الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٣٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 63 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول الله تعالى مرشدا نبيه صلوات الله وسلامه عليه إلى درء مجادلة المشركين : ( قل أتحاجوننا في الله ) أي : أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد ، واتباع أوامره وترك زواجره ( وهو ربنا وربكم ) المتصرف فينا وفيكم ، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له !
( ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) أي : نحن برآء منكم ، وأنتم برآء منا ، كما قال في الآية الأخرى : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) [ يونس : 41 ] وقال تعالى : ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) [ آل عمران : 20 ] وقال تعالى إخبارا عن إبراهيم ( وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ) [ الأنعام : 80 ] وقال ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) الآية [ البقرة : 258 ] .
وقال في هذه الآية الكريمة : ( [ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ] ونحن له مخلصون ) أي : نحن برآء منكم كما أنتم برآء منا ، ونحن له مخلصون ، أي في العبادة والتوجه .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " قُلْ أتُحاجُّونَنا في الله "، قل يا محمد = لمعاشر اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا , وزعموا أن دينهم خيرٌ من دينكم, وكتابهم خير من كتابكم، لأنه كان قبلَ كتابكم, وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم = : " أتحاجوننا في الله وهو رَبنا وربكم ", بيده الخيرات, وإليه الثواب والعقابُ, والجزاءُ على الأعمال - الحسنات منها والسيئات, فتزعمون أنكم بالله أوْلى منا، من أجل أن نبيكم قبل نبينا, وكتابكم قبل كتابنا, وربّكم وربّنا واحدٌ, وأنّ لكلّ فريق منا ما عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها, يجازى [عليها] فيثابُ أو يعاقبُ، (37) - لا على الأنساب وقدمَ الدِّين والكتاب.
* * * ويعني بقوله: " قُلْ أتحاجوننا "، قل أتخاصموننا وتجادلوننا؟
كما- 2129- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " قل أتحاجوننا في الله "، قل: أتخاصموننا؟
2130- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: " قل أتحاجُّونَنا "، أتخاصموننا؟
2131- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " أتحاجوننا "، أتجادلوننا؟
* * * فأما قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ)، فإنه يعني: ونحن لله مخلصو العبادةِ والطاعة، لا نشرك به شيئًا, ولا نعبد غيره أحدًا, كما عبد أهل الأوثان معه الأوثانَ, وأصحاب العِجل معه العجلَ.
* * * وهذا من الله تعالى ذكره توبيخٌ لليهود، واحتجاج لأهل الإيمان, بقوله تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: قولوا -أيها المؤمنون، لليهود والنصارى الذين قالوا لكم: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا -: " أتحاجوننا في الله "؟
يعني بقوله: " في الله "، في دين الله الذي أمَرَنا أن نَدينه به, وربنا وربكم واحدٌ عدلٌ لا يجور, وإنما يجازي العبادَ عَلى ما اكتسبوا.
وتزعمون أنّكم أولى بالله منا، لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم, ونحنُ مُخلصون له العبادةَ، لم نشرك به شَيئًا, وقد أشركتم في عبادتكم إياه, فعبد بعضكم العجلَ، وبعضكم المسيحَ، فأنَّى تكونون خيرًا منا, وأولى بالله منا؟
(38) ---------- الهوامش : (37) في المطبوعة : "ويجازى فيثاب أو يعاقب" .
وكأن الصواب يقتضي حذف"الواو" ، وزيادة : "عليها" .
وقوله : "لأعلى الأنساب" معطوف على قوله : "والجزاء على الأعمال" .
(38) في المطبوعة : "وأنى تكونوا خيرًا منا" ، والصواب ما أثبت .
"أنى" استفهام بمعنى : كيف .
قوله تعالى : قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصونقال الحسن : كانت المحاجة أن قالوا : نحن أولى بالله منكم ; لأنا أبناء الله وأحباؤه .
وقيل : لتقدم آبائنا وكتبنا ; ولأنا لم نعبد الأوثان .
فمعنى الآية : قل لهم يا محمد ، أي قل لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم آبائهم وكتبهم : أتحاجوننا أي أتجاذبوننا الحجة على دعواكم والرب واحد ، وكل مجازى بعمله ، فأي تأثير لقدم الدين .
ومعنى في الله أي في دينه والقرب منه والحظوة له .
وقراءة الجماعة : أتحاجوننا .
وجاز اجتماع حرفين مثلين من جنس واحد متحركين ; لأن الثاني كالمنفصل .
وقرأ ابن محيصن " أتحاجونا " بالإدغام لاجتماع المثلين .
قال النحاس : وهذا جائز إلا أنه مخالف للسواد .
ويجوز " أتحاجون " بحذف النون الثانية ، كما قرأ نافع فبم تبشرونقوله تعالى : ونحن له مخلصون أي مخلصون العبادة ، وفيه معنى التوبيخ ، أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم ، والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين ، قال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو [ ص: 137 ] لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء .
رواه الضحاك بن قيس الفهري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فذكره ، خرجه الدارقطني .
وقال رويم : الإخلاص من العمل هو ألا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين ولا حظا من الملكين .
وقال الجنيد : الإخلاص سر بين العبد وبين الله ، لا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولا هوى فيميله .
وذكر أبو القاسم القشيري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : سألت جبريل عن الإخلاص ما هو فقال : سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو قال سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي .
المحاجة هي: المجادلة بين اثنين فأكثر, تتعلق بالمسائل الخلافية, حتى يكون كل من الخصمين يريد نصرة قوله, وإبطال قول خصمه، فكل واحد منهما, يجتهد في إقامة الحجة على ذلك، والمطلوب منها, أن تكون بالتي هي أحسن, بأقرب طريق يرد الضال إلى الحق, ويقيم الحجة على المعاند, ويوضح الحق, ويبين الباطل، فإن خرجت عن هذه الأمور, كانت مماراة, ومخاصمة لا خير فيها, وأحدثت من الشر ما أحدثت، فكان أهل الكتاب, يزعمون أنهم أولى بالله من المسلمين, وهذا مجرد دعوى, تفتقر إلى برهان ودليل.
فإذا كان رب الجميع واحداً, ليس رباً لكم دُوننا, وكل منا ومنكم له عمله, فاستوينا نحن وإياكم بذلك.
فهذا لا يوجب أن يكون أحد الفريقين أولى بالله من غيره؛ لأن التفريق مع الاشتراك في الشيء, من غير فرق مؤثر, دعوى باطلة, وتفريق بين متماثلين, ومكابرة ظاهرة.
وإنما يحصل التفضيل, بإخلاص الأعمال الصالحة لله وحده، وهذه الحالة, وصفُ المؤمنين وحدهم, فتعين أنهم أولى بالله من غيرهم؛ لأن الإخلاص, هو الطريق إلى الخلاص، فهذا هو الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان, بالأوصاف الحقيقية التي يسلمها أهل العقول, ولا ينازع فيها إلا كل مكابر جهول، ففي هذه الآية, إرشاد لطيف لطريق المحاجة, وأن الأمور مبنية على الجمع بين المتماثلين, والفرق بين المختلفين.
{قل} يا محمد لليهود والنصارى.
{أتحاجوننا في الله} أي في دين الله، والمحاجة: المجادلة في الله لإظهار الحجة، وذلك بأنهم قالوا إن الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا، وديننا أقوم فنحن أولى بالله منكم فقال الله تعالى: {قل أتحاجوننا في الله}.
{وهو ربنا وربكم} أي نحن وأنتم سواء في الله فإنه ربنا وربكم.
{ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي لكل واحد جزاء عمله، فكيف تدعون أنكم أولى بالله.
{ونحن له مخلصون} وأنتم به مشركون.
قال سعيد بن جبير : "الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله لله فلا يشرك به في دينه ولا يرائي بعمله"، قال الفضيل: "ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، و الإخلاص أن يعافيك الله منهما".
«قل» لهم «أتحاجوننا» تخاصموننا «في الله» أن اصطفى نبيا من العرب «وهو ربنا وربكم» فله أن يصطفي من عباده ما يشاء «ولنا أعمالنا» نجازى بها «ولكم أعمالكم» تجازون بها فلا يبعد أن يكون في أعمالنا ما نستحق به الإكرام «ونحن له مخلصون» الدين والعمل دونكم فنحن أولى بالاصطفاء، والهمزة للإنكار والجمل الثلاث أحوال.
قل -أيها الرسول لأهل الكتاب-: أتجادلوننا في توحيد الله والإخلاص له، وهو رب العالمين جميعًا، لا يختص بقوم دون قوم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ونحن لله مخلصو العبادة والطَّاعة لا نشرك به شيئًا، ولا نعبد أحدًا غيره.
ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في تذكيرهم ودحض حجتهم فقال تعالى : ( قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ .
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ الله وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين قالوا لك ولأصحابك ( كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ) وزعموا أن دينهم هو المعتبر عند الله دون دينك ، قل لهم : أتجادلوننا في دين الله وهو ملة الإِسلام التي بعثني به للعالمين هدى ورحمة ، وتزعمون أن الهداية فيما أنتم عليه من اليهودية والنصرانية ، وتستبعدون عليه - تعالى - أن ينزل وحيه على من ليس منكم ، بدعوى أنكم أقرب إلى الله منا ، وأنكم أبناء الله وأحياؤه ، والحال أنه - سبحانه - هو ( رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) أي خالقنا وخالقكم ورازقنا ورازقكم ومحاسبنا ومحاسبكم على ما يصدر منا ومنكم من أعمال .وقوله تعالى : ( وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) معناه : لكل منا ومنكم أعمال يترتب عليها الثواب والعقاب ، فكما أننا نتساوى معكم في أن الله ربنا وربكم فكذلك نتساوى معكم في استحقاق الجزاء على الأعمال التي نعملهاه ، فانظروا إلى أعمالنا وأعمالكم تجدوا أعمالنا خيراً من أعمالكم ، لأننا نزيد عليكم لإِخلاص لله فثي تلك الأعمال فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه بإكرامهم بالنبوبة .فقوله تعالى : ( وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) حجتان مبطلتان لدعوى أهل الكتاب أنهم أحق لأن تكون النبوة فيهم لأن نسبة العباد إلى الله - تعالى - واحدة هو ربهم وهم عباده ، والتفاضل في المنازل لديه إنما يكون بالأعمال الصالحة والإِخلاص لله فيها ، وهو أعلم حيث يجعل رسالته ، ويختص بوحيه من يراه أهلا لذلك ، وقد شاء - سبحانه - أن ينزل وحيه على محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي العربي ، بدين عام خالد فيه الهداية والنور والفلاح في الدنيا والآخرة .وقوله تعالى : ( وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ) بيان لسبب أحقية المسلمين بالهداية والكرامة ، والمعنى ، ونحن - يا معشر المسلمين - لربنا موحدون ، مخلص لله العبادة والعمل ، ولا نشرك معه آلهة أخرى ، أما أنتم فقد أشركتم وضللتم فقال بعضكم : " عزير ابن الله " وقال بعضكم ( المسيح ابن الله ) فنحن أهدى منكم سبيلا ، وأقوم قيلا .ولم يصف المسلمون أعمالهم بالحسن ، ولا أعمال المخاطبين بالسوء تجنباً لنفور المخاطبين من سماع خطابهم ، بل أوردوا كلامهم مورد قوله تعالى ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) كما أنهم لم يقولوا : ونحن مخلصون وأنتم مخطئون ، بل اقتصروا على نسبة الإِخلاص لأنفسهم ، وفي ذلك تعريض لطيف بأن المخاطبين غير مخلصين لله ، فإن إخبار الإِنسان باشتراكه مع جماعة في أمر أو أمور ، وإفراد نفسه بعد ذلك بأمر ، يومئ إلى أن هذا الأمر الذي أثبته لنفسه خاصة معدوم في أولئك الجماعة .فمعنى الجملة : ونحن مخلصون في أعمالنا لله وحده ، ولم نخلطها بشيء من الشرك كما فعل غيرنا .
اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في تلك المحاجة وذكروا وجوهاً: أحدها: أن ذلك كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى: أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسول من العرب لا منكم وتقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم، وترونكم أحق بالنبوة منا.
وثانيها: قولهم: نحن أحق بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان.
وثالثها: قولهم؛ ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ وقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ وقولهم: ﴿ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ﴾ عن الحسن.
ورابعها: ﴿ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ﴾ أي: أتحاجوننا في دين الله.
المسألة الثانية: هذه المحاجة كانت مع من؟
ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنه خطاب لليهود والنصارى.
وثانيها: أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا: ﴿ لَوْلا أُنزِلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ والعرب كانوا مقرين بالخالق.
وثالثها: أنه خطاب مع الكل، والقول الأول أليق بنظم الآية.
أما قوله: ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ ففيه وجهان.
الأول: أنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها، فلا تعترضوا على ربكم، فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه، بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له.
الثاني: أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية، وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم، فلم ترجحون أنفسكم علينا، بل الترجيح من جانبنا لأنا مخلصون له في العبودية، ولستم كذلك، وهو المراد بقوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مخلصون ﴾ وهذا التأويل أقرب.
أما قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم ﴾ فالمراد منه النصيحة في الدين كأنه تعالى قال لنبيه: قل لهم هذا القول على وجه الشفقة والنصيحة، أي لا يرجع إلى من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر وإنما المراد نصحكم وإرشادكم إلى الأصلح، وبالجملة فالإنسان إنما يكون مقبول القول إذا كان خالياً عن الأغراض الدنيوية، فإذا كان لشيء من الأغراض لم ينجع قوله في القلب ألبتة فهذا هو المراد فيكون فيه من الردع والزجر ما يبعث على النظر وتحرك الطباع على الاستدلال وقبول الحق، وأما معنى الإخلاص فقد تقدم.
<div class="verse-tafsir"
قرأ زيد بن ثابت ﴿ اتحاجُّونَّا ﴾ بإدغام النون.
والمعنى: اتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا، وترونكم أحق بالنبوة منا ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ نشترك جميعاً في أننا عباده، وهو ربنا، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده، هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلاً للكرامة ﴿ وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم ﴾ يعني أن العمل هو أساس الأمر وبه العبرة، وكما أن لكم أعمالاً يعتبرها الله في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك.
ثم قال: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ فجاء بما هو سبب الكرامة، أي ونحن له موحدون نخلصه بالإيمان فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوّة، وكانوا يقولون: نحن أحقّ بأن تكون النبوَّة فينا، لأنا أهل كتاب والعرب عبدة أوثان ﴿ أَمْ تَقُولُونَ ﴾ يحتمل فيمن قرأ بالتاء أن تكون أم معادلة للهمزة في ﴿ أَتُحَاجُّونَنَا ﴾ بمعنى أيّ الأمرين تأتون: المحاجة في حكمة الله أم ادّعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟
والمراد بالاستفهام عنهما إنكارهما معاً، وأن تكون منقطعة بمعنى: بل أتقولون، والهمزة للإنكار أيضاً، وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلا منقطعة ﴿ قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله ﴾ يعني أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله: ﴿ مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ﴾ [آل عمران: 67] .
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله ﴾ أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفية.
ويحتمل معنيين: أحدهما أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم، لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها.
والثاني: أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها.
وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته.
(ومن) في قوله: ﴿ شهادة عِندَهُ مِنَ الله ﴾ مثلها في قولك: هذه شهادة مني لفلان إذا شهدت له، ومثله ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 1] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أتُحاجُّونَنا ﴾ أتُجادِلُونَنا.
﴿ فِي اللَّهِ ﴾ في شَأْنِهِ واصْطِفائِهِ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ دُونَكُمْ، رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: الأنْبِياءُ كُلُّهم مِنّا، لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا.
فَنَزَلَتْ: ﴿ وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ ﴾ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، يُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
﴿ وَلَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُكْرِمَنا بِأعْمالِنا، كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَنْتَحِلُونَهُ إفْحامًا وتَبْكِيتًا، فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوَّةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلى مَن يَشاءُ والكُلُّ فِيهِ سَواءٌ، وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَعِدِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ والتَّحَلِّي بِالإخْلاصِ.
وكَما أنَّ لَكم أعْمالًا رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ في إعْطائِها، فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ.
﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ مُوَحِّدُونَ نَخُصُّهُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ دُونَكم.
<div class="verse-tafsir"
{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ} أي أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا {وَهُوَ رَبُّنَا وربكم} نشترك جميعاً في أننا عباده وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده {وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم} يعني أن العمل هو أساس الأمر وكما أن لكم أعمالاً فلنا كذلك {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي نحن له موحدون نخلصه بالإيمان وأنتم به مشركون والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالنبوة من غيره
﴿ قُلْ أتُحاجُّونَنا ﴾ تَجْرِيدُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وقَرَأ زَيْدٌ والحَسَنُ وغَيْرُهُما بِإدْغامِ النُّونِ، أيْ تُجادِلُونا، ﴿ فِي اللَّهِ ﴾ أيْ في دِينِهِ، وتَدَّعُونَ أنَّ دِينَهُ الحَقَّ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ، وتَبْنُونَ دُخُولَ الجَنَّةِ والِاهْتِداءَ عَلَيْهِما، وقِيلَ: المُرادُ في شَأْنِ اللَّهِ تَعالى واصْطِفائِهِ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ دُونَكم بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ الكِتابِ، وسَوْقُ النَّظْمِ يَقْتَضِي أنْ تُفَسَّرَ المُحاجَّةُ بِما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والمُحاجَّةُ في الدِّينِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والقَرِينَةُ عَلى التَّقْيِيدِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ قَبْلُ: ﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْنا ﴾ وبَعْدُ: ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً ﴾ حَيْثُ إنَّهُ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِ أهْلِ الكِتابِ شَهادَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: الأنْبِياءُ كُلُّهم مِنّا، فَلَوْ كُنْتُ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا، فَنَزَلَتْ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ المُحاجَّةَ في الدِّينِ عَلى ما ذَكَرْنا مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، عَلى أنَّ ظاهِرَ السَّوْقِ يَقْتَضِي ذَمَّهم بِما صارَ دَيْدَنًا لَهُمْ، وشَنْشَنَةً فِيهِمْ، حَتّى عُرِفُوا فِيهِ، ومُشْرِكُو العَرَبِ، وإنْ حاجُّوا في الدِّينِ أيْضًا، لَكِنَّهم لَمْ يَصِلُوا فِيهِ إلى رُتْبَةِ أهْلِ الكِتابِ، لِما أنَّهم أُمِّيُّونَ عارُونَ عَنْ سائِرِ العُلُومِ، جاهِلُونَ بِوَظائِفِ البَحْثِ بِالكُلِّيَّةِ نَظَرًا إلى أُولَئِكَ القائِمِينَ عَلى ساقِ الجِدالِ، وإنَّ القَرِينَتَيْنِ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ عَلى التَّقْيِيدِ في غايَةِ الخَفاءِ، وأنَّ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَ مَذْكُورًا في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ ولا التَّفاسِيرِ المُعْتَبَرَةِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ وكَفى بِهِ حُجَّةً في هَذا الشَّأْنِ.
﴿ وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: أتُجادِلُونَنا والحالُ أنَّهُ لا وجْهَ لِلْمُجادَلَةِ أصْلًا، لِأنَّهُ تَعالى مالِكُ أمْرِنا وأمْرِكُمْ، ﴿ ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ لَنا جَزاءُ أعْمالِنا الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ لِأمْرِهِ، ولَكم جَزاءُ أعْمالِكُمُ السَّيِّئَةِ المُخالِفَةِ لِحُكْمِهِ، ﴿ ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ في تِلْكَ الأعْمالِ لا نَبْتَغِي بِها إلّا وجْهَهُ، فَأنّى لَكُمُ المُحاجَّةُ ودَعْوى حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والقَطْعُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ بِسَبَبِهِ، ودَعْوَةِ النّاسِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَجُمْلَتَيْ ﴿ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ﴾ اعْتِراضٌ، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ الَّذِي عَقَّبَ بِهِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعالى، لا عَطْفٌ، وتَحْرِيرُهُ أنَّ ﴿ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ مُناسِبٌ (لِآمَنّا) أيْ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وبِما أنْزَلَ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، ونَسْتَسْلِمُ لَهُ، ونَنْقادُ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ﴾ مُلائِمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ لِأنَّها بِمَعْنى دِينِ اللَّهِ، فالمَصْدَرُ كالفَذْلَكَةِ لِما سَبَقَ، وهَذِهِ الآيَةُ مُوافِقَةٌ لِما قَبْلَها، ولَعَلَّ الذَّوْقَ السَّلِيمَ لا يَأْباهُ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ مَعْنى ﴿ وهُوَ رَبُّنا ﴾ إلَخْ، أنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ تَعالى بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، فَيُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُكْرِمَنا بِأعْمالِنا، كَما أكْرَمَكم بِأعْمالِكُمْ، كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَفْتَحُونَهُ إفْحامًا، وتَبْكِيتًا، فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوَّةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالكُلُّ فِيهِ سَواءٌ، وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَحِقِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ، والتَّحَلِّي بِالإخْلاصِ، فَكَما أنَّ لَكم أعْمالًا، رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ تَعالى في إعْطائِها، فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ بِها لا أنْتُمْ، فَمَعَ بِنائِهِ عَلى ما عَلِمْتَ رَكاكَتَهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِسِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ، بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ في نَفْسِهِ، كَما أفْتى بِهِ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، لِما أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والسَّيِّئَةِ، ولا رَيْبَ أنَّ أمْرَ الصَّلاحِ والسُّوءِ يَدُورُ عَلى مُوافَقَةِ الدِّينِ المَبْنِيِّ عَلى البَعْثَةِ ومُخالَفَتِهِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اعْتِبارُ تِلْكَ الأعْمالِ في اسْتِحْقاقِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْدادِها المُتَقَدِّمِ عَلى البَعْثَةِ بِمَراتِبِ هَذا!
وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الإخْلاصِ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(سَألْتُ جِبْرِيلَ عَنِ الإخْلاصِ ما هُوَ؟
فَقالَ: سَألْتُ رَبَّ العِزَّةِ عَنْهُ فَقالَ: سِرٌّ مِن أسْرارِي، اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَن أحْبَبْتُهُ مِن عِبادِي)،» وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الإخْلاصُ أنْ لا تُشْرِكَ في دِينِهِ ولا تُراءِ أحَدًا في عَمَلِهِ، وقالَ الفُضَيْلُ: تَرْكُ العَمَلِ مِن أجْلِ النّاسِ رِياءٌ، والعَمَلُ مِن أجْلِ النّاسِ شِرْكٌ، والإخْلاصُ أنْ يُعافِيَكَ اللَّهُ تَعالى مِنهُما، وقالَ حُذَيْفَةُ المَرْعَشِيُّ: أنْ تَسْتَوِيَ أفْعالُ العَبْدِ في الباطِنِ والظّاهِرِ، وقالَ أبُو يَعْقُوبَ: المَكْفُوفُ أنْ يَكْتُمَ العَبْدُ حَسَناتِهِ كَما يَكْتُمُ سَيِّئاتِهِ، وقالَ سَهْلٌ: هو الإفْلاسُ، ومَعْناهُ احْتِقارُ العَمَلِ، وهو مَعْنى قَوْلِ رُوَيْمٍ: ارْتِفاعُ عَمَلِكَ عَنِ الرُّؤْيَةِ، قِيلَ: ومُقابِلُ الإخْلاصِ الرِّياءُ، وذَكَرَ سُلَيْمانُ الدّارانِيُّ ثَلاثَ عَلاماتٍ لَهُ: الكَسَلُ عِنْدَ العِبادَةِ في الوَحْدَةِ، والنَّشاطُ في الكَثْرَةِ، وحُبُّ الثَّناءِ عَلى العَمَلِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال الله تعالى: قُلْ يا محمد ليهود أهل المدينة والنصارى أهل نجران: أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ، يعني أتخاصموننا في دين الله، ونحن نوحد الله.
وقال الزجاج: نزلت هذه الآية في اليهود والذين كانوا يظاهرون المشركين، فقال: أنتم تقولون: أنكم توحدون الله ونحن نوحد الله تعالى، فلم تظاهرون علينا من لا يوحد الله تعالى؟
وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا، أي ثواب أعمالنا وَلَكُمْ ثواب أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، أي مقرُّون له بالوحدانية مخلصون له بالعبادة.
<div class="verse-tafsir"
شريعتُهُ ودينُهُ وسنَّته، وفطْرته، قال كَثِيرٌ من المفسّرين/: وذلك أن النصارى لهم ماء ٣٧ أيصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك.
وقيل: سمي الدِّين صبغةً استعارةً من حيث تظهر أعْمَالُهُ وسِمَتُهُ على المتدِّين كما يظهر الصِّبْغ في الثَّوْب وغيره، ونصب الصِّبْغة على الإِغراء «١» .
قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
وقوله تعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ ...
الآية: معنى الآية: قل يا محمَّد لهؤلاءِ اليهودِ والنصارى: أتحاجُّوننا في اللَّه، أي: أتجادلونَنَا في دِينِهِ، والقُرْب منه، والحُظْوة لديه سُبْحانه، والرب واحدٌ، وكلٌّ مجازًى بعمله، ثم وبَّخهم بقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، أي: ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدَّعون ما نَحْن أولى به منْكُمْ.
وقوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ عطْفٌ على ألف الاستفهامِ المتقدِّمة، وهذه القراءة بالتاء من فوقُ قراءةُ ابن عامر، وحمزةَ، وغيرهما، وقرأ نافعٌ وغيره بالياء من أسفل «٢» ، «وأَمْ» على هذه القراءةِ مقطوعةٌ، ووقفهم تعالى على موضعِ الإنقطاعِ في الحجّة لأنهم إن قالوا:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: يَهُودُ المَدِينَةِ، ونَصارى نَجْرانَ.
والمُحاجَّةُ: المُخاصَمَةُ في الدِّينِ، فَإنَّ اليَهُودَ قالَتْ: نَحْنُ أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ.
وقِيلَ: ظاهَرَتِ اليَهُودُ عَبَدَةُ الأوْثانِ، فَقِيلَ لَهُمْ: تَزْعُمُونَ أنَّكم مُوَحِّدُونَ، ونَحْنُ نُوَحِّدُ، فَلِمَ ظاهَرْتُمْ مَن لا يُوَحِّدُ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هَذا الكَلامُ اقْتَضى نَوْعُ مُساهَلَةٍ، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ ﴿ أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أو نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمْ اللهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهُ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أبْناءُ اللهِ وَأحِبّاؤُهُ وادَّعَوْا أنَّهم أولى بِاللهِ مِنكم لِقِدَمِ أدْيانِهِمْ وكُتُبِهِمْ: ﴿ أتُحاجُّونَنا في اللهِ ﴾ ؟
أيْ: أتُجاذِبُونَنا الحُجَّةَ عَلى دَعْواكُمْ؟
والرَبُّ تَعالى واحِدٌ.
وكُلٌّ مُجازى بِعَمَلِهِ فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِقِدَمِ الدِينِ، ثُمَّ وُبِّخُوا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ ، أيْ: ولِمَ تُخْلِصُوا أنْتُمْ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ ما نَحْنُ أولى بِهِ مِنكُمْ؟
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أتُحاجُّونّا" بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وخَفَّ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنِينَ لِأنَّ الأوَّلَ حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ، فالمَدُّ كالحَرَكَةِ، ومِن هَذا البابِ: دابَّةٌ وشابَّةٌ، وفي اللهِ مَعْناهُ: في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ لَدَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تَقُولُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ المُتَقَدِّمَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ قَرَأها ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "أمْ يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ، و"أمْ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَقْطُوعَةٌ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وحُكِيَ عن بَعْضِ النُحاةِ أنَّها لَيْسَتْ بِالمَقْطُوعَةِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟
فالمَعْنى: أيَكُونُ هَذا أمْ هَذا؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المِثالُ غَيْرُ جَيِّدٍ، لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ والمُخاطَبُ واحِدٌ، والقَوْلُ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ والمُخاطَبُ اثْنانِ غَيْرانِ، وإنَّما تَتَّجِهُ مُعادَلَةُ "أمْ" لِلْألْفِ عَلى الحُكْمِ المَعْنَوِيِّ، كَأنَّ مَعْنى ﴿ قُلْ أتُحاجُّونَنا ﴾ : أيْ أيُحاجُّونَ يا مُحَمَّدُ أمْ يَقُولُونَ؟
وقِيلَ: إنَّ "أمْ" في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُعادَلَةٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، وحُجَّةُ ذَلِكَ اخْتِلافُ مَعْنى الآيَتَيْنِ وأنَّهُما لَيْسا قِسْمَيْنِ، بَلِ المُحاجَّةُ مَوْجُودَةٌ في دَعْواهُمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ.
وَوَقَفَهم تَعالى عَلى مَوْضِعِ الِانْقِطاعِ في الحُجَّةِ، لِأنَّهم إنْ قالُوا: إنَّ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ كَذَّبُوا، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ هَذَيْنَ الدِينَيْنِ حَدَثا بَعْدَهُمْ، وإنْ قالُوا: لَمْ يَكُونُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ قِيلَ لَهُمْ: فَهَلُمُّوا إلى دِينِهِمْ إذْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللهُ ﴾ ؟
تَقْرِيرٌ عَلى فَسادِ دَعْواهُمْ، إذْ لا جَوابَ لِمَفْطُورٍ إلّا أنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ لَفْظُهُ الِاسْتِفْهامُ، والمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُمْ، وإيّاهم أرادَ تَعالى بِكِتْمانِ الشَهادَةِ.
واخْتُلِفَ في الشَهادَةِ هُنا، ما هِيَ؟
فَقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ: هي ما في كُتُبِهِمْ مِن أنَّ الأنْبِياءَ عَلى الحَنِيفِيَّةِ لا عَلى ما ادَّعَوْا هُمْ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي ما عِنْدَهم مِنَ الأمْرِ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ واتِّباعُهُ، والأوَّلُ أشْبَهُ بِسِياقِ مَعْنى الآيَةِ، واسْتَوْدَعَهُمُ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَهادَةَ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ مِنَ اللهِ ﴾ ، فمَن عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ، بِـ "عِنْدَهُ"، كَأنَّ المَعْنى شَهادَةٌ تَحَصَّلَتْ لَهُ مِنَ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ "مَن" بِـ "كَتَمَ"، أيْ كَتْمُها مِنَ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، وعِيدٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لا يَتْرُكُ أمْرَهم سُدًى، وأنَّ أعْمالَهم تَحْصُلُ ويُجازُونَ عَلَيْها، والغافِلُ الَّذِي لا يَفْطَنُ لِلْأُمُورِ إهْمالًا مِنهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الأرْضِ الغُفْلِ، وهي الَّتِي لا عِلْمَ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ ﴾ الآيَةُ، كَرَّرَها عن قُرْبٍ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ مَعْنى التَهْدِيدِ والتَخْوِيفِ، أيْ إذا كانَ أُولَئِكَ الأنْبِياءُ عَلى إمامَتِهِمْ وفَضْلِهِمْ يُجازُونَ بِكَسْبِهِمْ فَأنْتُمْ أحْرى، فَوَجَبَ التَأْكِيدُ، فَلِذَلِكَ كَرَّرَها، ولِتَرْدادِ ذِكْرِهِمْ أيْضًا في مَعْنًى غَيْرِ الأوَّلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ .
استئناف عن قوله ﴿ قولوا آمنا بالله ﴾ [البقرة: 136] كما تقدم هنا لك، و ﴿ تحاجوننا ﴾ خطاب لأهل الكتاب لأنه جواب كلامهم السابق ولدليل قوله الآتي: ﴿ أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويقعوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى ﴾ [البقرة: 140].
والاستفهام للتعجب والتوبيخ، ومعنى المحاجة في الله الجدال في شؤونه بدلالة الاقتضاء إذ لا محاجة في الذات بما هي ذات والمراد الشأن الذي حمل أهل الكتاب على المحاجة مع المؤمنين فيه وهو ما تضمنته بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من أن الله نسخ شريعة اليهود والنصارى وأنه فضله وفضل أمته، ومحاجتهم راجعة إلى الحسد واعتقاد اختصاصهم بفضل الله تعالى وكرامته.
فلذلك كان لقوله ﴿ وهو ربنا وربكم ﴾ موقع في تأييد الإنكار أي بلغت بكم الوقاحة إلى أن تحاجونا في إبطال دعوة الإسلام بلا دليل سوى زعمكم أن الله اختصكم بالفضيلة مع أن الله ربنا كما هو ربكم فلماذا لا يمن علينا بما مَنَّ به عليكم؟.
فجملة ﴿ وهو ربنا ﴾ حالية أي كيف تحاجوننا في هاته الحالة المعروفة التي لا تقبل الشك، وبهذه الجملة حصل بيان لموضوع المحاجة، وكذلك جملة ﴿ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ وهي عطف على الحال ارتقاء في إبطال مجادلتهم بعد بيان أن المربوبية تؤهل لإنعامه كما أهلتهم، ارتقى فجعل مرجع رضى الله تعالى على عباده أعمالهم فإذا كان قد أكرمكم لأجل الأعمال الصالحة فلعله أكرمنا لأجل صالحات أعمالنا فتعالوا فانظروا أعمالكم وانظروا أعمالنا تجدوا حالنا أقرب إلى الصلاح منكم.
قال البيضاوي: «كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحونه إفحاماً وتبكيتاً فإن كرامة النبوءة إما تفضل من الله على من يشاء فالكل فيه سواء وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة فكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله في إعطائها فلنا أيضاً أعمال».
وتقديم المجرور في ﴿ لنا أعمالنا ﴾ للاختصاص أي لنا أعمالنا لا أعمالكم فلا تحاجونا في أنكم أفضل منا، وعطف ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ احتراس لدفع توهم أن يكون المسلمون مشاركين للمخاطبين في أعمالهم وأن لنا أعمالنا يفيد اختصاص المتكلمين بما عملوا مع الاشتراك في أعمال الآخرين وهو نظير عطف قوله تعالى: ﴿ ولي دين على قوله: لكم دينكم ﴾ [الكافرون: 6].
وهذا كله من الكلام المصنف مثل قوله تعالى: ﴿ وإنا أوْ إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ [سبأ: 24].
وجملة ﴿ نحن له مخلصون ﴾ عطف آخر على جملة الحال وهي ارتقاء ثالث لإظهار أن المسلمين أحق بإفاضة الخير فإنهم وإن اشتركوا مع الآخرين في المربوبية وفي الصلاحية لصدور الأعمال الصالحة فالمسلمون قد أخلصوا دينهم لله ومخالفوهم قد خلطوا عبادة الله بعبادة غيره، أي فلماذا لا نكون نحن أقرب إلى رضى الله منكم إليه؟.
والجملة الاسمية مفيدة الدوام على الإخلاص كما تقدم في قوله: ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ [البقرة: 136].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ ﴾ يَعْنِي قالُوا: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ ﴾ وهْمُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، والسِّبْطُ الجَماعَةُ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلى أبٍ واحِدٍ، والسِّبْطُ في اللُّغَةِ: الشَّجَرُ الَّذِي يَرْجِعُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ ﴿ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا هُودًا، والنَّصارى تَزْعُمُ أنَّهم كانُوا نَصارى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ بِهِمْ مِنكُمْ، يَعْنِي بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى.
﴿ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ مِن كِتْمانِ الشَّهادَةِ، والِارْتِشاءِ عَلَيْها مِن أغْنِيائِهِمْ وسُفَهائِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتحاجوننا في الله ﴾ قال: أتخاصموننا؟
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتحاجوننا ﴾ تجادلوننا؟
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قال: في قول يهود لإِبراهيم وإسمعيل ومن ذكر معهما أنهم كانوا يهوداً أو نصارى، فيقول الله لهم: لا تكتموا مني شهادة إن كانت عندكم، وقد علم الله أنهم كاذبون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة...
﴾ الآية.
قال: أولئك أهل الكتاب كتموا الإِسلام وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا اليهودية والنصرانية وكتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قال: كان عند القوم من الله شهادة أن أنبياءه برآء من اليهودية والنصرانية.
وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله: ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ قالا: يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي المليح قال: الأمة ما بين الأربعين إلى المائة فصاعداً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا ﴾ الخطاب ليهود المدينة، ونصارى نجران، ومحاجتهم أنهم قالوا: إن أنبياء الله كانوا منا، وديننا هو الأقدم، وكتابنا هو الأسبق، ولو كنت نبيًّا كنت منَّا، فأنزل الله تعالى: {قُلْ أَتُحَاَجُّونَنَا} (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ فِي اللَّهِ ﴾ أي: في دين الله (٤) (٥) ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ أي: موحدون (٦) (٧) ولقد سألت الأستاذ أبا إسحاق أحمد بن محمد (٨) (٩) (١٠) عن الإخلاص، ما هو؟
قال: "سألت جبريل عن الإخلاص، ما هو؟
قال: سألت ربَّ العزة عن الإخلاص، ما هو؟
قال: سرٌ من سِرِّي، استودعتُه قلبَ مَنْ أحببتُ من عبادي" (١١) قال ابن الأنبارى: وفي الآية إضمار واختصار، أراد: ونحن له مخلصون، وأنتم غير مخلصين، فحذف اكتفاء بقوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ .
قال: ومعنى الآية: أتحتجون علينا، وأنتم مشركون كافرون بالأنبياء، ونحن مخلصون له بالعبادة والتوحيد؟
ومَن هو على مثل سبيلكم، الواجبُ عليه أن يتشاغل بالفكر في عماه، وأن لا ينازع ويناظر من يعلم (١٢) (١٣) (١٤) (١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1224، والواحدي في "الوسيط" 1/ 223، و"الوجيز" 1/ 506، والبغوي في "تفسيره" 1/ 157، و"الخازن" 1/ 116، وأبو حيان في "البحر" 1/ 585.
(٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1224، "تفسير البغوي" 1/ 157، "البحر المحيط" 1/ 412.
(٣) قال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 413: والهمزة للاستفهام مصحوبًا بالإنكار عليهم.
وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 133.
(٤) في "تفسير الثعلبي" 1/ 1224 قال: وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا، ولم يكن من العرب نبي، فلو كنت نبيًّا لكنت منا وعلى ديننا، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 157، "تفسير الخازن" 1/ 116.
(٥) في (ش): (بعضنا).
(٦) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1224.
(٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1225 - 1332، وقد أفرد فصلًا في معنى الإخلاص، "تفسير البغوي" 1/ 157.
(٨) يعني الثعلبي.
(٩) هذا الحديث مسلسل بالسؤال عن الإخلاص من أدناه إلى أعلاه.
(١٠) هو حذيفة بن اليمان العبسي، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، == أعلمه النبي بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما في "صحيح مسلم"، وأبوه صحابي أيضًا، توفي في أول خلافة علي سنة 36 هـ ينظر: "تقريب التهذيب" ص 154 (1156)، "أسد الغابة" لابن الأثير 1/ 468.
(١١) رواه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1225، وذكره الديلمي في "مسند الفردوس" 3/ 187، عن علي وابن عباس مرفوعًا، وذكره القرطبي في "تفسيره" 2/ 134، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 413، والآلوسي في "روح المعاني" 1/ 399، والحديث في إسناده أحمد بن عطاء، وعبد الواحد بن زيد، وقال عنه الحافظ ابن حجر في "الفتح" 4/ 109: حديث واهٍ جدًا وضعفه كذلك الدكتور خالد العنزي في تحقيق "تفسير الثعلبي" 1/ 1227.
(١٢) في (ش): (يعلم الله).
(١٣) في (ش): (معه).
(١٤) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 413 - 414.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ﴾ وعدٌ ظهر مصداقه فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير وغير ذلك ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ أي دينه وهو استعارة من صبغ الثوب وغيره، ونصبه على الإغراء، وعلى المصدر من المعاني المتقدمة، أو بدل من ملة إبراهيم ﴿ كَتَمَ شهادة ﴾ من الشهادة بأن الأنبياء على الحنفية ﴿ مِنَ الله ﴾ يتعلق بكتم، أو كأن المعنى شهادة تخلصت له من الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أم تقولون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر والحماد والمفضل، الباقون: بياء الغيبة.
الوقوف: ﴿ تهتدوا ﴾ (ط) ﴿ المشركين ﴾ (ه) ﴿ ومن ربهم ﴾ (ج) لطول الكلام والاستئناف والأصح أنه حال أي آمنا غير مفرقين ﴿ منهم ﴾ (ج) لاحتمال الابتداء والحال أوجه ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ اهتدوا ﴾ (ج) لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ شقاق ﴾ ج للابتداء بسين الوعيد مع دخول الفاء ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ (ج) لاحتمال الواو الابتداء والحال ﴿ العليم ﴾ (ط) لأن الجملة الناصبة لقوله ﴿ صبغة الله ﴾ محذوفة يدل عليها قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ وقوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ شرط معترض ﴿ صبغة الله ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام مع أن الواو للحال ﴿ صبغة ﴾ (ج) على جعل الواو للابتداء أو للحال أو للعطف على آمنا ﴿ عابدون ﴾ (ه) ﴿ وربكم ﴾ (ج) لأن الواو يصلح أن يكون عطفاً على الحال الأولى ويصلح أن يكون مستأنفاً ﴿ أعمالكم ﴾ (ج) ﴿ مخلصون ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ أم يقولون ﴾ بياء الغيبة، ومن قرأ بالتاء لم يقف لكون "أم" معادلة للهمزة في ﴿ أتحاجوننا ﴾ ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أم الله ﴾ (ط) ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ تعملون ﴾ (ه) ﴿ فدخلت ﴾ (ج) ﴿ ما كسبتم ﴾ (ج) ﴿ يعملون ﴾ .
التفسير: إنه لما بين بالدلائل المتقدمة صحة دين الإسلام، ذكر أنواعاً من شبه الطاعنين منها: أن اليهود قالوا ﴿ كونوا هوداً ﴾ تهتدوا، والنصارى قالوا كذلك، لما علم من التعادي بين الفريقين كما بين كل منهما وبين المسلمين وقد مر مثل هذا في قوله ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ فأجابهم الله بقوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ أي نكون أهل ملته مثل ﴿ وسئل القرية ﴾ أي أهلها، أو بل نتبع ملة إبراهيم وقرئ بالرفع أي ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن أهل ملته، وحنيفاً حال من المضاف إليه كقولك "رأيت وجه هند قائمة" وذلك أن المضاف إليه متضمن للحرف فيقتضي متعلقاً هو الفعل أو شبهه، وحينئذ يشتمل على فاعل ومفعول.
فالحال عن المضاف إليه ترجع في التحقيق إلى الحال عن أحدهما وعند الكوفيين نصب على القطع أراد ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منها فانتصب، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وتحنف إذا مال وحاصل الجواب أن المعّول في الدين إن كان النظر والاستدلال فقد قدمنا الدلائل، وإن كان التقليد فالمتفق أولى من المختلف.
وقد اتفق الكل على صحة دين إبراهيم فاتباعه أولى وهذا جواب إلزامي، ثم لما كان من المحتمل أن يزعم اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم أزيحت علتهم بقوله ﴿ وما كان من المشركين ﴾ لكون النصارى قائلين بالتثليث واليهود بالتشبيه، وأيضاً قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، فليسوا من ملة إبراهيم التي هي محض التوحيد وخالص الإسلام في شيء ﴿ قولوا ﴾ خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل، وكذلك قوله ﴿ بل ملة إبراهيم ﴾ يجوز أن يكون أمراً لهم أي اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته، وهذا جواب آخر برهاني، وذلك أن طريق معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز على أيديهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد وجب الاعتراف بنبوته والإيمان به وبما أنزل عليه كما اعترفوا بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وعن الحسن أن قوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ خطاب للنبي وقوله ﴿ قولوا ﴾ خطاب لأمته والظاهر العموم وإنما قدم الإيمان بالله لأن معرفة النبي والكتاب متوقفة على معرفته وفيه إبطال ما ذهب إليه التعليمية والمقلدة من أن طريق معرفة الله الكتاب والسنة، قال الخليل: الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب.
وقيل: السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي النبي فهم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، عدّد بعض الأنبياء لتقدمهم وشرفهم ثم عمم لتعذر التفصيل.
﴿ لا نفرق بين أحد منهم ﴾ لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كأهل الكتاب.
ومعنى الإيمان بجميعهم أن كلا منهم حق في زمانه أولا نقول إنهم متفرقون في أصول الديانة ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وأحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ إذعاناً وإخلاصاً فلا جرم لا نخص بالقبول بعض عبيده المؤيدين بالمعجزات خلاف من كان إسلامه تقليداً أو هوى.
ولما بين الطريق الواضح في الدين وهو أن يعترف الإنسان بنبوة كل من قامت الدلالة على نبوته من غير مناقضة، رغبهم في مثل هذا الإيمان، وههنا سؤال وهو أن دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله ﴿ بمثل ما آمنتم به ﴾ ؟
والجواب أن قوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ بكلمة الشك دليل على أن الأمر مبني على الفرض، والتقدير أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد ﴿ فقد اهتدوا ﴾ لكن لا دين صحيحاً سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف غيره فلا اهتداء إلا بهذا، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه "هذا هو الرأي الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به" وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل: الباء للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم.
وقيل: المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود ﴿ فإن آمنوا بما آمنتم به ﴾ وقيل: معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة نبوة محمد .
وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله وكشف عن وجوهها، والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى.
وإن تولوا عما قيل لهم ولم ينصفوا فما هم إلا في شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم، أو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه، وفي وصف القوم بذلك دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع في المحن، فلا جرم آمنه الله والمؤمنين من كيدهم وقال ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ وناهيك به من كاف كافل.
ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن فيها معنى التوكيد لوقوعها في مقابلة "لن" قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل، ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله في القرآن وكل ذلك مما يتأكد به إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح ﴿ وهو السميع العليم ﴾ وعد لرسول الله أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك في أعلاء كلمة الحق وإعلانها فهو يستجيب لك لا محالة، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك ﴿ صبغة الله ﴾ مصدر مؤكد منتصب عن قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من ﴿ ملة إبراهيم ﴾ أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة الله، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام.
والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة.
والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفس.
وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرام، ونظيره قوله ﴿ إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم ﴾ وقيل: اللفظة من قولهم "فلان يصبغ فلاناً في الشر" أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثوب.
وقيل: سمي الدين صبغة لظهور هيئته عند صاحبه.
﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وقيل: وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله ليبين أن المباينة بينه وبين غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان.
وقيل: صبغة الله فطرته.
أقول: وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم الصبغ للثوب، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به.
وقيل: صبغة الله الختان.
وقيل: حجة الله.
وقيل: سنة الله.
﴿ ومن أحسن من الله صبغة ﴾ معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة أحسن من الإيمان بالله والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر وأوزار الشرك.
﴿ ونحن له عابدون ﴾ عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مراراً.
﴿ قل أتحاجوننا ﴾ أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان، وإما قولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ وقولهم ﴿ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ وأما الخطاب فإما لأهل الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ وإما للكل والمعنى، أتجادلون في شأن الله أو في دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلاً له، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي ﴿ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ فكما أن لكم أعمالاً ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك، فالعمل هو الأساس وبه الاعتبار ولكن ﴿ نحن له مخلصون ﴾ موحدون لا نقصد بالعبادة أحداً سواه، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد الكرامة من عنده.
﴿ أم تقولون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب احتمل أن تكون "أم" منقطعة بمعنى استئناف استفهام آخر أي بل أتقولون والهمزة للإنكار كما في ﴿ أتحاجوننا ﴾ واحتمل أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء إنكاراً عليهم واستجهالاً لهم بما كان منهم.
وعن الزجاج: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟
ومن قرأ بياء الغيبة فلا تكون إلا منقطعة لانقطاع الاستفهام الأول بسبب الالتفات.
﴿ قل أأنتم أعلم أم الله ﴾ بل الله أعلم وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل والقرآن بأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، وكيف لا وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟
ولأنهم مقرون بأن الله أعلم، وقد أخبر بنقيض ما ادعوه فإن قالوا ذلك عن ظن فقد بان لهم خطؤه، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد فما أجهلهم وأشقاهم، فإذن فائدة الكلام إما التنبيه وإما التجهيل.
﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قوله ﴿ من الله ﴾ إما أن يتعلق بأظلم والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه هوداً أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بكتم أي لا أحد أظلم ممن عنده شهادة، ثم إنه لم يقمها عند الله وكتمها وأخفاها منه وأما أن يتعلق بشهادة كقولك "عندي شهادة من فلان" ومثله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ والمعنى ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لم يكتموا ما عندهم من الحق وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله فأنكروا نبوة محمد وحنيفية إبراهيم وغير ذلك من تحريفاتهم.
﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ كلام جامع لكل وعيد لهم ولأضرابهم، ولو أن أحداً كان عليه رقيب من قبل ملك مجازي لكان دائم الحذر والوجل، فكيف بالرقيب القريب الذي يعلم أسراره ويعد عليه أنفاسه وأفكاره ثم هو يقدر على أن يدخله جنته أو ناره؟
﴿ تلك أمة ﴾ إشارة إلى إبراهيم وبنيه.
كما مر، وإنما أعيدت الآية ههنا لغرض آخر وهو زجرهم عن الاشتغال بوصف ما عليه الأمم السالفة من الدين فإن أديانهم لا تنفع إلا إياهم لاندراس آثارها وانطماس أنوارها، وأما الآن فالدين هو الإسلام الثابت بالدليل القاطع والبرهان البين فيجب اتباع المعلوم واقتفاؤه وإلقاء المظنون وإلغاؤه، ولا يسأل المتأخر عن المتقدم ولا المحسن عن المسيء وكل بعمله مجزي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ ﴾ .
روى ابن عباس - - أَنه قال: قالت اليهود والنصارى: نحن أَبناء الله وأَحباؤه، ونحن أَولى بالله منكم، فأَنزل الله - في ذلك -: ﴿ قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ ﴾ .
وقيل: في الله، يعني: في دين الله.
أَي: أَتحاجون وتخاصمون في دين الله؟!
وقوله: ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ .
أَي: أَتحاجُّون في الله مع علمكم وإِقراركم أَنه ربُّنا وربكم بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ .
قيل: لنا دينُنا ولكم دينُكم؛ كقوله : ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا ﴾ لا تُسئلون أَنتم عنها، ﴿ وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ لا نُسأَل نحن عن أعمالكم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ \[البقرة 134، 141\].
[وقوله:] ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ .
ديناً وعملاً، لا نشرك فيه غيره.
وقوله: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: بل تقولون.
وقيل: على الاستفهام في الظاهر: أيقولون، لكنه على الرد والإنكار عليهم، وذلك أَن اليهود قالوا: إن إبراهيم وبنيه، ويعقوب وبنيه كانوا هوداً أو نصارى.
قال الله : قل يا محمد: أَنتم أَعلم بدينهم أَم الله، مع إِقراركم أَنه ربكم، لا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماء؟!.
ومعنى الاستفهام: هو تقرير ما قالوه، كالرد عليهم والإنكار.
وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: الشهادة التي عنده: علمهم أَنهم كانوا مسلمين، ولم يكونوا على دينهم.
وقيل: الشهادة التي عندهم بالإسلام: أنه دين الله وأَنه حق.
وقيل: الشهادة التي كانت عندهم: محمد ؛ بيَّنَه الله في كتابهم وأَخذ عليهم المواثيق والعهود بقوله: ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ فكتموه وكذبوه.
وقيل: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ في قول اليهود لإبراهيم - - وما ذكر من الأَنبياءِ كانوا هوداً أو نصارى؛ فيقول الله - عز وجل -: لا تكتموا الشهادة إن كان عندكم علم بذلك.
وقد عَلِم الله أَنكم كاذبون.
وقيل: ﴿ وَالأَسْبَاطَ ﴾ : بنو يعقوب؛ سموا أسباطاً؛ لأَنه وُلِد لكل رجل منهم أُمَّةٌ.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
خرج على الوعيد؛ أَي: لا تحسبوا أنه غافل عما تعملون.
ويجوز أَن يكون لم ينشئهم على غفلة مما يعملون، بل على علم بما يعملون خَلَقهم؛ ليُعلم أَن ليس له في شيء من عمل الخلق له حاجة؛ ليخلقهم على رجاء النفع له، ولا قوة إلا بالله.
خلقهم وهو يعلم أنهم يعصونه.
وقوله: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ الآية.
قد ذكرنا هذا فيما مرَّ.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها النبي-: أتجادلوننا -يا أهل الكتاب- في أنكم أولى بالله ودينه منّا؛ لأن دينكم أقدم وكتابكم أسبق، فإن ذلك لا ينفعكم، فالله هو ربنا جميعًا لا تختصون به، ولنا أعمالنا التي لا تُسألون عنها، ولكم أعمالكم التي لا نُسأل عنها، وكلٌّ سيُجْزَى بعمله، ونحن مخلصون لله في العبادة والطاعة لا نشرك به شيئًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.617O0"
هذا ضرب آخر من محاجة أهل الكتاب جار على نسق سابقه مؤتلف معه متصل به غير منقطع ولا نازل في واقعة خاصة للرد على كلمات قالها اليهود كما ذهب إليه (الجلال) وغيره، إذ قالوا: إن اليهود قالوا يجب أن يكون جميع الناس تابعين لنا في الدين لأن الأنبياء منا والشريعة نزلت علينا ولم يعهد في العرب أنبياء ولا شرائع.
نعم لا ننكر صدور هذا القول من اليهود فإنهم كانوا يقولون مثله دائمًا، وإنما نقول إن الآيات متناسقة مع ما قبلها متممة له مزيلة لشبهات كانت فاشية في القوم في كل مكان، لا خاصة برد قول لأحد يهود الحجاز.
الآيات السابقة بيّنت أن الملة الصحيحة هي ملة إبراهيم وهي لم تكن يهودية ولا نصرانية، وإنما هي صبغة الله التي لا صنع لأحد فيها، بل هي بريئة من اصطلاحات الناس وتقاليد الرؤساء، فهي الجديرة بالاتباع، ولكن التقاليد والأوضاع قد طمستها بعد ما جرى الأنبياء عليها، وحلت تلك التقاليد محلها، حتى ذابت هي فيها وخفيت فلم تعد تعرف، ولذلك جاء محمد ببيانها، ودعوة الناس إلى الرجوع إليها، فبيّن تعالى بتلك المحاجة الحق الذي يجب التعويل عليه، ثم أخذ في هذه الآيات يزيل الموانع ويبطل الشبهات المعترضة في طريق ذلك الحق، فأمر نبيه بما ترى من الحجة في قوله: ﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ﴾ بدعواكم الاختصاص بالقرب منه وزعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، ومن أين جاءكم هذا القرب والاختصاص بالله دوننا ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ ورب العالمين فنسبة الجميع إليه واحدة: هو الخالق وهم المخلوقون، وهو الرب وهم المربوبون، وإنما يتفاضلون بالأعمال البدنية والنفسية ﴿ وَلَنَا أَعْمَالُنَا ﴾ التي تختص آثارها بنا إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ﴿ وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ كذلك، روح الأعمال كلها الإخلاص، فهو وحده الذي يجعلها مقربة لصاحبها من الله تعالى ووسيلة لمرضاته ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ من دونكم فإنكم اتكلتم على أنسابكم وأحسابكم، واغتررتم بما كان من صلاح آبائكم وأجدادكم، واتخذتم لكم وسطاء وشفعاء منهم تعتمدون على جاههم، مع انحرافكم عن صراطهم، وما هو إلا التقرب إلى الله تعالى بإحسان الأعمال، مع الإخلاص المبني على صدق الإيمان، وهو ما ندعوكم إليه الآن، فكيف تزعمون أن الإدلاء إلى ذلك السلف الصالح بالنسب، والتوسل إليهم بالقول هو الذي ينفع عند الله تعالى، وإن الاستقامة على صراطهم المستقيم والتوسل إلى الله تعالى بما كانوا يتوسلون إليه به من صالح الأعمال والإخلاص في القلب لا ينفع ولا يفيد، وما كان سلفكم مرضيًا عند الله تعالى إلا به؟
هل كان إبراهيم مقربًا من الله تعالى بأبيه"آزر"المشرك أم كان قربه وفضله بإخلاصه وإسلام قلبه إلى ربه؟
فكما جعل الله النبوة في إبراهيم وجعله إمامًا للناس في الإسلام والإخلاص جعلها كذلك في محمد، فإذا صح لكم إنكار نبوة محمد لأنه لم يكن في سلفه العرب أنبياء فأنكروا نبوة إبراهيم، فإن العلة واحدة فكيف لا يتحد المعلول؟
وحاصل معنى الآية إبطال معنى شبهة أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لا ينجو من كان على غير طريقتهم وإن أحسن في عمله وأخلص في قصده، وأنهم هم الناجون الفائزون وإن أساءوا عملًا ونيةً، لأن أنبياءهم هم الذين ينجونهم ويخلصونهم بجاههم، فالفوز عندهم بعمل سلفهم، لا بصلاح أنفسهم ولا أعمالهم.
وهذا الاعتقاد هدم لدين الله الذي بعث به جميع أنبيائه ودرج عليه من اتبع سبيلهم، فإن روح الدين الإلهي وملاكه هو التوحيد والإخلاص المعبر عنه بالإسلام.
وكل عمل أمر به الدين فإنما الغرض منه إصلاح القلب والعقل بسلامة الاعتقاد وحسن القصد، فإذا زال هذا المعنى وحفظت جميع الأعمال الصورية فإنها لا تفيد شيئًا، بل إنها تضر بدونه لأنها تشغل الإنسان بما لا يفيد وتصده عن المفيد.
ولا شك أن أهل الكتاب كانوا قد أزهقوا هذا الروح الإلهي من دينهم فسواء كان ما حفظوه من التقاليد، والأعمال مأثورًا عن أنبيائهم أم غير مأثور، إنهم ليسوا على دين الله، ومن كان على بصيرة منهم عرف أن ما جاء به محمد هو إحياء لروح الدين، الذي كان عليه جميع الأنبياء والمرسلين.
وتكميل لشرائعه وآدابه بما يصلح لجميع البشر في كل زمان ومكان.
ثم إن من تأمل هذا وتأمل حال المسلمين يظهر له أنهم قد اتبعوا سنن من قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وسيرجع من يريد الله بهم الخير إلى دين الله تعالى بالرجوع إلى كتابه الذي حرم عليهم تقليد آراء الناس فجاوزوه بأن حرموا العمل به، كما رجع الألوف وألوف الألوف من أهل الكتاب إلى ذلك في القرون الأولى من ظهور الإسلام وسيرجع غيرهم من سائر البشر إليه فيعم العالمين ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ .
﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ إن ﴿ أَمْ ﴾ هنا معادلة لما قبلها خلافًا (للجلال) ومن على رأيه القائلين إنها بمعنى بل- كأنه قال: أتقولون إن هذا الامتياز لكم علينا والاختصاص بالقرب من الله والحال أنه ربنا وربكم إلخ؟
أم تقولون إن امتياز اليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا عليها؟
إن كنتم تقولون هذا فإن الله يكذبكم فيه وأنتم تعلمون أيضًا أن اسمي اليهودية والنصرانية حدثا بعد هؤلاء، بل حدث اسم اليهودية بعد موسى واسم النصرانية بعد عيسى كما حدث لليهود تقاليد كثيرة صار مجموعها مميزًا لهم.
وأما النصارى فجميع تقاليدهم الخاصة بهم المميزة للنصرانية حادثة، فإن عيسى كان عدو التقاليد، ولهذا كان النصارى على كثرة ما أحدثوا أقرب إلى الإسلام لأنهم لم ينسوا جميعًا كيف زلزل روح الله تقاليد اليهود الظاهرة ما كان منها في التوراة وما لم يكن، ولكن الذي ادعوا اتباعه زادوا عليهم من بعده في ابتداع التقاليد والرسوم.
وزعم بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في الرد على اليهود إذ كانوا يقولون إن إبراهيم كان يهوديًا وعلى النصارى إذ كان يقولون إنه كان نصرانيًا.
وهذا غير صحيح فإن الآية نزلت في إقامة الحجة عليهم بأنهم يعتقدون أن إبراهيم كان على الحق وأن ملته هي الملة الإلهية المرضية عند الله تعالى وإذا كان الأمر كذلك وكانت هذه التقاليد التي تقلدوها غير معروفة على عهد إبراهيم فما بالهم صاروا ينوطون النجاة بها ويزعمون أن ما عداها كفر وضلال فهو لا يثبت لهم القول بأن إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيًا وإنما يقول إنهم لا يقدرون على القول بذلك لأن البداهة قاضية بكذبهم فيه ولذلك قال لنبيه ﴿ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ﴾ أي إذا كان الله قد ارتضى للناس ملة إبراهيم باعترافكم وتصديق كتبكم وذلك قبل وجود اليهودية والنصرانية فلماذا لا ترضون أنتم تلك الملة لأنفسكم؟
أأنتم أعلم بالمَرْضيّ عند الله أم الله أعلم بما يرضيه وما لا يرضيه؟
لا شك أن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وقد صرح ابن جرير الطبري بأن قراءة ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ﴾ بالتحتية شاذة وعلى القول بأنها سبعية يكون في الكلام التفات.
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ في هذا الاستفهام وجهان: أحدهما: أنه متمم لما قبله من إقامة الحجة بملة إبراهيم، يقول إن عندكم شهادة من الله بأن إبراهيم كان على الحق وكان مرضيًا عند الله تعالى فإذا كتمتم ذلك لأجل الطعن بالإسلام فقد كتمتم شهادة الله وكنتم أظلم الظالمين، وإذا اعترفتم به فإما أن تقولوا إنكم أنتم أعلم من الله بما يرضيه، وإما أن تقوم عليكم الحجة وتحق عليكم الكلمة إن لم تؤمنوا بما تدعون إليه من ملة إبراهيم، وأحد الأمرين ثابت، لا يقبل مراوغة مباهت.
والوجه الثاني: -وهو أظهر- أن الشهادة المكتومة هي شهادة الكتاب المبشرة بأن الله يبعث فيهم نبيًا من بني إخوتهم وهم العرب أبناء إسماعيل وكانوا لا يزالون يكتمونها بالإنكار على غير المطلع على التوراة وبالتحريف على المطلع، فهو يبيّن هنا -بعد إقامة الحجة بإبراهيم على أن زعمهم حصر الوحي في بني إسرائيل باطل- أن هناك شهادة صريحة بأن الله سيبعث فيهم نبيًا من العرب فكان هذا دليلًا ثالثًا وراء الدليل العقلي المشار إليه بقوله ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ .
والدليل الإلزامي المشار إليه بقوله ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ إلخ فكأنه يقول: إن هؤلاء إلا مجادلون في الحق بعد ما تبين، مباهتون للنبي مع العلم بأنه بني، إذ ما كان لهم أن يشتبهوا في أمره بعد شهادة كتابهم له، فإذا كان ظلمهم أنفسهم قد انتهى بهم إلى آخر حدود الظلم وهو كتمان شهادة الله تعالى تعصبًا لجنسيتهم الدينية التي ارتبط بها الرؤساء بالمرؤوسين بروابط المنافع الدنيوية من مال وجاه فكيف ينتظر منهم أن يصغوا إلى بيان، أو يخضعوا لبرهان؟
والاستفهام هنا يتضمن التوبيخ والتقريع المؤكدين بالوعيد في قوله ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وإنما الجزاء على الأعمال.
ثم ختم المحاجة بتأكيد أمر العمل وعدم فائدة النسبة فقال: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وإنما تسألون عن أعمالكم وتجازون عليها، فلا ينفعكم ولا يضركم سواها.
وهذه قاعدة يثبتها كل دين قويم، وكل عقل سليم، ولكن قاعدة الوثنية القاضية باعتماد الناس في طلب سعادة الآخرة وبعض مصالح الدنيا على كرامات الصالحين تغلب مع الجهل كل دين وكل عقل، ومنبع الجهل التقليد المانع من النظر في الأدلة العقلية والدينية جميعًا، اللهم إلا مكابرة الحس والعقل وتأويل نصوص الشرع، تطبيقًا لهما على ما يقول المقلَّدون المتبَّعون "بفتح اللام والباء "وقد أوّل المُأوِّلون نصوص أديانهم تقريرًا لاتباع رؤسائهم والاعتماد على جاههم في الآخرة لذلك جاء القرآن يبالغ في تقرير قاعدة ارتباط السعادة بالعمل والكسب وتبيينها ونفي الانتفاع بالأنبياء والصالحين لمن لم يتأس بهم في العمل الصالح، ولذلك أعاد هذه الآية بنصها في مقام محاجة أهل الكتاب المفتخرين بسلفهم من الأنبياء العظام، المعتمدين على شفاعتهم وجاههم وإن قصروا عن غيرهم في الأعمال.
وفائدة الإعادة تأكيد تقرير قاعدة بناء السعادة على العمل دون الآباء والشفعاء.
بحيث لا يطمع في تأويل القول طامع، والإشعار بمعنى يعطيه السياق هنا وهو أن أعمال هؤلاء المجادلين المشاغبين من أهل الكتاب مخالفة لأعمال سلفهم من الأنبياء فهم في الحقيقة على غير دينهم.
وقد سبق القول بأن الآية أفادت في وضعها الأول أن إبراهيم وبنيه وحفدته قد مضوا إلى ربهم بسلامة قلوبهم وإخلاصهم في أعمالهم، وانقطعت النسبة بينهم وبين من جاء بعدهم، فتنكب طريقهم وانحرف عن صراطهم، وإن أدلى إليهم بالنسب، فكل واحد من السلف والخلف مجزي بعمله لا ينفع أحدًا منهم عمل غيره من حيث هو عمل ذلك الغير، ولا شخصه بالأولى، وذلك أنها جاءت عقب بيان ملة إبراهيم وإيصاء بعضهم بعضًا بها وبيان دروجهم عليها.
ثم جاء بعد ذلك الاحتجاج على القوم بمن يعتقدون فيهم الخير والكمال وكونهم لم يكونوا على هذه اليهودية ولا هذه النصرانية اللتين حدثتا بعدهم، فجاءت قاعدة الأعمال في هذا الموضع تبين أن المتخالفين في الأعمال والمقاصد لا يكونون متحدين في الدين ولا متساوين في الجزاء، فأفادت هنا ما لم تفده هناك.
وللمسلمين أن يحاسبوا أنفسهم، ويحكموا قاعدة العمل والجزاء بينهم وبين سلفهم ولا يغتروا بالتسمية إن كانوا يعقلون.
<div class="verse-tafsir"