الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٦٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) أي : إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة ، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه ، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم ، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضا .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (169) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " إنما يأمرُكم "، الشيطانَ،" بالسوء والفحشاء وأن تَقولوا على الله ما لا تعلمون ".
* * * " والسوء ": الإثم، مثل " الضُّرّ"، من قول القائل: " ساءك هذا الأمر يَسوءك سُوءًا "، وهو ما يَسوء الفاعل.
* * * وأما " الفحشاء "، فهي مصدر مثل " السراء والضراء "، (65) وهي كل ما استُفحش ذكرُه، وقَبُح مَسموعه.
وقيل: إن " السوء " الذي ذكره الله، هو معاصي الله.
فإن كان ذلك كذلك, فإنما سَمَّاها الله " سوءًا " لأنها تسوء صاحبها بسوء عاقبتها له عند الله.
وقيل: إن " الفحشاء "، الزنا: فإن كان ذلك كذلك, فإنما يُسمى [كذلك]، (66) لقبح مسموعه، ومكرُوه ما يُذْكَر به فاعله.
* ذكر من قال ذلك: 2445- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إنما يأمركم بالسوء والفحشاء "، أمّا " السوء "، فالمعصية, وأما " الفحشاء "، فالزنا.
* * * وأما قوله: " وأنْ تَقولوا على الله مَا لا تعلمون "، فهو ما كانوا يحرِّمون من البحائر والسوائب والوَصائل والحوامي, ويزعمون أن الله حرَّم ذلك.
فقال تعالى ذكره لهم: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [سورة المائدة: 103] فأخبرهم تعالى ذكره في هذه الآية، (67) أنّ قيلهم: " إنّ الله حرم هذا!" من الكذب الذي يأمرهم به الشيطان, وأنه قد أحلَّه لهم وطيَّبه, ولم يحرم أكله عليهم, ولكنهم يقولون على الله ما لا يعلمون حقيقته، طاعةً منهم للشيطان, واتباعًا منهم خطواته, واقتفاء منهم آثارَ أسلافهم الضُّلال وآبائهم الجهال, الذين كانوا بالله وبما أنـزل على رسوله جُهالا وعن الحق ومنهاجه ضُلالا - وإسرافًا منهم, كما أنـزل الله في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ذكره: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا .
* * * --------------------------- الهوامش: (65) لعل الصواب ، "فهي اسم مصدر" .
(66) ما بين القوسين زيادة يستقيم بها الكلام .
(67) في المطبوعة ، "وأخبرهم" بالواو ، والصواب الجيد ما أثبت .
قوله تعالى : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون قوله تعالى : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء سمي السوء سوءا لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه .
وهو مصدر ساءه يسوءه سوءا ومساءة إذا أحزنه .
وسؤته فسيء إذا أحزنته فحزن ، قال الله تعالى : سيئت وجوه الذين كفروا .
وقال الشاعر :إن يك هذا الدهر قد ساءني فطالما قد سرني الدهر الأمر عندي فيهما واحدلذاك شكر ولذاك صبروالفحشاء أصله قبح المنظر ، كما قال :وجيد كجيد الريم ليس بفاحشثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني .
والشرع هو الذي يحسن ويقبح ، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء .
وقال مقاتل : إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى ، إلا قوله : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء فإنه منع الزكاةقلت : فعلى هذا قيل : السوء ما لا حد فيه ، والفحشاء ما فيه حد .
وحكي عن ابن عباس وغيره ، والله تعالى أعلم .قوله تعالى : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون قال الطبري : يريد ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها مما جعلوه شرعا .
وأن تقولوا في موضع خفض عطفا على قوله تعالى : بالسوء والفحشاء .
فلم يكتف ربنا بنهينا عن اتباع خطواته, حتى أخبرنا - وهو أصدق القائلين - بعداوته الداعية للحذر منه, ثم لم يكتف بذلك, حتى أخبرنا بتفصيل ما يأمر به, وأنه أقبح الأشياء, وأعظمها مفسدة فقال: { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ } أي: الشر الذي يسوء صاحبه, فيدخل في ذلك, جميع المعاصي، فيكون قوله: { وَالْفَحْشَاءِ } من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الفحشاء من المعاصي, ما تناهى قبحه, كالزنا, وشرب الخمر, والقتل, والقذف, والبخل ونحو ذلك, مما يستفحشه من له عقل، { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } فيدخل في ذلك, القول على الله بلا علم, في شرعه, وقدره، فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه, أو وصفه به رسوله, أو نفى عنه ما أثبته لنفسه, أو أثبت له ما نفاه عن نفسه, فقد قال على الله بلا علم، ومن زعم أن لله ندا, وأوثانا, تقرب من عبدها من الله, فقد قال على الله بلا علم، ومن قال: إن الله أحل كذا, أو حرم كذا, أو أمر بكذا, أو نهى عن كذا, بغير بصيرة, فقد قال على الله بلا علم، ومن قال: الله خلق هذا الصنف من المخلوقات, للعلة الفلانية بلا برهان له بذلك, فقد قال على الله بلا علم، ومن أعظم القول على الله بلا علم, أن يتأول المتأول كلامه, أو كلام رسوله, على معان اصطلح عليها طائفة من طوائف الضلال, ثم يقول: إن الله أرادها، فالقول على الله بلا علم, من أكبر المحرمات, وأشملها, وأكبر طرق الشيطان التي يدعو إليها, فهذه طرق الشيطان التي يدعو إليها هو وجنوده, ويبذلون مكرهم وخداعهم, على إغواء الخلق بما يقدرون عليه.
وأما الله تعالى, فإنه يأمر بالعدل والإحسان, وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلينظر العبد نفسه, مع أي الداعيين هو, ومن أي الحزبين؟
أتتبع داعي الله الذي يريد لك الخير والسعادة الدنيوية والأخروية, الذي كل الفلاح بطاعته, وكل الفوز في خدمته, وجميع الأرباح في معاملة المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة, الذي لا يأمر إلا بالخير, ولا ينهى إلا عن الشر، أم تتبع داعي الشيطان, الذي هو عدو الإنسان, الذي يريد لك الشر, ويسعى بجهده على إهلاكك في الدنيا والآخرة؟
الذي كل الشر في طاعته, وكل الخسران في ولايته، الذي لا يأمر إلا بشر, ولا ينهى إلا عن خير.
ثم ذكر عداوته فقال: {إنما يأمركم بالسوء} أي بالإثم، وأصل السوء ما يسوء صاحبه، وهو مصدر ساء يسوء سوأ ومساءة أي أحزنه، وسوأته فساء أي حزنته فحزن.
{والفحشاء} المعاصي وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالسراء والضراء.
روى باذان عن ابن عباس قال: "الفحشاء من المعاصي ما يجب فيه الحد والسوء من الذنوب ما لا حد فيه".
وقال السدي: "هي الزنا"، وقيل: هي البخل.
{أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} من تحريم الحرث والأنعام.
«إنما يأمركم بالسوء» الإثم «والفحشاء» القبيح شرعا «وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون» من تحريم ما لم يحرم وغيره.
إنما يأمركم الشيطان بكل ذنب قبيح يسوءُكم، وبكل معصية بالغة القبح، وبأن تفتروا على الله الكذب من تحريم الحلال وغيره بدون علم.
وقوله - تعالى - ( إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسواء والفحشآء ) استئناف لبيان كيفية عداوته ، وتفصيل لأنواع شروره ومفاسده .والسوء في الأصل : مصدر ساء يسوءه سوءاً ومساءة إذا أحزنه ، والمراد به هنا ، كل ما يغضب الله - تعالى - من المعاصي ، لأنها تسوء صاحبها وتحزنه في الحال أو المآل .والفحشاء والفاحشة والفحش : ما عظم قبحه مر الأقوال والأفعال .وروى عن ابن عباس أنه فسر السوء بما لا حد فيه ، والفحشاء بما فيه حد .والأمر في الأصل : الطلب بالقول ، واستعمل في تزيين الشيطان المعصية ، لأن تزيينها في معنى الدعوة إليها .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف كان الشيطان آمرا مع قوله ( لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) قلت : شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر ، كما تقول : أمرتني نفسي بكذا ، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه ، ولذلك قال : ( وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله ) وقال - تعالى - : ( إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء ) لما كان الإِنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت .وقوله : ( وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) معطوف على ما قبله .أي : يأمركم الشيطان بالسوء والفحشاء ، ويأمركم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون .والقول على الله بغير علم من مظاهره أن يقول قائل : لقد أحل الله كذا وحرم كذا بدون دليل شرعي يعتمد عليه .قال الإِمام ابن القيم : " والقول على الله بغير علم يعم القول عليه - سبحانه - في أسمائه وصفاته وأفعاله ، وفي دينه وشرعه ، وقد جعله - سبحانه - من أعظم المحرمات ، بل جعله في المرتبة العليا منها ، فقال - تعالى - : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغي بِغَيْرِ الحق وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) وقال - تعالى - : ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ على الله الكذب إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ على الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ .
مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )فتقدم إليهم - سبحانه - بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه ، وقولهم لما لم يحرمه : هذا حرام ، ولما لم يحله : هذا حلال .
وهذا بيان منه - سبحانه - أنه لا يجوز للعبد أن يقول : هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أنه - سبحانه - أحله وحرمه " .وقال بعض العلماء : وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين لبعض الوقائع أحكاماً من طريق الاستنباط ، قد يستندون في ذلك إلى دليل يفيد الظن بالحكم ، ولا يصل إلى أن يفيد العلم به ، فيكون إفتاؤه من قبيل القول على الله بيغر علم ، ويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدليل الظني أصل انعقد عليه الإِجماع وأصبح مقطوعاً به ، وهو أن كل مجتهد بحق يكون حكم الشرع في حقه أو حق من يتابعه هو الحكم الذي أداه إليه اجتهاده ، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به لم يكن المجتهد المشهود له بالرسوخ في العلم قائلا على الله ما لا يعلم " .هذا ، ومن الآيات الكثيرة التي وردت في القرآن الكريم في التحذير من الشيطان ووساوسه قوله - تعالى - :( إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السعير ) وقوله - تعالى - : ( الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) وقوله - تعالى - : ( يابني ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة ) وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الإكثار من ذكر الله خير معين للإِنسان للتغلب على وساوس الشيطان فقال في حديثه الطويل الذي رواه الترمذي والنسائي وابن حبان عن الحارث الأشعري : " وآمركم بذكر الله كثيراً ، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره ، فأتى حصناً فأحرز نفسه فيه ، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله .
اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أنداداً، ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال: ﴿ يا أيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب، الوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج.
المسأل الثانية: الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد ومنه: حل بالمكان إذا نزل به، لأنه حل شد الارتحال للنزول وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة، وحل من إحرامه، لأنه حل عقدة الإحرام، وحلت عليه العقوبة، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب والحلة الإزار والرداء، لأنه يحل عن الطي للبس، ومن هذا تحلة اليمين، لأنه عقدة اليمين تنحل به، واعلم أن الحرام قد يكون حراماً لخبثه كالميتة والدم والخمر، وقد يكون حراماً لا لخبثه، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ حلالاً طيبا ﴾ إن شئت نصبته على الحال مما في الأرض وإن شئت نصبته على أنه مفعول.
المسألة الرابعة: الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر والحلال يوصف بأنه طيب، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب ﴾ والطيب في الأصل هو ما يستلذ به ويستطاب ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه والحرام غير مستلذ، لأن الشرع يزجر عنه وفي المراد بالطيب في الآية وجهان الأول: أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيباً إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراماً وإن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة والثاني: المرادمنه المباح وقوله يلزم التكرار قلنا: لا نسلم فإن قوله: ﴿ حلالا ﴾ المراد منه ما يكون جنسه حلالاً وقوله: ﴿ طَيّباً ﴾ المراد منه لا يكون متعلقاً به حق الغير فإن أكل الحرام وإن اسطابه الآكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة ولا يكون مستطاباً، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر والكسائي، وهي إحدى الروايتين عن ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿ خطوات ﴾ بضم الخاء والطاء والباقون بسكون الطاء، أما من ضم العين فلأن الواحدة خطوة فإذا جمعت حركت العين للجمع، كما فعل بالإسماء التي على هذا الوزن نحو غرفة وغرفات، وتحريك العين للجمع كما فعل في نحو هذا الجمع للفصل بين الإسم والصفة، وذلك أن ما كان اسماً جمعته بتحريك العين نحو تمرة وتمرات وغرفة وغرفات وشهوة وشهوات، وما كان نعتاً جمع بسكون العين نحو ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات، والخطوة من الأسماء لا من الصفات فيجمع بتحريك العين، وأما من خفف العين فبقاه على الأصل وطلب الخفة.
المسألة الثانية: قال ابن السكيت فيما رواه عنه الجبائي الخطوة والخطوة بمعنى واحد وحكى عن الفراء: خطوت خطوة والخطوة ما بين القدمين كما يقال: حثوت حثوة، والحثوة اسم لما تحثيت، وكذلك غرفت غرفة والغرفة اسم لما اغترفت، وإذا كان كذلك فالخطوة المكان المتخطى كما أن الغرفة هي الشيء المغترف بالكف فيكون المعنى: لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا طريقه لأن الخطوة اسم مكان، وهذا قول الزجاج وابن قتيبة فانهما قالا: خطوات الشيطان طرفه وإن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي فالتقدير: لا تأتموا به ولا تقفوا أثره والمعنيان مقاربان وإن اختلف التقديران هذا ما يتعلق باللغة، وأما المعنى فليس مراد الله هاهنا ما يتعلق باللغة بل كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان وزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه إلى الحرام لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر الله تعالى عن ذلك، ثم بين العلة في هذا التحذير، وهو كونه عدواً مبيناً أي متظاهر بالعداوة، وذلك لأن الشيطان التزم أموراً سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ وثلاثة منها في قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَءَاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ ﴾ فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدواً متظاهراً بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فهذا كالتفصيل لجملة عداوته، وهو مشتمل على أمور ثلاثة أولها: السوء، وهو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب.
وثانيها: الفحشاء وهي نوع من السوء، لأنها أقبح أنواعه، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي.
وثالثها: ﴿ أَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وكأنه أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي نجدها من أنفسنا، وقد اختلفت الناس في هذه الخواطر من وجوه: أحدها: اختلفوا في ماهياتها فقال بعضهم إنها حروف وأصوات خفية، وقال الفلاسفة: إنها تصورات الحروف والأصوات وتخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا، فإن تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض الوجوه، وإن لم تكن مشابهة لها في كل الوجوه.
ولقائل أن يقول: صور هذه الحروف وتخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها حروفاً أولاً تشبهها؟
فإن كان الأول فصور الحروف حروف، فعاد القول إلى أن هذه الخواطر أصوات وحروف خفية، وإن كان الثاني لم تكن تصورات هذه الحروف حروفاً، لكني أجد من نفسي هذه الحروف والأصوات مترتبة منتظمة على حسب انتظامها في الخارج، والعربي لا يتكلم في قلبه إلا بالعربية، وكذا العجمي، وتصورات هذه الحروف وتعاقبها وتواليها لا يكون إلا على مطابقة تعاقبها وتواليها في الخارج، فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية.
وثانيها: أن فاعل هذه الخواطر من هو؟
أما على أصلنا وهو أن خالف الحوادث بأسرها هو الله تعالى، فالأمر ظاهر وأما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك، وأيضاً فلأن المتكلم عندهم من فعل الكلام فلو كان فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى، وفيها ما يكون كذباً وسخفاً، لزم كون الله موصوفاً بذلك تعالى الله عنه، ولا يمكن أن يقال: إن فاعلها هو العبد، لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر، ويحتال في دفعها عن نفسه مع أنها ألبتة لا تندفع، بل ينجر البعض إلى البعض على سبيل الاتصال، فإذن لابد هاهنا من شيء آخر، وهو إما الملك وإما الشيطان، فلعلهما يتكلمان بهذا الكلام في أقصى الدماغ، وفي أقصى القلب، حتى إن الإنسان وإن كان في غاية الصمم، فإنه يسمع هذه الحروف والأصوات ثم إن قلنا بأن الشيطان والملك ذوات قائمة بأنفسها، غير متحيزة ألبتة، لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه الأفعال، وإن قلنا بأنها أجسام لطيفة لم يبعد أيضاً أن يقال: إنها وإن كانت لا تتولج بواطن البشر إلا أنهم يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر، ولا بعد أيضاً أن يقال إنها لغاية لطافتها تقدر على النفوذ في مضايق باطن البشر ومخارق جسمه وتوصل الكلام إلى أقصى قلبه ودماغه، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب، بحيث يكون اتصال بعض أجزائه بالبعض اتصالاً لا ينفصل، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه المضايق والمخارق انفصالها وتفرق أجزائها وكل هذه الاحتمالات مما لا دليل على فسادها والأمر في معرفة حقائقها عند الله تعالى، ومما يدل على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى: ﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الملئكة أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ الذين ءَامَنُواْ ﴾ أي ألهموهم الثبات وشجعوهم على أعدائهم، ويدل عليه من الأخبار قوله عليه الصلاة والسلام إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة وفي الحديث أيضاً إذا ولد المولود لبني آدم قرن إبليس به شيطاناً وقرن الله به ملكاً، فالشيطان جاثم على أذن قلبه الأيسر، والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه ومن صوفية والفلاسفة من فسر الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية، وفسر الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة والشهوانية والغضبية.
المسألة الثاني: دلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأنه تعالى ذكره بكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ وهي للحصر، وقال بعض العارفين: إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر وذلك يدل على أنواع: إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يخرجه من الفاضل إلى الشر، وإما أن يجره من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ يتناول جميع المذاهب الفاسدة بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقاً للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية.
المسألة الرابعة: تمسك نفاة القياس بقوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ والجواب عنه: أنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب كان العمل بالقياس قولا على الله بما يعلم لا بما لا يعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَلاَلاً ﴾ مفعول كلوا، أو حال مما في الأرض ﴿ طَيِّبَاتِ ﴾ طاهراً من كل شبهة ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ فتدخلوا في حرام، أو شبهة، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام، و(من) للتبعيض؛ لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول.
وقرئ: ﴿ خطوات ﴾ بضمتين، و ﴿ خطوات ﴾ بضمة وسكون، و ﴿ خطؤات ﴾ بضمتين وهمزة جعلت الضمة على الطاء كأنها على الواو، و ﴿ خطوات ﴾ بفتحتين و ﴿ خطوات ﴾ بفتحة وسكون.
والخطوة: المرة من الخطو.
والخطوة: ما بين قدمي الخاطي.
وهما كالغرفة والغرفة، والقبضة والقبضة.
يقال: اتبع خطواته، ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته ﴿ مُّبِينٌ ﴾ ظاهر العداوة لا خفاء به ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم ﴾ بيان لوجوب الإنهاء عن اتباعه وظهور عداوته.
أي لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم ﴿ بالسوء ﴾ بالقبيح ﴿ والفحشاء ﴾ وما يتجاوز الحدّ في القبح من العظائم، وقيل: السوء ما لا حدّ فيه.
والفحشاء: ما يجب الحدّ فيه ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وهو قولكم: هذا حلال وهذا حرام، بغير علم.
ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه.
فإن قلت: كيف كان الشيطان آمراً مع قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان ﴾ [الحجر: 42] قلت: شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتني نفسي بكذا.
وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الأنعام وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ [النساء: 119] وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ النفس لأَمّارَةٌ بالسوء ﴾ [يوسف: 53] لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ ﴾ بَيانٌ لِعَداوَتِهِ، ووُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِ.
واسْتُعِيرَ الأمْرُ لِتَزْيِينِهِ وبَعْثِهِ لَهم عَلى الشَّرِّ تَسْفِيهًا لِرَأْيِهِمْ وتَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ، والسُّوءُ والفَحْشاءُ ما أنْكَرَهُ العَقْلُ واسْتَقْبَحَهُ الشَّرْعُ، والعَطْفُ لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ فَإنَّهُ سُوءٌ لِاغْتِمامِ العاقِلِ بِهِ، وفَحْشاءٌ بِاسْتِقْباحِهِ إيّاهُ.
وقِيلَ: السُّوءُ يَعُمُّ القَبائِحَ، والفَحْشاءُ ما يَتَجاوَزُ الحَدَّ في القُبْحِ مِنَ الكَبائِرِ.
وقِيلَ: الأوَّلُ ما لا حَدَّ فِيهِ، والثّانِي ما شُرِعَ فِيهِ الحَدُّ ﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ كاتِّخاذِ الأنْدادِ وتَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ وتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ رَأْسًا.
وأمّا اتِّباعُ المُجْتَهِدِ لِما أدّى إلَيْهِ ظَنٌّ مُسْتَنِدٌ إلى مُدْرَكٍ شَرْعِيٍّ فَوُجُوبُهُ قَطْعِيٌّ، والظَّنُّ في طَرِيقِهِ كَما بَيَّنّاهُ في الكُتُبِ الأُصُولِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
{إنما يأمركم} بيان لوجوب لوجوب الانتهاء عن اتباعه وظهور عداوته أي لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم {بالسوء} بالقبيح {والفحشاء} وما يتجاوز الحد في القبح من العظائم وقيل السوء مالا حد فيه والفحشاء ما فيه حد {وَأَن تَقُولُواْ} في موضع الجر بالعطف على بالسوء أي وبأن تقولوا {عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} هو قولكم هذا حلال وهذا حرام بغير علم ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه
﴿ إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَداوَتِهِ وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ شَرِّهِ وإفْسادِهِ وانْحِصارِ مُعامَلَتِهِ مَعَهم في ذَلِكَ، أوْ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ بِضَمٍّ، وكُلُّ مَن هَذا شَأْنُهُ فَهو عَدُوٌّ مُبِينٌ، أوْ عِلَّةٌ لِلْأصْلِ بِضَمٍّ، وكُلُّ مَن هَذا شَأْنُهُ لا يُتَّبَعُ فَيَكُونُ الحُكْمُ مُعَلَّلًا بِعِلَّتَيْنِ ( العَداوَةِ ) والأمْرِ بِما ذُكِرَ، ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ لا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ يُنافِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الأمْرِ العُلُوُّ كَما هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وإلّا فَمُجَرَّدُ الِاسْتِعْلاءِ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ سُلْطانٌ، وعَلى أنْ يَكُونَ ( عِبادِي ) لِعُمُومِ الكُلِّ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْناءِ، وعَلى أنَّ الخِطابَ في (يَأْمُرُكُمْ) لِجَمِيعِ النّاسِ لا لِلْمُتَّبِعِينَ فَقَطْ، ولا مُنافاةَ أيْضًا، بَلْ لِأنّا نَجِدُ مِن أنْفُسِنا أنَّهُ لا طَلَبَ مِنهُ لِلْفِعْلِ مِنّا، ولَيْسَ إلّا التَّزْيِينَ والبَعْثَ، فَهو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِذَلِكَ، ويَتْبَعُها الرَّمْزُ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ بِمَنزِلَةِ المَأْمُورِينَ المُنْقادِينَ لَهُ، وفِيهِ تَسْفِيهُ رَأْيِهِمْ وتَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، ولا يُرَدُّ أنَّهُ إذا كانَ الأمْرُ بِمَعْنى التَّزْيِينِ، فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: يَأْمُرُ لَكُمْ، وإنْ كانَ بِمَعْنى البَعْثِ، فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: يَأْمُرُكم عَلى السُّوءِ أوْ لِلسُّوءِ؛ إذِ المَذْكُورُ لَفْظُ الأمْرِ، فَلا بُدَّ مِن رِعايَةِ طَرِيقِ اسْتِعْمالِهِ، و(السُّوءِ) في الأصْلِ مَصْدَرُ ساءَهُ يَسُوءُهُ سُوءًا أوْ مُساءَةً إذا أحْزَنَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جَمِيعِ المَعاصِي، سَواءٌ كانَتْ قَوْلًا أوْ فِعْلًا أوْ عَقْدًا لِاشْتِراكِ كُلِّها في أنَّها تَسُوءُ صاحِبَها، ﴿ والفَحْشاءِ ﴾ أقْبَحُ أنْواعِها وأعْظَمُها مُساءَةً، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ (السُّوءَ) ما لا حَدَّ فِيهِ، و(الفَحْشاء) ما فِيهِ حَدٌّ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وهو ما أنْكَرَهُ العَقْلُ، وحُكِمَ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وعاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ واسْتَقْبَحَهُ الشَّرْعُ، والعَطْفُ حِينَئِذٍ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الحَقِيقَتَيْنِ، فَإنَّ ذَلِكَ سُوءٌ لِاغْتِمامِ العاقِلِ، وفَحْشاءٌ بِاسْتِقْباحِهِ إيّاهُ، ولَعَلَّ الدّاعِيَ إلى هَذا القَوْلِ، أنَّهُ - سُبْحانَهُ - سَمّى جَمِيعَ المَعاصِيَ والفَواحِشَ سَيِّئَةً في قَوْلِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ و ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴾ و ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ وسَمّى جَمِيعَ المَعاصِيَ بِالفَواحِشِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: سَلَّمْنا، ولَكِنَّ السَّيِّئَةَ والفاحِشَةَ إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ 169﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ؛ أيْ: ويَأْمُرُكُمُ الشَّيْطانُ بِأنْ تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِأنَّهُ حَرَّمَ هَذا وأحَلَّ هَذا أوْ بِذَلِكَ، وبِأنَّهُ أمَرَ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ورَضِيَ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإفْسادِ، والتَّنْصِيصُ عَلى الأمْرِ بِالتَّقَوُّلِ مَعَ دُخُولِهِ فِيما سَبَقَ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، ومَفْعُولُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ أيْ: ما لا تَعْلَمُونَ، الإذْنُ فِيهِ مِنهُ - تَعالى -، والتَّحْذِيرُ عَنْ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّحْذِيرِ عَنِ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِما يَعْلَمُونَ عَدَمَ الإذْنِ فِيهِ، كَما هو حالُ كَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتِلْزامًا ظاهِرًا، وظاهِرُ الآيَةِ المَنعُ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ رَأْسًا؛ لِأنَّ الظَّنَّ مُقابِلٌ لِلْعِلْمِ لُغَةً وعُرْفًا، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ أنَّ المُجْتَهِدَ يَعْمَلُ بِمُقْتَضى ظَنِّهِ الحاصِلِ عِنْدَهُ مِنَ النُّصُوصِ، فَكَيْفَ يُسَوَّغُ اتِّباعُهُ لِلْمُقَلِّدِ؟!
وأُجِيبَ بِأنَّ الحُكْمَ المَظْنُونَ لِلْمُجْتَهِدِ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ الدَّلِيلُ القاطِعُ، وهو الإجْماعُ، وكُلُّ حُكْمٍ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ قَطْعًا عُلِمَ قَطْعًا بِأنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى: وإلّا لَمْ يَجِبِ العَمَلُ بِهِ قَطْعًا، وكُلُّ ما عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ - تَعالى - فَهو مَعْلُومٌ قَطْعًا، فالحُكْمُ المَظْنُونُ لِلْمُجْتَهِدِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، وخُلاصَتُهُ أنَّ الظَّنَّ كافٍ في طَرِيقِ تَحْصِيلِهِ ثُمَّ بِواسِطَةِ الإجْماعِ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ صارَ المَظْنُونُ مَعْلُومًا، وانْقَلَبَ الظَّنُّ عِلْمًا، فَتَقْلِيدُ المُجْتَهِدِ لَيْسَ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ في شَيْءٍ، وزَعْمُ ذَلِكَ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ وتَحْقِيقِهِ في الأُصُولِ.
<div class="verse-tafsir"
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً، وذلك أن قوماً من العرب مثل بني عامر وبني مدلج وخزاعة وغيرهم، حرموا على أنفسهم أشياء مما أحل الله من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة وغير ذلك، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً من الحرث والأنعام، وحلالاً نصب على الحال.
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، يعني طاعات الشيطان.
وقال مقاتل: يعني تزيين الشيطان.
ويقال: وساوس الشيطان.
وقال القتبي: الخطوات جمع الخطوة.
وقال الزجاج: خطواته أي طرقه، ومعناه: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، أي ظاهر العداوة.
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ، يعني بالإثم والقبيح من العمل.
ويقال: السوء الذي يجب به الحبس والحساب، والفحشاء: التي يستوجب بها العقوبة في النار.
ويقال: السوء الذي يجب به التعزير في الدنيا، والفحشاء التي يجب بها الحد.
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يعني أن الشيطان يأمركم بأن تكذبوا على الله، لأنهم كانوا يقولون هذه الأشياء حرم الله علينا.
<div class="verse-tafsir"
أن يكون من رؤية البَصَر، ويحتمل رؤية القلب، أي: يريهم اللَّه أعمالهم الفاسدة الَّتي ارتكبوها.
وقال ابنُ مَسْعود: أعمالهم الصالحة التي تركوها «١» ، والحَسْرَة: أعلى درجات النَّدامة، والهَمِّ بما فات، وهي مشتقَّة من الشيء الحَسِيرِ الذي انقطع، وذهبت قوَّته، وقيل:
من حَسَر، إِذا كشف.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ...
الآية: الخطابُ عامٌّ، و «ما» بمعنى «الَّذِي» ، «وحَلاَلاً» : حال من الضمير العائد على «مَا» ، و «طَيِّباً» :
نعتٌ، ويصح أن يكون حالاً من الضمير في «كُلُواْ» ، تقديره: مستطيبِينَ، والطَّيِّبُ عند مالك: الحلال فهو هنا تأكيدٌ لاختلاف اللفظِ، وهو عند الشافعيِّ: المستَلَذُّ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القَذِرِ.
قال الفَخْر «٢» : الحلالُ هو المباحُ الذي انحلَّتْ عقدة الحَظْر عنه، وأصله من الحَلِّ الذي هو نقيضُ العَقْد.
انتهى.
وخُطُواتِ: جمع خطوةٍ، والمعنى: النهْيُ عن اتباع الشيطان، وسلوكِ سبله، وطرائقه.
قال ابن عَبَّاس: خطواته: أَعماله «٣» ، وقال غيره: آثاره «٤» .
ع «٥» : وكلُّ ما عدا السنَنَ والشرائعَ من البِدَعِ والمعاصِي، فهي خطوات الشيطان.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ ﴾ السُّوءُ: كُلُّ إثْمٍ وقُبْحٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وإنَّما سُمِّيَ سُوءًا، لِأنَّهُ تَسُوءُ عَواقِبُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَسُوءُ إظْهارُهُ ﴿ والفَحْشاءِ ﴾ مِن: فَحُشَ الشَّيْءُ: إذا جازَ قَدْرَهُ.
وفي المُرادِ بِها هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كُلُّ مَعْصِيَةٍ لَها حَدٌّ في الدُّنْيا.
.
والثّانِي: أنَّها ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ.
والثّالِثُ: أنَّها البُخْلُ، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ مَنقُولَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزِّنى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والخامِسُ: المَعاصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْكم ما لَمْ يُحَرَّمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ الخِطابُ عامٌّ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"حَلالًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ العائِدِ عَلى "ما".
وقالَ مَكِّيُّ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَيْئًا حَلالًا، وهَذا يَبْعُدُ، وكَذَلِكَ مَقْصِدُ الكَلامِ لا يُعْطِي أنْ يَكُونَ "حَلالًا" مَفْعُولًا بِـ "كُلُوا".
وتَأمَّلَ.
و"طَيِّبًا" نَعْتٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "طَيِّبًا" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُلُوا" تَقْدِيرُهُ: مُسْتَطِيبِينَ.
والطَيِّبُ عِنْدَ مالِكٍ: الحَلالُ فَهو هُنا تَأْكِيدٌ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، وهو عِنْدَ الشافِعِيِّ المُسْتَلَذُّ، ولِذَلِكَ يَمْنَعُ أكْلَ الحَيَوانِ القَذِرِ وكُلَّ ما هو خَبِيثٌ.
و"خُطُواتِ" جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ في المَشْيِ، فالمَعْنى: النَهْيُ عَنِ اتِّباعِ الشَيْطانِ وسُلُوكِ سُبُلِهِ وطَرائِقِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُطُواتُهُ: أعْمالُهُ، قالَ غَيْرُهُ: آثارُهُ قالَ مُجاهِدٌ: خَطاياهُ، قالَ أبُو مِجْلَزٍ: هي النُذُورُ والمَعاصِي، قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ فِيما سَنُّوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسائِبَةِ ونَحْوِهِ، قالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "خُطُواتٍ" بِضَمِّ الخاءِ والطاءِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الطاءِ، فَإمّا أرادُوا ضَمَّ الخاءِ والطاءِ وخَفَّفُوها إذْ هو البابُ في جَمْعِ فِعْلَةٍ كَغُرْفَةِ وغُرُفاتِ، وإمّا أنَّهم تَرَكُوها في الجَمْعِ عَلى سُكُونِها في المُفْرَدِ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ: "خَطَواتٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ، وسَلامٍ: "خُطُؤاتٍ" بِضَمِّ الخاءِ والطاءِ وهَمْزَةٍ عَلى الواوِ، وذَهَبَ بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطَأةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.
وكُلُّ ما عَدا السُنَنَ والشَرائِعَ مِنَ البِدَعِ والمَعاصِي فَهي خُطُواتُ الشَيْطانِ.
و"عَدُوَ" يَقَعُ لِلْمُفْرَدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآيَةُ، "إنَّما تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ، وقَدْ تَجِيءُ غَيْرَ حاصِرَةٍ بَلْ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ.
كَأنَّكَ تُحاوِلُ الحَصْرَ أو تُوهِمُهُ، فَإنَّما يُعْرَفُ مَعْنى "إنَّما" بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، فَهي في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ.
وأمَرَ الشَيْطانُ إمّا بِقَوْلِهِ في زَمَنِ الكَهَنَةِ وحَيْثُ يَتَصَوَّرُ، وإمّا بِوَسْوَسَتِهِ، فَإذا أُطِيعَ نَفَّذَ أمْرَهُ.
و"السُوءِ": مَصْدَرٌ مِن ساءَ يَسُوءُ، وهي المَعاصِي وما تَسُوءُ عاقِبَتُهُ، و"الفَحْشاءِ" قالَ السُدِّيُّ: هي الزِنا، وقِيلَ: كُلُّ ما بَلَغَ حَدًّا مِنَ الحُدُودِ، لِأنَّهُ يَتَفاحَشُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: ما تَفاحَشَ ذِكْرُهُ، وأصْلُ الفُحْشِ قُبْحُ المَنظَرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: وجِيدٍ كَجِيدِ الرِئْمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ فِيما يُسْتَقْبَحُ مِنَ المَعانِي.
والشَرْعُ هو الَّذِي يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ، فَكُلُّ ما نَهَتْ عنهُ الشَرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.
و ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ بِهِ ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسائِبَةِ ونَحْوِها وجَعَلُوهُ شَرْعًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ ، يَعْنِي كُفّارَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الضَمِيرُ في "لَهُمُ" عائِدٌ عَلى "الناسِ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الناسُ كُلُوا ﴾ ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى "مِنَ" في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللهِ أنْدادًا ﴾ .
و"اتَّبِعُوا" مَعْناهُ بِالعَمَلِ والقَبُولِ.
و ﴿ ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ هو القُرْآنُ والشَرْعُ، و"ألْفَيْنا" مَعْناهُ وجَدْنا، قالَ الشاعِرُ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهِ إلّا قَلِيلًا والألِفُ في قَوْلِهِ: "أوَلَوْ" لِلِاسْتِفْهامِ، والواوُ لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، لِأنَّ غايَةَ الفَسادِ في الِالتِزامِ أنْ يَقُولُوا: نَتَّبِعُ آباءَنا ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، فَقَرَّرُوا عَلى التِزامِهِمْ هَذا، إذْ هَذِهِ حالُ آبائِهِمْ.
وقُوَّةُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ تُعْطِي إبْطالَ التَقْلِيدِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى إبْطالِهِ في العَقائِدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، المُرادُ تَشْبِيهُ واعِظِ الكافِرِينَ وداعِيهِمْ، والكافِرِينَ المَوْعُوظِينَ، بِالراعِي الَّذِي يَنْعَقُ بِالغَنَمِ أوِ الإبِلِ فَلا تَسْمَعُ إلّا دُعاءَهُ ولا تَفْقَهُ ما يَقُولُ، هَكَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، وسِيبَوَيْهِ، فَذَكَرَ بَعْضَ هَذِهِ الجُمْلَةِ وبَعْضَ هَذِهِ، ودَلَّ المَذْكُورُ عَلى المَحْذُوفِ، وهَذِهِ نِهايَةُ الإيجازِ.
والنَعِيقُ: زَجْرُ الغَنَمِ والصِياحُ بِها، قالَ الأخْطَلُ: انْعَقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فَإنَّما ∗∗∗ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاءِ ضَلالًا وقالَ قَوْمٌ: إنَّما وقَعَ هَذا التَشْبِيهُ بِراعِي الضَأْنِ لِأنَّها مِن أبْلَدِ الحَيَوانِ، فَهي تَحْمُقُ راعِيها، وفي المَثَلِ: "أحْمَقُ مِن راعِي ضَأْنٍ ثَمانِينَ" وقَدْ قالَ دُرَيْدُ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ في يَوْمِ هَوازِنَ: "راعِي ضَأْنٍ واللهِ"، وقالَ الشاعِرُ: أصْبَحْتُ هَزْءًا لِراعِي الضَأْنِ يَهْزَأُ بِي ∗∗∗ ماذا يُرِيبُكَ مِنِّي راعِيَ الضَأْنِ؟
فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ يَمُرُّ الدُعاءُ عَلى آذانِهِمْ صَفْحًا يَسْمَعُونَهُ ولا يَفْقَهُونَهُ، إذْ لا يَنْتَفِعُونَ بِفِقْهِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى في الآيَةِ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في اتِّباعِهِمْ آلِهَتَهم وعِبادَتَهم إيّاها، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعَقُ بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ شَيْئًا، إلّا دَوِيًّا غَيْرَ مُفِيدٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ الصَدى الَّذِي يَسْتَجِيبُ مِنَ الجِبالِ.
ووَجْهُ الطَبَرِيُّ في الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ: ومَثَلُ الكافِرِينَ في عِبادَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعَقُ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ مِنهُ، فَهو لا يَسْمَعُ مِن أجْلِ البُعْدِ، فَلَيْسَ لِلنّاعِقِ مِن ذَلِكَ إلّا النِداءُ الَّذِي يُتْعِبُهُ ويَنْصِبُهُ، فَإنَّما شَبَّهَ في هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ الكَفّارَ بِالناعِقِ، والأصْنامَ بِالمَنعُوقِ بِهِ، وشُبِّهُوا في الصَمَمِ والبُكْمِ والعَمى بِمَن لا حاسَّةَ لَهُ، لِما لَمْ يَنْتَفِعُوا بِحَواسِّهِمْ، ولا صَرَفُوها في إدْراكِ ما يَنْبَغِي، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................................
∗∗∗ أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعٌ ولَمّا تَقَرَّرَ فَقْدُهم لِهَذِهِ الحَواسِّ قَضى بِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ، إذِ العَقْلُ -كَما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ- عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ تُعْطِيها هَذِهِ الحَواسَّ، إذْ لا بُدَّ في كَسْبِها مِنَ الحَواسِّ.
وتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي هو كالخاتمة لتشويه أحوال أهل الشرك من أصول دينهم وفروعه التي ابتدأ الكلام فيها من قوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ﴾ [البقرة: 161] الآية، إذْ ذَكر كفرهم إجمالاً ثم أبطله بقوله: ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ [البقرة: 163] واستدل على إبطاله بقوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ [البقرة: 164] الآيات ثم وصف كفرهم بقوله: ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ﴾ [البقرة: 165]، ووصف حالهم وحسرتهم يوم القيامة، فوصف هنا بعض مساوئ دين أهل الشرك فيما حرموا على أنفسهم مما أخرج الله لهم من الأرض، وناسب ذكره هنا أنه وقع بعد ما تضمنه الاستدلال على وحدانية الله والامتنان عليهم بنعمته بقوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض إلى قوله: وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابةٍ ﴾ [البقرة: 164] الآية، وهو تمهيد وتلخيص لما يعقبه من ذكر شرائع الإسلام في الأطعمة وغيرها التي ستأتي من قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ [البقرة: 172].
فالخطاب بيأيها الناس موجه إلى المشركين كما هو شأن خطاب القرآن بيأيها الناس.
والأمر في قوله: ﴿ كلوا مما في الأرض ﴾ مستعمل في التوبيخ على ترك ذلك وليس للوجوب ولا للإِباحة، إذ ليس الكفار بأهل للخطاب بفروع الشريعة فقوله: ﴿ كلوا ﴾ تمهيد لقوله بعده ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ .
وقوله: ﴿ حلالاً طيباً ﴾ تعريض بتحميقهم فيما أعنتوا به أنفسهم فحرَموها من نعم طيبة افتراء على الله، وفيه إيماء إلى علة إباحته في الإِسلام وتعليم للمسلمين بأوصاف الأفعال التي هي مناط الحِل والتحريم.
والمقصود إبطال ما اختلقوه من منع أكل البَحِيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وما حكي الله عنهم في سورة الأنعام من قوله: ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ﴾ [الأنعام: 138] الآيات.
قيل نزلت في ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حرَّموا على أنفسهم من الأنعام أي مما ذكر في سورة الأنعام.
ومِن في قوله: ﴿ مما في الأرض ﴾ للتبعيض، فالتبعيض راجع إلى كون المأكول بعضاً من كل نوع وليس راجعاً إلى كون المأكول أنواعاً دون أنواع، لأنه يفوت غرض الآية، فما في الأرض عام خصصه الوصف بقوله: ﴿ حلالاً طيباً ﴾ فخرجت المحرمات الثابت تحريمها بالكتاب أو السنة.
وقوله: ﴿ حلالاً طيباً ﴾ حالان من (ما) الموصولة، أولهما لبيان الحكم الشرعي والثاني لبيان علته لأن الطيب من شأنه أن تقصده النفوس للانتفاع به فإذا ثبت الطيب ثبتت الحلِّية لأن الله رفيق بعباده لم يمنعهم مما فيه نفعهم الخالص أو الراجح.
والمراد بالطيب هنا ما تستطيبه النفوس بالإدراك المستقيم السليم من الشذوذ وهي النفوس التي تشتهي الملائم الكامل أو الراجح بحيث لا يعود تناوله بضر جثماني أو روحاني وسيأتي معنى الطيب لغة عند قوله تعالى: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ [المائدة: 4] في سورة المائدة.
وفي هذا الوصف معنى عظيم من الإيماء إلى قاعدة الحلال والحرام فلذلك قال علماؤنا: إن حكم الأشياء التي لم ينص الشرع فيها بشيء أن أصل المضار منها التحريم وأصل المنافع الحل، وهذا بالنظر إلى ذات الشيء بقطع النظر عن عوارضه كتعلق حق الغير به الموجب تحريمه، إذ التحريم حينئذٍ حكم للعارض لا للمعروض.
وقد فسر الطيب هنا بما يبيحه الطشرع وهو بعيد لأنه يفضي إلى التكرار، ولأنه يقتضي استعمال لفظ في معنى غير متعارف عندهم.
وقوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ الضمير للناس لا محالة وهم المشركون المتلبسون بالمنهي عنه دوماً، وأما المؤمنون فحظهم منه التحذير والموعظة.
واتباع الخطوات تمثيلية، أصلها أن السائر إذا رأى آثار خطوات السائرين تبع ذلك المسلك علماً منه بأنه ما سار فيه السائر قبله إلاّ لأنه موصل للمطلوب، فشبه المقتدي الذي لا دليل له سوى المقتدي به وهو يظن مسلكه موصلاً، بالذي يتبع خطوات السائرين وشاعت هاته التمثيلية حتى صاروا يقولون هو يتبع خُطا فلان بمعنى يقتدي به ويمتثل له.
والخطوات بضم فسكون جمع خطوة مثل الغرفة والقبضة بضم أولهما بمعنى المخطو والمغروف والمقبوض، فهي بمعنى مخطوة اسم لمسافة ما بين القدمين عند مشي الماشي فهو يخطوها، وأما الخَطوة بفتح الخاء فهي المرة من مصدر الخطو وتطلق على المخطو من إطلاق المصدر على المفعول.
وقرأ الجمهور (خطوات) بضم فسكون على أصل جمع السلامة، وقرأه ابن عامر وقنبل عن ابن كثير وحفصٌ عن عاصم بضم الخاء والطاء على الإتباع، والإتباع يساوي السكون في الخفة على اللسان.
والاقتداء بالشيطان إرسال النفس على العمل بما يوسوسه لها من الخواطر الشرية، فإن الشياطين موجودات مدركة لها اتصال بالنفوس البشرية لعله كاتصال الجاذبية بالأفلاك والمغناطيس بالحديد، فإذا حصل التوجه من أحدهما إلى الآخر بأسباب غير معلومة حدثت في النفس خواطر سيئة، فإن أرسل المكلف نفسه لاتباعها ولم يردعها بما له من الإرادة والعزيمة حققها في فاعله، وإن كبحها وصدها عن ذلك غلبها.
ولذلك أودع الله فينا العقل والإرادة والقدرة وكمَّل لنا ذلك بالهدى الديني عوناً وعصمة عن تلبيتها لئلا تضلنا الخواطر الشيطانية حتى نرى حسناً ما ليس بالحسن، ولهذا جاء في الحديث «من هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة» لأنه لما هم بها فذلك حين تسلطت عليه القوة الشيطانية ولما عدل عنها فذلك حين غلب الإرادة الخيرية عليها، ومثل هذا يقال في الخواطر الخيرية وهي الناشئة عن التوجهات الملكية، فإذا تنازع الداعيان في نفوسنا احتجنا في التغلب إلى الاستعانة بعقولنا وآرائنا وقدرتنا، وهُدى الله تعالى إيانا وذلك هو المعبر عنه عند الأشعري بالكسب، وعنه يترتب الثواب والعقاب.
واللام في ﴿ الشيطان ﴾ للجنس، ويجوز أن تكون للعهد، ويكون المراد إبليسَ وهو أصل الشياطين وآمرهم فكل ما ينشأ من وسوسة الشياطين فهو راجع إليه لأنه الذي خطا الخطوات الأولى.
وقوله: ﴿ إنه لكم عدوٌ مبين ﴾ ، (إنَّ) لمجرد الاهتمام بالخبر لأن العداوة بين الشيطان والناس معلومة متقررة عند المؤمنين والمشركين وقد كانوا في الحج يرمون الجمار ويعتقدون أنهم يرجمون الشيطان، أو تجعل (إن) للتأكيد بتنزيل غير المتردد في الحكم منزلة المتردد أو المنكِر لأنهم لاتباعهم الإشارات الشيطانية بمنزلة من ينكر عداوته كما قال عبدة: إن الذين تُرونهم إخوانَكم *** يشفى غليل صدورهم أن تُصرعوا وأياً ما كان فإن تفيد معنى التعليل والربط في مثل هذا وتغني غناء الفاء وهو شأنها بعد الأمر والنهي على ما في «دلائل الإعجاز» ومثله قول بشار: بكِّرا صَاحِبَيَّ قبلَ الهجير *** إنَّ ذاك النجاحَ في التبكير وقد تقدم ذلك.
وإنما كان عدواً لأن عنصر خلقته مخالف لعنصر خلقة الإنسان فاتصاله بالإنسان يؤثر خلاف ما يلائمه، وقد كثر في القرآن تمثيل الشيطان في صورة العدو المتربص بنا الدوائر لإثارة داعية مخالفته في نفوسنا كي لا نغتر حين نجد الخواطر الشريرة في أنفسنا فنظنها ما نشأت فينا إلاّ وهي نافعة لنا لأنها تولدت من نفوسنا، ولأجل هذا أيضاً صورت لنا النفس في صورة العدو في مثل هاته الأحوال.
ومعنى المبين الظاهر العداوة من أبان الذي هو بمعنى بان وليس من أبان الذي همزته للتعدية بمعنى أظهر لأن الشيطان لا يُظهر لنا العداوة بل يلبس لنا وسوسته في لباس النصيحة أو جلب الملائم، ولذلك سماه الله وليّاً فقال: ﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ [النساء: 119]، إلاّ أن الله فضحه فلم يبق مسلم تروج عليه تلبيساته حتى في حال اتِّباعه لخطواته فهو يعلم أنها وساوسه المضرة إلاّ أنه تغلبه شهوته وضعف عزيمته ورقة ديانته.
وقوله: ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ استئناف بياني لقوله: ﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ فيئول إلى كونه علة للعلة إذ يسأل السامع عن ثبوت العداوة مع عدم سبق المعرفة ومع بُعد ما بيننا وبينه فقيل ﴿ إنما يأمركم ﴾ أي لأنه لا يأمركم إلاّ بالسوء الخ أي يحسِّن لكم ما فيه مضرتكم لأن عداوته أمر خفي عرفناه من آثار أفعاله.
والأمر في الآية مجاز عن الوسوسة والتزيين إذ لا يسمع أحد صيغ أمرٍ من الشيطان.
ولك أن تجعل جملة: ﴿ إنما يأمركم ﴾ تمثيلية بتشبيه حاله وحالهم في التسويل والوسوسة وفي تلقيهم ما يوسوس لهم بحال الآمِر والمأمور ويكون لفظ يأمر مستعملاً في حقيقته مفيداً مع ذلك الرمزَ إلى أنهم لا إرادة لهم ولا يملكون أمر أنفسهم وفي هذا زيادة تشنيع لحالهم وإثارة للعداوة بين الشيطان وبينهم.
والسوء الضُّرّ من ساءه سَوْءاً، فالمصدر بفتح السين وأما السُّوء بضم السين فاسم للمصدر.
والفحشاء اسم مشتق من فحُش إذا تجاوز الحد المعروف في فعله أو قوله واختص في كلام العرب بما تجاوز حد الآداب وعظُم إنكاره، لأن وساوس النفس تئول إلى مضرة كشرب الخمر والقتل المفضي للثأر أو إلى سَوْأَة وعار كالزنا والكذب، فالعطف هنا عطف لمتغايرين بالمفهوم والذات لا محالة بشهادة اللغة وإن كانا متحدين في الحكم الشرعي لدخول كليهما تحت وصف الحرام أو الكبيرة وأما تصادقهما معاً في بعض الذنوب كالسرقة فلا التفات إليه كسائر الكليات المتصادقة.
وقوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ يشير إلى ما اختلقه المشركون وأهلُ الضلال من رسوم العبادات ونسبة أشياء لدين الله ما أَمَر الله بها.
وخصه بالعطف مع أنه بعض السوء والفحشاء لاشتماله على أكبر الكبائر وهو الشرك والافتراء على الله.
ومفعولُ ﴿ تعلمون ﴾ محذوف وهو ضمير عائد إلى (ما) وهو رابط الصلة، ومعنى ﴿ ما لا تعلمون ﴾ لا تعلمون أنه من عند الله بقرينة قوله: ﴿ على الله ﴾ أي لا تعلمون أنه يرضيه ويأمر به، وطريق معرفة رضا الله وأمرِه هو الرجوع إلى الوحي وإلى ما يتفرع عنه من القياس وأدلة الشريعة المستقرَاةِ من أدلتها، ولذلك قال الأصوليون: يجوز للمجتهد أن يقول فيما أداه إليه اجتهاده بطريق القياس: إنه دينُ الله ولا يجوز أن يقول قاله الله، لأن المجتهد قد حصلت له مقدمة قطعية مستقرَاةٌ من الشريعة انعقد الإِجماع عليها وهي وجوب عمله بما أداه إليه اجتهاده بأن يعمل به في الفتوى والقضاء وخاصةِ نفسه فهو إذا أفتى به وأخبر فقد قال على الله ما يعلم أنه يُرضي الله تعالى بحسب ما كُلف به من الظن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ والزَّرْعِ، فَأباحَ لَهُمُ اللَّهُ تَعالى أكْلَهُ وجَعَلَهُ لَهم حَلالًا طَيِّبًا.
﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ وهي جَمْعُ خُطْوَةٍ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في المُرادِ بِها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ خُطُواتِ الشَّيْطانِ أعْمالُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها خَطاياهُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها طاعَتُهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: أنَّها النُّذُورُ في المَعاصِي.
﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ.
﴿ إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: السُّوءُ في هَذا المَوْضِعِ مَعاصِي اللَّهِ، سُمِّيَتْ سُوءًا لِأنَّها تَسُوءُ صاحِبَها بِسُوءِ عَواقِبِها.
وَفي الفَحْشاءِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الزِّنى.
والثّانِي: المَعاصِي.
والثّالِثُ: كُلُّ ما فِيهِ الحَدُّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفُحْشِ فِعْلِهِ وقُبْحِ مَسْمُوعِهِ.
﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْكم.
والثّانِي: أنْ تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة.
فقال: يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه فما يتقبل منه أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ قال: عمله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما خالف القرآن فهو من خطوات الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ قال: خطاه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ نزعات الشيطان.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ خطوات الشيطان ﴾ قال: تزيين الشيطان.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود.
أنه أتى بضرع وملح فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم.
فقال: لا أريد.
فقال: أصائم أنت؟
قال: لا.
قال: فما شأنك؟
قال: حرمت أن آكل ضرعاً أبداً.
فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطعم وكفر عن يمينك.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز في قوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ قال: النذور في المعاصي.
وأخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عبد الرحمن السلمي قال: جاء رجل إلى الحسن فسأله وأنا عنده فقال له: حلفت إنْ لم أفعل كذا وكذا أن أحج حبواً.
فقال: هذا من خطوات الشيطان، فحج واركب وكفر عن يمينك.
وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن غياث قال: سألت جابر بن زيد عن رجل نذر أن يجعل في أنفه حلقة من ذهب فقال: هي من خطوات الشيطان، ولا يزال عاصياً لله فليكفر عن يمينه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إنما سمي الشيطان لأنه يشيطن.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ إنما يأمركم بالسوء ﴾ قال: المعصية ﴿ والفحشاء ﴾ قال: الزنا ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ قال: هو ما كانوا يحرمون من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي، ويزعمون أن الله حرم ذلك.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ بِالسُّوءِ ﴾ قال الليث: يقال: ساء الشيءُ يسوء فهو سيّئ، إذا قَبُحَ (١) وقال غيره: يقال: ساءه يَسُوءه سَوءًا ومساءةً، والسُّوء الاسم، بمنزلة الضُّرّ وهو كل ما يسوء صاحبه في العاقبة (٢) ﴿ وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ ، والفصل بين السَّوء والسُّوء نذكره في سورة التوبة، عند ذكر اختلاف القراء في قوله: ﴿ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿ وَالْفَحْشَاءِ ﴾ اسم على ما قَبُحَ من الفعل والقول، كالفاحشة (٣) قال الليث: الفحشاء: اسم الفاحشة، وكل شيء تجاوز قَدْرَه فهو فاحش، وكلُّ أمرٍ لا يكون موافقًا للحق فهو فاحشة وفحشاء.
ويقال: فَحُش الرجل يفحُش صار فاحشًا، وأفحَشَ [قال] قولًا فاحشًا (٤) قال عطاء عن ابن عباس: السوء: عصيان الله، والفحشاء: البُخل [[ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1330 عن عطاء عن ابن عباس في تفسير الفحشاء، وقال: البخل، ولم يذكر تفسير السوء، وذكره بنحوه: أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 480 [عن عطاء].]]، وقال في رواية باذان: السوء من الذنوب: ما لا حدّ فيه في الدنيا، والفحشاء: كل ما كان فيه حدّ (٥) ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ من تحريم الحرث والأنعام (٦) (٧) (١) نقله عنه في "اللسان " 4/ 2138 (سوأ).
(٢) ينظر في السوء: "تفسير الطبري" 2/ 77، "المفردات" ص253 - 254، "المحرر الوجيز" 2/ 62، "زاد المسير" 1/ 172، "اللسان" 1/ 4/2138 - 2139 (سوأ).
(٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1329.
(٤) ينظر في الفحش: "تفسير الطبري" 2/ 77، "المفردات" ص 375 - 376، "المحرر الوجيز" 2/ 62، "البحر المحيط" 1/ 477.
(٥) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1329، وفي "البحر المحيط" بنحوه 1/ 480.
(٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 1330، الطبري 2/ 77، "البحر المحيط" 1/ 480، "الدر المنثور" 1/ 306.
(٧) لم أجده عند الثعلبي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بالسواء والفحشآء ﴾ المعاصي ﴿ وَأَن تَقُولُواْ ﴾ الإشراك وتحريم الحلال كالبَحِيرة وغير ذلك ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ ﴾ رداً على قولهم: ﴿ بل نتبع...
﴾ الآية، في كفار العرب.
وقيل في اليهود: أنهم يتبعونهم ولو كانوا ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ فدخلت همزة الإنكار على واو الحال ﴿ وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ ﴾ الآية: في معناها قولان: الأول تشبيه الذين كفروا بالبهائم؛ لقلة فهمهم وعدم استجابتهم لمن يدعوهم، ولابد في هذا من محذوف، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون المحذوف أوّل الآية والتقدير: مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان ﴿ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ ﴾ أي يصيح ﴿ بِمَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ وهي البهائم التي لا تسمع ﴿ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ ولا يعقل معنى، والآخر: أن يكون المحذوف بعد ذلك، والتقدير: مثل الذين كفروا كمثل مَدْعُوِّ الذي ينعق.
ويكون دعاء ونداء على الوجهين مفعولاً: يسمع والنعيق: هو زجر الغنم، والصياح عليها، فعلى هذا القول شبه الكفار بالغنم وداعيهم بالذي يزجرها وهو يصيح عليها، الثاني: تشبيه الذين كفروا في دعائهم، وعبادتهم لأصنامهم بمن ينعق بما لا يسمع، لأن الأصنام لا تسمع شيئاً، ويكون دعاء ونداء على هذا منعطف: أي أن الداعي يتعب نفسه بادعاء أو الندراء لمن لم يسمعه من غير فائدة، فعلى هذا شبه الكفار بالنعق ﴿ صُمٌّ ﴾ وما بعده راجع إلى الكفار وذلك غير التآويل الأول ورفعوا على إضمار مبتدأ.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خطوات ﴾ ساكنة الطاء حيث كان: أبو عمرو وغير عباس ونافع وحمزة وخلف الهاشمي وأبو ربيعة عن البزي والقواس والحماد وأبو بكر غير البرجمي.
الباقون: بالضم.
﴿ بل نتبع ﴾ .
وبابه مثل ﴿ هل ننبئكم ﴾ و ﴿ بل نقذف ﴾ مدغماً حيث كان: علي وهشام.
الوقوف: ﴿ طيباً ﴾ ز والوصل أجوز لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط لابتداء الاستفهام ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ ونداء ﴾ ط لحق المحذوف أي هم صم ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.
التفسير: قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
والآية مسوقة لتقرير طرف من جهالات المشركين المتخذين من دون الله أنداداً.
وحلالاً مفعول كلوا أو حال مما في الأرض وهو المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه من الحل الذي يقابل العقد.
ومنه حل بالمكان إذا نزل، وحل عقد الرحال، وحل الدين وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة، والحلة لأنها تحل عن الطي للبس.
وتحلة القسم لأن عقدة اليمين تنحل به.
ثم الحرام قد يكون حراماً في جنسه كالميتة والدم، وقد يكون حراماً لعرض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله، فالحلال هو الخالي عن القيدين، والطيب إن أريد به ما يقرب من الحلال لأن الحرام يوصف بالخبيث ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ﴾ فالوصف لتأكيد المدح مثل ﴿ نفخة واحدة ﴾ أي الطاهر من كل شبهة.
ويمكن أن يراد بالطيب اللذيذ، أو يراد بالحلال ما يكون بجنسه حلالاً وبالطيب ما لا يتعلق به حق الغير.
والخطوة بالضم ما بين قدمي الخاطي كالغرفة بالضم اسم لما يغترف والفعلة بالضم والسكون إذا كانت اسماً تجمع في الصحيح بسكون العين وضمها.
يقال: اتبع خطواته ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته ﴿ مبين ﴾ ظاهر العداوة لا خفاء به ﴿ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ﴾ ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ السوء متناول جميع المعاصي من أفعال الجوارح وأفعال القلوب، والفحشاء هي التي جاوزت الحد في القبح فلهذا قد تحقق الأول بما لم يجب فيه الحد والثاني بما يجب فيه الحد ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ وهذا أقبح الكل لأن وصف الله بما لا ينبغي من أعظم الكبائر فهذه الآية كالتفسير لقوله ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ والصغائر والكبائر والكفر والجهل كلها من مأمورات الشيطان، بل لا يأمر الشيطان إلا بهذه الأمور بدليل "إنما" وهي للحصر وقد يدعو الشيطان إلى الخير ظاهراً وغرضه أن يجرّه إلى الشر آخراً مثل أن يجرّه من الأفضل إلى الفاضل فيتمكن بعد ذلك أن يجرّه إلى الشر.
ومثل أن يجره من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لتنفره عن الطاعة.
ويدخل في قوله ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ جميع المذاهب الباطلة والعقائد الفاسدة وقول الرجل هذا حلال وهذا حرام بغير علم بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلم فصار مستحقاً للذم من جهة أنه قادر على تحصيل العلم بالحق، ثم إنه قنع بالظن والتخمين.
ومعنى أمر الشيطان وسوسته وقد سلف في شرح الاستعاذة، وفي التعبير عن وسوسته بالأمر رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم أو قبولكم وساوسه.
وإذا كان الآمر المطاع مرجوماً مذموماً فكيف حال المأمور المطيع؟
وفي هذا معتبر للبصراء ومزدجر للعقلاء أعاذنا الله بحوله وأيده من مكر الشيطان وكيده.
﴿ وإذا قيل لهم ﴾ أي للمتخذين من دون الله أنداداً أو للناس.
والالتفات إلى الغيبة للنداء على ضلالتهم كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون: وعن ابن عباس: نزلت في اليهود حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام فقالوا: نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا، فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم.
وقد يعود الضمير إلى المعلوم كما يعود إلى المذكور، وعلى هذا فالآية مستأنفة.
وإنما خص هذا الموضع بقوله ﴿ ألفينا ﴾ لأن "ألفيت" يتعدى إلى مفعولين ألبتة فكان نصاً في ذلك فورد في الموضع الأول على الأصل.
واقتصر في المائدة ولقمان على لفظ "وجدنا" المشترك بين المتعدي إلى واحد والمتعدي إلى اثنين اكتفاء بما ورد في الأول مع تغيير العبارة عارضوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة بالتقليد فما أغفلهم وأنفسهم فلا جرم أجاب الله بقوله ﴿ أو لو كان ﴾ الواو للعطف لا للحال على ما وقع في الكشاف، والهمزة للرد والتعجب وفعل الاستفهام، محذوف وكذا جواب الشرط، أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للثواب، أيتبعونهم أيضاً؟
وتقرير الجواب أن يقال للمقلد: أعرفت أن المقلد محق أم لا.
فإن لم تعرف فكيف قلدته مع احتمال كونه مبطلاً، وإن عرفت فإما بتقليد آخر ويستلزم التسلسل، أو بالعقل فذلك كافٍ في معرفة الحق والتقليد ضائع.
وأيضاً علم المقلد إن حصل بالتقليد تسلسل، وإن حصل بالدليل فإنما يتبعه المقلد إذا علم ذلك الدليل أيضاً وإلا كان مخالفاً فظهر......
فقال وضلال ﴿ ومثل الذين كفروا ﴾ فيه للعلماء طريقان: أحدهما تصحيح المعنى بإضمار إما في المشبه أي مثل من يدعو الحق كمثل الذي ينعق يقال: نعق الراعي بالضأن إذا صاح بها.
وأما نغق الغراب فبالغين المعجمة شبه الداعي إلى الحق براعي الغنم والكفرة بالغنم ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تعلم المراد، وهؤلاء الكفار يسمعون صوت الرسول وألفاظه وما كانوا ينتفعون بها فكأنهم لا يفهمون معانيها.
وإما بإضمار في المشبه به أي مثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق الطريق.
الثاني: التصحيح بغير إضمار أي مثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، لكن قوله ﴿ لا دعاء ونداء ﴾ لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً.
أو مثلهم في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل فإنه لا يسمع إلا صدى صوته.
فإذا قال: يا زيد.
يسمع من الصدى يا زيد، فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعوا الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء.
أو مثلهم في قلة عقلهم حيث عبدوا الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم.
فكما أن الكلام مع البهائم دليل سخافة العقل فكذلك عبادتهم لها أي ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل الذي يتكلم مع البهائم، فكما أن ذلك عبث ضائع فكذا تقليدهم واتباعهم ﴿ صم ﴾ عن استماع الحق والانتفاع به ﴿ بكم ﴾ عن إجابة الداعي إلى سبيل الخير ﴿ عمي ﴾ عن النظر في الدلائل ﴿ فهم لا يعقلون ﴾ العقل المسموع ولا المطبوع وذلك أن طريق الاكتساب الاستعانة بالحواس ولهذا قيل: من فقد حساً فقد علماً.
فلما فقدوا فائدة الحواس فكأنهم عدموها خلقة، قال شابور بن أردشير: العقل نوعان: مطبوع ومسموع.
فلا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فإن أحدهما بمنزلة العين والآخر بمثابة الشمس ولا يكمل الإبصار إلا بتعاونهما.
وقال النبي "إن لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله" فبقدر عقله تكون عبادته لربه.
أما سمعتم قول الله عز وجلّ حكاية عن الفجار؟
﴿ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وقال: "ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى" التأويل: الذين كفروا لم يسمعوا إذ خاطبهم الحق بقوله ﴿ ألست بربكم ﴾ إلا دعاء ونداء لأنهم كانوا في الصف الأخير من الأرواح المجندة في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع للكافرين فما شاهدوا شيئاً من أنوار الحق ولكنهم قالوا بالتقليد بلى فبقوا على التقليد ﴿ بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: إنهم كانوا يحرمون التناول من أشياء والانتفاع من نحو البحائر، والسوائب، والوصائل، والحوامي، فيقولون: حرم الانتفاع؛ فأنزل الله فقال: ﴿ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ وانتفعوا بها؛ فإن الله لم يحرمها عليكم، كقوله: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .
وقيل: خلق في الأرض ما هو حلال وما هو حرام؛ فأباح التناول من الحلال ونهى عن الحرام.
وقيل: إن قوماً يحرمون التناول من الرفيع من الطعام والرفيع من الملبوس، ويتناولون من الدرن والرثة، فنهوا عن ذلك.
ولا يحتمل أن يراد بالطيبات الحلال منها، ولكن ما تطيب النفس من التناول؛ لأن النفس لا تتلذذ بالتناول من كل حلال، ولكن إنما تطيب بما هو لها ألذ وأوفق.
والله أعلم.
وعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ...
﴾ الآيات [الأعراف: 32-33].
فيكون كأنه الذي في الأرض حلالاً وحراماً، ثم فما حل طيب دون ما حرم.
فأمر بأكل ما طاب من ذلك إذا قدر عليه؛ لأنه على قدر طيبه يعظم محله في القلب، وعلى ذلك يرغب نفسه بالشكر لمن أنعم به عليه، والتعظيم لمن أكرمه بالذي طابت له به النفس.
والله أعلم.
واختلف في قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .
قيل: آثار الشيطان.
وقيل: وساوس الشيطان.
وقيل: سبل الشيطان؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .
فهو يرجع إلى واحد.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ ، وذكر في موضع آخر، وسماه وليّاً بقوله: ﴿ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ ﴾ .
فالوجه فيه أنه يريهم في الظاهر الموالاة ولكنه يريد في الباطن إهلاكهم، فإذا كان كذلك فهو في الحقيقة عدو.
وجائز أن يكون ﴿ أَوْلِيَآؤُهُمُ ﴾ أي هو أولى بهم إذ عملوا ما عملوا بأمره، أو أولياؤهم بما وافقوهم في الفعل، وشاركوهم في الأمر، وكانوا في الحقيقة لهم أعداء، إذ ذلك هلاكهم.
ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ ؛ لأنه يوسوس ويدعو فإن أطاعه - وإلا ليس له عليه سلطان سوى ذلك - فهو ضعيف؛ لأن من لا ينفذ على رعيته سوى قوله فهو ضعيف، يوصف بالضعف - والله أعلم - ويكون ضعيفا على من يتأمل مكائده ويتحفظ أحواله.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ ﴾ .
قيل: يحتمل: أن يكون السوء هو الفحشاء، والفحشاء هو السوء.
لما أن كل واحد منهما يشتمل على كل نوع من الآثام.
ويحتمل: أن يكون السوء ما خفي من المعاصي، والفحشاء ما ظهر منها.
وقيل: السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه حد من نحو الزنى وشرب الخمر وغيره.
وقيل: الفحشاء ما فحش في العقل، والسوء ما ينتهي بالنهي عنه.
وقوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
يخرج على الأول وهو السوء والفحشاء، يأمرهم بذلك فيقولوا: الله أمرنا بها.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ما قالوا: إن الله حرم هذه الأشياء، أو القول على الله ما لا يعلمون بما لا يليق به من الولد وإشراك غيره فى عبادته.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فهو إنما يأمركم بما يسوء من الآثام وما يعظم من الذنوب، وبأن تقولوا على الله في العقائد والشرائع بغير علم جاءكم عن الله أو رسله.
من فوائد الآيات المؤمنون بالله حقًّا هم أعظم الخلق محبة لله، لأنهم يطيعونه على كل حال في السراء والضراء، ولا يشركون معه أحدًا.
في يوم القيامة تنقطع كل الروابط، ويَبْرَأ كل خليل من خليله، ولا يبقى إلا ما كان خالصًا لله تعالى.
التحذير من كيد الشيطان لتنوع أساليبه وخفائها وقربها من مشتهيات النفس.
<div class="verse-tafsir" id="91.j9EAJ"
ذكر (الجلال) أن الآية الأولى نزلت فيمن حرم السوائب ونحوها، ولكنه لم يذكر ذلك في أسباب النزول، وقد كان هذا في طوائف من العرب كمدلج وبني صعصعة.
ولو صح أن الآية نزلت في ذلك لما كان مقتضيًا فصل الآية مما قبلها وجعلها كلامًا مستأنفًا، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، على أن الظاهر من السياق أن الكلام متصل بما قبله أتم الاتصال، فإن الآيات الأولى بينت حال متخذي الأنداد وما سيلاقون من عذاب الله تعالى، وقد قلنا في تفسيرها إن الأنداد قسمان: قسم يتخذ شارعًا يؤخذ برأيه في التحليل والتحريم من غير أن يكون بلاغًا عن الله ورسوله، بل يجعل قوله وفعله حجة بذاته لا يسأل من أين أخذه وهل هو فيه على هدى من ربه أم لا.
وقسم يعتمد عليه ويُدعى في دفع المضار وجلب المنافع من طريق السلطة الغيبية لا من الأسباب، حتى إنهم ليعتمدون على إغاثة هؤلاء الأنداد للناس بعد موتهم وخروجهم من عالم الأسباب، ثم بينت أن الناس يتبع بعضهم بعضًا في ذلك، وأن سيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّبعوا عند رؤية العذاب وتقطع الأسباب بينهم، وقلنا في تفسيرها إن الأسباب هي المنافع التي يجنيها الرؤساء من المرؤوسين والمصالح الدنيوية التي تصل بعضهم ببعض.
وفي هذه الآيات يبين تعالى أن تلك الأسباب محرمة لأنها ترجع إلى أكل الخبائث واتباع خطوات الشيطان، ونهى عنها، وبيَّن سبب جمودهم على الباطل والضلال وهو الثقة بما كان عليه الآباء من غير عقل ولا هدى، فالكلام متمم لما قبله قطعًا.
قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ﴾ هو غير الحرام الذي نص عليه في قوله تعالى ﴿ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ فما عدا هذا فكله مباح بشرط أن يكون طيبًا أي غير خبيث.
وفسر (الجلال) الطيب بالحلال على أنه تأكيد أو بالمستلذ، والأول لا محل له والتأسيس مقدم على التأكيد، والثاني لا يُظْهِر تقييد الإباحة العامة لما في الأرض به.
وعندي أن الطيب هو ما لا يتعلق به حق الغير، وهو الظاهر، لأن المراد بحصر المحرم فيما ذكر المحرم لذاته الذي لا يحل إلا للمضطر، بقي المحرم لعارض فتعين بيانه وهو ما يتعلق به حق الغير ويؤخذ بغير وجه صحيح، كما يكون في أكل الرؤساء من المرؤوسين بلا مقابل إلا أنهم رؤساؤهم المسيطرون عليهم، وكذلك أكل المرؤوسين بجاه الرؤساء، فإن كلًا منهما يمد الآخر ليستمد منه فى غير الوجوه المشروعة التي يتساوى فيها جميع الناس ويخرج بذلك الربا والرشوة والسحت والغصب والغش والسرقة فكل ذلك خبيث، وكذا ما عرض له الخبث بتغيره كالعام المنتن، وبهذا التفسير يتحرر ما أباحه الدين وتلتئم الآية مع ما قبلها.
أتبع الأمر النهي فقال: ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ قرأ الأئمة: خُطُوات بضمتين جمع خطوة بالضم وهي ما بين القدمين، وبفتحتين جمع خَطْوة وهي المرة من خطا يخطو في مشيه، والمعنى لا تتبعوا سيرته في الإغواء، ووسوسته في الأمر بالسوء والفحشاء، وهو ما يبينه في الآية التالية.
وعلل النهي بكونه عدوًا للناس بَيِّن العداوة.
والعلم بعداوته لنا لا يتوقف على معرفة ذاته، وإنما يعرف الشيطان بهذا الأثر الذي ينسب إليه وهو وحي الشر، وخواطر الباطل والسوء في النفس فهو منشأ هذا الوحي والخواطر الرديئة، قال تعالى ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ ولا أبين وأظهر من عداوة داعية الشر والضلال، فعلى الإنسان أن يلتفت إلى خواطره ويضع لها ميزانًا، فإذا مالت نفسه إلى بذل المال لمصلحة عامة، أو عرض له سبب معاونة عامل على خير، أو صدقة على بائس فقير، فعارضه خاطر التوفير والاقتصاد، فليعلم أنه من وحي الشيطان، ولا ينخدع لما يسوله من إرجاء هذا العطاء لأجل وضعه في موضع أنفع، أو بذله لفقير أحوج، وإذا هم بدفاع عن حق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر فخطر له ما يثبط عزمه أو يمسك لسانه، فليعلم أنه من وسواس الشيطان.
وأظهر وحي الشياطين ما يجري على التحريم والتحليل لأجل المنافع التي تلبس على المتجرئ عليها بالمصلحة وسياسة الناس، كأنه قال: لا تتبعوا وحي الباطل والشر وخواطرهما تلم بكم وتطوف بنفوسكم، فإنها من إغواء الشيطان عدوكم.
ثم بين ذلك بما يفيد إثبات العداوة من تعليل النهي فقال: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ ﴾ دون غيرهما من الحق والخير، فأما السوء فهو كل ما يسوؤك وقوعه أو عاقبته، فمن الشرور ما يقدم عليه المرء مندفعًا بتزيين الشيطان له، حتى إذا فعل الشر فاجأه السوء وعاجله الضرر، ومن الأعمال ما لا يظهر السوء في بدايته، ولكنه يتصل بنهايته، كمن يصده عن طلب العلم أن بعض المتعلمين أضاع وقته وبذل كثيرًا من ماله ثم لم يستفد من التعلم شيئًا، فهذا قياس شيطاني يصرف بعض الناس عن طلب العلم بأنفسهم، وبعض الآباء عن تعليم أولادهم، فتكون عاقبتهم السوءى ذات ناحيتين: سلبية وهي الحرمان من فوائد العلم، وإيجابية وهي مصائب الجهل، وكل منهما ديني ودنيوي.
فلا بد من البصيرة والتأمل في تمييز بعض الخواطر من بعض، فإن الشيطانية منها ربما لا تظهر بادي الرأي.
وأما الفحشاء فكل ما يفحش قبحه في أعين الناس من المعاصي والآثام، ولا يختص بنحو الزنا كما قال بعضهم، والفحشاء في الغالب أقبح وأشد من السوء وأسوأ السوء مبدأ وعاقبة ترك الأسباب الطبيعة التي قضت حكمة الباري بربط المسببات بها اعتمادًا على أشخاص من الموتى أو الأحياء يظن بل يتوهم أن لهم نصيبًا من السلطة الغيبية والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب، ومثله اتخاذ رؤساء في الدين يؤخذ بقولهم ويعتمد على فعلهم، من غير أن يكون بيانًا وتبليغًا لما جاء عن الله ورسوله فإن في هذين النوعين من السوء إهمالًا لنعمة العقل وكفرًا بالمنعم بها، وإعراضًا عن سنن الله تعالى وجهلًا باطرادها، وصاحبه كمن يطلب من السراب الماء، أو ينعق بما لا يسمع غير الدعاء والنداء، وهذا شأن متخذي الأنداد ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ وأما الرؤساء الذين يحملون العامة على هذا التقليد في الأمرين فقد بين تعالى اتباعهم لوحي الشيطان بقوله ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ أي ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه الذي دان به عباده ما لا تعلمون علم اليقين أن الله شرعه لهم من عقائد وأوراد وأعمال تعبدية، وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، وتحريم ما الأصل فيه الإباحة، ولا يثبت شيء من ذلك بالرأي والاجتهاد من قياس واستحسان، لأنهما ظن لا علم، فالقول على الله بغير علم اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهو شرك صريح، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان فإنه الأصل في إفساد العقائد، وتحريف الشرائع، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
أليس من القول على الله بغير علم زعم هؤلاء الرؤساء أن لله وسطاء بينه وبين خلقه لا يفعل سبحانه شيئًا بدون وساطتهم، فحولوا بذلك قلوب عباده عنه وعن سنته في خلقه ووجهوها إلى قبور لا تعد ولا تحصى، وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟
وقد يسمون هذا توسلًا إليه أي يتقربون إليه بالشرك به، ودعاء غيره من دونه أو معه، وهو يقول ﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ ويقول ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ﴾ أي دون غيره.
أليس من القول على الله بغير علم ما اختلقوه من الحيل لهدم ركن الزكاة وهو من أعظم أركان الإسلام؟
أليس من القول على الله بغير علم ما زادوه في العبادة وأحكام الحلال والحرام عما ورد في الكتاب والسنة المبينة له، والنبي يقول عن الله تعالى: "وسكت عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"؟.
كل من يزيد في الدين عقيدة أو حكمًا من غير استناد إلى كتاب الله أو كلام المعصوم فهو من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
ومن ذلك الزائرات للقبور وما يأتينه هناك من البدع والمنكرات باسم الدين.
وتشييع الجنائز بقراءة البردة ونحوها بالنغمة المعروفة، وبحمل المباخر الفضية والاعلام أمامها.
والاجتماع لقراءة الدلائل ونحوها من الأرواد بالصياح الخاص.
إن كل هذا جاء من استحسان ما عند الطوائف الأخر، وليس في الإسلام صيحة غير صيحة الأذان، وقد قال تعالى في الصلاة ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، وأما التلبية فلم يشرع فيها رفع الصوت والصياح الشديد وإنما يكون العجيج من كثرة الناس واختلاف أصواتهم، وإن لم يرفعوا عقيرتهم جهد المستطاع كما يفعل مقلدة التصوف.
وإن كثيرًا من البدع في العقائد والأحكام قد دخلت على المسلمين بتساهل رؤساء الدين وتوهمهم أنها تقوي أصل العقيدة وتخضع العامة لسلطان الدين -أو لسلطانهم المستند إلى الدين- ولقد دخلت كنيسة "بيت لحم" فسمعت هناك أصواتًا خيل إلي أنها أصوات طائفة من أهل الطريق يقرأون "حزب البر" مثلًا ثم علمت أنهم قسيسون.
فهذه البدع قد سرت إلينا منهم كما سرت إليهم من الوثنيين، استحسنا منهم ما استحسنوه من أولئك توهمًا أنه يفيد الدين أبهة وفخامة، ويزيد الناس به استمساكًا فكان أن ترك الناس مهمات الدين اكتفاء بهذه البدع، فإن أكثر الصائحين في الأضرحة وقباب الأولياء وفي الطرق والأسواق بالأوراد والأحزاب لا يقيمون الصلاة، ومن عساه يصلي منهم فإنه لا يحرص على الجماعة بعض حرصه على الاجتماع للصياح بقراءة الحزب في ليلة الولي فلان.
ولقد أنس الناس بهذه البدع، واستوحشوا من شعائر الدين والسنن، حتى ظهر فيهم تأويل قوله : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ أي وإذا قيل لمتبعي خطوات الشيطان، الذين يقولون على الله بغير علم ولا برهان، ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ قالوا: لا، نحن لا نعرف ما أنزل الله، بل نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا وهو ما تقلدوه من سادتنا وكبرائنا، وشيوخ علمائنا.
لم يخاطب هؤلاء ببطلان ما هم عليه وتشنيعه خطابًا لهم بل حكى عنهم حكاية بَيَّن فساد مذهبهم فيها، كأنه أنزلهم منزلة من لا يفهم الخطاب، ولا يعقل الحجج والدلائل كما بين ذلك بالتمثل الآتي.
ولو كان للمقلدين قلوب يفقهون بها لكانت هذه الحكاية كافية بأسلوبها لتنفيرهم من التقليد، فإنهم في كل ملة وجيل يرغبون عن اتباع ما أنزل الله استئناسًا بما ألفوه مما ألفوا آباءهم عليه، وحسبك بهذا شناعة، إذ العاقل لا يؤثر على ما أنزل الله تقليد أحد من الناس وإن كبر عقله وحسن سيره، إذ ما من عاقل إلا وهو عرضة للخطأ في فكره، وما من مهتد إلا ويحتمل أن يضل في بعض سيره، فلا ثقة في الدين إلا بما أنزل الله، ولا معصوم إلا من عصم الله، فكيف يرغب العاقل عما أنزل الله إلى اتباع الآباء مع دعواه الإيمان بالتنزيل، على أنه لو لم يكن مؤمنًا بالوحي لوجب أن ينفره عن التقليد قوله تعالى ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ فإن هذا حجة عقلية لا تنقض.
وقال (الجلال) وغيره: لا يعقلون شيئًا من أمر الدين.
وعقل الشيء معرفته بدلائله، وفهمه بأسبابه ونتائجه، وأقرب الناس إلى معرفة الحق الباحثون الذين ينظرون في الدلائل بقصد صحيح ولو في غير الحق، لأن الباحث المستدل إذا أخطأ يومًا في طريق الاستدلال أو في موضوع البحث فقد يصيب في يوم آخر، لأن عقله يتعود الفكر الصحيح، واستفادة المطالب من الدلائل، وأبعد الناس عن معرفة الحق المقلدون، الذين لا يبحثون ولا يستدلون، لأنهم قطعوا على أنفسهم طريق العلم، وسجلوا على عقولهم الحرمان من الفهم، فهم لا يوصفون بإصابة، لأن المصيب هو من يعرف أن هذا هو الحق، والمقلد إنما يعرف أن فلانًا يقول إن هذا هو الحق، فهو عارف بالقول فقط، ولذلك ضرب لهم المثل في الآية الآتية بعد ما سجل عليهم الضلالة بعدم استعمال عقولهم.
(فإن قيل) إن الآية إنما تمنع اتباع غير من يعقل الحق، ويهتدي إلى حسن العمل والصواب في الحكم، ولكنها لا تمنع من تقليد العاقل المهتدي "نقول": ومن أين يعرف المقلد أن متبوعه يعقل ويهتدي إذا هو لم يقف على دليله ؟
فإن هو اتبعه في طريقة الاستدلال حتى وصل إلى ما وصل على بصيرة فإن الآية لا تنعى عليه هذا، إذ هو استفادة للعلم محمودة لا تقليد في المعلوم أو المظنون لغيره.
رأيت لبعض السلف أنه قال: لو أن شخصًا رأى النبي في حياته وسمع قوله واقتدى به من غير نظر في نبوته يؤدى إلى الوصول إلى اعتقاد صحتها بالدليل لعد مقلدًا، ولم يكن على بصيرة كما أمر الله المؤمن أن يكون.
هذا وإن في قوله تعالى ﴿ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ﴾ بحثًا فقد يشكل هذا العموم فيه على بعض الأفهام، وهو عندنا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن معناه لا يستعملون عقولهم في شيء مما يجب العلم به بل يكتفون فيه كله بالتسليم من غير نظر ولا بحث وهو ما مر.
وثانيها: أنه جار على طريقة البلغاء في المبالغة بجعل الغالب أمرًا كليًا عامًا.
يقولون في الضال في عامة شؤونه: إنه لا يعقل شيئًا ولا يهتدي إلى الصواب.
ويقولون في البليد: إنه لا يفهم شيئًا، وهذا لا ينافي أن يعقل الأول بعض الأشياء ويفهم الثاني بعض المسائل.
وثالثها: أنه ليس الغرض من العبارة نفي العقل عن آبائهم بالفعل، وإنما المراد منها: أيتبعون آباءهم لذواتهم كيفما كان حالهم حتى لو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون؟
كأنه يقول إن اتباع الشخص لذاته منكر لا ينبغي، وهذا قول مألوف، فمن يقول أنا أتبع فلانًا في كل ما يعمل، يقال له أتتبعه ولو كان لا يعمل خيرًا؟
أي أن من شأن من يتبع آخر لذاته لا لكونه محسنًا ومصيبًا أن يتبعه في كل شيء وإن كان كل عمله باطلًا، لأنه لا يفرق بين الحق والباطل والخير والشر إلا من ينظر ويميز، وهذا لا يتبع أحدًا لذاته كيفما كان حاله.
<div class="verse-tafsir"