الآية ١٧٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧٠ من سورة البقرة

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ١٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وإذا قيل ) لهؤلاء الكفرة من المشركين : ( اتبعوا ما أنزل الله ) على رسوله ، واتركوا ما أنتم فيه من الضلال والجهل ، قالوا في جواب ذلك : ( بل نتبع ما ألفينا ) أي : وجدنا ( عليه آباءنا ) أي : من عبادة الأصنام والأنداد .

قال الله تعالى منكرا عليهم : ( أولو كان آباؤهم ) أي : الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ( لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) أي : ليس لهم فهم ولا هداية !

!

.

وروى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنها نزلت في طائفة من اليهود ، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، فقالوا : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا .

فأنزل الله هذه الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (170) قال أبو جعفر: وفي هذه الآية وجهان من التأويل.

أحدهما: أن تكون " الهاء والميم " من قوله: " وإذا قيلَ لهم " عائدة على مَنْ في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، فيكون معنى الكلام: ومن الناس مَنْ يَتخذُ من دُون الله أندادًا, وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنـزل الله.

قالوا: بل نتبع ما ألفينا عَليه آباءنا.

والآخر: أن تكون " الهاء والميم " اللتان في قوله: " وإذا قيل لهم "، من ذكر النَّاسُ الذين في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا ، فيكون ذلك انصرافًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب، كما في قوله تعالى ذكره: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [سورة يونس: 22] * * * قال أبو جعفر: وأشبه عندي بالصواب وأولى بتأويل الآية (1) أن تكون " الهاء والميم " في قوله: " لهم "، من ذكر النَّاسُ , وأن يكون ذلك رجوعًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب.

لأن ذلك عَقيب قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ .

فلأنْ يكون خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن الذين أخبرَ أنّ منهم مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، مع ما بينهما من الآيات، وانقطاع قَصَصهم بقصة مُستأنفة غيرها = وأنها نـزلت في قوم من اليهود قالوا ذلك، (2) إذ دعوا إلى الإسلام، كما:- 2446- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: دَعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودَ من أهل الكتاب إلى الإسلام ورَغَّبهم فيه, وحذرهم عقاب الله ونقمته, فقال له رَافع بن خارجة، ومَالك بن عوف: بل نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فإنهم كانوا أعلم وخيرًا منا!

فأنـزل الله في ذلك من قولهما (3) " وإذا قيلَ لهُم اتبعوا ما أنـزل اللهُ قالوا بَل نتِّبع ما ألفينا عَليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يَهتدون ".

(4) 2447- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس مثله - إلا أنه قال: فقال له أبو رَافع بن خارجة، ومالك بن عوف.

(5) * * * وأما تأويل قوله: " اتبعوا ما أنـزلَ الله "، فإنه: اعملوا بما أنـزل الله في كتابه على رسوله, فأحِلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه, واجعلوه لكم إمامًا تأتمون به, وقائدًا تَتبعون أحكامه.

* * * وقوله: " ألفينا عَليه آباءنا "، يعني وَجدنا, كما قال الشاعر: (6) فَأَلْفَيْتُــــهُ غَـــيْرَ مُسْـــتَعْتِبٍ وَلا ذَاكِـــرِ اللــهَ إلا قَلِيــــلا (7) يعني: وجدته، وكما:- 2448- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " قالوا بَل نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا "، أي: ما وجدنا عليه آباءنا.

2449- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء الكفار: كلوا مما أحلّ الله لكم، ودَعوا خُطوات الشيطان وطريقه، واعملوا بما أنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه - استكبروا عن الإذعان للحقّ وقالوا: بل نأتم بآبائنا فنتَّبع ما وجدناهم عليه، من تحليل ما كانوا يُحلُّون، وتحريم ما كانوا يحرّمون.

* * * قال الله تعالى ذكره: " أوَ لو كانَ آباؤهم " -يعني: آباء هؤلاء الكفار الذين مضوا على كفرهم بالله العظيم-" لا يعقلون شيئًا " من دين الله وفرائضه، وأمره ونهيه, فيُتَّبعون على ما سَلكوا من الطريق، ويؤتمُّ بهم في أفعالهم -" ولا يَهتدون " لرشد، فيهتدي بهم غيرهم, ويَقتدي بهم من طَلب الدين, وأراد الحق والصواب؟

يقول تعالى ذكره لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تَتَّبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمرُكم به ربكم، وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون حقًّا، ولا مدركون رشدًا؟

وإنما يَتّبع المتبعُ ذا المعرفة بالشيء المستعملَ له في نفسه, فأما الجاهل فلا يتبعه -فيما هو به جاهل- إلا من لا عقل له ولا تمييز.

------------ الهوامش : (1) في المطبوعة : "وأشبه عندي وأولى بالآية" ، وهو كلام مختل ، ورددته إلى عبارة الطبري في تأويل أكثر الآيات السالفة .

(2) في المطبوعة : "وإنما نزلت في قوم من اليهود" ، وهو خطأ ناطق ، واضطراب مفسد للكلام .

والصواب ما أثبت .

يقول أبو جعفر إن أولى الأقوال بالصواب أن تكون الآية نزلت في ذكر عرب الجاهلية الذين حرموا ما حرموا على أنفسهم ، كما ذكر في تفسير الآيتين السالفتين (168 ، 169) ، ويستبعد أن يكون المعنى بها من ورد ذكرهم في الآية (165) ، كما يستبعد قول من قال إنها نزلت في اليهود ، في الخبر الذي سيرويه بعد .

فقوله : "وأنها نزلت" عطف على قوله"خبرًا" في قوله : "أولى من أن يكون خبرًا عن الذين أخبر أن منهم من يتخذ .

.

.

" .

(3) في المطبوعة : "فأنزل الله من قولهم ذلك" .

وهو خطأ محض ، ورددتها إلى نصها في سيرة ابن هشام ، كما سيأتي مرجعه .

(4) الأثر رقم : 2446- في سيرة ابن هشام 2 : 200-201 ، مع اختلاف يسير في لفظه .

(5) الأثر رقم : 2447- انظر الأثر : 2446 .

(6) هو أبو الأسود الدؤلي .

(7) ديوانه : 49 (نفائس المخطوطات) ، سيبوبه 1 : 85 ، والأغاني 11 : 107 ، وأمالي بن الشجرى 1 : 283 والصدقة والصديق : 151 ، والخزانة 4 : 554 ، وشرح شواهد المغني : 316 ، واللسان (عتب) .

وهو من أبيات قالها في امرأة كان يجلس إليها بالبصرة ، وكانت برزة جميلة ، فقالت له يومًا : يا أبا الأسود ، هل لك أن أتزوجك؟

فإني امرأة صناع الكف ، حسنة التدبير ، قانعة بالميسور .

قال : نعم .

فجمعت أهلها وتزوجته .

ثم إنه وجدها على خلاف ما قالت ، فأسرعت في ماله ، ومدت يدها في خيانته ، وأفشت عليه سره ، فغدا على من كان حضر تزويجه ، فسألهم أن يجتمعوا عنده ، ففعلوا .

فقال لهم : أَرَيْــتَ امْــرءًا كــنتُ لَـمْ أَبْلُـهُ أتَــانِي, فَقَــالَ : اتّخِــذْنِي خـليلاَ فخالَلْتَــــهُ, ثُــــمَّ صَافيْتُـــه فَلَــمْ أَسْــتَفِدْ مِــنْ لَدُنْــهُ فتيـلاَ وَأَلفَيْتُــــهُ حِــــينَ جَرَّبْتُـــه كَــذُوبَ الحَــدِيثِ سَـرُوقًا بَخِــيلاَ فَذَكَّرْتُــــه, ثُــــمَّ عَاتبتُـــهُ عِتَابًــا رَفِيقًـــا وَقَــوْلاً جَــمِيلاَ فَأَلْفَيْتُــــهُ غَـــيْرَ مُسْـــتَعْتِبٍ وَلاَ ذَاكِــــرِ اللـــهَ إلاَّ قَلِيـــلاَ أَلسْــــتُ حَقِيقًـــا بِتَوْدِيعِـــهِ وَإتْبَــاع ذلِــكَ صَرْمًــا طَـوِيلاَ?!

قالوا : بلى والله يا أبا الأسود!

قال : تلك صاحبتكم ، وقد طلقتها ، وأنا أحب أن أستر ما أنكرت من أمرها .

ثم صرفها معهم .

قال ابن الشجرى : "والذي حسن لقائل هذا البيت حذف التنوين لالتقاء الساكنين ، ونصب اسم الله تعالى ، واختيار ذلك على حذف التنوين للإضافة وجر اسم الله - أنه لو أضاف لتعرف بإضافته إلى المعرفة ، ولو فعل ذلك لم يوافق المعطوف المعطوف عليه في التنكير ، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين ، وأعمل اسم الفاعل" .

واستعجب الرجل : رجع عن الإساءة وطلب الرضا ، فهو مستعتب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدونفيه سبع مسائل : الأولى : قوله تعالى : وإذا قيل لهم يعني كفار العرب .

ابن عباس : نزلت في اليهود .

الطبري : الضمير في لهم عائد على الناس من قوله تعالى : يا أيها الناس كلوا .

وقيل : هو عائد على من في قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله الآية .قوله تعالى : اتبعوا ما أنزل الله أي بالقبول والعمل .

قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ألفينا : وجدنا .

وقال الشاعر :فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلاالثانية : قوله تعالى : أولو كان آباؤهم الألف للاستفهام ، وفتحت الواو لأنها واو عطف ، عطفت جملة كلام على جملة ; لأن غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا : نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون ، فقرروا على التزامهم هذا ، إذ هي حال آبائهم .مسألة : قال علماؤنا : وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد ، ونظيرها : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا الآية .

وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما ، وذلك أن الله سبحانه أخبر عن جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السفيهة في البحيرة والسائبة والوصيلة ، فاحتجوا بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم في ذلك ، وتركوا ما أنزل الله على رسوله وأمر به في دينه ، فالضمير في لهم عائد عليهم في الآيتين جميعا .الثالثة : تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل ، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية .

وهذا في الباطل صحيح ، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين ، وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر .[ ص: 199 ] واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي ، وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح .الرابعة : التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة ، وعلى هذا فمن قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم من غير نظر في معجزته يكون مقلدا ، وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا .

وقيل : هو اعتقاد صحة فتيا من لا يعلم صحة قوله .

وهو في اللغة مأخوذ من قلادة البعير ، فإن العرب تقول : قلدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلا يقاد به ، فكأن المقلد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء ، وكذلك قال شاعرهم :وقلدوا أمركم لله دركم ثبت الجنان بأمر الحرب مضطلعاالخامسة : التقليد ليس طريقا للعلم ولا موصلا له ، لا في الأصول ولا في الفروع ، وهو قول جمهور العقلاء والعلماء ، خلافا لما يحكى عن جهال الحشوية والثعلبية من أنه طريق إلى معرفة الحق ، وأن ذلك هو الواجب ، وأن النظر والبحث حرام ، والاحتجاج عليهم في كتب الأصول .السادسة : فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه ، لقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه ، حتى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس .

وعلى العالم أيضا فرض أن يقلد عالما مثله في نازلة خفي عليه فيها وجه الدليل والنظر ، وأراد أن يجدد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب ، فضاق الوقت عن ذلك ، وخاف على العبادة أن تفوت ، أو على الحكم أن يذهب ، سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابيا أو غيره ، وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين .السابعة : قال ابن عطية : أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد .

وذكر فيه غيره خلافا كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي عمر وعثمان بن عيسى بن درباس الشافعي .

قال ابن درباس في كتاب " الانتصار " له : وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد ، وهو خطأ لقوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة .

فذمهم بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل ، كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه ، ولأنه فرض على [ ص: 200 ] كل مكلف تعلم أمر التوحيد والقطع به ، وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسنة ، كما بيناه في آية التوحيد ، والله يهدي من يريد .قال ابن درباس : وقد أكثر أهل الزيغ القول على من تمسك بالكتاب والسنة أنهم مقلدون .

وهذا خطأ منهم ، بل هو بهم أليق وبمذاهبهم أخلق ، إذ قبلوا قول ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ، فكانوا داخلين فيمن ذمهم الله بقوله : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا إلى قوله : كبيرا وقوله : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون .

ثم قال لنبيه : قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ثم قال لنبيه عليه السلام ( فانتقمنا منهم ) الآية .

فبين تعالى أن الهدى فيما جاءت به رسله عليهم السلام .

وليس قول أهل الأثر في عقائدهم : إنا وجدنا أئمتنا وآباءنا والناس على الأخذ بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من الأمة ، من قولهم : إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل ; لأن هؤلاء نسبوا ذلك إلى التنزيل وإلى متابعة الرسول ، وأولئك نسبوا إفكهم إلى أهل الأباطيل ، فازدادوا بذلك في التضليل ، ألا ترى أن الله سبحانه أثنى على يوسف عليه السلام في القرآن حيث قال : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس .

فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله ، كان اتباعه آباءه من صفات المدح .

ولم يجئ فيما جاءوا به ذكر الأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها ، فدل على أن لا هدى فيها ولا رشد في واضعيها .قال ابن الحصار : وإنما ظهر التلفظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما ترجمت كتب الأوائل وظهر فيها اختلافهم في قدم العالم وحدوثه ، واختلافهم في الجوهر وثبوته ، والعرض وماهيته ، فسارع المبتدعون ومن في قلبه زيغ إلى حفظ تلك الاصطلاحات ، وقصدوا بها الإغراب على أهل السنة ، وإدخال الشبه على الضعفاء من أهل الملة .

فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البدعة ، وصارت للمبتدعة شيعة ، والتبس الأمر على السلطان ، حتى قال الأمير بخلق القرآن ، وجبر الناس عليه ، وضرب أحمد بن حنبل على ذلك .فانتدب رجال من أهل السنة كالشيخ أبي الحسن الأشعري وعبد الله بن كلاب وابن [ ص: 201 ] مجاهد والمحاسبي وأضرابهم ، فخاضوا مع المبتدعة في اصطلاحاتهم ، ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم وكان من درج من المسلمين من هذه الأمة متمسكين بالكتاب والسنة ، معرضين عن شبه الملحدين ، لم ينظروا في الجوهر والعرض ، على ذلك كان السلف .قلت : ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدين فمنزلته قريبة من النبيين .

فأما من يهجن من غلاة المتكلمين طريق من أخذ بالأثر من المؤمنين ، ويحض على درس كتب الكلام ، وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الاصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدمين من الأئمة الماضين ، والله أعلم .

وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بين في القرآن ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر تعالى عن حال المشركين إذا أمروا باتباع ما أنزل الله على رسوله - مما تقدم وصفه - رغبوا عن ذلك وقالوا: { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } فاكتفوا بتقليد الآباء, وزهدوا في الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل الناس, وأشدهم ضلالا وهذه شبهة لرد الحق واهية، فهذا دليل على إعراضهم عن الحق, ورغبتهم عنه, وعدم إنصافهم، فلو هدوا لرشدهم, وحسن قصدهم, لكان الحق هو القصد، ومن جعل الحق قصده, ووازن بينه وبين غيره, تبين له الحق قطعا, واتبعه إن كان منصفاً.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} قيل: هذه قصة مستأنفة والهاء والميم في لهم كناية عن غير مذكور.

وروي عن ابن عباس قال: "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أي ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا خيراً وأعلم منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية"، وقيل: الآية متصلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفار قريش والهاء والميم عائدة إلى قوله {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} [165-البقرة].

{قالوا بل نتبع ما ألفينا} أي ما وجدنا عليه آبائنا من عبادة الأصنام، وقيل معناه: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة.

والهاء والميم عائدة إلى الناس في قوله تعالى {يا أيها الناس كلوا}.

{قالوا بل نتبع} قرأ الكسائي: "بل نتبع بإدغام اللام في النون".

وكذلك يدغم لام (هل) و(بل) في التاء والثاء والزاي والسين والصاد والطاء والظاء ووافق حمزة في التاء والثاء والسين.

{ما ألفينا} ما وجدنا {عليه آباءنا} من التحريم والتحليل.

قال تعالى: {أو لو كان آباؤهم} أي كيف يتبعون آباءهم وآباؤهم {لا يعقلون شيئاً} والواو في ((أولو)) واو العطف، ويقال لها واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ.

والمعنى: أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالاً لا يعقلون شيئاً، لفظه عام ومعناه الخصوص؛ أي لا يعقلون شيئاً من أمور الدين لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قيل لهم» أي الكفار «اتبعوا ما أنزل الله» من التوحيد وتحليل الطيبات «قالوا» لا «بل نتبع ما ألفينا» وجدنا «عليه آباءنا» من عبادة الأصنام وتحريم السوائب والبحائر قال تعالى: «أ» يتبعونهم «وَلو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا» من أمر الدين «ولا يهتدون» إلى الحق والهمزةُ للإنكار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا قال المؤمنون ناصحين أهل الضلال: اتبعوا ما أنزل الله من القرآن والهدى، أصرُّوا على تقليد أسلافهم المشركين قائلين: لا نتبع دينكم، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا.

أيتبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون عن الله شيئًا، ولا يدركون رشدًا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن نهى - سبحانه - الناس عن اتباع خطوات الشيطان ، وبين لهم مظاهر عداوته لهم ، أردف ذلك ببيان حال طائفة من الناس لم يستمعوا لها النصح ، بل اتبعوا خطوات الشيطان فقلدوا آباءهم في الشرك والجهالة فقال - تعالى - :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا .

.

.

)أي : وإذا قيل لأولئك الذين افتقوا خطوات الشيطان ، وقالوا على الله بدون علم ولا برهان ، إذا قيل لهم : اتبعوا ما أنزل الله من قرآن ، أعرضوا عن ذلك وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والخضوع للرؤساء .فالضمير في قوله - تعالى - : ( لَهُمُ ) يعود على طائفة ممن شملهم الخطاب بقوله - تعالى - في الآية السابقة : ( ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان ) وهم الذين لم يستجيبوا لنداء الله بل ساروا في ركب الشيطان ، واقتفوا آثاره ، ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله ) .

القائل لهم ذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون .والمراد به أنزل الله : القرآن الكريم ، وما أوحاه الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم من هدايات .

وعدل - سبحانه - من خطابهم إلى الغيبة للتنبيه على أنهم لرفرط جهلهم وحمقهم صاروا ليسوا أهلا للخطاب ، بل ينبغي أن يصرف عنهم إلى من يعقله .و ( بَلْ ) في قوله - تعالى : ( بَلْ نَتَّبِعُ ) للإضراب الإبطالي ، أي : أضربوا عن قول الرسول لهم ( اتبعوا مَآ أَنزَلَ ) إضراب إعراض بدون حجة ، إلا بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم من أمور الشرك والضلال .وقوله - تعالى - : ( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) رد عليهم ، وبيان لبطلان الاعتماد في الدين على مجرد تقليد الآباء .والهمزة للاستفهام الإِنكاري ، والواو للحال ، والمعنى : أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم والحال أن آباءهم لا يعقلون شيئاً من أمور الدين الصحيح ، ولا يهتدون إلى طريق الصواب .قال الآلوسي : وفي الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر ، وأما اتباع الغير في الدين بعد العلم - بدليل ما - أنه محق فاتباع في الحقيقة لما أنزل الله - تعالى - وليس من التقليد المذموم في شيء وقد قال - سبحانه - ( فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) وبعد أن بين - سبحانه - فساد ما عليه أولئك المشركون المقلدون من غير نظر ولا استدلال ، أردف ذلك بضرب مثل لهم زيادة في قبيح شأنهم والزراية عليهم فقال - تعالى - :( وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله: ﴿ لَهُمْ ﴾ على ثلاثة أقوال أحدها: أنه عائد على ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا  ﴾ وهم مشركو العرب، وقد سبق ذكرهم.

وثانيها: يعود على ﴿ الناس ﴾ في قوله: ﴿ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس  ﴾ فعدل عن المخاطبة إلى المغايبة على طريق الإلتفات مبالغة في بيان ضلالهم، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون.

وثالثها: قال ابن عباس: نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا خير منا، وأعلم منا، فعلى هذا الآية مستأنفة، والكناية في ﴿ لَهُمْ ﴾ تعود إلى غير مذكور، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم، كما يعود على المذكور، ثم حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الكسائي يدغم لام ﴿ هَلُ ﴾ و ﴿ بَلِ ﴾ في ثمانية أحرف: التاء كقوله: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ  ﴾ والنون ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ ﴾ والثاء ﴿ هَلْ ثُوّبَ  ﴾ والسين ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ  ﴾ والزاي ﴿ بَلْ زُيّنَ  ﴾ والضاد ﴿ بَلْ ضَلُّواْ  ﴾ والظاء ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ ﴾ والطاء ﴿ بَلْ طَبَعَ  ﴾ وأكثر القراء على الإظهار، ومنهم من يوافقه في البعض، والإظهار هو الأصل.

المسألة الثانية: ﴿ أَلْفَيْنَا ﴾ بمعنى وجدنا، بدليل قوله تعالى في آية أخرى ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا  ﴾ ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لدى الباب  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَاءهُمْ ضَالّينَ  ﴾ .

المسألة الثالثة: معنى الآية: أن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة فهم قالوا لا نتبع ذلك، وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد، وأجاب الله تعالى عنهم بقوله: ﴿ أَوْ لَّوْ كَانَ آباؤهم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الواو في ﴿ أَوْ لَوْ ﴾ واو العطف، دخلت عليها همزة الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ والتقريع، وإنما جعلت همزة الاستفهام للتوبيخ، لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه.

الثانية: تقرير هذا الجواب من وجوه: أحدها: أن يقال للمقلد: هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقاً أم لا؟

فإن اعترفت بذلك لم نعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقاً، فكيف عرفت أنه محق؟

وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد، وإن قلت: ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم كونه محقاً، فاذن قد جوزت تقليده، وإن كان مبطلاً فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل.

وثانيها: هب أن ذلك المتقدم كان عالماً بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالماً بذلك الشيء قط وما اختار فيه ألبتة مذهباً، فأنت ماذا كنت تعمل؟

فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لابد من العدول إلى النظر فكذا هاهنا.

وثالثها: أنك إذا قلدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته؟

أعرفته بتقليد أم لا بتقليد؟

فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور وإما التسلسل، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفاً له، فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلاً.

المسألة الثالثة: إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان، وبين متابع التقليد، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والإستدلال، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا ﴾ لفظ عام، ومعناه الخصوص، لأنهم كانوا يعقلون كثيراً من أمور الدنيا، فهذا يدل على جواز ذكر العام مع أن المراد به الخاص.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا ﴾ المراد أنهم لا يعلمون شيئاً من الدين وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ المراد أنهم لا يهتدون إلى كيفية اكتسابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَهُمُ ﴾ الضمير للناس.

وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم، لأنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون: قيل: هم المشركون.

وقيل: هم طائفة من اليهود دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم.

وألفينا: بمعنى وجدنا، بدليل قوله: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ [لقمان: 21] .

﴿ أَوْ لَّوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ ﴾ الواو للحال، والهمزة بمعنى الردّ والتعجيب، معناه: أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للصواب.

لا بدّ من مضاف محذوف تقديره: ومثل داعي الذين كفروا ﴿ كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ ﴾ أو: ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق.

والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان- في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار- كمثل الناعق بالبهائم، التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها، ولا تفقه شيئاً آخر ولا تعي، كما يفهم العقلاء ويعون.

ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم الأصلخ، الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير، من غير فهم للحروف.

وقيل معناه: ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم على حق أم باطل؟

وقيل معناه: ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، إلا أنّ قوله: ﴿ إِلاَّ دُعَاءً َنِدَاءً ﴾ لا يساعد عليه، لأنّ الأصنام لا تسمع شيئاً، والنعيق: التصويت.

يقال: نعق المؤذن، ونعق الراعي بالضأن.

قال الأخطل: فَانْعَقْ بِضَأْنِكَ يَا جرِيرُ فَإنَّمَا ** مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاَءِ ضَلاَلاَ وأما (نفق الغراب) فبالغين المعجمة ﴿ صُمٌّ ﴾ هم صم، وهو رفع على الذمّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ، وعَدَلَ بِالخِطابِ عَنْهم لِلنِّداءِ عَلى ضَلالِهِمْ، كَأنَّهُ التَفَتَ إلى العُقَلاءِ وقالَ لَهُمُ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ الحَمْقى ماذا يُجِيبُونَ.

﴿ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ ما وجَدْناهم عَلَيْهِ، نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ أُمِرُوا بِاتِّباعِ القُرْآنِ وسائِرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الحُجَجِ والآياتِ، فَجَنَحُوا إلى التَّقْلِيدِ.

وقِيلَ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ  إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا لِأنَّهم كانُوا خَيْرًا مِنّا وأعْلَمَ.

وعَلى هَذا فَيَعُمُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ التَّوْراةَ لِأنَّها أيْضًا تَدْعُو إلى الإسْلامِ.

﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أوِ العَطْفِ.

والهَمْزَةُ لِلرَّدِّ والتَّعْجِيبِ.

وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ لَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً لا يَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ الدِّينِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى الحَقِّ لاتَّبَعُوهم.

وهو دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنَ التَّقْلِيدِ لِمَن قَدَرَ عَلى النَّظَرِ والِاجْتِهادِ.

وأمّا اتِّباعُ الغَيْرِ في الدِّينِ إذا عُلِمَ بِدَلِيلٍ ما أنَّهُ مُحِقٌّ كالأنْبِياءِ والمُجْتَهِدِينَ في الأحْكامِ، فَهو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ بَلِ اتِّباعٌ لِما أنْزَلَ اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله} الضمير للناس وعدل بالخطاب عنهم على طريق الالتفات قيل هم المشركون وقيل طائفة من اليهود لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان واتباع القرآن {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ ما ألفينا} وجدنا {عليه آباءنا} فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم فرد الله عليهم بقوله {أَوَلَوْ كَانَ آباؤُهُمْ} الواو للحال والهمزة بمعنى الرد والتعجب معناه أيتبعونهم ولو كان آباؤهم {لا يعقلون شيئا} من الدين {وَلاَ يَهْتَدُونَ} للصواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ والعُدُولُ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وحَقِّهِمْ لَيْسُوا أهْلًا لِلْخِطابِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُصْرَفَ عَنْهم إلى مَن يَعْقِلُهُ، وفِيهِ مِنَ النِّداءِ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ عَلى ضَلالَتِهِمْ ما لَيْسَ إذا خُوطِبُوا بِذَلِكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ لَمّا دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى مَن يَتَّخِذُ أوْ إلى المَفْهُومِ مِن أنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النُّزُولَ في حَقِّ اليَهُودِ أوِ المُشْرِكِينَ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الضَّمِيرِ بِهِمْ، وقَدْ شاعَ أنَّ عُمُومَ المَرْجِعِ لا يَقْتَضِي عُمُومَ الضَّمِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ عَلى أنَّ نَظْمَ القُرْآنِ الكَرِيمِ يَأْبى هَذا القِيلَ، والمَوْصُولُ إمّا عامٌّ لِسائِرِ الأحْكامِ الحَقَّةِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى -، وإمّا خاصٌّ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ أيْ: وجَدْناهم عَلَيْهِ، والظَّرْفُ إمّا حالٌ مِن آبائِنا، وألْفَيْنا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأوَّلِ.

﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ 170﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً لا يَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ الدِّينِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى الحَقِّ لاتَّبَعُوهُمْ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ إمّا حالٌ عَنْ ضَمِيرِ (قالُوا) أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ مَضْمُونِ تِلْكَ الجُمْلَةِ، وهو التِزامُهم الِاتِّباعَ عَلى تَقْدِيرٍ يُنافِيهِ، وهو كَوْنُهم غَيْرَ عاقِلِينَ ولا مُهْتَدِينَ المُسْتَلْزَمُ لِالتِزامِهِمْ الِاتِّباعَ عَلى أيِّ حالٍ كانُوا مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ، وعِلْمٍ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ أوْ مُبْطِلِينَ، وهو التَّقْلِيدُ المَذْمُومُ، ويَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الإنْكارِ التَّعْجِيبُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا عَنْ ضَمِيرِ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ أيْ: أيَتَّبِعُونَهم في حالِ فَرْضِهِمْ غَيْرَ عاقِلِينَ ولا مُهْتَدِينَ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: يَتَّبِعُونَهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا غَيْرَ عاقِلِينَ، ولَوْ كانُوا غَيْرَ عاقِلِينَ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإلى الثّانِي الجُرْمِيُّ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ الجَزاءِ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّحَرُّزِ عَنْ كَثْرَةِ الحَذْفِ وإبْقاءِ ( لَوْ ) عَلى مَعْناها المَشْهُورِ، والهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى أصْلِها - وهو إيلاءُ المَسْؤُولِ عَنْهُ - وكَوْنُ المَعْنى يَدُورُ عَلى العَطْفِ عَلى المَحْذُوفِ في أمْثالِ ذَلِكَ في سائِرِ اللُّغاتِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ، واخْتارَ الرَّضِيُّ أنَّ ( الواوَ ) الدّاخِلَةَ عَلى كَلِمَةِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا اعْتِراضِيَّةٌ، وعُنِيَ بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ ما يَتَوَسَّطُ بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ، أوْ يَجِيءُ آخِرُهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ مَعْنًى مُسْتَأْنِفًا لَفْظًا، قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنَ التَّقْلِيدِ لِمَن قَدَرَ عَلى النَّظَرِ، وأمّا اتِّباعُ الغَيْرِ في الدِّينِ بَعْدَ العِلْمِ بِدَلِيلٍ ما إنَّهُ مُحِقٌّ فاتِّباعٌ في الحَقِيقَةِ لِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - ولَيْسَ مِنَ التَّقْلِيدِ المَذْمُومِ في شَيْءٍ - وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أي اعملوا بما أنزل الله في القرآن من تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله.

قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، يعني ما وجدنا عليه آباءنا.

قال الله تعالى: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ، معناه أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالاً فيتابعوهم بغير حجة؟

فكأنه نهاهم عن التقليد وأمرهم بالتمسك بالحجة.

وهذه الواو مفتوحة وهي واو: أَوَلَو لأنها واو العطف أدخلت عليها ألف التوبيخ وهي ألف الاستفهام.

قرأ أبو عمرو ومن تابعه من أهل البصرة: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ [البقرة: 167] بكسر الهاء والميم، وكذلك في كل موضع تكون الهاء والميم بعدهما ألف ولام.

مثل قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [البقرة: 61] وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ [الحجر: 3] .

وكان عاصم وابن عامر ونافع يقرءون بكسر الهاء وضم الميم.

وكان حمزة والكسائي يقرآن: بضم الهاء والميم.

وكان ابن كثير يقرأ: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ بضم الميم، وكذلك إِنَّما يَأْمُرُكُمْ وكذلك كل ميم نحو هذا مثل: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 7] ، عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ [البقرة: 7] .

وكان نافع في رواية ورش عنه يقرأ: سكون الميم، إلا أن يستقبله ألف أصلية فيضم الميم مثل قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [البقرة: 6 ويس: 10] إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [الكهف: 21] ، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً [نوح: 14] .

وكان حمزة والكسائي يقرءون بسكون الميم، إلا أن يستقبله ألف ولام مثل قوله: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [البقرة: 61] .

وأما قوله: خُطُواتِ الشَّيْطانِ [البقرة: 168 وغيرها] كان نافع وأبو عمرو وحمزة وعصام في رواية أبي بكر يقرءون خُطُواتِ بجزم الطاء.

وقرأ الكسائي وابن كثير وعاصم في رواية حفص: خُطُواتِ بضم الطاء وهما لغتان ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أن يكون من رؤية البَصَر، ويحتمل رؤية القلب، أي: يريهم اللَّه أعمالهم الفاسدة الَّتي ارتكبوها.

وقال ابنُ مَسْعود: أعمالهم الصالحة التي تركوها «١» ، والحَسْرَة: أعلى درجات النَّدامة، والهَمِّ بما فات، وهي مشتقَّة من الشيء الحَسِيرِ الذي انقطع، وذهبت قوَّته، وقيل:

من حَسَر، إِذا كشف.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ...

الآية: الخطابُ عامٌّ، و «ما» بمعنى «الَّذِي» ، «وحَلاَلاً» : حال من الضمير العائد على «مَا» ، و «طَيِّباً» :

نعتٌ، ويصح أن يكون حالاً من الضمير في «كُلُواْ» ، تقديره: مستطيبِينَ، والطَّيِّبُ عند مالك: الحلال فهو هنا تأكيدٌ لاختلاف اللفظِ، وهو عند الشافعيِّ: المستَلَذُّ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القَذِرِ.

قال الفَخْر «٢» : الحلالُ هو المباحُ الذي انحلَّتْ عقدة الحَظْر عنه، وأصله من الحَلِّ الذي هو نقيضُ العَقْد.

انتهى.

وخُطُواتِ: جمع خطوةٍ، والمعنى: النهْيُ عن اتباع الشيطان، وسلوكِ سبله، وطرائقه.

قال ابن عَبَّاس: خطواته: أَعماله «٣» ، وقال غيره: آثاره «٤» .

ع «٥» : وكلُّ ما عدا السنَنَ والشرائعَ من البِدَعِ والمعاصِي، فهي خطوات الشيطان.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .

اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ﴾ فَعَلى هَذا تَكُونُ الهاءُ والمِيمُ عائِدَةً عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وهي قِصَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، فَتَكُونُ الهاءُ والمِيمُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: في مُشْرِكِي العَرَبِ وكُفّارِ قُرَيْشٍ، فَتَكُونُ الهاءُ والمِيمُ عائِدَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا ﴾ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ يَكُونُ المُرادُ بِالذِي أنْزَلَ اللَّهُ: تَحْلِيلُ الحَلالِ، وتَحْرِيمُ الحَرامِ.

وعَلى الثّانِي يَكُونُ: الإسْلامُ.

وعَلى الثّالِثُ: التَّوْحِيدُ والإسْلامُ.

و(ألْفَيْنا) بِمَعْنى: وجَدْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ﴾ مِنَ الدِّينِ، ولا يَهْتَدُونَ لَهُ، أيُتْبِعُونَهم أيْضًا في خَطَئِهِمْ وافْتِرائِهِمْ؟!

.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ الخِطابُ عامٌّ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"حَلالًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ العائِدِ عَلى "ما".

وقالَ مَكِّيُّ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَيْئًا حَلالًا، وهَذا يَبْعُدُ، وكَذَلِكَ مَقْصِدُ الكَلامِ لا يُعْطِي أنْ يَكُونَ "حَلالًا" مَفْعُولًا بِـ "كُلُوا".

وتَأمَّلَ.

و"طَيِّبًا" نَعْتٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "طَيِّبًا" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُلُوا" تَقْدِيرُهُ: مُسْتَطِيبِينَ.

والطَيِّبُ عِنْدَ مالِكٍ: الحَلالُ فَهو هُنا تَأْكِيدٌ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، وهو عِنْدَ الشافِعِيِّ المُسْتَلَذُّ، ولِذَلِكَ يَمْنَعُ أكْلَ الحَيَوانِ القَذِرِ وكُلَّ ما هو خَبِيثٌ.

و"خُطُواتِ" جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ في المَشْيِ، فالمَعْنى: النَهْيُ عَنِ اتِّباعِ الشَيْطانِ وسُلُوكِ سُبُلِهِ وطَرائِقِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُطُواتُهُ: أعْمالُهُ، قالَ غَيْرُهُ: آثارُهُ قالَ مُجاهِدٌ: خَطاياهُ، قالَ أبُو مِجْلَزٍ: هي النُذُورُ والمَعاصِي، قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ فِيما سَنُّوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسائِبَةِ ونَحْوِهِ، قالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "خُطُواتٍ" بِضَمِّ الخاءِ والطاءِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الطاءِ، فَإمّا أرادُوا ضَمَّ الخاءِ والطاءِ وخَفَّفُوها إذْ هو البابُ في جَمْعِ فِعْلَةٍ كَغُرْفَةِ وغُرُفاتِ، وإمّا أنَّهم تَرَكُوها في الجَمْعِ عَلى سُكُونِها في المُفْرَدِ.

وقَرَأ أبُو السَمالِ: "خَطَواتٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ.

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ، وسَلامٍ: "خُطُؤاتٍ" بِضَمِّ الخاءِ والطاءِ وهَمْزَةٍ عَلى الواوِ، وذَهَبَ بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطَأةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.

وكُلُّ ما عَدا السُنَنَ والشَرائِعَ مِنَ البِدَعِ والمَعاصِي فَهي خُطُواتُ الشَيْطانِ.

و"عَدُوَ" يَقَعُ لِلْمُفْرَدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآيَةُ، "إنَّما تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ، وقَدْ تَجِيءُ غَيْرَ حاصِرَةٍ بَلْ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ.

كَأنَّكَ تُحاوِلُ الحَصْرَ أو تُوهِمُهُ، فَإنَّما يُعْرَفُ مَعْنى "إنَّما" بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، فَهي في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ.

وأمَرَ الشَيْطانُ إمّا بِقَوْلِهِ في زَمَنِ الكَهَنَةِ وحَيْثُ يَتَصَوَّرُ، وإمّا بِوَسْوَسَتِهِ، فَإذا أُطِيعَ نَفَّذَ أمْرَهُ.

و"السُوءِ": مَصْدَرٌ مِن ساءَ يَسُوءُ، وهي المَعاصِي وما تَسُوءُ عاقِبَتُهُ، و"الفَحْشاءِ" قالَ السُدِّيُّ: هي الزِنا، وقِيلَ: كُلُّ ما بَلَغَ حَدًّا مِنَ الحُدُودِ، لِأنَّهُ يَتَفاحَشُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: ما تَفاحَشَ ذِكْرُهُ، وأصْلُ الفُحْشِ قُبْحُ المَنظَرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: وجِيدٍ كَجِيدِ الرِئْمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ فِيما يُسْتَقْبَحُ مِنَ المَعانِي.

والشَرْعُ هو الَّذِي يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ، فَكُلُّ ما نَهَتْ عنهُ الشَرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.

و ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ بِهِ ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسائِبَةِ ونَحْوِها وجَعَلُوهُ شَرْعًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ ، يَعْنِي كُفّارَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الضَمِيرُ في "لَهُمُ" عائِدٌ عَلى "الناسِ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الناسُ كُلُوا ﴾ ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى "مِنَ" في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللهِ أنْدادًا  ﴾ .

و"اتَّبِعُوا" مَعْناهُ بِالعَمَلِ والقَبُولِ.

و ﴿ ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ هو القُرْآنُ والشَرْعُ، و"ألْفَيْنا" مَعْناهُ وجَدْنا، قالَ الشاعِرُ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهِ إلّا قَلِيلًا والألِفُ في قَوْلِهِ: "أوَلَوْ" لِلِاسْتِفْهامِ، والواوُ لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، لِأنَّ غايَةَ الفَسادِ في الِالتِزامِ أنْ يَقُولُوا: نَتَّبِعُ آباءَنا ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، فَقَرَّرُوا عَلى التِزامِهِمْ هَذا، إذْ هَذِهِ حالُ آبائِهِمْ.

وقُوَّةُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ تُعْطِي إبْطالَ التَقْلِيدِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى إبْطالِهِ في العَقائِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، المُرادُ تَشْبِيهُ واعِظِ الكافِرِينَ وداعِيهِمْ، والكافِرِينَ المَوْعُوظِينَ، بِالراعِي الَّذِي يَنْعَقُ بِالغَنَمِ أوِ الإبِلِ فَلا تَسْمَعُ إلّا دُعاءَهُ ولا تَفْقَهُ ما يَقُولُ، هَكَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، وسِيبَوَيْهِ، فَذَكَرَ بَعْضَ هَذِهِ الجُمْلَةِ وبَعْضَ هَذِهِ، ودَلَّ المَذْكُورُ عَلى المَحْذُوفِ، وهَذِهِ نِهايَةُ الإيجازِ.

والنَعِيقُ: زَجْرُ الغَنَمِ والصِياحُ بِها، قالَ الأخْطَلُ: انْعَقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فَإنَّما ∗∗∗ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاءِ ضَلالًا وقالَ قَوْمٌ: إنَّما وقَعَ هَذا التَشْبِيهُ بِراعِي الضَأْنِ لِأنَّها مِن أبْلَدِ الحَيَوانِ، فَهي تَحْمُقُ راعِيها، وفي المَثَلِ: "أحْمَقُ مِن راعِي ضَأْنٍ ثَمانِينَ" وقَدْ قالَ دُرَيْدُ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ في يَوْمِ هَوازِنَ: "راعِي ضَأْنٍ واللهِ"، وقالَ الشاعِرُ: أصْبَحْتُ هَزْءًا لِراعِي الضَأْنِ يَهْزَأُ بِي ∗∗∗ ماذا يُرِيبُكَ مِنِّي راعِيَ الضَأْنِ؟

فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ يَمُرُّ الدُعاءُ عَلى آذانِهِمْ صَفْحًا يَسْمَعُونَهُ ولا يَفْقَهُونَهُ، إذْ لا يَنْتَفِعُونَ بِفِقْهِهِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى في الآيَةِ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في اتِّباعِهِمْ آلِهَتَهم وعِبادَتَهم إيّاها، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعَقُ بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ شَيْئًا، إلّا دَوِيًّا غَيْرَ مُفِيدٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ الصَدى الَّذِي يَسْتَجِيبُ مِنَ الجِبالِ.

ووَجْهُ الطَبَرِيُّ في الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ: ومَثَلُ الكافِرِينَ في عِبادَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعَقُ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ مِنهُ، فَهو لا يَسْمَعُ مِن أجْلِ البُعْدِ، فَلَيْسَ لِلنّاعِقِ مِن ذَلِكَ إلّا النِداءُ الَّذِي يُتْعِبُهُ ويَنْصِبُهُ، فَإنَّما شَبَّهَ في هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ الكَفّارَ بِالناعِقِ، والأصْنامَ بِالمَنعُوقِ بِهِ، وشُبِّهُوا في الصَمَمِ والبُكْمِ والعَمى بِمَن لا حاسَّةَ لَهُ، لِما لَمْ يَنْتَفِعُوا بِحَواسِّهِمْ، ولا صَرَفُوها في إدْراكِ ما يَنْبَغِي، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................................

∗∗∗ أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعٌ ولَمّا تَقَرَّرَ فَقْدُهم لِهَذِهِ الحَواسِّ قَضى بِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ، إذِ العَقْلُ -كَما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ- عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ تُعْطِيها هَذِهِ الحَواسَّ، إذْ لا بُدَّ في كَسْبِها مِنَ الحَواسِّ.

وتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأحسن عندي أن يكون عطفاً على قوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ [البقرة: 168]، فإن المقصود بالخطاب في ذلك هم المشركون فإنهم الذين ائتمروا لأمره بالسوء والفحشاء، وخاصة بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون، والمسلمون مُحَاشَوْن عن مجموع ذلك.

وفي هذه الآية المعطوفة زيادة تفظيع لحال أهل الشرك، فبعد أن أثبت لهم اتباعهم خطوات الشيطان فيما حَرَّموا على أنفسهم من الطيبات، أعقب ذلك بذكر إعراضهم عمن يدعوهم إلى اتباع ما أنزل الله، وتشبثوا بعدم مخالفتهم ما أَلْفَوا عليه آباءهم، وأعرضوا عن الدعوة إلى غير ذلك دون تأمل ولا تدبر.

﴿ بل ﴾ إضراب إبطال، أي أضربوا عن قول الرسول، ﴿ اتَّبِعوا ما أنزل الله ﴾ ، إضرابَ إعراض بدون حجة إلاّ بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم.

وفي ضمير لهم التفات من الخطاب الذي في قوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ [البقرة: 168].

والمراد بما ألْفَوْا عليه ءَاباءهم، ما وَجَدوهم عليه من أمور الشرك كما قالوا: ﴿ إنا وجدنا أباءنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون ﴾ [الزخرف: 23] والأمة: الملة وأعظم ذلك عبادة الأصنام.

وقوله: ﴿ أولو كان أباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ﴾ كلام من جانب آخر للرد على قولهم ﴿ نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ﴾ ، فإن المتكلم لما حكاه عنهم رد قولهم هذا باستفهام يُقصد منه الرد ثم التعجيب، فالهمزة مستعملة في الإنكار كنايةً وفي التعجيب إيماءً، والمراد بالإنكار الرد والتخطئة لا الإنكار بمعنى النفي.

و (لو) للشرط وجوابها محذوف دل عليه الكلام السابق، تقديره: لاتَّبَعُوهم، والمستفهم عنه هو الارتباط الذي بين الشرط وجوابه، وإنما صارت الهمزة للرد لأجل العلم بأن المستفهمَ عنه يجاب عنه بالإثبات بقرائن حال المخبر عنه والمستفهِم.

ومثل هذا التركيب من بديع التراكيب العربية وأعلاها إيجازاً و(لو) في مثله تسمى وصلية وكذلك (إِنْ) إذا وقعت في موقع (لو).

وللعلماء في معنى الواو وأداةِ الشرط في مثله ثلاثة أقوال: القول الأول إنها للحال وإليه ذهب ابن جني والمرزوقي وصاحب «الكشاف» قال ابن جني في «شرح الحماسة» عند قول عمرو بن معديكرب لَيْسَ الجَمَال بِمِئْزرٍ *** فاعْلَمْ وإِنْ رديتَ بُرْدا ونحو منه بيت «الكتاب»: عَاودْ هَرَاةَ وإِنْ مَعْمُورُهَا خَرِبا *** وذلك أن الواو وما بعدها منصوبة الموضع بعَاوِدْ كما أنها وما بعدها في قوله وإن رديت بردا منصوبة الموضع بما قبلها وقريب من هذا: أزورك راغباً فيَّ وأحسن إليك شاكراً إليَّ، فراغباً وشاكراً منصوبان على الحال بما قبلهما وهما في معنى الشرط وما قبلهما نائب عن الجواب المقدر لهما ألا ترى أن معناه إن رغبت فيَّ زرتك وإن شكرتني أحسنت إليك، وسألت مرة أبا علي عن قوله: عَاوِدْ هَرَاةَ وإنْ معمورها خَرِبا *** كيف موقع الواو هنا وأومأت في ذلك له إلى ما نحن بصدده فرأيتُه كالمُصَانِع في الجواب لا قُصُوراً بحمدِ الله عنه ولكنْ فتوراً عن تكلفه فأَجْمَمْتُه، وقال المرزوقي هنالك: قوله: «وإنْ ردّيت بردا» في موضع الحال كأنه قال ليس جمالك بمئزر مردَّى معه برد والحال قد يكون فيه معنى الشرط كما أن الشرط فيه معنى الحال فالأول كقولك لأفعلنَّه كائناً ما كان أي إن كان هذا أو إن كان ذاك، والثاني كبيت «الكتاب»: عَاوِدْ هراة وإنْ معمورا خرِبا *** لأن الواو منه في موضع الحال كما هو في بيت عمرو وفيه لفظ الشرط ومعناه وما قبله نائب عن الجواب، وتقديره: إن معمورها خربا فعاودها وإن رديت بردا على مئزر فليس الجمال بذلك» اه.

وقال صاحب «الكشاف»: في هذه الآية وفي نظيرتها في سورة المائدة: «الواو للحال»، ثم ظاهر كلام ابن جني والمرزوقي أن الحال في مثله من الجملة المذكورة قبل الواو وهو الذي نحاه البيضاوي هنا ورجحه عبد الحكيم، وذهب صاحب «الكشاف» إلى أن الحال من جملة محذوفة تقديرها أيتبعونهم ولو كان آباؤهم، وعلى اعتبار الواو واو الحال فهمزة الاستفهام في قوله: ﴿ أولو كان أباؤهم ﴾ ليست مقدمة من تأخير كما هو شأنها مع واو العطف والفاء وثم بل الهمزة داخلة على الجملة الحالية، لأن محل الإنكار هو تلك الحالة ولذلك قال في «الكشاف» في سورة المائدة: «الواو واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار» وقدر هنا وفي المائدة محذوفاً هو مدخول الهمزة في التقدير يدل عليه ما قبله فقدره هنا أيتبعون آباءهم وقدره في سورة المائدة أَحَسْبُهُمْ ذلك، وهذا اختلاف في رَأيه، فمن لا يقدر محذوفاً يجعل الهمزة داخلة على جملة الحال.

القول الثاني أن الواو للعطف قيل على الجملة المتقدمة وإليه ذهب البيضاوي ولا أعلم له سلفاً فيه وهو وجيه جداً أي قالوا بل نتبع ولو كان آباؤهم، وعليه فالجملة المعطوفة تارة تكون من كلام الحاكي كما في الآية أي يقولونه في كل حال ولو كان آباؤهم الخ فهو من مجيء المتعاطفين من كلامي متكلميْن عطفَ التلقين كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قال ومن ذريتي ﴾ [البقرة: 124]، وتارة تكون من كلام صاحب الكلام الأول كما في بيت «الحماسة» وبيت «الكتاب» وتارة تكون من كلام الحاكي تلقيناً للمحكي عنه وتقديراً له من كلامه كقول رؤبة: قالت بناتُ العمِّ يا سلْمَى وإِنْ *** كان فقيراً مُعْدماً قالتْ وإنْ وقيل العطف على جملة محذوفة ونسبه الرضي للجرميِّ وقدروا الجملة بشرطية مخالفة للشرط المذكور، والتقدير: يتبعونهم إن كانوا يعقلون ويهتدون ولو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون وكذلك التقدير في نظائره من الشواهد وهذا هو الجاري على ألسنة المعربين عندنا في نظائره لخفة مؤنته.

القول الثالث: مختار الرضي أن الواو في مثله للاعتراض إما في آخر الكلام كما هنا وإما في وسطه، وليس الاعتراض معنى من معاني الواو ولكنه استعمال يرجع إلى واو الحال.

فأما الشرط المقترن بهذه الواو فلكونه وقع موقع الحال أو المعطوف أو الاعتراض من كلام سابق غير شرط، كان معنى الشرطية فيه ضعيفاً، لذلك اختلف النحاة في أنه باق على معنى الشرط أو انسلخ عنه إلى معنًى جديد فظاهر كلام ابن جني والمرزوقي أن الشرطية باقية ولذلك جعلا يقرِّبان معنى الشرط من معنى الحال يُومئان إلى وجه الجمع بين كون الجملة حالية وكونها شرطية، وإليه مال البيضاوي هنا وحسَّنه عبد الحكيم وهو الحق، ووجْهُ معنى الشرطية فيه أن الكلام الذي قبله إذا ذكر فيه حكم وذكر معه ما يدل على وجود سبب لذلك الحكم وكان لذلك السبب أفراد أو أحوال متعددة منها ما هو مظنة لأن تتخلف السببية عنده لوجود ما ينافيها معه فإنهم يأتون بجملة شرطية مقترنة بإنْ أو لوْ دلالة على الربط والتعليق بين الحالة المظنون فيها تخلف التسبب وبين الفعل المسبب عن تلك الحالة، لأن جملة الشرط تدل على السبب وجملة الجزاء تدل على المسبب ويستغنون حينئذٍ عن ذكر الجزاء لأنه يُعلم من أصل الكلام الذي عُقِّب بجملة الشرط.

وإنما خُص هذا النوع بحرفي (إنْ ولو) في كلام العرب لدلالتهما على ندرة حصول الشرط أو امتناعه، إلاّ أنه إذا كان ذلك الشرط نادر الحصول جاءوا معه بإنْ كبيت عَمرو، وإذا كان ممتنع الحصول في نفس الأمر جاءوا معه بلَو كما في هذه الآية، وربما أتوا بلو لشرط شديد الندرة، للدلالة على أنه قريب من الممتنع، فيكون استعمال لو معه مجازاً مُرْسلاً تَبَعِيّاً.

وذهب جماعة إلى أن (إن ولو) في مثل هذا التركيب خرجتا عن الشرطية إلى معنًى جديد، وظاهر كلام صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ﴾ [الأحزاب: 52] أن لو فيه للفرض؛ إذْ فسره بقوله: مفروضاً إعجابَك حسنُهن، وقال صاحب «الكشاف» هنا إن الشرط في مثله لمجرد التسوية وهي لا تقتضي جواباً على الصحيح لخروجها عن معنى الشرطية وإنما يقدرون الجواب توضيحاً للمعنى وتصويراً له اه.

وسَمَّى المتأخرون من النحاة (إن ولو) هاتين وَصْلِيَّتَيْن، وفسره التفتازاني في «المطوَّل» بأنهما لمجرد الوصل والربط في مقام التأكيد.

وإذ قد تحققت معنى هذا الشرط فقد حان أن نبين لك وجه الحق في الواو المقارنة له المختلف فيها ذلكَ الاختلافَ الذي سمعته، فإن كان ما بعد الواو معتبراً من جملة الكلام الذي قبلها فلا شبهة في أن الواو للحال وأنه المعنى المراد وهو الغالب، وإن كان ما بعدها من كلام آخر فهي واو العطف لا محالة عطفت ما بعدها على مضمون الكلام الأول على معنى التلقين، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ قل أوَلو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ [الزمر: 43] وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها، فإن مجيء همزة الاستفهام دليل على أنه كلام آخر، وكذلك بيت: «قالت بنات العم» المتقدم، وإن كان ما بعدها من جملة الكلام الأول لكنه منظور فيه إلى جواب سؤال يخطر ببال السامع فالواو للاستئناف البياني الذي عبر عنه الرضي بالاعتراض مثل قول كعب بن زهير: لا تأخذَنِّي بأقوال الوُشَاةِ ولَمْ *** أُذْنِبْ وإِنْ كَثُرَتْ فيَّ الأقاويل فإن موقع الشرط فيه ليس موقع الحال بل موقع رد سؤال سائل يقول: أَتنفي عن نفسك الذنب.

وقد كثر القول في إثبَاته.

وقوله: ﴿ لا يعقلون شيئاً ﴾ أي لا يدركون شيئاً من المُدركات، وهذا مبالغة في إلزامهم بالخطأ في اتباع آبائهم من غير تبصر ولا تأمل، وتقدم القول في كلمة شيء.

ومتعلق ﴿ ولا يهتدون ﴾ محذوف أي إلى شيء، وهذه الحَالة ممتنعة في نفس الأمر؛ لأن لآبائهم عقولاً تدرك الأشياء، وفيهم بعض الاهتداء مثل اهتدائهم إلى إثبات وجود الله تعالى وإلى بعض ما عليه أمورهم من الخير كإغاثة الملهوف وقِرى الضيف وحفظ العهد ونحو ذلك، ولهذا صح وقوع (لو) الشرطية هنا.

وقد أشبعتُ الكلام على (لو) هذه؛ لأن الكلام عليها لا يوجد مفصلاً في كتب النحو، وقد أجحف فيه صاحب «المغني».

وليس لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد؛ لأنها ذم للذين أبَوا أن يتبعوا مَا أنزل الله، فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي في تَحْلِيلِ ما حَرَّمُوهُ مِنَ الأنْعامِ والبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ ﴿ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ يَعْنِي في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَثَلَ الكافِرِ فِيما يُوعَظُ بِهِ مَثَلُ البَهِيمَةِ الَّتِي يُنْعَقُ بِها تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ مَعْناهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: مَثَلُ الكافِرِ في دُعاءِ آلِهَتِهِ الَّتِي يَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ كَمَثَلِ راعِي البَهِيمَةِ يَسْمَعُ صَوْتَها ولا يَفْهَمُهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ أيْ صُمٌّ عَنِ الوَعْظِ فَلا يَسْمَعُونَهُ، بُكُمٌ عَنِ الحَقِّ فَلا يَذْكُرُونَهُ، عُمْيٌ عَنِ الرُّشْدِ فَلا يُبْصِرُونَهُ فَهم لا يَعْقِلُونَهُ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَعْمَلُوا بِما يَسْمَعُونَهُ ويَقُولُونَهُ ويُبْصِرُونَهُ كانُوا بِمَثابَةِ مَن فَقَدَ السَّمْعَ والنُّطْقَ والبَصَرَ.

والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن سَمِعَ ما لا يَعْمَلُ بِهِ: أصَمُّ.

قالَ الشّاعِرُ: ؎ ...

...

...

∗∗∗ أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإِسلام ورغبهم فيه وحذرهم عذاب الله ونقمته.

فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا أعلم وخيراً منا، فأنزل الله في ذلك ﴿ وإذ قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا...

﴾ الآية» .

وأخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ما ألفينا ﴾ قال: يعني وجدنا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول نابغة بن ذبيان: فحسبوه فألفوه كما زعمت ** تسعاً وتسعين لم ينقص ولم يزد وأخرج ابن جرير عن الربيع وقتادة في قوله: ﴿ ألفينا ﴾ قالا: وجدنا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ قال ابن عباس: نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله  إلى الإسلام، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا خيرًا وأعلم مِنِّا (١) وقال الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في كفار قريش (٢) ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ  ﴾ (٣) وقال آخرون: نزلت في الذين حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام (٤) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ  ﴾ عدل عن المخاطبة إلى الغيبة (٥) وقوله تعالى: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ ﴾ إلى آخر الآية، معناه: أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالًا، فترك جواب لو لأنه معروف (٦) (٧) (٨) (٩) والآية تضمنت النهي عن التقليد؛ لأن الله تعالى أنكر عليهم متابعة آبائهم، وأمر بمتابعة العقل والهدى (١٠) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ﴾ لفظه عام ومعناه الخصوص؛ لأنهم كانوا يعقلون أمرَ الدنيَا، ومعناه: لا يعقلون شيئًا من أمر الدين (١١) قال عطاء عن ابن عباس: لا يعقلون عظمةَ الله، ولا يهتدون إلى دينه (١٢) (١) رواه الطبري 2/ 78 بسنده عن ابن عباس، وابن أبي حاتم 1/ 281، وذكره الثعلبي 1/ 1331، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 480، ونقله السيوطي في "اللباب" ص 31 - 32.

وينظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 200.

(٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1337.

(٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 78، "تفسير الثعلبي" 1/ 1332، "البحر المحيط" 1/ 480.

(٤) "تفسير الثعلبي" 1/ 1332، والبغوي 1/ 181.

(٥) ينظر: "الطبري" 2/ 78، والثعلبي 1/ 1332، ورجح هذا الطبري والثعلبي، وقال: لأن هذه القصة عقيب قوله: (يا أيها الناس)، فهي أولى أن تكون خبرًا عنهم من أن تكون خبرًا عن المتخذين للأنداد مع ما بينهما من الآيات وطول الكلام.

(٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 1333.

(٧) ينظر: "التبيان" ص 109.

(٨) ينظر: "التبيان" ص 109، "البحر المحيط" 1/ 480، وذكر القول الآخر وهو أن الواو للحال.

(٩) "البحر المحيط" 1/ 481.

(١٠) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 194، "البحر المحيط" 1/ 480.

(١١) "تفسير الثعلبي" 1/ 1334.

(١٢) قد تقدم الحديث عن هذا الحديث عن هذه الرواية.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بالسواء والفحشآء ﴾ المعاصي ﴿ وَأَن تَقُولُواْ ﴾ الإشراك وتحريم الحلال كالبَحِيرة وغير ذلك ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ ﴾ رداً على قولهم: ﴿ بل نتبع...

﴾ الآية، في كفار العرب.

وقيل في اليهود: أنهم يتبعونهم ولو كانوا ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ فدخلت همزة الإنكار على واو الحال ﴿ وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ ﴾ الآية: في معناها قولان: الأول تشبيه الذين كفروا بالبهائم؛ لقلة فهمهم وعدم استجابتهم لمن يدعوهم، ولابد في هذا من محذوف، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون المحذوف أوّل الآية والتقدير: مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان ﴿ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ ﴾ أي يصيح ﴿ بِمَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ وهي البهائم التي لا تسمع ﴿ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ ولا يعقل معنى، والآخر: أن يكون المحذوف بعد ذلك، والتقدير: مثل الذين كفروا كمثل مَدْعُوِّ الذي ينعق.

ويكون دعاء ونداء على الوجهين مفعولاً: يسمع والنعيق: هو زجر الغنم، والصياح عليها، فعلى هذا القول شبه الكفار بالغنم وداعيهم بالذي يزجرها وهو يصيح عليها، الثاني: تشبيه الذين كفروا في دعائهم، وعبادتهم لأصنامهم بمن ينعق بما لا يسمع، لأن الأصنام لا تسمع شيئاً، ويكون دعاء ونداء على هذا منعطف: أي أن الداعي يتعب نفسه بادعاء أو الندراء لمن لم يسمعه من غير فائدة، فعلى هذا شبه الكفار بالنعق ﴿ صُمٌّ ﴾ وما بعده راجع إلى الكفار وذلك غير التآويل الأول ورفعوا على إضمار مبتدأ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خطوات ﴾ ساكنة الطاء حيث كان: أبو عمرو وغير عباس ونافع وحمزة وخلف الهاشمي وأبو ربيعة عن البزي والقواس والحماد وأبو بكر غير البرجمي.

الباقون: بالضم.

﴿ بل نتبع ﴾ .

وبابه مثل ﴿ هل ننبئكم  ﴾ و ﴿ بل نقذف  ﴾ مدغماً حيث كان: علي وهشام.

الوقوف: ﴿ طيباً ﴾ ز والوصل أجوز لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط لابتداء الاستفهام ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ ونداء ﴾ ط لحق المحذوف أي هم صم ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

التفسير: قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

والآية مسوقة لتقرير طرف من جهالات المشركين المتخذين من دون الله أنداداً.

وحلالاً مفعول كلوا أو حال مما في الأرض وهو المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه من الحل الذي يقابل العقد.

ومنه حل بالمكان إذا نزل، وحل عقد الرحال، وحل الدين وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة، والحلة لأنها تحل عن الطي للبس.

وتحلة القسم لأن عقدة اليمين تنحل به.

ثم الحرام قد يكون حراماً في جنسه كالميتة والدم، وقد يكون حراماً لعرض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله، فالحلال هو الخالي عن القيدين، والطيب إن أريد به ما يقرب من الحلال لأن الحرام يوصف بالخبيث ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب  ﴾ فالوصف لتأكيد المدح مثل ﴿ نفخة واحدة  ﴾ أي الطاهر من كل شبهة.

ويمكن أن يراد بالطيب اللذيذ، أو يراد بالحلال ما يكون بجنسه حلالاً وبالطيب ما لا يتعلق به حق الغير.

والخطوة بالضم ما بين قدمي الخاطي كالغرفة بالضم اسم لما يغترف والفعلة بالضم والسكون إذا كانت اسماً تجمع في الصحيح بسكون العين وضمها.

يقال: اتبع خطواته ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته ﴿ مبين ﴾ ظاهر العداوة لا خفاء به ﴿ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين  ﴾ ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم  ﴾ ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ السوء متناول جميع المعاصي من أفعال الجوارح وأفعال القلوب، والفحشاء هي التي جاوزت الحد في القبح فلهذا قد تحقق الأول بما لم يجب فيه الحد والثاني بما يجب فيه الحد ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ وهذا أقبح الكل لأن وصف الله  بما لا ينبغي من أعظم الكبائر فهذه الآية كالتفسير لقوله ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ والصغائر والكبائر والكفر والجهل كلها من مأمورات الشيطان، بل لا يأمر الشيطان إلا بهذه الأمور بدليل "إنما" وهي للحصر وقد يدعو الشيطان إلى الخير ظاهراً وغرضه أن يجرّه إلى الشر آخراً مثل أن يجرّه من الأفضل إلى الفاضل فيتمكن بعد ذلك أن يجرّه إلى الشر.

ومثل أن يجره من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لتنفره عن الطاعة.

ويدخل في قوله ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ جميع المذاهب الباطلة والعقائد الفاسدة وقول الرجل هذا حلال وهذا حرام بغير علم بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلم فصار مستحقاً للذم من جهة أنه قادر على تحصيل العلم بالحق، ثم إنه قنع بالظن والتخمين.

ومعنى أمر الشيطان وسوسته وقد سلف في شرح الاستعاذة، وفي التعبير عن وسوسته بالأمر رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم أو قبولكم وساوسه.

وإذا كان الآمر المطاع مرجوماً مذموماً فكيف حال المأمور المطيع؟

وفي هذا معتبر للبصراء ومزدجر للعقلاء أعاذنا الله بحوله وأيده من مكر الشيطان وكيده.

﴿ وإذا قيل لهم ﴾ أي للمتخذين من دون الله أنداداً أو للناس.

والالتفات إلى الغيبة للنداء على ضلالتهم كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون: وعن ابن عباس: نزلت في اليهود حين دعاهم رسول الله  إلى الإسلام فقالوا: نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا، فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم.

وقد يعود الضمير إلى المعلوم كما يعود إلى المذكور، وعلى هذا فالآية مستأنفة.

وإنما خص هذا الموضع بقوله ﴿ ألفينا ﴾ لأن "ألفيت" يتعدى إلى مفعولين ألبتة فكان نصاً في ذلك فورد في الموضع الأول على الأصل.

واقتصر في المائدة ولقمان على لفظ "وجدنا" المشترك بين المتعدي إلى واحد والمتعدي إلى اثنين اكتفاء بما ورد في الأول مع تغيير العبارة عارضوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة بالتقليد فما أغفلهم وأنفسهم فلا جرم أجاب الله  بقوله ﴿ أو لو كان ﴾ الواو للعطف لا للحال على ما وقع في الكشاف، والهمزة للرد والتعجب وفعل الاستفهام، محذوف وكذا جواب الشرط، أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للثواب، أيتبعونهم أيضاً؟

وتقرير الجواب أن يقال للمقلد: أعرفت أن المقلد محق أم لا.

فإن لم تعرف فكيف قلدته مع احتمال كونه مبطلاً، وإن عرفت فإما بتقليد آخر ويستلزم التسلسل، أو بالعقل فذلك كافٍ في معرفة الحق والتقليد ضائع.

وأيضاً علم المقلد إن حصل بالتقليد تسلسل، وإن حصل بالدليل فإنما يتبعه المقلد إذا علم ذلك الدليل أيضاً وإلا كان مخالفاً فظهر......

فقال وضلال ﴿ ومثل الذين كفروا ﴾ فيه للعلماء طريقان: أحدهما تصحيح المعنى بإضمار إما في المشبه أي مثل من يدعو الحق كمثل الذي ينعق يقال: نعق الراعي بالضأن إذا صاح بها.

وأما نغق الغراب فبالغين المعجمة شبه الداعي إلى الحق براعي الغنم والكفرة بالغنم ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تعلم المراد، وهؤلاء الكفار يسمعون صوت الرسول وألفاظه وما كانوا ينتفعون بها فكأنهم لا يفهمون معانيها.

وإما بإضمار في المشبه به أي مثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق الطريق.

الثاني: التصحيح بغير إضمار أي مثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، لكن قوله ﴿ لا دعاء ونداء ﴾ لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً.

أو مثلهم في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل فإنه لا يسمع إلا صدى صوته.

فإذا قال: يا زيد.

يسمع من الصدى يا زيد، فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعوا الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء.

أو مثلهم في قلة عقلهم حيث عبدوا الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم.

فكما أن الكلام مع البهائم دليل سخافة العقل فكذلك عبادتهم لها أي ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل الذي يتكلم مع البهائم، فكما أن ذلك عبث ضائع فكذا تقليدهم واتباعهم ﴿ صم ﴾ عن استماع الحق والانتفاع به ﴿ بكم ﴾ عن إجابة الداعي إلى سبيل الخير ﴿ عمي ﴾ عن النظر في الدلائل ﴿ فهم لا يعقلون ﴾ العقل المسموع ولا المطبوع وذلك أن طريق الاكتساب الاستعانة بالحواس ولهذا قيل: من فقد حساً فقد علماً.

فلما فقدوا فائدة الحواس فكأنهم عدموها خلقة، قال شابور بن أردشير: العقل نوعان: مطبوع ومسموع.

فلا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فإن أحدهما بمنزلة العين والآخر بمثابة الشمس ولا يكمل الإبصار إلا بتعاونهما.

وقال النبي  "إن لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله" فبقدر عقله تكون عبادته لربه.

أما سمعتم قول الله عز وجلّ حكاية عن الفجار؟

﴿ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير  ﴾ وقال: "ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى" التأويل: الذين كفروا لم يسمعوا إذ خاطبهم الحق بقوله ﴿ ألست بربكم  ﴾ إلا دعاء ونداء لأنهم كانوا في الصف الأخير من الأرواح المجندة في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع للكافرين فما شاهدوا شيئاً من أنوار الحق ولكنهم قالوا بالتقليد بلى فبقوا على التقليد ﴿ بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن آباءهم كانوا أوصوهم ألا يفارقوا دينهم الذي هم عليه، فقالوا عند ذلك: لا ندع وصية آبائنا، كقوله: ﴿ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  ﴾ .

أو كانوا قوماً سفهاء أصحاب التقليد، فقالوا: إنا قلدنا آباءنا، فلا نقلد غيرهم.

وقوله: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ .

يخرج هذا الكلام على وجهين: أي: تقلدون أنتم آباءكم وإن كانوا لا يعقلون شيئاً.

ويحتمل: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ ﴾ ، أي: وقد كان آباؤكم لا يعقلون شيئاً فكيف تقلدونهم؟

وهو كقوله: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ  ﴾ ، أي وقد جئتكم.

أو أن يقال: من جعل آباءكم قدوة يقتدى بهم؟

وقوله: ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: مثلنا ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ ﴾ أي يصوت ﴿ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ يسمعون الصوت ولا يفهمون ما فيه.

وقيل: ﴿ يَنْعِقُ ﴾ بمعنى يُنْعَقُ، ذكر الفاعل على إرادة المفعول؛ كقوله: ﴿ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ  ﴾ أي مرضية.

فعلى ذلك الأولى، وهو في اللغة جائز جار.

وقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .

سماهم بذلك وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك؛ لما لم ينتفعوا بها، إذ الحاجة من هذه الأشياء الانتفاع بها؛ ولذلك سماهم سفهاء لما لم ينتفعوا بعلمهم وعقلهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا قيل لهؤلاء الكفار: اتبعوا ما أنزل الله من الهدى والنور، قالوا معاندين: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من المعتقدات والتقاليد، أيتبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون شيئًا من الهدى والنور، ولا يهتدون إلى الحق الَّذي يَرْضَى الله عنه؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.KMoaR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ذكر (الجلال) أن الآية الأولى نزلت فيمن حرم السوائب ونحوها، ولكنه لم يذكر ذلك في أسباب النزول، وقد كان هذا في طوائف من العرب كمدلج وبني صعصعة.

ولو صح أن الآية نزلت في ذلك لما كان مقتضيًا فصل الآية مما قبلها وجعلها كلامًا مستأنفًا، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، على أن الظاهر من السياق أن الكلام متصل بما قبله أتم الاتصال، فإن الآيات الأولى بينت حال متخذي الأنداد وما سيلاقون من عذاب الله تعالى، وقد قلنا في تفسيرها إن الأنداد قسمان: قسم يتخذ شارعًا يؤخذ برأيه في التحليل والتحريم من غير أن يكون بلاغًا عن الله ورسوله، بل يجعل قوله وفعله حجة بذاته لا يسأل من أين أخذه وهل هو فيه على هدى من ربه أم لا.

وقسم يعتمد عليه ويُدعى في دفع المضار وجلب المنافع من طريق السلطة الغيبية لا من الأسباب، حتى إنهم ليعتمدون على إغاثة هؤلاء الأنداد للناس بعد موتهم وخروجهم من عالم الأسباب، ثم بينت أن الناس يتبع بعضهم بعضًا في ذلك، وأن سيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّبعوا عند رؤية العذاب وتقطع الأسباب بينهم، وقلنا في تفسيرها إن الأسباب هي المنافع التي يجنيها الرؤساء من المرؤوسين والمصالح الدنيوية التي تصل بعضهم ببعض.

وفي هذه الآيات يبين تعالى أن تلك الأسباب محرمة لأنها ترجع إلى أكل الخبائث واتباع خطوات الشيطان، ونهى عنها، وبيَّن سبب جمودهم على الباطل والضلال وهو الثقة بما كان عليه الآباء من غير عقل ولا هدى، فالكلام متمم لما قبله قطعًا.

قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا  ﴾ هو غير الحرام الذي نص عليه في قوله تعالى ﴿ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ  ﴾ فما عدا هذا فكله مباح بشرط أن يكون طيبًا أي غير خبيث.

وفسر (الجلال) الطيب بالحلال على أنه تأكيد أو بالمستلذ، والأول لا محل له والتأسيس مقدم على التأكيد، والثاني لا يُظْهِر تقييد الإباحة العامة لما في الأرض به.

وعندي أن الطيب هو ما لا يتعلق به حق الغير، وهو الظاهر، لأن المراد بحصر المحرم فيما ذكر المحرم لذاته الذي لا يحل إلا للمضطر، بقي المحرم لعارض فتعين بيانه وهو ما يتعلق به حق الغير ويؤخذ بغير وجه صحيح، كما يكون في أكل الرؤساء من المرؤوسين بلا مقابل إلا أنهم رؤساؤهم المسيطرون عليهم، وكذلك أكل المرؤوسين بجاه الرؤساء، فإن كلًا منهما يمد الآخر ليستمد منه فى غير الوجوه المشروعة التي يتساوى فيها جميع الناس ويخرج بذلك الربا والرشوة والسحت والغصب والغش والسرقة فكل ذلك خبيث، وكذا ما عرض له الخبث بتغيره كالعام المنتن، وبهذا التفسير يتحرر ما أباحه الدين وتلتئم الآية مع ما قبلها.

أتبع الأمر النهي فقال: ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ  ﴾ قرأ الأئمة: خُطُوات بضمتين جمع خطوة بالضم وهي ما بين القدمين، وبفتحتين جمع خَطْوة وهي المرة من خطا يخطو في مشيه، والمعنى لا تتبعوا سيرته في الإغواء، ووسوسته في الأمر بالسوء والفحشاء، وهو ما يبينه في الآية التالية.

وعلل النهي بكونه عدوًا للناس بَيِّن العداوة.

والعلم بعداوته لنا لا يتوقف على معرفة ذاته، وإنما يعرف الشيطان بهذا الأثر الذي ينسب إليه وهو وحي الشر، وخواطر الباطل والسوء في النفس فهو منشأ هذا الوحي والخواطر الرديئة، قال تعالى ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  ﴾ ولا أبين وأظهر من عداوة داعية الشر والضلال، فعلى الإنسان أن يلتفت إلى خواطره ويضع لها ميزانًا، فإذا مالت نفسه إلى بذل المال لمصلحة عامة، أو عرض له سبب معاونة عامل على خير، أو صدقة على بائس فقير، فعارضه خاطر التوفير والاقتصاد، فليعلم أنه من وحي الشيطان، ولا ينخدع لما يسوله من إرجاء هذا العطاء لأجل وضعه في موضع أنفع، أو بذله لفقير أحوج، وإذا هم بدفاع عن حق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر فخطر له ما يثبط عزمه أو يمسك لسانه، فليعلم أنه من وسواس الشيطان.

وأظهر وحي الشياطين ما يجري على التحريم والتحليل لأجل المنافع التي تلبس على المتجرئ عليها بالمصلحة وسياسة الناس، كأنه قال: لا تتبعوا وحي الباطل والشر وخواطرهما تلم بكم وتطوف بنفوسكم، فإنها من إغواء الشيطان عدوكم.

ثم بين ذلك بما يفيد إثبات العداوة من تعليل النهي فقال: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ  ﴾ دون غيرهما من الحق والخير، فأما السوء فهو كل ما يسوؤك وقوعه أو عاقبته، فمن الشرور ما يقدم عليه المرء مندفعًا بتزيين الشيطان له، حتى إذا فعل الشر فاجأه السوء وعاجله الضرر، ومن الأعمال ما لا يظهر السوء في بدايته، ولكنه يتصل بنهايته، كمن يصده عن طلب العلم أن بعض المتعلمين أضاع وقته وبذل كثيرًا من ماله ثم لم يستفد من التعلم شيئًا، فهذا قياس شيطاني يصرف بعض الناس عن طلب العلم بأنفسهم، وبعض الآباء عن تعليم أولادهم، فتكون عاقبتهم السوءى ذات ناحيتين: سلبية وهي الحرمان من فوائد العلم، وإيجابية وهي مصائب الجهل، وكل منهما ديني ودنيوي.

فلا بد من البصيرة والتأمل في تمييز بعض الخواطر من بعض، فإن الشيطانية منها ربما لا تظهر بادي الرأي.

وأما الفحشاء فكل ما يفحش قبحه في أعين الناس من المعاصي والآثام، ولا يختص بنحو الزنا كما قال بعضهم، والفحشاء في الغالب أقبح وأشد من السوء وأسوأ السوء مبدأ وعاقبة ترك الأسباب الطبيعة التي قضت حكمة الباري بربط المسببات بها اعتمادًا على أشخاص من الموتى أو الأحياء يظن بل يتوهم أن لهم نصيبًا من السلطة الغيبية والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب، ومثله اتخاذ رؤساء في الدين يؤخذ بقولهم ويعتمد على فعلهم، من غير أن يكون بيانًا وتبليغًا لما جاء عن الله ورسوله فإن في هذين النوعين من السوء إهمالًا لنعمة العقل وكفرًا بالمنعم بها، وإعراضًا عن سنن الله تعالى وجهلًا باطرادها، وصاحبه كمن يطلب من السراب الماء، أو ينعق بما لا يسمع غير الدعاء والنداء، وهذا شأن متخذي الأنداد ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ﴾ وأما الرؤساء الذين يحملون العامة على هذا التقليد في الأمرين فقد بين تعالى اتباعهم لوحي الشيطان بقوله ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ أي ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه الذي دان به عباده ما لا تعلمون علم اليقين أن الله شرعه لهم من عقائد وأوراد وأعمال تعبدية، وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، وتحريم ما الأصل فيه الإباحة، ولا يثبت شيء من ذلك بالرأي والاجتهاد من قياس واستحسان، لأنهما ظن لا علم، فالقول على الله بغير علم اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهو شرك صريح، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان فإنه الأصل في إفساد العقائد، وتحريف الشرائع، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

أليس من القول على الله بغير علم زعم هؤلاء الرؤساء أن لله وسطاء بينه وبين خلقه لا يفعل سبحانه شيئًا بدون وساطتهم، فحولوا بذلك قلوب عباده عنه وعن سنته في خلقه ووجهوها إلى قبور لا تعد ولا تحصى، وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟

وقد يسمون هذا توسلًا إليه أي يتقربون إليه بالشرك به، ودعاء غيره من دونه أو معه، وهو يقول ﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا  ﴾ ويقول ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ  ﴾ أي دون غيره.

أليس من القول على الله بغير علم ما اختلقوه من الحيل لهدم ركن الزكاة وهو من أعظم أركان الإسلام؟

أليس من القول على الله بغير علم ما زادوه في العبادة وأحكام الحلال والحرام عما ورد في الكتاب والسنة المبينة له، والنبي  يقول عن الله تعالى: "وسكت عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"؟.

كل من يزيد في الدين عقيدة أو حكمًا من غير استناد إلى كتاب الله أو كلام المعصوم فهو من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.

ومن ذلك الزائرات للقبور وما يأتينه هناك من البدع والمنكرات باسم الدين.

وتشييع الجنائز بقراءة البردة ونحوها بالنغمة المعروفة، وبحمل المباخر الفضية والاعلام أمامها.

والاجتماع لقراءة الدلائل ونحوها من الأرواد بالصياح الخاص.

إن كل هذا جاء من استحسان ما عند الطوائف الأخر، وليس في الإسلام صيحة غير صيحة الأذان، وقد قال تعالى في الصلاة ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا  ﴾ ، وأما التلبية فلم يشرع فيها رفع الصوت والصياح الشديد وإنما يكون العجيج من كثرة الناس واختلاف أصواتهم، وإن لم يرفعوا عقيرتهم جهد المستطاع كما يفعل مقلدة التصوف.

وإن كثيرًا من البدع في العقائد والأحكام قد دخلت على المسلمين بتساهل رؤساء الدين وتوهمهم أنها تقوي أصل العقيدة وتخضع العامة لسلطان الدين -أو لسلطانهم المستند إلى الدين- ولقد دخلت كنيسة "بيت لحم" فسمعت هناك أصواتًا خيل إلي أنها أصوات طائفة من أهل الطريق يقرأون "حزب البر" مثلًا ثم علمت أنهم قسيسون.

فهذه البدع قد سرت إلينا منهم كما سرت إليهم من الوثنيين، استحسنا منهم ما استحسنوه من أولئك توهمًا أنه يفيد الدين أبهة وفخامة، ويزيد الناس به استمساكًا فكان أن ترك الناس مهمات الدين اكتفاء بهذه البدع، فإن أكثر الصائحين في الأضرحة وقباب الأولياء وفي الطرق والأسواق بالأوراد والأحزاب لا يقيمون الصلاة، ومن عساه يصلي منهم فإنه لا يحرص على الجماعة بعض حرصه على الاجتماع للصياح بقراءة الحزب في ليلة الولي فلان.

ولقد أنس الناس بهذه البدع، واستوحشوا من شعائر الدين والسنن، حتى ظهر فيهم تأويل قوله  : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  ﴾ أي وإذا قيل لمتبعي خطوات الشيطان، الذين يقولون على الله بغير علم ولا برهان، ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ  ﴾ قالوا: لا، نحن لا نعرف ما أنزل الله، بل نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا وهو ما تقلدوه من سادتنا وكبرائنا، وشيوخ علمائنا.

لم يخاطب هؤلاء ببطلان ما هم عليه وتشنيعه خطابًا لهم بل حكى عنهم حكاية بَيَّن فساد مذهبهم فيها، كأنه أنزلهم منزلة من لا يفهم الخطاب، ولا يعقل الحجج والدلائل كما بين ذلك بالتمثل الآتي.

ولو كان للمقلدين قلوب يفقهون بها لكانت هذه الحكاية كافية بأسلوبها لتنفيرهم من التقليد، فإنهم في كل ملة وجيل يرغبون عن اتباع ما أنزل الله استئناسًا بما ألفوه مما ألفوا آباءهم عليه، وحسبك بهذا شناعة، إذ العاقل لا يؤثر على ما أنزل الله تقليد أحد من الناس وإن كبر عقله وحسن سيره، إذ ما من عاقل إلا وهو عرضة للخطأ في فكره، وما من مهتد إلا ويحتمل أن يضل في بعض سيره، فلا ثقة في الدين إلا بما أنزل الله، ولا معصوم إلا من عصم الله، فكيف يرغب العاقل عما أنزل الله إلى اتباع الآباء مع دعواه الإيمان بالتنزيل، على أنه لو لم يكن مؤمنًا بالوحي لوجب أن ينفره عن التقليد قوله تعالى ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ  ﴾ فإن هذا حجة عقلية لا تنقض.

وقال (الجلال) وغيره: لا يعقلون شيئًا من أمر الدين.

وعقل الشيء معرفته بدلائله، وفهمه بأسبابه ونتائجه، وأقرب الناس إلى معرفة الحق الباحثون الذين ينظرون في الدلائل بقصد صحيح ولو في غير الحق، لأن الباحث المستدل إذا أخطأ يومًا في طريق الاستدلال أو في موضوع البحث فقد يصيب في يوم آخر، لأن عقله يتعود الفكر الصحيح، واستفادة المطالب من الدلائل، وأبعد الناس عن معرفة الحق المقلدون، الذين لا يبحثون ولا يستدلون، لأنهم قطعوا على أنفسهم طريق العلم، وسجلوا على عقولهم الحرمان من الفهم، فهم لا يوصفون بإصابة، لأن المصيب هو من يعرف أن هذا هو الحق، والمقلد إنما يعرف أن فلانًا يقول إن هذا هو الحق، فهو عارف بالقول فقط، ولذلك ضرب لهم المثل في الآية الآتية بعد ما سجل عليهم الضلالة بعدم استعمال عقولهم.

(فإن قيل) إن الآية إنما تمنع اتباع غير من يعقل الحق، ويهتدي إلى حسن العمل والصواب في الحكم، ولكنها لا تمنع من تقليد العاقل المهتدي "نقول": ومن أين يعرف المقلد أن متبوعه يعقل ويهتدي إذا هو لم يقف على دليله ؟

فإن هو اتبعه في طريقة الاستدلال حتى وصل إلى ما وصل على بصيرة فإن الآية لا تنعى عليه هذا، إذ هو استفادة للعلم محمودة لا تقليد في المعلوم أو المظنون لغيره.

رأيت لبعض السلف أنه قال: لو أن شخصًا رأى النبي  في حياته وسمع قوله واقتدى به من غير نظر في نبوته يؤدى إلى الوصول إلى اعتقاد صحتها بالدليل لعد مقلدًا، ولم يكن على بصيرة كما أمر الله المؤمن أن يكون.

هذا وإن في قوله تعالى ﴿ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا  ﴾ بحثًا فقد يشكل هذا العموم فيه على بعض الأفهام، وهو عندنا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن معناه لا يستعملون عقولهم في شيء مما يجب العلم به بل يكتفون فيه كله بالتسليم من غير نظر ولا بحث وهو ما مر.

وثانيها: أنه جار على طريقة البلغاء في المبالغة بجعل الغالب أمرًا كليًا عامًا.

يقولون في الضال في عامة شؤونه: إنه لا يعقل شيئًا ولا يهتدي إلى الصواب.

ويقولون في البليد: إنه لا يفهم شيئًا، وهذا لا ينافي أن يعقل الأول بعض الأشياء ويفهم الثاني بعض المسائل.

وثالثها: أنه ليس الغرض من العبارة نفي العقل عن آبائهم بالفعل، وإنما المراد منها: أيتبعون آباءهم لذواتهم كيفما كان حالهم حتى لو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون؟

كأنه يقول إن اتباع الشخص لذاته منكر لا ينبغي، وهذا قول مألوف، فمن يقول أنا أتبع فلانًا في كل ما يعمل، يقال له أتتبعه ولو كان لا يعمل خيرًا؟

أي أن من شأن من يتبع آخر لذاته لا لكونه محسنًا ومصيبًا أن يتبعه في كل شيء وإن كان كل عمله باطلًا، لأنه لا يفرق بين الحق والباطل والخير والشر إلا من ينظر ويميز، وهذا لا يتبع أحدًا لذاته كيفما كان حاله.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر