الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧٧ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 262 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
اشتملت هذه الآية الكريمة ، على جمل عظيمة ، وقواعد عميمة ، وعقيدة مستقيمة ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبيد بن هشام الحلبي ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عامر بن شفي ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن أبي ذر : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الإيمان ؟
فتلا عليه : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) إلى آخر الآية .
قال : ثم سأله أيضا ، فتلاها عليه ثم سأله .
فقال : " إذا عملت حسنة أحبها قلبك ، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك " .
وهذا منقطع ; فإن مجاهدا لم يدرك أبا ذر ; فإنه مات قديما .
وقال المسعودي : حدثنا القاسم بن عبد الرحمن ، قال : جاء رجل إلى أبي ذر ، فقال : ما الإيمان ؟
فقرأ عليه هذه الآية : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) حتى فرغ منها .
فقال الرجل : ليس عن البر سألتك .
فقال أبو ذر : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألتني عنه ، فقرأ عليه هذه الآية ، فأبى أن يرضى كما أبيت [ أنت ] أن ترضى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار بيده : " المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها ، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها " .
رواه ابن مردويه ، وهذا أيضا منقطع ، والله أعلم .
وأما الكلام على تفسير هذه الآية ، فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس ، ثم حولهم إلى الكعبة ، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين ، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك ، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل ، وامتثال أوامره ، والتوجه حيثما وجه ، واتباع ما شرع ، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل ، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق إلى المغرب بر ولا طاعة ، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه ; ولهذا قال : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) الآية ، كما قال في الأضاحي والهدايا : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) [ الحج : 37 ] .
وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا .
فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة ونزلت الفرائض والحدود ، فأمر الله بالفرائض والعمل بها .
وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك .
وقال أبو العالية : كانت اليهود تقبل قبل المغرب ، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق ، فقال الله تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) يقول : هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل .
وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله .
وقال مجاهد : ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله ، عز وجل .
وقال الضحاك : ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها .
وقال الثوري : ( ولكن البر من آمن بالله ) الآية ، قال : هذه أنواع البر كلها .
وصدق رحمه الله ; فإن من اتصف بهذه الآية ، فقد دخل في عرى الإسلام كلها ، وأخذ بمجامع الخير كله ، وهو الإيمان بالله ، وهو أنه لا إله إلا هو ، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله ) والكتاب ) وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء ، حتى ختمت بأشرفها ، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب ، الذي انتهى إليه كل خير ، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة ، ونسخ [ الله ] به كل ما سواه من الكتب قبله ، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .
وقوله : ( وآتى المال على حبه ) أي : أخرجه ، وهو محب له ، راغب فيه .
نص على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف ، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا : " أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغنى ، وتخشى الفقر " .
وقد روى الحاكم في مستدركه ، من حديث شعبة والثوري ، عن منصور ، عن زبيد ، عن مرة ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وآتى المال على حبه ) أن تعطيه وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغنى وتخشى الفقر " .
ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
قلت : وقد رواه وكيع عن الأعمش ، وسفيان عن زبيد ، عن مرة ، عن ابن مسعود ، موقوفا ، وهو أصح ، والله أعلم .
وقال تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) [ الإنسان : 8 ، 9 ] .
وقال تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) [ آل عمران : 92 ] وقوله : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) [ الحشر : 9 ] نمط آخر أرفع من هذا [ ومن هذا ] وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه ، وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له .
وقوله : ( ذوي القربى ) وهم : قرابات الرجل ، وهم أولى من أعطى من الصدقة ، كما ثبت في الحديث : " الصدقة على المساكين صدقة ، وعلى ذوي الرحم ثنتان : صدقة وصلة " .
فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك .
وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير ما موضع من كتابه العزيز .
( واليتامى ) هم : الذين لا كاسب لهم ، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب ، وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن النزال بن سبرة ، عن علي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يتم بعد حلم " .
( والمساكين ) وهم : الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم ، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه .
( وابن السبيل ) وهو : المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده ، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة ، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه ، ويدخل في ذلك الضيف ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس أنه قال : ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين ، وكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو جعفر الباقر ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك والزهري ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان .
( والسائلين ) وهم : الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع وعبد الرحمن ، قالا حدثنا سفيان ، عن مصعب بن محمد ، عن يعلى بن أبي يحيى ، عن فاطمة بنت الحسين ، عن أبيها - قال عبد الرحمن : حسين بن علي - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " للسائل حق وإن جاء على فرس " .
رواه أبو داود .
( وفي الرقاب ) وهم : المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم .
وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة ، إن شاء الله تعالى .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا شريك ، عن أبي حمزة ، عن الشعبي ، حدثتني فاطمة بنت قيس : أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفي المال حق سوى الزكاة ؟
قالت : فتلا علي ( وآتى المال على حبه ) .
ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن أبي إياس ، ويحيى بن عبد الحميد ، كلاهما ، عن شريك ، عن أبي حمزة عن الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " في المال حق سوى الزكاة " ثم تلا ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) إلى قوله : ( وفي الرقاب ) [ وقد أخرجه ابن ماجه والترمذي وضعف أبا حمزة ميمونا الأعور ، قال : وقد رواه بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي ] .
وقوله : ( وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) أي : وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها ، وسجودها ، وطمأنينتها ، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي .
وقوله : ( وآتى الزكاة ) يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس ، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة ، كقوله : ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) [ الشمس : 9 ، 10 ] وقول موسى لفرعون : ( هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ) [ النازعات : 18 ، 19 ] وقوله تعالى : ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ) [ فصلت : 6 ، 7 ] .
ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال كما قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان ، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين إنما هو التطوع والبر والصلة ; ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس : أن في المال حقا سوى الزكاة ، والله أعلم .
وقوله : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) كقوله : ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) [ الرعد : 20 ] وعكس هذه الصفة النفاق ، كما صح في الحديث : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان " .
وفي الحديث الآخر : " إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .
وقوله : ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) أي : في حال الفقر ، وهو البأساء ، وفي حال المرض والأسقام ، وهو الضراء .
( وحين البأس ) أي : في حال القتال والتقاء الأعداء ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو العالية ، ومرة الهمداني ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، وأبو مالك ، والضحاك ، وغيرهم .
وإنما نصب ( والصابرين ) على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته ، والله أعلم ، وهو المستعان وعليه التكلان .
وقوله : ( أولئك الذين صدقوا ) أي : هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم ; لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال ، فهؤلاء هم الذين صدقوا ( وأولئك هم المتقون ) لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات .
القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: ليس البرَّ الصلاةُ وحدها, ولكن البرّ الخصال التي أبينها لكم.
2513- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ليسَ البرّ أن تُولوا وُجُوهكم قِبَل المشرق والمغرب "، يعني: الصلاة.
يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تَعملوا, فهذا منذ تحوَّل من مكة إلى المدينة, ونـزلت الفرائض, وحدَّ الحدود.
فأمر الله بالفرائض والعمل بها.
2514- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب "، ولكنّ البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله.
2515- حدثني القاسم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
2516- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن ابن عباس قال: هذه الآية نـزلت بالمدينة: " ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب "، يعني: الصلاة.
يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غيرَ ذلك.
قال ابن جريج، وقال مجاهد: " ليس البرّ أن تُولوا وجوهكم قبَل المشرق والمغرب "، يعني السجود، ولكن البر ما ثبت في القلب من طاعة الله.
2517- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، (1) عن عبيد بن سليمان, عن الضحاك بن مزاحم، أنه قال فيها, قال يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك.
وهذا حين تحوّل من مكة إلى المدينة, فأنـزل الله الفرائض وحدَّ الحدود بالمدينة، وأمر بالفرائض أن يؤخذ بها.
* * * وقال آخرون: عنى الله بذلك اليهود والنصارى.
وذلك أن اليهود تصلي فتوجِّه قبل المغرب, والنصارى تصلي فتوَجَّه قبل المشرق, فأنـزل الله فيهم هذه الآية، يخبرهم فيها أن البرّ غير العمل الذي يعملونه، ولكنه ما بيناه في هذه الآية * ذكر من قال ذلك: 2518- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبَل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق، فنـزلت: " ليس البر أن تولوا وُجُوهكم قبل المشرق والمغرب ".
2519- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر "، ذُكر لنا أن رَجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر فأنـزل الله هذه الآية.
وذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا الرجل فتلاها عليه.
وقد كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجى له ويطمع له في خير، فأنـزل الله: " ليسَ البر أن تولوا وجوهَكم قبل المشرق والمغرب ".
وكانت اليهود تَوجَّهت قبل المغرب, والنصارى قبل المشرق -" ولكن البر من آمنَ بالله واليوم الآخر " الآية.
2520- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب, والنصارى قبل المشرق, فنـزلت: " ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ".
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الذي قاله قتادة والربيع بن أنس =: أن يكون عنى بقوله: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب "، اليهودَ والنصارَى.
لأن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولَومهم، والخبر عنهم وعما أُعدّ لهم من أليم العذاب.
وهذا في سياق ما قبلها, إذْ كان الأمر كذلك, -" ليس البر "، - أيها اليهود والنصارى، أنْ يولي بعضُكم وجهه قبل المشرق وبعضُكم قبل المغرب," ولكنّ البر مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وَالملائكة والكتاب " الآية.
* * * فإن قال قائل: فكيف قيل: " ولكن البر من آمن بالله "، وقد علمت أن " البر " فعل, و " مَنْ" اسم, فكيف يكون الفعل هو الإنسان؟
قيل: إن معنى ذلك غيرَ ما توهمته, وإنما معناه: ولكنّ البرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر، (2) فوضع " مَنْ" موضع الفعل، اكتفاءً بدلالته، ودلالة صلته التي هي له صفةٌ، مَنْ الفعل المحذوف، كما تفعله العرب، فتضع الأسماء مواضع أفعالها التي هي بها مشهورة, فتقول: " الجود حاتم، والشجاعة عنترة "، و " إنما الجود حاتم والشجاعة عنترة ", ومعناها: الجُود جود حاتم فتستغني بذكر " حاتم " إذ كان معروفًا بالجود، من إعادة ذكر " الجود " بعد الذي قد ذكرته، فتضعه موضع " جوده "، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره.
(3) كما قيل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [سورة يوسف: 82] والمعنى: أهل القرية, وكما قال الشاعر, وهو ذو الخِرَق الطُّهَوي: حَسِــبْتَ بُغَــامَ رَاحِـلَتِي عَنَاقًـا!
وَمَـا هـي, وَيْـبَ غَـيْرِكَ بالعَنَـاقِ (4) يريد: بُغَامَ عنَاق، أو صوتَ [عناق]، (5) كما يقال: " حسبت صياحي أخاك ", يعني به: حسبتَ صياحي صياحَ أخيك.
* * * وقد يجوز أن يكون معنى الكلام: ولكن البارَّ مَنْ آمن بالله, فيكون " البر " مصدرًا وُضع موضعَ الاسم.
(6) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وآتى المالَ على حُبه "، وأعطى مَاله في حين محبته إياه، وضِنِّه به، وشُحِّه عليه، (7) .
كما:- 2521- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا, عن زبيد, عن مرة بن شراحيل البكيلي, عن عبد الله بن مسعود: " وآتَى المالَ على حُبه "، أي: يؤتيه وهو صَحيحٌ شحيحٌ، يأمل العيش ويخشى الفقر.
(8) 2522- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن -وحدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق- قالا جميعًا, عن سفيان, عن زُبيد الياميّ, عن مرة, عن عبد الله: " وآتى المالَ على حُبه " قال، وأنت صحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر.
(9) 2523- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن زبيد اليامي, عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: " وآتى المال على حبه " قال، وأنت حريصٌ شحيحٌ، تأمل الغنى، وتخشى الفقر.
2524- حدثنا أحمد بن نعمة المصري قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثنا إبراهيم بن أعين, عن شعبة بن الحجاج, عن زبيد اليامي, عن مرة الهمداني قال، قال عبد الله بن مسعود في قول الله: " وآتى المال على حبه ذوي القربى ", قال: حريصًا شحيحًا، يأمل الغنى ويَخشى الفقر.
(10) 2525- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم, عن الشعبي، سمعته يُسْأل: هل على الرجل حَق في ماله سوى الزكاة؟
قال: نعم!
وتلا هذه الآية: " وآتى المالَ على حُبه ذَوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ".
2526- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا سُويد بن عمرو الكلبي قال، حدثنا حمّاد بن سلمة قال، أخبرنا أبو حمزة قال، قلت للشعبي: إذا زكَّى الرجلُ ماله، أيطيبُ له ماله؟
فقرا هذه الآية: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلى " وآتى المال على حُبه " إلى آخرها، ثم قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله، إنّ لي سبعين مثقالا من ذَهَب.
فقال: اجعليها في قَرَابتك.
(11) 2527- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك قال، حدثنا أبو حمزة، فيما أعلم - عن عامر, عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته يقول: إنّ في المال لحقًّا سوَى الزكاة.
(12) 2528- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أبي حيان قال، حدثني مزاحم بن زفر قال، كنت جالسًا عند عطاء فأتاه أعرابي فقال له: إن لي إبلا فهل عليّ فيها حقٌّ بعد الصدقة؟
قال: نعم!
قال: ماذا؟
قال: عَاريَّة الدلو, وطُروق الفحل, والحلَب.
(13) 2529- حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي, ذكره عن مرة الهمداني في: " وآتى المالَ على حُبه " قال: قال عبد الله بن مسعود: تُعطيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تطيل الأمل، وتخاف الفقر.
وذكر أيضًا عن السدي أن هذا شيء واجبٌ في المال، حق على صاحب المال أن يفعله، سوى الذي عليه من الزكاة.
2530- حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد قال، حدثنا سويد بن عبد الله, عن أبي حمزة, عن عامر, عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في المال حق سوى الزكاة " ، وتلا هذه الآية: " ليس البر " إلى آخر الآية.
(14) 2531- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن زبيد اليامي, عن مرة بن شراحيل, عن عبد الله في قوله: " وآتى المالَ على حُبه " قال، أن يعطي الرجلُ وهو صحيح شحيحٌ به، يأمل العيش ويخاف الفقر.
* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية: وأعطى المال - وهو له محب، حريصٌ على جمعه, شحيح به - ذَوي قَرابته فوصل به أرحامهم.
وإنما قلت عنى بقوله: " ذوي القرْبى "، ذوي قرابة مؤدِّي المال على حُبه، للخبر الذي رَوَى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره فاطمةُ بنت قيس= 2532- وقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: أيُّ الصَّدقة أفضَل؟
قال: جُهْد المُقِلّ على ذي القَرَابة الكاشح.
(15) * * * وأما " اليتامى "" والمساكين "، فقد بينا معانيهما فيما مضى.
(16) * * * وأما " ابن السبيل "، فإنه المجتاز بالرَّجل.
ثم اختلف أهل العلم في صفته.
فقال بعضهم: هو الضيفُ من ذلك.
* ذكر من قال ذلك: 2533- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: " وابن السبيل " قال، هو الضيف قال: قد ذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خَيرًا أو ليسكت " .
قال: وكان يَقول: حَق الضيافة ثلاثُ ليال, فكل شيء أضافه بَعد ذَلك صدقة.
(17) * * * وقال بعضهم: هو المسافر يمر عليك.
* ذكر من قال ذلك: 2534- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن جابر, عن أبي جعفر: " وابن السبيل " قال، المجتاز من أرض إلى أرض.
2535- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وقتادة في قوله: " وابن السبيل " قال، الذي يمر عليك وهو مسافر.
2536- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عمن ذكره, عن ابن جريج عن مجاهد وقتادة مثله.
* * * وإنما قيل للمسافر " ابن السبيل "، لملازمته الطريق -والطريق هو " السبيل "- فقيل لملازمته إياه في سفره: " ابنه "، كما يقال لطير الماء " ابن الماء " لملازمته إياه, وللرجل الذي أتت عليه الدهور " ابن الأيام والليالي والأزمنة ", ومنه قول ذي الرمة: وَرَدْتُ اعْتِسَــافًا وَالثُّرَيَّــا كَأَنَّهَــا عَـلَى قِمَّـةِ الـرَّأْسِ ابْـنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ (18) * * * وأما قوله: " والسائلين "، فإنه يعني به: المستطعمين الطالبين، كما:- 2537- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن إدريس, عن حصين, عن عكرمة في قوله: " والسائلين " قال، الذي يسألك.
* * * وأما قوله: " وفي الرقاب "، فإنه يعني بذلك: وفي فك الرقاب من العبودة, وهم المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودة، (19) بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها سادَاتهم.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وأقامَ الصلاة "، أدام العمل بها بحدودها, وبقوله " وآتى الزكاة "، أعطاها على مَا فَرضها الله عليه.
(20) * * * فإن قال قائل: وهل من حقٍّ يجب في مال إيتاؤه فرضًا غير الزكاة؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك: فقال بعضهم: فيه حقوقٌ تجبُ سوى الزكاة = واعتلُّوا لقولهم ذلك بهذه الآية, وقالوا: لما قال الله تبارك وتعالى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى ، ومن سمى الله معهم, ثم قال بعد: " وأقامَ الصلاةَ وآتى الزكاة "، علمنا أن المالَ - الذي وَصَف المؤمنين به أنهم يُؤتونه ذَوي القربى, ومن سمَّى معهم - غيرُ الزكاة التي ذكر أنهم يؤتونها.
لأن ذلك لو كان مالا واحدًا لم يكن لتكريره معنى مفهوم.
قالوا: فلما كان غيرَ جائز أن يقول تعالى ذكره قولا لا معنى له, علمنا أنّ حكم المال الأول غيرُ الزكاة, وأن الزكاة التي ذكرها بعد غيره.
قالوا: وبعد، فقد أبان تأويل أهل التأويل صحة ما قلنا في ذلك.
وقال آخرون: بل المال الأول هو الزكاة, ولكن الله وصَف إيتاء المؤمنين مَنْ آتوه ذلك، في أول الآية.
فعرَّف عباده -بوصفه ما وصف من أمرهم- المواضعَ التي يجب عليهم أن يضَعوا فيها زكواتهم، ثم دلّهم بقوله بعد ذلك: " وآتى الزكاة "، أن المال الذي آتاه القومُ هو الزكاة المفروضةُ =كانت= عليهم, إذ كان أهلُ سُهمانها هم الذين أخبرَ في أول الآية أن القوم آتوهم أموالهم.
* * * وأما قوله: " وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا "، فإن يعني تعالى ذكره: والذين لا ينقضون عَهد الله بعد المعاهدة, ولكن يوفُون به ويتمُّونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه.
كما:- 2538- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: " وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا " قال، فمن أعطى عهدَ الله ثم نقضه، فالله ينتقم منه.
ومن أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم غَدر بها، فالنبي صلى الله عليه وسلم خصمه يومَ القيامة.
* * * وقد بينت " العهد " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا.
(21) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ قال أبو جعفر: وقد بينا تأويل " الصبر " فيما مضى قبل.
(22) فمعنى الكلام: والمانعين أنفسهم -في البأساء والضراء وحين البأس- مما يكرهه الله لَهم، الحابسيها على ما أمرهم به من طاعته.
ثم قال أهل التأويل في معنى " البأساء والضراء " بما:- 2539- حدثني به الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ (23) قال، حدثني أبي - وحدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد - قالا جميعًا، حدثنا أسباط عن السدي, عن مرة الهمداني, عن ابن مسعود أنه قال: أما البأساءُ فالفقر, وأما الضراء فالسقم .
2540- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحماني - قالا جميعًا، حدثنا شريك, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله في قوله: " والصابرين في البأساء والضراء " قال، البأساء الجوع, والضراء المرضُ.
2541- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن السدي, عن مرة عن عبد الله قال: البأساء الحاجة, والضراءُ المرضُ.
2542- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر, وأن الضراء السُّقم.
وقد قال النبي أيوب صلى الله عليه وسلم أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [سورة الأنبياء: 83].
2543- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " والصابرين في البأساء والضراء " قال، البؤس: الفاقة والفقر, والضراء: في النفس، من وَجع أو مرَض يصيبه في جسده.
2544- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " البأساء والضراء " قال، البأساء: البؤس, والضراء: الزمانة في الجسد.
2545- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيد, عن الضحاك قال: " البأساء والضراء "، المرض.
(24) 2546- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " والصابرين في البأساء والضراء " قال، البأساء: البؤس والفقر, والضراء: السقم والوجع.
2547- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في هذه الآية: " والصابرين في البأساء والضراء "، أما البأساء: الفقر, والضراء: المرض.
(25) * * * قال أبو جعفر: وأما أهل العربية: فإنهم اختلفوا في ذلك.
فقال بعضهم: " البأساء والضراء "، مصدر جاء على " فعلاء " ليس له " أفعل " لأنه اسم, كما قد جاء " أفعل " في الأسماء ليس له " فعلاء "، نحو " أحمد ".
وقد قالوا في الصفة " أفعل "، ولم يجئ له " فعلاء ", فقالوا: " أنت من ذلك أوْجل ", ولم يقولوا: " وجلاء ".
وقال بعضهم: هو اسم للفعل.
فإن " البأساء "، البؤس," والضراء " الضر.
وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث، وإن شئت لمذكر، كما قال زهير: فَتُنْتَــجْ لَكُـمْ غِلْمَـانَ أَشْـأَمَ, كُـلُّهُمْ كَـأَحْمَرِ عَـادٍ, ثُـمَّ تُـرْضِعْ فَتَفْطِـمِ (26) يعني فتنتج لكم غلمان شؤم.
وقال بعضهم: لو كان ذلك اسمًا يجوز صرفه إلى مذكر ومؤنث، لجازَ إجراء " أفعل " في النكرة, ولكنه اسم قام مقام المصدر.
والدليل على ذلك قوله: " لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ"، (27) بغير إجراء.
وقال: إنما كان اسما للمصدر، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر.
وقال غيره: لو كان ذلك مصدرًا فوقع بتأنيث، لم يقع بتذكير, ولو وَقَع بتذكير، لم يقع بتأنيث.
لأن من سُمي ب " أفعل " لم يصرف إلى " فُعلى ", ومن سُمي ب " فُعلى " لم يصرف إلى " أفعل ", لأن كل اسم يبقى بهيئته لا يصرف إلى غيره, ولكنهما لغتان.
فإذا وقع بالتذكير، كان بأمر " أشأم ", وإذا وقع " البأساء والضراء "، (28) وقع: الخلة البأساء، والخلة الضراء.
وإن كان لم يُبن على " الضراء "،" الأضر "، ولا على " الأشأم "،" الشأماء ".
لأنه لم يُردْ من تأنيثه التذكير، ولا من تذكيره التأنيث, كما قالوا: " امرأة حسناء ", ولم يقولوا: " رجل أحسن ".
وقالوا: " رجل أمرد ", ولم يقولوا: " امرأة مرداء ".
فإذا قيل: " الخصلة الضراء " و " الأمر الأشأم "، دل على المصدر, ولم يحتج إلى أن يكون اسمًا, وإن كان قد كَفَى من المصدر.
وهذا قول مخالفٌ تأويلَ من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل " البأساء والضراء "، وإن كان صحيحًا على مذهب العربية.
وذلك أن أهل التأويل تأولوا " البأساء " بمعنى: البؤس," والضراء " بمعنى: الضر في الجسد.
وذلك من تأويلهم مبني على أنهم وجَّهوا " البأساءَ والضراء " إلى أسماء الأفعال، دون صفات الأسماء ونعوتها.
فالذي هو أولى ب " البأساء والضراء "، على قول أهل التأويل، أن تكون " البأساء والضراء " أسماء أفعال, فتكون " البأساء " اسمًا " للبؤس ", و " الضراء " اسمًا " للضر ".
* * * وأما " الصابرين " فنصبٌ, وهو من نعت " مَن " على وجه المدح.
(29) لأن من شأن العرب -إذا تطاولت صفةُ الواحد- الاعتراضُ بالمدح والذم بالنصب أحيانًا، وبالرفع أحيانًا، (30) كما قال الشاعر: (31) إلَــى المَلِـكِ القَـرْمِ وَابْـنِ الهُمَـامِ وَلَيْــثَ الكَتِيبَــةِ فِــي المُزْدَحَـمْ (32) وَذَا الــرَّأْيِ حِــينَ تُغَــمُّ الأمُـورُ بِـــذَاتِ الصَّلِيــلِ وذَاتِ اللُّجُــمْ (33) فنصب " ليث الكتيبة " وذا " الرأي" على المدح, والاسم قبلهما مخفُوضٌ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر: (34) فَلَيْـتَ الَّتِـي فِيهَـا النُّجُـومُ تَوَاضَعَت عَــلَى كُــلِّ غَـثٍّ مِنْهُـمُ وسَـمِينِ (35) غيُـوثَ الـوَرَى فِـي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ أُسُـودَ الشَّـرَى يَحْـمِينَ كُـلَّ عَـرِينِ (36) * * * وقد زعم بعضهم أن قوله: (37) " والصابرين في البأساء "، نُصب عطفًا على " السائلين ".
كأن معنى الكلام كان عنده: وآتى المال على حبه ذَوي القربَى واليتامَى والمساكين، وابنَ السبيل والسائلينَ والصابرين في البأساء والضراء.
وظاهرُ كتاب الله يدلّ على خطأ هذا القول, وذلك أنّ" الصابرين في البأساء والضراء "، هم أهل الزمانة في الأبدان، وأهلُ الإقتار في الأموال.
وقد مضى وصف القوم بإيتاء -مَنْ كان ذلك صفته- المالَ في قوله: وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ ، وأهل الفاقة والفقر، هم أهل " البأساء والضراء ", لأن من لم يكن من أهل الضراء ذا بأساء، لم يكن ممن له قبولُ الصدقة، وإنما له قبولها إذا كان جامعًا إلى ضرائه بأساء, وإذا جمع إليها بأساء، كان من أهل المسكنة الذين قد دخلوا في جملة " المساكين " الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله: " والصابرين في البأساء ".
وإذا كان كذلك، ثم نصب " الصابرين في البأساء " بقوله وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ، كان الكلام تكريرًا بغير فائدة معنى.
كأنه قيل: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامَى والمساكينَ.
والله يتعالى عن أن يكون ذلك في خطابه عبادَه.
ولكن معنى ذلك: ولكنّ البر مَن آمن بالله واليوم الآخر, والموفون بعهدهم إذا عاهدوا, والصابرين في البأساء والضراء." وَالْمُوفُونَ" رفعٌ لأنه من صفة " مَنْ", و " مَنْ" رفعٌ، فهو معرب بإعرابه." والصابرين " نصب -وإن كان من صفته- على وجه المدح الذي وصفنا قبل.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَحِينَ الْبَأْسِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وحين البأس "، والصابرين في وقت البأس, وذلك وَقت شدة القتال في الحرب، كما:- 2548- حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله في قول الله: " وحين البأس " قال، حين القتال.
(38) 2549- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله مثله.
2550- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وحين البأس " القتال.
2551- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: " وحين البأس "، أي عندَ مواطن القتال.
2552- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " وحين البأس "، القتال.
2553- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع،" وحين البأس "، عند لقاء العدو.
2554- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيدة، عن الضحاك: " وحين البأس "، القتال 2555- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل أبو سيدان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: " وحين البأس " قال، القتال.
(39) * * * القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك الذين صدقوا "، من آمن بالله واليوم الآخر, ونعتهم النعتَ الذي نعتهم به في هذه الآية.
يقول: فمن فعل هذه الأشياء، فهم الذين صدقوا الله في إيمانهم، وحققوا قولهم بأفعالهم - لا مَنْ ولَّى وجهه قبل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره، وينقض عهده وميثاقه، ويكتم الناسَ بَيانَ ما أمره الله ببيانه، ويكذِّب رسله.
* * * وأما قوله: " وأولئك هُم المتقون "، فإنه يعني: وأولئك الذين اتقوا عقابَ الله، فتجنَّبوا عصيانه، وحَذِروا وعده، فلم يتعدَّوا حدوده.
وخافوه, فقاموا بأداء فرائضه.
* * * وبمثل الذي قلنا في قوله: " أولئك الذين صَدقوا "، كان الربيع بن أنس يقول: 2556- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " أولئك الذين صدقوا " قال، فتكلموا بكلام الإيمان, فكانت حقيقتُه العمل، صَدقوا الله.
قال: وكان الحسن يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقتُه العمل, فإن لم يكن مع القول عملٌ فلا شيء.
-------------- الهوامش : (1) في المطبوعة : "أبو نميلة" بالنون ، والصواب ما أثبت .
وانظر الأثر رقم : 2490 والتعليق عليه .
(2) في المطبوعة : "ولكن البر كمن آمن بالله" وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت .
(3) انظر ما سلف : 2 : 61 ، 359 وهذا الجزء 3 : 334 .
(4) سلف تخريجه في هذا الجزء 3 : 103 تعليق : 3 .
(5) الزيادة بين القوسين لا بد منها .
(6) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن : 65 ، وذكره الفراء في معاني القرآن 1 : 104 .
(7) انظر معنى"الإيتاء" فيما سلف 1 : 574/2 : 160 ، 317 .
(8) الخبر : 2521- ابن إدريس : هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي ، مضى في : 438 ، 2030 .
ليث : هو ابن أبي سليم ، مضى في شرح : 1497 .
زبيد- بالباء الموحدة مصغرًا : هو ابن الحارث بن عبد الكريم اليامي ، وهو ثقة ثبت .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/411 ، وابن سعد 6 : 216 ، وابن أبي حاتم 1/2/623 .
مرة بن شراحيل : وهو الهمداني الكوفي ، من كبار التابعين ، كما مضى توثيقه : 168 ، وهو مترجم في التهذيب 10 : 88-89 ، والكبير 4/2/5 ، وابن سعد 6 : 79 ، وابن أبي حاتم 4/1/366 .
و"البكيلي" - بفتح الباء الموحدة وكسر الكاف : نسبه إلى"بكيل" ، وهم بطن من همدان .
انظرالاشتقاق لابن دريد ، ص : 250 ، 256 ، 312 ، وجمهرة الأنساب لابن حزم ص : 372-373 .
وكذلك نسب مرة إلى"بكيل" في كتاب ابن أبي حاتم ، وهو الصواب .
ووقع في التهذيب بدلها"السكسكي"؛ وهو تصحيف لا شك فيه ، فإن"السكسك" : هو ابن أشرس بن كندة .
وشتان بين همدان وكندة ، إنما يجتمعان بعد بضعة جدود ، في"زيد بن كهلان بن سبأ" .
انظر جمهرة الأنساب ، ص : 405 ، وما قبلها .
(9) الخبر : 2522- عبد الرحمن : هو ابن مهدي الإمام .
وسفيان هو الثوري .
فالطبري يرويه من طريق ابن مهدي .
ومن طريق عبد الرزاق - كلاهما عن سفيان .
والخبر في تفسير عبد الرزاق ، ص : 15 ، وفيه : "وأنت صحيح شحيح" ، بزيادة"شحيح" .
(10) الخبر : 2524- شيخ الطبري"أحمد بن نعمة المصري" : لم أجد له ترجمة .
أبو صالح : هو عبد الله بن صالح ، كاتب الليث .
الليث : هو ابن سعد إمام أهل مصر .
إبراهيم بن أعين الشيباني البصري ، نزل مصر : ضعيف : قال البخاري : "فيه نظر في إسناده" .
وقال أبو حاتم : "هذا شيخ بصري ، ضعيف الحديث ، منكر الحديث وقع إلى مصر" .
مترجم في التهذيب وفرق بينه وبين"إبراهيم بن أعين" آخر ثقة .
وترجم ابن أبي حاتم 1/1/87 ثلاث تراجم .
والبخاري 1/1/272 ترجمة واحدة .
وهذه الأسانيد الثلاثة : 2521-2523 ، لخبر موقوف اللفظ على ابن مسعود .
وهو في الحقيقة مرفوع حكمًا ، إذ مثل هذا لا يعرف بالرأي .
وسيأتي معناه موقوفًا عليه أيضًا : 2529 ، 2531 .
وكذلك رواه الحاكم 2 : 272 ، من رواية منصور ، عن زبيد ، عن مرة ، عن ابن مسعود ، موقوفًا .
وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" .
ووافقه الذهبي .
ونسبه السيوطي 1 : 170-171 لابن المبارك ، ووكيع ، وغيرهما .
ثم ذكر أنه رواه الحاكم أيضًا"عن ابن مسعود ، مرفوعًا" .
وكذلك نقل ابن كثير 1 : 388 أن الحاكم رواه مرفوعًا .
ولم أجده مرفوعًا في المستدرك .
ثم ذكر ابن كثير الرواية الموقوفة ، وزعم أنها أصح .
وهذا المعنى ثابت أيضًا في حديث مرفوع صحيح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - وقد سئل : أي الصدقة أعظم أجرًا؟
- فقال : "أن تصدق وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر وتأمل البقاء ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ، وقد كان لفلان" .
رواه أحمد في المسند : 7159 ، 7401 .
ورواه البخاري ومسلم وأبو داود ، كما بينا هناك .
(11) الحديث : 2526- سويد بن عمرو الكلبي : ثقة من شيوخ أحمد .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/149 ، وابن أبي حاتم 2/1/239 .
أبو حمزة : هو ميمون الأعور القصاب ، وهو ضعيف جدًا .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/343 ، وابن أبي حاتم 4/1/235-236 .
وهذا الحديث بهذا السياق لم أجده في موضع آخر .
وقد روى قريب من معناه ، بإسناد آخر أشد ضعفًا .
فروى الدارقطني في سننه ، ص : 205 ، من طريق أبي بكر الهذلي ، عن شعيب بن الحبحاب ، عن الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس ، قالت : "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب ، فقلت : يا رسول الله ، خذ منه الفريضة ، فأخذ منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال" .
وقال الدارقطني : "أبو بكر الهذلي : متروك ، ولم يأت به غيره" .
وقد مضى بيان ضعف الهذلي هذا : 597 .
(12) الحديث : 2527- شريك : هو ابن عبد الله بن أبي شريك ، النخعي القاضي ، وهو ثقة .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/238 ، وابن أبي حاتم 2/1/365-367 .
وقوله : "عن فاطمة بنت قيس : أنها سمعت" : يعني النبي صلى الله عليه وسلم .
كما هو ظاهر من سياق القول ، ومن الروايات الأخر .
وسيأتي الحديث أيضًا : 2530- وتخريجه هناك ، إن شاء الله .
(13) في المطبوعة : "عارية الذلول" ، وهو خطأ .
في حديث عبد الله مسعود : "كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : عارية الدلو والقدر" ، وفي حديث أبي هريرة أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "فما حق الإبل؟
قال : تعطى الكريمة ، وتمنح الغزيرة ، وتفقر الظهر ، وتطرق الفحل ، وتسقى اللبن" .
وفي حديث عبيد بن عمير قال قال رجل : يا رسول الله ، ما حق الإبل -فذكره نحوه- زاد : "وإعارة دلوها" .
(سنن أبي داود 2 : 167 ، 168 باب حقوق المال) .
وطرق الفحل الناقة يطرقها طرقًا وطروقًا : قعا عليها وضربها .
وإطراق الفحل : إعارته للضراب .
والحلب (بفتحتين) : اللبن المحلوب ، سمي بمصدره من : حلب الناقة يحلبهَا وحلبًا وحلابًا .
(14) الحديث : 2530- أسد : هو ابن موسى ، الذي يقال له"أسد السنة" .
مضى في : 23 .
سويد بن عبد الله هكذا ثبت في المطبوعة .
وعندي أنه خطأ ، صواب"شريك بن عبد الله" ، الذي مضى في الإسناد السابق : 2527 .
فإن الحديث معروف أنه من رواية شريك .
ثم ليس في الرواة -الذين رأينا تراجمهم- من يسمى"سويد بن عبد الله" إلا رجلا له شأن لا بهذا الإسناد ، لم يعرف إلا بخبر آخر منكر ، وهو مترجم في لسان الميزان .
وهذا الحديث تكرار للحديث : 2527 بأطول منه قليلا .
ورواه أيضًا الدارمي 1 : 385 ، عن محمد بن الطفيل .
والترمذي 2 : 22 ، من طريق الأسود بن عامر ، وعن الدارمي عن محمد بن الطفيل .
وابن ماجه : 1789 ، من طريق يحيى بن آدم .
والبيهقي في السنن الكبرى 4 : 84 ، من طريق شاذان - كلهم عن شريك ، بهذا الإسناد ، مطولا ومختصرًا .
قال الترمذي : "هذا حديث ليس إسناده بذاك .
أبو ميمون الأعور يضعف" .
وقال البيهقي : "فهذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور ، كوفي ، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، فمن بعدهما من حفاظ الحديث" .
ونقل ابن كثير 1 : 389-390 أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم ، عن يحيى بن عبد الحميد .
ورواه ابن مردويه ، من حديث آدم بن أبي إياس ، ويحيى بن عبد الحميد - كلاهما عن شريك ، ثم ذكر أنه أخرجه ابن ماجه ، والترمذي .
ووقع لفظ الحديث في ابن ماجه مغلوطًا ، بنقيض معناه .
بلفظ : "ليس في المال حق سوى الزكاة"! وهذا خطأ قديم في بعض نسخ ابن ماجه .
وحاول بعض العلماء الاستدلال على صحة هذا اللفظ عند ابن ماجه ، كما في التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر ، ص 177 ، وشرح الجامع الصغير للمناوي : 7641 .
ولكن رواية الطبري الماضية : 2527- وهي من طريق يحيى بن آدم ، التي رواه منها ابن ماجه : تدل على أن اللفظ الصحيح هو ما في سائر الروايات .
ويؤيد ذلك أن ابن كثير نسب الحديث للترمذي وابن ماجه ، معًا ، ولم يفرق بين روايتهما ، وكذلك صنع النابلسي في ذخائر المواريث : 11699 ، إذ نسبه إليهما حديثًا واحدًا .
ويؤيد أيضًا أن البيهقي ، بعد أن رواه قال : "والذي يرويه أصحابنا في التعاليق : ليس في المال حق سوى الزكاة - فلست أحفظ فيه إسنادًا .
والذي رويت في معناه ما قدمت ذكره" .
ولو كان في ابن ماجه على هذا اللفظ ، لما قال ذلك ، إن شاء الله .
(15) الحديث : 2532- معناه ثابت من حديث أبي هريرة .
رواه أحمد في المسند : 8687 (2 : 358 حلبي) : "عن أبي هريرة : أنه قال : يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟
قال : جهد المقل ، وابدأ بمن تعول" .
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 2 : 28 ، وقال : "رواه أبو داود ، وابن خزيمة في صحيحه ، والحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم" .
وروى الحاكم في المستدرك 1 : 406 ، عن أم كلثوم بنت عقبة ، قالت : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" .
وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي .
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 116 ، وقال : "رواه الطبراني في الكبير ، ورجاله رجال الصحيح" ، وذكر قبله أحاديث أخر بنحوه .
والكاشح : المبغض : قال ابن الأثير : "العدو الذي يضمر عداوته ، ويطوي عليهما كشحه ، أي باطنه" .
والكاشح الذي يضمر لك العداوة ، كأنه يطويها في كشحه .
وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع ، أو يعرض عنك بوجهه ويوليك كشحه .
(16) انظر ما سلف في معنى"مسكين" 2 : 137 ، 293 ، ومعنى : "ذي القربى" ، و"اليتامى" 2 : 292 .
(17) الحديث : 2533- هو حديث مرسل ، يقول قتادة -وهو تابعي- : "قد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول .
.
" ، فذكره .
و"سعيد" الذي يروي عن قتادة : هو سعيد بن أبي عروبة .
و"يزيد" الراوي عنه : هو يزيد بن زريع .
والحديث ثبت معناه ضمن حديث رواه مسلم 2 : 45 ، من حديث أبي شريح العدوي الخزاعي : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته ، قالوا : وما جائزته يا رسول الله؟
قال : يومه وليلته ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" .
ورواه أيضًا أحمد ، وسائر أصحاب الكتب الستة ، كما في الفتح الكبير 3 : 231 .
(18) ديوابنه : 401 ، وهو متعلق ببيت قبله : وَمَــاءٍ قَـدِيمِ العَهْـدِ بالنـاسِ جـنٍ كَـأَنَّ الـدَّبَى مَـاءَ الغَضَـا فِيهِ يَبْصُقُ الآجن المتغير .
والدبى : صغار الجراد .
والغضى : شجر .
كأن الجراد رعته ، فبصقت فيه رعيها فهو أصفر أسود .
والاعتساف : الاقتحام والسير على غير هدى .
والمحلق : العالي المرتفع .
وابن الماء : هو طير الغرانيق ، يعرف بالكركي ، والإوز العراقي ، وهو أبيض الصدر ، أحمر المنقار ، أصفر العين .
يقول الأقيشر ، يصف مجلس شراب : كَــأَنَّهُنَّ وأَيْــدِي الشَّـرْبِ مُعْمَلَـةٌ إِذَا تَــلأْلأَْنَ فِــي أَيْـدِي الغَـرَانِيقِ بَنَـاتُ مـاءِ, تُـرى بيضًـا جَاجِئُهـا حُــمْرًا مَنَاقِرُهَـا, صُفْـرَ الحَمَـالِيقِ والثريا : نجوم كثيرة مجتمعة ، سميت بالمفرد .
جعلها"على قمة" ، وذلك في جوف الليل ، ترى بيضاء زاهرة .
(19) العبودة والعبودية واحد ، ولا فعل له عند أبي عبيد .
وقال اللحياني فعله"عبد" على زنة"كرم" .
(20) انظر معنى"إقامة الصلاة" و"إيتاء الزكاة" فيما سلف 1 : 572-574 ، ومواضع أخرى ، اطلبها في فهرس اللغة .
(21) انظر ما سلف 1 : 410-415 ، 557 / ثم هذا الجزء 3 : 20 .
(22) انظر ما سلف 2 : 10-11 ، 124 / ثم هذا الجزء 3 : 214 .
(23) في المطبوعة"العبقري" ، والصواب ما أثبته ، وقد ترجم له فيما سلف رقم : 1625 .
(24) الأثر : 2545- أخشى أن يكون قد سقط من هذا الأثر شيء .
وهو تفسير"البأساء" ، وذكر"الضراء" قبل قوله : "المرض" ، وسيأتي على الصواب في الأثر الذي يليه .
(25) الخبر : 2547- عبيد بن الطفيل : كنيته : "أبو سيدان" ، بكسر السين المهملة وسكون الياء التحتية ثم دال مهملة ، كما سيأتي باسمه وكنيته : 2555 .
وهو الغطفاني ، يروي عنه أيضًا وكيع ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، قال أبو حاتم : "صالح ، لا بأس به" .
وهو مترجم في التقريب ، والخلاصة وابن أبي حاتم 2/2/409 .
(26) ديوانه : 20 ، من معلقته الفريدة .
وهي من أبياته في صفة الحرب ، التي قال في بدئها ، قبل هذا البيت : وَمَـا الحَـرْبُ إِلاَّ مَـا عَلِمْتُـمْ وَذُقْتُـمُ وَمَـا هُـوَ عَنْهَـا بِـالحَدِيث المُرَجَّـمِ مَتَــى تَبْعَثُوهَــا, تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً, وتَضْــرَ, إذا ضَرَّيْتُمُوهَــا فَتَضْـرَمِ فَتَعْــرُكَكُم عَــرْكَ الرَّحَــا بِثِفَالِهَـا وَتلْقَـحْ كِشــافًا, ثـم تُنْتَـجْ فَتُتْئِـمِ يقول : إن الحرب تلقح كما تلقح الناقة ، فتأتي بتوأمين في بطن .
وقوله : "أحمر عاد" يعني أحمر ثمود ، فأخطأ ولم يبال أيهما قال .
وأحمر ثمود ، هو قدار ، عاقر ناقة الله فأهلكهم ربهم بما فعلوا .
يقول : إن الحرب ترضع مشائيمها وتقوم عليهم حتى تفطمهم بعد أن يبلغوا السعي لأنفسهم في الشر .
(27) يقال"فلان غير أبعد" ، أي لا خير فيه .
ويقال : "ما عند فلان أبعد" أي لا طائل عنده .
قال رجل لابنه : "إن غدوت على المربد ربحت عنا ، أو رجعت بغير أبعد" ، أي بغير منفعة .
(28) يعني : إذا وقع بالتأنيث : وقع بمعنى : الخلة البأساء والخلة الضراء .
(29) يريد"من" في قوله تعالى : "ولكن البر من آمن .
.
.
" (30) انظر ما سلف 1 : 329 .
(31) لم أعرف قائله .
(32) معاني القرآن للفراء 1 : 105 ، والإنصاف : 195 ، وأمالي الشريف 1 : 205 ، وخزانة الأدب 1 : 216 .
والقرم .
السيد المعظم المقدم في المعرفة وتجارب الأمور .
والمزدحم : حومة القتال حيث يزدحم الكماة .
يمدحه بالجرأة في القتال .
(33) وغم الأمر يغم (بالبناء للمجهول) : استعجم وأظلم ، وصار المرء منه في لبس لا يهتدي لصوابه .
والصليل : صوت الحديد .
يعني بذات الصليل كتيبة من الرجالة يصل حديد بيضها وشكتها وسلاحها .
وذات اللجم : كتيبة من الفرسان .
يذكر ثباته واجتماع نفسه ورأيه حين تطيش العقول في صليل السيوف وكر الخيول في معركة الموت .
فقوله : "بذات الصليل" متعلق بقوله : "تغم الأمور" .
(34) لم أعرف قائلهما .
(35) معاني القرآن للفراء 1 : 106 ، وأمالي الشريف 1 : 206 .
وقوله : "تواضعت" ، هو عندي"تفاعل" من قولهم : وضع الباني الحجر توضيعًا : نضد بعضه على بعض .
ومنه التوضع : وهو خياطة الجبة بعد وضع القطن .
ومنه أيضًا : وضعت النعامة بيضها : إذا رثدته ووضعت بعضه فوق بعض ، وهو بيض موضع : منضود بعضه على بعض .
يقول : ليت السماء قد انضمت على جميعهم ، فكانوا من نجومها .
وقوله : "غث منهم وسمين" ، مدح ، يعني : ليس فيهم غث ، فغثهم حقيق بأن يكون من أهل العلاء .
(36) المحل : الجدب والقحط .
ورواية الفراء والشريف : "ولزبة" .
والأزمة والأزبة واللزبة ، بمعنى واحد : وهي شدة السنة والقحط .
وروايتهما أيضًا : "غيوث الحيا" .
والحيا : الخصب ، ويسمى المطر حيا ، لأنه سبب الخصب .
والثرى : موضع تأوي إليه الأسود .
(37) هذا القول ذكره الفراء في معاني القرآن 1 : 108 ، ورده .
(38) الأثر : 2548- في المطبوعة : "العبقري" ، وقد مضى مرارا خطأ ، وصححناه .
وانظر ترجمته في رقم : 1625 .
(39) الخبران : 2554-2555 أبو نعيم في أولهما؛ هو الفضل بن دكين .
وأبو أحمد في ثانيهما : هو الزبيري ، محمد بن عبد الله بن الزبير .
وباقي الإسناد ، مضى في : 2547 .
ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [ ص: 223 ] فيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى : ليس البر اختلف من المراد بهذا الخطاب فقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر ، فأنزل الله هذه الآية .
قال : وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة ، فأنزل الله هذه الآية ، وقال الربيع وقتادة أيضا : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي ، فاليهود إلى المغرب قبل بيت المقدس ، والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس ، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها ، فقيل لهم : ليس البر ما أنتم فيه ، ولكن البر من آمن بالله .الثانية : قرأ حمزة وحفص " البر " بالنصب ; لأن ليس من أخوات كان ، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر ، فلما وقع بعد ليس : البر نصبه ، وجعل أن تولوا الاسم ، وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر ، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف .
وقرأ الباقون " البر " بالرفع على أنه اسم ليس ، وخبره أن تولوا ، تقديره ليس البر توليتكم وجوهكم ، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر ، كقوله : ما كان حجتهم إلا أن قالوا ، ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا فكان عاقبتهما أنهما في النار وما كان مثله ، ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعا في قوله : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولا يجوز فيه إلا الرفع ، فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له ، وكذلك هو في مصحف أبي بالباء ليس البر بأن تولوا وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضا ، وعليه أكثر القراء ، والقراءتان حسنتان .الثالثة : قوله تعالى : ولكن البر من آمن بالله البر ها هنا اسم جامع للخير ، والتقدير : ولكن البر بر من آمن ، فحذف المضاف ، كقوله تعالى : واسأل القرية ، وأشربوا في قلوبهم العجل قاله الفراء وقطرب والزجاج ، وقال الشاعر :فإنما هي إقبال وإدبارأي ذات إقبال وذات إدبار وقال النابغة :وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب[ ص: 224 ] أي كخلالة أبي مرحب ، فحذف ، وقيل : المعنى ولكن ذا البر ، كقوله تعالى : هم درجات عند الله أي ذوو درجات ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود أنزل الله هذه الآية فقال : ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ، ولكن البر - أي ذا البر - من آمن بالله ، إلى آخرها ، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضا ، ويجوز أن يكون البر بمعنى البار والبر ، والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر ، كما يقال : رجل عدل ، وصوم وفطر ، وفي التنزيل : إن أصبح ماؤكم غورا أي غائرا ، وهذا اختيار أبي عبيدة ، وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر بفتح الباء .الرابعة : قوله تعالى : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فقيل : يكون الموفون عطفا على من لأن من في موضع جمع ومحل رفع ، كأنه قال : ولكن البر المؤمنون والموفون ، قاله الفراء والأخفش .
والصابرين نصب على المدح ، أو بإضمار فعل ، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام ، وينصبونه ، فأما المدح فقوله : والمقيمين الصلاة ، وأنشد الكسائي :وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويهاالظاعنين ولما يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليهاوأنشد أبو عبيدة :لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزرالنازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزروقال آخر :نحن بني ضبة أصحاب الجملفنصب على المدح ، وأما الذم فقوله تعالى : ملعونين أينما ثقفوا الآية ، وقال عروة بن الورد :سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور[ ص: 225 ] وهذا مهيع في النعوت ، لا مطعن فيه من جهة الإعراب ، موجود في كلام العرب كما بينا ، وقال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام ، قال : والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها ، وهكذا قال في سورة النساء والمقيمين الصلاة وفي سورة المائدة والصابئون .
والجواب ما ذكرناه ، وقيل : الموفون رفع على الابتداء والخبر محذوف ، تقديره وهم الموفون ، وقال الكسائي : والصابرين عطف على ذوي القربى كأنه قال : وآتى الصابرين .
قال النحاس : وهذا القول خطأ وغلط بين ; لأنك إذا نصبت والصابرين ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة من وإذا رفعت والموفون على أنه نسق على من فقد نسقت على من من قبل أن تتم الصلة ، وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف .
وقال الكسائي : وفي قراءة عبد الله " والموفين ، والصابرين " ، وقال النحاس : " يكونان منسوقين على " ذوي القربى " أو على المدح .
قال الفراء : وفي قراءة عبد الله في النساء " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة " .
وقرأ يعقوب والأعمش " والموفون والصابرون " بالرفع فيهما ، وقرأ الجحدري " بعهودهم " ، وقد قيل : إن والموفون عطف على الضمير الذي في آمن ، وأنكره أبو علي وقال : ليس المعنى عليه ، إذ ليس المراد أن البر بر من آمن بالله هو والموفون ، أي آمنا جميعا .
كما تقول : الشجاع من أقدم هو وعمرو وإنما الذي بعد قوله " من آمن " تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم .الخامسة : قال علماؤنا : هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام ; لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته - وقد أتينا عليها في الكتاب الأسنى - والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار - وقد أتينا عليها في كتاب - التذكرة - والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله - كما تقدم - والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك ، ومراعاة ابن السبيل - قيل المنقطع به ، وقيل : الضيف - والسؤال وفك الرقاب ، وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات ، والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة ، والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد ، وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب .
وتقدم التنبيه على أكثرها ، ويأتي بيان باقيها بما فيها في مواضعها إن شاء الله تعالى .
[ ص: 226 ] واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا ، أو لا يعطى حتى يكون فقيرا ، قولان للعلماء ، وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة ، على ما نبينه آنفا .السادسة : قوله تعالى : وآتى المال على حبه استدل به من قال : إن في المال حقا سوى الزكاة وبها كمال البر ، وقيل : المراد الزكاة المفروضة ، والأول أصح ، لما خرجه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن في المال حقا سوى الزكاة ثم تلا هذه الآية ليس البر أن تولوا وجوهكم إلى آخر الآية ، وأخرجه ابن ماجه في سننه والترمذي في جامعه وقال : " هذا حديث ليس إسناده بذاك وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف ، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح " .قلت : والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى : وأقام الصلاة وآتى الزكاة فذكر الزكاة مع الصلاة ، وذلك دليل على أن المراد بقوله : وآتى المال على حبه ليس الزكاة المفروضة ، فإن ذلك كان يكون تكرارا ، والله أعلم ، واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها .
قال مالك رحمه الله : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم ، وهذا إجماع أيضا ، وهو يقوي ما اخترناه ، والموفق الإله .السابعة : قوله تعالى : على حبه الضمير في حبه اختلف في عوده ، فقيل : يعود على المعطي للمال ، وحذف المفعول وهو المال .
ويجوز نصب ذوي القربى بالحب ، فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى ، وقيل : يعود على المال ، فيكون المصدر مضافا إلى المفعول .
قال ابن عطية : ويجيء قوله على حبه اعتراضا بليغا أثناء القول .
قلت : ونظيره قوله الحق : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا فإنه جمع المعنيين ، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول ، أي على حب الطعام ، ومن الاعتراض قوله الحق : ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك وهذا عندهم [ ص: 227 ] يسمى التتميم ، وهو نوع من البلاغة ، ويسمى أيضا الاحتراس والاحتياط ، فتمم بقوله على حبه وقوله : وهو مؤمن ومنه قول زهير :من يلق يوما على علاته هرما يلق السماحة منه والندى خلقاوقال امرؤ القيس :على هيكل يعطيك قبل سؤاله أفانين جري غير كز ولا وانفقوله : " على علاته " و " قبل سؤاله " تتميم حسن ، ومنه قول عنترة : أثنى علي بما علمت فإنني سمح مخالقتي إذا لم أظلمفقوله : " إذا لم أظلم " تتميم حسن ، وقال طرفة :فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهميوقال الربيع بن ضبع الفزاري :فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي وكل امرئ إلا أحاديثه فانفقوله : " غير مفسدها " ، و " إلا أحاديثه " تتميم واحتراس ، وقال أبو هفان :فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم وأفنى الندى أموالنا غير عائبفقوله : " غير ظالم " و " غير عائب " تتميم واحتياط ، وهو في الشعر كثير .
وقيل : يعود على الإيتاء ; لأن الفعل يدل على مصدره ، وهو كقوله تعالى : ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم أي البخل خيرا لهم ، فإذا أصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم ، وقيل : يعود على اسم الله تعالى في قوله من آمن بالله ، والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء .الثامنة : قوله تعالى : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا أي فيما بينهم وبين الله تعالى [ ص: 228 ] وفيما بينهم وبين الناس .
والصابرين في البأساء والضراء البأساء : الشدة والفقر ، والضراء : المرض والزمانة ، قاله ابن مسعود ، وقال عليه السلام : يقول الله تعالى أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته عافيته وليس له ذنب قيل : يا رسول الله ، ما لحم خير من لحمه ؟
قال : لحم لم يذنب قيل : فما دم خير من دمه ؟
قال : دم لم يذنب ، والبأساء والضراء اسمان بنيا على فعلاء ، ولا فعل لهما ; لأنهما اسمان وليسا بنعت .
وحين البأس أي وقت الحرب .قوله تعالى : أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها ، وأنهم كانوا جادين في الدين ، وهذا غاية الثناء .
والصدق : خلاف الكذب ويقال : صدقوهم القتال ، والصديق : الملازم للصدق ، وفي الحديث : عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا .
يقول تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } أي: ليس هذا هو البر المقصود من العباد, فيكون كثرة البحث فيه والجدال من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ونحو ذلك.
{ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } أي: بأنه إله واحد, موصوف بكل صفة كمال, منزه عن كل نقص.
{ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } وهو كل ما أخبر الله به في كتابه, أو أخبر به الرسول, مما يكون بعد الموت.
{ وَالْمَلَائِكَةِ } الذين وصفهم الله لنا في كتابه, ووصفهم رسوله صلى الله عليه وسلم { وَالْكِتَابِ } أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على رسوله, وأعظمها القرآن, فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام، { وَالنَّبِيِّينَ } عموما, خصوصا خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم.
{ وَآتَى الْمَالَ } وهو كل ما يتموله الإنسان من مال, قليلا كان أو كثيرا، أي: أعطى المال { عَلَى حُبِّهِ } أي: حب المال ، بيَّن به أن المال محبوب للنفوس, فلا يكاد يخرجه العبد.
فمن أخرجه مع حبه له تقربا إلى الله تعالى, كان هذا برهانا لإيمانه، ومن إيتاء المال على حبه, أن يتصدق وهو صحيح شحيح, يأمل الغنى, ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة, كانت أفضل, لأنه في هذه الحال, يحب إمساكه, لما يتوهمه من العدم والفقر.
وكذلك إخراج النفيس من المال, وما يحبه من ماله كما قال تعالى: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه.
ثم ذكر المنفق عليهم, وهم أولى الناس ببرك وإحسانك.
من الأقارب الذين تتوجع لمصابهم, وتفرح بسرورهم, الذين يتناصرون ويتعاقلون، فمن أحسن البر وأوفقه, تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي, على حسب قربهم وحاجتهم.
ومن اليتامى الذين لا كاسب لهم, وليس لهم قوة يستغنون بها، وهذا من رحمته تعالى بالعباد, الدالة على أنه تعالى أرحم بهم من الوالد بولده، فالله قد أوصى العباد, وفرض عليهم في أموالهم, الإحسان إلى من فقد آباؤهم ليصيروا كمن لم يفقد والديه، ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غيره, رُحِمَ يتيمه.
{ وَالْمَسَاكِين } وهم الذين أسكنتهم الحاجة, وأذلهم الفقر فلهم حق على الأغنياء, بما يدفع مسكنتهم أو يخففها, بما يقدرون عليه, وبما يتيسر، { وَابْنَ السَّبِيلِ } وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فحث الله عباده على إعطائه من المال, ما يعينه على سفره, لكونه مظنة الحاجة, وكثرة المصارف، فعلى من أنعم الله عليه بوطنه وراحته, وخوله من نعمته, أن يرحم أخاه الغريب, الذي بهذه الصفة, على حسب استطاعته, ولو بتزويده أو إعطائه آلة لسفره, أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها.
{ وَالسَّائِلِينَ } أي: الذين تعرض لهم حاجة من الحوائج, توجب السؤال، كمن ابتلي بأرش جناية, أو ضريبة عليه من ولاة الأمور, أو يسأل الناس لتعمير المصالح العامة, كالمساجد, والمدارس, والقناطر, ونحو ذلك, فهذا له حق وإن كان غنيا { وَفِي الرِّقَابِ } فيدخل فيه العتق والإعانة عليه, وبذل مال للمكاتب ليوفي سيده, وفداء الأسرى عند الكفار أو عند الظلمة.
{ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ } قد تقدم مرارا, أن الله تعالى يقرن بين الصلاة والزكاة, لكونهما أفضل العبادات, وأكمل القربات, عبادات قلبية, وبدنية, ومالية, وبهما يوزن الإيمان, ويعرف ما مع صاحبه من الإيقان.
{ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا } والعهد: هو الالتزام بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه.
فدخل في ذلك حقوق الله كلها, لكون الله ألزم بها عباده والتزموها, ودخلوا تحت عهدتها, ووجب عليهم أداؤها, وحقوق العباد, التي أوجبها الله عليهم, والحقوق التي التزمها العبد كالأيمان والنذور, ونحو ذلك.
{ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ } أي: الفقر, لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة, لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره.
فإنَّ تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعاما غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم, وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم, وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم.
فكل هذه ونحوها, مصائب, يؤمر بالصبر عليها, والاحتساب, ورجاء الثواب من الله عليها.
{ وَالضَّرَّاءِ } أي: المرض على اختلاف أنواعه, من حمى, وقروح, ورياح, ووجع عضو, حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك, فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك؛ لأن النفس تضعف, والبدن يألم, وذلك في غاية المشقة على النفوس, خصوصا مع تطاول ذلك, فإنه يؤمر بالصبر, احتسابا لثواب الله تعالى{ وَحِينَ الْبَأْسِ } أي: وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم, لأن الجلاد, يشق غاية المشقة على النفس, ويجزع الإنسان من القتل, أو الجراح أو الأسر, فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابا, ورجاء لثواب الله [تعالى] الذي منه النصر والمعونة, التي وعدها الصابرين.
{ أُولَئِكَ } أي: المتصفون بما ذكر من العقائد الحسنة, والأعمال التي هي آثار الإيمان, وبرهانه ونوره, والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية، فأولئك هم { الَّذِينَ صَدَقُوا } في إيمانهم, لأن أعمالهم صدقت إيمانهم، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } لأنهم تركوا المحظور, وفعلوا المأمور؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير, تضمنا ولزوما, لأن الوفاء بالعهد, يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية أكبر العبادات، ومن قام بها, كان بما سواها أقوم, فهؤلاء هم الأبرار الصادقون المتقون.
وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور الثلاثة, من الثواب الدنيوي والأخروي, مما لا يمكن تفصيله في مثل هذا الموضع.
قوله تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) قرأ حمزة وحفص : ليس البر بنصب الراء والباقون برفعها فمن رفعها جعل ( البر ) اسم ليس وخبره قوله : أن تولوا تقديره ليس البر توليتكم وجوهكم ، : كقوله تعالى " ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا " ( 25 - الجاثية ) والبر كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية فقال قوم عنى بها اليهود والنصارى ، وذلك أن اليهود كانت تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق وزعم كل فريق منهم أن البر في ذلك فأخبر الله تعالى أن البر غير دينهم وعملهم ولكنه ما بينه في هذه الآية وعلى هذا القول قتادة ومقاتل بن حيان .
وقال الآخرون المراد بها المؤمنون وذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نزول الفرائض إذا أتى بالشهادتين وصلى الصلاة إلى أي جهة كانت ثم مات على ذلك وجبت له الجنة ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وحددت الحدود وصرفت القبلة إلى الكعبة أنزل الله هذه الآية فقال : ( ليس البر ) أي كله أن تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا على غير ذلك ( ولكن البر ) ما ذكر في هذه الآية وعلى هذا القول ابن عباس ومجاهد وعطاء والضحاك .
( ولكن البر ) قرأ نافع وابن عامر ولكن خفيفة النون البر رفع وقرأ الباقون بتشديد النون ونصب البر .
قوله تعالى ( من آمن بالله ) جعل من وهي اسم خبرا للبر وهو فعل ولا يقال البر زيد واختلفوا في وجهه ، قيل لما وقع من في موضع المصدر جعله خبرا للبر كأنه قال ولكن البر الإيمان بالله والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل وأنشد الفراء : لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندي فجعل نبات اللحى خبرا للفتى وقيل فيه إضمار معناه ولكن البر بر من آمن بالله فاستغنى بذكر الأول عن الثاني كقولهم الجود حاتم أي الجود جود حاتم وقيل معناه ولكن ذا البر من آمن بالله كقوله تعالى : " هم درجات عند الله " ( 163 - آل عمران ) أي ذو درجات وقيل معناه ولكن البار من آمن بالله كقوله تعالى " والعاقبة للتقوى " ( 132 - طه ) أي للمتقي والمراد من البر هاهنا الإيمان والتقوى ( واليوم الآخر والملائكة ) ( كلهم والكتاب ) يعني الكتب المنزلة ( والنبيين ) أجمع ( وآتى المال ) أعطى المال ( على حبه ) اختلفوا في هذه الكناية فقال أكثر أهل التفسير : إنها راجعة إلى المال أي أعطى المال في حال صحته ومحبته المال قال ابن مسعود : أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا موسى بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد ثنا عمارة بن القعقاع أنا أبو زرعة أخبرنا أبو هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا ؟
قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان .
وقيل هي عائدة على الله عز وجل أي على حب الله تعالى ( ذوي القربى ) أهل القرابة أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا قتيبة أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن عمها سلمان بن عامر ، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان : صدقة وصلة " .
قوله تعالى ( واليتامى والمساكين وابن السبيل ) قال مجاهد : يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك ويقال للمسافر ابن السبيل لملازمته الطريق وقيل هو الضيف ينزل بالرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه .
.
.
" ( والسائلين ) يعني الطالبين أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبي بجيد الأنصاري وهو عبد الرحمن بن بجيد عن جدته وهي أم بجيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ردوا السائل ولو بظلف محرق " وفي رواية قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لم تجدي شيئا إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه " قوله تعالى ( وفي الرقاب ) يعني المكاتبين قاله أكثر المفسرين وقيل عتق النسمة وفك الرقبة ، وقيل فداء الأسارى ( وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) وأعطى الزكاة ( والموفون بعهدهم ) فيما بينهم وبين الله عز وجل وفيما بينهم وبين الناس ( إذا عاهدوا ) يعني إذا وعدوا أنجزوا وإذا حلفوا ونذروا أوفوا وإذا عاهدوا أوفوا وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدوا واختلفوا في رفع قوله والموفون ، قيل هو عطف على خبر معناه ولكن ذا البر المؤمنون والموفون بعهدهم وقيل تقديره وهم الموفون كأنه عد أصنافا ثم قال هم والموفون كذا ، وقيل رفع على الابتداء والخبر يعني وهم الموفون ثم قال ( والصابرين ) وفي نصبها أربعة أوجه قال أبو عبيدة : نصبها على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن تغير الإعراب إذا طال الكلام والنسق ومثله في سورة النساء " والمقيمين الصلاة " ( سورةالمائدة - 162 ( والصابئون والنصارى ) ، وقيل معناه أعني الصابرين ، وقيل نصبه نسقا على قوله ذوي القربى أي وآتى الصابرين وقال الخليل : نصب على المدح والعرب تنصب الكلام على المدح والذم [ كأنهم يريدون إفراد الممدوح والمذموم فلا يتبعونه أول الكلام وينصبونه فالمدح كقوله تعالى " والمقيمين الصلاة " ] ( 162 - النساء ) .
والذم كقوله تعالى " ملعونين أينما ثقفوا " ( 61 - الأحزاب ) .
قوله تعالى ( في البأساء ) أي الشدة والفقر ( والضراء ) المرض والزمانة ( وحين البأس ) أي القتال والحرب أخبرنا المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا زهير عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه .
يعني إذا اشتد الحرب ( أولئك الذين صدقوا ) في إيمانهم ( وأولئك هم المتقون ) .
«ليس البر أن تولوا وجوهكم» في الصلاة «قبل المشرق والمغرب» نزل ردا على اليهود والنصارى حيث زعموا ذلك «ولكن البرَّ» أي ذا البر وقرئ بفتح الباء أي البار «من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب» أي الكتب «والنبيين و آتى المال على» مع «حبه» له «ذوي القربى» القرابة «واليتامى والمساكين وابن السبيل» المسافر «والسائلين» الطالبين «وفي» فك «الرقاب» المكاتبين والأسرى «وأقام الصلاة وآتى الزكاة» المفروضة وما قبله في التطوع «والموفون بعهدهم إذا عاهدوا» الله أو الناس «والصابرين» نصب على المدح «في البأساء» شدة الفقر «والضراء» المرض «وحين البأس» وقت شدة القتال في سبيل الله «أولئك» الموصوفون بما ذكر «الذين صدقوا» في إيمانهم أو ادعاء البر «وأولئك هم المتقون» الله.
ليس الخير عند الله- تعالى- في التوجه في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، وإنما الخير كل الخير هو إيمان من آمن بالله وصدَّق به معبودًا وحدَه لا شريك له، وآمن بيوم البعث والجزاء، وبالملائكة جميعًا، وبالكتب المنزلة كافة، وبجميع النبيين من غير تفريق، وأعطى المال تطوُّعًا -مع شدة حبه- ذوي القربى، واليتامى المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمساكين الذين أرهقهم الفقر، والمسافرين المحتاجين الذين بَعُدوا عن أهلهم ومالهم، والسائلين الذين اضطروا إلى السؤال لشدة حاجتهم، وأنفق في تحرير الرقيق والأسرى، وأقام الصلاة، وأدى الزكاة المفروضة، والذين يوفون بالعهود، ومن صبر في حال فقره ومرضه، وفي شدة القتال.
أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم، وأولئك هم الذين اتقَوا عقاب الله فتجنبوا معاصيه.
ثم ساق القرآن الكريم آية جامعة لأنواع البر ، ووجوه الخير ، تهدي المتمسك بها إلى السعادة الدنيوية والأخروية فقال - تعالى - :( لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر .
.
.
)( البر ) : اسم جامع لكل خير ، ولكل طاعة وقرية يتقرب بها العبد إلى خالقه - عز وجل- .قال الراغب : " البر - بفتح الباء - خلاف البحر ، وتصور منه التوسع فاشتق منه البر - بكسر الباء - بمعنى التوسع في فعل الخير ، وينسب ذلك إلى الله - تعالى - تارة نحو : ( إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم ) وإلى البعد تارة فيقال : بر العبد ربه ، أي توسع في طاعته فالبر من الله الثواب ، ومن العبد الطاعة " .وتولية الوجوه قبل الشيء معناه : التوجه إليه بجعل الوجه متجها إلى جهته فلفظ " قيل " بمعنى جهة وهو منصوب على الظرفية المكانية .( المشرق ) : الجهة التي تشرق منها الشمس ، والمغرب : الجهة التي تغرب فيها .قال الإِمام الرازي : اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص .
فقال بعضهم : أراد بقوله : ( لَّيْسَ البر ) أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه بنحو بيت المقدس فقال - تعالى - ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله .
وقال بعضهم : بل المراد مخاطبته المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام وقال بعضهم : بل هو خطاب للكل ، لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الاغتباط بهذه القبلة ، وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الفرض الأكبر في الدين ، فبعثهم الله - تعالى - بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات ، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقاً وغرباً ، وإنما البر .
كيت وكيت .
وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخيصيص فيه ، فكأنه - تعالى - قال : ليس البر المطلوب هو أمر القبلة ، بل البر المطلوب هو هذه الخصال التي عدها " .وهذا القول الثالث - الذي يرى أصحابه أن الخطاب للكل ، والذي قال عنه الإِمام الرازي : هذا أشبه بالظاهر - هذا القول ، هو الذي تسكن إليه النفس ، لأنه لا يوجد نص صحيح يخصص الخطاب لطائفة معينة من الناس ولأن المقصود من الآية الكريمة إنما هو إفهام الناس في كل زمان ومكان أن مجرد تولية الوجه إلى قبلة مخصوصة ليس هو البر الكامل الذي يعنيه الإِسلام ، وإنما البر الكامل يتأنى في استجابة الإِنسان لتلك الخصال الشريفة التي اشتملت عليها الآية ، تلك الخصال التي تجعل المسمسكين بها على صلة طيبة بخالقهم وعلى صلة طيبة بغيرهم ، - كما سنبين ذلك عند تعليقنا على هذه الآية الكريمة- .والمعنى : ليس البر - الذي هو كل طاعة يتقرب بها الإِنسان إلى خالقه - في تولية الوجه عند الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب ، وإنما البر الذي يجب الاهتمام به لأنه يؤدي إلى السعادة والفلاح - يكون في الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وفي انفاق المال في وجوه الخير ، وفي اتباع ما ذكرته الآية الكريمة من خصال جليلة .هذا وقد قرأ حمزة وحفص عن عاصم ( لَّيْسَ البر ) بنصب البر على أنه خبر ليس ، واسمها قوله - تعالى - : ( أَن تُوَلُّواْ ) أي : ليس توليتكم وجهوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله .وقرأ الباقون ( لَّيْسَ البر ) برفع البر على أنه اسم ليس ، وخبرها قوله - تعالى - : ( أَن تُوَلُّواْ ) أي ليس البر كله توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب .قال الطبرسي : وكلا المذهبين حسن ، لأن كل واحد من اسم لس وخبرها معرفة ، فإذا اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما والآخر خبراً كما تتكافأ النكرتان .وقوله - تعالى - ( ولكن البر مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ) إلخ بيان لما هو البر الذي يجب أن تتجه إليه الأفكار ، وتستجيب له النفوس .و ( ولكن ) حرف استدراك ، البر : اسمها .
وقوله ( مَنْ آمَنَ ) وقع في اللفظ موقع الخبر عن قوله ( البر ) والخبر في المعنى لفظ مقدر مضاف إلى من آمن ، يفهم من سياق الجملة ، والمعنى مع ملاحظة المقدر : ولكن البر بر من آمن بالله .وهذا اللون من الإِيجاز الذي حذف فيه المضاف معهود في كلام البلغاء إذ تجدهم يقولون السخاء حاتم ، والشعر زهير .وقيل : إن البر هنا بمعنى البار فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل ، كما يقال : ماء غور أي : غائر ، ورجل صوم أي : صائم .وقيل : إن المحذوف هو لفظ مضاف إلى البر : أي : ولكن ذا البر من آمن بالله .وقد ابتدأت الآية حديثها عن خصال البر بالإِيمان بالله ، لأنه أساس كل بر .
وأصل كل خير ، والإِيمان بالله : هو التصديق بأنه هو الواحد الفرد الصمد ، الذي لا تعنو الوجوه إلا له ، ولا تتجه القلوب بالعبادة إلا إليه ، ومتى رسخ هذا الإِيمان في النفوس ارتفع بها إلى مكانة التكريم التي أرادها الله - تعالى - لبني آدم وصانها عن الذلة والاستكانة وأعطاها بنراس الهداية والسداد في كل نواحي الحياة .ثم ذكرت الإِيمان باليوم الآخر ، وهو التصديق بالبعث وما يقع بعده من حساب وثواب وعقاب على الوجه الذي وصفته نصوص الشريعة بأجلى بيان .والإِيمان باليوم الآخر من ثماره أنه يغرس في النفوس محبة الخير ، والحرص على إسداء المعروف وينفرها من اقتراف الشرور وارتكاب الآثام .ولقد تحدث القرآن عن الإِيمان بالله واليوم الآخر في عشرات الآيات ، وأقام الأدلة الساطعة ، والبراهين القاطعة على وحدانية الله وعلى أنه هو صاحب الكمال المطلق ، كما أقام الحجج والبراهين على أن البعث حق وضرب الأمثال لذلك ، وسفه عقول المنكرين له .ثم ذكرت الإِيمان بالملائكة والملائكة : أجسام لطيفة نورانية ، قادرون على التشكل في صورة حسنة مختلفة ، وصفهم القرآن بأنهم( لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ووجه دخول التصديق بهم في حقيقة الإِيمان ، أن الله وسطهم في إبلاغ وحيه لأنبيائه ، وبين ذلك في كتابه ، وتحدث الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عنهم في كثير من أحاديثه ، فمن لم يؤمن بالملائكة على هذا الوجه الذي جاءت به الشريعة فقد أنكر الوحي ، إذ الإِيمان بهم أصل للإِيمان بالوحي ، فيلزم من إنكارهم إنكار الوحي ، وهو يستلزم إنكار النبوة وإنكار الدار الآخرة .ثم ذكرت الآية الإِيمان بالكتاب .
والمراد به القرآن لأنه المقصود بالدعوة ، ولأنه هو الأمين على الكتب قبله ، فما وافقه منها كان حقاً وما خالفه كان باطلا .والإِيمان به يستلزم الإِيمان بجميع الكتب المنزلة من عند الله على أنبيائه ، لأنه هو الذي أخبرنا بذلك وأمرنا بذلك وأمرنا بأن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله .ثم ذكرت الإِيمان بالنبيين ، أي : التصديق بأنهم رجال اصطفاهم الله - تعالى - لتلقي هدايته وكتبه وتبليعها للناس بصدق وأمانة وسلامة بصيرة .والنبيون الذين يجب الإِيمان بهم : كل من ثبتت نبوته عن طريق القرآن الكريم أو الحديث الصحيح ، وكل من أنكر نبوة نبي قد ثبت نبوته فقد خرج عن طريق الإِيمان .ولقد قام الدليل القاطع على أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين والمرسلين ، وكل من ادعى غير ذلك فهو من الضالين المضلين .وقد جمعت هذه الأمور الخمسة التي ذكرتها الآية كل ما يلزم أن يصدق به الإِنسان ، ليك يكون ذا عقيدة سليمة ، تصل به إلى الفلاح والسعادة .ثم ذكرت الآية بعد بيان أصول الإِيمان الأعمال الصالحة فقالت .
( وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وَفِي الرقاب ) .وهذه الجملة معطوفة على قوله - تعالى - : ( مَنْ آمَنَ بالله ) .والضمير في قوله ( على حُبِّهِ ) يعود إلى المال ، أي : أعطى المال وبذله عن طيب خاطره حالة كونه محباً له راغباً فيه .
لأن الإِعطاء والبذل في هذه الحالة يدل على قوة الإِيمان ، وصفاء الوجدان ، ويسمو بصاحبه إلى أعلا الدرحات .
قال - تعالى - : ( لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصدقة ما كان في حال الصحة ، لأن الإِنسان في هذه الحالة يكون مظنة الحاجة إلى المال فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا رسول الله ، أي الصدقة أعظم أجراً؟
قال : " أن تصدق وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر وتأمل الغنى ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا وكذا وقد كان لفلان " " .وقيل الضمير يعود إلى الله - عز وجل - أي : يعطون المال على حب الله وطلباً لمرضاته .وقيل يعود إلى الإيتاء الذي دل عليه قوله - تعالى - ( وَآتَى المال ) فكأنه قال : يعطيى ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله .والمراد بذوي القربى : أقرباء المعطى للمال ، والمعنى : وأعطاى المال مع محبته لهذا المال لأقاربه المحتاجبين لأنهم أولى بالمعروف ، ولأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم ، ولذلك جاء ذكرهم في الآية مقدماً على بقية الأصناف التي تستحق العطف والإِحسان .روى الإِمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن سليمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الصدقة على المسكين صدقة .
وعلى ذي الرحم اثنتان : صدقة وصلة " .( واليتامى ) : جمع يتيم ، وهو من فقد أباه بالموت ولم يبلغ الحلم .
وهؤلاء اليتامى في حاجة إلى الإِحسان إليهم بعد ذوي القربى متى كانوا محتاجين ، لشدة عجزهم عن كسب ما يسد حاجتهم .( والمساكين ) جمع مسكين ، وهو من لا يملك شيئاً من المال ، أو يملك ما لا يكفي حاجاته وهذا النوع من الناس في حاجة إلى العناية والرعاية؛ لأنهم في الغالب يفضلون الاكتفاء بالقليل على إراقة وجهوههم بالسؤال .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان .
قالوا : فما المسكين يا رسول الله؟
قال الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يسأل الناس شيئاً " .( وابن السبيل ) : هو المسافر المنقطع عن ماله .
وسمى بذلك - كما قال الآلوسي - لملازمته السبيل - أي الطريق - في السفر ، أو لأن الطريق تبرزة فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه فهو أبدا يتوق إلى الجمع ، ويشتاق إلى الربع ، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف إلى عطنه .وهذا النوع من الناس في حاجة إلى المساعدة والمعاونة حتى يستطيع الوصول إلى بلده ، وفي هذا تنبيه إلى المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغي أن يكونوا في التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة .( والسآئلين ) : جمع سائل ، وهو الطالب للإِحسان والمعروف .
ويحمل حاله على أنه في حاجة إلى المعاونة ، لأن السؤال علامة الحاجة غالباً .والرقاب : جمع ربغة وهي في الأصل العنق ، وتطلق على البدن كله كما تطلق العين على الجاسوس .
فصح حمل الرقاب على الأسارى والأرقاء .وقوله : ( وَفِي الرقاب ) متعلق بآتي ، أي : آتى المال على حبه في تخليص الأسرى من أيدي العدو بفدائهم ، وتخليص الأرقاء بشرائهم وإعتاقهم ، وهذه الأوصناف الستة التي ذكرت في تلك الآية الكريمة ( وَآتَى المال على حُبِّهِ .
.
) إلخ .ليس المقصود من ذكرها الاستيعاب والحصر ، ولكنها ذكرت كأمثلة وخصت بالذكر لأنها أحوج من غيرها إلى العون والمساعدة .والذي يراجع القرآن الكريم يجده قد عني عناية كبرى بالفقراء والمساكين وجميع أصناف المحتاجين حتى لا تكاد سورة من سوررة تخلو من الحث على الإِنفاق عليهم ، وبذل العون في مساعدتهم - وأيضاً - هناك عشرات الأحاديث في الحض على مد يد العون إلى ذوي القرابة والمعسرين ، وذلك لأن المجتمعات تحيا وتنهض بالتراحم ، وتذل وتشقى بالتقاطع والتدابر بين أبنائها .ثم ذكرت الآية ألواناً أخرى من البر تدل على قوة الإِيمان وحسن الخلق فقالت : ( وَأَقَامَ الصلاة وَآتَى الزكاة ) وإقامة الصلاة أداؤها في مواقيتها مستوفية لأركانها وسننها وخشوعها على الوجه الشرعي الذي أمر الله به ، والمراد بالزكاة هنا ، الزكاة المفروضة على الوجه الذي فصلته السنة المطهرة .
وإبتاؤها : يكون بإعطائها لمستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهم ممن ذكرهم الله في قوله - تعالى - : ( إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبُهُمْ وَفِي الرقاب والغارمين وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل فَرِيضَةً مِّنَ الله والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) وفي ذكر الزكاة المفروضة بعد ذكر إيتاء المال على حبه لذوي القربى واليتامى .
.
إلخ دليل على أن في الأموال حقوقاً لذوي الحاجات سوى الزكاة ، وذلك لأنه من المعروف بين أهل العلم أن الحاجة إذا بلغت بطائفة من أبناء الأمة حد الضرورة ، يجب على الأغنياء منها أن يسعو في سدها ولو مما زاد على قدر الزكاة .والأغنياء الذين يكتفون بدفع الزكاة ، ولا يمدون يد المساعدة لسد حاجة المحتاجين ، وتفريج كرب المكروبين ، ودفع ضرورة البائسين ، ليسوا على البر الذي يريده الله من عباده المتقين .ومسألة " هل في المال حق سوى الزكاة " من المسائل التي تناولها بعض العلماء بالشرح والتفصيل .وقوله : ( والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ ) معطوف على قوله ( مَنْ آمَنَ ) فإنه في قوة قولك ، ومن أوفوا بعهدهم ، وأوثرت صيغة اسم الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء .الوفاء بالعهد يشمل ما عاهد المؤمنمون عليه الله من الإِعان لكل ما جاء به الدين ، ويشمل ما يعاهد به الناس بعضهم بعضاً مما لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً .والموفون بعهدهم هم الذين إذا وعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا بروا في أيمانهم ، وإذا قالوا صدقوا في قولهم ، وإذا ائتمنوا أدوا الأمانة ، وقد وعدهم الله على ذلك بأجزل الثواب ، وأعلى الدرجات .وفي قوله - تعالى - : ( إِذَا عَاهَدُواْ ) إشارة إلى أن إيفاءهم بالعهد لا يتأخر عن وقت حصول العهد .ثم ختم - سبحانه - خصال البر بقوله : ( والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس ) .البأساء من البؤس ، وهي ما يصيب الناس في الأموال كالفقر والاحتياج .
يقال : بئس يبأس بؤساً وبأساً أي اشتدت حاجته .والضراء من الضر ، وهي ما يصيبهم في أنفسهم كالأمراض والأسقام يقال : ضره وأضره وضاره وضراً ، ضد نفع : والألف في البأساء والضراء للتأنيث .وحين البأس ، أي : ووقت القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته ، يقال : بؤس ببؤس بأسا فهو بئيس ، أي : شجاع شديد .وقوله : ( والصابرين ) معطوف في المعنى على ( مَنْ آمَنَ ) كقوله ( والموفون ) إلا أنه جاء منصوبا على المدح بتقدير - أخص أو أمدح - وغير سبكه عما قبله ، تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته على غيره من الفضائل حتى لكأنه ليس من جنس ما سبقه من فضائل ، وهذا الأسلوب يسمى عند علماء اللغة العربية بالقطع ، وهو أبلغ من الإِتباع .
ولا ريب في أن صفة الصبر على الشدائد والآلام وحين القتال في سبيل الله ، جديرة بأنه ينبه لمزيد فضلها ، إذ هي أصل لكثير من المكارم كالعفاف عما في أيدي الناس ، والتسليم للقضاء الذي لا مرد له ، والإِقدام الذي يحمي به الدين وتسلم به النفوس والأموال والأعراض :وليس الصبر هو الخضوع والاستكانة والاستسلام من غير مقاومة ولا عمل وإنما الصبر جهاد ومحاولة للتغلب على المصاعب ، ومع الاحتفاظ برباطة الجأش والثقة بحسن العاقبة .وقد خصت الآية ثلاثة حالات بالصبر؛ لأن هذه الحالات هي أبرز الأشياء التي يظهر فيها هلع الهالعين وجزع الجازعين ، كما يتميز فيها أصحاب النفوس القوية المطمئنة من غيرهم .وجاءت كلمة " حين " في قوله : ( وَحِينَ البأس ) مشيرة إلى أن مزية الصبر في القتال إنما تظهر حين يلتقى الجمعان ، وتدور رحى الحرب ، لأن بعض الناس قد يكون قوياً في بدنه ، وقد يحشر نفسه في زمرة الأبطال المقاتلين ، ولكنه عندما يرى الأعناق تتساقط من حوله تخور قواه ، ويلوذ بالفرار ، أو يستسلم للعدو .
وفي هذه الحالة تسلب عنه صفة الصابرين حين البأس .
وتحق عليه صفة الضعفاء الجبناء .وقد جاءت أنواع الصبر في الآية على وجه الترقي من الشديد إلى الأشد ، وذلك لأن الصبر على المرض أصعب من الصبر على الفقر ، والصبر حين البأس أصعب من الصبر على المرض .
ثم ختمت الآية حديثها عن هؤلاء الجامعين لهذه الخصال بقوله تعالى : ( أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون ) .أولئك اسم إشارة للجمع ، وقد أشير به إلى من تقدم ذكرهم من الجامعين لخصال البر .
والصدق توصف به الأقوال المطابقة للواقع ، وتوصف به الأعمال الواقعة على الوجه الذي يرضى الله - تعالى- .والمتقون من الاتقاء وهو الحذر ، ويطلق المتقى في كلام الشارع على الإِنسان الذي صان نفسه عن كل ما يغضب الله ، وامتثل لأوامره ونواهيه .أي : أولئك الذين تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البر هم الصادقون في إيمانهم وفي كل أحوالهم ، وأولئك هم المتقون لعذاب الله - تعالى - بسبب امتثالهم لأوامره ، واجتنابهم لما نهى عنه .واسم الإشارة ( أولئك ) جيء به لإحضارهم في أذهان المخاطبين وهم متصفون بتلك المناقب الجليلة .وفي تكرير الإِشارة زيادة تنويه بشأنهم وفضلهم .
وجاء الإِخبار عنهنم بأنهم الصادقون المتقون ، لتشيرهم بأنهم قد بلغوا بإحرازهم لتلك الخصال السابقة الغاية التي يطمح إليها أرباب البصائر المتنيرة ، والنفوس المتقيمة ، والقلوب السليمة ، وهي مقام الصدق والتقوى الذي يرتفع بصاحبه إلى السعادة في الدنيا ، والنعيم الدائم في الآخرة .هذا وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على خمسة عشر نوعاً من أنواع البر الذي يهدي إلى الحياة السعيدة في الدنيا ، وإلى رضا الله - تعالى - في الآخرة ، وذلك لأنها قد أرشدت إلى أن البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير : بر في العقيدة ، وبر في العمل ، وبر في الخلق .أما بر العقيدة فقد بينته أكمل بيان في قوله - تعالى - : ( وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وَفِي الرقاب ) .ولا شك أن إنفاق المال في تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد والجماعات والأمم ، ويكون مظهراً من أفضل مظاهر العمل الصالح الذي يرضي الله - تعالى - .وأما بر الخلق فقد ذكرته بأحكم عبارة في قوله - تعالى - : ( وَأَقَامَ الصلاة وَآتَى الزكاة والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس ) .وذلك لأن التمسك بهذه الفضائل .
أداء الصلاة وإيتاء الزكاة .
والوفاء بالعهود ، والتذرع بالصبر - يدل على صفاء الإِيمان وطهارة الوجدان وحسن الخلق وكمال الاستقامة .وهكذا تجمع آية واحدة من كتاب الله بين بر العقيدة وبر العمل وبر الخلق ، وتربط بين الجميع برباط واحد لا ينفصم ، ونضع على هذا كله عنواناً واحداً " البر " وتمدح من استجمع أنواعه بالصدق والتقوى .فلله هذا الاستقراء البديع ، وذلك التوجيه السديد ، الذي يشهد أن هذا القرآن من عند الله ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ) وبعد أن بين - سبحانه - أن البر الجامع لألوان الخير يتجلى في الإِيمان بالله واليوم الآخر .
.
وفي بذل المال في وجوه الخير ، وفي المحافظة على فرائضة - سبحانه - وفي غير ذلك من أنواع الطاعات التي ذكرتها الآية السابقة بعد كل
اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص فقال بعضهم: أراد بقوله: ﴿ لَّيْسَ البر ﴾ أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه نحو بيت المقدس فقال تعالى: ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله وقال بعضهم: بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام، وقال بعضهم بل هو خطاب للكل لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الإغتباط بهذه القبلة وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الغرض الأكبر في الدين فبعثهم الله تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقاً وغرباً، وإنما البر كيت وكيت، وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه فكأنه تعالى قال: ليس البر المطلوب هو أمر القبلة، بل البر المطلوب هذه الخصال التي عدها.
المسألة الثانية: الأكثرون على أن ﴿ لَّيْسَ ﴾ فعل ومنهم من أنكره وزعم أنه حرف، حجة من قال: إنها فعل اتصال الضمائر بها التي لا تتصل إلا بالأفعال كقولك: لست ولسنا ولستم والقوم ليسوا قائمين، وهذه الحجة منقوضة بقوله: إنني وليتني ولعل وحجة المنكرين أولها: أنها لو كانت فعلاً لكانت ماضياً ولا يجوز أن تكون فعلاً ماضياً، فلا يجوز أن تكون فعلاً، بيان الملازمة أن كل من قال إنه فعل قال: إنه فعل ماض وبيان أنه لا يجوز أن يكون فعلاً ماضياً اتفاق الجمهور على أنه لنفي الحال، ولو كان ماضياً لكان لنفي الماضي لا لنفي الحال.
وثانيها: أنه يدخل على الفعل، فنقول: ليس يخرج زيد، والفعل لا يدخل على الفعل عقلاً ونقلاً، وقول من قال إن ﴿ لَّيْسَ ﴾ داخل على ضمير القصة والشأن وهذه الجملة تفسير لذلك الضمير ضعيف، فإنه لو جاز ذلك جاز مثله في ﴿ مَا ﴾ .
وثالثها: أن الحرف ﴿ مَا ﴾ يظهر معناه في غيره، وهذه الكملة كذلك فإنك لو قلت: ليس زيد لم يتم الكلام، بل لابد وأن تقول ليس زيد قائماً.
ورابعها: أن ﴿ لَّيْسَ ﴾ لو كان فعلاً لكان ﴿ مَا ﴾ فعلاً وهذا باطل، فذاك باطل بيان الملازمة أن ﴿ لَّيْسَ ﴾ لو كان فعلاً لكان ذلك لدلالته على حصول معنى السلب مقروناً بزمان مخصوص وهو الحال، وهذا المعنى قائم في ﴿ مَا ﴾ فوجب أن يكون ﴿ مَا ﴾ فعلاً فلما لم يكن هذا فعلاً فكذا القول ذلك، أو نذكر هذا المعنى بعبارة أخرى فنقول: ﴿ لَّيْسَ ﴾ كلمة جامدة وضعت لنفي الحال فأشبهت ﴿ مَا ﴾ في نفي الفعلية.
وخامسها: إنك تصل ﴿ مَا ﴾ بالأفعال الماضية فتقول: ما أحسن زيد ولا يجوز أن تصل ﴿ مَا ﴾ بليس فلا تقول ما ليس زيد يذكرك.
وسادسها: أنه على غير أوزان الفعل لأن فعل غير موجود في أبنية الفعل، فكان في القول بأنه فعل إثبات ما ليس من أوزان الفعل.
فإن قيل: أصله ليس مثل صيد البعير إلا أنهم خففوه وألزموه التخفيف لأنه لا يتصرف للزومه حالة واحدة، وإنما تختلف أبنية الأفعال لاختلاف الأوقات التي تدل عليها، وجعلوا للبناء الذي خصوه به ماضياً، لأنه أخف الأبنية.
قلنا: هذا كله خلاف الأصل، فالأصل عدمه ولأن الأصل في الفعل التصرف، فلما منعوه التصرف كان من الواجب أن يبقوه على بنائه الأصلي لئلا يتوالى عليه النقصانات، فأما أن يجعل منع التصرف الذي هو خلاف الأصل علة لتغير البناء الذي هو أيضاً خلاف الأصل فذاك فاسد جداً.
وسابعها: ذكر القتيبي أنها كلمة مركبة من الحروف النافي الذي هو لا، و: أيس، أي موجود قال ولذلك يقولون: أخرجه من الليسية إلى الأيسية أي من العدم إلى الوجود، وأيسته أي وجدته وهذا نص في الباب، قال وذكر الخليل أن ﴿ لَّيْسَ ﴾ كلمة جحود معناها: لا أيس، فطرحت الهمزة استخفافاً لكثرة ما يجري في الكلام، والدليل عليه قول العرب: ائتني به من حيث أيس وليس، ومعناه: من حيث هو ولا هو.
وثامنها: الإستقراء دل على أن الفعل إنما يوضع لإثبات المصدر، وهذا إنما يفيد السلب أو لا يكون فعلاً، فإن قيل: ينتقض قولكم بقوله: نفى زيداً وأعدمه، قلنا: قولك نفى زيداً مشتق من النفي فقولك نفي دل على حصول معنى النفي فكانت الصيغة الفعلية دالة تحقق مصدرها، فلم يكن السؤال وارداً، وأما القائلون بأن ﴿ لَّيْسَ ﴾ فعل فقد تكلفوا في الجواب عن الكلام الأول بأن ﴿ لَّيْسَ ﴾ قد يجيء لنفي الماضي كقولهم: جاءني القوم ليس زيداً، وعن الثاني أنه منقوض بقولهم: أخذ يفعل كذا وعن الثالث: أنه منقوض بسائر الأفعال الناقصة وعن الرابع: أن المشابهة من بعض الوجوه لا تقتضي المماثلة وعن الخامس: أن لك إنما امتنع من قبل أن: ما، للحال ﴿ وَلَيْسَ ﴾ للماضي، فلا يكون الجمع بينهما وعن السادس: أن تغير البناء وإن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه ضرورة العمل بما ذكرنا من الدليل وعن السابع: أن الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم، وأما قوله: من حيث أيس وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسماً، وأما الكتاب فممنوع منه بالدليل وعن الثامن: أن ﴿ ليس ﴾ مشتق من الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم، وأما قوله: من حيث أيس وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسماً، وأما الكتاب فممنوع منه بالدليل وعن الثامن: أن ﴿ لَّيْسَ ﴾ مشتق من الليسية فهي دالة على تقرير معنى الليسية، فهذا ما يمكن أن يقال في هذه المسألة وإن كانت هذه الجوابات مختلفة.
المسألة الثالثة: قرأ حمزة وحفص عن عاصم ﴿ لَّيْسَ البر ﴾ بنصب الراء، والباقون بالرفع، قال الواحدي: وكلا القراءتين حسن لأن اسم ﴿ لَّيْسَ ﴾ وخبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسماً، والآخر خبراً، وحجة من رفع ﴿ البر ﴾ أن اسم ﴿ لَّيْسَ ﴾ مشبه بالفاعل، وخبرها بالمفعول، والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول، ومن نصب ﴿ البر ﴾ ذهب إلى أن بعض النحويين قال: ﴿ أن ﴾ مع صلتها أولى أن تكون اسم ﴿ لَّيْسَ ﴾ لشبهها بالمضمر في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، فكان هاهنا اجتمع مضمر ومظهر، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الإسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، وعلى هذا قرئ في التنزيل قوله: ﴿ كَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِي النار ﴾ وقوله: ﴿ مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ ﴾ ﴿ وَمَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ والاختيار رفع البر لأنه روي عن ابن مسعور أنه قرأ: ﴿ لَّيْسَ البر بِأَنَّ ﴾ والباء تدخل في خبر ليس.
المسألة الرابعة: البر اسم جامع للطاعات، وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى، ومن هذا بر الوالدين، قال تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ ﴾ فجعل البر ضد الفجور وقال: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان ﴾ فجعل البر ضد الإثم فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان وأصله من الاتساع ومنه البر الذي هو خلاف البحر لاتساعه.
المسألة الخامسة: قال القفال: قد قيل في نزول هذه الآية أقوال، والذي عندنا أنه أشار إلى السفهاء الذين طعنوا في المسلمين وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب، والنصارى كانوا يستقبلون المشرق، فقال الله تعالى: إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب، بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور أحدها: الإيمان بالله وأهل الكتاب أخلوا بذلك، أما اليهود فقولهم: بالتجسيم ولقولهم: بأن عزيراً ابن الله، وأما النصارى، فقولهم: المسيح ابن الله، ولأن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل، على ما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: ﴿ قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء ﴾ .
وثانيها: الإيمان باليوم الآخر واليهود أخلوا بهذا الإيمان حيث قالوا: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ وقالوا: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ والنصارى أنكروا المعاد الجسماني، وكل ذلك تكذيب باليوم الآخر.
وثالثها: الإيمان بالملائكة، واليهود أخلوا ذلك حيث أظهروا عداوة جبرل عليه السلام.
ورابعها: الإيمان بكتب الله، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك، لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن كتاب الله ردوه ولم يقبلوه قال تعالى: ﴿ وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ .
وخامسها: الإيمان بالنبيين واليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء، على ما قال تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ﴾ وحيث طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
وسادسها: بذل الأموال على وفق أمر الله سبحانه واليهود وأخلوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل كما قال: ﴿ واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .
وسابعها: إقامة الصلوات والزكوات واليهود كانوا يمنعون الناس منها.
وثامنها: الوفاء بالعهد، واليهود نقضوا العهد حيث قال: ﴿ أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ وهاهنا سؤال: وهو أنه تعالى نفى أن يكون التوجه إلى القبلة براً ثم حكم بأن البر مجموع أمور أحدها الصلاة ولا بد فيها من استقبال فيلزم التناقض ولأجل هذا السؤال اختلف المفسرون على أقوال الأول: أن قوله: ﴿ لَّيْسَ البر ﴾ نفي لكمال البر وليس نفياً لأصله كأنه قال ليس البر كله هو هذا، البر اسم لمجموع الخصال الحميدة واستقبال القبلة واحد منها، فلا يكون ذلك تمام البر الثاني: أن يكون هذا نفياً لأصل كونه براً، لأن استقبالهم للمشرق والمغرب كان خطأ في وقت النفي حين ما نسخ الله تعالى ذلك، بل كان ذلك إثماً وفجوراً لأنه عمل بمنسوخ قد نهى الله عنه، وما يكون كذلك فإنه لا يعد في البر الثالث: أن استقبال القبلة لا يكون براً إذا لم يقارنه معرفة الله، وإنما يكون براً إذا أتي به مع الإيمان، وسائر الشرائط كما أن السجدة لا تكون من أفعال البر، إلا إذا أتي بها مع الإيمان بالله ورسوله، فأما إذا أتي بها بدون هذا الشرط، فإنها لا تكون من أفعال البر، روي أنه لما حولت القبلة كثر الخوض في نسخها وصار كأنه لا يراعي بطاعة الله إلا الإستقبال، فأنزل الله تعالى هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ ولكن البر مَنْ آمن بالله ﴾ فيه حذف وفي كفيته وجوه: أحدها: ولكن البر بر من آمن بالله، فحذف المضاف وهو كثير في الكلام كقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل ﴾ أي حب العجل، ويقولون: الجود حاتم والشعر زهير، والشجاعة عنترة، وهذا اختيار الفراء، والزجاج، وقطرب، قال أبو علي: ومثل هذه الآية قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ ثم قال: ﴿ كَمَنْ ءامَنَ ﴾ وتقديره، أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن ليقع التمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين، إذا لا يقع التمثيل بين مصدر وفاعل.
وثانيها: قال أبو عبيدة البر هاهنا بمعنى الباء كقوله: ﴿ والعاقبة للتقوى ﴾ أي للمتقين ومنه قوله: ﴿ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤكم غَوْرًا ﴾ أي غائراً، وقالت الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار *** أي مقبلة ومدبرة معاً.
وثالثها: أن معناه ولكن ذا البر فحذف كقولهم: هم درجات عند الله أي ذووا درجات عن الزجاج.
ورابعها: التقدير ولكن البر يحصل بالإيمان وكذا وكذا عن المفصل.
واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى مقصود الكلام فيكون معناه: ولكن البر الذي هو كل البر الذي يؤدي إلى الثواب العظيم بر من آمن بالله، وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن بقراءته لقرأت ﴿ ولكن البر ﴾ بفتح الباء، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ ولكن ﴾ مخففة ﴿ البر ﴾ بالرفع، والباقون ﴿ لَكِنِ ﴾ مشددة ﴿ البر ﴾ بالنصب.
المسألة السابعة: اعلم أن الله تعالى اعتبر في تحقق ماهية البر أموراً الأول: الإيمان بأمور خمسة أولها: الإيمان بالله، ولن يحصل العلم بالله إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلالة الدالة عليها فيدخل فيه العلم بحدوث العالم، والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم، ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوده وقدمه وبقائه، وكونه عالماً بكل المعلومات، قادراً على كل الممكنات حياً مريداً سمعياً بصيراً متكلماً، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية، ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثة الرسل.
وثانيها: الإيمان باليوم الآخر، وهذا الإيمان مفرع على الأول، لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ولم نعلم قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر والنشر.
وثالثها: الإيمان بالملائكة.
ورابعها: الإيمان بالكتب.
وخامسها: الإيمان بالرسل، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: إنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة ولا إلى العلم بصدق الكتب إلا بواسطة صدق الرسل، فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة الملائكة والكتب فلم قدم الملائكة والكتب في الذكر على الرسل؟.
الجواب: أن الأمل وإن كان كما ذكرتموه في عقولنا وأفكارنا، إلا أن ترتيب الوجود على العكس من ذلك، لأن الملك يوجد أولاً، ثم يحصل بواسطة تبليغة نزول الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول، فالمراعي في هذه الآية ترتيب الوجود الخارجي، لا ترتيب الاعتبار الذهني.
السؤال الثاني: لم خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة؟
الجواب: لأنه دخل تحتها كل ما يلزم أن صدق به، فقد دخل تحت الإيمان بالله: معرفته بتوحيده وعدله وحكمته، ودخل تحت اليوم الآخر: المعرفة بما يلزم من أحكام الثواب والعقاب والمعاد، إلى سائر ما يتصل بذلك، ودخل تحت الملائكة ما يتصل بأدائهم الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤديها إلينا إلى غير ذلك مما يجب أن يعلم من أحوال الملائكة، ودخل تحت الكتاب القرآن، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه، ودخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم، وصحة شرائعهم، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإيمان به إلا دخل تحت هذه الآية، وتقرير آخر: وهو أن للمكلف مبدأ ووسطاً ونهاية، ومعرفة المبدأ والمنتهي هو المقصود بالذات، وهو المراد بالإيمان بالله واليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي لا تتم إلا بأمور ثلاثة: الملائكة الآتين بالوحي، ونفس ذلك الوحي وهو الكتاب، والموحى إليه وهي الرسول؟
السؤال الثالث: لم قدم هذا الإيمان على أفعال الجوارح، وهو إيتاء المال، والصلاة، والزكاة.
الجواب: للتنبيه على أن أعمال القلوب أشرف عند الله من أعمال الجوارح، الأمر الثاني من الأمور المعتبرة في تحقق مسمى البر قوله: ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ على حُبّهِ ﴾ إلى ماذا يرجع؟
وذكروا فيه وجوهاً الأول: وهو قول الأكثرين أنه راجع إلى المال، والتقدير: وآتى المال على حب المال، قال ابن عباس وابن مسعود: وهو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وهذا التأويل يدل على أن الصدقة حال الصحة أفضل منها عند القرب من الموت، والعقل يدل على ذلك أيضاً من وجوه: أحدها: أن عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال وعند ظن قرب الموت يحصل ظن الاستغناء عن المال، وبذل الشيء عند الاحتياج إليه أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه على ما قال: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ .
وثانيها: أن إعطاءه حال الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد والوعيد من إعطاءه حال المرض والموت.
وثالثها: أن إعطاءه حال الصحة أشق، فيكون أكثر ثواباً قياساً على ما يبذله الفقير من جهد المقل فإنه يزيد ثوابه على ما يبذله الغني.
ورابعها: أن من كان ماله على شرف الزوال فوهبه من أحد مع العلم بأنه لو لم يهبه لضاع فإن هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم يكن خائفاً من ضياع المال ثم إنه وهبه منه طائعاً وراغباً فكذا هاهنا.
وخامسها: أنه متأيد بقوله تعالى: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ ﴾ أي على حب الطعام، وعن أبي الدرداء أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعدما شبع».
القول الثاني: أن الضمير يرجع إلى الإيتاء كأنه قيل: يعطي ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله.
القول الثالث: أن الضمير عائد على اسم الله تعالى، يعني يعطون المال على حب الله أي على طلب مرضاته.
المسألة الثانية: اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء فقال قوم: إنها الزكاة وهذا ضعيف وذلك لأنه تعالى عطف الزكاة عليه بقوله: ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ ومن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يتغايرا، فثبت أن المراد به غير الزكاة، ثم إنه لا يخلوا إما أن يكون من التطوعات أو من الواجبات، لا جائز أن يكون من التطوعات لأنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون ﴾ وقف التقوى عليه، ولو كان ذلك ندباً لما وقف التقوى عليه، فثبت أن هذا الإيتاء، وإن كان غير الزكاة إلا أنه من الواجبات ثم فيه قولان: القول الأول: أنه عبارة عن دفع الحاجات الضرورية مثل إطعام المضطر، ومما يدل على تحقق هذا الوجوب النص والمعقول، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام لايؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره طاو إلى جنبه وروي عن فاطمة بنت قيس: أن في المال حقاً سوى الزكاة، ثم تلت ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ وحكي عن الشعبي أنه سئل عمن له مال فأدى زكاته فهل عليه شيء سواه؟
فقال: نعم يصل القرابة، ويعطي السائل، ثم تلا هذه الآية، وأما العقل فإنه لا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة، وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهراً، فهذا يدل على أن هذا الإيتاء واجب، واحتج من طعن في هذا القول بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الزكاة نسخت كل حق.
والجواب: من وجوه: الأول: أنه معارض بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: في المال حقوق سوى الزكاة وقول الرسول أولى من قول علي الثاني: أجمعت الأمة على أنه إذا حضر المضطر فإنه يجب أن يدفع إليه ما يدفع الضرر، وإن كان قد أدى الزكاة بالكمال الثالث: المراد أن الزكاة نسخت الحقوق المقدرة، أما الذي لا يكون مقدراً فإنه غير منسوخ بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة، ويلزم النفقة على الأقارب، وعلى المملوك، وذلك غير مقدر، فإن قيل: هب أنه صح هذا التأويل لكن ما الحكمة في هذا الترتيب؟
قلنا فيه وجوه: أحدها: أنه تعالى قدم الأولى فالأولى لأن الفقير إذا كان قريباً فهو أولى بالصدقة من غيره من حيث أنه يكون ذلك جامعاً بين الصلة والصدقة، ولأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه وذلك يستحق به الإرث ويحجر بسببه على المالك في الوصية، حتى لا يتمكن من الوصية إلا في الثلث، ولذلك كانت الوصية للأقارب من الواجبات على ما قال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ الآية، وإن كانت تلك الوصية قد صارت منسوخة إلا عند بعضهم، فلهذه الوجوه قدم ذا القربى، ثم أتبعه تعالى باليتامى، لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب فهو منقطع الحيلة من كل الوجوه، ثم أتبعهم تعالى بذكر المساكين لأن الحاجة قد تشتد بهم، ثم ذكر ابن السبيل إذ قد تشتد حاجته عند اشتداد رغبته إلى أهله، ثم ذكر السائلين وفي الرقاب لأن حاجتهما دون حاجة من تقدم ذكره.
وثانيها: أن معرفة المرء بشدة حاجة هذه الفرق تقوى وتضعف، فرتب تعالى ذكر هذه الفرق على هذا الوجه لأن علمه بشدة حاجة من يقرب إليه أقرب، ثم بحاجة الأيتام، ثم بحاجة المساكين، ثم على هذا النسق.
وثالثها: أن ذا القربى مسكين، وله صفة زائدة تخصه لأن شدة الحاجة فيه تغمه وتؤذي قلبه، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير، فلذلك بدأ الله تعالى بذي القربى، ثم باليتامى، وأخر المساكين لأن الغم الحاصل بسبب عجز الصغار عن الطعام والشراب أشد من الغم الحاصل بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما فأما ابن السبيل فقد يكون غنياً، وقد تشتد حاجته في الوقت، والسائل قد يكون غنياً ويظهر شدة الحاجة وأخر المكاتب لأن إزالة الرق ليست في محل الحاجة الشديدة.
القول الثاني: أن المراد بإيتاء الماء ما روي أنه عليه الصلاة والسلام عند ذكره للإبل قال: إن فيها حقاً هو إطراق فحلها وإعارة ذلولها، وهذا بعيد لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختص به ابن السبيل والسائل والمكاتب.
القول الثالث: أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجباً، ثم إنه صار منسوخاً بالزكاة، وهذا أيضاً ضعيف لأنه تعالى جمع في هذه الآية بين هذا الإيتاء وبين الزكاة.
المسألة الثالثة: أما ذوو القربى فمن الناس من حمل ذلك على المذكور في آية النفل والغنيمة والأكثرون من المفسرين على ذوي القربى للمعطين، وهو الصحيح لأنهم به أخص، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى القربى ﴾ .
واعلم أن ذوي القربى هم الذين يقربون منه بولادة الأبوين أو بولادة الجدين، فلا وجه لقصر ذلك على ذوي الرحم المحرم على ما حكى عن قوم لأن المحرمية حكم شرعي أما القرابة فهي لفظة لغوية موضوعة للقرابة في النسب وإن كان من يختص بذلك يتفاضل ويتفاوت في القرب والبعد، أما اليتامى ففي الناس من حمله على ذوي اليتامى، قال: لأنه لا يحسن من المتصدق أن يدفع المال إلى اليتيم الذي لا يميز ولا يعرف وجوه منافعه، فإنه متى فعل ذلك يكون مخطئاً بل إذا كان اليتيم مراهقاً عارفاً بمواقع حظه، وتكون الصدقة من باب ما يؤكل ويلبس ولا يخفى على اليتيم وجه الانتفاع به جاز دفعها إليه، هذا كله على قول من قال: اليتيم هو الذي لا أب له مع الصغر، وعند أصحابنا هذا الإسم قد يقع على الصغير وعلى البالغ والحجة فيه قوله تعالى: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ ومعلوم أنهم لا يؤتون المال إلا إذا بلغوا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى: يتيم أبي طالب بعد بلوغه، فعلى هذا إن كان اليتيم بالغاً دفع المال إليه، وإلا فيدفع إلى وليه، وأما المساكين ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في سورة التوبة والذي نقوله هنا: إن المساكين أهل الحاجة، ثم هم ضربان منهم من يكف عن السؤال وهو المراد هاهنا، ومنهم من يسأل وينبسط وهو المراد بقوله: ﴿ والسائلين ﴾ وإنما فرق تعالى بينهما من حيث يظهر على المسكين المسكنة مما يظهر من حاله، وليس كذلك السائل لأنه بمسألته يعرف فقره وحاجته، وأما ابن السبيل فروي عن مجاهد أنه المسافر، وعن قتادة أنه الضيف لأنه إنما وصل إليك من السبيل، والأول أشبه لأن السبيل اسم للطريق وجعل المسافر ابناً له للزومه إياه كما يقال لطير الماء: ابن الماء ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون: ابن الأيام.
وللشجعان: بنو الحرب.
وللناس: بنو الزمان.
قال ذو الرمة: وردت عشاء والثريا كأنها *** على قمة الرأس ابن ماء محلق وأما قوله: ﴿ والسائلين ﴾ فعني به الطالبين، ومن جعل الآية في غير الزكاة أدخل في هذه الآية المسلم والكافر، روى الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال: للسائل حق حتى ولو جاء على فرس وقال تعالى: ﴿ فِى أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لَّلسَّائِلِ والمحروم ﴾ .
أما قوله: ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ ففيه مسألتان.
المسألة الأولى: ﴿ الرقاب ﴾ جمع الرقبة وهي مؤخر أصل العنق، واشتقاقها من المراقبة، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم، ولهذا المعنى يقال: أعتق الله رقبته ولا يقال أعتق الله عنقه، لأنه لما سميت رقبة كأنها تراقب العذاب، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها: رقوب، لأجل مراعاتها موت ولدها.
المسألة الثانية: معنى الآية: ويؤتي المال في عتق الرقاب، قال القفال: واختلف الناس في الرقاب المذكورين في آية الصدقات، فقال قائلون: إنه يدخل فيه من يشتريه فيعتقه، ومن يكون مكاتبها فيعينه على أداء كتابته، فهؤلاء أجازوا شراء الرقاب من الزكاة المفروضة، وقال قائلون: لا يجوز صرف الزكاة إلا في اعانة المكاتبين، فمن تأول هذه الآية على الزكاة المفروضة فحينئذ يبقى فيه ذلك الاختلاف، ومن حمل هذه الآية على غير الزكاة أجاز الأمرين فيها قطعاً، ومن الناس من حمل الآية على وجه ثالث وهو فداء الأسارى.
واعلم أن تمام الكلام في تفسير هذه الأصناف سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة التوبة في تفسير الصدقات.
الأمر الثالث: من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله: ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ وذلك قد تقدم ذكره.
الأمر الرابع: قوله تعالى: ﴿ والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في رفع والموفون قولان أحدها: أنه عطف على محل ﴿ من آمن ﴾ تقديره لكن البر المؤمنون والموفون، عن الفراء والأخفش الثاني: رفع على المدح على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهم الموفون.
المسألة الثانية: في المراد بهذا العهد قولان الأول: أن يكون المراد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم، وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده، والعمل بطاعته، فقبل العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء والكتب، وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا العهود والمواثيق وأمرهم بالوفاء بها فقال: ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ فكان المعنى في هذه الأية أن البر هو ما ذكر من الأعمال مع الوفاء بعهد الله، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق الله وما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه وقتلوهم وكذبوا بكتابه، واعترض القاضي على هذا القول وقال: إن قوله تعالى: ﴿ والموفون بِعَهْدِهِمْ ﴾ صريح في إضافة هذا العهد إليهم، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿ إِذَا عاهدوا ﴾ فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى.
الجواب عنه: أنه تعالى وإن ألزمهم هذه الأشياء لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك الإلزام والتزموه، فصح من هذا الوجه إضافة العهد إليهم.
القول الثاني: أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلف ابتداء من عند نفسه.
واعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله، أو بينه وبين رسول الله، أو بينه وبين سائر الناس أما الذي بينه وبين الله فهو ما يلزمه بالنذور والإيمان، وأما الذي بينه وبين رسول الله فهو الذي عاهد الرسول عليه عند البيعة من القيام بالنصرة والمظاهرة والمجاهدة وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وأما الذي بينه وبين سائر الناس فقد يكون ذلك من الواجبات مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم، وكذا الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن، وقد يكون ذلك من المندوبات مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في المناصرة، فقوله تعالى: ﴿ والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا ﴾ يتناول كل هذه الأقسام فلا معنى لقصر الآية على بعض هذه الأقسام دون البعض، وهذا الذي قلناه هو الذي عبر المفسرون فقالوا: هم الذين إذا واعدوا أنجزوا وإذا حلفوا ونذروا وفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا، ومنهم من حمله على قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ ﴾ الآية.
الأمر الخامس: من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله تعالى: ﴿ والصابرين فِي البأساء والضراء وَحِينَ البأس ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في نصب الصابرين أقوال: الأول: قال الكسائي هو معطوف على ﴿ ذَوِى القربى ﴾ كأنه قال: وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين: قال النحويون: إن تقدير الآية يصير هكذا: ولكن البر من آمن بالله وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين، فعلى هذا قوله: ﴿ والصابرين ﴾ من صلة من قوله: ﴿ والموفون ﴾ متقدم على قوله: ﴿ والصابرين ﴾ فهو عطف على ﴿ مِنْ ﴾ فحينئذ قد عطفت على الموصول قبل صلته شيئاً، وهذا غير جائز لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد، ومحال أن يوصف الاسم أو يؤكد أو يعطف عليه إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه، أما إن جعلت قوله: ﴿ والموفون ﴾ رفعاً على المدح، وقد عرفت أن هذا الفصل غير جائز، بل هذا أشنع لأن المدح جملة فإذا لم يجز الفصل بالمفرد فلأن لا يجوز بالجملة كان ذلك أولى.
فإن قيل: أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة كقول القائل: إن زيداً فافهم ما أقول رجل عالم، وكقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ ثم قال: ﴿ أولئك ﴾ ففصل بين المتبدأ والخبر بقوله: ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ قلنا: الموصول مع الصلة كالشيء الواحد فالتعلق الذي بينهما أشد من التعلق بين المبتدأ والخبر، فلا يلزم من جوازه الفصل بين المبتدأ والخبر جواز بين الموصول والصلة.
القول الثاني: قول الفراء: إنه نصب على المدح، وإن كان من صفة من، وإنما رفع الموفون ونصب الصابرين لطول الكلام بالمدح، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم إذا طال الكلام بالنسق في صفة الشيء الواحد، وأنشد الفراء: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم وقالوا فيمن قرأ: ﴿ حَمَّالَةَ الحطب ﴾ بنصب ﴿ حَمَّالَةَ ﴾ أنه نصب على الذم، قال أبو علي الفارسي: وإذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن تخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل، لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجهاً واحداً.، وجملة واحدة.
ثم اختلف الكوفيون والبصريون في أن المدح والذم لم صارا علتين لاختلاف الحركة؟
فقال الفراء: أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له: قام زيد فربما أثنى السامع على زيد، وقال ذكرت والله الظريف، ذكرت العاقل، أي هو والله الظريف هو العاقل، فأراد المتكلم أن يمدح بمثل ما مدحه به السامع، فجرى الإعراب على ذلك، وقال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى أعني الظريف، وأنكر الفراء ذلك لوجهين: الأول: أن أعني إنما يقع تفسيراً للاسم المجهول، والمدح يأتي بعد المعروف الثاني: أنه لو صح ما قاله الخليل لصح أن يقول: قام زيد أخاك، على معنى: أعني أخاك، وهذا مما لم تقله العرب أصلاً.
واعلم أن من الناس من قرأ ﴿ والموفين ﴾ ، ﴿ والصابرين ﴾ ومنهم من قرأ ﴿ والموفون ﴾ ، ﴿ والصابرون ﴾ .
أما قوله: ﴿ فِى البأساء ﴾ قال ابن عباس: يريد الفقر، وهو اسم من البؤس ﴿ والضراء ﴾ قال: يريد به المرض، وهما اسمان على فعلاء ولا أفعل لهما، لأنهما ليسا بنعتين ﴿ وَحِينَ البأس ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد القتال في سبيل الله والجهاد، ومعنى البأس في اللغة الشدة يقال: لا بأس عليك في هذا، أي لا شدة ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ شديد ثم تسمى الحرب بأساً لما فيها من الشدة والعذاب يسمى بأساً لشدته قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا ﴾ ﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا ﴾ أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم، وذكر الواحدي رحمه الله في آخر هذه الآية مسألة وهي أنه قال هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع، فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن تجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام به واحد منها لم يستحق الوصف بالبر، فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر في البأساء بل لا يكون قائماً بالبر، إلا عند استجماع هذه الخصال، ولذلك قال بعضهم: هذه الصفة خاصة للأنبياء عليهم السلام، لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها، وقال آخرون: هذه عامة في جميع المؤمنين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ البر ﴾ اسم للخير ولكل فعل مرضيّ ﴿ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ﴾ الخطاب لأهل الكتاب لأن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبل المشرق.
وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته، فردّ عليهم.
وقيل: ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ، ولكن البرّ ما نبينه.
وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة، فقيل: ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال.
وقرئ: ﴿ وليس البرّ ﴾ - بالنصب على أنه خبر مقدم- وقرأ عبد الله: ﴿ بأن تولوا ﴾ ، على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك: ليس المنطلق بزيد ﴿ ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ على تأويل حذف المضاف، أي برّ من آمن، أو بتأول البرّ بمعنى ذي البرّ، أو كما قالت.
فَإنمَا هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ وعن المبرّد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: (ولكنّ البرّ)، بفتح الباء.
وقرئ: ﴿ ولكن البارّ ﴾ .
وقرأ ابن عامر ونافع: (ولكنّ البر) بالتخفيف ﴿ والكتاب ﴾ جنس كتب الله، أو القرآن ﴿ على حُبّهِ ﴾ مع حب المال والشح به، كما قال ابن مسعود: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا.
وقيل: على حب الله.
وقيل: على حب الإيتاء، يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه.
وقدم ذوي القربى لأنهم أحق.
قال عليه الصلاة والسلام: «صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان لأنها صدقة وصلة» وقال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» .
وأطلق ﴿ ذَوِى القربى واليتامى ﴾ والمراد الفقراء منهم لعدم الإلباس.
والمسكين: الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالمسكير: للدائم السكر و ﴿ ابن * السبيل ﴾ المسافر المنقطع.
وجُعل ابناً للسبيل لملازمته له، كما يقال للص القاطع: ابن الطريق.
وقيل: هو الضيف، لأنّ السبيل يرعف به ﴿ والسائلين ﴾ المستطعمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه» ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم.
وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها.
وقيل في فك الأسارى.
فإن قلت: قد ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فهل دلّ ذلك على أنّ في المال حقاً سوى الزكاة؟
قلت: يحتمل ذلك.
وعن الشعبي: أنّ في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية.
ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة، أو يكون حثاً على نوافل الصدقات والمبارّ.
وفي الحديث: «نسخت الزكاة كلَّ صدقة» يعني وجوبها.
وروي: «ليس في المال حق سوى الزكاة» ﴿ والموفون ﴾ عطف على من آمن.
وأخرج ﴿ والصابرين ﴾ منصوباً على الاختصاص والمدح، وإظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال.
وقرئ: ﴿ والصابرون ﴾ .
وقرئ: ﴿ والموفين ﴾ ، ﴿ والصابرين ﴾ .
و ﴿ البأساء ﴾ الفقر والشدة ﴿ والضراء ﴾ المرض والزمانة ﴿ صَدَقُواْ ﴾ كانوا صادقين جادّين في الدين.
عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعطاء، وعكرمة، وهو مذهب مالك والشافعي رحمة الله عليهم: أنّ الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى، أخذاً بهذه الآية.
ويقولون: هي مفسرة لما أبهم في قوله: ﴿ النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 55] ولأنّ تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها.
وعن سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وقتادة، والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه: أنها منسوخة بقوله: ﴿ النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 55] والقصاص ثابت بين العبد والحرِّ، والذَّكر والأنثى.
ويستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» وبأنَّ التفاضل غير معتبر في الأنفس، بدليل أنّ جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به.
وروي: «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طَوْلٌ على الآخر، فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد منا، والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا» ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء ﴾ معناه: فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو.
على أنه كقولك: سير بزيد بعض السير، وطائفة من السير.
ولا يصحّ أن يكون شيء في معنى المفعول به، لأنّ (عفا) لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة وأخوه: هو وليّ المقتول، وقيل له أخوه، لأنه لابسه، من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به، كما تقول للرجل: قل لصاحبك كذا، لمن بينه وبينه أدنى ملابسة أو ذكره بلفظ الأخوة، ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام فإن قلت: إن عفى يتعدّى بعن لا باللام، فما وجه قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ ﴾ ؟
قلت: يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه.
قال الله تعالى: ﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ [التوبة: 43] وقال: ﴿ عَفَا الله عَنْهَا ﴾ [المائدة: 101] فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معاً قيل؛ عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه.
وعلى هذا ما في الآية، كأنه قيل: فمن عفى له عند جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية، فإن قلت؛ هلا فسرت عفى بترك حتى يكون شيء في معنى المفعول به؟
قلت: لأن عفا الشيء بمعنى تركه ليس بثبت.
ولكن أعفاه.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «واعفوا اللحى» فإن قلت: فقد ثبت قولهم: عفا أثره إذا محاه وأزاله، فهلا جعلت معناه: فمن محي له من أخيه شيء؟
قلت: عبارة قلقة في مكانها، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها، وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ- إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام الله- على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه، وهذه جرأة يستعاذ بالله منها.
فإن قلت؟: لم قيل: شيء من العفو؟
قلت: للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم.
أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم تجب إلا الدية ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾ فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع.
وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعاً.
يعني فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة.
وليؤدّ إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان، بأن لا يمطله ولا يبخسه ﴿ ذلك ﴾ ْالحكم المذكور من العفو والدية ﴿ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرّم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرّم القصاص والدية.
وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو، توسعة عليهم وتيسيراً ﴿ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك ﴾ التخفيف، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية.
فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة.
وعن قتادة: العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل منه دية، لقوله عليه السلام: «لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية» ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛ لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يُقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أيّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنّه إذا همّ بالقتل فعلم أنه يقتصّ فارتدع منه سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين.
وقرأ أبو الجوزاء: (ولكم في القصص حياة) أي فيما قص عليكم من حكم القتل القصاص وقيل القصص القرآن أي: (ولكم في القرآن حياة للقلوب): كقوله تعالى: ﴿ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52] ، ﴿ وَيُحْىِ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42] .
﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به.
وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ﴾ البِرُّ كُلُّ فِعْلٍ مُرْضٍ، والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم أكْثَرُوا الخَوْضَ في أمْرِ القِبْلَةِ حِينَ حُوِّلَتْ، وادَّعى كُلُّ طائِفَةٍ أنَّ البِرَّ هو التَّوَجُّهُ إلى قِبْلَتِهِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وقالَ لَيْسَ البِرَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ مَنسُوخٌ، ولَكِنَّ البِرَّ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ واتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ.
وقِيلَ عامٌّ لَهم ولِلْمُسْلِمِينَ، أيْ لَيْسَ البِرُّ مَقْصُورًا بِأمْرِ القِبْلَةِ، أوْ لَيْسَ البِرَّ العَظِيمَ الَّذِي يَحْسُنُ أنْ تُذْهِلُوا بِشَأْنِهِ عَنْ غَيْرِهِ أمْرَها، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ البِرَّ بِالنَّصْبِ ﴿ وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ ﴾ أيْ ولَكِنَّ البِرَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُهْتَمَّ بِهِ بِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، أوْ لَكِنَّ ذا البَرِّ مَن آمَنَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ولَكِنَّ « البارَّ» .
والأوَّلُ أوْفَقُ وأحْسَنُ.
والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ، أوِ القُرْآنُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ولَكِنْ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ البِرِّ.
﴿ وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ﴾ أيْ عَلى حُبِّ المالِ، «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا سُئِلَ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ قالَ « أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ العَيْشَ، وتَخْشى الفَقْرَ» .
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ، أوْ لِلْمَصْدَرِ.
والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿ ذَوِي القُرْبى واليَتامى ﴾ يُرِيدُ المَحاوِيجَ مِنهُمْ، ولَمْ يُقَيِّدْ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.
وقَدَّمَ ذَوِي القُرْبى لِأنَّ إيتاءَهم أفْضَلً كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «صَدَقَتُكَ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ وعَلى ذَوِي رَحِمِكَ اثْنَتانِ، صَدَقَةٌ وصِلَةٌ» .
﴿ والمَساكِينَ ﴾ جَمْعُ المِسْكِينِ وهو الَّذِي أسْكَنَتْهُ الخَلَّةُ، وأصْلُهُ دائِمُ السُّكُونِ كالمِسْكِيرِ لِلدّائِمِ السُّكْرِ.
﴿ وابْنَ السَّبِيلِ ﴾ المُسافِرُ، سُمِّيَ بِهِ لِمُلازَمَتِهِ السَّبِيلَ كَما سُمِّيَ القاطِعُ ابْنَ الطَّرِيقِ.
وقِيلَ الضَّيْفَ لِأنَّ السَّبِيلَ يُرْعَفُ بِهِ.
﴿ والسّائِلِينَ ﴾ الَّذِينَ ألْجَأتْهُمُ الحاجَةُ إلى السُّؤالِ، وَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ «لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسِهِ» .
﴿ وَفِي الرِّقابِ ﴾ وفي تَخْلِيصِها بِمُعاوَنَةِ المُكاتَبِينَ، أوْ فَكِّ الأُسارى، أوِ ابْتِياعِ الرِّقابِ لِعِتْقِها.
﴿ وَأقامَ الصَّلاةَ ﴾ المَفْرُوضَةَ.
﴿ وَآتى الزَّكاةَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ وَآتى المالَ ﴾ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، ولَكِنَّ الغَرَضَ مِنَ الأوَّلِ بَيانُ مَصارِفِها، ومِنَ الثّانِي أداؤُها والحَثُّ عَلَيْها.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ نَوافِلَ الصَّدَقاتِ أوْ حُقُوقًا كانَتْ في المالِ سِوى الزَّكاةِ.
وَفِي الحَدِيثِ «نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ» .
﴿ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ مَن آمَنَ ﴾ .
﴿ والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴾ نَصَبَهُ عَلى المَدْحِ ولَمْ يَعْطِفْ لِفَضْلِ الصَّبْرِ عَلى سائِرِ الأعْمالِ.
وعَنِ الأزْهَرِيِّ: البَأْساءُ في الأمْوالِ كالفَقْرِ، والضَّرّاءُ في الأنْفُسِ كالمَرَضِ.
﴿ وَحِينَ البَأْسِ ﴾ وقْتَ مُجاهَدَةِ العَدُوِّ.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ في الدِّينِ واتِّباعِ الحَقِّ وطَلَبِ البِرِّ.
﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ عَنِ الكُفْرِ وسائِرِ الرَّذائِلِ.
والآيَةُ كَما تَرى جامِعَةٌ لِلْكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ بِأسْرِها دالَّةٌ عَلَيْها صَرِيحًا أوْ ضِمْنًا، فَإنَّها بِكَثْرَتِها وتَشَعُّبِها مُنْحَصِرَةٌ في ثَلاثَةِ أشْياءَ: صِحَّةِ الِاعْتِقادِ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، وتَهْذِيبِ النَّفْسِ.
وقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ إلى ﴿ والنَّبِيِّينَ ﴾ .
وإلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿ وَآتى المالَ ﴾ إلى ﴿ وَفِي الرِّقابِ ﴾ وإلى الثّالِثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأقامَ الصَّلاةَ ﴾ إلى آخِرِها ولِذَلِكَ وُصِفَ المُسْتَجْمِعُ لَها بِالصِّدْقِ نَظَرًا إلى إيمانِهِ واعْتِقادِهِ بِالتَّقْوى، اعْتِبارًا بِمُعاشَرَتِهِ لِلْخَلْقِ ومُعامَلَتِهِ مَعَ الحَقِّ.
وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن عَمِلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ» <div class="verse-tafsir"
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
{لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ} أي ليس البر توليتكم {وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب} والخطاب لأهل الكتاب لأن قبلة النصارى مشرق بيت المقدس وقبلة اليهود مغربه وكل واحد من الفريقين يزعم أن البر التوجه إلى قبلته فرد عليهم بأن البر ليس فيما أنتم عليه فإنه منسوخ {ولكن البر} بر {من آمن بالله} أو ذا البر من آمن والقولان على حذف المضاف والأول أجود والبر اسم للخير ولكل فعل مرضي وقيل كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة ولكن البر الذي يجب الاهتمام به بر من آمن وقام بهذه الأعمال ليس البر بالنصب على أنه خبر ليس واسمه أن تولوا حمزة وحفص ولكن البر نافع وشامي وعن المبرد لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر وقرئ ولكن البار {واليوم الآخر} أي يوم البعث {والملائكة والكتاب} أي جنس كتب الله أو القرآن {والنبيين وآتى المال على حُبِّهِ} أي على حب الله أو حب المال أو حب الإيتاء يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه {ذَوِى القربى} أي القرابة وقدمهم لأنهم أحق قال عليه الصلاة والسلام صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك صدقة
وصلة {واليتامى} والمراد الفقراء من ذوي القربى واليتامى وإنما أطلق لعدم الإلباس {والمساكين} المسكين الدائم السكون إلى الناس لأنه لا شيء له كالسكير للدائم السكر {وابن السبيل} المسافر المنقطع وهو جنس وإن كان مفرداً لفظاً وجعل ابناً للسبيل لملازمته له أو الضيف {والسائلين} المستطعمين {وَفِي الرقاب} وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم أو فى فك الأسارى {وأقام الصلاة} المكتوبة {وآتى الزكاة} المفروضة قيل هو تأكيد للأول وقيل المراد بالأول نوافل الصدقات والمبار {والموفون} عطف على من آمن {بعهدهم إذا عاهدوا} الله أو الناس
البقرة (١٧٧ _ ١٧٨)
{والصابرين} نصب على المدح والاختصاص أظهار الفضل في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال {فِى البأساء} الفقر والشدة {والضراء} المرض والزمانة {وَحِينَ البأس} وقت القتال {أولئك الذين صَدَقُوا} أي أهل هذه الصفة هم الذين صدقوا في الدين {وأولئك هُمُ المتقون}
﴿ لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ﴾ (البِرُّ ) اسْمٌ جامِعٌ لِأنْواعِ الخَيْرِ والطّاعاتِ المُقَرِّبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى - والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ - والمُرادُ مِن ﴿ قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ﴾ السِّمَتانِ المُعَيَّنانِ، فَإنَّ اليَهُودَ تُصَلِّي قِبَلَ المَغْرِبِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مِن أُفُقِ مَكَّةَ، والنَّصارى قِبَلَ المَشْرِقِ، والآيَةُ نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ؛ حَيْثُ أكْثَرُوا الخَوْضَ في أمْرِ القِبْلَةِ، وادَّعى كُلُّ طائِفَةٍ حَصْرَ ( البِرِّ ) عَلى قِبْلَتِهِ رَدًّا عَلى الآخَرِ، فَرَدَّ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِنَفْيِ جِنْسِ ( البِرِّ ) عَنْ قِبْلَتِهِمْ؛ لِأنَّها مَنسُوخَةٌ، فَتَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ لِإفادَةِ عُمُومِ النَّفْيِ - لا لِلْقَصْرِ - إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ نَفْيَ القَصْرِ أوْ قَصْرَ النَّفْيِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ عامًّا لَهم ولِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ، فَإنَّ الكَلامَ في أمْرِ القِبْلَةِ وطَعْنِهِمْ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ كانَ أساسُ الكَلامِ إلى هَذا القَطْعِ، فَجُعِلَ خاتِمَةً كُلِّيَّةً أجْمَلَ فِيها ما فُصِّلَ.
والمُرادُ مِن ذِكْرِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ التَّعْمِيمُ - لا تَعْيِينُ السِّمَتَيْنِ - وتَعْرِيفُ البَرّ حِينَئِذٍ إمّا لِلْجِنْسِ فَيُفِيدُ القَصْرَ، والمَقْصُودُ نَفْيُ اخْتِصاصِ البَرّ بِشَأْنِ القِبْلَةِ مُطْلَقًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحالُ مِن كَثْرَةِ الِاشْتِغالِ والِاهْتِمامِ بِذَلِكَ والذُّهُولِ عَمّا سِواهُ، وإمّا لِلْعَهْدِ؛ أيْ: ﴿ لَيْسَ البِرَّ ﴾ العَظِيمَ الَّذِي أكْثَرْتُمُ الخَوْضَ فِيهِ وذَهَلْتُمْ عَمّا سِواهُ ذَلِكَ، وقَدَّمَ ( المَشْرِقَ ) عَلى ( المَغْرِبِ ) مَعَ تَأخُّرِ زَمانِ المِلَّةِ النَّصْرانِيَّةِ رِعايَةً لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّرْتِيبِ المُتَفَرِّعِ عَلى تَرْتِيبِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ ( البِرَّ ) بِالنَّصْبِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ الأُولى أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُقَدَّمًا، كَما في قَوْلِهِ: سَلِي إنْ جَهِلَتِ النّاسُ عَنّا وعَنْهُ مُفَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ أعْرَفُ مِنَ المُحَلّى بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الضَّمِيرَ مِن حَيْثُ أنَّهُ لا يُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِهِ، والأعْرَفُ أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ، ولِأنَّ في الِاسْمِ طَوْلًا، فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ المَعْهُودُ لَفاتَ تَجاوُبُ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، ووَجْهُ الثّانِيَةِ أنَّ في كُلِّ فَرِيقٍ يَدَّعِي أنَّ البِرَّ هَذا، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مُوافِقًا لِدَعْواهُمْ، وما ذَلِكَ إلّا بِكَوْنِ البِرِّ اسْمًا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ جَعْلُهُ مُخْبَرًا عَنْهُ في الِاسْتِدْراكِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ( لَيْسَ البِرَّ ) بِالنَّصْبِ، بِأنْ تُوَلُّوا بِالباءِ ﴿ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ بَعْدَ بَيانِ بُطْلانِ الباطِلِ، و( ال ) في ( البِرِّ ) إمّا لِلْجِنْسِ فَيَكُونُ القَصْرُ ادِّعائِيًّا لِكَمالِ ذَلِكَ الجِنْسِ في هَذا الفَرْدِ، وإمّا لِلْعَهْدِ؛ أيْ: ما يَنْبَغِي أنْ يُهْتَمَّ بِهِ ويُعْتَنى بِشَأْنِهِ ويُجَدُّ في تَحْصِيلِهِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ( بِرُّ مَن آمَنَ )؛ إذْ لا يُخْبَرُ بِالجُثَّةِ عَنِ المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ لا يُرْتَكَبَ الحَذْفُ ويُجْعَلَ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أوْ يُقالُ بِإطْلاقِ ( البِرِّ ) عَلى البارِّ مُبالَغَةً، والأوَّلُ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ البِرَّ ﴾ وأحْسَنُ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ كَنَزْعِ الخُفِّ عِنْدَ الوُصُولِ إلى الماءِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِن كَوْنِ ذِي البِرِّ مَن آمَنَ إفادَةُ أنَّ البِرَّ إيمانُهُ، فَيَئُولُ إلى الأوَّلِ، والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ إيمانٌ خالٍ عَنْ شائِبَةِ الإشْراكِ لا كَإيمانِ اليَهُودِ والنَّصارى، القائِلِينَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ( ولَكِنْ ) بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ بَعْضُهُمُ ( البارَّ ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ.
﴿ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيِ: المَعادُ الَّذِي يَقُولُ بِهِ المُسْلِمُونَ وما يَتْبَعُهُ عِنْدَهُمْ، ﴿ والمَلائِكَةِ ﴾ أيْ: وآمَنَ بِهِمْ وصَدَّقَ بِأنَّهم عِبادٌ مُكَرَّمُونَ لا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ ولا أُنُوثَةٍ، ومِنهُمُ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَهُ - تَعالى - وبَيْنَ أنْبِيائِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِإلْقاءِ الوَحْيِ وإنْزالِ الكُتُبِ، ﴿ والكِتابِ ﴾ أيْ: جِنْسِهِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّ البِرَّ الإيمانُ بِجَمِيعِها، وهو الظّاهِرُ المُوافِقُ لِقَرِينِهِ، ولِما ورَدَ في الحَدِيثِ: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ”،» أوِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالدَّعْوَةِ والكامِلُ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أنْ يُسَمّى كِتابًا، والإيمانُ بِهِ الإيمانُ بِجَمِيعِ الكُتُبِ؛ لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وقِيلَ: التَّوْراةُ، ويُبْعِدُهُ عَدَمُ ظُهُورِ القَرِينَةِ المُخَصِّصَةِ لَها، وأنَّ الإيمانَ بِها لا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِالجَمِيعِ إلّا بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِهِ الإيمانَ بِالقُرْآنِ، والإيمانُ بِالكُتُبِ أنْ يُؤْمِنَ بِأنَّها كَلامُ الرَّبِّ - جَلَّ شَأْنُهُ - مُنَزَّهَةً عَنِ الحُدُوثِ مُنَزَّلَةً عَلى ذَوِيها ظاهِرَةً لَدَيْهِمْ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ مِنَ اللُّغاتِ، ﴿ والنَّبِيِّينَ ﴾ أيْ: جَمِيعِهِمْ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابَيْنِ، والإيمانُ بِهِمْ أنْ يُصَدَّقَ بِأنَّهم مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ وأنَّهم أشْرَفُ النّاسِ حَسَبًا ونَسَبًا، وأنْ لَيْسَ فِيهِمْ وصْمَةٌ ولا عَيْبٌ مُنَفِّرٌ، ويُعْتَقَدَ أنَّ سَيِّدَهم وخاتَمَهم مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنَّ شَرِيعَتَهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، والتَّمَسُّكُ بِها لازِمٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( آتى ) والضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِلْمالِ؛ أيْ: أعْطى المالَ كائِنًا عَلى حُبِّ المالِ، والتَّقْيِيدُ لِبَيانِ أفْضَلِ أنْواعِ الصَّدَقَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“أفْضَلُ الصَّدَقَةِ أنْ تَصَّدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ، تَأمُلُ البَقاءَ وتَخْشى الفَقْرَ، ولا تُمْهِلْ حَتّى إذا بَلَغَتْ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا لِفُلانٍ كَذا، ألا وقَدْ كانَ لِفُلانٍ”؛» وفي هَذا إيذانٌ بِأنَّ دَرَجاتِ الثَّوابِ تَتَفاوَتُ حَسَبَ تَفاوُتِ المَراتِبِ في الحُبِّ، حَتّى إنَّ صَدَقَةَ الفَقِيرِ والبَخِيلِ أفْضَلُ مِن صَدَقَةِ الغَنِيِّ والكَرِيمِ، إلّا أنْ يَكُونا أحَبَّ لِلْمالِ مِنهُما، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «“أفْضَلُ الأعْمالِ أحَمَزُها”،» وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلَّهِ - تَعالى - أوْ لِلْمَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، والتَّقْيِيدُ حِينَئِذٍ لِلتَّكْمِيلِ، وبَيانُ اعْتِبارِ الإخْلاصِ أوْ طِيبِ النَّفْسِ في الصَّدَقَةِ ودَفْعُ كَوْنِ إيتاءِ المالِ مُطْلَقًا بِرًّا، والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ، ولَعَلَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿ ذَوِي القُرْبى ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ (آتى) قُدِّمَ عَلَيْهِ مَفْعُولُهُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ، أوْ لِأنَّ فِيهِ مَعَ ( ما ) عَطْفٌ عَلَيْهِ طَوْلًا لَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ لَفاتَ تَجاوُبُ الأطْرافِ، وهو الَّذِي اقْتَضى تَقْدِيمَ الحالِ أيْضًا، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الثّانِي، والمُرادُ بِـ ﴿ ذَوِي القُرْبى ﴾ ذَوُو قَرابَةِ المُعْطِي، لَكِنِ المَحاوِيجُ مِنهم لا مُطْلَقًا لِدَلالَةِ سَوْقِ الكَلامِ، وعَدَّ مَصارِفَ الزَّكاةِ عَلى أنَّ المُرادَ الخَيْرُ والصَّدَقَةُ، وإيتاءُ الأغْنِياءِ هِبَةٌ لا صَدَقَةٌ، وقَدَّمَ هَذا الصِّنْفَ؛ لِأنَّ ( إيتاءَهم ) أهَمُّ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «“أفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلى ذِي الرَّحِمِ الكاشِحِ”،» وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَلْمانَ بْنِ عامِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“الصَّدَقَةُ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعَلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتانِ؛ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ”».
﴿ واليَتامى ﴾ : عَطْفٌ عَلى ﴿ ذَوِي القُرْبى ﴾ وقِيلَ: عَلى القُرْبى؛ إذْ لا يَصِحُّ إيصالُ المالِ إلى مَن لا يَعْقِلُ، فالمُعْطِي حِينَئِذٍ كافِلُهم لِأجْلِهِمْ، وفِيهِ ما لا يَخْفى.
﴿ والمَساكِينَ ﴾ : جَمْعُ ( مِسْكِينٍ ) وهو الدّائِمُ السُّكُونِ لِما أنَّ الحاجَةَ أسْكَنَتْهُ بِحَيْثُ لا حِراكَ بِهِ، أوْ دائِمُ السُّكُونِ والِالتِجاءِ إلى النّاسِ، وتَخْصِيصُهُ بِمَن لا شَيْءَ لَهُ أوْ بِمَن لا يَمْلِكُ ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن حاجَتِهِ خارِجٌ عَنْ مَفْهُومِهِ.
﴿ وابْنَ السَّبِيلِ ﴾ أيِ: المُسافِرِ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُلازَمَتِهِ الطَّرِيقَ في السَّفَرِ، أوْ لِأنَّ الطَّرِيقَ تُبْرِزُهُ، فَكَأنَّها ولَدَتْهُ، وكَأنَّ إفْرادَهُ لِانْفِرادِهِ عَنْ أحْبابِهِ ووَطَنِهِ وأصْحابِهِ، فَهو أبَدًا يَتُوقُ إلى الجَمْعِ، ويَشْتاقُ إلى الرَّبْعِ، والكَرِيمُ يَحِنُّ إلى وطَنِهِ حَنِينَ الشّارِفِ إلى عَطَنِهِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أبْناءِ السَّبِيلِ، والمُعْطِي تَعارَفَ غالِبًا يُهَوِّنُ أمْرَ الإعْطاءِ، ويُرَغِّبُ فِيهِ أفْرادَهم لِيُهَوِّنَ أمْرَ إعْطائِهِمْ، ولِيُشِيرَ إلى أنَّهم وإنْ كانُوا جَمْعًا يَنْبَغِي أنْ يُعْتَبَرُوا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، فَلا يَضْجَرُ مِن إعْطائِهِمْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ وبُعْدِ مَنفَعَتِهِمْ فَلْيُفْهَمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ الضَّيْفُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ والسّائِلِينَ؛ أيِ الطّالِبِينَ لِلطَّعامِ سَواءٌ كانُوا أغْنِياءَ إلّا أنَّ ما عِنْدَهم لا يَكْفِي لِحاجَتِهِمْ، أوْ فُقَراءً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“لِلسّائِلِ حَقٌّ، وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ”،» فَإنَّ الجائِيَ عَلى فَرَسٍ يَكُونُ في الغالِبِ غَنِيًّا، وقِيلَ: أرادَ المَساكِينَ الَّذِينَ يَسْألُونَ فَتُعْرَفُ حالُهم بِسُؤالِهِمْ، ﴿ والمَساكِينَ ﴾ السّابِقُ ذِكْرُهُمُ الَّذِينَ لا يَسْألُونَ وتُعْرَفُ حاجَتُهم بِحالِهِمْ، وإنْ كانَ ظاهِرُهُمُ الغِنى وعَلَيْهِ يَكُونُ التَّقْيِيدُ في الحَدِيثِ لِتَأْكِيدِ رِعايَةِ حَقِّ السّائِلِ وتَحْقِيقِ أنَّ السُّؤالَ سَبَبٌ لِلِاسْتِحْقاقِ، وإنْ فُرِضَ وجُودُهُ مِنَ الغِنى كالقَرابَةِ واليُتْمِ.
﴿ وفِي الرِّقابِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ آتِى أيْ: آتى المالَ في تَخْلِيصِ الرِّقابِ وفِكاكِها بِمُعاوَنَةِ المُكاتِبِينَ، أوْ فَكِّ الأُسارى، أوِ ابْتِياعِ الرِّقابِ لِعِتْقِها، و( الرَّقَبَةُ ) مَجازٌ عَنِ الشَّخْصِ، وإيرادُ كَلِمَةِ ( في ) لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُعْطى لِهَؤُلاءِ مَصْرُوفٌ في تَخْلِيصِهِمْ لا يَمْلِكُونَهُ كَما في المَصارِفِ الأُخَرَ، ﴿ وأقامَ الصَّلاةَ ﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ مَن والمُرادُ بِالصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ كالزَّكاةِ في ﴿ وآتى الزَّكاةَ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِما مَرَّ مِن إيتاءِ المالِ نَوافِلُ الصَّدَقاتِ، وقُدِّمَتْ عَلى الفَرِيضَةِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلَيْها، أوْ حُقُوقٌ كانَتْ في المالِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ سِوى الزَّكاةِ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - نَحْوَ ذَلِكَ، واخْتُلِفَ هَلْ بَقِيَ هَذا الحَقُّ أمْ لا؟
فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى الثّانِي، واسْتَدَلُّوا بِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا -: «نَسَخَ الأضْحى كُلَّ ذَبْحٍ، ورَمَضانُ كُلَّ صَوْمٍ، وغُسْلُ الجَنابة كُلَّ غُسْلٍ، والزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ”».
وقالَ جَماعَةٌ بِالأوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «“لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ مَن باتَ شَبِعًا وجارُهُ طاوٍ إلى جَنْبِهِ» ولِلْإجْماعِ عَلى أنَّهُ إذا انْتَهَتِ الحاجَةُ إلى الضَّرُورَةِ وجَبَ عَلى النّاسِ أنْ يُعْطُوا مِقْدارَ دَفْعِ الضَّرُورَةِ وإنْ لَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، ولَوِ امْتَنَعُوا عَنِ الأداءِ جازَ الأخْذُ مِنهُمْ، وأجابُوا عَنِ الحَدِيثِ بِأنَّهُ غَرِيبٌ مُعارَضٌ، وفي إسْنادِهِ المُسَيِّبُ بْنُ شُرَيْكٍ - وهو لَيْسَ بِالقَوِيِّ عِنْدَهم - وبِأنَّ المُرادَ أنَّ الزَّكاةَ نَسَخَتْ كُلَّ صَدَقَةٍ مُقْدَّرَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِما مَرَّ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ أيْضًا ولا تَكْرارَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُ مَصارِفِها، ومِن هَذا بَيانُ أدائِها والحَثُّ عَلَيْها، وتَرَكَ ذِكْرَ بَعْضِ المَصارِفِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ أبْوابِ الخَيْرِ دُونَ الحَصْرِ، وقَدَّمَ بَيانَ المَصْرِفِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، فَإنَّ الصَّدَقَةَ إنَّما تُعْتَبَرُ إذا كانَتْ في مَصْرِفِها ومَحَلِّها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ وعَلى هَذا يَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ بِالسّائِلِينَ الفُقَراءُ ﴿ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَن آمَنَ ) ولَمْ يَقُلْ: ( وأوْفى ) كَما قَبْلَهُ إشارَةً إلى وُجُوبِ اسْتِقْرارِ الوَفاءِ، وقِيلَ: رَمْزًا إلى أنَّهُ أمْرٌ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ، وقِيلَ: إيذانًا بِمُغايَرَتِهِ لِما سَبَقَ، فَإنَّهُ مِن حُقُوقِ اللَّهِ - تَعالى - والسّابِقُ مِن حُقُوقِ النّاسِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالعَهْدِ ما لا يُحَلِّلُ حَرامًا ولا يُحَرِّمُ حَلالًا مِنَ العُهُودِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ النّاسِ، والظّاهِرُ حَمْلُ العَهْدِ عَلى ما يَشْمَلُ حُقُوقَ الحَقِّ وحُقُوقَ الخَلْقِ، وحَذْفُ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ، والتَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَتَأخَّرُ إيفاؤُهم بِالعَهْدِ عَنْ وقْتِ المُعاهَدَةِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى عَدَمِ كَوْنِ العَهْدِ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ، ولَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ كَما قِيلَ بِهِ.
﴿ والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، بِتَقْدِيرِ ( أخُصُّ أوْ أمْدَحُ ) وغُيِّرَ سَبْكُهُ عَمّا قَبْلَهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ ومَزِيَّتِهِ عَلى سائِرِ الأعْمالِ، حَتّى كَأنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، ومَجِيءُ القَطْعِ في العَطْفِ مِمّا أثْبَتَهُ الأئِمَّةُ الأعْلامُ، ووَقَعَ في الكِتابِ أيْضًا واسْتَحْسَنَهُ الأجِلَّةُ، وجَعَلُوهُ أبْلَغَ مِنَ الإتْباعِ، وقَدْ جاءَ في النَّكِرَةِ أيْضًا كَقَوْلِ الهُذَلِيِّ: ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلْ ∗∗∗ وشُعْثًا مَراضِيعَ مِثْلَ السَّعالِي والبَأْساء البُؤْسِ والفَقْرِ، والضَّرّاء السُّقْمِ والوَجَعِ، وهُما مَصْدَرانِ بُنِيا عَلى ( فَعْلاءَ )، ولَيْسَ لَهُما أفْعَلُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ وفَعْلاءَ في الصِّفاتِ والنُّعُوتِ، ولَمْ يَأْتِيا في الأسْماءِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنُعُوتٍ، وقُرِئَ: ( والصّابِرُونَ ) كَما قُرِئَ: ( والمُوفِينَ ).
﴿ وحِينَ البَأْسِ ﴾ أيْ: وقْتَ القِتالِ وجِهادِ العَدُوِّ، وهَذا مِن بابِ التَّرَقِّي في الصَّبْرِ مِنَ الشَّدِيدِ إلى الأشَدِّ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ عَلى المَرَضِ فَوْقَ الصَّبْرِ عَلى الفَقْرِ، والصَّبْرَ عَلى القِتالِ فَوْقَ الصَّبْرِ عَلى المَرَضِ، وعَدّى الصَّبْرَ عَلى الأوَّلَيْنِ بِـ ( في )؛ لِأنَّهُ يُعَدُّ الإنْسانُ مِنَ المَمْدُوحِينَ إذا صَبَرَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا إذا صارَ الفَقْرُ والمَرَضُ كالظَّرْفِ لَهُ، وأمّا إذا أصاباهُ وقْتًا ما وصَبَرَ فَلَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ كَثِيرٌ؛ إذْ أكْثَرُ النّاسِ كَذَلِكَ، وأتى بِـ ( حِينَ ) في الأخِيرِ؛ لِأنَّ القِتالَ حالَةٌ لا تَكادُ تَدُومُ في أغْلَبِ الأوْقاتِ.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ في إيمانِهِمْ أوْ طَلَبِ البِرِّ.
﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ 177﴾: عَذابَ اللَّهِ - تَعالى - بِتَجَنُّبِ مَعاصِيهِ وامْتِثالِ أوامِرِهِ، وأتى بِخَبَرِ ( أُولَئِكَ ) الأُولى مَوْصُولًا بِفِعْلٍ ماضٍ؛ إيذانًا بِتَحَقُّقِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وإنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ مِنهم واسْتَقَرَّ، وغايَرَ في خَبَرِ الثّانِيَةِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَجَدِّدٍ، بَلْ صارَ كالسَّجِيَّةِ لَهُمْ، وأيْضًا لَوْ أتى بِهِ عَلى طِبْقِ سابِقِهِ لَما حَسُنَ وُقُوعُهُ فاصِلَةً، هَذا والآيَةُ كَما تَرى مُشْتَمِلَةٌ عَلى خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً، وتَرْجِعُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ فالخَمْسَةُ الأُولى مِنها تَتَعَلَّقُ بِالكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ صِحَّةِ الِاعْتِقادِ، وآخِرُها قَوْلُهُ: ﴿ والنَّبِيِّينَ ﴾ وافْتَتَحَها بِالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّهُما إشارَةٌ إلى المَبْدَأِ والمَعادِ اللَّذَيْنِ هُما المَشْرِقُ والمَغْرِبُ في الحَقِيقَةِ، فَيَلْتَئِمُ مَعَ ما نَفاهُ أوَّلًا غايَةَ الِالتِئامِ، والسِّتَّةُ الَّتِي بَعْدَها تَتَعَلَّقُ بِالكَمالاتِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ حُسْنِ مُعاشَرَةِ العِبادِ وأوَّلُها ﴿ وآتى المالَ ﴾ وآخِرُها ﴿ وفِي الرِّقابِ ﴾ والأرْبَعَةُ الأخِيرَةُ تَتَعَلَّقُ بِالكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ تَهْذِيبِ النَّفْسِ وأوَّلُها ﴿ وأقامَ الصَّلاةَ ﴾ وآخِرُها ﴿ وحِينَ البَأْسِ ﴾ ولَعَمْرِي مَن عَمِلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ، ونالَ أقْصى مَراتِبِ الإيقانِ.
ومِن بابِ التَّأْوِيلِ: ﴿ لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ ﴾ مَشْرِقِ عالَمِ الأرْواحِ ومَغْرِبِ عالَمِ الأجْسادِ، فَإنَّ ذَلِكَ تَقَيُّدٌ واحْتِجابٌ، ﴿ ولَكِنَّ البِرَّ ﴾ بِرُّ المُوَحِّدِ الَّذِي آمَنَ بِاللَّهِ والمَعادِ في مَقامِ الجَمْعِ، وشاهَدَ الجَمْعَ في تَفاصِيلِ الكَثْرَةِ، ولَمْ يَحْتَجِبْ بِالجَمْعِ عَنِ التَّفْصِيلِ الَّذِي هو باطِنُ عالَمِ المَلائِكَةِ وظاهِرُ عالَمِ النَّبِيِّينَ، والكِتابُ الجامِعُ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، (وآتى) العِلْمَ الَّذِي هو مالُ القَلْبِ، مَعَ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا ( ذَوِي قُرْبى ) القُوى الرُّوحانِيَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ، ( ويَتامى ) القُوى النَّفْسانِيَّةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ الأبِ الحَقِيقِيِّ، وهو نُورُ الرُّوحِ، ( ومَساكِينِ ) القُوى الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ دائِمَةَ السُّكُونِ إلى تُرابِ البَدَنِ، ( وأبْناءِ السَّبِيلِ ) السّالِكِينَ إلى مَنازِلِ الحَقِّ، ( والسّائِلِينَ ) الطّالِبِينَ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِمْ ما يَكُونُ غِذاءً لِأرْواحِهِمْ، وفي ( فَكِّ رِقابِ ) عَبَدَةُ الدُّنْيا وأُسَراءُ الشَّهَواتِ بِالوَعْظِ والإرْشادِ، ( وأقامَ صَلاةَ ) الحُضُورِ، ( وآتى ) ما يُزَكِّي نَفْسَهُ بِنَفْيِ الخَواطِرِ ومَحْوِ الصِّفاتِ، ( والمُوفُونَ ) بِعَهْدِ الأزَلِ بِتَرْكِ المُعارَضَةِ في العُبُودِيَّةِ والإعْراضِ عَمّا سِوى الحَقِّ في مَقامِ المَعْرِفَةِ، ( والصّابِرِينَ ) في بَأْساءِ الِافْتِقارِ إلى اللَّهِ - تَعالى - دائِمًا، ( وضَرّاءِ ) كَسْرِ النَّفْسِ، ( وحِينَ بَأْسِ ) مُحارَبَةِ العَدُوِّ الأعْظَمِ، ( ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ ) اللَّهَ - تَعالى - في السَّيْرِ إلَيْهِ وبَذْلِ الوُجُودِ، ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ عَنِ الشِّرْكِ المُنَزَّهُونَ عَنْ سائِرِ الرَّذائِلِ.
<div class="verse-tafsir"
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ.
قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الراء على معنى خبر ليس.
وقرأ الباقون: بالرفع على معنى اسم ليس.
من قرأ بالرفع فهو الظاهر في العربية، لأن ليس يرفع الاسم الذي بعده بمنزلة كان وأما من قرأ بالنصب، فإنه يجعل الاسم ما بعده ويجعل (البر) خبره.
وتفسير الآية قال مقاتل: في قوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ، أي ليس البر أن تحولوا وجوهكم في الصلاة قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا تعملوا غير ذلك، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، يعني صدق بالله بأنه واحد لا شريك له.
قرأ نافع وابن عامر وَلكِنَّ الْبِرَّ بكسر النون وضم الراء ...
وقرأ الباقون: وَلكِنَّ الْبِرَّ بنصب النون مشددة وبنصب الراء.
ويقال: معناه ليس البر كله في الصلاة ولكن البر ما ذكر في هذه الآية من العبادات.
ثم اختلفوا في معنى قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ.
قال بعضهم: معناه ولكن ذو البر من آمن بالله.
وقال بعضهم: معناه ولكن البر بر من آمن بالله وكلا المعنيين ذكرها الزجاج في كتابه.
وقال بعضهم ليس البار من يولي وجهه إلى المشرق والمغرب، ولكن البار من آمن بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ.
ثم ذكر في هذه الآية خمسة أشياء من الإيمان، فمن لم يقر بواحدة منها فقد كفر.
أحدها: الإيمان بالله تعالى أنه واحد لا شريك له والتصديق باليوم الآخر وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وأنه كائن، وأن أهل الثواب يصلون إلى الثواب وأهل العقاب يصلون إلى العقاب والتصديق بالكتاب أنه منزل من الله تعالى القرآن وسائر الكتب: التوراة والإنجيل والزبور، ويقر بالملائكة أنهم عبيده ويقر بالنبيين أنهم رسله وأنبياؤه فهذه الخمس من الإيمان فمن جحد واحدة منها فقد كفر.
ثم ذكر الفضائل فقال تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ، يعني يعطي المال على شهوته وجوعه وهو شحيح يخشى الفقر، ويأمل العيش.
ويقال: على حبه الإعطاء بطيبة من نفسه، يعطي ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، يعني الضيف النازل وَالسَّائِلِينَ الذين يسألون الناس وَفِي الرِّقابِ، يعني المكاتبين.
وقد قيل: (ابن السبيل) هو المنقطع من ماله.
ثم ذكر الفرائض فقال تعالى: وَأَقامَ الصَّلاةَ المكتوبة، وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة.
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما عاهدوا فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس.
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.
أي بالبأساء وهي شدة الفقر البأس قال القتبي: يعني الفقر وهو من البؤس والضراء المرض والزمانة.
وَحِينَ الْبَأْسِ، يعني يصبرون عند الحرب.
وقال القتبي: البأس: الشدة ومنه يقال: لا بأس عليك يعني لا شدة عليك، فلهذا سمي الحرب البأس، لأن فيه شدة.
ثم قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا يعني صدقوا في إيمانهم، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ عن نقض العهد.
فإن قيل: أيش معنى قوله: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وموضعه موضع رفع ولم يقل: والصابرون؟
قيل له: قد قال بعض من تعسف في كلامه: إن هذا غلط الكاتب حين كتبوا مصحف الإمام والدليل على ذلك ما روي عن عثمان بن عفان- - أنه نظر في المصحف وقال: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها وهكذا قال في سورة النساء: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء: 162] وفي سورة المائدة وَالصَّابِئُونَ.
لكن الجواب عند أهل العلم أن يقال: إنما صار نصباً للمدح والكلام يصير نصباً للمدح أو للذم.
ألا ترى إلى قول القائل: نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أَصْحَابُ الجَمَلِ وإنما جعله نصباً للمدح.
وروي عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن رجلا سأل النبيّ عن البر فنزلت هذه الآية: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ الآية.
وقال الضحاك أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا يعني صدقت نياتهم فاستقامت قلوبهم بأعمالهم.
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، يعني المطيعون لله تعالى.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقال قتادة، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْر، والربيع: أظهر التعجُّب من صبرهم على النار لَمَّا عملوا عملَ مَنْ وَطَّن نفْسه علَيْها «١» ، وتقديره ما أجرأَهم علَى النَّارِ إِذ يعملون عملاً يؤدِّي إِليها، وذهب مَعْمَرُ بْنُ المثنى إِلى أن «ما» استفهامٌ، معناه: أيُّ شَيْءٍ صبرهم عَلَى النار «٢» ، والأول أظهر.
وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ...
الآية: المعنى: ذلك الأمر بأنَّ اللَّه نزَّل الكتابَ بالحَقِّ، فكفروا/ به، والإشارة إلى وجوب النّار لهم.
والْكِتابَ: القرآن، وبِالْحَقِّ، أي: بالإخبار الحقّ، أي: الصادقة.
والَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ هم اليهودُ والنصارى، في قول السُّدِّيِّ «٣» ، وقيل:
هم كفَّار العرب لقول بعضهم: هو سِحْرٌ، وبعضهم: أساطير، وبَعْضهم: مفترًى، إلى غير ذلك.
وبَعِيدٍ، هنا: معناه من الحقّ، والاستقامة.
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
وقوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ...
الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الخِطَابُ بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى: ليس البرّ الصلاة وحدها «٤» ،
وقال قتادة، والربيع: الخطاب لليهودِ والنصارى لأنهم تكلَّموا في تحويل القبلة، وفضَّلت كل فرقة تولِّيها، فقيلَ لهم: ليس البرَّ ما أنتم فيه، ولكنَّ البرَّ من آمن باللَّه «١» .
وقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ...
الآيةَ: هذه كلُّها حقوقٌ في المال سوى الزكاةِ، قال الفَخْر «٢» : وروَتْ فاطمةُ بنْتُ قَيْسٍ، أنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ «٣» ، وتَلاَ:
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ...
الآية، وعنه صلّى الله عليه وسلم «لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ مَنْ بَاتَ شبعان، وجاره طاويا إلى جنبه» «٤» انتهى.
قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : وإِذا وقع أداء الزكاة، ثم نزلَتْ بعد ذلك حاجةٌ، فإِنه يجبُ صرف المال إِليها باتفاق من العلماءِ، وقد قال مالك: يجبُ على كافَّة المسلمين فِدَاءُ أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالَهُمْ، وكذلك إِذا منع الوالي الزكاةَ، فهل يجبُ على الأغنياء إِغناءُ الفقراء؟
الصحيحُ: وجوبُ ذلك علَيْهم.
انتهى.
ومعنى: آتَى: أعطى على حبِّه، أي: على حبِّ المال، ويحتملُ أن يعود الضميرُ على اسْمِ اللَّه تعالى من قوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، أي: من تَصَدَّقَ مَحَبَّة في اللَّه وطاعته.
ص: والظاهر أن الضمير في «حُبِّهِ» عائدٌ على «المال» لأن قاعدتهم أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إِلاَّ بدليلٍ.
انتهى.
قال ع «٢» : والمعنَى المقصودُ أن يتصدَّق المرءُ في هذه الوجوهِ، وهو صحيحٌ شحيحٌ يخشَى الفَقْر، ويأمل الغنى كما قال صلّى الله عليه وسلم «٣» .
والشحّ في هذا الحديث: هو
الغريزيُّ الذي في قوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النساء: ١٢٨] وليس المعنَى أنْ يكون المتصدِّق متَّصِفاً بالشحِّ الذي هو البُخْل.
وَفِي الرِّقابِ، أي: العتق، وفَكّ الأسرى.
وَالصَّابِرِينَ: نصبٌ على المدح، أو على إِضمار فعْلٍ، وهذا مَهْيَعٌ «١» في تكرار النعوت.
والْبَأْساءِ: الفَقْر والفاقة.
وَالضَّرَّاءِ: المرض، ومصائبُ البدن، وعن ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما، قال:
قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَنْ يدعى إِلَى الجَنَّةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ» ، وقال: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ «٢» .
انتهى من «السلاح» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ﴾ .
قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ رَجُلًا سَألَ عَنْ "البِرِّ" فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَتَلاها عَلَيْهِ.» وفِيمَن خُوطِبَ بِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ.
والثّانِي: أهْلُ الكِتابَيْنِ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ مَعْناها: لَيْسَ البِرُّ كُلُّهُ في الصَّلاةِ، ولَكِنَّ البِرَّ ما في هَذِهِ الآَيَةِ.
وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وسُفْيانَ.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي؛ مَعْناها: لَيْسَ البِرَّ صَلاةُ اليَهُودِ إلى المَغْرِبِ، وصَلاةُ النَّصارى إلى المَشْرِقِ، ولَكِنَّ البِرَّ ما في هَذِهِ الآَيَةِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعُ، وعَوْفُ الأعْرابِيُّ، ومُقاتِلٌ.
وَقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: (لَيْسَ البِرَّ) بِنَصْبِ الرّاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كِلاهُما حَسَنٌ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الِاسْمَيْنِ؛ اسْمُ "لَيْسَ" وخَبَرُها، مَعْرِفَةٌ، فَإذا اجْتَمَعا في التَّعْرِيفِ تَكافَآَ في كَوْنِ أحَدِهِما اسْمًا، والآخِرِ خَبَرًا، كَما تَتَكافَأُ النَّكِرَتانِ.
وَفِي المُرادِ بِالبِرِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الإيمانُ.
والثّانِي: التَّقْوى.
والثّالِثُ: العَمَلُ الَّذِي يُقَرَّبُ إلى اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آَمَنَ بِاللَّهِ.
والثّانِي: ولَكِنَّ ذا البِرِّ مَن آَمَنَ بِاللَّهِ، حَكاهُما الزَّجّاجُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: (وَلَكِنَّ البِرَّ) بِتَخْفِيفِ نُونِ (لَكِنْ) ورَفْعِ (البِرُّ) وإنَّما ذَكَرَ اليَوْمَ الآَخِرَ، لِأنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ.
وفي المُرادِ بِالكِتابِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الكُتُبِ، فَيَدْخُلُ في هَذا اليَهُودُ، لِتَكْذِيبِهِمْ بَعْضَ النَّبِيِّينَ ورَدِّهِمُ القُرْآَنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ﴾ في هاءِ "حُبِّهِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى المالِ.
والثّانِي: إلى الإيتاءِ.
وكانَ الحَسَنُ إذا قَرَأها قالَ: سِوى الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَوِي القُرْبى ﴾ يُرِيدُ: قَرابَةَ المُعْطِي.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى: (اليَتامى والمَساكِينَ) عِنْدَ رَأْسِ ثَلاثٍ وثَمانِينَ آَيَةً مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
فَأمّا (ابْنَ السَّبِيلِ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الضَّيْفُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَمُرُّ بِكَ مُسافِرًا، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ كالقَوْلَيْنِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: هو المُنْقَطِعُ بِهِ يُرِيدُ بَلَدًا آَخَرَ.
وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ، والقاضِي أبُو يَعْلى، ويُحَقِّقُهُ: أنَّ السَّبِيلَ الطَّرِيقُ، وابْنُهُ: صاحِبُهُ الضّارِبُ فِيهِ، فَلَهُ حَقٌّ عَلى مَن يَمُرُّ بِهِ إذا كانَ مُحْتاجًا.
ولَعَلَّ أصْحابَ القَوْلِ الأوَّلِ أشارُوا إلى هَذا لِأنَّهُ إنْ كانَ مُسافِرًا، فَإنَّهُ ضَيْفٌ لَمْ يَنْزِلْ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُرِيدُ سَفَرًا، ولا يَجْدُ نَفَقَةً، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الشّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي الرِّقابِ ﴾ أيْ: في فَكِّ الرِّقابِ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُكاتِبُونَ يُعانُونَ في كِتابَتِهِمْ بِما يُعْتِقُونَ بِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ، والشّافِعِيِّ.
والثّانِي: أنَّهم عَبِيدٌ يُشْتَرُونَ بِهَذا السَّهْمَ ويُعْتَقُونَ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ.
وعَنْ أحْمَدَ كالقَوْلَيْنِ.
فَأمّا البَأْساءُ؛ فَهِيَ: الفَقْرُ.
والضَّرّاءُ: المَرَضُ.
وحِينَ البَأْسِ: القِتالُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: تَكَلَّمُوا بِالإيمانِ وحَقَّقُوهُ بِالعَمَلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النارِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَبِيلِ والسائِلِينَ وفي الرِقابِ وأقامَ الصَلاةَ وآتى الزَكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصابِرِينَ في البَأْساءِ والضَرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ لَمّا تَرَكُوا الهُدى وأعْرَضُوا عنهُ ولازَمُوا الضَلالَةَ وتَكَسَّبُوها -مَعَ أنَّ الهُدى مُمْكِنٌ لَهم مُيَسَّرٌ- كانَ ذَلِكَ كَبَيْعٍ وشِراءٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ إيعابُ هَذا المَعْنى.
ولَمّا كانَ العَذابُ تابِعًا لِلضَّلالَةِ الَّتِي اشْتَرَوْها، وكانَتِ المَغْفِرَةُ تابِعَةً لِلْهُدى الَّذِي اطَّرَحُوهُ أُدْخِلا في تَجَوُّزِ الشِراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما أصْبَرَهم عَلى النارِ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "ما" تَعَجُّبٌ، وهو في حَيِّزِ المُخاطَبِينَ، أيْ هم أهْلٌ أنْ تَعْجَبُوا مِنهم ومِمّا يَطُولُ مُكْثَهم في النارِ.
وفي التَنْزِيلِ ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ ﴾ و ﴿ أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ ﴾ وبِهَذا المَعْنى صَدَرَ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والرَبِيعُ: أظْهَرَ التَعَجُّبَ مَن صَبْرِهِمْ عَلى النارِ لَمّا عَمِلُوا عَمَلَ مَن وطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْها.
وتَقْدِيرُهُ: ما أجْرَأهم عَلى النارِ إذْ يَعْمَلُونَ عَمَلًا يُودِي إلَيْها.
وقِيلَ: "ما" اسْتِفْهامٌ، مَعْناهُ: أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى النارِ؟
ذَهَبَ إلى ذَلِكَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى، والأوَّلُ أظْهَرُ.
ومَعْنى "أصْبَرَهُمْ" في اللُغَةِ: أمَرَهم بِالصَبْرِ، ومَعْناهُ أيْضًا: جَعَلَهم ذَوِي صَبْرٍ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُتَّجِهٌ في الآيَةِ عَلى القَوْلِ بِالِاسْتِفْهامِ.
وذَهَبَ المُبَرِّدُ في بابِ التَعَجُّبِ مِن "المُقْتَضَبِ" إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْرِيرٌ واسْتِفْهامٌ لا تَعَجُّبٌ، وأنَّ لَفْظَةَ "أصْبِرْ" بِمَعْنى اضْطُرَّ وحُبِسَ، كَما تَقُولُ: أصْبَرْتَ زَيْدًا عَلى القَتْلِ، ومِنهُ نَهْيُ النَبِيِّ أنْ تَصْبِرَ البَهائِمُ، قالَ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قُلْتُ لَها أُصْبِرُها دائِبًا أمْثالُ بِسِطامِ بْنِ قَيْسٍ قَلِيلْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الضَبْطُ عِنْدَ المُبَرِّدِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الباءِ، ورَدَّ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، فَإنَّها لا يُعْرَفُ في اللُغَةِ أُصْبِرَ بِمَعْنى صَبَرَ، وإنَّما البَيْتُ أصُبِرُها بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الباءِ، ماضِيهِ صَبَرَ، ومِنهُ المَصْبُورَةُ، وإنَّما يَرُدُّ قَوْلَ أبِي العَبّاسِ عَلى مَعْنى: اجْعَلْها ذاتَ صَبْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: ذَلِكَ الأمْرُ، أوِ الأمْرُ ذَلِكَ، بِأنَّ اللهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ، فَكَفَرُوا بِهِ، والإشارَةُ عَلى هَذا إلى وُجُوبِ النارِ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَدِّرَ: فَعَلْنا ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدِّرَ: وجَبَ ذَلِكَ، ويَكُونُ "الكِتابَ" جُمْلَةُ القُرْآنِ عَلى هَذِهِ التَقْدِيراتِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "الكِتابِ" إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ ﴾ الآيَةُ، أيْ: وجَبَتْ لَهُمُ النارُ بِما قَدْ نَزَّلَهُ اللهُ في الكِتابِ مِنَ الخَبَرِ بِهِ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" -عَلى هَذا- إلى اشْتَرائِهِمُ الضَلالَةَ بِالهُدى، أيْ ذَلِكَ بِما سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللهِ ووُرُودِ إخْبارِهِ بِهِ.
و"بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِالواجِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأخْبارِ الحَقُّ أيِ الصادِقَةُ، و( الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ ) ؛ قالَ السُدِّيُّ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى، لِأنَّ هَؤُلاءِ في شِقٍّ.
وهَؤُلاءِ في شِقٍّ، ويَظْهَرُ أنَّ الشِقاقَ سُمِّيَتْ بِهِ المُشارَّةُ والمُقاتِلَةُ ونَحْوُهُ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَشُقُّ الوَصْلَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُشاقِّهِ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بـِ ﴿ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا ﴾ كَفّارُ العَرَبِ، لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهُمْ: هو أساطِيرُ، وبَعْضُهُمْ: هو مُفْتَرًى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وشِقاقُ هَذِهِ الطَوائِفِ إنَّما هو مَعَ الإسْلامِ وأهْلِهِ.
و"بَعِيدٍ" هُنا مَعْناهُ: مِنَ الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ البِرَّ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ بِرَفْعِ الراءِ، والبِرُّ" اسْمُ لَيْسَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ فالوَجْهُ أنْ يَلِيَها الفاعِلُ ثُمَّ المَفْعُولُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ أنَّ "لَيْسَ" حَرْفٌ، والصَوابُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّها فِعْلٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: " لَيْسَ البِرَّ " بِنَصْبِ الراءِ، جَعَلَ "أنْ تُوَلُّوا" بِمَنزِلَةِ المُضْمَرِ، إذْ لا يُوصَفُ كَما لا يُوصَفُ المُضْمَرُ، والمُضْمَرُ أولى أنْ يَكُونَ اسْمًا يُخْبَرُ عنهُ.
وفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " لَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَوَلَّوْا "، وقالَ الأعْمَشُ: إنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "لا تَحْسَبَنَّ البِرَّ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: الخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى لَيْسَ البَرَّ الصَلاةُ وحْدَها، وقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَصارى، لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في التَوَجُّهِ والتَوَلِّي، فاليَهُودُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، والنَصارى إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، وتَكَلَّمُوا في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وفَضَلَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ تُوَلِّيها، فَقِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ البَرَّ ما أنْتُمْ فِيهِ، ﴿ وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ .
قَرَأ قَوْمٌ: " ولَكِنَّ البَرَّ " بِشَدِّ النُونِ ونَصْبِ البِرِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَكِنَّ البَرَّ" والتَقْدِيرُ: ولَكِنَّ البَرَّ بِرُّ مَن، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: ولَكِنَّ ذُو البَرِّ مَن، وقِيلَ: البِرُّ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الفاعِلِ تَقْدِيرُهُ ولَكِنَّ البارَّ مَن، والمَصْدَرُ إذا نَزَلَ مَنزِلَةَ اسْمِ الفاعِلِ فَهو ولا بُدَّ مَحْمُولٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضًى.
والإيمانُ: التَصْدِيقُ، أيْ صَدَّقَ بِاللهِ تَعالى، وبِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها حَسَبَ مُخْبِراتِ الشَرائِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ كُلُّها حُقُوقٌ في المالِ سِوى الزَكاةِ، وبِها كَمالُ البِرِّ، وقِيلَ: هي الزَكاةُ.
و"آتى" مَعْناهُ: أعْطى، والضَمِيرُ في "حُبِّهِ عائِدٌ عَلى المالِ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: " عَلى حُبِّهِ " اعْتِراضًا بَلِيغًا أثْناءَ القَوْلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الإيتاءِ، أيْ في وقْتِ حاجَةٍ مِنَ الناسِ وفاقَةٍ، فِإيتاءُ المالِ حَبِيبٌ إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ ، أيْ مِن تَصْدُقُ مَحَبَّتُهُ في اللهِ تَعالى وطاعَتُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الضَمِيرِ المَسْتَكِنِ في " آتى "، أيْ: عَلى حُبِّهِ المالَ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ.
والمَعْنى المَقْصُودُ أنْ يَتَصَدَّقَ المَرْءُ في هَذِهِ الوُجُوهِ وهو شَحِيحٌ صَحِيحٌ يَخْشى الفَقْرَ ويَأْمَلُ الغِنى، كَما قالَ ، والشُحُّ في هَذا الحَدِيثِ هو الغَرِيزِيُّ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ ﴾ .
ولَيْسَ المَعْنى أنْ يَكُونَ المُتَصَدِّقُ مُتَّصِفًا بِالشُحِّ الَّذِي هو البُخْلُ،.
و" ذَوِي القُرْبى " يُرادُ بِهِ قَرابَةُ النَسَبِ.
والَيْتُمُ في الآدَمِيِّينَ مِن قِبَلِ الأبِ قَبْلَ البُلُوغِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: ابْنُ السَبِيلِ المُسافِرُ لِمُلازَمَتِهِ السَبِيلَ، وهَذا كَما يُقالُ: ابْنُ ماءٍ؛ لِلطّائِرِ المُلازِمِ لِلْماءِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ابْنُ زِنا» أيِ: المُلازِمُ لَهُ، وقِيلَ: لَمّا كانَتِ السَبِيلُ تُبْرِزُهُ، شُبِّهَ ذَلِكَ بِالوِلادَةِ، فَنُسِبَ إلَيْها.
وقالَ قَتادَةُ: ابْنُ السَبِيلِ: الضَيْفُ.
" وفي الرِقابِ " يُرادُ بِهِ العِتْقُ وفَكُّ الأسْرى وإعْطاءُ أواخِرِ الكِتاباتِ.
" وأقامَ الصَلاةَ " أتَمَّها بِشُرُوطِها.
وذِكْرُ الزَكاةِ هُنا دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ لَيْسَ بِالزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، و" المُوفُونَ " عُطِفَ عَلى "مَن" في قَوْلِهِ: " مَن آمَنَ "، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ وهُمُ المُوفُونَ.
و" الصابِرِينَ " نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، وهَذا مَهِيعٌ في تَكْرارِ النُعُوتِ.
وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "والمُوفِينَ" عَلى المَدْحِ، أو عَلى قَطْعِ النُعُوتِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "والمُوفُونَ" "والصابِرُونَ".
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "بِعُهُودِهِمْ".
و" البَأْساءِ " الفَقْرُ والفاقَةُ، "والضَرّاءِ" المَرَضُ ومَصائِبُ البَدَنِ، " وحِينَ البَأْسِ " وقْتُ شِدَّةِ القِتالِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ في الألْفاظِ الثَلاثَةِ، وتَقُولُ العَرَبُ: بِئْسَ الرَجُلُ إذا افْتَقَرَ، وبُؤْسَ إذا شَجَّعَ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى أهْلَ هَذِهِ الأفْعالَ البَرَّةَ بِالصِدْقِ في أُمُورِهِمْ.
أيْ: هم عِنْدَ الظَنِّ بِهِمْ، والرَجاءِ فِيهِمْ، كَما تَقُولُ: صَدَقَنِي المالَ، وصَدَقَنِي الرِبْحَ، ومِنهُ: عَوْدُ صِدْقٍ، وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ أيْضًا صِدْقَ الإخْبارِ، ووَصْفَهُمُ اللهُ تَعالى بِالتُقى، والمَعْنى: هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ عَذابِ اللهِ وِقايَةً مِنَ العَمَلِ الصالِحِ.
<div class="verse-tafsir"
قدَّمنا عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتسعينوا بالصبر والصلوات ﴾ [البقرة: 153] أَن قوله: ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ﴾ متصل بقوله تعالى: ﴿ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ [البقرة: 142]، وأنه ختام للمُحاجة في شأن تحويل القبلة، وأن ما بين هذا وذلك كله اعتراض أُطنب فيه وأُطيل لأخْذِ معانيه بعضِها بحُجَزِ بعضضٍ.
فهذا إقبال على خطاب المؤمنين بمناسبة ذكر أحوال أهل الكتاب وحَسَدِهم المؤمنين على اتِّباع الإِسلام مرادٌ منه تلقين المسلمين الحجةَ على أهل الكتاب في تهويلهم على المسلمين إبطال القبلة التي كانوا يصلُّون إليها ففي ذلك تعريض بأهل الكتاب.
فأهل الكتاب رأوا أن المسلمين كانوا على شيء من البر باستقبالهم قبلتَهم فلما تحولوا عنها لمزوهم بأنهم أضاعوا أمراً من أمور البر، يقول عَدِّ عن هذا وأَعْرِضوا عن تهويل الواهنين وهَبُوا أنَّ قبلة الصلاة تغيرت أو كانت الصلاةُ بلا قبلة أصلاً فهل ذلك أمر له أثر في تزكية النفوس واتصافها بالبر، فذكر المشرق والمغرب اقتصار على أشهر الجهات أو هو للإِشارة إلى قبلة اليهود وقبلة النصارى لإبطال تهويل الفريقين على المسلمين حين استقبلوا الكعبة، ومنهم من جعله لكل من يسمع الخطاب.
والبِرّ سعة الإحسان وشدة المرضاة والخير الكامل الشامل ولذلك توصف به الأفعال القوية الإِحسان فيقال: بر الوالدين وبر الحج وقال تعالى: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ [آل عمران: 92]، والمراد به هنا بر العبد ربه بحسن المعاملة في تلقي شرائعه وأوامره.
ونفيُ البر عن استقبال الجهات مع أن منها ما هو مشروع كاستقبال الكعبة: إما لأنه من الوسائل لا من المقاصد فلا ينبغي أن يكون الاشتغال به قصارى همة المؤمنين ولذلك أسقطه الله عن الناس في حال العجز والنسيان وصلوات النوافل على الدابة في السفر، ولذلك قال: ﴿ ولكن البر من آمن ﴾ إلخ فإن ذلك كله من أهم مقاصد الشريعة وفيه جماع صلاح النفس والجماعة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ [التوبة: 19] الآيات فيكون النفي على معنى نفي الكمال، وإمَّا لأن المنفي عنه البرُّ هو استقبال قبلتي اليهود والنصارى فقد تقدم لنا أن ذلك الاستقبال غيرُ مشروع في أصل دينهم ولكنه شيء استحسنه أنبياؤُهم ورهبانهم ولذلك نُفي البر عن تولية المشرق والمغرب تنبيهاً على ذلك.
وقرأ الجمهور ﴿ ليس البرُّ ﴾ برفع ﴿ البر ﴾ على أنه اسم ﴿ ليس ﴾ والخبر هو ﴿ أَن تُولُّوا ﴾ وقرأه حمزة وحفص عن عاصم بنصب ﴿ البرَّ ﴾ على أن قوله: ﴿ أن تولوا ﴾ اسمُ ﴿ ليس ﴾ مؤخر، ويكثر في كلام العرب تقديم الخبر على الاسم في باب كان وأخواتها إذا كان أحد معمولي هذا الباب مركباً من أنْ المصدرية وفعلِها كان المتكلم بالخيار في المعمول الآخر بين أن يرفعه وأن ينصبه وشأن اسم ﴿ ليس ﴾ أن يكون هو الجدير بكونه مبتدأ به، فوجه قراءة رفع ﴿ البر ﴾ أن البر أمر مشهور معروف لأهل الأديان مرغوب للجميع فإذا جعل مبتدأ في حالة النفي أصغت الأسماع إلى الخبر، وأما توجيه قراءة النصب فلأن أمر استقبال القبلة هو الشغل الشاغل لهم فإذا ذُكر خبره قبلهُ ترقب السامع المبتدأ فإذا سمعه تقرر في علمه.
وقوله: ﴿ ولكن البر من آمن ﴾ إخبار عن المصدر باسم الذَّات للمبالغة كعكسه في قولها: «فإنما هي إقبال وإدبار» وذلك كثير في الكلام ومنه قوله تعالى: ﴿ إن أصبح ماؤكم غوراً ﴾ [الملك: 30] وقول النابغة: وقد خِفْتُ ما تزيد مَخافَتي *** علَى وَعِللٍ في ذي المطارة عاقلِ أي وعل هو مخافة أي خائف، ومن قدر في مثله مضافاً أي برُّ مَنْ آمن أو ولكن ذُو البر فإنما عنى بيان المعنى لا أن هنالك مقداراً؛ لأنه يخرج الكلام عن البلاغة إلى كلام مغول كما قال التفتازاني، وعن المبرد: لو كنتُ ممن يقرأ لقَرَأْتُ ولكن البَر بفتح الباء، وكأنه أراد الاستغناء عن التقدير في الإخبار عن البر بجملة: ﴿ من آمن ﴾ لأن مَن آمن هو البار لا نفس البِر وكيف يقرأ كذلك و ﴿ البر ﴾ معطوف بلكِن في مقابلة البر المثبت فهل يكون إلاّ عينه ولذا لم يقرأ أحد إلاّ البِر بكسر الباء، على أن القراءات مروية وليست اختياراً ولعل هذا لا يصح عن المبرد.
وقرأ نافع وابن عامر (ولكنْ البر) بتخفيف النون من لكن ورفع البر على الابتداء وقرأه بقية العشرة بتشديد نون (لكن) ونصب (البر) والمعنى واحد.
وتعريف ﴿ والكتاب ﴾ تعريف الجنس المفيد للاستغراق أي آمن بكُتب الله مثل التوراة والإنجيل والقرآن، ووجه التعبير بصيغة المفرد أنها أخف مع عدم التباس التعريف بأن يكون للعهد؛ لأن عطف (النبيين) على (الكتاب) قرينة على أن اللام في (الكتاب) للاستغراق فأوثرت صيغة المفرد طلباً لخفة اللفظ.
وما يُظن من أن استغراق المفرد المعرف باللام أشمل من استغراق الجمع المعرف بها ليس جارياً على الاستعمال وإنما توهمه السكاكي في «المفتاح» في قوله تعالى: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ [مريم: 4] من كلام وقع في «الكشاف» وما نقل عن ابن عباس أنه قرأ قولَه تعالى: ﴿ كلٌّ ءَامَن با لله وملائكته وكِتَابِهِ ﴾ [البقرة: 285]، وقال الكتاب أكثر من الكتب فلو صَحَّ عنه لم يكن مريداً به توجيه قراءته (وكتابِه) المعرفَ بالإضافة بل عنى به الأسماء المنفية بلا التبرئة تفرقة بين نحو لا رجل في الدار ونحو لا رجال في الدار في تطرق احتمال نفي جنس الجموع لا جنس الأفراد على ما فيه من البحث فلا ينبغي التعلُّق بتلك الكلمة ولا يصح التعلق بما ذكره صاحب «المفتاح».
والذي ينبغي اعتماده أن استغراق المفرد والجمع في المعرف باللام وفي المنفي بلا التبرئة سواء وإنما يختلف تعبير أهل اللسان مرة بصيغة الإفراد ومرة بصيغة الجمع تبعاً لحكاية الصورة المستحضرة في ذهن المتكلم والمناسبِة لمقام الكلام، فأما في المنفي بلا النافية للجنس فلك أن تقول لا رجل في الدار ولا رجال في الدار على السواء إلاّ إذا رجح أحدَ التعبيرين مرجِّح لفظي، وأما في المعرف باللام أو الإضافة فكذلك في صحة التعبير بالمفرد والجمع سِوى أنه قد يتوهم احتمال إرادة العهد وذلك يَعرض للمفرد والجمع وينْدفع بالقرائن.
وعلى في قوله: ﴿ على حبه ﴾ مجاز في التمكن من حب المال مثل ﴿ أولئك على هدى ﴾ [البقرة: 5] وهي في مثل هذا المقام للتنبيه على أبعد الأحوال من مظنة الوصف فلذلك تفيد مفاد كلمة مع وتدل على معنى الاحتراس كما هي في قوله تعالى: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ﴾ [الإنسان: 8] وقول زهير: مَن يَلْقَ يوماً على عِلاَّتِه هَرِماً *** يَلْقَ السماحة فيه والنَّدى خُلُقاً قال الأعلم في «شرحه» أي فكيف به وهو على غير تلك الحالة اه.
وليس هذا معنى مستقلاً من معاني على بل هو استعلاء مجازي أريد به تحقق ثبوت مدلول مدخولها لمعمول متعلقها، لأنه لبعد وقوعه يحتاج إلى التحقيق، والضمير للمال لا محالة والمراد أنه يعطي المال مع حبِّه للمال وعدم زهادته فيه فيدل على أنه إنما يعطيه مرضاة لله تعالى ولذلك كان فعله هذا براً.
وذكر أصنافاً ممن يؤتون المال لأن إتيانهم المال ينجم عنه خيرات ومصالح.
فذكر ذوي القربى أي أصحاب قرابة المعطي فاللام في (القربى) عوض عن المضاف إليه، أمر المرء بالإحسان إليهم لأن مواساتهم تكسبهم محبتهم إياه والتئامهم وهذا التئام القبائل الذي أراده الله بقوله: ﴿ لتعارفوا ﴾ [الحجرات: 13] فليس مقيّداً بوصف فقرهم كما فسر به بعض المفسرين بل ذلك شامل للهدية لأغنيائهم وشامل للتوسعة على المتضائقين وترفيه عيشتهم، إذ المقصود هو التحابب.
ثم ذكر اليتامى وهم مظنة الضعف لظهور أن المراد اليتيم المحتاج حاجة دون الفقر وَإنما هو فاقد ما كان ينيله أبوه من رفاهية عَيْششٍ، فإيتاؤهم المال يجبر صدع حياتهم.
وذكر السائلين وهم الفقراء.
والمسكنة: الذل مشتقة من السكون ووزن مسكني مفعيل للمبالغة مثل مِنطيق.
والمسكين الفقير الذي أذله الفقر وقد أتفق أئمة اللغة أن المسكين غير الفقير هو أقل فقراً من الفقير وقيل هو أشد فقراً وهذا قول الجمهور وقد يطلق أحدهما في موضع الآخَر إذا لم يجتمعا وقد اجتمع في قوله تعالى: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ [التوبة: 60] ونظيرها في ذكر هؤلاء الأربعة قوله تعالى: ﴿ يسألونك ماذا ينفعون قل ما أنفقتم من خير فللو الدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [البقرة: 215].
وذكر السائلين وهم الفقراء كنى عنهم بالسائلين لأن شأن المرء أن تمنع نفسه من أن يسأل الناس لغير حاجة غالباً.
فالسؤال علامة الحاجة غالباً، ولو أدخل الشك في العلامات الاعتيادية لارتفعت الأحكام فلو تحقق غنى السائل لما شرع إعطاؤه لمجرد سؤاله، ورووا: «للسائل حق ولو جاء راكباً على فرس» وهو ضعيف.
وذَكر ابن السبيل وهو الغريب أعْني الضيف في البوادي؛ إذ لم يكن في القبائل نُزْل أو خانات أو فنادق ولم يكن السائر يستصحب معه المال وإنما يحمل زاد يومه ولذلك كان حق الضيافة فرضاً على المسلمين أي في البوادي ونحوها.
وذكر الرقاب والمراد فِداء الأسرى وعتق العبيد.
ثم ذكر الزكاة وهي حق المال لأجل الغنى ومصارفها مذكورة في آياتها.
وذكر الوفاء بالعهد لما فيه من الثقة بالمعاهِد ومن كرم النفس وكون الجِد والحق لها دربة وسجية، وإنما قيد بالظرف وهو إذا عاهدوا أي وقت حصول العهد فلا يتأخر وفاؤهم طَرفَة عَيْن، وفيه تنبيه على وجوب الاحتياط عند بذل العهد بحيث لا يعاهِد حتى يتحقق أنه يستطيع الوفاء كأنه يقول: فإن علموا ألا يفوا فلا يعاهدوا.
وعطف ﴿ والموفون ﴾ على ﴿ من ءامن بالله ﴾ وغير أسلوب الوصف فلم يقل ومَنْ أوْفَى بعهده للدلالة على مغايرة الوصفين بأن الأول من علائق حق الله تعالى وأصول الدين والثاني من حقوق العباد.
وذكر الصابرين في البأساء لما في الصبر من الخصائص التي ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ [البقرة: 45] ثم ذكر مواقعه التي لا يعدوها وهي حالة الشدة، وحالة الضر، وحالة القتال، فالبأساء والضراء اسمان على وزن فعلاء وليسا وصفين إذ لم يسمع لهما أَفْعَلُ مذكَّراً، والبأساء مشتقة من البُؤْس وهو سوء الحالة من فقر ونحوه من المكروه، قال الراغب: وقد غلب في الفقر ومنه البئيس الفقير، فالبأساء الشدة في المال، والضراء شدة الحال على الإنسان مشتقة من الضُّرّ ويقابلها السَّرَّاء وهي ما يَسُرّ الإنسان من أحواله، والبأسُ النكاية والشدة في الحرب ونحوها كالخصومة ﴿ قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ﴾ [النمل: 33] ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ [الحشر: 14] والشر أيضاً بأس والمراد به هنا الحرب.
فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام الحكيم.
وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشئ عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال.
فالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية، لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها، والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة ويبذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحراراً.
والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس، وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض.
والصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة ولذلك قال تعالى هنا: ﴿ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ﴾ فحصر فيهم الصدق والتقوى حصراً ادعائياً للمبالغة، ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر، وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم، لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيئين، ولأنهم حرموا كثيراً من الناس حقوقهم، ولم يفوا بالعهد، ولم يصبروا.
وفيها أيضاً تعريض بالمشركين إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر، والنبيئين، والكتب وسلبوا اليتامى أموالهم، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة.
ونصب (الصابرين) وهو معطوف على مرفوعات نصبٌ على الاختصاص على ما هو المتعارف في كلام العرب في عطف النعوت من تخيير المتكلم بين الاتباع في الإعراب للمعطوف عليه وبين القطع قاله الرضي، والقطع يكون بنصب ما حقه أن يكون مرفوعاً أو مجروراً وبرفع ما هو بعكسه ليظهر قصد المتكلم القطع حين يختلف الإعراب؛ إذ لا يعرف أن المتكلم قصد القطع إلاّ بمخالفة الإعراب، فأما النصب فبتقدير فعل مدح أو ذم بحسب المقام، والأظهر تقدير فعل أخُص لأنه يفيد المدح بين الممدوحين والذم بين المذمومين.
وقد حصل بنصب (الصابرين) هنا فائدتان: إحداهما عامة في كل قطع من النعوت، فقد نقل عن أبي علي الفارسي أنه إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف إعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها لأن هذا من مواضع الإطناب فإذا خولف إعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان.
قال في «الكشاف» «نُصِب على المدح وهو باب واسع كسَّره سيبويه على أمثلة وشواهد» اه.
قلت: قال سيبويه في باب ما ينتصب على التعظيم والمدح «وإن شئتَ جعلته صفة فجري على الأوللِ، وإن شئتَ قطعته فابتدأْتَه، مثل ذلك قوله تعالى: ﴿ ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر ﴾ إلى قوله ﴿ والصابرين ﴾ ولو رُفع الصابرين على أول الكلام كان جيداً، ولو ابتدأته فرفعته على الابتداء كان جيداً، ونظير هذا النصب قول الخِرْنِقِ: لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الذِين هُمُو *** سُم العُداةِ وآفة الجُزْرِ النازِلينَ بكل مُعْتَرَكٍ *** والطيِّبون مَعَاقِدَ الأُزْرِ بنصب النازلين، ثم قال: وزعم الخليل أن نصب هذا على أنك لم تُرِد أن تحدِّث الناس ولا مَنْ تخاطب بأمرٍ جَهِلوه ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمتَ فجعلته ثناء وتعظيماً ونصبه على الفعل كأنه قال أَذْكُرُ أهْلَ ذلك وأَذْكُرُ المقيمين ولكنه فعل لا يستعمل إظهاره» اه قلت: يؤيد هذا الوجه أنه تكرر مثله في نظائر هذه الآية في سورة النساء ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ [النساء: 162] عطفاً على ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ [النساء: 162]، وفي سورة العقود ﴿ والصابئون ﴾ [المائدة: 69] عطفاً على ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا ﴾ [المائدة: 69].
الفائدة الثانية أن في نصب ﴿ الصابرين ﴾ بتقدير أخص أو أمدح تنبيهاً على خصيصية الصابرين ومزية صفتهم التي هي الصبر.
قال في «الكشاف»: «ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظرْ في الكتاببِ ولم يعرف مذاهب العرب ومالَهم في النصب على الاختصاص من الافتتان اه» وأقول: إن تكرره كما ذكرنا وتقارب الكلمات يربأُ به على أن يكون خطأً أو سهواً وهو بين كلمتين مخالفتين إعرابه.
وعن الكسائي أن نصبه عطف على مفاعيل ﴿ آتى ﴾ أي وآتى المال الصابرين أي الفقراء المتعففين عن المسألة حين تصيبهم البأساء والضراء والصابرين حين البأس وهم الذين لا يجدون ما ينفقون للغزو ويحبون أن يغزوا، لأن فيهم غناء عن المسلمين قال تعالى: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ﴾ [التوبة: 92].
وعن بعض المتأولين أن نصب ﴿ والصابرين ﴾ وقع خطأ من كتاب المصاحف وأنه مما أراده عثمان رضي الله عنه فيما نُقل عنه أنه قال بعد أن قرأ المصحف الذي كتبوه: «إنِّي أجد به لحناً ستقيمه العرب بألسنتها» وهذا مُتَقَوَّل على عثمان ولو صح لكان يريد باللحن ما في رسم المصاحف من إشارات مثل كتابة الألف في صورة الياء إشارة إلى الإمالة ولم يكن اللحن يطلق على الخطأ.
وقرأ يعقوب ﴿ والصابرون ﴾ بالرفع عطفاً على ﴿ والموفوف ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ﴾ الآيَةَ، فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناها لَيْسَ البَرُّ الصَّلاةَ وحْدَها، ولَكِنَّ البِرَّ الإيمانُ مَعَ أداءِ الفَرائِضِ الَّتِي فَرَضَها اللَّهُ، وهَذا بَعْدَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ واسْتِقْرارِ الفُرُوضِ والحُدُودِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنِيَّ بِذَلِكَ اليَهُودُ والنَّصارى، لِأنَّ اليَهُودَ تَتَوَجَّهُ إلى المَغْرِبِ، والنَّصارى تَتَوَجَّهُ إلى المَشْرِقِ في الصَّلاةِ، ويَرَوْنَ ذَلِكَ هو البِرَّ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أنَّهُ لَيْسَ هَذا وحْدَهُ هو البِرَّ، حَتّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ويَفْعَلُوا ما ذَكَرَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعُ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ولَكِنَّ ذا البِرِّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، يَعْنِي الإقْرارَ بِوَحْدانِيَّتِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، حَكاهُما الزَّجّاجُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ يَعْنِي التَّصْدِيقَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ.
﴿ والمَلائِكَةِ ﴾ يَعْنِي فِيما أُمِرُوا بِهِ، مِن كَتْبِ الأعْمالِ، وتَوَلِّي الجَزاءِ.
﴿ والكِتابِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وما تَضَمَّنَهُ مِنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وأنْ لا قِبْلَةَ سِواها.
﴿ والنَّبِيِّينَ ﴾ يَعْنِي التَّصْدِيقَ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ، وأنْ لا يُؤْمِنُوا بِبَعْضِهِمْ ويَكْفُرُوا بِبَعْضٍ.
﴿ وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ﴾ يَعْنِي عَلى حُبِّ المالِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْ يَكُونَ صَحِيحًا شَحِيحًا يُطِيلُ الأمَلَ ويَخْشى الفَقْرَ.
وَكانَ الشَّعْبِيُّ يَرْوِي عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (إنَّ في المالِ حَقًّا سِوى الزَّكاةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ﴾ إلى آخِرِها،» فَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ إلى إيجابِ ذَلِكَ لِهَذا الخَبَرِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ «أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟
قالَ: (جُهْدٌ عَلى ذِي القَرابَةِ الكاشِحِ)» .
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنْ لَيْسَ في المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ وأنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَيْها أوْ عَلى التَّطَوُّعِ المُخْتارِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى ﴾ يُرِيدُ قَرابَةَ الرَّجُلِ مِن طَرَفَيْهِ مِن قِبَلِ أبَوَيْهِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى الزَّكاةِ، رُوعِيَ فِيهِمْ شَرْطانِ: أحَدُهُما: الفَقْرُ.
والثّانِي: سُقُوطُ النَّفَقَةِ.
وَإنْ كانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى التَّطَوُّعِ لَمْ يُعْتَبَرْ واحِدٌ مِنهُما، وجازَ مَعَ الغِنى والفَقْرِ، ووُجُوبِ النَّفَقَةِ وسُقُوطِها، لِأنَّ فِيهِمْ مَعَ الغِنى صِلَةَ رَحِمٍ مَبْرُورٍ.
﴿ واليَتامى ﴾ وهم مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِمْ شَرْطانِ: الصِّغَرُ وفَقْدُ الأبِ، وفي اعْتِبارِ الفَقْرِ فِيهِمْ قَوْلانِ كالقَرابَةِ.
﴿ والمَساكِينَ ﴾ وهم مَن عُدِمَ قَدْرُ الكِفايَةِ وفي اعْتِبارِ إسْلامِهِمْ قَوْلانِ: ﴿ وابْنَ السَّبِيلِ ﴾ هم فُقَراءُ المُسافِرِينَ ﴿ والسّائِلِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ ألْجَأهُمُ الفَقْرُ إلى السُّؤالِ.
﴿ وَفِي الرِّقابِ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَبِيدٌ يُعْتَقُونَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
والثّانِي: أنَّهم مُكاتَبُونَ يُعانُونَ في كِتابَتِهِمْ بِما يَعْتَقِدُونَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ.
﴿ وَأقامَ الصَّلاةَ ﴾ يَعْنِي إلى الكَعْبَةِ عَلى شُرُوطِها وفي أوْقاتِها.
﴿ وَآتى الزَّكاةَ ﴾ يَعْنِي إلى مُسْتَحِقِّها عِنْدَ وُجُوبِها.
﴿ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا ﴾ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: النُّذُورُ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: العُقُودُ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، وكِلاهُما يَجِبُ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِهِ.
﴿ والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: البَأْساءُ الفَقْرُ، والضَّرّاءُ السُّقْمُ.
﴿ وَحِينَ البَأْسِ ﴾ أيِ القِتالِ.
وَفي هَذا كُلِّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَخْصُوصٌ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى القِيامِ بِهَذا كُلِّهِ عَلى شُرُوطِهِ غَيْرُهم.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، في النّاسِ كُلِّهِمْ لِإرْسالِ الكَلامِ وعُمُومِ الخِطابِ.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: طابَقَتْ نِيّاتُهم لِأعْمالِهِمْ.
والثّانِي: صَدَقَتْ أقْوالُهم لِأفْعالِهِمْ.
﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تُخالِفَ سَرائِرُهم لِعَلانِيَتِهِمْ.
والثّانِي: أنْ يَحْمَدَهُمُ النّاسُ بِما لَيْسَ فِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ذر «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإِيمان فتلا ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم ﴾ حتى فرغ منها، ثم سأله أيضاً فتلاها، ثم سأله فتلاها وقال: وإذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك» .
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن مردويه عن القاسم بن عبد الرحمن قال: «جاء رجل إلى أبي ذر فقال: ما الإِيمان؟
فتلا عليه هذه الآية ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم ﴾ حتى فرغ منها.
فقال الرجل: ليس عن البر سألتك.
فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألتني، فقرأ عليه هذه الآية فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادن.
فدنا فقال: المؤمن إذا عمل الحسنة سرته رجاء ثوابها، وإذا عمل السيئة أحزنته وخاف عقابها» .
وأخرج عبد الرزاق وابن راهويه وعبد بن حميد عن عكرمة قال: سئل الحسن بن علي مقبلة من الشام عن الإِيمان، فقرأ ﴿ ليس البر...
﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق، فنزلت ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم ﴾ يعني في الصلاة.
يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعلموا، فهذا حين تحوّل من مكه إلى المدينة، ونزلت الفرائض وحد الحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذه الآيه نزلت بالمدينة ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم ﴾ يعني الصلاة، تبدل ليس البر أن تصلوا ولكن البر ما ثبت في القلب من طاعة الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ليس البر...
﴾ الآية.
قال: ذكر لنا أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البر، فأنزل الله هذه الآية، فدعا الرجل فتلاها عليه، وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ثم مات على ذلك يرجى له في خير، فأنزل الله: ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ﴾ وكانت اليهود توجهت قبل المغرب والنصارى قبل المشرق ﴿ ولكن البر من آمن بالله...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق، فنزلت ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم...
﴾ الآية.
وأخرج أبو عبيد في فضائله والثعلبي من طريق هرون عن ابن مسعود وأبي بن كعب أنهما قرآ ﴿ ليس البر أن تولوا ﴾ .
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي ميسرة قال: من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإِيمان ﴿ ليس البر...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ﴾ ما ثبت في القلوب من طاعة الله.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا مكان ليس البر أن تولوا ولا تحسبن أن البر.
أما قوله تعالى: ﴿ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ﴾ .
أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والآجري في الشريعة واللالكائي في السنة وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب «أنهم بينما هم جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل يمشي، حسن الشعر عليه ثياب بياض، فنظر القوم بعضهم إلى بعض ما نعرف هذا وما هذا بصاحب سفر!
ثم قال: يا رسول الله آتيك؟
قال: نعم.
فجاءه فوضع ركبتيه عند ركبتيه ويديه على فخذيه فقال: ما الإِسلام؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، قال: فما الإِيمان؟
قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، ولفظ ابن مردويه: أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، والجنة، والنار، والبعث بعد الموت، والقدر كله.
قال: فما الإِحسان؟
قال: أن تعمل لله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
قال: فمتى الساعة؟
قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل!
قال: فما اشراطها؟
قال: إذا العراة الحفاة العالة رعاء الشاء تطاولوا في البنيان، وولدت الإِماء أربابهن، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فطلبوه فلم يروا شيئاً، فمكث يومين أو ثلاثة ثم قال: يا ابن الخطاب أتدري من السائل كذا وكذا؟
قال: الله ورسوله أعلم...
!
قال: ذاك جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم» .
وأخرج أحمد والبزارعن ابن عباس قال: «جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً كفيه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله حدثني عن الإِسلام؟
قال: الإِسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت.
قال: يا رسول الله حدثني عن الإِيمان؟
قال: الإِيمان أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، والموت، والحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة، والنار، والحساب، والميزان، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره.
قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت.
قال: يا رسول الله حدثني ما الإِحسان؟
قال: الإِحسان أن تعمل لله كأنك تراه فإن لا تراه فإنه يراك» .
وأخرج البزار عن أنس قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه إذا جاءه رجل ليس عليه ثياب السفر يتخلل الناس حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده على ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ما الإِسلام؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.
قال: فإذا فعلت فأنا مؤمن؟
قال: نعم.
قال: صدقت.
قال: يا محمد ما الإِحسان؟
قال: أن تخشى الله كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك.
قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟
قال: نعم.
قال: صدقت.
قال: يا محمد متى الساعة؟
قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل!
وأدبر الرجل فذهب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليّ بالرجل، فاتبعوه يطلبونه فلم يروا شيئاً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وأبي ذرٍّ قالا: «إنا لجلوس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في مجلسه محتب إذ أقبل رجل من أحسن الناس وجهاً، وأطيب الناس ريحاً، وأنقى الناس ثوباً، فقال: يا محمد ما الإِسلام؟
قال: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، قال: فإذا فعلت هذا فقد أسلمت؟
قال: نعم.
قال: صدقت.
فقال: يا محمد أخبرني ما الإِيمان؟
قال: الإِيمان بالله، وملائكته، والكتاب، والنبيين، وتؤمن بالقدر كله.
قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟
قال: نعم.
قال: صدقت» .
وأخرج أحمد والنسائي عن معاوية بن حيدة قال: «قلت يا رسول الله ما الذي بعثك الله به؟
قال: بعثني الله بالإِسلام!
قلت: وما الإِسلام؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة» .
أما قوله تعالى: ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وآتى المال ﴾ يعني أعطى المال ﴿ على حبه ﴾ يعني على حب المال.
وأخرج ابن المبارك في الزهد ووكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن مسعود ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ قال: يعطي وهو صحيح شحيح يأمل العيش ويخاف الفقر.
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود مرفوعاً.
مثله.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن المطلب «أنه قيل: يا رسول الله ما آتى المال على حبه فكلنا نحبه؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تؤتيه حين تؤتيه ونفسك حين تحدثك بطول العمر والفقر» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا إلا وقد كان لفلان» .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل الذي ينفق أو يتصدق عند الموت مثل الذي يهدي إذا شبع» .
أما قوله تعالى: ﴿ ذوي القربى ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ذوي القربى ﴾ يعني قرابته.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» .
وأخرج أحمد والدارمي والطبراني عن حكيم بن حزام «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصدقات أيها أفضل؟
قال: على ذي الرحم الكاشح» .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه عن ميمونة أم المؤمنين قالت «أعتقت جارية لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنك لو أعطيتها بعض أخوالك كان أعظم لأجرك» .
وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن ابن عباس «أن ميمونة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جارية تعتقها؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيها أختك ترعى عليها وصلي بها رحماً، فإنه خير لك» .
وأخرج ابن المنذر عن فاطمة بنت قيس «أنها قالت: يا رسول الله إن لي مثقالاً من ذهب.
قال: اجعليها في قرابتك» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي في سننه عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم إثنتان، صدقة وصلة» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتجزئ عني من الصدقة النفقة على زوجي وأيتام في حجري؟
قال: لك أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة» .
أما قوله تعالى: ﴿ وابن السبيل ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: ابن السبيل الذي يمر عليك وهو مسافر.
أما قوله تعالى: ﴿ والسائلين ﴾ .
أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ والسائلين ﴾ قال: السائل الذي يسألك.
وأخرج أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم عن الحسين بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للسائل حق وإن جاء على فرس» .
وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعطوا السائل وإن كان على فرس» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى بن مريم: للسائل حق وإن جاء على فرس مطوّق بالفضة.
وأخرج ابن سعد والترمذي وصححه وابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن بجيد عن جدته أم بجيد وكانت ممن تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت «يا رسول الله إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد شيئاً أعطيه إياه؟!
فقال لها: إنْ لم تجدي إلا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه» ولفظ ابن خزيمة: «ولا تردي سائلك ولو بظلف» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد من طريق عمرو بن معاذ الأنصاري عن جدته حواء قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ردوا السائل ولو بظلف محرق» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حميد بن عبد الرحمن قال: كان يقال: ردوا السائل ولو بمثل رأس القطاة.
وأخرج أبو نعيم والثعلبي والديلمي والخطيب في رواة مالك بسند واه عن ابن عمر مرفوعاً: «هدية الله للمؤمن السائل على بابه» .
وأخرج ابن شاهين وابن النجار في تاريخه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على هدايا الله عز وجل إلى خلقه؟
قلنا: بلى.
قال: الفقير هو هدية الله قبل ذلك أو ترك» .
قوله تعالى ﴿ وفي الرقاب ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وفي الرقاب ﴾ يعني فكاك الرقاب.
أما قوله تعالى: ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ يعني وأتم الصلاة المكتوبة ﴿ وآتى الزكاة ﴾ يعني الزكاة المفروضة.
وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي والدارقطني وابن مردويه عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في المال حق سوى الزكاة، ثم قرأ ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم...
﴾ الآية» .
وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في المال حق بعد الزكاة؟
قال: نعم.
تحمل على النجيبة» .
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي.
أنه سئل هل على الرجل في ماله حق سوى الزكاة؟
قال: نعم.
وتلا هذه الآية ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى...
﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن ربيعة بن كلثوم قال: حدثني أبي قال لي مسلم بن يسار: إن الصلاة صلاتان، وإن الزكاة زكاتان، والله إنه لفي كتاب الله أقرأ عليك به قرآناً.
قلت له: اقرأ.
قال: فإن الله يقول في كتابه ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم ﴾ إلى قوله: ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ فهذا ما دونه تطوّع كله ﴿ وأقام الصلاة ﴾ على الفريضة ﴿ وآتى الزكاة ﴾ فهاتان فريضتان.
أما قوله تعالى: ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴾ .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴾ قال: فمن أعطى عهد الله ثم نقضه فالله ينتقم منه، ومن أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم غدر بها فالنبي صلى الله عليه وسلم خصمه يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴾ يعني فيما بينهم وبين الناس.
أما قوله تعالى: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ﴾ .
أخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال: ﴿ البأساء والضراء ﴾ السقم ﴿ وحين البأس ﴾ حين القتال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السقم والوجع، وحين البأس عند مواطن القتال.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق سأله عن البأساء والضراء قال: البأساء الخصب، والضراء الجدب.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول زيد بن عمرو: إن الإِله عزيز واسع حكم ** بكفه الضر والبأساء والنعم أما قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين صدقوا ﴾ الآية.
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أولئك ﴾ يعني الذين فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية هم الذين صدقوا.
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: ﴿ أولئك الذين صدقوا ﴾ قال: تكلموا بكلام الإِيمان، فكانت حقيقته العمل صدقوا الله قال: وكان الحسن يقول: هذا كلام الإِيمان وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عمل فلا شيء.
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي عامر الأشعري قال: قلت يا رسول الله ما تمام البرِّ قال «تعمل في السر عمل العلانية» .
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي شيبان قال: سألت زيد بن رفيع فقلت: يا أبا جعفر ما تقول في الخوارج في تكفيرهم الناس؟
قال: كذبوا بقول الله عز وجل ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم...
﴾ الآية.
فمن آمن بهن فهو مؤمن ومن كفر بهن فهو كافر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾ قرئ (البرُّ) رفعًا ونصبًا (١) ﴿ لَيْسَ ﴾ مشبهة بالفاعل وخبرها بالمفعول، والفاعل أن يلي الفعل أولى من المفعول، كما تقول: قام زيد، فيلي الاسم الفعل، وإذا قدمت المفعول كان النيةُ به التأخير، كما تقول: ضرب غلامَه زيدٌ (٢) ومن نصب البر، ذهب إلى أن بعض النحويين قال: أَنْ مع صلتها أولى أن تكون اسم ليس؛ لشبهها بالمضمر، في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، وكان هاهنا اجتمع مُضْمَرٌ ومظهر، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المُضْمَرُ الاسم، من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، فكذلك إذا اجتمع (أن) مع مظهر غيره كان أن يكون (أن) (٣) (٤) ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ﴾ ﴿ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ﴾ ، والاختيار رفع البر؛ لأنه روي عن ابن مسعود أنه قرأ: ليس البرُّ بأن (٥) واختلف المفسرون في هذه الآية على وجهين: فقال قتادةُ (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) ، ونزلت الفرائض، وحُدَّتْ الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة، أنزل اللهُ هذه الآية، فقال: ليس البرُّ كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البرَّ ما ذكر في الآية (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ ﴿ الْبِرَّ ﴾ مصدر، ولا يخبر عن المصادر بالأسماء ومَنْ اسم.
واختلف النحويون وأهل المعاني في وجهه.
وقال أبو عبيدة: البر، هاهنا، بمعنى: البار (١٥) وقالت الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار (١٦) أي: مقبلة ومدبرة.
وقال آخر: هَرِيقي مِنْ دمُوعهما سِجاما ...
ضُباعَ وجَاوبِي نَوْحًا قيامًا (١٧) (١٨) أراد: نائحاتٍ قائماتٍ.
ومثله قوله: ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ أي: للمتقي.
وحكى الزجَّاجُ أن معناه: ذا البر، فحذف (١٩) ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ، أي: ذوو درجات (٢٠) وقال قطرب (٢١) (٢٢) ﴿ وَأُشرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ اَلعِجلَ ﴾ و ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ ويقولون: الجود حاتم، والشعر زهير، والشجاعة عنتر.
وقال النابغة: وكيف تواصل من أصبحت ...
خِلالتُه كأبي مرحب (٢٣) قال الفراء: والعرب تخبر عن الاسم بالمصدر، وعن المصدر بالاسم، وتجعل الاسمَ خبرًا للفعل، والفعلَ خبرًا للاسم؛ لأنه أمر معروف المعنى عندهم (٢٤) (٢٥) لَعَمْرُك ما الفتيان أن تَنْبُتَ اللّحى ...
ولكنما الفتيانُ كلُّ فَتًى نَدِيّ (٢٦) فجعل نباتَ اللِّحى، وهو مصدر، خبرًا للفتيان (٢٧) قال ابن الأنباري: ولا يجوز القياس على هذا، وإنما يستعمل في مثل هذا ما استعملته العرب، لا يجوزُ أن تقولَ: الرُّكوب عبد الله؛ لأن هذا (٢٨) قال أبو علي: ومثل هذه الآية قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ﴾ .
ثم قال: ﴿ كَمَنْ آمَنَ ﴾ ، وهذا على: أجعلتم أهل سقاية حاج كمن آمن أو أجعلتم سقاية الحاج (٢٩) (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَالْكِتَابِ ﴾ يريد: الكُتُب، قاله ابن عباس (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ الأكثرون (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال ابن عباس (٣٦) (٣٧) وقال ابن الأنباري: يجوز أن تكون الهاء عائدة على ﴿ مَنْ ﴾ في قوله: ﴿ مَنْ آمَنَ ﴾ فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وتُرِكَ ذكرُ المفعول معه، لانكشاف المعنى.
قال: ويجوزُ أن يعودَ إلى الإيتاء، أي: على حُب الإيتاء، (وآتى) يدل على الإيتاء؛ لأن الفعل يدل على المصدر، كقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا ﴾ ، أي: البخل، كنى عنه؛ لأن (يبخلون) يدل عليه، ومثله قولُ القَطَامي: هُمُ الملوكُ وأبناءُ المُلوكِ هُمُ ...
والآخذون به والسَّاسَةُ الأُوَلُ (٣٨) أراد: والآخذون بالملك، ودلَّ (الملوكُ) عليه، فكنى عنه، وأنشد الفراء (٣٩) أي: إلى السفه، ويكون المعنى على هذا الوجه: لا يعطيه وهو متسخِّط، وهذا الوجْهُ اختيارُ الحسين بن الفضل (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَابْنَ اَلسَّبِيلِ ﴾ قال مجاهد: هو المنقطع من أهله يَمُرُّ عليك (٤١) وقال قتادة: هو الضيفُ ينزل بالرجل (٤٢) قال أهل المعاني: كل مسافر من حاجٍّ وغازٍ وغيرهما، فهو ابن السبيل؛ لملازمته الطريق، وكل من لزم شيئا نسب إليه، فيقال للشجعان: بنو الحروب، وللناس: بنو الزمان؛ لأنهم لا يَنْفَكُّون منه، ولطيرِ الماءِ: ابنُ الماء، وهو كثير (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ وَفِى اَلرِّقَابِ ﴾ قال ابن عباس: يريد المكاتبين (٤٤) وقيل: فداء الأسارى، وعتق النسمة، وفك الرقبة (٤٥) (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾ قال المفسرون: أراد: فيما بينهم وبين الله، وبينهم وبين الناس، إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حَلَفُوا ونَذَروا وَفَّوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدَّوا (٤٧) ارتفع قوله: ﴿ وَالْمُوفُونَ ﴾ بالعطف على محل (مَنْ) في قوله: {مَنْ آمَنَ} وهو رفع؛ لأنه خبر لكن، كأنه: ولكن البر من آمن بالله والموفون، أو على المدح على أن يكون خبر ابتداء محذوف، تقديره: وهم الموفون (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ وَالصَّابِرِينَ ﴾ قال الكسائي: هو معطوف على ذوي القُربى، كأنه: وآتى المال على حبه ذوي القربي والصابرين (٤٩) قال النحويون: إذا عطفت قوله: (والموفون) على الموصول وهو قوله: (من) لا يجوز أن يكون (الصابرين) مِنْ صلة (مَنْ) وقوله: (وآتى المال)، مِنْ صلة (مَنْ)، فإذا نصبت الصابرين بقوله: ﴿ وَآتَى الْمَالَ ﴾ ، على ما ذكره الكسائي فقد جعلت ﴿ وَالْصَّابِرِينَ ﴾ من تمام الصلة، ولا يجوز هذا؛ لأنك قطعت ذلك الكلام بالعطف على (مَنْ)، حيث عطفت عليه قوله: ﴿ وَالْمُوفُونَ ﴾ ، ولا يجوز العطف على الموصول حتى ينقضي بصلته، كما لا يؤكد ولا يوصف إلا بعد انقضائه بجميع صلته؛ لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد، ومحالٌ أن يوصف الاسم، أو يؤكد، أو يعطف عليه، إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه وما يتصل به، فلا يجوز إذن أن يكون ﴿ وَالصَّابِرِينَ ﴾ عطفا على قوله: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى ﴾ .
واذا كان قوله: ﴿ وَالْمُوفُونَ ﴾ عطفا على الموصول؛ لأن قولَه: ﴿ وَالصَّابِرِينَ ﴾ على هذا من تمام الموصول، فلا يجوز الفصل بينه وبين الموصول بالمعطوف على الموصول، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: مررت بالضاربين وقوم زيدًا، حتى تقدم زيدًا على القوم، وكذلك سبيل التأكيد والصفة، لو قلت: أعجبني كلامُكَ كلُّه زيدًا، أو أعجبني كلامُك الحسن زيدًا، لم يجز؛ لوصفك الاسم وتأكيدك قبل تمامه بما في صلته.
وإن جعلت قوله: ﴿ وَالْمُوفُونَ ﴾ رفعًا على المدح على ما ذكرنا، لم يصح أيضا قول الكسائي؛ لأن الفصل بين الصلة والموصول يقع به إذا كان مدحًا، كما يقع إذا كان معطوفًا على الموصول، بل الفصل بينهما بالمدح أشنع؛ لكون المدح جملة، والجمل ينبغي أن تكون في الفصل أشنع بحسب زيادتها على المفرد (٥٠) فإن قيل: أليس جاز الفصلُ بين المبتدأ والخبر بالجملة، كقول القائل: إن زيدًا -فافهم ما أقول- رجلُ صدقٍ، وكقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ .
ثم قال: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ ففصل بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ ﴾ ؟
قيل: ليس الصلة مع الموصول كالمبتدأ مع الخبر؛ لأن اتصال كل واحد منهما بالآخر أشد من اتصال المبتدأ وخبره، لأن مجراهما مجرى حروف الاسم الواحد وأجزائه، وعلى حسب شدة الاتصال يقبح الانفصال، وليس كذلك المبتدأ مع خبره، ألا ترى أنَّ كل واحد منهما ليس كَجُزْء (٥١) (٥٢) فأما (٥٣) ذاك الذي وأبيك يَعرِف مالكٌ ...
والحقُّ يَدفَع تُرَّهاتِ الباطلِ (٥٤) ففصل بين الصلة والموصول بالقسم، وهو جملة؛ لأن القسم، وإن كان في الأصل جملة، فإنه لا توصف به النكرة، ولا توصل به الموصول، كسائر الجمل، فالفصلُ بها -لجريها مجرى غير الجمل في هذه المواضع- أسهَل وأسْوَغ من الفصل بغيره؛ لمخالفة القسم سائر الجمل.
وأيضًا فإن للقسم مداخل ليس لغيره من الجمل، ألا ترى أن القسم قد دخل بين الشرط وجزائه في نحو: إن تأتنى والله آتك، ولا يدخل عليه غيره من الجمل.
فالقسم مما (٥٥) (٥٦) ﴿ آمَنَ ﴾ تَعدادٌ لأفعال ﴿ مَنْ آمَنَ ﴾ وأوصافه.
والوجه في نصب ﴿ وَالصَّابِرِينَ ﴾ قولُ الفراء، وهو أنه ذهب به إلى المدح، وإن كان مِنْ صفة ﴿ مَنْ ﴾ ، والعرب تعترض في صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم، فينصبون بعض المدح، وإن كان الاسم رفعًا، كأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام، من ذلك قولُ الشاعر: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ...
سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْر النازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ...
والطيبين معاقِدَ الأزْرِ (٥٧) فنصبوا النازلين والطيبين على المدح.
وأنشد أيضا: إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ...
وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحمْ (٥٨) (٥٩) وقال أبو علي مختارًا هذا القول: الأحسن عندي في هذه الأوصاف التي تعطف وتذكر للرفع من موصوفها والمدح أو النقص منهم والذم: أن يخالف (٦٠) (٦١) (٦٢) ﴿ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ﴾ ، أنه نصبٌ على المدح.
انتهى كلامه (٦٣) ومعنى المدحِ والذمِّ في النحو: أن العربَ لما أطنبت في وصفٍ بمدح أو ذم سلكت طرقًا، وأتت بأوصاف كثيرة، فلذلك خالفت بإعراب الأوصاف، تنويهًا بالموصوف وتنبيهًا على المراد، كأنهم ظنوا أنهم لو أجروا الأوصافَ على نحوٍ واحدٍ، كانوا قد أَتوا بوصفٍ واحدٍ.
وأما علة اختلاف الحركة في المدح والذم: فقال الفراء: أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر الرجل، فقال له: قام زيد، أثنى السامع عليه، فقال: ذكرت والله الظريف، ذكرت العاقل، وهو والله الظريف، هو العاقل، فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع، فجرى الإعراب على ذلك (٦٤) وقال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى: أعني الظريفَ (٦٥) وأنكر الفراء هذا القول (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾ .
وقد تدخل الواو على المنصوب على المدح والذم ويكون (٧٠) ويأوي إلى نسوة عُطَّلٍ ...
وشُعثًا مراضيعَ مثل السَّعَالِي (٧١) فنصب شعثًا على الذم.
وقال آخر: إلى الملك القرم وابن الهمام ...
وليثَ الكتيبة في المزدحم (٧٢) فنصب ليثَ على المدح.
وقوله تعالى: ﴿ فِي الْبَأْسَاءِ ﴾ قال ابن عباس: يريد الفقر، وهو اسم من البؤس.
(والضراء) قال: يريد المرض (٧٣) (٧٤) (وحين البأس) قال ابن عباس: يريد القتال في سبيل الله والجهاد (٧٥) ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ ، شديد، ثم تسمى الحرب بأساء لما فيها من الشدة، والعذاب يسمى بأسًا لشدته، قال الله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ﴾ وقال: ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا ﴾ وقال: ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ ﴾ كل هذا معناه: العذاب (٧٦) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ أي: أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم (٧٧) إلى الملك القرم .........
(٧٨) البيت الذي أنشدناه آنفًا، دخلت الواو في هذه الأوصاف وهي لموصوف واحد.
ولهذه النكتة اختلف السلف في هذه الآية، فقال بعضهم: هذه الصفة خاصة بالأنبياء؛ لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها، وقال بعضهم: هذه عامة في جميع المؤمنين (٧٩) (١) قرأ حمزة وحفص: بالنصب، وقرأ الباقون: بالرفع.
ينظر: "النشر" 2/ 226.
(٢) من "الحجة" لأبي علي 2/ 270 بمعناه.
(٣) (أن) ليست في (ش).
(٤) "الحجة" لأبي علي 2/ 271، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج.
(٥) رواه الثعلبي بسنده عن عبد الله، وأبي بن كعب.
وينظر: "معاني القرآن" للفراء، "المحرر الوجيز" 2/ 78، "تفسير القرطبي" 2/ 220، ونسب القراءة لأبي بن كعب أيضًا، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 2.
(٦) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 66، والطبري 2/ 94.
(٧) رواه عنه الطبري 2/ 95 واختاره، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 287.
(٨) لعل المراد به هنا مقاتل بن حيان، كما هو عند الثعلبي، وقد روى عنه ابن أبي حاتم 1/ 287 ما يوافق القول الثاني.
(٩) رواه عنه الطبري 2/ 94، وابن أبي حاتم 1/ 387.
(١٠) السابق.
(١١) السابق.
(١٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 143، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 178، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 2.
(١٣) في (م): (جهة).
(١٤) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 94 عن قتادة، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 310 إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 140 - 141.
(١٥) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 65، و"تفسير الطبري" 2/ 95، "تفسير الثعلبي" 2/ 147.
(١٦) صدر البيت: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت والبيت في "ديوان الخنساء" ص 383، "الشعر والشعراء" ص 215.
(١٧) في (م): (سقاقًا ..
حاوي)، وفي (ش): (صباع ..
وجاوني).
(١٨) البيت في "مجاز القرآن" 1/ 404 بلا نسبة، بل قال: وقال باكٍ يبكي هشامَ بن المُغيرة.
والطبري 15/ 249، والقرطبي 10/ 409، و"شرح أبيات سيبويه" 1/ 94، 354.
(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 65.
(٢٠) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1248، "البيان في إعراب القرآن" لأبي البركات الأنباري 1/ 139.
(٢١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1248، "البحر المحيط" 2/ 3، قال: وعلى هذا خرجه سيبويه.
ينظر: "الكتاب" لسيبويه 1/ 212، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 95.
(٢٢) "معاني القرآن" للفراء.
1/ 105.
(٢٣) البيت في "ديوانه" ص 26، "لسان العرب" 3/ 1607 (رحب).
(٢٤) سقطت من (ش).
(٢٥) سقطت من (ش).
(٢٦) قال البغدادي في شرح أبيات "مغني اللبيب": البيت ملفق من مصراعين من أبيات لابن بيض، وهي: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ...
وتعظم أبدان الرجال من الهبر ولكنما الفتيان كل فتى ندي ...
صبور على الآفات في العسرِ واليُسْرِ وقد ذكره غير منسوب الفراء في "معاني القرآن" 1/ 104، الثعلبي في "تفسيره" 2/ 145، "أمالي المرتضى" 1/ 201، "شرح شواهد المغني" 2/ 264، "مغني اللبيب" 2/ 691.
(٢٧) "معاني القرآن" 1/ 104 - 105 للفراء بمعناه.
(٢٨) ليست في (أ)، (م).
(٢٩) الجملة من قوله: (ثم قال ..) سقطت من (ش).
(٣٠) في (م): (من).
(٣١) ينظر: "التفسير الكبير" للرازي 5/ 39.
(٣٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 149، وقال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 109: والكتاب: جنس كتب الله، أو القرآن.
ينظر: "تفسير الرازي" 5/ 37.
(٣٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 95، 96، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 288، "المحرر الوجيز" 2/ 80، "البحر المحيط" 2/ 5، وقال: لأنه أقرب مذكور، ومن قواعد النحويين أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل.
(٣٤) سقطت من (ش).
(٣٥) في (ش): (حبه).
(٣٦) عزاه إليه في "التفسير الكبير" 5/ 39.
(٣٧) رواه عنه ابن المبارك في "الزهد" ص 8، وعبد الرزاق في "المصنف" 9/ 55، وسعيد بن منصور 2/ 648، والطبري في "تفسيره" 2/ 95، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 288، وبمعنى هذا: حديث أبي هريرة مرفوعًا، رواه البخاري (1419) كتاب الزكاة، باب: أي الصدقة أفضل، ومسلم (1032) كتاب الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح.
(٣٨) البيت من البسيط، وهو بهذه الصيغة للنابغة في "ديوانه" ص 75، "لسان العرب" 1/ 119مادة (ألا).
(٣٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 104 - 105.
(٤٠) "تفسير الثعلبي"، 2/ 150 "المحرر الوجيز" 2/ 81، "زاد المسير" 1/ 177، "البحر المحيط" 2/ 5، وقال عن هذا القول: إنه بعيد من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى، أما من حيث اللفظ: فإنه يعود على غير مصرح به، وعلى أبعد من المال، وأما المعنى: فلأن من فعل شيئًا وهو يحب أن يفعله لا يكاد يمدح على ذلك؛ لأن في فعله ذلك هوى نفسه ومرادها.
(٤١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 97، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 290، وروى مثله عن قتادة.
(٤٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 97، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 289، وأسنده عن ابن عباس، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 81: والأول أعم.
(٤٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 97، "المحرر الوجيز" 2/ 81.
(٤٤) عزاه إليه ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 178، قال وهو مروي عن علي== والحسن وابن زيد والشافعي، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 290 عن سعيد ابن جبير ومقاتل بن حيان والحسن والزهري، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 98، وقد حكى الواحدي في "الوسيط" أن جميع المفسرين قالوا: يريد به المكاتبين، والمفسرون ذكروا الخلاف على أربعة أقوال: المكاتبون، وأنهم عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون، وفداء الأسرى، وجميع هؤلاء، وهذا قول ابن عطية وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 60، واستظهره أبو حيان في "البحر" 2/ 6.
ينظر: "الإجماع في التفسير" ص 195.
(٤٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1249، "المحرر الوجيز" 2/ 81، "الكشاف" 1/ 109، وقال في "زاد المسير" 1/ 179: رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مالك بن أنس وأبو عبيد وأبو ثور، وعنه كالقولين.
(٤٦) ينظر في الرقاب: "المفردات" ص 206، "اللسان" 3/ 1701 (رقب)، والكلام بنصه عند الرازي في "تفسيره" 5/ 42.
(٤٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 166، وينظر: "تفسير الرازي" 5/ 43، "تفسير القرطبي" 2/ 225.
(٤٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 247، "تفسير الثعلبي" 2/ 167، "التفسير الكبير" 1/ 42، "التبيان" ص 112، وذكر وجهًا ثالثًا: وهو أن يعطف (الموفون) على الضمير في (آمن).
(٤٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 107، قال: وإنما امتنع من مذهب المدح -يعني الكسائي- الذي فسرت لك؛ لأنه قال: لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتمم الكلام في سورة النساء، ألا ترى أنك حين قلت: (لكن الراسخون في العلم منهم) - إلى قوله: (والمقيمين والمؤتون)، كأنك منتظر لخبره، وخبره في قوله: (أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً).
والكلام أكثره على ما وصف الكسائي، ولكن العرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام كالواحد وينظر أيضا: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 231، وقال: وهذا القول خطأ بين.
(٥٠) ذكر هذا بمعناه الرازي في "تفسيره" 5/ 44.
(٥١) في (ش): (ليس كَجَسر الآخر).
(٥٢) ذكر هذا بمعناه الرازي في "تفسيره" 5/ 44.
(٥٣) في (ش): (وأما).
(٥٤) البيت لجرير في "ديوانه" ص580، "لسان العرب" 1/ 431 (تره).
(٥٥) في (م): (ما).
(٥٦) في (ش): (فان).
(٥٧) البيتان لخرنق بنت بدر بن هفَّان، ترثي زوجها ومن قتل معه، في "ديوانها" ص 43، "معاني القرآن" للفراء، "لسان العرب" 7/ 4454 (نضر).
وفي "الكتاب" لسيبويه 2/ 64، لكن قال: (والطيبون) قال الفراء: وربما رفعوا (النازلون) (الطيبون)، وربما نصبوهما على المدح، والرفع على أن يُتْبَعَ آخرُ الكلام أوّلَه.
(٥٨) البيت بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 105، "الإنصاف" ص 376، "الخزانة" 1/ 216.
والقَرْم: السيد المعظم.
(٥٩) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 106 بتصرف، واختاره الطبري في "تفسيره" 2/ 100.
(٦٠) في (ش): (لا تخالف).
(٦١) في (م): (وحولًا).
(٦٢) نقله عنه الرازي في "تفسيره" 5/ 45، ونقله في "البحر المحيط" 2/ 7 - 8.
(٦٣) "الكتاب" لسيبويه 2/ 63 - 65.
(٦٤) نقله الرازي في "تفسيره" 5/ 45، وينظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 65.
(٦٥) نقله الرازي في "تفسيره" 5/ 45.
(٦٦) ليست في (أ)، (م).
(٦٧) في (ش): (لأجرينا).
(٦٨) في (ش): (بالتاء وفيهما).
(٦٩) نقله الرازي في "تفسيره" 5/ 45.
(٧٠) في (ش): (بالتاء).
(٧١) البيت، وهو لأمية بن أبي عائذ الهذلي، في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 507، ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 108ولم ينسبه، وفي "لسان العرب" 3/ 1661 (رضع).
ويروى: وشعث على النعت كما ذكر الفراء.
وهذا البيت في وصف صائد وإعساره.
وعطل: هن اللواتي لاحلي عليهن، وشعث: جمع شعثاء، وشعثها من قلة التعهد بالدهن والنظافة.
والسعالي: ضرب من الغيلان، الواحد: سعلاة.
(٧٢) سبق تخريج البيت.
(٧٣) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 291، ورواه الطبري في "تفسيره" 2/ 99، عن ابن مسعود والربيع وقتادة والضحاك وابن جريج.
(٧٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 170، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 100، "التفسير الكبير" للرازي 5/ 45.
(٧٥) رواه الطبري 2/ 101، وابن أبي حاتم 1/ 292 عن ابن مسعود ومجاهد وقتادة والربيع والضحاك وسعيد بن جبير والحسن وأبي العالية ومرة ومقاتل بن حيان.
(٧٦) ينظر في معاني البأس: "تهذيب اللغة" 1/ 255 (بأس)، "المفردات" ص 75، "التفسير الكبير" 5/ 45.
(٧٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 101، "تفسير الثعلبي" 2/ 171، "المحرر الوجيز" 2/ 82.
(٧٨) تقدم تخريج البيت.
(٧٩) نقله بتمامه الرازي في "تفسيره" 5/ 45 وصرح فيه بالنقل عن الواحدي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَّيْسَ البر ﴾ الآية: خطاب لأهل الكتاب لأن المغرب قبلة اليهود، والمشرق قبلة النصارى: أي إنما البر التوجه إلى الكعبة، وقيل خطاب للمؤمنين أي ليس البر الصلاة خاصة، بل البر جميع الأشياء المذكورة بعد هذا ﴿ ولكن البر مَنْ آمَنَ ﴾ لا يصح أن يكون خبراً عن البر فتأويله: لكن صاحب البر من آمن، أو لكن البرّ برّ من آمن أو يكون البر مصدراً وصف به ﴿ وَآتَى المال ﴾ صدقة التطوّع، وليست بالزكاة لقوله بعد ذلك: وآتى الزكاة ﴿ على حُبِّهِ ﴾ الضمير عائد على المال لقوله: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: 9] الآية وهو الراجح من طريق المعنى.
وعود الضمير على الأقرب وهو على هذا تتميم وهو من أدوات البيان، وقيل يعود على مصدر آتى، وقيل على الله ﴿ ذَوِي القربى ﴾ وما بعده ترتيب بتقديم الأهم فالأهم، والأفضل لأن الصدقة على القرابة صدقة وصلة بخلاف من بعدهم.
ثم اليتامى لصغرهم وحاجتهم ثم المساكين للحاجة خاصة، وابن السبيل الغريب، وقيل الضعيف، والسائلين وإن كانوا غير محتاجين، وفي الرقاب عتقها ﴿ والموفون بِعَهْدِهِمْ ﴾ أي العهد مع الله ومع الناس ﴿ والصابرين ﴾ نصب على المدح بإضمار فعل ﴿ فِي البأسآء ﴾ الفقر ﴿ والضرآء ﴾ المرض ﴿ وَحِينَ البأس ﴾ القتال ﴿ صَدَقُواْ ﴾ في القول والفعل والعزيمة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليس البر ﴾ بنصب الراء: حمزة وحفص الخراز عنه مخير.
الباقون: بالرفع ﴿ ولكن ﴾ خفيفاً ﴿ البر ﴾ رفعاً وكذلك فيما بعد: نافع وابن عامر.
الباقون: بالتشديد والنصب.
الوقوف: ﴿ والنبيَّن ﴾ ج لطول الكلام واختلاف المعنى لأن ما قبله أصول الإيمان وما بعده فروع: ﴿ وفي الرقاب ﴾ ج للطول مع انتهاء شرع المكارم وابتداء اللوازم ﴿ الزكاة ﴾ ج ﴿ عاهدوا ﴾ ج للعدول عن النسق إلى المدح والتقدير: هم الموفون أعني الصابرين ﴿ اليأس ﴾ ط ﴿ صدقوا ﴾ ط ﴿ المتقون ﴾ ه.
التفسير: هذا حكم آخر من أحكام الإسلام.
عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً سأل النبي عن البر فأنزل الله هذه الآية.
قال: وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ثم مات على ذلك وجبت له الجنة.
وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل: ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا لشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة، ولكن البر الذي يجب صرف الهمة إليه بر من آمن وقام بهذه الأعمال، وعلى هذا فالخطاب عام.
وقيل: الخطاب لأهل الكتاب لأن المشرق قبلة النصارى، والمغرب قبلة اليهود، وأنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت إلى الكعبة.
وزعم كل من الفريقين أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد عليهم بأن ما أنتم عليه خارج من البر.
أما أولاً فلأنه منسوخ، وأما ثانياً فلأنه على تقدير صحته شرط من شرائط أعمال البر لأن من جملتها الصلاة واستقبال القبلة شرط فيها، ولن يكون شرط جزء الشيء تمام حقيقة ذلك الشيء، وذلك أن البر اسم جامع للطاعات وأعمال الخير المقربة إلى الله ومنه بر الوالدين وهو استرضاؤهما بكل ما أمكن.
والتركيب يدل على الاتساع ومنه البر خلاف البحر.
قيل: إن قراءة رفع البر أولى ليكون الاسم مقدماً على الخبر على الأصل.
وقيل: بالنصب أولى لأن "أن" مع صلتها تشبه المضمر في أنها لا توصف، والمضمر أدخل في الاختصاص من المظهر فهو أولى بأن يكون اسماً ﴿ ولكن البر من آمن ﴾ على تقدير حذف المضاف أي بر من آمن.
وقيل: التقدير هكذا ولكن ذا البر من آمن.
وقيل: البر بمعنى البار مثل رجل صوم أي صائم.
وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ﴿ ولكن البر ﴾ بفتح الباء.
قال في التفسير الكبير: إنه اعتبر في تحقيق ماهية البر أموراً: الأول: الإيمان بأمور خمسة: أولها الإيمان بالله، ولن يحصل العلم بالله إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلائل الدالة عليها فيدخل فيها العلم بحدوث العالم.
والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوبه وقدمه وبقائه وكونه عالماً بكل المعلومات، قادراً على كل الممكنات، حياً مريداً سميعاً بصيراً متكلماً، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية.
ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثه الرسل.
وثانيها الإيمان باليوم الآخر ويتفرع على كونه عالماً بجميع المعلومات قادراً على كل الممكنات.
وثالثها الإيمان بالملائكة ورابعها الإيمان بالكتب السماوية.
وخامسها الإيمان بالنبيين.
وسبب هذا الترتيب أن للمكلف مبدأ وسطاً ونهايةً، ومعرفة المبتدأ والمنتهي هو المقصود بالذات أعني الإيمان بالله واليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي منوطة بالوحي الذي يأتي به الملك، فثبت أن كل ما يلزم المكلف التصديق به داخل في الآية.
الثاني: إيتاء المال على حبه أي على حب المال.
عن أبي هريرة أنه " قيل لرسول الله : أي الصدقة خير؟
قال: أن تتصدق وأنت صحيح حريص، تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا" .
عن أبي الدرداء أنه قال "مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعد ما يشبع" والسبب أنه عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال، وعند ظن الموت يحصل الاستغناء، وبذل الشيء عند الاحتياج أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه.
وأيضاً الإعطاء عند الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد والوعيد من إعطائه حال المرض والموت.
وأيضاً الهبة عند الموت تشبه الهبة عند الخوف من الفوت.
وقيل: الضمير يرجع إلى الإيتاء أي يعطي ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله.
وقيل: يرجع إلى الله أي يعطي المال على حب الله وطلب مرضاته.
ثم ذكر وتعالى ممن يؤتون المال أصنافاً ستة: أولهم القرابة، وثانيهم اليتامى، وثالثهم المساكين وقد مر ما يتعلق بكل منهم في تفسير قوله ﴿ وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ﴾ وإنما قدم ذوي القربى لأنهم أحق قال : "صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي رحمك اثنتان" لأنها صدقة وصلة ولتأكد استحقاقه نال رتبة الوارثة ويحجر بسببه على المالك في الوصية حتى لا يمكن من الوصية إلا في الثلث.
وأطلق ذوي القربى واليتامى والمراد الفقراء منهم لعد الإلباس، وتقديم اليتامى على المساكين لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا هو كاسب منقطع الحيلة من كل الوجوه.
ورابع الأصناف ابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله.
جعل ابناً للسبيل لملازمته له كما يقال لطير الماء "ابن الماء" وللشجاع "أخو الحرب" وللناس "بنو الزمان".
وقيل: هو الضيف لأن السبيل يرعف به.
وخامسهم السائلون وهم المستطعمون ويدخل فيه المسلم والكافر وقريب منه قول رسول الله "للسائل حق وإن جاء على فرس" وسادسهم المكاتبون وأشار إليه بقوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ أي في معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم.
وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها.
وقيل: في فك الأسارى.
والرقاب جمع الرقبة وهو مؤخر أصل العنق.
واشتقاقها من المراقبة وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم، ولهذا يقال للمملوك رقبة كأنه يراقب العذاب ولا يقال له عنق.
الثالث والرابع: قوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ وقد سلف مباحثهما.
ثم إن الأئمة حيث ذكر الله ، إيتاء المال في الوجوه المذكورة، ثم قفاه بإيتاء الزكاة.
ومن حق المعطوف عليه، غلب على ظنونهم أن في المال حقاً سوى الزكاة.
وكيف لا وقد اكتنف الإيتاء فرضان وهما الإيمان وإقامة الصلاة؟
وأيضاً قال "لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره طاوٍ إلى جنبه" .
ولا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة.
وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهراً.
وما روي عن علي أن الزكاة نسخت كل حق كأنه أراد الحقوق المقدّرة بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة والنفقة على الأقارب وعلى المملوك.
الخامس: قوله ﴿ الموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴾ وهو مرفوع على المدح أي هم الموفون، أو عطف على ﴿ من آمن ﴾ والمراد بالعهد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده والعمل بطاعته، فقبل العباد ذلك حيث آمنوا بالأنبياء والكتب.
ويندرج فيه ما يلتزمه المكلف ابتداء من تلقاء نفسه مما يكون بينه وبين الله كالنذور والأيمان، أو بينه وبين رسول الله كبيعة الرضوان بايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أن لا يقولوا إلا بالحق أينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائمٍ، أو بينه وبين الناس واجباً كعقود المعاوضات، أو مندوباً كالمواعيد، فلهذا قال المفسرون ههنا: هم الذين إذا واعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا، وإذا اؤتمنوا أدّوا، وإذا قالوا صدقوا.
السادس: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء ﴾ وهو نصب على المدح والاختصاص إظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال.
قال أبو علي الفارسي: إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القبول، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجهاً واحداً أو جملةً واحدة.
وذكر المحققون في إفادة اختلاف الحركة المدح والذم أن أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له: قام زيد.
فربما أثنى السامع على زيد وقال: ذكرت والله الظريف وذكرت العاقل.
أو هو - والله - الطريف، أو هو العاقل.
فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع فجرى الإعراب على ذلك أي أريد الظريف أو العاقل ﴿ والبأساء ﴾ الفقر والشدة ﴿ والضراء ﴾ المرض والزمانة.
وهما فعلاء من البؤس والضر لا أفعل لهما لأنهما ليسا بنعتين ﴿ وحين البأس ﴾ القتال في سبيل الله والجهاد.
وأصل البأس الشدة ﴿ أولئك الذين صدقوا ﴾ في إيمانهم وجدّوا في الدين ﴿ وأولئك هم المتقون ﴾ ونظير هاتين الجملتين في القطع للاستئناف قوله ﴿ أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات وصفوا بالبر الذي هو أصل كل خير؟
فأجيب بأن أولئك الموصوفين لهم قدم صدقٍ في الإسلام، وهم المتسمون بسمة التقوى.
وكل منهم منطو على جميع الخيرات ومتضمن لكل المأمورات والمنهيات، فلهذا اتصفوا بتلك الصفات.
وذكر الواحدي ههنا أن الواوان في هذه الأوصاف للجمع.
فمن شرائط البروتمام شرط البار أن يجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر في البأساء، بل لا يكون قائماً بالبر إلا عند استجماع هذه الخصال حتى قال بعضهم: إن البر من خواص الأنبياء.
والحق أنه ليس بمستبعد أن يوجد في الأمة موصوف بالبر إلا أن كمال البر لا يكون إلا في النبي ولا سيما نبينا محمد .
ثم إن أهل الكتاب كما أخلوا بجميع أوصاف البر أخلوا بالإيمان بالله ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ﴾ ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ وذهبت اليهود إلى التجسيم، والنصارى إلى الحلول والاتحاد، وأنكروا المعاد الجسماني وقالوا ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ } [البقرة: 80] وقالوا: إن جبريل عدوّنا وكفروا بالكتب السماوية ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ وقتلوا النبيين وطعنوا في نبوة المرسلين، واتسموا بسمة الشح حتى اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، ونقضوا العهود ﴿ أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريقٌ منهم ﴾ ولم يصبروا في اللأواء ﴿ لن نصبر على طعامٍ واحد ﴾ ولا حين البأس ﴿ فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ﴾ فالعجب كل العجب منهم حيث ادّعوا البر ولا شيء ولا واحد من أجزاء البر فيهم، وهذا غاية القحة ونهاية العناد والله بصير بالعباد.
التأويل: ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر الحقيقي هو بري معكم بتولية وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية لتؤمنوا بدلالة نور بري بي وببر حبي لكم تحبوني، والملائكة يحبونكم ببر حبي لكم.
وبر حبي لكم ليس بمحدث كبركم معي بل هو بر قديم في الكتاب القديم، وبنور هذه المحبة تحبون أهل محبتي وهم النبيون.
فالجنسية علة الضم.
﴿ وآتى المال على حبه ﴾ أي ما حصل للعبد من بر الحب وما مال إلى سره من عواطف الحق ينفقه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات القالبية والقلبية ﴿ ذوي القربى ﴾ وهم الروح والقلب والسر ذوو قرابة الحق ﴿ واليتامى ﴾ المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق ﴿ والمساكين ﴾ هم الأعضاء والجوارح ﴿ وابن السبيل ﴾ القوى البشرية والحواس الخمس فإنهم في التردد والسفر إلى عوالم المعقولات والمخيلات والمحسوسات والموهومات ﴿ والسائلين ﴾ الدواعي الحيوانية والروحانية ﴿ وفي الرقاب ﴾ في فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين.
فحينئذٍ أقام صلاة المحاضرة مع الله بالله وآتى زكاة مواهب الحق إلى أهل استحقاقها من الخلق وهم الموفون بعهدهم إذا عاهدوا مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق، والصابرين في بأساء مراعاة الحقوق وضراء مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند لقاء الشهود وحين بأس سطوات تجلي صفات الجلال ﴿ أولئك الذين صدقوا ﴾ ببذل الوجود ﴿ وأولئك هم المتقون ﴾ من شرك الأنانية والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قيل: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ ﴾ في نفس التوجه إلى ما ذكر دون الإيمان.
ويحتمل: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ ﴾ في ذلك، ولكن البر لمن يقصد إليه، إذ قد يقع ذلك لحوائج تعرض، تخرج عن القربة.
ويحتمل: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ ﴾ في التوجه إلى كذا، ولكن البر في الائتمار لأمره والطاعة له، والبر هو الطاعة في الحقيقة.
وقيل: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ ﴾ تحويل الوجه إلى المشرق والمغرب، ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ ﴾ ما ثبت في القلب من طاعة الله وصدقته الجوارح.
وقيل: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ ﴾ أن تصلوا ولا أن تعملوا غير الصلاة.
كل ذلك يرجع إلى واحد.
وجملته أن يقال: ليس البر كله ذلك، لكن ما ذكر، إذ ذلك الوجه هم استعظموه حتى قال الله : ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ .
والثاني: أن يكون ذلك بنفسه ليس ببر، وإنما صار برًّا بالأمر به، أو بما ذكر من الإيمان والخيرات.
فلمَّا زال عنه الوجهان سقط فعله أن يكون برًّا.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ ﴾ ، بأنه واحد، لا شريك له.
يعني صدق بالله بأنه واحد، لا شريك له.
﴿ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ، وصدق بالبعث الذي [فيه] جزاء الأعمال، وصدق بالكتب، والملائكة، [والكتاب] والنبيين.
وللبر تأويلان: أحدهما: ما قيل.
والثاني: على الإضمار؛ كأنه قال: ليس البر بر من يولي وجهه، ولكن البر بر من آمن بالله، كما قال: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي جعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله؟
وقيل: أجعلتم صاحب السقاية كمن آمن بالله؟
وقيل: إن البر بمعنى: البار، يقول ليس البار من يحول وجهه قبل كذا، ولكن البار "من آمن بالله" الآية.
وقوله: ﴿ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ﴾ .
قيل: أعطى على حاجته.
وقيل: على قلته آثر غيره على نفسه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ .
وقيل: ﴿ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ أي ذوي قرابته.
وفيه دلالة أن الأفضل أن يبدأ بصلة قرابته، ثم اليتامى؛ لأن على جميع المسلمين حفظهم؛ ولأنهم أضعف، فيبدأ بهم قبل المساكين.
روي عن رسول الله ، أنه قال: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان.
قيل: فما المسكين يا رسول الله؟
قال: الذي لا يجد ما يغنيه ولا يسأل الناس، ولا يفطن به فيتصدق عليه" ﴿ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
قيل: هو الضعيف ينزل بالمسلمين.
وقيل: هو المنقطع - حاج أو غاز - وقيل: هو المجتاز وهو واحد.
﴿ وَفِي ٱلرِّقَابِ ﴾ .
قيل: هم المكاتبون.
﴿ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ ﴾ ، ظاهر.
﴿ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ ﴾ .
يحتمل: العهود التي بينهم وبين الناس.
ويحتمل: العهود التي فيما بينهم وبين ربهم.
وقد ذكرنا العهد من الله - هو؟
- فيما مضى.
وفي حرف ابن مسعود، ، (والموفين) على النسق على الأول.
قيل: إذا عاهدت عهداً بلسانك تفي به بعملك وفعلك.
ثم ليس في القرآن آية أجمع لشرائط الإيمان من هذه، وكذلك روي عن رسول الله ، أنه سئل عن الإيمان، فقرأ هذه الآية.
وهكذا روي عن عبد الله بن مسعود، ، أنه سئل عن الإيمان، فتلا هذه الآية.
وقوله: ﴿ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ ﴾ .
قيل: في الآية تقديم وتأخير: "السائلين وفي الرقاب والصابرين".
وعلى هذا يخرج حرف ابن مسعود - رضي الله عنه: "والموفين بعهدهم".
وقوله: ﴿ ٱلْبَأْسَآءِ ﴾ .
من البأس، وهو الفقر.
﴿ وٱلضَّرَّآءِ ﴾ .
قيل: هو المرض والسقم.
﴿ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ﴾ .
قيل: عند القتال.
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ ﴾ .
في إيمانهم، أنهم مؤمنون، وصبروا على طاعة ربهم.
وقوله: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ .
وقيل: الذين صدقوا في إيمانهم وأولئك هم المتقون.
روي عن عمرو بن شرحبيل، أنه قال: "من عمل بهذه الآية فهو مستكمل الإيمان".
قال الفقيه ابن منصور: تمام كل شيء باجتماع ما يزينه.
ألا ترى أن المصلي إذا اقتصر على فرائضها لم يتم له؟!
<div class="verse-tafsir"
ليس الخير المَرضي عند الله مجرد الاتجاه إلى جهة المشرق أو المغرب والاختلاف في ذلك، ولكنّ الخير كلَّ الخير فيمن آمن بالله إلهًا واحدًا، وآمن بيوم القيامة، وبجميع الملائكة، وبجميع الكتب المنزلة، وبجميع الأنبياء دون تفريق، وأنفق المال مع حبه والحرص عليه على ذوي قرابته، ومن فقد أباه دون سن البلوغ، وذوي الحاجة، والغريب الَّذي انقطع في السفر عن أهله ووطنه، والذين تعرض لهم حاجةٌ توجب سؤال الناس، وصرف المال في تحرير الرقاب من الرق والأسر، وأقام الصلاة بالإتيان بها تامة على ما أمر الله، ودفع الزكاة الواجبة، والذين يوفون بعهدهم إذا عاهدوا، والذين يصبرون على الفقر والشدة، وعلى المرض، وفي وقت شدة القتال فلا يفرون، أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الذين صدقوا الله في إيمانهم وأعمالهم، وأولئك هم المتقون الذين امتثلوا ما أمرهم الله به، واجتنبوا ما نهاهم الله عنه.
<div class="verse-tafsir" id="91.gREl4"
ادعى (الجلال) أن هذه الآية نزلت للرد على النصارى الذين يولون وجوههم في صلاتهم قبل المشرق واليهود الذين يولونها قبل بيت المقدس.
وهذا ادعاء لم يثبت، والصحيح قريب منه، وهو أن أهل الكتاب أكبروا أمر تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة كما تقدم في آيات التحويل وحكمه، وطال خوضهم فيها حتى شغلوا المسلمين بها، وغلا كل فريق في التمسك بما هو عليه وتنقيص مقابله كما هو شأن البشر في كل خلاف يثير الجدل والنزاع، فكان أهل الكتاب يرون أن الصلاة إلى غير قبلتهم لا تقبل عند الله تعالى، ولا يكون صاحبها على دين الأنبياء، والمسلمون يرون أن الصلاة إلى المسجد الحرام هو كل شيء لأنه قبلة إبراهيم وأول بيت وضع لعبادة الله تعالى وحده.
فأراد الله تعالى أن يبين للناس كافة أن مجرد تولية الوجه قبلة مخصوصة ليس هو البر المقصود من الدين، ذلك أن استقبال الجهة المعينة إنما شرع لأجل تذكير المصلي بالإعراض عن كل ما سوى الله تعالى في صلاته والإقبال على مناجاته ودعائه وحده، وليكون شعارًا لاجتماع الأمة فتولية الوجه وسيلة للتذكير بتولية القلب، وليس ركنًا من العبادة بنفسه، وأن يبين لهم أصول البر ومقاصد الدين فقال: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾ قرأ "حمزة" و"حفص" بنصب البر والباقون برفعه وكلاهما ظاهر.
والبر بكسر الباء لغة التوسع في الخير، مشتق من البر بالفتح وهو مقابل البحر في تصور سمته كما قال الراغب، وشرعًا ما يتقرب به إلى الله تعالى من الإيمان والأخلاق والأعمال الصالحة.
وتوجيه الوجوه إلى المشرق أو المغرب ليس هو البر ولا منه بل ليس في نفسه عملًا صالحًا كما تقدم شرحه في آيات تحويل القبلة وأحلنا فيه على هذه الآية التي بين الله فيها مجامع البر ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ قرأ الجمهور لكن بالتشديد ونافع وابن عامر بالتخفيف، أي ولكن جملة البر هو من آمن بالله إلخ، وفيه الإخبار عن المعنى بالذات وهو معهود في الكلام العربي الفصيح، والقرآن جار على الأساليب العربية الفصحى، لا على فلسفة النحاة وقوانينهم الصناعية، وبلاغة هذه الأساليب إنما هي في إيصال المعاني المقصودة إلى الذهن على أجلى وجه يريده المتكلم وأحسن تأثير يقصده، ومثل هذا التعبير لا يزال مألوفًا عند أهل العربية على فساد ألسنتهم في اللغة، يقولون: ليس الكرم أن تدعو الأغنياء والأصدقاء إلى طعامك ولكن الكرم من يعطي الفقراء العاجزين عن الكسب.
فالكلام مفهوم بدون أن نقول إن معناه، ولكن ذا الكرم من يعطي أو لكن الكرم عطاء من يعطي.
وإنما نحن في حاجة إلى بيان النكتة في اختيار ذلك على قول: ولكن البر هو الإيمان بالله إلخ.
وهذه النكتة مفهومة من العبارة فإنها تمثل لك المعنى في نفس الموصوف به فتفيدك أن البر هو الإيمان وما يتبعه من الأعمال باعتبار اتحادهما وتلبس المؤمن البار بهما معًا من حيث أن الإيمان باعث على الأعمال وهي منبعثة عنه وأثر له تستمد منه وتمده وتغذيه، أي إنها تمثل لك المعنى في الشخص، أو الشخص عاملًا بالبر، وهذا أبلغ في النفس هنا من إسناد المعنى إلى المعنى ومن إسناد الذات إلى الذات كما هو مذوق ومفهوم.
ابتدأ بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر لأنه أساس كل بر، ومبدأ كل خير، ولا يكون الإيمان أصلًا للبر إلا إذا كان متمكنًا من النفس بالبرهان، مصحوبًا بالخضوع والإذعان، فمن نشأ بين قوم وسمع منهم اسم الله في حلفهم واسم الآخرة في حوارهم وقبل منهم بالتسليم أن له إلهًا وأن هناك يومًا آخر يسمى يوم القيامة وأن أهل دينه هم خير من أهل سائر الأديان، فإن ذلك لا يكون باعثًا له على البر وإن زادت معارفه بهذه الألفاظ المسلمة، فحفظ الصفات العشرين التي حدد بعض المتكلمين بها ما يجب إثباته لله تعالى عقلًا، وأضدادها التي تستحيل عليه عقلًا، وإن حفظ العقيدة السنوسية المسماة بأم البراهين أيضًا.
ولقد كان أهل الكتاب الذين تبين لهم الآية خطأهم في فهم مقاصد الدين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولكنهم كانوا بمعزل عن الإذعان والقيام بحقوق هذا الإيمان من الأعمال والأوصاف المذكورة في الآية.
الإيمان المطلوب معرفة حقيقة تملك العقل بالبرهان، والنفس بالإذعان، حتى يكون الله ورسوله أحب إلى المؤمن من كل شيء، ويؤثر أمرهما على كل شيء ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ وإيمان التقليد قد يفضل صاحبه حب كل واحد من هذه الأمور على حب الله ورسوله.
الإيمان المطلوب معرفة تطمئن بها القلوب، وتحيا بها النفوس، وتخنس معها الوساوس، وتبعد بها عن النفس الهواجس، فلا تبطر صاحبها النعمة، ولا تؤيسه النقمة ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ ، وإيمان التقليد لا يفتأ صاحبه مضطرب القلب، ميت النفس، إذا مسه الخير فهو فرح فخور، وإذا مسه الشر فهو يؤوس كفور.
الإيمان المطلوب معرفة تتمثل للمؤمن إذا عرضت له دواعي الشر وأسباب المعاصي فتحول دونها، فإذا نسي فأصاب الذنب بادر إلى التوبة والإنابة.
فالمؤمنون هم الذين وصفوا بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وهم ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ ، وإيمان التقليد يصر صاحبه على العصيان، ويقترف الفواحش عامدًا عالمًا، لا يستحي من الله ولا يوجل قلبه إذا ذكره، ولا يخالفه إذا عصاه.
الإيمان المطلوب هو الذي إذا علم صاحبه بأن الإيمان أصيب بمصيبة كانت مصيبته في دينه أشد عليه من المصيبة في نفسه وماله وولده، وكان انبعاثه إلى تلافيها أعظم من انبعاثه إلى دفع الأذى عن حقيقته، وجلب الرزق إلى نفسه وأهله وعشيرته، وإيمان المقلد لا غيرة معه على الدين ولا على الإيمان ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ، ﴿ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ الآيات.
يذكر القرآن الإيمان بالله واليوم الآخر كثيرًا، وإنما المراد به ما له مثل هذه الآثار التي شرحها في آيات كثيرة، ومن أجمعها هذه الآية التي نفسرها الآن، ولكن أهل التقليد الذين لا أثر للإيمان في قلوبهم ولا في أعمالهم إلا ما جرت به عادة قومهم من الإتيان ببعض الرسوم يؤولون كل هذه الآيات بجعلهم الإيمان قسمين: قسمًا كاملًا، وهو الذي يصف القرآن أهله بما يصفهم به.
قسمًا ناقصًا وهو إيمانهم الذي يجامع ما وصف الله تعالى به الكافرين والمنافقين، ويرون أن الإيمان الناقص كاف لنيل سعادة الآخرة ولا سيما إذا صحبه بعض الرسوم الدينية ولكن الله تعالى يرشدنا في مثل هذه الآية إلى أن الرسوم ليست من البر في شيء، وإنما البر هو الإيمان وما يظهر من آثاره في النفس والعمل كما ترى في الآية.
وأساس ذلك الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.
فالإيمان بالله يرفع النفوس عن الخضوع والاستعباد للرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطة الدينية وهي دعوى القداسة والوساطة عند الله، ودعوى التشريع والقول على الله بدون إذن الله.
أو السلطة الدنيوية وهي سلطة الملك والاستبداد، فإن العبودية لغير الله تعالى تهبط بالبشر إلى دركة الحيوان المسخر أو الزرع المستنبت والإيمان باليوم الآخر والملائكة يعلم الإنسان أن له حياة في عالم غيبي أعلى من هذا العالم، فلا يرضى لنفسه أن يكون سعيه وعلمه لأجل خدمة هذا الجسد خاصة، لأن ذلك يجعله لا يبالي إلا بالأمور البهيمية، ولا يرضى لنفسه بالأولى أن يكون عبدًا ذليلًا لبشر مثله للقب ديني أو دنيوي وقد أعزه الله بالإيمان، وإنما أئمة الدين عنده مبلغون لما شرع الله، وأئمة الدنيا منفذون لأحكام الله.
وإنما الخضوع الديني لله ولشرعه لا لشخوصهم وألقابهم.
ثم إن الإيمان بالملائكة أصل للإيمان بالوحي، لأن مَلَك الوحي روح عاقل عالم يفيض العلم بإذن الله على روح النبي بما هو موضوع الدين، ولذلك قدم ذكر الملائكة على ذكر الكتاب والنبيين، فهم الذين يؤتون النبيين الكتاب ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ فيلزم من إنكار الملائكة إنكار الوحي والنبوة وإنكار الأرواح، وذلك يستلزم إنكار اليوم الآخر، ومن أنكر اليوم الآخر يكون أكبر همه لذات الدنيا وشهواتها وحظوظها، وذلك أصل لشقاء الدنيا قبل الآخرة.
والملائكة خلق روحاني عاقل قائم بنفسه وهم من عالم الغيب فلا نبحث عن حقيقتهم كما تقدم غير مرة.
واختير لفظ الكتاب على الكتب للإيماء إلى أن كلا من اليهود والنصارى لو صح إيمانهم بكتابهم وأذعنوا له لكان في ذلك هداية لهم، وإن جهلوا وحدة الدين فلم يعرفوا حقية جميع الكتب الإلهية، على أن المقصود لازمه وهو أنهم لم يؤمنوا حق الإيمان بكتابهم إذ لا يعملون بما يرشد إليه، ولو كان إيمانهم صحيحًا لقارنه الإذعان، الباعث على العمل بقدر الإمكان، فإن كثيرًا من المؤمنين بالتسليم والتقليد كانوا كمن نزل فيهم ﴿ قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ﴾ فهذا الإيمان الذي حصر الله الصدق في أصحابه كان قد فقد من أكثر أهل الكتاب كما هو حال مجموع المسلمين في هذا العصر، فإن الذي تصدق عليه هذه الأوصاف صار نادرًا جدًا.
ولذلك حرم المسلمون ما وعد الله المؤمنين من العزة والنصر، والاستخلاف في الأرض ولن يعود لهم شيء من ذلك حتى يعودوا إلى التحقق بما ميز الله به المؤمنين من النعوت والأوصاف.
فالإيمان بالكتاب يستلزم العمل به، فإن المؤمن الموقن بأن هذا الشيء حسن نافع لا بد أن تتوجه إليه نفسه عند عدم المانع.
فما بال مدعى الإيمان بالكتاب قد أعرضوا عن امتثال أمره ونهيه حتى صاروا يعدون حفظه وقراءته من موانع الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، فكان من قوانينهم أن حافظ القرآن لا يطالب بتعلم فنون الحرب والجهاد لأنه حافظ، وصار حملة الكتاب لا يطالبون ببذل شيء من مالهم في سبيل الله، حتى إذا ما طولب أحدهم ببذل شيء لإعانة المنكوبين أو لبناء مسجد ونحو ذلك اعتذر بأنه من العلماء أو الحفاظ لكتاب الله تعالى، بخل القراء والمتفقهة بفضل الله تعالى فجازاهم تعالى على بخلهم، ووفاهم ما يستحقون على سوء ظنهم بربهم، حتى صاروا في الغالب أذل الناس، لأنهم عالة على جميع الناس.
والإيمان بالنبيين يقتضي الاهتداء بهديهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، ويتوقف هذا على معرفة سيرتهم والعلم بسنتهم.
وأبعد الناس عن الإيمان بهم من رغبوا عن معرفة ما ذكر والاهتداء به، ولا عذر لهم بما يزعمون من الاستغناء عن السنة بالاقتداء بالأئمة والفقهاء فإنه لا معنى للاقتداء بشخص إلا الاستقامة على طريقته، وإنما طريقة الأئمة المهتدين البحث عن السنة وتقديمها بعد كتاب الله تعالى على كل هداية وإرشاد، ولا يغني عن كتاب الله وسنة رسوله شيء أبدًا، فإن الله يقول ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِر ﴾ فمن استغنى عن التأسي بالرسول فقد استغنى عن الإيمان بالله واليوم الآخر، إذ لا ينفعه هذا الإيمان إلا بهذا التأسي، على أن الاقتداء بالأئمة يقضي على صاحبه بأن يعرف سيرتهم وطريقة أخذهم عن ربهم ونبيهم وأصول استدلالهم، وهؤلاء المقلدون لا يعرفون ذلك، بل يندر أن يعرف أحد منهم كلام من يدعي اتباعه وتقليده، بل جعلوا بينهم وبين أئمتهم عدة وسائط من المقلدين فهم يقلدونهم دونه، بناء على أنهم أعلم منهم بمراده، كما أنه أعلم بمراد الله ورسوله.
وهناك قوم غشيهم الجهل فغشهم بأنهم من أشد الناس إيمانًا بالرسول وحبًا له بما يصيحون به في قراءة كتب الصلاة عليه كالدلائل وأمثالها، أو المدائح الشعرية وهم أجهل الناس بأخلاقه العظيمة، وسنته السنية، وسيرته الشريفة، وأشدهم نفورًا عن التأسي به إذا دُعوا إليه، أو نُهوا عن البدع في دينه والزيادة في شريعته.
وأمثال هؤلاء من الذين ورد الحديث في الصحيحين، وغيرهما بأنهم يَردُون عليه الحوض يوم القيامة فيذادون أي يطردون دونه فيقول: "أمتي" فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: "سحقًا سحقًا لمن بَدَّل بعدي".
ثم ذكر تعالى بعد بيان أصول الإيمان أصول الأعمال الصالحة التي هي ثمرته وبدأ بأقواها دلالة عليه فقال ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ -أي وأعطى المال لأجل حبه تعالى أو حبه إياه أي المال.
وهذا الإيتاء غير إيتاء الزكاة الآتي وهو ركن من أركان البر وواجب كالزكاة.
وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل في غير وقت أداء الزكاة، بأن يرى الواجد مضطرًا بعد أداء الزكاة أو قبل تمام الحول، وهو لا يشترط فيه نصاب معين بل هو على حسب الاستطاعة، فإذا كان لا يملك إلا رغيفًا ورأى مضطرًا إليه في حال استغنائه عنه بأن لم يكن محتاجًا إليه لنفسه أو لمن تجب عليه نفقته وجب عليه بذله.
وليس المضطر وحده هو الذي له الحق في ذلك بل أمر الله تعالى المؤمن أن يعطي من غير الزكاة ﴿ ذَوِي الْقُرْبَى ﴾ وهم أحق الناس بالبر والصلة، فإن الإنسان إذا احتاج وفي أقاربه غني فإن نفسه تتوجه إليه بعاطفة الرحم، ومن المغروز في الفطرة أن الإنسان يألم لفاقة ذوي رحمه وعدمهم أشد مما يألم لفاقة غيرهم، فإنه يهون بهوانهم ويعتز بعزتهم.
فمن قطع الرحم ورضي بأن ينعم وذوو قرباه بائسون فهو بريء من الفطرة والدين، وبعيد من الخير والبر، ومن كان أقرب رحمًا كان حقه آكد وصلته أفضل، ﴿ وَالْيَتَامَى ﴾ فإنهم لموت كافلهم تتعلق كفالتهم وكفايتهم بأهل الوجد واليسار من المسلمين كيلا تسوء حالهم، وتفسد تربيتهم فيكونوا مصائب على أنفسهم وعلى الناس، ﴿ وَالْمَسَاكِينَ ﴾ أهل السكون والعفة من الفقراء، فإنهم لما قعد بهم العجز عن كسب ما يكفيهم، وسكنت نفوسهم للرضى بالقليل عن مد كف الذليل، وجبت مساعدتهم ومواساتهم على المستطيع، ﴿ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾ المنقطع في السفر لا يتصل بأهل ولا قرابة حتى كأن السبيل أبوه وأمه ورحمه وأهله، وهذا التعبير بمكان من اللطف لا يرتقي إليه سواه.
وفي الأمر بمواساته وإعانته في سفره ترغيب من الشرع في السياحة والضرب في الأرض، ﴿ وَالسَّائِلِينَ ﴾ الذين تدفعهم الحاجة العارضة إلى تكفف الناس.
وأخرهم لأنهم يسألون فيعطيهم هذا وهذا، وقد يسأل الإنسان لمواساة غيره، والسؤال محرم شرعًا إلا لضرورة يجب على السائل أن لا يتعداها، ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ أي تحريرها وعتقها وهو يشمل ابتياع الأرقاء وعتقهم وإعانة المكاتبين على أداء نجومهم ومساعدة الأسرى على الافتداء.
وفي جعل هذا النوع من البذل حقًا واجبًا في أموال المسلمين دليل على رغبة الشريعة في فك الرقاب واعتبارها أن الإنسان خلق ليكون حرًا إلا في أحوال عارضة تقضي المصلحة العامة فيها أن يكون الأسير رقيقًا.
وأخر هذا عن كل ما سبقه لأن الحاجة في تلك الأصناف قد تكون لحفظ الحياة وحاجة الرقيق إلى الحرية حاجة إلى الكمال.
ومشروعية البذل لهذه الأصناف من غير مال الزكاة لا تتقيد بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود، ولا يكون المبذول مقدارًا معينًا بالنسبة إلى ما يملك ككونه عشرًا أو ربع العشر أو عشر العشر مثلًا، وإنما هو أمر مطلق بالإحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى.
ووقاية الإنسان المحترم من الهلاك والتلف واجبة على من قدر عليها، وما زاد على ذلك فلا تقدير له.
وقد أغفل أكثر الناس هذه الحقوق العامة التي حث عليها الكتاب العزيز لما فيها من الحياة الاشتراكية المعتدلة الشريفة، فلا يكادون يبذلون شيئًا لهؤلاء المحتاجين إلا القليل النادر لبعض السائلين، وهم في هذا الزمان أقل الناس استحقاقًا لأنهم اتخذوا السؤال حرفة وأكثرهم واجدون، ولو أقاموها لكان حال المسلمين في معايشهم خيرًا من سائر الأمم ولكان هذا من أسباب دخول الناس في الإسلام، وتفضيله على جميع ما يتصور الباحثون من مذاهب الاشتراكيين والماليين.
ثم قال ﴿ وَأَقَامَ الصَّلاةَ ﴾ أي أداها على أكمل وجه وأقومه وأدامها، وهذا هو الركن الروحاني الركين للبر.
وإقامة الصلاة التي يكرر القرآن المطالبة بها لا تتحقق بأداء أفعال الصلاة وأقوالها فقط وإن جاء بها المصلي تامة على الوجه الذي يذكره الفقهاء، لأن ما يذكرونه هو صورة الصلاة وهيأتها، وإنما البر والتقوى في سر الصلاة وروحها الذي تصدر عنه آثارها من النهي عن الفحشاء والمنكر، وقلب الطباع السقيمة، والاستعاضة عنها بالغرائز المستقيمة، فقد قال تعالى: ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ﴾ فمن حافظ على الصلاة الحقيقية تطهرت نفسه من الهلع والجزع إذا مسه الشر، ومن البخل والمنع إذا مسه الخير، وكان شجاعًا كريمًا قوي العزيمة شديد الشكيمة لا يرضى بالضيم، ولا يخشى في الحق العذل واللوم، لأنه بمراقبته لله تعالى في صلاته، واستشعاره عظمته وسلطانه الأعلى في ركوعه وسجوده، يكون الله تعالى غالبًا على أمره، فلا يبالي من الشدائد في سبيله، وما أنفق من فضله ابتغاء مرضاته.
وصورة الصلاة لا تعطي صاحبها شيئًا من هذه المعاني، فليست بمجردها من البر في شيء، وإنما شرعت للتذكير بذلك السناء الإلهي، والاستعانة بها على توجه القلب إليه، واستغراقه في ذكره ومناجاته ودعائه، وهو روحها وسرها الذي يستعان به وبالصبر على جميع المقاصد العالية والمجاهدات، فهذا هو البر وقد تقدم القول في معنى الصلاة وإقامتها والاستعانة بها، وإنما نعيد التذكير، كلما أعاده الكتاب العزيز.
﴿ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾ المفروضة أي أعطاها مستحقيها.
قلما تذكر إقامة الصلاة في القرآن ألا ويقرن بها إيتاء الزكاة، فالصلاة مهذبة للروح، والمال كما يقولون قرين الروح، فبذله في سبيل الحق ركن عظيم من أركان البر، وآية من أظهر آيات الإيمان، ولذلك أجمع الصحابة عليهم الرضوان على محاربة مانعي الزكاة، ولكن الذين لا يعرفون من الدين والإيمان إلا تقليد بعض الكتب التي ألفها الميتون، ونشرها الرؤساء والحاكمون، يمنعون الزكاة عمدًا باسم الدين، بما تعلمهم هذه الكتب من الحيل التي تمنع بها الحقوق الثابتة، وآكدها الزكاة التي ذكر الكتاب مصارفها الثمانية، وقضى بأن تبقى ببقائها كلها او بعضها -ويسمونها حيلًا شرعية، وما نسبتها إلى الشرع إلا كنسبة منجل الحاصد إلى الزرع، أو العاصفة في القلع.
فمانع الزكاة يهدم في الظاهر ركنًا من أعظم أركان الإسلام، وينقض في الباطن من تحته أساس الإيمان، لأنه يحتال على الله تعالى في إبطال فريضته، وإزالة حكمته، فهو لم يرض بحكمه ولم يذعن لأمره، بل فسق عن أمر مولاه، واتخذ إلهه هواه، وتجرأ على تبديل كلمات الله، فنسخ الآيات الكثيرة من كتابه الآمرة بإيتاء الزكاة على أنها آية الإيمان، وصلاح العمران، ثم هو يسمي هذا الحنث العظيم، والجرم الكبير، حكمًا مشروعًا، ودينًا متبوعًا، ووالله إن نسبة هذا السفه إلى الشرع لأدل على الكفر من ذلك المنع، إذ لا يعقل أن يشرع الله لنا شيئًا ويؤكده علينا سبعين مرة ثم يرضى بأن نحتال عليه ونخادعه في تركه، ونزعم أنه تقدس وتعالى أذن لنا بهذه المخادعة والمخاتلة!!
إذًا لماذا فرض وأوجب، ورغب ورهب، ووعد وأوعد، وحكم وأحكم؟!
هل كان ذلك لغوًا من الكلام، وجهلًا بحكمة وضع الأحكام؟!
على أن تلك الحيل الشيطانية لم يجد لها واضعوها شبهة من تحريف كتاب الله وتأويل آياته كما هي طريقتهم في اتباع أهوائهم، وتأييد آرائهم، فإن الله تعالى لم يذكر في كتابه الحول والنصاب، وإنما ذكر ما هو روح الدين ومقصده وهو إيتاء الزكاة وكونه آية الإيمان، وتركه آية النفاق والكفران.
وقد بينت السنة بالهدى والعمل كيفية الأخذ، وقدر المأخوذ، وسائر الأحكام، وليس فيها شيء يصح أن يكون شبهة لإبطال الكتاب والهروب من الاهتداء به، ولكن المخذولين لما تركوا الاهتداء بالكتاب والسنة، وجعلوا عبارات الكتب التي صنفوها هي مآخذ الدين وينابيعه، صاروا يحتالون في تطبيق أعمالهم في تلك العبارات المخلوقة، فيكتب أحدهم مثلًا: تجب الزكاة على مالك النصاب إذا تم الحول وهو مالك له.
ثم يعمد هو وغيره إلى تطبيق دينه على هذه العبارات فيهب ماله قبل انقضاء الحول بيوم أو يومين إلى امرأته ولو مع الاشتراط عليها أن تعيده له بعد يوم أو يومين، ويقول إنه لم تجب عليه الزكاة بحسب نص الكتاب الذي سماه فقهًا، وبدل بكلمة كتابه المخلوق كتاب الله القديم، وسنة رسوله الحكيم، وحكمة دينه القويم، ويزعم مع هذا كله أنه مسلم مؤمن بالله وكتابه ورسوله، بل يزعم انه عالم فقيه في الدين، يجب تقليده واتباعه على المؤمنين، وربما يتبجح إذا سمع أو قرأ قوله :"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"؛ لأنه يزعم أن الله أراد به خيرًا ففقهه في الدين.
فيا أهل الفطرة السليمة التي لم يفسدها فقه هؤلاء المحتالين على الله لهدم دينه افتونا، هل العلم بمثل هذه الحيلة ينطبق على أصول البر التي ذكرها الله في هذه الآية، وعلى الفقه والرشد الذي ذكره النبي في حديثه هذا؟
أم هذه فتنة من فتن التقليد، وأخذ الدين من الكتب المحدثة دون كتاب الله المجيد؟
ثم قال تعالى ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾ وهذا انتقال من البر في الأعمال إلى البر في الأخلاق والأعمال الاجتماعية، فذكر منها ما هو أهم أصول البر وهو الوفاء والصبر بضروبه المبينة بعد.
وقد ذكر الأعمال بصيغة الفعل والأخلاق بصيغة الوصف؛ لأن الأعمال أفعال، والأخلاق صفات.
وفيه تنبيه على أن من أوفى وصبر تكلفًا لا يكون بارًا حتى يصير الوفاء والصبر من أخلاقه ولو بتكرار التكلف والتعمل، فقد ورد "الحلم بالتحلم".
وقدم ما ذكر من الأعمال على هذه الأخلاق لأن الأعمال هي التي تطبع الأخلاق في النفوس، ولا سيما الصلاة وبذل المال فلا أعون منهما على الوفاء والصبر وذلك ظاهر لقوم يفقهون.
والعهد عبارة عما يلتزم به المرء لآخر، وهو بعمومه يشمل ما عاهد المؤمنون عليه الله يإيمانهم من السمع والطاعة والإذعان لكل ما جاء به دينه، ويذكر العهد في القرآن والسنة كثيرًا ويراد به الغالب ما يعاهد به الناس بعضهم بعضًا عليه.
ويشترط في وجوب الوفاء بهذا العهد أن لا يكون في معصية، وفي معنى العهود العقود، وقد أمرنا بالوفاء بها، فيجب على المسلم أن يلتزم الوفاء بما يتعاقد عليه مع الناس ما لم يكن مخالفًا لأمر الله ورسوله الثابت عنده ولقواعد الدين العامة.
وهذا أمر لا مندوحة عنه وهو معقول الفائدة، ولذلك قال أهل القوانين الوضعية: إن كل التزام يخالف أصول القوانين فهو باطل، ولكن لا يجوز أن يعاهد الإنسان أحدًا أو يعاقده على أمر يعلم أنه مخالف للدين لا بنية الوفاء ولا بنية الغدر، والنقض الأول معصية والثاني معصيتان أو أكثر، لما يتضمنه من الغدر والغش ولا يتحقق البر في الإيفاء إلا إذا كان المرء يوفي من نفسه بدون إلزام حاكم يقع أو يتوقع إذا هو لم يوف، أو خوف أي جزاء ولو من غير الحكام فمن أوفى خوفًا من إهانة تصيبه أو ذم يلحق به فهو غير بار، ولا هو من الموفين بالعهود.
إن الإيفاء بالعهود والعقود من أهم الفرائض التي فرضها الله تعالى لنظام المعيشة والعمران، وإنما الصلاة والزكاة من وسائله -والزكاة فرع منه في وجه آخر- فإن الله تعالى فرض علينا الصلاة وهو غني عن العالمين لنؤدب بها نفوسنا فنعيش في الدنيا عيشة راضية، ونستحق بذلك عيشة الآخرة المرضية، إذ المصلي أجدر الناس بالقيام بحقوق عباد الله الذين هم عيال الله بما يستولي على قلبه فيها من الشعور بسلطان الله تعالى وقدرته وفضله وإحسانه، وعموم هذا السلطان والإحسان له وللناس كافة.
والغدر والإخلاف من الذنوب الهادمة للنظام، المفسدة للعمران، المفنية للأمم.
وما فقدت أمة الوفاء الذي هو ركن الأمانة وقوام الصدق إلا وحل بها العقاب الإلهي، ولا يجعل الله الانتقام من الأمم لذنب من الذنوب يفشو فيها كذنب الإخلال بالعهد والإخلاف بالوعد، وانظر حال أمة استهانت بالإيفاء بالعهود ولم تبال بالتزام العقود تر كيف حل بها عذاب الله تعالى بالإذلال، وفقد الاستدلال، وضياع الثقة بينها حتى في الأهل والعيال، فهم يعيشون عيشة الأفراد لا عيشة الأمم، صور متحركة، ووحوش مفترسة، ينتظر كل واحد وثبة الآخر عليه، إذا أمكن ليده أن تصل إليه، ولذلك يضطر كل واحد إذا عاقد أي إنسان من أمته أن يستوثق منه بكل ما يقدر، ويحترس من غدره بكل ما يمكن، فلا تعاون ولا تناصر، ولا تعاضد ولا تآزر، بل استبدلوا بهذه المزايا التحاسد والتباغض، والتعادي والتعاوض ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ ولكنهم أذلاء للعبيد.
وقد أحصيت في سنة قضايا التخاصم في محكمة "بنها" فألفيت أن خمسة وسبعين قضية في المئة منها بين الأقارب، والباقي بين سائر الناس، ولو كان في الناس وفاء، لسلموا من كل هذا البلاء.
﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ قالوا: إن البأساء اسم من البؤس وهو الشدة والفقر، والضراء ما يضر الإنسان من نحو مرض أو جرح، أو فقد محبوب من مال وأهل، وفسروا البأس باشتداد الحرب.
والصبر يحمد في هذه المواطن وفي غيرها، خص هذه الثلاث بالذكر لأن من صبر فيها كان في غيرها أصبر، لما في احتمالها من المشقة على النفس، والاضطراب في القلب، فإن الفقر إذا اشتدت وطأته يضيق له الذرع، ويكاد يفضي إلى الكفر، والضر إذا برح بالبدن يضعف الأخلاق حتى لا يكاد المرء يحتمل ما كان يسر به في حال الصحة، فما بالك بالمرض، وآلامه وما يطرأ في أثنائه من الأمور التي تسوء النفس، وأما حالة اشتداد الحرب فهي على ما فيها من الشدة والتعرض للهلكة بخوض غمرات المنية يطلب فيها من الصبر ما لا يطلب في غيرها، لأن الظفر مقرون بالصبر، وبالظفر حفظ الحق الذي يناضل من يجاهد في سبيل الله دونه ويدافع عنه، ويحاول إظهاره، ويبغي انتشاره، وهذا هو المأمور من الله تعالى بالصبر حين البأس، لا المحارب لطمع الدنيا وأهواء الملوك.
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن الفرار من الزحف من أكبر الكبائر-وعبر عنه في بعضها بالكفر- فلا غرو أن يجعل الصبر في حين البأس أصلًا من أصول البر.
وقد كان المسلمون بإرشاد هذه النصوص اعظم أمة حربية في العالم، فما زال استبداد الحكام يفسد من بأسهم، وترك الاهتداء بالكتاب والسنة يفل غربهم، حتى سبقتهم الأمم كلها في ميادين الكفاح، وحتى صرنا نسمع من امثالهم: فر لعنه الله، خير من مات رحمه الله.
وأبعد الناس عندنا عن الصبر أودناهم من الجزع والهلع والفزع المشتغلون بالعلوم الدينية، فإن الشجاعة والفروسية والرماية عندهم من المعايب التي تزري بالعلم وتحط من قدره، وهم مع هذا يقرأون في كتبهم أن الشرع أباح المراهنة -وهي من القمار الذي هو من كبائر الإثم- في السباقة والرماية خاصة، عناية بهما وترغيبًا للأمة فيهما.
فهذا البعد عن الدين ممن يسمون أنفسهم ورثة الأنبياء هو الذي قال الجاحظ: إنه لا يصل إليه أحد إلا بخذلان من الله.
وانظر بعد هذا حكم الله تعالى على البررة الذين يقيمون ما تقدم ذكره من أركان البر، قال: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ أي أولئك الأبرار الراسخون في أصول الإيمان الخمس والمنفقون للمال في مواضعه الستة، والمقيمون للصلاة الروحية الاجتماعية، والمؤتون للزكاة التي عليها مدار أمور الملة المالية والسياسية، والموفون بعهودهم الثلاثة الدينية والمالية والحربية، والصابرون في مواقف الشدة الثلاثة، هم الذين صدقوا الله في دعوى الإيمان دون الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ ﴾ الذين تشهد لهم بالتقوى أعمالهم وأحوالهم، والتقوى أن تجعل بينك وبين سخط الله وقاية بأن تتحامى أسباب خذلانه في الدنيا وعذابه في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"