،" ومن أحسن من الله صِبغةً"، ومن أحسنُ من الله دينًا.

2117- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه, عن الربيع مثله.

2118- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان, عن رجل, عن مجاهد مثله.

2119- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان, عن مجاهد مثله.

2120- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

2121- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فُضَيل بن مرزوق, عن عطية قوله: " صبغةَ الله " قال: دينَ الله.

2122- حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " صبغةَ الله ومن أحسنُ من الله صبغة "، يقول: دينَ الله, ومن أحسن من الله دينًا.

2123- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس: " صبغةَ الله " قال: دينَ الله.

2124- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: " صبغةَ الله " قال: دين الله.

2125- حدثني ابن البرقي قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سألت ابن زيد عن قول الله: " صبغةَ الله "، فذكر مثله.

* * * وقال أخرون: " صبغة الله " فطرَة الله.

(35) ذكر من قال ذلك: 2126- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " صبغة الله " قال: فطرةَ الله التي فطر الناسَ عليها.

2127- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال: حدثنا ابن لهيعة, عن جعفر بن ربيعة, عن مجاهد: " ومن أحسنُ من الله صبغة " قال: الصبغة، الفطرةُ.

2128- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج, عن مجاهد قال: " صبغةَ الله "، الإسلام, فطرةَ الله التي فطر الناس عليها.

قال ابن جريج: قال لي عبد الله بن كثير: " صبغةَ الله " قال: دين الله، ومن أحسنُ من الله دينًا.

قال: هي فطرة الله.

* * * ومن قال هذا القول, فوجَّه " الصبغة " إلى الفطرة, فمعناه: بل نتبع فطرة الله وملَّته التي خلق عليها خلقه, وذلك الدين القيم.

من قول الله تعالى ذكره: فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [سورة الأنعام: 14].

بمعنى خالق السماوات والأرض (36) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قال أبو جعفر: وقوله تعالى ذكره: " ونَحنُ له عَابدون "، أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود والنصارى، الذين قالوا له ولمن تبعه من أصحابه: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى .

فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ بل نتبعُ ملة إبراهيم حنيفًا, صبغةَ الله, ونحنُ له عابدون.

يعني: ملة الخاضعين لله المستكينين له، في اتّباعنا ملة إبراهيم، وَديْنُونتنا له بذلك, غير مستكبرين في اتباع أمره، والإقرار برسالته رسلَه, كما استكبرت اليهودُ والنصارَى, فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم استكبارًا وبغيًا وحسدًا.

----------- الهوامش : (33) انظر معاني القرآن 1 : 82-83 .

(34) انظر معاني القرآن 1 : 82-83 .

(35) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 59 .

(36) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 59 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون فيه مسالتان : الأولى : قوله تعالى : صبغة الله قال الأخفش وغيره : دين الله ، وهو بدل من ( ملة ) وقال الكسائي : وهي منصوبة على تقدير اتبعوا .

أو على الإغراء أي الزموا .

ولو قرئت بالرفع لجاز ، أي هي صبغة الله .

وروىشيبان عن قتادة قال : إن اليهود تصبغ أبناءهم يهودا ، وإن النصارى تصبغ أبناءهم نصارى ، وإن صبغة الله الإسلام .

قال الزجاج : ويدلك على هذا أن صبغة بدل من ملة .

وقال مجاهد : أي فطرة الله التي فطر الناس عليها .

قال أبو إسحاق الزجاج : وقول مجاهد هذا يرجع إلى الإسلام ; لأن الفطرة ابتداء الخلق ، وابتداء ما خلقوا عليه الإسلام .

وروي عن مجاهد والحسن وأبي العالية وقتادة : الصبغة الدين .

وأصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء ، وهو الذي يسمونه المعمودية ، ويقولون : هذا تطهير لهم .

وقال ابن عباس : هو أن النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودية ، فصبغوه بذلك ليطهروا به مكان الختان ; لأن الختان تطهير ، فإذا فعلوا ذلك قالوا : الآن صار نصرانيا حقا ، فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال : صبغة الله أي صبغة الله أحسن صبغة وهي الإسلام ، فسمي الدين صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين ، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب .

وقال بعض شعراء ملوك همدان :وكل أناس لهم صبغة وصبغة همدان خير الصبغ صبغنا على ذاك أبناءنافأكرم بصبغتنا في الصبغوقيل : إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام ، بدلا من معمودية النصارى ، ذكره الماوردي .قلت : وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجبا تعبدا ; وهي المسألة :الثانية لأن معنى صبغة الله غسل الله ، أي اغتسلوا عند إسلامكم الغسل الذي أوجبه الله عليكم .

وبهذا المعنى جاءت السنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما .

روى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن ثمامة الحنفي أسر فمر به النبي صلى الله عليه وسلم يوما فأسلم ، فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل [ ص: 136 ] فاغتسل وصلى ركعتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسن إسلام صاحبكم .

وخرج أيضا عن قيس بن عاصم أنه أسلم ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر .

ذكره النسائي وصححه أبو محمد عبد الحق .

وقيل : إن القربة إلى الله تعالى يقال لها صبغة ، حكاه ابن فارس في المجمل .

وقال الجوهري : صبغة الله دينه .

وقيل : إن الصبغة الختان ، اختتن إبراهيم فجرت الصبغة على الختان لصبغهم الغلمان في الماء ، قاله الفراء .

ونحن له عابدون ابتداء وخبر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

: الزموا صبغة الله, وهو دينه, وقوموا به قياما تاما, بجميع أعماله الظاهرة والباطنة, وجميع عقائده في جميع الأوقات, حتى يكون لكم صبغة, وصفة من صفاتكم، فإذا كان صفة من صفاتكم, أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره, طوعا واختيارا ومحبة, وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة, فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية, لحث الدين على مكارم الأخلاق, ومحاسن الأعمال, ومعالي الأمور، فلهذا قال - على سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية-: { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً } أي: لا أحسن صبغة من صبغته وإذا أردت أن تعرف نموذجا يبين لك الفرق بين صبغة الله وبين غيرها من الصبغ, فقس الشيء بضده، فكيف ترى في عبد آمن بربه إيمانا صحيحا, أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح، فلم يزل يتحلى بكل وصف حسن, وفعل جميل, وخلق كامل, ونعت جليل، ويتخلى من كل وصف قبيح, ورذيلة وعيب، فوصفه: الصدق في قوله وفعله, والصبر والحلم, والعفة, والشجاعة, والإحسان القولي والفعلي, ومحبة الله وخشيته, وخوفه, ورجاؤه، فحاله الإخلاص للمعبود, والإحسان لعبيده، فقسه بعبد كفر بربه, وشرد عنه, وأقبل على غيره من المخلوقين فاتصف بالصفات القبيحة, من الكفر, والشرك والكذب, والخيانة, والمكر, والخداع, وعدم العفة, والإساءة إلى الخلق, في أقواله, وأفعاله، فلا إخلاص للمعبود, ولا إحسان إلى عبيده.

فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما, ويتبين لك أنه لا أحسن صبغة من صبغة الله, وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة ممن انصبغ بغير دينه.

وفي قوله: { وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ } بيان لهذه الصبغة, وهي القيام بهذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة, لأن " العبادة " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة، ولا تكون كذلك, حتى يشرعها الله على لسان رسوله، والإخلاص: أن يقصد العبد وجه الله وحده, في تلك الأعمال، فتقديم المعمول, يؤذن بالحصر.

وقال: { وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ } فوصفهم باسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار, ليدل على اتصافهم بذلك وكونه صار صبغة لهم ملازما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {صبغة الله} قال ابن عباس في رواية الكلبي وقتادة والحسن: "دين الله"، وإنما سماه صبغة لأنه يظهر أثر الدين على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب، وقيل: لأن المتدين يلزمه ولا يفارقه، كالصبغ يلزم الثوب، وقال مجاهد: "فطرة الله"، وهو قريب من الأول، وقيل: سنة الله، وقيل: أراد به الختان لأنه يصبغ صاحبه بالدم، قال ابن عباس: "هي أن النصارى إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر يقال له المعمودي وصبغوه به ليطهروه بذلك الماء مكان الختان، فإذا فعلوا به ذلك قالوا: الآن صار نصرانياً حقاً فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما يفعله النصارى".

وهو نُصب على الإغراء يعني الزموا دين الله ، قال الأخفش: "هي بدل من قوله ملة إبراهيم".

{ومن أحسن من الله صبغة} ديناً وقيل: تطهيراً.

{ونحن له عابدون} مطيعون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«صِبْغَةَ الله» مصدر مؤكد لآمنا ونصبه بفعل مقدر، أي صبغنا الله والمراد بها دينه الذي فطر الناس عليه لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب «ومن» أي لا أحد «أحسن من الله صبغة» تمييز «ونحن له عابدون» قال اليهود للمسلمين نحن أهل الكتاب الأول وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب ولو كان محمد نبيا لكان منا فنزل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الزموا دين الله الذي فطركم عليه، فليس هناك أحسنُ مِن فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالزموها وقولوا نحن خاضعون مطيعون لربنا في اتباعنا ملَّة إبراهيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك - أن دين الله وهو الإِسلام أولى بالاتباع فقال تعالى :( صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ) .الصبغة فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي في أصل اللغة .

الحالة التي يقع عليها الصبغ وهو تلوين الأشياء - كالثيبا وغيرها - بألوان معينة واستعملت الصيغة في الآية بمعنى الإِيمان بما فصلته الآية الكريمة وهي قوله تعالى قبل ذلك ( قولوا آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَآ أُوتِيَ موسى وعيسى ) الخ الآية .

وإنما أطلقت الصبغة على الإِيمان بما ذكرته الآية مفصلا ، لأن الإِيمان يمتزج بالقلوب امتزاج الصبغ بالمصبوغ ، وتبدو آثاره على المؤمنين كما تبدو آثار الصبغ على المصبوغ .

ويقال : تصبغ فلان في الدين إذا أحسن دينه وتقيد بتعاليمه تقيداً تاماً .وقوله : ( صِبْغَةَ الله ) هكذا بالنصب على أنهن وارد مورد المصدر المؤكد لقولهم ( آمنا ) فإنه في معنى صبغنا الله بالإِيمان ، وكأنهم قالوا صبغنا الله بالإِيمان صبغته .

وإيراد المصدر تأكيدا لفعل يوافقه في المعنى ويخالفه في اللفظ معهود في الكلام البليغ .قال القاضي : قوله تعالى ( صِبْغَةَ الله ) متعلق بقوله : ( قولوا آمَنَّا بالله ) إلى قوله : ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) فوصف هذا الإِيمان منهم بأنه صيغة الله ، ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله وبين الدين الذي اختاره المبطلون ظاهرة جلية ، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم " .والاستفهام في قوله تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً ) للإِنكار والنفي والمعنى : لا أحد أحسن من الله صبغة لأنه هو الذي يصبغ عباده بالإِيمان ويطهرهم من أدران الكفر والضلال ، فهي صبغة ثابتة لا تزول لأن الإِيمان متى خالطت بشاشته القلوب لا يرتد عنه أحد سخطه له .بخلاف ما يتلقنه أهل الكتاب عن أحبارهم ورهبانهم من الأديان الباطلة فهو من الصيغة البشرية ، التي تجعل من الدين الواحد أديانا مختلفة ومذاهب متنافرة .وهذا التركيب ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً ) يدل بحسب أصل الوضع اللغوي على نفي أن يكون دينا أفضل من دين الله ، ويبقى احتمال أن يوجد دين يساويه في الحسن ، وهذا الاحتمال لم ينفه التريكب بحسب أصل الوضع ولكن مثل هذا التركيب صار أسلوباً يفهم منه يمعونة مقام المدح نفي مساواة دين لدين الله في الحسن ، كما يفهم منه نفي أن يكون هناك دين أحسن منه .وأفضلية دين الله من جهة هدايته إلى الاعتقاد الحق ، والأخلاق الكريمة ، والآداب السمحة والعادات الصحيحة ، والسياسة الرشيدة والمعاملات القائمة على رعاية المصالح .وقوله تعالى : ( وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ) عطف على آمنا بالله في قوله تعالى : ( قولوا آمَنَّا بالله ) والمعنى : قل لهم يا محمد إننا نحن معاشر المسلمين نعبد الله وحده وصبغته هي صبغتنا ولا نعبد غيره فلا نتخذ الأحبار والرهبان أرباباً يزيدون في ديننا وينقصون ويحلون ويحرمون ويمحون من النفوس صبغة التوحيد ، ليحلوا محلها بأهوائهم صبغة الشرك والكفر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر الجواب الثاني وهو أن ذكر ما يدل على صحة هذا الدين ذكر بعده ما يدل على أن دلائل هذا الدين واضحة جلية فقال: ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: الصبغ ما يلون به الثياب ويقال: صبغ الثوب يصبغه بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغاً بفتح الصاد وكسرها لغتان.

(والصبغة) فعلة من صبغ كالجلسة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، ثم اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال: الأول: أنه دين الله وذكروا في أنه لم سمي دين الله بصبغة الله وجوه: أحدها: أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم.

وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال: الآن صار نصرانياً.

فقال الله تعالى: اطلبوا صبغة الله وهي الدين، والإسلام لا صبغتهم، والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم: اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً مواظباً على الكرم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ ، ﴿ يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ ، ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله  ﴾ ، ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ ، ﴿ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ  ﴾ .

وثانيها: اليهود تصبغ أولادها يهودا والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم، عن قتادة قال ابن الأنباري: يقال: فلان يصبغ فلاناً في الشيء، أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثواب وأنشد ثعلب: دع الشر وأنزل بالنجاة تحرزا *** إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ وثالثها: سمي الدين صبغة لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة، قال الله تعالى: ﴿ سيماهم فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود  ﴾ .

ورابعها: قال القاضي قوله: ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ متعلق بقوله: ﴿ قُولُواْ ءامَنَّا بالله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون  ﴾ فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم.

القول الثاني: أن صبغة الله فطرته وهو كقوله: ﴿ فِطْرَةَ الله التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله  ﴾ ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة.

قال القاضي: من حمل قوله: ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ على الفطرة فهو مقارب في المعنى، لقول من يقول: هو دين الله لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع، وهو الدين أيضاً، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله: ﴿ قُولُواْ ءامَنَّا بالله ﴾ فكأنه تعالى قال في ذلك: إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر ديناً ودنيا كظهور حسن الصبغة، وإذا حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول: إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى، لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه فلا فائدة فيه ولنذكر الآن بقية أقوال المفسرين: القول الثالث: أن صبغة الله هي الختان، الذي هو تطهير، أي كما أن المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم فكذلك الختان تطهير للمسلمين عن أبي العالية.

القول الرابع: إنه حجة الله، عن الأصم، وقيل: إنه سنة الله، عن أبي عبيدة، والقول الجيد هو الأول، والله أعلم.

المسألة الثانية: في نصب صبغة أقوال.

أحدها: أنه بدل من ملة وتفسير لها.

الثاني: اتبعوا صبغة الله.

الثالث: قال سيبويه: إنه مصدر مؤكد فينتصب عن قوله: ﴿ آمنا بالله ﴾ كما انتصب وعد الله عما تقدمه.

أما قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً ﴾ فالمراد أنه يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم به من أوساخ الكفر، فلا صبغة أحسن من صبغته.

أما قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ عابدون ﴾ فقال صاحب الكشاف: إنه عطف على: ﴿ آمنا بالله ﴾ وهذا يرد قول من يزعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ مصدر مؤكد منتصب على قوله: ﴿ آمنا بالله ﴾ كما انتصب ﴿ وَعَدَ الله ﴾ عما تقدمه، وهي (فعلة) من صبغ، كالجلسة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ والمعنى: تطهير الله، لأن الإيمان يطهر النفوس.

والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال: الآن صار نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: ﴿ قُولُواْ ءامَنَّا بالله ﴾ وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيرنا.

أو يقول المسلمون.

صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم.

وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريقة المشاكلة، كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلاً يصطنع الكرم ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً ﴾ يعني أنه يصبغ عباده بالإيمان.

ويطهرهم به من أوضار الكفر فلا صبغة أحسن من صبغته.

وقوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ عابدون ﴾ عطف على ﴿ آمنا بالله ﴾ .

وهذا العطف يردّ قول من زعم أن ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ بدل من ﴿ مِلَّةِ إبراهيم ﴾ أو نصب على الإغراء بمعنى: عليكم صبغة الله، لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه، وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ أيْ صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَتَهُ، وهي فِطْرَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، فَإنَّها حِلْيَةُ الإنْسانِ كَما أنَّ الصِّبْغَةَ حِلْيَةُ المَصْبُوغِ، أوْ هَدانا اللَّهُ هِدايَتَهُ وأرْشَدَنا حُجَّتَهُ، أوْ طَهَّرَ قُلُوبَنا بِالإيمانِ تَطْهِيرَهُ، وسَمّاهُ صِبْغَةً لِأنَّهُ ظَهَرَ أثَرُهُ عَلَيْهِمْ ظُهُورَ الصَّبْغِ عَلى المَصْبُوغِ، وتَداخَلَ في قُلُوبِهِمْ تَداخُلَ الصَّبْغِ الثَّوْبَ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ، فَإنَّ النَّصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَقُولُونَ: هو تَطْهِيرٌ لَهم وبِهِ تَتَحَقَّقُ نَصْرانِيَّتُهُمْ، ونَصْبُها عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ آمَنّا ﴾ ، وقِيلَ عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ ﴿ وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ﴾ تَعْرِيضٌ بِهِمْ، أيْ لا نَشْرُكُ بِهِ كَشِرْكِكم.

وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ آمَنّا ﴾ ، وذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ قَوْلِهِ ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ في مَفْعُولِ ﴿ قُولُوا ﴾ ولِمَن يَنْصِبُها عَلى الإغْراءِ أوِ البَدَلِ أنْ يُضْمِرَ قُولُوا مَعْطُوفًا عَلى الزَمُوا، أوِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ و ﴿ قُولُوا آمَنّا ﴾ بَدَلُ اتَّبِعُوا، حَتّى لا يَلْزَمُ فَكُّ النَّظْمِ وسُوءُ التَّرْتِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{صِبْغَةَ الله} دين الله وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله آمنا بالله وهي فعلة من صيغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانياً حقا فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم قولوا آمنا بالله وصبغنا الله

بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة كقولك لمن يغرس الأشجار إغرس كما يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرام {ومن أحسن من الله صبغة}

البقرة (١٣٨ _ ١٤١)

تمييز أي لا صبغة أحسن من صبغته يريد الدين أو التطهير {وَنَحْنُ لَهُ عابدون} عطف على آمنا بالله وهذا العطف يدل على أن قوله صبغة الله داخل في مفعول قولوا آمنا أي قولوا هذا وهذا ونحن له عابدون ويردّ قول من زعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه والقول ما قالت حذام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ الصِّبْغَةُ بِالكَسْرِ فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ عَبَّرَ بِها عَنِ التَّطْهِيرِ بِالإيمانِ، بِما ذَكَرَ، عَلى الوَجْهِ الَّذِي فَصَّلَ، لِأنَّهُ ظَهَرَ أثَرُهُ عَلَيْهِمْ ظُهُورَ الصَّبْغِ عَلى المَصْبُوغِ، وتَداخَلَ في قُلُوبِهِمْ تَداخُلَهُ فِيهِ، وصارَ حِلْيَةً لَهُمْ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، والقَرِينَةُ الإضافَةُ، والجامِعُ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: لِلْمُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ فَإنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم بِماءٍ أصْفَرَ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ، يَزْعُمُونَ أنَّهُ الماءُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُ تَطْهِيرٌ لِلْمَوْلُودِ كالخِتانِ لِغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: هو ماءٌ يُقَدَّسُ بِما يُتْلى مِنَ الإنْجِيلِ، ثُمَّ تُغْسَلُ بِهِ الحامِلاتُ، ويَرُدُّ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ الكَلامَ عامٌّ لِلْيَهُودِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالنَّصارى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُعْتَبَرَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كائِنٌ فِيما بَيْنَهم في الجُمْلَةِ، ونَصْبُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: (آمَنّا)، وهي مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ لِأنْفُسِها، فَلا يُنافِي كَوْنَها لِلنَّوْعِ، والعامِلُ فِيها صَبَغَنا، كَأنَّهُ قِيلَ: صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَتَهُ، وقُدِّرَ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ لِتَحَقُّقِ شَرْطِ وُجُوبِ حَذْفِ عامِلِهِ مِن كَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، إذْ لَوْ قُدِّرَ مُنْكَرًا لَكانَ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ أحَدِ جُزْئَيْهِ، أعْنِي الفِعْلَ فَقَطْ، نَحْوَ ضَرَبْتُ ضَرْبًا، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلِ الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ، لا عَلَيْكُمْ، وإلّا لَوَجَبَ ذِكْرُهُ، كَما قِيلَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الواحِدِيُّ، ولا يَجِبُ حِينَئِذٍ إضْمارُ العامِلِ، لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ في الإغْراءِ بِصُورَتَيِ التَّكْرارِ أوِ العَطْفِ كالعَهْدِ العَهْدِ، وكالأهْلِ والوَلَدِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهم إلى أنَّها بَدَلٌ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ﴿ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (صِبْغَةَ) تَمْيِيزٌ مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَإ، نَحْوُ: زَيْدٌ أحْسَنُ مِن عَمْرٍو وجْهًا، والتَّقْدِيرُ: ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما يُقَدَّرُ: وجْهُ زَيْدٍ أحْسَنُ مِن وجْهِ عَمْرٍو، والتَّفْضِيلُ جارٍ بَيْنَ الصِّبْغَتَيْنِ لا بَيْنَ فاعِلَيْهِما، أيْ لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ تَعالى، عَلى مَعْنى أنَّهُ أحْسَنُ مِن كُلِّ صِبْغَةٍ، وحَيْثُ كانَ مَدارُ التَّفْضِيلِ عَلى تَعْمِيمِ الحُسْنِ لِلْحَقِيقِيِّ والفَرْضِيَّ المَبْنِيِّ عَلى زَعْمِ الكَفَرَةِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ في صِبْغَةِ غَيْرِهِ تَعالى حُسْنٌ في الجُمْلَةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما في صِبْغَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ التَّبَجُّحِ، والِابْتِهاجِ، أوْ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلْإغْراءِ، ﴿ ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ﴾ أيْ مُوَحِّدُونَ أوْ مُطِيعُونَ مُتَّبِعُونَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أوْ خاضِعُونَ مُسْتَكِنُّونَ في اتِّباعِ تِلْكَ المِلَّةِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِإفادَةِ اخْتِصاصِ العِبادَةِ لَهُ تَعالى، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ قَصْرِ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ عَلَيْهِمْ، وعَدَمِ تَجاوُزِهِ إلى أهْلِ الكِتابِ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا لَهم بِالشِّرْكِ، أوْ عَدَمِ الِانْقِيادِ لَهُ تَعالى بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (آمَنّا)، وذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ في مَفْعُولِ: قُولُوا، لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالأجْنَبِيِّ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِالدَّوامِ، ولِمَن نَصَبَ (صِبْغَةَ) عَلى الإغْراءِ أوِ البَدَلِ أنْ يُضْمِرَ (قُولُوا) قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْطُوفًا عَلى الزَمُوا، عَلى تَقْدِيرِ الإغْراءِ، وإضْمارُ القَوْلِ سائِغٌ شائِعٌ، والقَرِينَةُ السِّياقُ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَقُولُ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يُضْمِرَ اتَّبِعُوا في ﴿ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ لا نَتَّبِعُ، ويَكُونُ ﴿ قُولُوا آمَنّا ﴾ بَدَلًا مِنَ (اتَّبِعُوا) بَدَلَ البَعْضِ، لِأنَّ الإيمانَ داخِلٌ في اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلا يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالأجْنَبِيِّ، وما قِيلَ: إنَّهُ يَلْزَمُ الفَصْلُ بِبَدَلِ الفِعْلِ بَيْنَ المَفْعُولِ والمُبْدَلِ مِنهُ، فَفِيهِ أنَّ (قُولُوا) لَيْسَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ فَقَطْ، بَلِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ، فَلا مَحْذُورَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِن لَفْظَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ أيْ صِبْغَتُهُ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ، أوِ الإرْشادِ، أوْ حِفْظِ الفِطْرَةِ أحْسَنُ الأصْباغِ حالَ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

صِبْغَةَ اللَّهِ، أي: اتبعوا دين الله والزموه، لا دين اليهود والنصارى.

وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً، أي دين أحسن من دين الله تعالى، وهو دين الإسلام.

وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ، أي موحدون مقرون، وذلك أن النصارى إذا ولد لأحدهم ولد غمروه في اليوم السابع في ماء لهم، ليطهروه بذلك ويقولون: هذا طهور مكان الختان، وهم صنف من النصارى يقال لهم: المعمودية.

قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ، أي مطيعون، ولنا الختان طهور، طهَّر الله به إبراهيم-  - وروى سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة-  - قال: ختن إبراهيم-  - نفسه بالقدوم وهو ابن مائة وعشرين سنة.

والقدوم موضع بالشام.

ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.

وقال القتبي: هذا من الاستعارة حيث سمى الختان صبغة، لأنهم كانوا يصبغون أولادهم في ماء.

قال الله تعالى: صبغة الله لا صبغة النصارى، يعني اتبعوا دين الله والزموا دين الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)

وقوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ...

الآية، يعني بالأُمَّةِ الأنبياءَ المذكورينَ، والمخاطَبُ في هذه الآية اليهودُ والنصارى، وقولهم: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا نظير قولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: ١١١] ، والحنيف في الدين: الذي مال عن الأديان المكروهة إِلى الحقِّ، ويجيء الحنيفُ في الدين بمعنى المستقيمِ على جميع طاعاتِ اللَّهِ.

قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ...

الآية: هذا الخطاب لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا: يعني القرآن، والْأَسْباطِ هم ولَدُ يعقوبَ، وهم: رُوبِيل، وشَمْعُون، ولاَوي، ويَهُوذَا، وريالُون، ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خَلَف على أختها رَاحِيل، فولَدَتْ له يوسُفَ، وبِنْ يَامِين، ووُلِدَ له من سُرِّيَّتَيْنِ:

ذان، وتفثالا، وجاد، واشر.

والسِّبْطُ في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسُمُّوا الأسباط لأنه كان من كل واحدٍ منهم سبط.

ولا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أي: لا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض كما تفعلون، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ، أيْ: فإن صَدَّقوا تصديقاً مثْلَ تصديقكم، فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا، أي: أعرضوا، يعني: اليهودَ والنصارى، فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، أي: في مشاقَّةٍ ومخالفةٍ لَكَ، هم في شِقٍّ، وأنت في شِقٍّ، وقيل: شَاقَّ معناه: شَقَّ كل واحدٍ وصل ما بينَه وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إِياهم، ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قَتْل بني قَيْنُقَاعَ، وبني قريظة، وإِجلاء النَّضِير.

وهذا الوَعْدُ وانتجازه من أعلام نبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم.

والسَّمِيعُ لقول كل قائل، والْعَلِيمُ بما ينفذه في عباده، وصِبْغَةَ اللَّهِ:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ النَّصارى كانُوا إذا وُلِدَ لِأحَدِهِمْ ولَدٌ، فَأتى عَلَيْهِ سَبْعَةُ أيّامٍ، صَبَغُوهُ في ماءٍ لَهم، يُقالُ لَهُ: المَعْمُودِيَّةُ، لِيُطَهِّرُوهُ بِذَلِكَ، ويَقُولُونَ: هَذا طَهُورُ مَكانٍ الخِتانِ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ؛ قالُوا: صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: (صِبْغَةُ اللَّهِ) دِينُهُ.

قالَ الفَرّاءُ: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ \[نُصِبَ \] مَرْدُودَةٌ عَلى المِلَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ: (صِبْغَةُ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: هَذِهِ صِبْغَةُ اللَّهِ.

وكَذَلِكَ قَرَأ: (مِلَّةُ إبْراهِيمَ) بِالرَّفْعِ أيْضًا عَلى مَعْنى: هَذِهِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُرادُ بِصِبْغَةِ اللَّهِ: الخِتانُ، فَسَمّاهُ صِبْغَةً، لِأنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في ماءٍ [وَيَقُولُونَ: هَذا طُهْرَةٌ لَهم، كالخِتانِ لِلْحُنَفاءِ ] فَقالَ اللَّهُ تَعالى: (صِبْغَةُ اللَّهِ) أيِ: الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ، صِبْغَةُ النَّصارى أوْلادَهم، وأرادَ بِها: مِلَّةُ إبْراهِيمَ.

وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما سُمِّيَ الدِّينُ صِبْغَةً لِبَيانِ أثَرِهِ عَلى الإنْسانِ، كَظُهُورِ الصَّبْغِ عَلى الثَّوْبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ صِبْغَةَ اللهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةَ ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ﴾ هَذا الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، عَلَّمَهُمُ اللهُ الإيمانَ.

﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْنا ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وصَحَّتْ إضافَةُ الإنْزالِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هُمُ المَأْمُورُونَ والمَنهِيُّونَ فِيهِ.

و( إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ) يَجْمَعانِ "بَراهِيمَ وسَماعِيلَ"، هَذا هو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ.

وقالَ قَوْمٌ: "بَراهِمُ وسَماعِلُ"، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "بَراهِمَةُ وسَماعِلَةُ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "أبارِهُ وأسامِعُ"، وأجازَ ثَعْلَبٌ "بَرّاهُ"، كَما يُقالُ في التَصْغِيرِ "بِرَيِّهِ".

و"الأسْباطِ" هم وُلَدُ يَعْقُوبَ، وهُمْ: رُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ورَبالُونُ، ويَشْحُرُ، ودَنِيَّةُ بِنْتُهُ، وأُمُّهم لِيّا، ثُمَّ خَلَّفَ عَلى أُخْتِها راحِيلُ فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ، وبِنْيامِينُ، ووُلِدَ لَهُ مِن سَرِيَّتَيْنِ، ذانُ، وتَفْتالِي، وجادُ، وأشْرُو.

والسِبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، فَسُمُّوا الأسْباطَ لِأنَّهُ كانَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم سِبْطٌ.

﴿ وَما أُوتِيَ مُوسى ﴾ هو التَوْراةُ وآياتُهُ، و( ما أُوتِيَ عِيسى ) هو الإنْجِيلُ وآياتُهُ، فالمَعْنى: إنّا نُؤْمِنُ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ لِأنَّ جَمِيعَهم جاءَ بِالإيمانِ بِاللهِ، فَدِينُ اللهِ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُ الشَرائِعِ، و ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ أيْ: لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَما تَفْعَلُونَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وبَيْنَ نَظِيرِهِ، فاخْتُصِرَ لِفَهْمِ السامِعِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ ﴾ الآيَةُ.

خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتُهُ، والمَعْنى: إنْ صَدَّقُوا تَصْدِيقًا مِثْلَ تَصْدِيقِكُمْ، فالمُماثَلَةُ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ.

وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، والتَقْدِيرُ آمَنُوا مِثْلُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ كالضَمِيرِ في "لَهُ"، فَكَأنَّ الكَلامَ: فَإنْ آمَنُوا بِاللهِ مِثْلَ ما آمَنتُمْ بِهِ.

ويَظْهَرُ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى "ما".

وقِيلَ: "مِثْلِ" زائِدَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن مَجازِ الكَلامِ، تَقُولُ: هَذا أمْرٌ لا يَفْعَلُهُ مِثْلُكَ، أيْ لا تَفْعَلُهُ أنْتَ، فالمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَكاهُ عنهُ الطَبَرِيُّ قِراءَةً، ثُمَّ أُسْنِدَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ، فَإنَّهُ لا مَثَلَ لِلَّهِ تَعالى، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ أو بِما آمَنتُمْ بِهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ، أيْ هَكَذا فَلْيَتَأوَّلْ، وَحَكاهُما أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قِراءَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فاللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا، يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ والنَصارى، والشِقاقُ: المُشاقَّةُ والمُحادَّةُ والمُخالَفَةُ، أيْ في شِقاقٍ لَكَ هم في شِقٍّ وأنْتَ في شِقٍّ، وقِيلَ: الشِقاقُ مَعْناهُ شَقَّ كُلُّ واحِدٍ وصَلَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى أنَّهُ سَيَكْفِيهِ إيّاهُمْ، ويُغَلِّبُهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ في قَتْلِ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ النَضِيرِ، وهَذا الوَعْدُ وانْتِجازُهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  .

و"السَمِيعُ" لِقَوْلِ كُلِّ قائِلٍ، "العَلِيمُ" بِما يَجِبُ أنْ يَنْفُذَ في عِبادِهِ.

و ﴿ صِبْغَةَ اللهِ ﴾ شَرِيعَتُهُ وسُنَّتُهُ وفِطْرَتُهُ، وذَلِكَ أنَّ النَصارى لَهم ماءٌ يَصْبُغُونَ فِيهِ أولادَهُمْ، فَهَذا يَنْظُرُ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: سُمِّيَ الدِينُ "صِبْغَةً" اسْتِعارَةٌ مِن حَيْثُ تَظْهَرُ أعْمالُهُ وسَمْتُهُ عَلى المُتَدَيِّنِ كَما يَظْهَرُ الصَبْغُ في الثَوْبِ وغَيْرِهِ.

ونَصْبُ الصِبْغَةِ عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "مِلَّةَ"، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ هو في مَعْنى يَلْبَسُونَ أو يَتَجَلَّلُونَ صِبْغَةَ اللهِ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ ونَحْنُ لَهُ: مُسْلِمُونَ صِبْغَةُ اللهِ، فَهي مُتَّصِلَةٌ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "مَن قَرَأ بِرَفْعِ "مِلَّةَ" قَرَأ بِرَفْعِ "صِبْغَةَ" ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ذَكَرْتُها عَنِ الأعْرَجِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا متصل بالقول المأمور به في ﴿ قولوا آمنا بالله ﴾ [البقرة: 136] وما بينها اعتراض كما علمت والمعنى آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل الأنبياء من قبل إيماناً صبغة الله.

وصبغة بكسر الصاد أصلها صِبغ بدون علامة تأنيث وهو الشيء الذي يصبغ به بزنة فِعل الدال على معنى المفعول مثل ذِبح وقِشر وكِسر وفِلق.

واتصاله بعلامة التأنيث لإرادة الوحدة مثل تأنيث قشرة وكسرة وفلقة، فالصبغة الصبغ المعين المحضر لأن يصبغ به.

وانتصابه على أنه مفعول مطلق نائب عن عامله أي صبغنا صبغة الله كما انتصب ﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ﴾ [الروم: 6] بعد قوله: ﴿ ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ﴾ [الروم: 5] بتقدير وعدهم النصر.

أو على أنه بدل من قوله: ﴿ ملة إبراهيم ﴾ [البقرة: 135] أي الملة التي جعلها الله شعارنا كالصبغة عند اليهود والنصارى، أو منصوباً وصفاً لمصدر محذوف دل عليه فعل ﴿ آمنا بالله ﴾ والتقدير آمنا إيماناً صبغة الله، وهذا هو الوجه الملائم لإطلاق صبغة على وجه المشاكلة، وما ادعاه صاحب «الكشاف» من أنه يفضي إلى تفكيك النظم تهويل لا يعبأ به في الكلام البليغ لأن التئام المعاني والسياق يدفع التفكك، وهل الاعتراض والمتعلقات إلا من قبيل الفصل يتفكك بها الألفاظ ولا تؤثر تفككاً في المعاني، وجعله صاحب «الكشاف» تبعاً لسيبويه مصدراًمبيناً للحالة مثل الجلسة والمشية وجعلوا نصبه على المفعول المطلق المؤكد لنفسه أي لشيء هو عينه أي إن مفهوم المؤكد (بالفتح) والتأكيد متحدان فيكون مؤكداً لآمنا لأن الإيمان والصبغة متلازمان على حد انتصاب ﴿ وعد الله ﴾ من قوله تعالى: ﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ﴾ توكيداً لمضمون الجملة التي قبله وهي قوله: ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء ﴾ [الروم: 4، 5] وفيه تكلفنان لا يخفيان.

والصبغة هنا اسم للماء الذي يغتسل به اليهود عنواناً على التوبة لمغفرة الذنوب والأصل فيها عندهم الاغتسال الذي جاء فرضه في التوراة على الكاهن إذا أراد تقديم قربان كفارة عن الخطيئة عن نفسه أو عن أهل بيته، والاغتسال الذي يغتسله الكاهن أيضاً في عيد الكفارة عن خطايا بني إسرائيل في كل عام، وعند النصارى الصبغة أصلها التطهر في نهر الأردن وهو اغتسال سنه النبيء يحيى بن زكرياء لمن يتوب من الذنوب فكان يحيى يعظ بعض الناس بالتوبة فإذا تابوا أتوه فيأمرهم بأن يغتسلوا في نهر الأردن رمزاً للتطهر الروحاني وكانوا يسمون ذلك «معموذيت» بذال معجمة وبتاء فوقية في آخره ويقولون أيضاً معموذيتا بألف بعد التاء وهي كلمة من اللغة الأرامية معناها الطهارة، وقد عربه العرب فقالوا معمودية بالدال المهملة وهاء تأنيث في آخره وياؤه التحتية مخففة.

وكان عيسى بن مريم حين تعمد بماء المعمودية أنزل الله عليه الوحي بالرسالة ودعا اليهود إلى ما أوحى الله به إليه وحدث كفر اليهود بما جاء به عيسى وقد آمن به يحيى فنشأ الشقاق بين اليهود وبين يحيى وعيسى فرفض اليهود التعميد، وكان عيسى قد عمد الحواريين الذين آمنوا به، فتقرر في سنة النصارى تعميد من يدخل في دين النصرانية كبيراً، وقد تعمد قسطنطين قيصر الروم حين دخل في دين النصرانية، أما من يولد للنصارى فيعمدونه في اليوم السابع من ولادته.

وإطلاق اسم الصبغة على المعمودية يحتمل أن يكون من مبتكرات القرآن ويحتمل أن يكون نصارى العرب سموا ذلك الغسل صبغة، ولم أقف على ما يثبت ذلك من كلامهم في الجاهلية، وظاهر كلام الراغب أنه إطلاق قديم عند النصارى إذ قال: «وكانت النصارى إذا ولد لهم ولد غمسوه بعد السابع في ماء معمودية يزعمون أن ذلك صبغة لهم».

أما وجه تسمية المعمودية (صبغة) فهو خفي إذ ليس لماء المعمودية لون فيطلق على التلطخ به مادة ص ب غ وفي «دائرة المعارف الإسلامية» أن أصل الكلمة من العبرية ص ب ع أي غطس، فيقتضي أنه لما عرب أبدلوا العين المهملة غيناً معجمة لعله لندرة مادة صبع بالعين المهملة في المشتقات وأياً ما كان فإطلاق الصبغة على ماء المعمودية أو على الاغتسال به استعارة مبنية على تشبيه وجهه تخييلي إذ تخيلوا أن التعميد يكسب المعمد به صفة النصرانية ويلونه بلونها كما يلون الصبغ ثوباً مصبوغاً وقريب منه إطلاق الصبغ على عادة القوم وخلقهم وأنشدوا لبعض ملوك همدان: وكل أناس لهم صبغة *** وصبغة همْدانَ خيرُ الصِّبَغ صَبغْنا على ذلكَ أبناءنا *** فأكرم بصبغتنا في الصبغ وقد جعل النصارى في كنائسهم أحواضاً صغيرة فيها ماء يزعمون أنه مخلوط ببقايا الماء الذي أهرق على عيسى حين عمده يحيى وإنما تقاطر منه جمع وصب في ماء كثير ومن ذلك الماء تؤخذ مقادير تعتبر مباركة لأنها لا تخلوعن جزء من الماء الذي تقاطر من اغتسال عيسى حين تعميده كما ذلك في أوائل الأناجيل الأربعة.

فقوله: ﴿ صبغة الله ﴾ رد على اليهود والنصارى معاً أما اليهود فلأن الصبغة نشأت فيهم وأما النصارى فلأنها سنة مستمرة فيهم، ولما كانت المعمودية مشروعة لهم لغلبة تأثير المحسوسات على عقائدهم رد عليهم بأن صبغة الإسلام الاعتقاد والعمل المشار إليهما بقوله: ﴿ قولوا آمنا بالله ﴾ [البقرة: 136] إلى قوله: ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ [البقرة: 136] أي إن كان إيمانكم حاصلاً بصبغة القسيس فإيماننا بصبغ الله وتلوينه أي تكييفه الإيمان في الفطرة مع إرشاده إليه، فإطلاق الصبغة على الإيمان استعارة علاقتها المشابهة وهي مشابهة خفية حسنها قصد المشاكلة، والمشاكلة من المحسنات البديعية ومرجعها إلى الاستعارة وإنما قصد المشاكلة باعث على الاستعارة، وإنما سماها العلماء المشاكلة لخفاء وجه التشبيه فأغفلوا أن يسموها استعارة وسموها المشاكلة، وإنما هي الإتيان بالاستعارة لداعي مشاكلة لفظ للفظ وقع معه.

فإن كان اللفظ المقصود مشاكلته مذكوراً فهي المشاكلة، ولنا أن نصفها بالمشاكلة التحقيقية كقول ابن الرَّقعمق: قالوا اقتَرح شيئاً نُجِدْ لك طَبْخَه *** قلتُ اطبُخُوا لِي جُبَّةً وقميصاً استعار الطبخ للخياطة لمشاكلة قوله نجد لك طبخه، وإن كان اللفظ غير مذكور بل معلوماً من السياق سميت مشاكلة تقديرية كقول أبي تمام: مَنْ مُبْلغٌ أفناءَ يعرُبَ كلها *** أَني بَنَيْتُ الجارَ قبل المَنزل استعار البناء للاصطفاء والاختيار لأنه شاكل به بناء المنزل المقدر في الكلام المعلوم من قوله قبل المنزل، وقوله تعالى: ﴿ صبغة الله ﴾ من هذا القبيل والتقدير في الآية أدق من تقدير بيت أبي تمام وهو مبني على ما هو معلوم من عادة النصارى واليهود بدلالة قوله: ﴿ كونوا هوداً أو نصارى ﴾ [البقرة: 135] على ما يتضمنه من التعميد.

والاستفهام في قوله: ﴿ ومن أحسن من الله صبغة ﴾ إنكاري ومعناه لا أحسن من الله في شأن صبغته، فانتصب (صبغة) على التمييز، تمييز نسبة محول عن مبتدأ ثان يقدر بعد (من) في قوله: ﴿ ومن أحسن ﴾ والتقدير ومن صبغته أحسن من الله أي من صبغة الله قال أبو حيان في «البحر المحيط»: وقل ما ذكر النحاة في التمييز المحول عن المبتدأ.

وقد تأتي بهذا التحويل في التمييز إيجاز بديع إذ حذف كلمتان بدون لبس فإنه لما أسندت الأحسنية إلى من جاز دخول من التفضيلية على اسم الجلالة بتقدير مضاف لأن ذلك التحويل جعل ما أضيفت إليه صبغة هو المحكوم عليه بانتفاء الأحسنية فعلم أن المفضل عليه هو المضاف المقدر أي ومن أحسن من صبغة الله.

وجملة ﴿ ونحن له عابدون ﴾ عطف على ﴿ آمنا ﴾ وفي تقديم الجار والمجرور على عامله في قوله: ﴿ له عابدون ﴾ إفادة قصر إضافي على النصارى الذين اصطبغوا بالمعمودية لكنهم عبدوا المسيح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ لِلْإيمانِ مِثْلٌ لا يَكُونُ إيمانًا؟

قِيلَ: مَعْنى الكَلامِ: فَإنْ آمَنُوا مِثْلَ إيمانِكُمْ، وصَدَّقُوا مِثْلَ تَصْدِيقِكم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وهَذا هو مَعْنى القِراءَةِ وإنْ خالَفَ المُصْحَفَ.

﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ ﴾ يَعْنِي في مَشاقَّةٍ وعَداوَةٍ، وأصْلُ الشِّقاقِ البُعْدُ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ أخَذَ فُلانٌ في شِقٍّ، وفُلانٌ في شِقٍّ آخَرَ، إذا تَباعَدُوا.

وَكَذَلِكَ قِيلَ لِلْخارِجِ عَنِ الجَماعَةِ، قَدْ شَقَّ عَصا المُسْلِمِينَ لِبُعْدِهِ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ دِينُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

وَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في ماءٍ لَهُمْ، ويَقُولُونَ هَذا تَطْهِيرٌ لَهم كالخِتانِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِأنْ قالَ: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ أيْ صِبْغَةُ اللَّهِ أحْسَنُ صِبْغَةٍ، وهي الإسْلامُ.

والثّانِي: أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ، هي خِلْقَةُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

فَإنْ كانَتِ الصِّبْغَةُ هي الدِّينَ، فَإنَّما سُمِّيَ الدِّينُ صِبْغَةً، لِظُهُورِهِ عَلى صاحِبِهِ، كَظُهُورِ الصِّبْغِ عَلى الثَّوْبِ، وإنْ كانَتْ هي الخِلْقَةَ فَلِإحْداثِهِ كَإحْداثِ اللَّوْنِ عَلى الثَّوْبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ صبغة الله ﴾ قال: دين الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ صبغة الله ﴾ قال: فطرة الله التي فطر الناس عليها.

وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل يصبغ ربك؟

فقال: اتقوا الله.

فناداه ربه: يا موسى سألوك هل يصبغ ربك فقل: نعم، أنا أصبغ الألوان الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها في صبغتي، وأنزل الله على نبيه ﴿ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ﴾ وأخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس موقوفاً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: إن اليهود تصبغ أبناءها يهود، وإن النصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإِسلام، ولا صبغة أحسن من صبغة الله الإِسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً ومن كان بعده من الأنبياء.

وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد عن ابن عباس في قوله: ﴿ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ﴾ قال: البياض.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ صِبغَةَ الله ﴾ الصِّبْغ: ما يُلَوَّنُ به الثياب، والصَّبْغُ المصدر، وأصله: المزجُ للتلوين، وما يُصْطبَغُ به من الأطعمة يسمى: صِبْغا وصِبَاغًا؛ لأنه مزج شيء بشيء، ولون بلون (١) قال الحسن (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) دعِ الشَّرَّ وَانْزِلْ بِالنَّجَاةِ تَحَرُّزًا ...

إذا أنت لم يَصْبِغْكَ في الشَّرِّ صَابغُ (٩) قال اللحياني: تَصَبَّغَ فلان في الدين تَصَبُّغُا، وصِبْغَةً حسنة (١٠) وقال أبو عمرو: كل ما يتقرب به إلى الله عز وجل فهو الصِّبْغَةُ (١١) وقال ابن عباس: إن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى على سبعة أيام غمسوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، وصبغوه به ليطهروه بذلك مكان الختان (١٢) قال الأزهري: يقال: صَبَغَتِ الناقَةُ مَشَاَفِرَها في الماء: إذا غمستها، وصبغ يده في الماء (١٣) قد صبغت مشافرًا كالأشبارْ (١٤) فسمي الختانُ صبغةً من حيثُ كان بدل ما فعلوه من صبغهم أولادهم، كما قال: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا  ﴾ فسمى الثانية سيئة لما كانت في معارضة الأولى، كذلك الختانة سماها الله تعالى صبغة؛ لأنها تجري (١٥) (١٦) وذكر أبو إسحاق في قوله: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ قولًا آخر، هو مذهب أبي عُبيدة (١٧) ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ أي: خِلقَةَ الله، من صبَغْتُ الثوب، إذا غيرتُ لونَه وخِلْقَتَه، فيجوز أن يسمى الخلقة صبغة، والله تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام بدليل قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ  ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا  ﴾ (١٨)  قال: "كل مولود يُولَد على الفطرة" (١٩) ﴿ بَلَى ﴾ وهو الفطرة، ومعنى الفطرة (٢٠) وانتصب قوله: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ عند الأخفش (٢١) ﴿ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

وذكر الزجاج (٢٢) ﴿ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ، وقال أبو عبيد: نصب على الإغراء، أي: الزموا واتبعوا (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ أي: دينًا، على القول الأول، وعلى قول ابن عباس: تطهيرًا، ومعناه: أن التطهير الذي أمر الله به مبالغ في النظافة، وعلى قول أبي إسحاق: فطرة وخلقة.

(١) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1975 - 1976 "صبغ"، "البحر المحيط" 1/ 411.

(٢) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 245.

(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 571، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 245.

(٤) المراجع السابقة.

(٥) المراجع السابقة.

(٦) المراجع السابقة.

(٧) المراجع السابقة.

(٨) المراجع السابقة.

(٩) البيت بلا نسبة في: "أساس البلاغة"، (دبغ)، (صبغ)، "المعجم المفصل" 3/ 267.

(١٠) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1976، وابن منظور في "اللسان" 4/ 2396 (صبغ).

(١١) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1976، وعنه ابن منظور في "اللسان" 4/ 2396.

(١٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1223، وعنه البغوي في "تفسيره" 1/ 157، والواحدي في "أسباب النزول" ص 44، 45، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 151، "تفسير القرطبي" 2/ 132، و"الخازن" 1/ 116، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 411، وابن حجر في "العجاب" 1/ 382.

(١٣) "تهذيب اللغة" له 2/ 1976 (صبغ).

(١٤) هذا رجز ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1976، وابن منظور في "اللسان" 4/ 2396 (صبغ)، ولم ينسباه.

(١٥) في (م): (تجزي).

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 82، وينظر: "الزاهر" 1/ 145، "تفسير الطبري" 1/ 570.

(١٧) "مجاز القرآن" 1/ 59.

(١٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 215 - 216، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 1221.

(١٩) أخرجه البخاري (1385) كتاب "الجنائز"، باب: ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم (2658) كتاب "القدر"، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة: 4/ 2047، حديث 2658.

(٢٠) ليست في (أ) و (م).

(٢١) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 150، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1224.

(٢٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 215.

(٢٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1223، وذكر هذا الوجه ابن الأنباري في "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 126، وأبو حيان في "البحر" 1/ 412، والبغوي في "تفسيره" 1/ 157.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ﴾ وعدٌ ظهر مصداقه فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير وغير ذلك ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ أي دينه وهو استعارة من صبغ الثوب وغيره، ونصبه على الإغراء، وعلى المصدر من المعاني المتقدمة، أو بدل من ملة إبراهيم ﴿ كَتَمَ شهادة ﴾ من الشهادة بأن الأنبياء على الحنفية ﴿ مِنَ الله ﴾ يتعلق بكتم، أو كأن المعنى شهادة تخلصت له من الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أم تقولون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر والحماد والمفضل، الباقون: بياء الغيبة.

الوقوف: ﴿ تهتدوا ﴾ (ط) ﴿ المشركين ﴾ (ه) ﴿ ومن ربهم ﴾ (ج) لطول الكلام والاستئناف والأصح أنه حال أي آمنا غير مفرقين ﴿ منهم ﴾ (ج) لاحتمال الابتداء والحال أوجه ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ اهتدوا ﴾ (ج) لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ شقاق ﴾ ج للابتداء بسين الوعيد مع دخول الفاء ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ (ج) لاحتمال الواو الابتداء والحال ﴿ العليم ﴾ (ط) لأن الجملة الناصبة لقوله ﴿ صبغة الله ﴾ محذوفة يدل عليها قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ وقوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ شرط معترض ﴿ صبغة الله ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام مع أن الواو للحال ﴿ صبغة ﴾ (ج) على جعل الواو للابتداء أو للحال أو للعطف على آمنا ﴿ عابدون ﴾ (ه) ﴿ وربكم ﴾ (ج) لأن الواو يصلح أن يكون عطفاً على الحال الأولى ويصلح أن يكون مستأنفاً ﴿ أعمالكم ﴾ (ج) ﴿ مخلصون ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ أم يقولون ﴾ بياء الغيبة، ومن قرأ بالتاء لم يقف لكون "أم" معادلة للهمزة في ﴿ أتحاجوننا ﴾ ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أم الله ﴾ (ط) ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ تعملون ﴾ (ه) ﴿ فدخلت ﴾ (ج) ﴿ ما كسبتم ﴾ (ج) ﴿ يعملون ﴾ .

التفسير: إنه  لما بين بالدلائل المتقدمة صحة دين الإسلام، ذكر أنواعاً من شبه الطاعنين منها: أن اليهود قالوا ﴿ كونوا هوداً ﴾ تهتدوا، والنصارى قالوا كذلك، لما علم من التعادي بين الفريقين كما بين كل منهما وبين المسلمين وقد مر مثل هذا في قوله  ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ فأجابهم الله بقوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ أي نكون أهل ملته مثل ﴿ وسئل القرية  ﴾ أي أهلها، أو بل نتبع ملة إبراهيم وقرئ بالرفع أي ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن أهل ملته، وحنيفاً حال من المضاف إليه كقولك "رأيت وجه هند قائمة" وذلك أن المضاف إليه متضمن للحرف فيقتضي متعلقاً هو الفعل أو شبهه، وحينئذ يشتمل على فاعل ومفعول.

فالحال عن المضاف إليه ترجع في التحقيق إلى الحال عن أحدهما وعند الكوفيين نصب على القطع أراد ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منها فانتصب، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وتحنف إذا مال وحاصل الجواب أن المعّول في الدين إن كان النظر والاستدلال فقد قدمنا الدلائل، وإن كان التقليد فالمتفق أولى من المختلف.

وقد اتفق الكل على صحة دين إبراهيم فاتباعه أولى وهذا جواب إلزامي، ثم لما كان من المحتمل أن يزعم اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم أزيحت علتهم بقوله ﴿ وما كان من المشركين ﴾ لكون النصارى قائلين بالتثليث واليهود بالتشبيه، وأيضاً قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، فليسوا من ملة إبراهيم التي هي محض التوحيد وخالص الإسلام في شيء ﴿ قولوا ﴾ خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل، وكذلك قوله ﴿ بل ملة إبراهيم ﴾ يجوز أن يكون أمراً لهم أي اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته، وهذا جواب آخر برهاني، وذلك أن طريق معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز على أيديهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد  وجب الاعتراف بنبوته والإيمان به وبما أنزل عليه كما اعترفوا بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وعن الحسن أن قوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ خطاب للنبي وقوله ﴿ قولوا ﴾ خطاب لأمته والظاهر العموم وإنما قدم الإيمان بالله لأن معرفة النبي والكتاب متوقفة على معرفته وفيه إبطال ما ذهب إليه التعليمية والمقلدة من أن طريق معرفة الله الكتاب والسنة، قال الخليل: الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب.

وقيل: السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي النبي  فهم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، عدّد بعض الأنبياء لتقدمهم وشرفهم ثم عمم لتعذر التفصيل.

﴿ لا نفرق بين أحد منهم ﴾ لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كأهل الكتاب.

ومعنى الإيمان بجميعهم أن كلا منهم حق في زمانه أولا نقول إنهم متفرقون في أصول الديانة ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً  ﴾ وأحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ إذعاناً وإخلاصاً فلا جرم لا نخص بالقبول بعض عبيده المؤيدين بالمعجزات خلاف من كان إسلامه تقليداً أو هوى.

ولما بين الطريق الواضح في الدين وهو أن يعترف الإنسان بنبوة كل من قامت الدلالة على نبوته من غير مناقضة، رغبهم في مثل هذا الإيمان، وههنا سؤال وهو أن دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله ﴿ بمثل ما آمنتم به ﴾ ؟

والجواب أن قوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ بكلمة الشك دليل على أن الأمر مبني على الفرض، والتقدير أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد ﴿ فقد اهتدوا ﴾ لكن لا دين صحيحاً سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف غيره فلا اهتداء إلا بهذا، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه "هذا هو الرأي الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به" وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل: الباء للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم.

وقيل: المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود ﴿ فإن آمنوا بما آمنتم به ﴾ وقيل: معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة نبوة محمد  .

وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله  وكشف عن وجوهها، والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى.

وإن تولوا عما قيل لهم ولم ينصفوا فما هم إلا في شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم، أو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه، وفي وصف القوم بذلك دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع في المحن، فلا جرم آمنه الله  والمؤمنين من كيدهم وقال ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ وناهيك به من كاف كافل.

ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن فيها معنى التوكيد لوقوعها في مقابلة "لن" قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل، ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله في القرآن وكل ذلك مما يتأكد به إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح ﴿ وهو السميع العليم ﴾ وعد لرسول الله  أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك في أعلاء كلمة الحق وإعلانها فهو يستجيب لك لا محالة، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك ﴿ صبغة الله ﴾ مصدر مؤكد منتصب عن قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من ﴿ ملة إبراهيم ﴾ أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة الله، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام.

والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة.

والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفس.

وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرام، ونظيره قوله ﴿ إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم  ﴾ وقيل: اللفظة من قولهم "فلان يصبغ فلاناً في الشر" أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثوب.

وقيل: سمي الدين صبغة لظهور هيئته عند صاحبه.

﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود  ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وقيل: وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله ليبين أن المباينة بينه وبين غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان.

وقيل: صبغة الله فطرته.

أقول: وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم الصبغ للثوب، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به.

وقيل: صبغة الله الختان.

وقيل: حجة الله.

وقيل: سنة الله.

﴿ ومن أحسن من الله صبغة ﴾ معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة أحسن من الإيمان بالله والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر وأوزار الشرك.

﴿ ونحن له عابدون ﴾ عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مراراً.

﴿ قل أتحاجوننا ﴾ أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان، وإما قولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ وقولهم ﴿ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ وأما الخطاب فإما لأهل الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ وإما للكل والمعنى، أتجادلون في شأن الله أو في دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلاً له، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي ﴿ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ فكما أن لكم أعمالاً ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك، فالعمل هو الأساس وبه الاعتبار ولكن ﴿ نحن له مخلصون ﴾ موحدون لا نقصد بالعبادة أحداً سواه، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد الكرامة من عنده.

﴿ أم تقولون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب احتمل أن تكون "أم" منقطعة بمعنى استئناف استفهام آخر أي بل أتقولون والهمزة للإنكار كما في ﴿ أتحاجوننا ﴾ واحتمل أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء إنكاراً عليهم واستجهالاً لهم بما كان منهم.

وعن الزجاج: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟

ومن قرأ بياء الغيبة فلا تكون إلا منقطعة لانقطاع الاستفهام الأول بسبب الالتفات.

﴿ قل أأنتم أعلم أم الله ﴾ بل الله أعلم وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل والقرآن بأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، وكيف لا وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟

ولأنهم مقرون بأن الله أعلم، وقد أخبر بنقيض ما ادعوه فإن قالوا ذلك عن ظن فقد بان لهم خطؤه، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد فما أجهلهم وأشقاهم، فإذن فائدة الكلام إما التنبيه وإما التجهيل.

﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قوله ﴿ من الله ﴾ إما أن يتعلق بأظلم والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه هوداً أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بكتم أي لا أحد أظلم ممن عنده شهادة، ثم إنه لم يقمها عند الله وكتمها وأخفاها منه وأما أن يتعلق بشهادة كقولك "عندي شهادة من فلان" ومثله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ والمعنى ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لم يكتموا ما عندهم من الحق وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله فأنكروا نبوة محمد وحنيفية إبراهيم وغير ذلك من تحريفاتهم.

﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ كلام جامع لكل وعيد لهم ولأضرابهم، ولو أن أحداً كان عليه رقيب من قبل ملك مجازي لكان دائم الحذر والوجل، فكيف بالرقيب القريب الذي يعلم أسراره ويعد عليه أنفاسه وأفكاره ثم هو يقدر على أن يدخله جنته أو ناره؟

﴿ تلك أمة ﴾ إشارة إلى إبراهيم وبنيه.

كما مر، وإنما أعيدت الآية ههنا لغرض آخر وهو زجرهم عن الاشتغال بوصف ما عليه الأمم السالفة من الدين فإن أديانهم لا تنفع إلا إياهم لاندراس آثارها وانطماس أنوارها، وأما الآن فالدين هو الإسلام الثابت بالدليل القاطع والبرهان البين فيجب اتباع المعلوم واقتفاؤه وإلقاء المظنون وإلغاؤه، ولا يسأل المتأخر عن المتقدم ولا المحسن عن المسيء وكل بعمله مجزي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا...

﴾ .

الآية.

فالآية تنقض على من يسْتثنى في إيمانه؛ لأَنه أَمرهم أَن يقولوا قولاً باتّاً، لا ثُنْيا فيه ولا شك.

وكذلك قوله: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ .

ثم يحتمل: أن يكون هذا ردّاً على أُولئك الكفرة، حيث فرقوا بين الرسل، آمنوا ببعضهم وكفروا ببعض.

وكذلك آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعضها؛ فأَمر الله - عز وجل - المؤمنين، ودعاهم: إلى أن يؤمنوا بالرسل كلهم، والكتب جميعاً، لا يفرقون بين أَحد منهم، كما فرق أُولئك الكفرة.

ويحتمل: أَن يكون ابتداء تعليم الإيمان من الله - عز وجل - لهم بما ذكر من الجملة.

ثم اختلف في الحنيف.

قيل: الحنيف: المسلم.

وقيل: الحنيف: الحجاج.

وقيل: كل حنيف ذكر بعده مسلم فهو الحجاج، وكل حنيف لم يذكر بعده مسلم فهو مسلم.

وقيل: الحنيف: المائل إلى الحق والإسلام.

وقوله: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .

روي عن ابن عباس -  ما - قال: لا تقرأ ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ ؛ فإِن الله ليس له مثل، ولكن اقرأ: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ ، أو ﴿ بمَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ .

وكذلك في حرف ابن مسعود -  -: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بمَآ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ ، تصديقاً لذلك.

على ذلك قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ إِن الكاف زائدة، أَي: ليس مثله شيء.

وهو في حرف ابن مسعود -  - كذلك.

ويحتمل: آمنوا بلسانهم، بمثل ما آمنتم بلسانكم، من الرسله والكتب جميعاً فقد اهتدوا.

ويحتمل بمثل ما آمنتم به: أَي بلسانٍ غير لسانهم فقد اهتدوا.

وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ .

قيل: الشقاق هو الخلاف.

وقيل: الشقاق هو الخلاف الذي فيه العداوة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

هذا وعيد من الله - عز وجل - لهم، ووَعْدٌ وَعَدَ نَبيَّه بالصبر له؛ لأَن أُولئك كانوا يتناصرون بتناصر بعضهم ببعض، فوَعَد له عز وجل النصر له بقتل بعضهم، وإجلاء آخرين إلى الشام وغيره.

وقوله: ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً ﴾ .

قيل: دين الله.

وقيل: فطرةُ الله؛ كقوله: "كل مولود يولد على الفطرة" وقيل: ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ﴾ : حجة الله التي أقامها على أُولئك.

وقيل: ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ﴾ : سنة الله.

ثم يرجع قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً ﴾ أي: ديناً [وسنة] وحجة تدرك بالدلائل التي نصبها وأَقامها فيه، ليس كدين أُولئك الذين أَسسوا على الحيْرة والغفلة بلا حجة ولا دليل.

وقيل: إن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماءٍ ليطهروهم بذلك؛ فقال الله عز وجل: ﴿ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ﴾ يعني الإسلام هو الذي يطهرهم لا الماء.

وقوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ﴾ .

قيل: موحدون.

وقيل: مسلمون مخلصون.

ويحتمل: ونحن عبيده.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الزموا دين الله الَّذي فطركم عليه ظاهرًا وباطنًا، فلا أحسن دينًا من دين الله، فهو موافق للفطرة، جالب للمصالح، مانع للمفاسد، وقولوا: نحن عابدون لله وحده لا نشرك معه غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.eqaEN"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بيّن في الآيات السابقة حقيقة ملة إبراهيم في سياق دعوة العرب إلى الإسلام ثم أشرك معهم أهل الكتاب لأنهم أقرب إلى الإيمان بإبراهيم وأجدر بإجلاله واتباعه، وانتقل الكلام بهذه المناسبة إلى بيان وحدة الدين الإلهي واتفاق النبيين في جوهره وبيان جهل أهل الكتاب بهذه الوحدة وقصر نظرهم على ما يمتاز به كل دين من الفروع والجزئيات أو التقاليد التي أضافوها على التوراة والإنجيل فبعد بها كل فريق من الآخر أشد البعد، وصار الدين الواحد كفرًا وإيمانًا، كل فريق من أهله يحتكر الإيمان لنفسه ويرمي الآخر بالكفر والإلحاد، وإن كان نبيهم واحدًا وكتابهم واحدًا.

فقوله تعالى ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا  ﴾ بيان لعقيدة الفريقين في التفرق في الدين والضمير في ﴿ وَقَالُوا  ﴾ لأهل الكتاب و ﴿ أَوْ  ﴾ للتوزيع أو التنويع أي أن اليهود يدعون إلى اليهودية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها والنصارى يدعون إلى النصرانية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها -وهذا الأسلوب معهود في اللغة- ولو صدق أي واحد منهما لما كان إبراهيم مهتديًا لأنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، وكيف وهم متفقون على كونه إمام الهدى والمهتدين، لذلك قال تعالى ملقنًا لنبيه البرهان الأقوى في محاجتهم ﴿ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ  ﴾ أي بل نتبع أو اتبعوا ملة إبراهيم الذي لا نزاع في هداه ولا في هديه فهي الملة الحنيفية القائمة على الجادة بلا انحراف ولا زيغ، العريقة في التوحيد والإخلاص بلا وثنية ولا شرك.

والحنيف في اللغة المائل وإنما أطلق على إبراهيم لأن الناس في عصره كانوا على طريقة واحدة وهي الكفر فخالفهم كلهم وتنكب طريقتهم، ولت يسمى المائل حنيفًا إلا إذا كان الميل عن الجادة المعبدة وفي الأساس: من مال عن كل دين أعوج ويطلق على المستقيم وبه فسر الكلمة بعضهم وأورد له شاهدًا من اللغة وهو أقرب.

ومن التأويلات البعيدة ما روي من تفسير الحنيف بالحاج ووجه القول به أنه مما حفظ من دين إبراهيم.

قال بعض المشتغلين بالعربية من الإفرنج إن الحنيفية هي ما كان عليه العرب من الشر واحتجوا على ذلك بقول بعض النصارى في زمن الجاهلية: "إن فعلت هذا أكون حنيفيًا".

وإنها لفلسفة جاءت من الجهل باللغة.

وقد ناظرت بعض الإفرنج في هذا فلم يجد ما يحتج به إلا عبارة ذلك النصراني، وهو الآن يجمع كل ما نقل عن العرب من هذه المادة لينظر كيف كانوا يستعملونها، ولا دليل في كلمة النصراني العربي على أن الكلمة تدل لغة على الشرك وإنما مراده بكلمته البراءة من دين العرب مطلقًا.

ذلك أن بعض العرب كانوا يسمون أنفسهم الحنفاء وينتسبون إلى إبراهيم ويزعمون أنهم على دينه، وكان الناس يسمونهم الحنفاء أيضًا والسبب في التسمية والدعوى أن سلفهم كانوا على ملة إبراهيم حقيقة ثم طرأت عليهم الوثنية فأخذتهم عن عقيدتهم وأنستهم أحكام ملتهم وأعمالها- نسوا بعضها بالمرة وخرجوا ببعض آخر عن أصله ووصفه كالحج- ونفي الشرك عن إبراهيم في آخر الآية احتراس من وهم الواهمين، وتكذيب لدعوى المدعين.

وقد توهم بعض العلماء أن هذا الجواب ﴿ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ إلخ جاء على طريقة الإقناع، وليس حجة حقيقية ووجهوه بقولهم إن أهل الكتاب يعاندون الحق ويكابرون في معجزة النبي  فأمر الله نبيه بأن يلزمهم بالدلائل الإقناعية التي لا يقدرون على مكابرتها والمراء فيها.

والحق أن هذا الجواب حجة حقيقية وقد أشرنا إلى وجهها الوجيه أول لكلام في تفسير الآية.

وقد تجرأ كثير من العلماء على مثل هذا الكلام في كثير من الآيات التي احتج بها القرآن حتى في إثبات الوحدانية، والسبب في ذلك افتتانهم بالطريقة النظرية التي أخذوها عن كتب اليونان، ولقد اهتدى بحجج القرآن الألوف وألوف الألوف وقلما اهتدى بتلك الأدلة النظرية المحضة أحد من الناس، وإنما تفيد في دفع شبهاتهم التي يوردونها على العقائد ولا فائدة فيها سوى المراء والجدل، وقد محيت في عصرنا تلك الشبهات، ورغب الناس عن هاتيك النظريات، وقام بناء العلم على أسس الوقائع والحوادث والمجريات.

وقال (الجلال) إن الآية نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران فهم القائلون ما ذكر.

والتحقيق أن الآية في بيان طبيعة أهل الملتين كما تقدم، وقول يهود المدينة ونصارى نجران ما ذكر-إن صح- لا يقتضي التخصيص، فإنهم ما قالوا إلا ما هو لسان حال ملتهم، وغيرهم يقول مثل قولهم، أو يصدق القائلين باعتقاده وسيرته.

أمر الله النبي بأن يدعو إلى اتباع ملة إبراهيم ثم أمر المؤمنين بمثل ذلك فقال ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ  ﴾ أي لا تكن دعوتكم إلى شيء خاص بكم يفصل بينكم وبين سائر أهل الأديان السماوية، بل انظروا إلى جهة الجمع والاتفاق، وادعوا إلى أصل الدين وروحه الذي لا خلاف فيه ولا نزاع، وهو التسليم بنبوة جميع الأنبياء والمرسلين، مع الإسلام لرب العالمين، لا نعبد إلا الله، ولا نفرق بين أحد من رسل الله.

والأسباط أولاد يعقوب والفرق أو الشعوب الاثنا عشر المتشعبة منهم.

قال تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا  ﴾ وقد ورد أن أولاد يعقوب كانوا أنبياء ولم يرد أنهم كانوا مرسلين، فالمراد بالأسباط الإطلاق الأول وإلا كان في الكلام تقدير مصاف أي أنبياء الأسباط كأنه قال وسائر أنبياء بني إسرائيل وهو المختار، ولم يصح في نبوة غير يوسف من أبناء يعقوب شيء.

﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ  ﴾ ههنا نكتة دقيقة في اختلاف التعبير عن الوحي الذي منحه الله الأنبياء، إذ عبر بأنزل تارة وبأوتي تارة أخرى، وهي أن التعبير بأنزل ذكر هنا في جانب الأنبياء الذين ليس لهم كتب تؤثر ولا صحف تنقل، وذلك أن إنزال الوحي على نبي لا يستلزم إعطاءه كتابًا يؤثر عنه، وهذا ظاهر إذا كان النبي غير مرسل، فإن الوحي إليه يكون خاصًا به ويكون إرشاده للناس أن يعملوا بشرع رسول آخر إن كان بعث فيهم رسول وإلا كان قدوة في الخير ومعدًا للنفوس لبعثة نبي مرسل، وأما النبي المرسل فقد يؤمر بالتبليغ الشفاهي ولا يعطى كتابًا باقيًا وقد يكتب ما يوحى إليه في عصره فيضيع من بعده، فهؤلاء الرسل الكرام الذين عبر عنهم بقوله ﴿ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ  ﴾ لا يؤثر عن أحد منهم كتاب بسند صحيح ولا غير صحيح، وإننا نؤمن بأنهم كانوا أنبياء وأن ما نزل عليهم هو دين الله الحق، وأنه موافق في جوهره وأصوله لما أنزل على من بعدهم.

وما ذكر الله من ملة إبراهيم بالنص هو روح ذلك الوحي كله.

وقد جاء في سورة النجم وسورة الأعلى ذكر صحف لإبراهيم.

قال (الجلال) هنا إنها عشر.

فنؤمن أنه كان له صحف ولا نزيد على ما ورد شيئًا، وأما إسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط فلم يثبت أن لهم صحفًا ولا كتبًا، فنؤمن بما أنزل إليهم بالإجمال، ونعتقد أنه عين ملة إبراهيم، وجاء التعبير عن وحي الذين كان لهم كتب تؤثر بقوله ﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ  ﴾ فهو يشير بالإيتاء إلى أن ما أوحي إليهم له وجود يمكن الرجوع إليه والنظر فيه فإن أقوامهم يأثرون عنهم كتبًا.

وقال بعد ما ذكر الفريقين ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ  ﴾ أي سواء منهم من له كتاب يؤثر ومن ليس له ذلك، نؤمن بالجميع إجمالًا ونأخذ بالتفصيل عن خاتمهم الذي بين لنا أصل ملتهم التي كانوا عليها وزادنا من الحكم والأحكام ما يناسب هذا الزمان وما بعده من الأزمان، والعمدة في الدين على إسلام القلب لله تعالى ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  ﴾ أي مذعنون منقادون كما يقتضي الإيمان الصحيح، ولستم كذلك أهل الكتاب وإنما أنتم مبعوثون لأهوائكم وتقاليدكم لا تحولون عنها.

﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا  ﴾ قال صاحب (الكشاف): إن الآية تعريض بأهل الكتاب وتبكيت لهم، وقال (الجلال) إن لفظ "مثل" زائد.

وليس كذلك، فإن "لمثل" هنا معنى لطيفًا ونكتة دقيقة، وذلك أن أهل الكتاب يؤمنون بالله وبما أنزل على الأنبياء ولكن طرأت على إيمانهم بالله نزغات الوثنية وأضاعوا لباب ما أنزل على الأنبياء وهو الإخلاص والتوحيد وتزكية النفس والتأليف بين الناس وتمسكوا بالقشور وهي رسوم العبادات الظاهرة ونقصوا منها وزادوا عليها ما يبعد كلًا منهم عن الآخر ويزيد في عداوته وبغضائه له، ففسقوا عن مقصد الدين من حيث يدعون العمل بالدين.

فلما بيّن الله لنا حقيقة دين الأنبياء وأنه واحد لا خلاف فيه ولا تفريق، وأن هؤلاء الذين يدعون اتباع الأنبياء قد ضلوا عنه فوقعوا في الخلاف والشقاق، أمرنا سبحانه وتعالى أن ندعوهم إلى الإيمان الصحيح بالله وبما أنزل على النبيين والمرسلين بأن يؤمنوا بمثل ما نؤمن نحن به لا بما هم عليه من ادعاء حلول الله في بعض البشر، وكون رسولهم إلهًا أو ابن الله، ومن التفرق والشقاق لأجل الخلاف في بعض الرسوم والتقاليد.

فالذي يؤمنون به في الله ليس مثل الذي نؤمن به، فنحن نؤمن بالتنزيه، وهم يؤمنون بالتشبيه، وعلى ذلك القياس، فلو قال: فإن آمنوا بالله وبما أنزل على أولئك النبيين وما أوتوه فقد اهتدوا.

لكان لهم أن يجادلونا بقولهم إننا نحن المؤمنين بذلك دونكم، ولفظ"مثل"هو الذي يقطع عرق الجدل.

على أن المساواة في الإيمان بين شخصين بحيث يكون إيمان أحدهما كإيمان الآخر في صفته وقوته وانطباقه على المؤمن به وما يكون في نفس كل منهما من متعلق الإيمان يكاد يكون محالًا فكيف يتساوى إيمان أمم وشعوب كثيرة مع الخلاف العظيم في طرق التعليم والتربية والفهم والإدراك ولو كانت القراءة: فإن آمنوا بما آمنتم به.

كما روي عن ابن عباس في الشواذ لكان الأولى أن يقدر المثل فكيف نقول- وقد ورد لفظ"مثل"متواترًا- إنه زائد؟

﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا  ﴾ أي أعرضوا عما تدعوهم إليه من الرجوع إلى أصل دين الأنبياء ولبابه بإيمان كإيمانكم ﴿ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ  ﴾ أي أن أمرهم محصور في العداوة والمشاقة أي الإيذاء والإيقاع في المشقة أو شق العصا بتحري الخلاف والتعصب لما يفصلهم ويبينهم منكم ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ﴾ أي يكفيك إيذاءهم ومكرهم السيء ويؤيد دعوتك، وينصر أمتك، فهذا الوعد بالكفاية عام للمؤمنين وإن كان الخطاب خاصًا فإن أهل الكتاب وغيرهم ما شاقوا النبي لذاته وما كان لهم حظ في مقاومة شخصه، فالإيذاء كان متوجهًا إليه من حيث هو نبي يدعو إلى دين غير ما كانوا عليه.

وقد أنجز الله وعده للنبي والمؤمنين عندما كانوا على ذلك الإيمان وكان الناس يقاومونهم لأجله، فلما انحرفوا من بعدهم عنه خرجوا عن الوعد، ولو عادوا لعاد الله عليهم بالكفاية والنصر ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  ﴾ .

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ  ﴾ أي صبغنا بما ذكر من ملة إبراهيم صبغة الله، وفطرته فطرنا عليها وهي ما صبغ الله به أنبياءه ورسله والمؤمنين من عباده على سنة الفطرة فلا دخل فيه للتقاليد الوضعية ولا لآراء الرؤساء وأهواء الزعماء، وإنما هو من الله تعالى بلا واسطة متوسط ولا صنع صانع.

والصبغة في أصل اللغة صيغة للهيئة من صبغ الثوب إذا لونه بلون خاص ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً  ﴾ ، أي لا أحسن من صبغته فهي جُماع الخير الذي يؤلف بين الشعوب والقبائل، ويزكي النفوس ويطهر العقول والقلوب، وأما ما أضافه أهل الكتاب إلى الدين من آراء أحبارهم ورهبانهم فهو من الصنعة الإنسانية، والصبغة البشرية، قد جعل الدين الواحد مذاهب متفرقة مفرقة، والأمة الواحدة شيعًا متنافرة متمزقة ﴿ وَنَحْنُ لَهُ  ﴾ وحده ﴿ عَابِدُونَ  ﴾ فلا نتخذ أحبارنا وعلماءنا أربابًا يزيدون في ديننا وينقصون، ويحلون لنا بآرائهم ويحرمون، ويمحون من نفوسنا صبغة الله الموجبة للتوحيد، ويثبتون مكانها صبغة البشر القاضية بالخلاف والتفريق.

والآية تشير إلى أنه لا حاجة في الإسلام إلى تمييز المسلم من غيره بأعمال صناعية كالمعمودية عند النصارى مثلًا، وإنما المدار فيه على ما صبغ الله به الفطرة السليمة من الإخلاص وحب الخير والاعتدال والقصد في الأمور ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده