الآية ١٧٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧٨ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٧٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 253 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( كتب عليكم ) العدل في القصاص أيها المؤمنون حركم بحركم ، وعبدكم بعبدكم ، وأنثاكم بأنثاكم ، ولا تتجاوزوا وتعتدوا ، كما اعتدى من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم ، وسبب ذلك قريظة و [ بنو ] النضير ، كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم ، فكان إذا قتل النضري القرظي لا يقتل به ، بل يفادى بمائة وسق من التمر ، وإذا قتل القرظي النضري قتل به ، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية القرظي ، فأمر الله بالعدل في القصاص ، ولا يتبع سبيل المفسدين المحرفين ، المخالفين لأحكام الله فيهم ، كفرا وبغيا ، فقال تعالى : ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) .

وذكر في [ سبب ] نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، في قول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) يعني : إذا كان عمدا ، الحر بالحر .

وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل ، فكان بينهم قتل وجراحات ، حتى قتلوا العبيد والنساء ، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا ، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال ، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، فنزلت فيهم .

( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) منها منسوخة ، نسختها ( النفس بالنفس ) [ المائدة : 45 ] .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( والأنثى بالأنثى ) وذلك أنهم لا يقتلون الرجل بالمرأة ، ولكن يقتلون الرجل بالرجل ، والمرأة بالمرأة فأنزل الله : النفس بالنفس والعين بالعين ، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس ، وفيما دون النفس ، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم ، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله : ( النفس بالنفس ) .

مسألة : مذهب أبي حنيفة أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة ، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود ، وهو مروي عن علي ، وابن مسعود ، وسعيد بن المسيب ، وإبراهيم النخعي ، وقتادة ، والحكم ، وقال البخاري ، وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه : ويقتل السيد بعبده ; لعموم حديث الحسن عن سمرة : " من قتل عبده قتلناه ، ومن جذعه جذعناه ، ومن خصاه خصيناه " وخالفهم الجمهور وقالوا : لا يقتل الحر بالعبد ; لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم تجب فيه دية ، وإنما تجب فيه قيمته ، وأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق أولى ، وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر ، كما ثبت في البخاري عن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقتل مسلم بكافر " ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا ، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة .

مسألة : قال الحسن وعطاء : لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية ، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ; ولقوله عليه السلام : " المسلمون تتكافأ دماؤهم " وقال الليث : إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة .

مسألة : ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد ; قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في غلام قتله سبعة فقتلهم ، وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة ، وذلك كالإجماع .

وحكي عن الإمام أحمد رواية : أن الجماعة لا يقتلون بالواحد ، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة .

وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير ، وعبد الملك بن مروان والزهري ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت ; ثم قال ابن المنذر : وهذا أصح ، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة .

وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه ، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر .

وقوله : ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) قال مجاهد عن ابن عباس : ( فمن عفي له من أخيه شيء ) فالعفو : أن يقبل الدية في العمد ، وكذا روي عن أبي العالية ، وأبي الشعثاء ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان .

وقال الضحاك عن ابن عباس : ( فمن عفي له من أخيه شيء ) يقول : فمن ترك له من أخيه شيء يعني : [ بعد ] أخذ الدية بعد استحقاق الدم ، وذلك العفو ( فاتباع بالمعروف ) يقول : فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية ( وأداء إليه بإحسان ) يعني : من القاتل من غير ضرر ولا معك ، يعني : المدافعة .

وروى الحاكم من حديث سفيان ، عن عمرو ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ويؤدي المطلوب بإحسان .

وكذا قال سعيد بن جبير ، وأبو الشعثاء جابر بن زيد ، والحسن ، وقتادة ، وعطاء الخراساني ، والربيع بن أنس ، والسدي ، ومقاتل بن حيان .

مسألة : قال مالك رحمه الله في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور ، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه : ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل ، وقال الباقون : له أن يعفو عليها وإن لم يرض القاتل ، وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو ، منهم الحسن ، وقتادة ، والزهري ، وابن شبرمة ، والليث ، والأوزاعي ، وخالفهم الباقون .

وقوله : ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) يقول تعالى : إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفا من الله عليكم ورحمة بكم ، مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو ، كما قال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، أخبرني مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى ، ولم يكن فيهم العفو ، فقال الله لهذه الأمة ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء ) فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، ذلك تخفيف [ من ربكم ورحمة ] مما كتب على من كان قبلكم ، فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان .

وقد رواه غير واحد عن عمرو [ بن دينار ] وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، عن عمرو بن دينار ، به .

[ وقد رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس ] ; ورواه جماعة عن مجاهد عن ابن عباس ، بنحوه .

وقال قتادة : ( ذلك تخفيف من ربكم ) رحم الله هذه الأمة وأطعمهم الدية ، ولم تحل لأحد قبلهم ، فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به ، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش .

وهكذا روي عن سعيد بن جبير ، ومقاتل بن حيان ، والربيع بن أنس ، نحو هذا .

وقوله : ( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) يقول تعالى : فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها ، فله عذاب من الله أليم موجع شديد .

وكذا روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، والسدي ، ومقاتل بن حيان : أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن الحارث بن فضيل ، عن سفيان بن أبي العوجاء ، عن أبي شريح الخزاعي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث : إما أن يقتص ، وإما أن يعفو ، وإما أن يأخذ الدية ; فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه .

ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها " رواه أحمد .

وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية " يعني : لا أقبل منه الدية بل أقتله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } يعني تعالى ذكره بقوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } فرض عليكم .

فإن قال قائل : أفرض على ولي القتيل القصاص من قاتل وليه ؟

قيل : لا ; ولكنه مباح له ذلك , والعفو , وأخذ الدية .

فإن قال قائل : وكيف قال : { كتب عليكم القصاص } ؟

قيل : إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه , وإنما معناه : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى , الحر بالحر والعبد بالعبد , والأنثى بالأنثى .

أي أن الحر إذا قتل الحر , فدم القاتل كفء لدم القتيل , والقصاص منه دون غيره من الناس , فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غير قاتله .

والفرض الذي فرض الله علينا في القصاص هو ما وصفت من ترك المجاوزة بالقصاص قتل القاتل بقتيله إلى غيره لا أنه وجب علينا القصاص فرضا وجوب فرض الصلاة والصيام حتى لا يكون لنا تركه , ولو كان ذلك فرضا لا يجوز لنا تركه لم يكن لقوله : { فمن عفي له من أخيه شيء } معنى مفهوم , لأنه لا عفو بعد القصاص فيقال : فمن عفي له من أخيه شيء .

وقد قيل : إن معنى القصاص في هذه الآية مقاصة ديات بعض القتلى بديات بعض ; وذلك أن الآية عندهم نزلت في حزبين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل بعضهم بعضا , فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم , بأن تسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الآخرين , وديات رجالهم بديات رجالهم , وديات عبيدهم بديات عبيدهم قصاصا فذلك عندهم معنى القصاص في هذه الآية .

فإن قال قائل : فإنه تعالى ذكره قال : { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } فما لنا أن نقتص للحر إلا من الحر , ولا للأنثى إلا من الأنثى ؟

قيل : بل لنا أن نقتص للحر من العبد وللأنثى من الذكر , بقول الله تعالى ذكره : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } 17 33 وبالنقل المستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المسلمون تتكافأ دماؤهم " .

فإن قال : فإذ كان ذلك , فما وجه تأويل هذه الآية ؟

قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك , فقال بعضهم : نزلت هذه الآية في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عبد قوم آخرين لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله من أجل أنه عبد حتى يقتلوا به سيده , وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلا لم يرضوا من دم صاحبهم بالمرأة القاتلة , حتى يقتلوا رجلا من رهط المرأة وعشيرتها , فأنزل الله هذه الآية , فأعلمهم أن الذي فرض لهم من القصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره , وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال , وبالعبد العبد القاتل دون غيره من الأحرار , فنهاهم أن يتعدوا القاتل إلى غيره في القصاص .

ذكر من قال ذلك : 2108 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثنا أبو الوليد , وحدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قالا : ثنا حماد , عن داود بن أبي هند , عن الشعبي في قوله : { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } قال : نزلت قي قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عمية , فقالوا : نقتل بعبدنا فلان ابن فلان , وبفلانة فلان ابن فلان فأنزل الله : { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } 2109 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } قال : كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان , فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة , فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم , قالوا : لا نقتل به إلا حرا ; تعززا لفضلهم على غيرهم في أنفسهم , وإذا قتلت لهم امرأة قتلتها امرأة قوم آخرين , قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا .

فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن العبد بالعبد والأنثى بالأنثى , فنهاهم عن البغي .

ثم أنزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك فقال : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص } 5 45 * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } قال : لم يكن لمن قبلنا دية إنما هو القتل أو العفو إلى أهله , فنزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم , فكانوا إذا قتل من الحي الكثير عبد , قالوا : لا نقتل به إلا حرا , وإذا قتلت منهم امرأة قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا , فأنزل الله : { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } .

2110 - حدثني محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر , قال : سمعت داود , عن عامر في هذه الآية : { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } قال : إنما ذلك في قتال عمية إذا أصيب من هؤلاء عبد ومن هؤلاء عبد تكافآ , وفي المرأتين كذلك , وفي الحرين كذلك هذا معناه إن شاء الله .

2111 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : دخل في قول الله تعالى ذكره : { الحر بالحر } الرجل بالمرأة , والمرأة بالرجل .

وقال عطاء : ليس بينهما فضل .

وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في فريقين كان بينهم قتال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل من كلا الفريقين جماعة من الرجال والنساء , فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النساء من الفريق الآخر , وديات الرجال بالرجال , وديات العبيد بالعبيد ; فذلك معنى قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } .

ذكر من قال ذلك : 2112 - حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } قال : اقتتل أهل ملتين من العرب أحدهما مسلم والآخر معاهد في بعض ما يكون بين العرب من الأمر , فأصلح بينهم النبي صلى الله عليه وسلم , وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء على أن يؤدي الحر دية الحر , والعبد دية العبد , والأنثى دية الأنثى , فقاصهم بعضهم من بعض .

2113 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان , عن السدي عن أبي مالك قال : كان بين حيين من الأنصار قتال , كان لأحدهما على الآخر الطول , فكأنهم طلبوا الفضل , فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم , فنزلت هذه الآية : { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحر بالحر والعبد بالعبد , والأنثى بالأنثى .

2114 - حدثنا المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن شعبة , عن أبي بشر , قال : سمعت الشعبي يقول في هذه الآية : { كتب عليكم القصاص في القتلى } قال : نزلت في قتال عمية - قال شعبة : كأنه في صلح - قال : اصطلحوا على هذا .

* - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , قال : سمعت الشعبي يقول في هذه الآية : { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } قال : نزلت في قتال عمية , قال : كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال آخرون : بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره بمقاصة دية الحر ودية العبد ودية الذكر ودية الأنثى في قتل العمد إن اقتص للقتيل من القاتل , والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه .

ذكر من قال ذلك : 2115 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } قال : حدثنا عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول : أيما حر قتل عبدا فهو قود به , فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه , وقاصوهم بثمن العبد من دية الحر , وأدوا إلى أولياء الحر بقية ديته .

وإن عبد قتل حرا فهو به قود , فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد , وقاصوهم بثمن العبد وأخذوا بقية دية الحر , وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيوا العبد .

وأي حر قتل امرأة فهو بها قود , فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا نصف الدية إلى أولياء الحر .

وإن امرأة قتلت حرا فهي به قود , فإن شاء أولياء الحر قتلوها وأخذوا نصف الدية , وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيوها وإن شاءوا عفوا .

2116 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا هشام بن عبد الملك , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن قتادة , عن الحسن أن عليا قال في رجل قتل امرأته , قال : إن شاءوا قتلوه وغرموا نصف الدية .

2117 - حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا يحيى , عن سعيد , عن عوف , عن الحسن قالا : لا يقتل الرجل بالمرأة حتى يعطوا نصف الدية .

2118 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , عن الشعبي , قال في رجل قتل امرأته عمدا , فأتوا به عليا , فقال : إن شئتم فاقتلوه , وردوا فضل دية الرجل على دية المرأة .

وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في حال ما نزلت والقوم لا يقتلون الرجل بالمرأة , ولكنهم كانوا يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة حتى سوى الله بين حكم جميعهم بقوله : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } 5 45 فجعل جميعهم قود بعضهم ببعض .

ذكر من قال ذلك : 2119 - حدثنا المثنى قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { والأنثى بالأنثى } وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة , ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة , فأنزل الله تعالى : { النفس بالنفس } فجعل الأحرار في القصاص , سواء فيما بينهم في العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وما دون النفس , وجعل العبيد مستوين فيما بينهم في العمد في النفس وما دون النفس , رجالهم ونساؤهم .

فإذ كان مختلفا الاختلاف الذي وصفت فيما نزلت فيه هذه الآية , فالواجب علينا استعمالها فيما دلت عليه من الحكم بالخبر القاطع العذر .

وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل العام أن نفس الرجل الحر قود قصاصا بنفس المرأة الحرة , فإذ كان ذلك كذلك , وكانت الأمة مختلفة في التراجع بفضل ما بين دية الرجل والمرأة على ما قد بينا من قول علي وغيره وكان واضحا فساد قول من قال بالقصاص في ذلك والتراجع بفضل ما بين الديتين بإجماع جميع أهل الإسلام على أن حراما على الرجل أن يتلف من جسده عضوا بعوض يأخذه على إتلافه فدع جميعه , وعلى أن حراما على غيره إتلاف شيء منه مثل الذي حرم من ذلك بعوض يعطيه عليه , فالواجب أن تكون نفس الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قودا .

وإذا كان ذلك كذلك كان بينا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره : { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } أن لا يقاد العبد بالحر , وأن لا تقتل الأنثى بالذكر , ولا الذكر بالأنثى .

وإذا كان ذلك كذلك كان بينا أن الآية معني بها أحد المعنيين الآخرين : إما قولنا من أن لا يتعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني , فيؤخذ بالأنثى الذكر , وبالعبد الحر .

وإما القول الآخر وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ديات قتلاهم قصاصا بعضها من بعض , كما قاله السدي ومن ذكرنا قوله وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن المقاصة في الحقوق غير واجبة , وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نسخه وإذا كان كذلك , وكان قوله تعالى ذكره : { كتب عليكم القصاص } ينبئ عن أنه فرض كان معلوما أن القول خلاف ما قاله قائل هذه المقالة , لأن ما كان فرضا على أهل الحقوق أن يفعلوه فلا خيار لهم فيه , والجميع مجمعون على أن لأهل الحقوق الخيار في مقاصتهم حقوقهم بعضها من بعض , فإذا تبين فساد هذا الوجه الذي ذكرنا , فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا .

فإن قال قائل - إذ ذكرت أن معنى قوله : { كتب عليكم القصاص } بمعنى : فرض عليكم القصاص - : لا يعرف لقول القائل " كتب " معنى إلا معنى خط ذلك فرسم خطا وكتابا , فما برهانك على أن معنى قوله " كتب " فرض ؟

قيل : إن ذلك في كلام العرب موجود , وفي أشعارهم مستفيض , ومنه قول الشاعر : كتب القتل والقتال علينا وعلى المحصنات جر الذيول وقول نابغة بني جعدة : يا بنت عمي كتاب الله أخرجني عنكم فهل أمنعن الله ما فعلا وذلك أكثر في أشعارهم وكلامهم من أن يحصى .

غير أن ذلك وإن كان بمعنى فرض , فإنه عندي مأخوذ من الكتاب الذي هو رسم وخط , وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميع ما فرض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ , فقال تعالى ذكره في القرآن : { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } 85 21 : 22 وقال : { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون } 56 77 : 78 فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا ففي اللوح المحفوظ مكتوب فمعنى قول إذ كان ذلك كذلك : { كتب عليكم القصاص } كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصاص في القتلى فرضا أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله .

وأما القصاص فإنه من قول القائل : قاصصت فلانا حقي قبله من حقه قبلي , قصاصا ومقاصة فقتل القاتل بالذي قتله قصاص , لأنه مفعول به مثل الذي فعل بمن قتله , وإن كان أحد الفعلين عدوانا والآخر حقا فهما وإن اختلفا من هذا الوجه , فهما متفقان في أن كل واحد قد فعل بصاحبه مثل الذي فعل صاحبه به , وجعل فعل ولي القتيل الأول إذا قتل قاتل وليه قصاصا , إذ كان بسبب قتله استحق قتل من قتله , فكأن وليه المقتول هو الذي ولي قتل قاتله فاقتص منه .

وأما القتلى فإنها جمع قتيل , كما الصرعى جمع صريع , والجرحى جمع جريح .

وإنما يجمع الفعيل على الفعلى , إذا كان صفة للموصوف به بمعنى الزمانة والضرر الذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه ومصرعه , نحو القتلى في معاركهم , والصرعى في مواضعهم , والجرحى وما أشبه ذلك فتأويل الكلام إذن : فرض عليكم أيها المؤمنون القصاص في القتلى أن يقتص الحر بالحر والعبد بالعبد , والأنثى بالأنثى .

ثم ترك ذكر أن يقتص اكتفاء بدلالة قوله : { كتب عليكم القصاص } عليه .بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه القول في تأويل قوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : تأويله : فمن ترك له من القتل ظلما من الواجب كان لأخيه عليه من القصاص , وهو الشيء الذي قال الله : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع } من العافي للقاتل بالواجب له قبله من الدية وأداء من المعفو عنه ذلك إليه بإحسان .

ذكر من قال ذلك : 2120 - حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابي , قال : ثنا سفيان بن عيينة , عن عمرو , عن مجاهد , عن ابن عباس : { فمن عفي له من أخيه شيء } فالعفو أن يقبل الدية في العمد , واتباع بالمعروف أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج بن المنهال قال : ثنا حماد بن سلمة , قال : ثنا عمرو بن دينار , عن جابر بن زيد , عن ابن عباس أنه قال في قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } فقال : هو العمد يرضى أهله بالدية { واتباع بالمعروف } أمر به الطالب { وأداء إليه بإحسان } من المطلوب .

* - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان , قال : ثنا أبي , وحدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر قالا جميعا : أخبرنا ابن المبارك , عن محمد بن مسلم , عن عمرو بن دينار , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : الذي يقبل الدية ذلك منه عفو , واتباع بالمعروف , ويؤدي إليه الذي عفي له من أخيه بإحسان .

* - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } وهي الدية أن يحسن الطالب الطلب { وأداء إليه بإحسان } وهو أن يحسن المطلوب الأداء .

2121 - حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } والعفو الذي يعفو عن الدم , ويأخذ الدية .

* - حدثنا سفيان , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فمن عفي له من أخيه شيء } قال : الدية .

2122 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن يزيد , عن إبراهيم , عن الحسن : { وأداء إليه بإحسان } قال : على هذا الطالب أن يطلب بالمعروف , وعلى هذا المطلوب أن يؤدي بإحسان .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف } والعفو : الذي يعفو عن الدم , ويأخذ الدية .

2123 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثنا أبو الوليد , قال : ثنا حماد , عن داود بن أبي هند , عن الشعبي في قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } قال : هو العمد يرضى أهله بالدية .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , عن داود , عن الشعبي , مثله .

2124 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } يقول : قتل عمدا فعفي عنه , وقبلت منه الدية , يقول : { فاتباع بالمعروف } فأمر المتبع أن يتبع بالمعروف , وأمر المؤدي أن يؤدي بإحسان والعمد قود إليه قصاص , لا عقل فيه إلا أن يرضوا بالدية , فإن رضوا بالدية فمائة خلفة , فإن قالوا : لا نرضى إلا بكذا وكذا ; فذاك لهم .

2125 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } قال : يتبع به الطالب بالمعروف , ويؤدي المطلوب بإحسان .

2126 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } يقول : فمن قتل عمدا فعفي عنه وأخذت منه الدية , يقول : { فاتباع بالمعروف } : أمر صاحب الدية التي يأخذها أن يتبع بالمعروف , وأمر المؤدي أن يؤدي بإحسان .

2127 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } قال : ذلك إذا أخذ الدية فهو عفو .

2128 - حدثنا الحسن , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : أخبرني القاسم بن أبي بزة , عن مجاهد قال : إذا قبل الدية فقد عفا عن القصاص , فذلك قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } .

قال ابن جريج : وأخبرني الأعرج عن مجاهد مثل ذلك , وزاد فيه : فإذا قبل الدية فإن عليه أن يتبع بالمعروف , وعلى الذي عفي عنه أن يؤدي بإحسان .

* - حدثنا المثنى قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ; قال : ثنا أبو عقيل ; قال : قال الحسن : أخذ الدية عفو حسن .

2129 - حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وأداء إليه بإحسان } قال : أنت أيها المعفو عنه .

* - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } وهو الدية أن يحسن الطالب , وأداء إليه بإحسان : هو أن يحسن المطلوب الأداء .

وقال آخرون معنى قوله : { فمن عفي } فمن فضل له فضل وبقيت له بقية .

وقالوا : معنى قوله : { من أخيه شيء } من دية أخيه شيء , أو من أرش جراحته فاتباع منه القاتل أو الجارح الذي بقي ذلك قبله بمعروف وأداء من القاتل أو الجارح إليه ما بقي قبله له من ذلك بإحسان .

وهذا قول من زعم أن الآية نزلت , أعني قوله : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } في الذين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم فيقاص ديات بعضهم من بعض ويرد بعضهم على بعض بفضل إن بقي لهم قبل الآخرين .

وأحسب أن قائلي هذا القول وجهوا تأويل العفو في هذا الموضع إلى الكثرة من قول الله تعالى ذكره : { حتى عفوا } 7 95 فكان معنى الكلام عندهم : فمن كثر له قبل أخيه القاتل .

ذكر من قال ذلك : 2130 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فمن عفي له من أخيه شيء } يقول : بقي له من دية أخيه شيء أو من أرش جراحته , فليتبع بمعروف وليؤد الآخر إليه بإحسان .

والواجب على تأويل القول الذي روينا عن علي والحسن - في قوله : { كتب عليكم القصاص } أنه بمعنى مقاصة دية النفس الذكر من دية النفس الأنثى , والعبد من الحر , والتراجع بفضل ما بين ديتي أنفسهما - أن يكون معنى قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء } فمن عفي له من الواجب لأخيه عليه من قصاص دية أحدهما بدية نفس الآخر إلى الرضى بدية نفس المقتول , فاتباع من الولي بالمعروف , وأداء من القاتل إليه ذلك بإحسان .

وأولى الأقوال عندي بالصواب في قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء } فمن صفح له من الواجب كان لأخيه عليه من القود عن شيء من الواجب على دية يأخذها منه , فاتباع بالمعروف من العافي عن الدم الراضي بالدية من دم وليه , وأداء إليه من القاتل ذلك بإحسان ; لما قد بينا من العلل فيما مضى قبل من أن معنى قول الله تعالى ذكره : { كتب عليكم القصاص } إنما هو القصاص من النفوس القاتلة أو الجارحة والشاجة عمدا , كذلك العفو أيضا عن ذلك .

وأما معنى قوله : { فاتباع بالمعروف } فإنه يعني : فاتباع على ما أوجبه الله له من الحق قبل قاتل وليه من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه في أسنان الفرائض أو غير ذلك , أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه .

كما : 2131 - حدثني بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : بلغنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من زاد أو ازداد بعيرا " يعني في إبل الديات وفرائضها " فمن أمر الجاهلية " .

وأما إحسان الآخر في الأداء , فهو أداء ما لزمه بقتله لولي القتيل على ما ألزمه الله وأوجبه عليه من غير أن يبخسه حقا له قبله بسبب ذلك , أو يحوجه إلى اقتضاء ومطالبة .

فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : { فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } ولم يقل : فاتباعا بالمعروف وأداء إليه بإحسان كما قال : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } 47 4 ؟

قيل : لو كان التنزيل جاء بالنصب , وكان : فاتباعا بالمعروف وأداء إليه بإحسان , كان جائزا في العربية صحيحا على وجه الأمر , كما يقال : ضربا ضربا , وإذا لقيت فلانا فتبجيلا وتعظيما غير أنه جاء رفعا وهو أفصح في كلام العرب من نصبه , وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرا له مما يكون فرضا عاما فيمن قد فعل وفيمن لم يفعل إذا فعل , لا ندبا وحثا .

ورفعه على معنى : فمن عفي له من أخيه شيء فالأمر فيه اتباع بالمعروف , وأداء إليه بإحسان , أو : فالقضاء والحكم فيه اتباع بالمعروف .

وقد قال بعض أهل العربية : رفع ذلك على معنى : فمن عفي له من أخيه شيء فعليه اتباع بالمعروف .

وهذا مذهبي , والأول الذي قلناه هو وجه الكلام , وكذلك كل ما كان من نظائر ذلك في القرآن فإن رفعه على الوجه الذي قلناه , وذلك مثل قوله : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } 5 95 وقوله : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } 2 229 وأما قوله : { فضرب الرقاب } فإن الصواب فيه النصب , وهو وجه الكلام لأنه على وجه الحث من الله تعالى ذكره عباده على القتل عند لقاء العدو كما يقال : إذا لقيتم العدو فتكبيرا وتهليلا , على وجه الحض على التكبير لا على وجه الإيجاب والإلزام .بإحسان ذلك تخفيف من ربكم القول في تأويل قوله تعالى : { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } يعني تعالى ذكره بقوله ذلك : هذا الذي حكمت به وسننته لكم من إباحتي لكم أيتها الأمة العفو عن القصاص من قاتل قتيلكم على دية تأخذونها فتملكونها ملككم سائر أموالكم التي كنت منعتها من قبلكم من الأمم السالفة , { تخفيف من ربكم } يقول : تخفيف مني لكم مما كنت ثقلته على غيركم بتحريم ذلك عليهم ورحمة مني لكم .

كما : 2132 - حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابي قالا : ثنا سفيان , عن عمرو بن دينار , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية , فقال الله في هذه الآية : { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر } إلى قوله : { فمن عفي له من أخيه شيء } فالعفو أن يقبل الدية في العمد , { ذلك تخفيف من ربكم } يقول : خفف عنكم ما كان على من كان قبلكم أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان .

2133 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق , قال : ثنا أبي , قال : ثنا عبد الله بن المبارك , عن محمد بن مسلم , عن عمرو بن دينار عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : كان من قبلكم يقتلون القاتل بالقتيل لا تقبل منهم الدية , فأنزل الله : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر } إلى آخر الآية ; { ذلك تخفيف من ربكم } يقول : خفف عنكم وكان على من قبلكم أن الدية لم تكن تقبل , فالذي يقبل الدية ذلك منه عفو .

2134 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد بن سلمة , قال : أخبرنا عمرو بن دينار , عن جابر بن زيد , عن ابن عباس : { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } مما كان على بني إسرائيل , يعني من تحريم الدية عليهم .

2135 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , عن ابن عباس قال : كان على بني إسرائيل قصاص في القتل ليس بينهم دية في نفس ولا جرح , وذلك قول الله : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين } الآية كلها .

وخفف الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم , فقبل منهم الدية في النفس وفي الجراحة , وذلك قوله تعالى : { ذلك تخفيف من ربكم } 2 178 بينكم .

2136 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } وإنما هي رحمة رحم الله بها هذه الأمة أطعمهم الدية , وأحلها لهم , ولم تحل لأحد قبلهم .

فكان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو , وليس بينهما أرش .

وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به , فجعل الله لهذه الأمة القود والعفو والدية إن شاءوا أحلها لهم , ولم تكن لأمة قبلهم .

2137 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بمثله سواء , غير أنه قال : ليس بينهما شيء .

2138 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } قال : لم يكن لمن قبلنا دية , إنما هو القتل أو العفو إلى أهله , فنزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم .

2139 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : وأخبرني عمرو بن دينار , عن ابن عباس , قال : إن بني إسرائيل كان كتب عليهم القصاص , وخفف عن هذه الأمة .

وتلا عمرو بن دينار : { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } وأما على قول من قال : القصاص في هذه الآية معناه : قصاص الديات بعضها من بعض على ما قاله السدي فإنه ينبغي أن يكون تأويله : هذا الذي فعلت بكم أيها المؤمنون من قصاص ديات قتلى بعضكم بديات بعض وترك إيجاب القود على الباقين منكم بقتيله الذي قتله وأخذه بديته , تخفيف مني عنكم ثقل ما كان عليكم من حكمي عليكم بالقود أو الدية ورحمة مني لكم .ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب القول في تأويل قوله تعالى : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } يعني تعالى ذكره بقوله : { فمن اعتدى بعد ذلك } فمن تجاوز ما جعله الله له بعد أخذه الدية اعتداء وظلما إلى ما لم يجعل له من قتل قاتل وليه وسفك دمه , فله بفعله ذلك وتعديه إلى ما قد حرمته عليه عذاب أليم .

وقد بينت معنى الاعتداء فيما مضى بما أغنى عن إعادته .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 2140 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فمن اعتدى بعد ذلك } فقتل , { فله عذاب أليم } * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : فمن اعتدى بعد أخذ الدية فله عذاب أليم .

2141 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , عن سعيد , عن قتادة قوله : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } يقول : فمن اعتدى بعد أخذه الدية فقتل , فله عذاب أليم .

قال : وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " لا أعافي رجلا قتل بعد أخذه الدية " * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { فمن اعتدى بعد ذلك } قال : هو القتل بعد أخذ الدية , يقول : من قتل بعد أن يأخذ الدية فعليه القتل لا تقبل منه الدية .

2142 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } يقول : فمن اعتدى بعد أخذه الدية فله عذاب أليم .

2143 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : حدثني أبي , عن يزيد بن إبراهيم , عن الحسن , قال : كان الرجل إذا قتل قتيلا في الجاهلية فر إلى قومه , فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية .

قال : فيخرج الفار وقد أمن على نفسه .

قال : فيقتل ثم يرمى إليه بالدية , فذلك الاعتداء .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا مسلم بن إبراهيم , قال : ثنا أبو عقيل قال : سمعت الحسن في هذه الآية : { فمن عفي له من دم أخيه شيء } قال : القاتل إذا طلب فلم يقدر عليه , وأخذ من أوليائه الدية , ثم أمن فأخذ فقتل , قال الحسن : ما أكل عدوان .

2144 - حدثني المثنى , قال : ثنا مسلم , قال : ثنا القاسم , قال : ثنا هارون بن سليمان , قال : قلت لعكرمة : من قتل بعد أخذه الدية ؟

قال : إذا يقتل , أما سمعت الله يقول : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } 2145 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فمن اعتدى بعد ذلك } بعد ما يأخذ الدية فيقتل , { فله عذاب أليم } 2146 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { فمن اعتدى بعد ذلك } يقول : فمن اعتدى بعد أخذه الدية { فله عذاب أليم } 2147 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } قال : أخذ العقل ثم قتل بعد أخذ العقل قاتل قتيله فله عذاب أليم .

واختلفوا في معنى العذاب الأليم الذي جعله الله لمن اعتدى بعد أخذه الدية من قاتل وليه , فقال بعضهم : ذلك العذاب هو القتل بمن قتله بعد أخذ الدية منه وعفوه عن القصاص منه بدم وليه .

ذكر من قال ذلك : 2148 - حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } قال : يقتل , وهو العذاب الأليم , يقول : العذاب الموجع .

2149 - حدثني يعقوب , قال : حدثني هشيم , قال : ثنا أبو إسحاق عن سعيد بن جبير أنه قال ذلك .

2150 - حدثني المثنى , قال : ثنا مسلم بن إبراهيم قال : ثنا القاسم , قال : حدثنا هارون بن سليمان , عن عكرمة : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } قال : القتل .

وقال بعضهم : ذلك العذاب عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يرى من عقوبته .

ذكر من قال ذلك : 2151 - حدثني القاسم بن الحسن , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني إسماعيل بن أمية عن الليث - غير أنه لم ينسبه , وقال : ثقة - : أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب بقسم أو غيره أن لا يعفى عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ثم عدا فقتل .

قال ابن جريج : وأخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز , قال : في كتاب لعمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والاعتداء " الذي ذكر الله أن الرجل يأخذ العقل أو يقتص , أو يقضي السلطان فيما بين الجراح , ثم يعتدي بعضهم من بعد أن يستوعب حقه , فمن فعل ذلك فقد اعتدى , والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة .

قال : ولو عفا عنه لم يكن لأحد من طلبة الحق أن يعفو , لأن هذا من الأمر الذي أنزل الله فيه قوله : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } 4 59 2152 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد , عن يونس , عن الحسن في رجل قتل فأخذت منه الدية , ثم إن وليه قتل به القاتل , قال الحسن : تؤخذ منه الدية التي أخذ ولا يقتل به .

وأولى التأويلين بقوله : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } تأويل من قال : فمن اعتدى بعد أخذه الدية , فقتل قاتل وليه , فله عذاب أليم في عاجل الدنيا وهو القتل ; لأن الله تعالى جعل لكل ولي قتيل قتل ظلما سلطانا على قاتل وليه , فقال تعالى ذكره : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل } 17 33 فإذ كان ذلك كذلك , وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قتل قاتل وليه بعد عفوه عنه وأخذه منه دية قتيله أنه بقتله إياه له ظالم في قتله كان بينا أن لا يولي من قتله ظلما كذلك السلطان عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية أي ذلك شاء .

وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أن ذلك عذابه , لأن من أقيم عليه حده في الدنيا كان ذلك عقوبته من ذنبه ولم يكن به متبعا في الآخرة , على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأما ما قاله ابن جريج من أن حكم من قتل قاتل وليه بعد عفوه عنه وأخذه دية وليه المقتول إلى الإمام دون أولياء المقتول , فقول خلاف لما دل عليه ظاهر كتاب الله وأجمع عليه علماء الأمة .

وذلك أن الله جعل لولي كل مقتول ظلما السلطان دون غيره من غير أن يخص من ذلك قتيلا دون قتيل , فسواء كان ذلك قتيل ولي من قتله أو غيره .

ومن خص من ذلك شيئا سئل البرهان عليه من أصل أو نظير وعكس عليه القول فيه , ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله .

ثم في إجماع الحجة على خلافه ما قاله في ذلك مكتفى في الاستشهاد على فساده بغيره .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم[ ص: 229 ] فيه سبع عشرة مسألة :الأولى : روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية ، فقال الله لهذه الأمة : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فالعفو أن يقبل الدية في العمد فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كتب على من كان قبلكم فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم قتل بعد قبول الدية .

هذا لفظ البخاري : حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت مجاهدا قال سمعت ابن عباس يقول : وقال الشعبي في قوله تعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى قال : أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا فقالوا ، نقبل بعبدنا فلان بن فلان ، وبأمتنا فلانة بنت فلان ، ونحوه عن قتادة .الثانية : قوله تعالى : كتب عليكم القصاص كتب معناه فرض وأثبت ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة :كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيولوقد قيل : إن كتب هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء ، والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار .

وقص الشعر اتباع أثره ، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك ، ومنه فارتدا على آثارهما قصصا ، وقيل : القص القطع ، يقال : قصصت ما بينهما ، ومنه أخذ القصاص ; لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به ، يقال : أقص الحاكم فلانا من فلان وأباءه به فأمثله فامتثل منه ، أي اقتص منه .الثالثة : صورة القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع ، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك التعدي على غيره ، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل ، وهو معنى قوله عليه السلام : إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة : رجل قتل غير قاتله ، ورجل قتل في الحرم ، ورجل أخذ بذحول [ ص: 230 ] الجاهلية .

قال الشعبي وقتادة وغيرهما : إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان ، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد ، قتله عبد قوم آخرين قالوا : لا نقتل به إلا حرا ، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا ، وإذا قتل لهم وضيع قالوا : لا نقتل به إلا شريفا ، ويقولون : ( القتل أوقى للقتل ) بالواو والقاف ، ويروى ( أبقى ) بالباء والقاف ، ويروى ( أنفى ) بالنون والفاء ، فنهاهم الله عن البغي فقال : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد الآية ، وقال ولكم في القصاص حياة ، وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم .الرابعة : لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولوا الأمر ، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك ; لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص ، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود ، وليس القصاص بلازم إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء ، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح ، على ما يأتي بيانه .فإن قيل : فإن قوله تعالى كتب عليكم معناه فرض وألزم ، فكيف يكون القصاص غير واجب ؟

قيل له : معناه إذا أردتم ، فأعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاح ، والقتلى جمع قتيل ، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة ، وهو مما يدخل على الناس كرها ، فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى ، وشبههن .الخامسة : قوله تعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى الآية .

اختلف في تأويلها ، فقالت طائفة : جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه ، فبينت حكم الحر إذا قتل حرا ، والعبد إذا قتل عبدا ، والأنثى إذا قتلت أنثى ، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر ، فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة ، قاله مجاهد وذكره أبو عبيد عن ابن عباس .

وروي عن ابن عباس أيضا أنها منسوخة بآية " المائدة " وهو قول أهل العراق .[ ص: 231 ] السادسة : قال الكوفيون والثوري : يقتل الحر بالعبد ، والمسلم بالذمي ، واحتجوا بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى فعم ، وقوله : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس قالوا : والذمي مع المسلم متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد ، فإن الذمي محقون الدم على التأبيد ، والمسلم كذلك ، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام ، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي ، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم ، فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه ، واتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به ، وهو قول داود وروي ذلك عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما ، وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد ، للتنويع والتقسيم في الآية .

وقال أبو ثور : لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك ، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض ، وأيضا فالإجماع فيمن قتل عبدا خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة ، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد ، وأيضا فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى ، ويتصرف فيه الحر كيف شاء ، فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة .قلت : هذا الإجماع صحيح ، وأما قوله أولا : " ولما اتفق جميعهم - إلى قوله - فقد ناقض " فقد قال ابن أبي ليلى وداود بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي جميع الأعضاء ، واستدل داود بقوله عليه السلام : المسلمون تتكافأ دماؤهم فلم يفرق بين حر وعبد .

وسيأتي بيانه في " النساء " إن شاء الله تعالى .السابعة : والجمهور أيضا على أنه لا يقتل مسلم بكافر ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقتل مسلم بكافر أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب ، ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر ; لأنه منقطع ، ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف عن [ ص: 232 ] ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا .

قال الدارقطني : " لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث ، والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وابن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث ، فكيف بما يرسله " .قلت : فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري ، وهو يخصص عموم قوله تعالى : كتب عليكم القصاص في القتلى الآية ، وعموم قوله : النفس بالنفس .الثامنة : روي عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصري أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ، ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبدا أو عبد حرا ، أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرا ، وقالا : إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية ، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة .

وإذا قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية ، وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها .

روى هذا الشعبي عن علي ، ولا يصح ; لأن الشعبي لم يلق عليا ، وقد روى الحكم عن علي وعبد الله قالا : إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود ، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي وأجمع العلماء على أن الأعور والأشل إذا قتل رجلا سالم الأعضاء أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور ، ويأخذ منه نصف الدية من أجل أنه قتل ذا عينين وهو أعور ، وقتل ذا يدين وهو أشل ، فهذا يدل على أن النفس مكافئة للنفس ، ويكافئ الطفل فيها الكبير .ويقال لقائل ذلك : إن كان الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم : المسلمون تتكافأ دماؤهم فلم قتلت الرجل بها وهي لا تكافئه ثم تأخذ نصف الدية ، والعلماء قد أجمعوا أن الدية لا تجتمع مع القصاص ، وأن الدية إذا قبلت حرم الدم وارتفع القصاص ، فليس قولك هذا بأصل ولا قياس ، قاله أبو عمر رضي الله عنه ، وإذا قتل الحر العبد ، فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد ، وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد ، هذا مذكور عن علي والحسن ، وقد أنكر ذلك عنهم أيضا .التاسعة : وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ، والجمهور لا يرون الرجوع بشيء ، وفرقة ترى الاتباع بفضل الديات .

قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور : وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس ، وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة : لا قصاص بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس بالنفس ، وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأولى ، على ما تقدم .[ ص: 233 ] العاشرة : قال ابن العربي : لقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا : يقتل الحر بعبد نفسه ، ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قتل عبده قتلناه وهو حديث ضعيف ، ودليلنا قوله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل والولي ها هنا السيد ، فكيف يجعل له سلطان على نفسه " ، وقد اتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال ، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده بهفإن قيل : فإذا قتل الرجل زوجته لم لم تقولوا : ينصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج ، إذ النكاح ضرب من الرق ، وقد قال ذلك الليث بن سعد .

قلنا : النكاح ينعقد لها عليه ، كما ينعقد له عليها ، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعا سواها ، وتطالبه في حق الوطء بما يطالبها ، ولكن له عليها فضل القوامة التي جعل الله له عليها بما أنفق من ماله ، أي بما وجب عليه من صداق ونفقة ، فلو أورث شبهة لأورثها في الجانبين .قلت : هذا الحديث الذي ضعفه ابن العربي وهو صحيح ، أخرجه النسائي وأبو داود وتتميم متنه : ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه ، وقال البخاري عن علي بن المديني : سماع الحسن من سمرة صحيح ، وأخذ بهذا الحديث .

وقال البخاري : وأنا أذهب إليه ، فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الإمامان ، وحسبك بهما ، ويقتل الحر بعبد نفسه .

قال النخعي والثوري في أحد قوليه وقد قيل : إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة ، والله أعلم .

[ واختلفوا في القصاص بين العبيد فيما دون النفس ، هذا قول عمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله والزهري وقران ومالك والشافعي وأبو ثور ، وقال الشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة : لا قصاص بينهم إلا في النفس .

قال ابن المنذر : الأول أصح ] .الحادية عشر : روى الدارقطني وأبو عيسى الترمذي عن سراقة بن مالك قال : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد الأب من ابنه ، ولا يقيد الابن من أبيه .

قال أبو عيسى : " هذا حديث لا [ ص: 234 ] نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده بصحيح ، رواه إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح ، والمثنى يضعف في الحديث ، وقد روى هذا الحديث أبو خالد الأحمر عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد روي هذا الحديث عن عمرو بن شعيب مرسلا ، وهذا الحديث فيه اضطراب ، والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل به ، وإذا قذفه لا يحد " ، وقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عمدا ، فقالت طائفة : لا قود عليه وعليه ديته ، وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، وروي ذلك عن عطاء ومجاهد وقال مالك وابن نافع وابن عبد الحكم : يقتل به ، وقال ابن المنذر : وبهذا نقول لظاهر الكتاب والسنة ، فأما ظاهر الكتاب فقوله تعالى : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ، والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ولا نعلم خبرا ثابتا يجب به استثناء الأب من جملة الآية ، وقد روينا فيه أخبارا غير ثابتة ، وحكى إلكيا الطبري عن عثمان البتي أنه يقتل الوالد بولده ، للعمومات في القصاص .

وروي مثل ذلك عن مالك ، ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن .قلت : لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنه متعمدا مثل أن يضجعه ويذبحه أو يصبره مما لا عذر له فيه ولا شبهة في ادعاء الخطأ ، أنه يقتل به قولا واحدا ، فأما إن رماه بالسلاح أدبا أو حنقا فقتله ، ففيه في المذهب قولان : يقتل به ، ولا يقتل به وتغلظ الدية ، وبه قال جماعة العلماء ، ويقتل الأجنبي بمثل هذا .

ابن العربي : " سمعت شيخنا فخر الإسلام الشاشي يقول في النظر : لا يقتل الأب بابنه ; لأن الأب كان سبب وجوده ، فكيف يكون هو سبب عدمه ؟

وهذا يبطل بما إذا زنى بابنته فإنه يرجم ، وكان سبب وجودها وتكون هي سبب عدمه ، ثم أي فقه تحت هذا ، ولم لا يكون سبب عدمه إذا عصى الله تعالى في ذلك .

وقد أثروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يقاد الوالد بولده وهو حديث باطل ، ومتعلقهم أن عمر رضي الله عنه قضى بالدية مغلظة في قاتل ابنه ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ، فأخذ سائر [ ص: 235 ] الفقهاء رضي الله عنهم المسألة مسجلة ، وقالوا : لا يقتل الوالد بولده ، وأخذها مالك محكمة مفصلة فقال : إنه لو حذفه بالسيف وهذه حالة محتملة لقصد القتل وعدمه ، وشفقة الأبوة شبهة منتصبة شاهدة بعدم القصد إلى القتل تسقط القود ، فإذا أضجعه وكشف الغطاء عن قصده فالتحق بأصله " .

قال ابن المنذر : وكان مالك والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : إذا قتل الابن الأب قتل به .الثانية عشرة : وقد استدل الإمام أحمد بن حنبل بهذه الآية على قوله : لا تقتل الجماعة بالواحد ، قال : لأن الله سبحانه شرط المساواة ولا مساواة بين الجماعة والواحد ، وقد قال تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ، والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان ، ردا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل ، وتقتل في مقابلة الواحد مائة ، افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة ، فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة ، وذلك بأن يقتل من قتل ، وقد قتل عمر رضي الله عنه سبعة برجل بصنعاء وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا ، وقتل علي رضي الله عنه الحرورية بعبد الله بن خباب فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا ، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب كما تذبح الشاة ، وأخبر علي بذلك قال : الله أكبر !

نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب ، فقالوا : كلنا قتله ، ثلاث مرات ، فقال علي لأصحابه : دونكم القوم ، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه .

خرج الحديثين الدارقطني في سننه ، وفي الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار .

وقال فيه : حديث غريب ، وأيضا فلو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم وبلغوا الأمل من التشفي ، ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ والله أعلم ، [ وقال ابن المنذر : وقال الزهري وحبيب بن أبي ثابت وابن سيرين : لا يقتل اثنان بواحد .

روينا ذلك عن معاذ بن جبل وابن الزبير وعبد الملك ، قال ابن المنذر : وهذا أصح ، ولا حجة مع من أباح قتل جماعة بواحد ، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه ] .[ ص: 236 ] الثالثة عشرة : روى الأئمة عن أبي شريح الكعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل أو يقتلوا ، لفظ أبي داود .

وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وروي عن أبي شريح الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من قتل له قتيل فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية ، وذهب إلى هذا بعض أهل العلم ، وهو قول أحمد وإسحاق .الرابعة عشرة : اختلف أهل العلم في أخذ الدية من قاتل العمد ، فقالت طائفة : ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل .

يروى هذا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن ، ورواه أشهب عن مالك ، وبه قال الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وحجتهم حديث أبي شريح وما كان في معناه ، وهو نص في موضع الخلاف ، وأيضا من طريق النظر فإنما لزمته الدية بغير رضاه ; لأن فرضا عليه إحياء نفسه ، وقد قال الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم ، وقوله : فمن عفي له من أخيه شيء أي ترك له دمه في أحد التأويلات ، ورضي منه بالدية فاتباع بالمعروف أي فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف في المطالبة بالدية ، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان ، أي من غير مماطلة وتأخير عن الوقت ذلك تخفيف من ربكم ورحمة أي أن من كان قبلنا لم يفرض الله عليهم غير النفس بالنفس ، فتفضل الله على هذه الأمة بالدية إذا رضي بها ولي الدم ، على ما يأتي بيانه ، وقال آخرون : ليس لولي المقتول إلا القصاص ، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل ، رواه ابن القاسم عن مالك وهو المشهور عنه ، وبه قال الثوري والكوفيون ، واحتجوا بحديث أنس في قصة الربيع حين كسرت ثنية المرأة ، رواه الأئمة قالوا : فلما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وقال : القصاص كتاب الله ، القصاص كتاب الله ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص ، والأول أصح ، لحديث أبي شريح المذكور ، وروى الربيع عن الشافعي قال : أخبرني أبو حنيفة بن [ ص: 237 ] سماك بن الفضل الشهابي قال : وحدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح : من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود .

فقال أبو حنيفة : فقلت لابن أبي ذئب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث فضرب صدري وصاح علي صياحا كثيرا ونال مني وقال : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : تأخذ به ؟

!

نعم آخذ به ، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه ، إن الله عز وجل ثناؤه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه ، واختار لهم ما اختاره له وعلى لسانه ، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين ، لا مخرج لمسلم من ذلك ، قال : وما سكت عني حتى تمنيت أن يسكت .الخامسة عشرة : قوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان اختلف العلماء في تأويل ( من ) و ( عفي ) على تأويلات خمس :أحدها أن من يراد بها القاتل ، وعفي تتضمن عافيا هو ولي الدم ، والأخ هو المقتول ، وشيء هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية ، هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء ، والعفو في هذا القول على بابه الذي هو الترك ، والمعنى : أن القاتل إذا عفا عنه ولي المقتول عن دم مقتوله وأسقط القصاص فإنه يأخذ الدية ويتبع بالمعروف ، ويؤدي إليه القاتل بإحسان .الثاني : وهو قول مالك أن من يراد به الولي وعفي يسر ، لا على بابها في العفو ، والأخ يراد به القاتل ، وشيء هو الدية ، أي أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه ، فمرة تيسر ومرة لا تيسر ، وغير مالك يقول : إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه ، وقد روي عن مالك هذا القول ، ورجحه كثير من أصحابه ، وقال أبو حنيفة : إن معنى عفي بذل ، والعفو في اللغة : البذل ، ولهذا قال الله تعالى : خذ العفو أي ما سهل ، وقال أبو الأسود الدؤلي :خذي العفو مني تستديمي مودتيوقال صلى الله عليه وسلم : أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله يعني شهد الله على عباده ، فكأنه قال : من بذل له شيء من الدية فليقبل وليتبع بالمعروف ، وقال قوم : وليؤد إليه القاتل بإحسان ، [ ص: 238 ] فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل ، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة ، كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة [ المائدة ] فمن تصدق به فهو كفارة له فندب إلى رحمة العفو والصدقة ، وكذلك ندب فيما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني بإعطاء الدية ، ثم أمر الولي باتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان .الثالث : وقد قال قوم : إن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة ، ومعنى الآية : فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات ، ويكون عفي بمعنى فضل .الرابع : روى سفيان بن حسين بن شوعة عن الشعبي قال : كان بين حيين من العرب قتال ، فقتل من هؤلاء وهؤلاء ، وقال أحد الحيين : لا نرضى حتى يقتل بالمرأة الرجل وبالرجل المرأة ، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه السلام : القتل سواء فاصطلحوا على الديات ، ففضل أحد الحيين على الآخر ، فهو قوله : كتب إلى قوله : فمن عفي له من أخيه شيء يعني فمن فضل له على أخيه فضل فليؤده بالمعروف ، فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية ، وذكر سفيان العفو هنا الفضل ، وهو معنى يحتمله اللفظ .وتأويل خامس : وهو قول علي رضي الله عنه والحسن في الفضل بين دية الرجل والمرأة والحر والعبد ، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف ، وعفي في هذا الموضع أيضا بمعنى فضل .السادسة عشر : هذه الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب ، وحسن القضاء من المؤدي ، وهل ذلك على الوجوب أو الندب ، فقراءة الرفع تدل على الوجوب ; لأن المعنى فعليه اتباع بالمعروف .

قال النحاس : فمن عفي له شرط والجواب فاتباع وهو رفع بالابتداء ، والتقدير فعليه اتباع بالمعروف ، ويجوز في غير القرآن ( فاتباعا وأداء ) بجعلهما مصدرين .

قال ابن عطية : وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " فاتباعا " بالنصب ، والرفع سبيل للواجبات ، كقوله تعالى : فإمساك بمعروف ، وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا ، كقوله : فضرب الرقاب .السابعة عشر : قوله تعالى : ذلك تخفيف من ربكم ورحمة لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك ، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية ، [ ص: 239 ] فجعل الله تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة ، فمن شاء قتل ، ومن شاء أخذ الدية ، ومن شاء عفا .قوله تعالى : فمن اعتدى بعد ذلك فله شرط وجوابه ، أي قتل بعد أخذ الدية وسقوط [ دم ] قاتل وليه .

فله عذاب أليم قال الحسن : كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا فر إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون بالدية فيقول ولي المقتول : إني أقبل الدية ، حتى يأمن القاتل ويخرج ، فيقتله ثم يرمي إليهم بالدية .واختلف العلماء فيمن قتل بعد أخذ الدية فقال جماعة من العلماء منهم مالك والشافعي : هو كمن قتل ابتداء ، إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة .

وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم : عذابه أن يقتل ألبتة ، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو ، وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أعفى من قتل بعد أخذ الدية .

وقال الحسن : عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة .

وقال عمر بن عبد العزيز : أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يرى ، وفي سنن الدارقطني عن أبي شريح الخزاعي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أصيب بدم أو خبل - والخبل عرج - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ العقل فإن قبل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يمتن تعالى على عباده المؤمنين, بأنه فرض عليهم { الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } أي: المساواة فيه, وأن يُقتل القاتل على الصفة, التي قُتِلَ عليها المقتول, إقامةً للعدل والقسط بين العباد.

وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين, فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول, إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل, وأنه لا يجوز لهم أن يَحُولوا بين هذا الحد, ويمنعوا الولي من الاقتصاص, كما عليه عادة الجاهلية, ومن أشبههم من إيواء المُحْدِثِين.

ثم بيَّن تفصيل ذلك فقال: { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } يدخل بمنطوقها, الذكر بالذكر، { وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } والأنثى بالذكر, والذكر بالأنثى, فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله: " الأنثى بالأنثى " مع دلالة السنة, على أنَّ الذكر يُقتل بالأنثى، وخرج من عموم هذا الأبوان وإن عَلَوْا، فلا يُقْتَلَان بالولد, لورود السنة بذلك، مع أنَّ في قوله: { الْقِصَاصُ } ما يدل على أنه ليس من العدل, أن يقتل الوالد بولده، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة, ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله, أو أذية شديدة جدا من الولد له.

وخرج من العموم أيضا, الكافر بالسنة, مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة.

وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه، والعبد بالعبد, ذكرا كان أو أنثى, تساوت قيمتهما أو اختلفت، ودل بمفهومها على أن الحر, لا يقتل بالعبد, لكونه غير مساو له، والأنثى بالأنثى, أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة, وتقدم وجه ذلك.

وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القَوَدِ في القتل, وأنَّ الدية بَدَلٌ عنه، فلهذا قال: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية, أو عفا بعض الأولياء, فإنه يسقط القصاص, وتجب الدية, وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي.

فإذا عفا عنه وجب على الولي, أي: ولي المقتول أن يتبع القاتل { بِالْمَعْرُوفِ } من غير أن يشق عليه, ولا يحمله ما لا يُطيق, بل يحسن الاقتضاء والطلب, ولا يحرجه.

وعلى القاتل { أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } من غير مطل ولا نقص, ولا إساءة فعلية أو قولية, فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو, إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق, بالأداء بإحسان وفي قوله: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ } ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانا.

وفي قوله: { أَخِيهِ } دليل على أن القاتل لا يكفر, لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان, فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر, لا يكفر بها فاعلها, وإنما ينقص بذلك إيمانه.

وإذا عفا أولياء المقتول, أو عفا بعضهم, احتقن دم القاتل, وصار معصوما منهم ومن غيرهم, ولهذا قال: { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ } أي: بعد العفو { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: في الآخرة، وأما قتله وعدمه, فيؤخذ مما تقدم, لأنه قتل مكافئا له, فيجب قتله بذلك.

وأما من فسر العذاب الأليم بالقتل, فإنَّ الآية تدل على أنه يتعين قتله, ولا يجوز العفو عنه, وبذلك قال بعض العلماء والصحيح الأول, لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ) قال الشعبي والكلبي وقتادة : نزلت هذه الآية في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل وكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام قال مقاتل بن حيان : كانت بين بني قريظة والنضير وقال سعيد بن جبير : كانت بين الأوس والخزرج وقالوا جميعا كان لأحد الحيين على الآخر طول في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور فأقسموا لنقتلن بالعبد منا الحر منهم وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمر بالمساواة فرضوا وأسلموا .

قوله ( كتب عليكم القصاص ) أي فرض عليكم القصاص ( في القتلى ) والقصاص المساواة والمماثلة في الجراحات والديات وأصله من قص الأثر إذا اتبعه فالمفعول به يتبع ما فعل به فيفعل مثله ثم بين المماثلة فقال ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) وجملة الحكم فيه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم الذكر إذا قتل بالذكر وبالأنثى وتقتل الأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد ولا والد بولد ولا مسلم بذمي ويقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر والولد بالوالد هذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال " سألت عليا رضي الله عنه هل عندك عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن فقال لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت وما في هذه الصحيفة قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مؤمن بكافر " .

وروي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقام الحدود في المساجد ولا يقاد بالولد الوالد " .

وذهب الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي وإلى أن الحر يقتل بالعبد والحديث حجة لمن لم يوجب القصاص على المسلم بقتل الذمي وتقتل الجماعة بالواحد روي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل سبعة أو خمسة برجل قتلوه غيلة ، وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا " ويجري القصاص في الأطراف كما يجري في النفوس إلا في شيء واحد وهو أن الصحيح السوي يقتل بالمريض الزمن وفي الأطراف لو قطع يدا شلاء أو ناقصة بأصبع لا تقطع بها الصحيحة الكاملة وذهب أصحاب الرأي إلى أن القصاص في الأطراف لا يجري إلا بين حرين أو حرتين ولا يجري بين الذكر والأنثى ولا بين العبيد ولا بين الحر والعبد وعند الآخرين الطرف في القصاص مقيس على النفس .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن منير أنه سمع عبد الله بن بكر السهمي أخبرنا حميد عن أنس بن النضر أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية فطلبوا إليها العفو فأبوا فعرضوا الأرش ، فأبوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا إلا القصاص فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص فقال أنس بن النضر : يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم فعفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره .

قوله تعالى ( فمن عفي له من أخيه شيء ) أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد ورضي بالدية هذا قول أكثر المفسرين قالوا العفو أن يقبل الدية في قتل العمد ، وقوله ( من أخيه ) أي من دم أخيه وأراد بالأخ المقتول والكنايتان في قوله ( له ) ( من أخيه ) ترجعان إلى من وهو القاتل وقوله شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا يسقط القود لأن شيئا من الدم قد بطل قوله تعالى : ( فاتباع بالمعروف ) أي على الطالب للدية أن يتبع بالمعروف فلا يطالب بأكثر من حقه ( وأداء إليه بإحسان ) أي على المطلوب منه أداء الدية بالإحسان من غير مماطلة أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه ومذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين أن ولي الدم إذا عفا عن القصاص على الدية فله أخذ الدية وإن لم يرض به القاتل وقال قوم لا دية له إلا برضاء القاتل وهو قول الحسن والنخعي وأصحاب الرأي وحجة المذهب الأول ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل " .

قوله تعالى ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) أي ذلك الذي ذكرت من العفو عن القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة وذلك أن القصاص في النفس والجراح كان حتما في التوراة على اليهود ولم يكن لهم أخذ الدية وكان في شرع النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص وبين العفو عن الدية تخفيفا منه ورحمة ( فمن اعتدى بعد ذلك ) فقتل الجاني بعد العفو وقبول الدية ( فله عذاب أليم ) أن يقتل قصاصا قال ابن جريج : يتحتم قتله حتى لا يقبل العفو وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرا بالقتل ، لأن الله تعالى خاطبه بعد القتل بخطاب الإيمان فقال ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ) وقال في آخر الآية ( فمن عفي له من أخيه شيء ) وأراد به أخوة الإيمان فلم يقطع الأخوة بينهما بالقتل

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين منوا كُتب» فرض «عليكم القصاص» المماثلة «في القتلى» وصفا وفعلا «الحر» ولا يقتل بالعبد «والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى» وبيَّنت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا «فمن عفي له» من القاتلين «من» دم «أخيه» المقتول «شيء» بأن ترك القصاص منه، وتنكيرُ شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطُّف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر «فاتِّباع» أي فعل العافي إتباع للقاتل «بالمعروف» بأن يطالبه بالدية بلا عنف، وترتيب الإتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورجح «و» على القاتل «أداء» الدية «إليه» أي العافي وهو الوارث «بإحسان» بلا مطل ولا بخس «ذلك» الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية «تخفيف» تسهيل «من ربكم» عليكم «ورحمة» بكم حيث وسَّع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية «فمن اعتدى» ظلم القاتل بأن قتله «بعد ذلك» أي العفو «فله عذاب أليم» مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله، بشرط المساواة والمماثلة: يُقتل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها.

فمن سامحه ولي المقتول بالعفو عن الاقتصاص منه والاكتفاء بأخذ الدية -وهي قدر مالي محدد يدفعه الجاني مقابل العفو عنه- فليلتزم الطرفان بحسن الخلق، فيطالب الولي بالدية من غير عنف، ويدفع القاتل إليه حقه بإحسان، مِن غير تأخير ولا نقص.

ذلك العفو مع أخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة بكم؛ لما فيه من التسهيل والانتفاع.

فمَن قتل القاتل بعد العفو عنه وأَخْذِ الدية فله عذاب أليم بقتله قصاصًا في الدنيا، أو بالنار في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذلك شرع - سبحانه - في بيان بعض الأحكام العملية الجليلة التي لا يستغني عنها الناس في حياتهم ، وبدأ هذه الأحكام بالحديث عن حفظ الدماء لماله من منزلة ذات شأن في إصلاح العالم - فقال - تعالى - :( ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص .

.

.

)( كُتِبَ ) من الكتب ، وهو في الأصل ضم أديم إلى أديم بالخياطة .

وتعورف في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، وأطلق على المضموم في اللفظ وإن لم يكتب بالخط ، ومنه الكتابة ، على الإِيجاب والفرض؛ لأن الشأن يما وجب ويفرض أن يراد ثم يقال ثم يكتب ، ومنه ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ) أي : فرض عليكم .( القصاص ) : العقوبة بالمثل من قتل أو جرح .

وهو - كما قال القرطبي - مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار وقص الشعر اتباع أثره ، فكأن القاتل سلك طريقاً من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك ، ومنه ( فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً ) وقيل : القص القطع .

يقال : قصصت ما بينهما .

ومنه أخذ القصاص؛ لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به .

يقال أقص الحاكم فلاناً من فلان به فأمثله فامتثل منه ، أي : اقتص منه " .فمادة القصاص تدل على التساوي والتماثل والتتبع .والقتلى جمع قتيل ، والقتيل من يقتله غيره من الناس .والمعنى : يأيها الذين آمنوا فرض عليكم وأوجب القصاص بسبب القتلى .

بأن تقتلوا القاتل عقوبة له على جريمته مع مراعاة المساواة التي قررها الشارع الحكيم ، فلا يجوز لكم أن تقتلوا غير القاتل ، كما لا يجوز لكم أن تسرفوا في القتل بأن تقتلوا القاتل وغيره من أقاربه .فمعنى القصاص هنا أن يقتل القاتل لأنه في نظر الشريعة مساو للمقتول فيقتل به .

وقد بين العلماء أن القصاص يفرض عند القتل الواقع على وجه التعمد والتعدي .

وعند مطالبة أولياء القتيل بالقود - أي القصاص - من القاتل .ولفظ " في " في قوله - تعالى - ( فِي القتلى ) للسببية ، أي : فرض عليكم القصاص بسبب القتلى .

كما في قوله صلى الله عليه وسلم " دخلت امرأة النار في هرة " أي بسببها .وصدرت الآية بخطاب ( الذين آمَنُواْ ) تقوية لداعية إنفاذ حكم الفصاص الذي شرعه الخبير بنفوس خلقه ، لأن من شأن الإِيمان الصادق أن يحمل صاحبه على تنفيذ شريعة الله التي شرعها لإقامة الأمان والاطمئنان بين الناس ، ولسد أبواب الفتن التي تحل عرا الألفة والمودة بينهم .وقد وجه - سبحانه - الخطاب إلى المؤمنين كافة مع أن تنفيذ الحدود من حق الحاكم لإشعارهم بأن عليهم جانباً من التبعة إذا أهمل الحكام تنفيذ هذه العقوبات التي شرعها الله .وإذا لم يقيموها بالطريقة التي بينتها شريعته ، ولإِشعارهم كذلك بأنهم مطالبون بعمل ما يساعد الحكام على تنفيذ الحدود بالعدل .

وذلك بتسليم الجاني إلى المكلفين بحفظ الأمن ، وأداء الشهادة عليه بالحق والعدل ، وغير ذلك من وجوه المساعدة .وقوله - تعالى - ( الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) بيان لمعنى المساواة في القتل المشار إليها بلفظ القصاص فالجملة تتمة لمعنى الجملة السابقة ، ومفادها أنه لا يقتل في مقابل المقتول سوى قاتله ، لأن قتل غير الجاني ليس بقصاص بل هو اعتداء يؤدى إلى فتنة في الأرض وفساد كبير .وقد يفهم من مقابلة ( الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) أنه لا يقتل صنف بصنف آخر ، وهذا الفهم غير مراد على إطلاقه ، فقد جرى العمل منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتل الرجل بالمرأة .قال القرطبي : " أجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة ، والمرأة بالرجل " .والخلاف فيث قتل الحر بالعبد .

فبعض العلماء يرى قتل الحر بالعبد ، وبعضهم لا يرى ذلك ، ولكل فريق أدلته التي يمكن الرجوع إليها في كتب الفقه .والغرض الذي سيقت من أجله الآية الكريمة ، إنما هو وجوب تنفيذ القصاص بالعدل .

والمساواة وإبطال ما كان شائعاً في الجاهلية من أن القبيلة القوية كانت إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة شخصا لا ترضى حتى تقتل في مقابلة من الضعيفة أشخاصاً .

وإذا قتلت منها عبداً تقتل في مقابله حراً أو أحراراً ، وإذا قتلت منها أنثى قتلت في نظيرها رجلا أو أكثر .

فيترتب على ذلك أن ينتشر القتل ، ويشيع الفساد ، وقد حكى لنا التاريخ كثيراً مما فعله الجاهليون في هذا الشأن .قال الإِمام البيضاوي عند تفسيره لهذه الآية : كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد ، والذكر بالأنثى ، فلما جاء الإِسلام تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية .

وهي لا تدل على أنه لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى ، كما لا تدل على عكسه ، فإن المفهوم يعتبر حيث لم يظهر للتخيصي غرض سوى اختصاص الحكم .ثم أورد - سبحانه - بعد إيجابه للقصاص العادل - حكماً يفتح باب التراضي ، بين القاتل وأولياء المقتول ، بأن أباح لهم أن يسقطوا عنه القصاص إذا شاؤوا ويأخذوا في مقابل ذلك الدية ، فقال - تعالى - : ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) .عُفِي : من العفو وهو الإِسقاط .

والعفو عن المعصية ، ترك العقاب عليها .

والذي عفى له هو القاتل ، و ( أَخِيهِ ) الذي عفا هو ولي المقتول .

والمراد بلفظ ( شَيْء ) القصاص ، وهو نائب فاعل ( عُفِيَ ) .والمعنى : أن القاتل عمداً إذا سقط عنه أخوه ولي دم القتيل القصاص ، راضايً أن يأخذ منه الدية بدل القصاص ، فمن الواجب على ولي الدم أن يتبع طريق العدل في أخذ الدية من القاتل بحيث لا يطالبه بأكير من حقه ، ومن الواجب كذلك على القاتل أن يدفع له الدية بالطريق الحسني ، بحيث لا يماطله ولا يبخسه حقه .فقوله - تعالى - : ( فاتباع بالمعروف ) وصية منه - سبحانه - لولي الدم أن يكون رفيقاً في مطالبته القاتل بدفع الدية .وقوله : ( وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) وصية منه - سبحانه - للقاتل بأن يدفع الدية لولي الدم بدون تسويف أو مماطلة .وفي هذه الوصايا تحقيق لصفاء القلوب ، وشفاء لما في الصدور من آلام ، وتقوية لروابط الأخوة الإِنسانية بين البشر .وبعضهم فسر العفو بالعطاء فيكون المعنى : فمن أعطى له وهو ولي المقتول من أخيه وهو القاتل شيئاً وهو الدية ، فعلى ولي المقتول اتباعه بالمعروف ، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان .وسمى القرآن الكريم القاتل أخا لولي المقتول ، تذكيراً بالأخوة الإِنسانية والدينية ، حتى يهز عطف كل واحد منهما إلى الآخر ، فيقع بينهم العفو ، والاتباع بالمعروف ، والأداء بإحسان .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : عفى بتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ) ؟

قلت : يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال : عفوت عن فلان وعن ذنبه .

قال - تعالى - : ( عَفَا الله عَنكَ ) وقال : ( عَفَا الله عَنْهَا ) فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معاً قيل : عفوت لفلان عما جنى ، كما تقول : غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه .

وعلى هذا ما في الآية ، كأنه قيل : فمن عفى عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية .وجاء التعبير بلفظ شيء منكراً لإفادة التقليل .

أي : فمن عفى له من أخيه ما يسمى شيئاً من العفو والتجاوز ولو أقل قليل ، تم العفو وسقط القصاص ، ولم تجب إلا الدية ، وذلك بأن يعفو بعض أولياء الدم ، لأن القصاص لا يتجزأ .وفي ذلك تحبيب من الشارع الحكيم لولي الدم ، في العفو وفي قبول الدية ، إذا العفو أقرب إلى صفاء القلوب ، وتجميع النفوس على الإِخاء والتعاطف والتسامح .

وفيه - أيضاً - إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية من التعبير من قبول أخذ الصلح في قتل العمد ، وعدهم ذلك لوناً من بيع دم المقتول بثمن بخس .

قال بعضهم يحرض قومه على الثأر .فلا تأخذوا عَقْلاً من القوم إنني ...

أرى العار يبقى والمعاقل تذهبوقال شاعر آخر يَذْكُر قوماً لم يقبلوا الصلح عن قتيل لهم :فلو أن حيا يقبل المال فدية ...

لسقنا لهم سيباً من المال مفعماًولكن أبي قوم أصيب أخوهم ...

رضا العار فاختاروا على اللبن الدماثم بين - سبحانه - أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر فقال : ( ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) .أي : ذلك الذي شرعناه لكم من تيسير أمر القصاص بأداء الدية إلى ولي القتيل إذا رضى طائعاً مختاراً ، أردنا منه التخفيف عليكم إذ في الدية تخفيف على القاتل بإبقاء حياته وإنقاذها من القتل قصاصاً ، وفيها كذلك نفع لولي القتيل ، إذ هذا المال الذي أخذه نظير عفوه يستطيع أن ينتفع به في كثير من مطالب حياته .وبهذا نرى أن الإِسلام قد جمع في تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة .إذ جعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إذا طالبوا به لا ينازعهم في ذلك منازع وهذا عين الإِنصاف والعدل .وجعل الدية عوضاً عن القصاص إذا رضوا بها باختيارهم ، وهذا عين الحرمة واليسر .وبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن في حياتها؛ إذ العدالة هي التي تكسر شره النفوس ، وتغسل غل الصدور ، وتردع الجاني عن التمادي في الاعتداء ، لأنه يعلم علم اليقين أن من وراء الاعتداء قصاصا عاداً .والرحمة هي التي تفتح الطريق أمام القلوب لكي تلتئم بعد التصدع وتتلاقى بعد التفرق ، وتتوادد بعد التعادي ، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو .

فلله هذا التشريع الحيكم الذي ما أحوج العالم إلى الأخذ به .

والتمسك بتوجيهاته .ثم ختم - سبحانه - الآية بالوعيد الشديد لمن يتعدى حدوده ، ويتجاوز تشريعه الحيكم فقال : ( فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .أي : فمن تجاوز حدوده بعد هذا التشريع الحكيم الذي شرعناه بأن قتل القاتل بعد قبول الدية منه ، أو بأن قتل غير من يستحق القتل فله عذاب شديد الألم؛ من الله - تعالى - لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول يدل على نكث العهد ، ورقه الدين ، وانحطاط الخلق .ثم بين - سبحانه - الحكمة في مشروعية القصاص توطيناً للنفوس على الانقياد له ، وتقوية لعزم الحكام على إقامته فقال - تعالى - : ( وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ) أي : ولكم في مشروعية القصاص حياة عظيمة ، فالتنوين للتعظيم .قال صاحب الكشاف ، وذلك أنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد ، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني قبيلة بكر بن وائل .

وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر فلما جاء الإِسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة ، أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل ، لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه ارتدع فسلم صاحبه من القتل وسلم هو من القود فكان القصاص سبب حياة نفسين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الرابع: قبل الشروع في التفسير لابد من ذكر سبب النزول وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن سبب نزوله إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل مبعث محمد عليه السلام، وذلك لأن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط، وأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل، وأخرى يوجبون الدية لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من هذين الحكمين، أما في القتل فلأنه إذا وقع القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى، فالأشراف كانوا يقولون: لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن واحداً قتل إنساناً من الأشراف، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول، وقالوا: ماذا تريد؟

فقال إحدى ثلاث قالوا: وما هي؟

قال: إما تحيون ولدي، أو تملأون داري من نجوم السماء، أو تدفعوا إلى جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً.

وأما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس، فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص وأنزل هذه الآية.

والرواية الثانية: في هذا المعنى وهو قول السدي: إن قريظة والنضير كانوا مع تدينهم بالكتاب سلكوا طريقة العرب في التعدي.

والرواية الثالثة: أنها نزلت في واقعة قتل حمزة رضي الله عنه.

والرواية الرابعة: ما نقلها محمد بن جرير الطبري عن بعض الناس ورواها عن علي بن أبي طالب وعن الحسن البصري أن المقصود من هذه الآية بيان أن بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين يقع القصاص ويكفي ذلك فقط، فأما إذا كان القاتل للعبد حراً، أو للحر عبداً فإنه يجب مع القصاص التراجع، وأما حر قتل عبداً فهو قوده، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر، ويردوا إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن قتل عبداً حراً فهو به قود، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر، وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن شاؤا أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد، وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا نصف الدية، وإن قتلت المرأة رجلاً فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاؤا أعطوا كل الدية وتركوها، قالوا فالله تعالى أنزل هذه الآية لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والانثيين والذكرين فأما عند إخلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع فيه إذا عرفنا سبب النزول فلنرجع إلى التفسير.

أما قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ فمعناه: فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين: أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿ كتب ﴾ يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ وقال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية  ﴾ وقد كانت الوصية واجبة ومنه الصلوات المكتوبات أي المفردات، وقال عليه السلام: «ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم».

والثاني: لفظة ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت  ﴾ وأما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك: اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله، قال تعالى: ﴿ فارتدا على ءاثَارِهِمَا قَصَصًا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ  ﴾ أي اتبعي أثره، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس، ويسمى المقص مقصاً لتعادل جانبيه.

أما قوله تعالى: ﴿ فِي القتلى ﴾ أي بسبب قتل القتلى، لأن كلمة ﴿ فِى ﴾ قد تستعمل للسببية كقوله عليه السلام: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم القصاص بسبب قتل القتلى، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا العموم وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضاً في صور كثيرة، وهي إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده وفيما إذا قتل المسلم حربياً أو معاهداً، وفيما إذا قتل مسلم خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه.

فإن قيل: قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه إشكالان الأول: أن القصاص لو وجب لوجب إما على القاتل، أو على ولي الدم، أو على ثالث، والأقسام الثلاثة باطلة، وإنما قلنا: إنه لا يجب على القاتل لأن القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، وإنما قلنا: إنه غير واجب على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل والترك، بل هو مندوب إلى الترك بقوله: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى  ﴾ والثالث أيضاً باطل لأنه يكون أجنبياً عن ذلك القتل والأجنبي عن الشي لا تعلق له به.

السؤال الثاني: إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية إيجاب التسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل ألبتة، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعاً وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشرعاً بسبب القتل.

والجواب عن السؤال الأول: من وجهين: الأول: أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجرى مجراه، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود لأنه من جملة المؤمنين، والتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه والثاني: أنه خطاب مع القاتل والتقدير: يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع هاهنا وليس له أن ينكر، بل للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله ولا يقرأ، والفرق أن ذلك حق الآدمي.

وأما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل والتسوية في القتل صفة القتل وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات، فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه ويتفرع على ما ذكرنا مسائل: المسألة الأولى: ذهب أبو حنيفة إلى موجب العمد هو القصاص، وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أن موجب العمد إما القصاص وإما الدية، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها في غاية الضعف، لأنه سواء كان المخاطب بهذا الخطاب هو الإمام أو ولي الدم فهو بالاتفاق مشروط بما إذا كان ولي الدم يريد القتل على التعيين، وعندنا أنه متى كان الأمر كذلك كان القصاص متعيناً، إنما النزاع في أن ولي الدم هل يتمكن من العدول إلى الدية وليس في الآية دلالة على أنه إذا أراد الدية ليس له ذلك.

المسألة الثانية: اختلفوا في كيفية المماثلة التي دلت هذه الآية على إيجابها فقال الشافعي: يراعي جهة القتل الأول فإن كان الأول قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل فإن مات منه في تلك المرة وإلا حزت رقبته، وكذلك لو أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته، وقال أبو حنيفة رحمه الله: المراد بالمثل تناول النفس بأرجى ما يمكن فعلى هذا لا اقتصاص إلا بالسيف بحز الرقبة، حجة الشافعي رحمه الله أن الله تعالى أوجب التسوية بين الفعلين وذلك يقتضي حصول التسوية من جميع الوجوه الممكنة، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه يجوز أن يقال كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فدخل هذا على أن كيفية القتل داخلة تحت النص.

وثانيها: أنا لو لم نحكم بدلالة هذه الآية على التسوية في كل الأمور لصارت الآية مجملة ولو حكمنا فيها بالعموم كانت الآية مفيدة، لكنها بما صارت مخصوصة في بعض الصور والتخصيص أهون من الإجمال.

وثالثها: أن الآية لو لم تفد إلا الإيجاب للتسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور، فحينئذ لا يستفاد من هذه الآية شيء ألبتة، وهذا الوجه قريب من الثاني فثبت أن هذه الآية تفيد وجوب التسوية من كل الوجوه ثم تأكد هذا النص بسائر النصوص المقتضية لوجوب المماثلة، كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ  ﴾ ﴿ من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها  ﴾ ثم تأكدت هذه النصوص المتواترة بالخبر المشهور عن الرسول عليه السلام وهو قوله: من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه ومما يروى أن يهودياً رضخ رأس صبيه بالحجارة فقتلها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ترضخ رأس اليهودي بالحجارة، وإذا ثبت هذا بلغت دلالة الآية مع سائر الآيات، ومع هذه الأحاديث على قول الشافعي مبلغاً قوياً، واحتج أبو حنيفة بقوله عليه السلام: «لا قود إلا بالسيف» وبقوله عليه السلام: «لا يعذب بالنار إلا ربها».

والجواب أن الأحاديث لما تعارضت بقيت دلالة الآيات خالية عن المعارضات والله أعلم.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة؛ فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة من الله تعالى وأما إذا كان تائباً فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة وذلك لأن الدلائل دلت على أن التوبة مقبولة قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عباده ويعفو عن السيآت  ﴾ وإذا صارت التوبة مقبولة امتنع أن يبقى التائب مستحقاً لعقاب، ولأنه عليه السلام قال: «التوبة تمحو الحوبة» فثبت أن شرع القصاص في حق التائب لا يمكن أن يكون عقوبة ثم عند هذا اختلفوا فقال أصحابنا: يفعل الله ما يشاء ولا اعتراض عليه في شيء وقالت المعتزلة إنما شرع ليكون لطفاً به ثم سألوا أنفسهم فقالوا: إنه لا تكلف بعد القتل فكيف يكون هذا القتل لطفاً به؟

وأجابوا عنه بأن هذا القتل فيه منفعة لولي المقتول من حيث التشفي ومنفعة لسائر المكلفين من حيث يزجر سائر الناس عن القتل، ومنفعة للقاتل من حيث إنه متى علم أنه لابد وأن يقتل صار ذلك داعياً له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد.

أما قوله تعالى: ﴿ الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ ففيه قولان: القول الأول: إن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعاً إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين.

واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن الألف واللام في قوله: ﴿ الحر ﴾ تفيد العموم فقوله: ﴿ الحر بِالْحُرّ ﴾ يفيد أن يقتل كل حر بالحر، فلو كان قتل حر بعبد مشروعاً لكان ذلك الحر مقتولاً لا بالحر وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر مقتولاً بالحر الثاني: أن الباء من حروف الجر فيكون متعلقاً لا محالة بفعل، فيكون التقدير: الحر يقتل بالحر والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر، بل إما أن يكون مساوياً له أو أخص منه، وعلى التقديرين فهذا يقتضي أن يكون كل حر مقتولاً بالحر وذلك ينافي كون حر مقتولاً بالعبد الثالث: وهو أنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة وهو قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ فلما ذكر عقيبة قوله: ﴿ الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد ﴾ دل ذلك على أن رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة، لأن قوله: ﴿ الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد ﴾ خرج مخرج التفسير لقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في هذا المعنى، فوجب أن لا يكون مشروعاً فإن احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس  ﴾ فجوابنا أن الترجيح معنا لوجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس ﴾ شرع لمن قبلنا، والآية التي تمسكنا بها شرع لنا ولا شك أن شرعنا أقوى في الدلالة من شرع من قبلنا وثانيهما: أن الآية التي تمسكنا بها مشتملة على أحكام النفوس على التفصيل والتخصيص، ولا شك أن الخاص مقدم على العام، ثم قال أصحاب هذا القول مقتضى ظاهر هذه الآية أن لا يقتل العبد إلا بالعبد، وأن لا تقتل الأثنى إلا بالأنثى، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر لدلالة الاجتماع، وللمعنى المستنبط من نسق هذه الآية، وذلك المعنى غير موجود في قتل الحر بالعبد، فوجب أن يبقى هاهنا على ظاهر اللفظ، أما الإجماع فظاهر، وأما المعنى المستنبط فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه كان أولى، بخلاف الحر فإنه لما قتل بالحر لا يلزم أن يقتل بالعبد الذي هو دونه، وكذا القول في قتل الأثنى بالذكر، فأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع والله أعلم.

القول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ الحر بِالْحُرّ ﴾ لا يفيد الحصر ألبتة، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أن قوله: ﴿ والأنثى بالأنثى ﴾ يقتضي قصاص المرأة الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله: ﴿ الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد ﴾ مانعاً من ذلك لوقع التناقض الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ جملة تامة مستقلة بنفسها وقوله: ﴿ الحر بِالْحُرّ ﴾ تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وإذا تقدم ذكر الجملة المستقلة كان تخصيص بعض الجزئيات بالذكر لا يمتنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفوائد سوى نفي الحكم عن سائر الصور، ثم اختلفوا في تلك الفائدة فذكروا فيها وجهين: الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أن تلك الفائدة بيان إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية على ما روينا في سبب نزول هذه الآية أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل، ففائدة التخصيص زجرهم عن ذلك.

واعلم أن للقائلين بالقول الأول أن يقولوا قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ هذا يمنع من جواز قتل الحر بالعبد لأن القصاص عبارة عن المساواة، وقتل الحر بالعبد لم يحصل فيه رعاية المساواة لأنه زائد عليه في الشرف وفي أهلية القضاء والإمامة والشهادة فوجب أن لا يكون مشروعاً، أقصى ما في الباب أنه ترك العمل بهذا النص في قتل العالم بالجاهل والشريف بالخسيس، إلا أنه يبقى في غير محل الإجماع على الأصل، ثم إن سلمنا أن قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ يوجب قتل الحر بالعبد، إلا أنا بينا أن قوله: ﴿ بِالْحُرّ والعبد بالعبد ﴾ يمنع من جواز قتل الحرب بالعبد؛ هذا خاص وما قبله عام والخاص مقدم على العام لا سيما إذا كان الخاص متصلاً بالعام في اللفظ فإنه يكون جارياً مجرى الاستثناء ولا شك في وجوب تقديمه على العام.

الوجه الثاني: في بيان فائدة التخصيص ما نقله محمد بن جرير الطبري عن علي بن أبي طالب والحسن البصري، أن هذه الصور هي التي يكتفي فيها بالقصاص، أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعاً بين الحر والعبد، وبين الذكر والأنثى، فهناك لا يكتفي بالقصاص بل لابد فيه من التراجع، وقد شرحنا هذا القول في سبب نزول هذه الآية، إلا أن كثيراً من المحققين زعموا أن هذا النقل لم يصح عن علي بن أبي طالب وهو أيضاً ضعيف عند النظر لأنه قد ثبت أن الجماعة تقتل بالواحد ولا تراجع، فكذلك يقتل الذكر بالأنثى ولا تراجع، ولأن القود نهاية ما يجب في القتل فلا يجوز وجوب غيره معه.

أما قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان ﴾ فاعلم أن الذين قالوا: موجب العمد أحد أمرين إما القصاص وإما الدية تمسكوا بهذه الآية وقالوا الآية تدل على أن في هذه القصة عافياً ومعفواً عنه، وليس هاهنا إلا ولي الدم والقاتل، فيكون العافي أحدهما ولا يجوز أن يكون هو القاتل لأن ظاهر العفو هو إسقاط الحق وذلك إنما يتأتى من الولي الذي له الحق على القتل، فصار تقدير الآية: فإذا عفي ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف، وقوله: ﴿ شَئ ﴾ مبهم فلابد من حمله على المذكور السابق وهو وجوب القصاص إزالة للإبهام، فصار تقدير الآية إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص، فليتبع القاتل العافي بالمعروف، وليؤد إليه مالاً بإحسان، وبالإجماع لا يجب أداء غير الدية، فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية، وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود أو المال، ولو لم يكن كذلك لما كان المال واجباً عند العفو عن القود، ومما يؤكد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿ ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ أي أثبت الخيار لكم في أخذ الدية، وفي القصاص رحمة من الله عليكم، لأن الحكم في اليهود حتم القصاص والحكم في النصارى حتم العفو فخف عن هذه الأمة وشرع لهم التخيير بين القصاص والدية، وذلك تخفيف من الله ورحمة في حق هذه الأمة لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتاجاً إلى المال، وقد يكون القود آثر إذا كان راغباً في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه، فجعل الخيرة له فيما أحبه رحمة من الله في حقه.

فإن قيل: لا نسلم أن العافي هو ولي الدم وقوله العفو إسقاط الحق وذلك لا يليق إلا بولي الدم.

قلنا: لا نسلم أن العفو هو إسقاط الحق، بل المراد من قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء ﴾ أي فمن سهل له من أخيه شيء، يقال: أتاني هذا المال عفواً صفواً، أي سهلاً، ويقال: خذ ما عفا، أي ما سهل، قال الله تعالى: ﴿ خُذِ العفو ﴾ فيكون تقدير الآية: فمن كان من أولياء الدم وسهل له من أخيه الذي هو القاتل شيء من المال فليتبع ولي الدم ذلك القاتل في مطالبة ذلك المال وليؤد القاتل إلى ولي الدم ذلك المال بالإحسان من غير مطل ولا مدافعة، فيكون معنى الآية على هذا التقدير: إن الله تعالى حث الأولياء إذا دعوا إلى الصلح من الدم على الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به ويعفوا عن القود.

سلمنا أن العافي هو ولي الدم، لكن لم لا يجوز أن يقال: المراد هو أن يكون القصاص مشتركاً بين شريكين فيعفو أحدهما فحينئذ ينقلب نصيب الآخر مالاً فالله تعالى أمر الشريك الساكت باتباع القاتل بالمعروف، وأمر القاتل بالأداء إليه بإحسان.

سلمنا أن العافي هو ولي الدم سواء كان له شريك أو لم يكن، لكن لم لا يجوز أن يقال: إن هذا مشروط برضا القاتل، إلا أنه تعالى لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتاً لا محالة لأن الظاهر من كل عامل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل عن نفسه لأنه إذا قتل لا يبقى له لا النفس ولا المال أما بذل المال ففيه إحياء النفس، فلما كان هذا الرضا حاصلاً في الأعم الأغلب لا جرم ترك ذكره وإن كان معتبراً في النفس الأمر.

والجواب: حمل لفظ العفو في هذه الآية على إسقاط حق القصاص أولى من حمله على أن يبعث القاتل المال إلى ولي الدم، وبيانه من وجهين: الأول: أن حقيقة العفو إسقاط الحق، فيجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعاً للاشتراك، وحمل اللفظ في هذه الآية على إسقاط الحق أولى من حمله على ما ذكرتم، لأنه لما تقدم قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ كان حمل قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء ﴾ على إسقاط حق القصاص أولى، لأن قوله: ﴿ شَئ ﴾ لفظ مبهم وحمل هذا المبهم على ذلك المعنى الذي هو المذكور السابق أولى الثاني: أنه لو كان المراد بالعفو ما ذكرتم، لكان قوله: ﴿ فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان ﴾ عبثاً لأن بعد وصول المال إليه بالسهولة واليسر لا حاجة به إلى اتباعه، ولا حاجة بذلك المعطي إلى أن يؤمر بأداء ذلك المال بالإحسان.

وأما السؤال الثاني فمدفوع من وجهين: الأول: أن ذلك الكلام إنما يتمشى بفرض صورة مخصوصة، وهي ما إذا كان حق القصاص مشتركاً بين شخصين ثم عفا أحدهما وسكت الآخر، والآية دالة على شرعية هذا الحكم على الإطلاق، فحمل اللفظ المطلق على الصورة الخاصة المفيدة خلاف الظاهر والثاني: أن الهاء في قوله: ﴿ وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان ﴾ ضمير عائد إلى مذكور سابق، والمذكور السابق هو العافي، فوجب أداء هذا المال إلى العافي، وعلى قولكم: يجب أداؤه إلى غير العافي فكان قولكم باطلاً.

وأما السؤال الثالث أن شرط الرضا إما أن يكون ممتنع الزوال، أو كان ممكن الزوال، فإن كان ممتنع الزوال، فوجب أن يكون مكنة أخذ الدية ثابتة لولي الدم على الإطلاق، وإن كان ممكن الزوال كان تقييد اللفظ بهذا الشرط الذي ما دلت الآية على اعتباره مخالفة للظاهر وأنه غير جائز ولما تلخص هذا البحث فنقول: الآية بقيت فيها أبحاث لفظية نذكرها في معرض السؤال والجواب.

البحث الأول: كيف تركيب قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء ﴾ .

الجواب: تقديره: فمن له من أخيه شيء من العفو، وهو كقوله: سير بزيد بعض السير وطائفة من السير.

البحث الثاني: أن ﴿ عُفِىَ ﴾ يتعدى بعن لا باللام، فما وجه قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ ﴾ .

الجواب: أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال عفوت عن فلان وعن ذنبه قال الله تعالى: ﴿ عَفَا الله عَنكَ  ﴾ فإذا تعدى إلى الذنب قيل: عفوت عن فلان عما جنى، كما تقول: عفوت له عن ذنبه، وتجاوزت له عنه، وعليه هذه الآية، كأنه قيل: فمن عفى له من جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية.

البحث الثالث: لم قيل شيء من العفو؟.

والجواب: من وجهين: أحدهما: أن هذا إنمايشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط، فحينئذ يقال: القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله: ﴿ شَئ ﴾ فائدة، أما إذا كان مجموع حقه إما القود وإما المال كان مجموع حقه متبعضاً لأن له أن يعفو عن القود دون المال، وله أن يعفو عن الكل، فلما كان الأمر كذلك جاز أن يقول: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء ﴾ .

والجواب الثاني: أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة، لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو لا يؤثر في سقوط القود، إلا أن يكون عفواً عن جميعه، فبين تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن كله في سقوط القود، وعفو بعض الأولياء عن حقه، كعفو جميعهم عن خلقهم، فلو عرف الشيء كان لا يفهم منه ذلك، فلما نكره صار هذا المعنى مفهوماً منه، فلذلك قال تعالى: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء ﴾ .

البحث الرابع: بأي معنى أثبت الله وصف الأخوة.

والجواب: قيل: إن ابن عباس تمسك بهذه الآية في بيان كون الفاسق مؤمناً من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى سماه مؤمناً حال ما وجب القصاص عليه، وإنما وجب القصاص عليه إذا صدر عنه القتل العمد العدوان وهو بالإجماع من الكبائر، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن والثاني: أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، ولا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ  ﴾ فلولا أن الإيمان باقٍ مع الفسق وإلا لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان الثالث: أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والندب إلى العفو إنما يليق بالمؤمن، أجابت المعتزلة عن الوجه الأول فقالوا: إن قلنا المخاطب بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ هم الأئمة فالسؤال زائل، وإن قلنا: إنهم هم القاتلون فجوابه من وجهين: أحدهما: أن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً، فسماه الله تعالى مؤمناً بهذا التأويل والثاني: أن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً، ثم إنه تعالى أدخل فيه غير التائب على سبيل التغليب.

وأما الوجه الثاني: وهو ذكر الأخوة، فأجابوا عنه من وجوه: الأول: أن الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً، ولا شك أن المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل والثاني: الظاهر أن الفاسق يتوب، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له والثالث: يجوز أن يكون جعله أخاً له في النسب كقوله تعالى: ﴿ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا  ﴾ والرابع: أنه حصل بين ولي الدم وبين القاتل تعلق واختصاص، وهذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوة، كم تقول للرجل، قل لصاحبك كذا إذا كان بينهما أدنى تعلق والخامس: ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية في الإقرار والاعتقاد.

والجواب: أن هذه الوجوه بأسرها تقتضي تقييد الأخوة بزمان دون زمان، وبصفة دون صفة، والله تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق.

وأما قوله تعالى: ﴿ فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: قوله: ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾ رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فحكمه اتباع، أو هو مبتدأ خبره محذوف تقديره: فعليه اتباع بالمعروف.

البحث الثاني: قيل: على العافي الاتباع بالمعروف، وعلى المعفو عنه أداء بإحسان، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، وقيل: هما على المعفو عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف، ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان.

البحث الثالث: الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة، بل يجرى فيها على العادة المألوفة فإن كان معسراً فالنظرة، وإن كان واجداً لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجداً لغير المال الواجب، فالإمهال إلى أن يبتاع ويستبدل، وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات، فأما الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل.

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن المراد بقوله: ﴿ ذلك ﴾ أي الحكم بشرع القصاص والدية تخفيف في حقكم، لأن العفو وأخذ الدية محرمان على أهل التوراة والقصاص مكتوب عليهم ألبتة والقصاص والدية محرمان على أهل الإنجيل والعفو مكتوب عليهم وهذه الأمة مخيرة بين القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيراً، وهذا قول ابن عباس.

وثانيها: أن قوله: ﴿ ذلك ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان ﴾ .

أما قوله: ﴿ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك ﴾ التخفيف يعني جاوز الحد إلى ما هو أكثر منه قال ابن عباس والحسن: المراد أن لا يقتل بعد العفو والدية، وذلك لأن أهل الجاهلية إذا عفوا وأخذوا الدية، ثم ظفوا بعد ذلك بالقاتل قتلوه، فنهى الله عن ذلك وقيل المراد: أن يقتل غير قاتله، أو أكثر من قاتله أو طلب أكثر مما وجب له من الدية أو جاوز الحد بعد ما بين له كيفية القصاص ويجب أن يحمل على الجميع لعموم اللفظ (فله عذاب أليم) وفيه قولان أحدهما: وهو المشهور أنه نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة والثاني: روي عن قتادة أن العذاب الأليم هو أن يقتل لا محالة ولا يعفى عنه ولا يقبل الدية منه لقوله عليه السلام: «لا أعافي أحداً قتل بعد أن أخذ الدية» وهو المروي عن الحسن وسعيد بن جبير وهذا القول ضعيف لوجوه: أحدها: أن المفهوم من العذاب الأليم عند الإطلاق هو عذاب الآخرة.

وثانيها: أنا بينا أن القود تارة يكون عذاباً وتارة يكون امتحاناً، كما في حق التائب فلا يصح إطلاق اسم العذاب عليه إلا في وجه دون وجه.

وثالثها: أن القاتل لمن عفي عنه لا يجوز أن يختص بأن لا يمكن ولي الدم من العفو عنه لأن ذلك حق ولي الدم فله إسقاطه قياساً على تمكنه من إسقاط سائر الحقوق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ البر ﴾ اسم للخير ولكل فعل مرضيّ ﴿ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ﴾ الخطاب لأهل الكتاب لأن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبل المشرق.

وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته، فردّ عليهم.

وقيل: ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ، ولكن البرّ ما نبينه.

وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة، فقيل: ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال.

وقرئ: ﴿ وليس البرّ ﴾ - بالنصب على أنه خبر مقدم- وقرأ عبد الله: ﴿ بأن تولوا ﴾ ، على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك: ليس المنطلق بزيد ﴿ ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ على تأويل حذف المضاف، أي برّ من آمن، أو بتأول البرّ بمعنى ذي البرّ، أو كما قالت.

فَإنمَا هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ وعن المبرّد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: (ولكنّ البرّ)، بفتح الباء.

وقرئ: ﴿ ولكن البارّ ﴾ .

وقرأ ابن عامر ونافع: (ولكنّ البر) بالتخفيف ﴿ والكتاب ﴾ جنس كتب الله، أو القرآن ﴿ على حُبّهِ ﴾ مع حب المال والشح به، كما قال ابن مسعود: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا.

وقيل: على حب الله.

وقيل: على حب الإيتاء، يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه.

وقدم ذوي القربى لأنهم أحق.

قال عليه الصلاة والسلام: «صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان لأنها صدقة وصلة» وقال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» .

وأطلق ﴿ ذَوِى القربى واليتامى ﴾ والمراد الفقراء منهم لعدم الإلباس.

والمسكين: الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالمسكير: للدائم السكر و ﴿ ابن * السبيل ﴾ المسافر المنقطع.

وجُعل ابناً للسبيل لملازمته له، كما يقال للص القاطع: ابن الطريق.

وقيل: هو الضيف، لأنّ السبيل يرعف به ﴿ والسائلين ﴾ المستطعمين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه» ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم.

وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها.

وقيل في فك الأسارى.

فإن قلت: قد ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فهل دلّ ذلك على أنّ في المال حقاً سوى الزكاة؟

قلت: يحتمل ذلك.

وعن الشعبي: أنّ في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية.

ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة، أو يكون حثاً على نوافل الصدقات والمبارّ.

وفي الحديث: «نسخت الزكاة كلَّ صدقة» يعني وجوبها.

وروي: «ليس في المال حق سوى الزكاة» ﴿ والموفون ﴾ عطف على من آمن.

وأخرج ﴿ والصابرين ﴾ منصوباً على الاختصاص والمدح، وإظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال.

وقرئ: ﴿ والصابرون ﴾ .

وقرئ: ﴿ والموفين ﴾ ، ﴿ والصابرين ﴾ .

و ﴿ البأساء ﴾ الفقر والشدة ﴿ والضراء ﴾ المرض والزمانة ﴿ صَدَقُواْ ﴾ كانوا صادقين جادّين في الدين.

عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعطاء، وعكرمة، وهو مذهب مالك والشافعي رحمة الله عليهم: أنّ الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى، أخذاً بهذه الآية.

ويقولون: هي مفسرة لما أبهم في قوله: ﴿ النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 55] ولأنّ تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها.

وعن سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وقتادة، والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه: أنها منسوخة بقوله: ﴿ النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 55] والقصاص ثابت بين العبد والحرِّ، والذَّكر والأنثى.

ويستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» وبأنَّ التفاضل غير معتبر في الأنفس، بدليل أنّ جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به.

وروي: «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طَوْلٌ على الآخر، فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد منا، والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا» ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء ﴾ معناه: فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو.

على أنه كقولك: سير بزيد بعض السير، وطائفة من السير.

ولا يصحّ أن يكون شيء في معنى المفعول به، لأنّ (عفا) لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة وأخوه: هو وليّ المقتول، وقيل له أخوه، لأنه لابسه، من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به، كما تقول للرجل: قل لصاحبك كذا، لمن بينه وبينه أدنى ملابسة أو ذكره بلفظ الأخوة، ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام فإن قلت: إن عفى يتعدّى بعن لا باللام، فما وجه قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ ﴾ ؟

قلت: يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه.

قال الله تعالى: ﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ [التوبة: 43] وقال: ﴿ عَفَا الله عَنْهَا ﴾ [المائدة: 101] فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معاً قيل؛ عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه.

وعلى هذا ما في الآية، كأنه قيل: فمن عفى له عند جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية، فإن قلت؛ هلا فسرت عفى بترك حتى يكون شيء في معنى المفعول به؟

قلت: لأن عفا الشيء بمعنى تركه ليس بثبت.

ولكن أعفاه.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «واعفوا اللحى» فإن قلت: فقد ثبت قولهم: عفا أثره إذا محاه وأزاله، فهلا جعلت معناه: فمن محي له من أخيه شيء؟

قلت: عبارة قلقة في مكانها، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها، وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ- إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام الله- على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه، وهذه جرأة يستعاذ بالله منها.

فإن قلت؟: لم قيل: شيء من العفو؟

قلت: للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم.

أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم تجب إلا الدية ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾ فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع.

وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعاً.

يعني فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة.

وليؤدّ إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان، بأن لا يمطله ولا يبخسه ﴿ ذلك ﴾ ْالحكم المذكور من العفو والدية ﴿ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرّم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرّم القصاص والدية.

وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو، توسعة عليهم وتيسيراً ﴿ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك ﴾ التخفيف، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية.

فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة.

وعن قتادة: العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل منه دية، لقوله عليه السلام: «لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية» ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛ لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يُقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أيّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنّه إذا همّ بالقتل فعلم أنه يقتصّ فارتدع منه سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين.

وقرأ أبو الجوزاء: (ولكم في القصص حياة) أي فيما قص عليكم من حكم القتل القصاص وقيل القصص القرآن أي: (ولكم في القرآن حياة للقلوب): كقوله تعالى: ﴿ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52] ، ﴿ وَيُحْىِ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42] .

﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به.

وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى ﴾ كانَ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ دِماءٌ، وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ، فَأقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ مِنكم بِالعَبْدِ والذَّكَرَ بِالأُنْثى.

فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَنَزَلَتْ، وأمَرَهم أنْ يَتَباوَءُوا.

ولا تَدُلُّ عَلى أنْ لا يُقْتَلَ الحُرُّ بِالعَبْدِ والذَّكَرُ بِالأُنْثى، كَما لا تَدُلُّ عَلى عَكْسِهِ، فَإنَّ المَفْهُومَ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّخْصِيصِ غَرَضٌ سِوى اخْتِصاصِ الحُكْمِ وقَدْ بَيَّنّا ما كانَ الغَرَضُ وإنَّما مَنَعَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قَتْلَ الحُرِّ بِالعَبْدِ سَواءٌ كانَ عَبْدَهُ أوْ عَبْدَ غَيْرِهِ، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ فَجَلَدَهُ الرَّسُولُ  ونَفاهُ سَنَةً ولَمْ يُقِدْهُ بِهِ.» وَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِذِي عَهْدٍ ولا حَرٌّ بِعَبْدٍ.» وَلِأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، كانا لا يَقْتُلانِ الحُرَّ بِالعَبْدِ بَيْنَ أظْهُرِ الصَّحابَةِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ.

وَلِلْقِياسِ عَلى الأطْرافِ، ومَن سَلِمَ دَلالَتُهُ فَلَيْسَ لَهُ دَعْوى نَسْخِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ لِأنَّهُ حِكايَةُ ما في التَّوْراةِ فَلا يَنْسَخُ ما في القُرْآنِ.

واحْتَجَّتِ الحَنَفِيَّةُ بِهِ عَلى أنَّ مُقْتَضى العَمْدِ القَوَدُ وحْدَهُ، وهو ضَعِيفٌ إذِ الواجِبُ عَلى التَّخْيِيرِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ وُجِبَ وكُتِبَ، ولِذَلِكَ قِيلَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الواجِبِ وغَيْرِهِ لَيْسَ نَسْخًا لِوُجُوبِهِ.

وقُرِئَ « كُتِبَ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و « القِصاصَ» بِالنَّصْبِ، وكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ جاءَ في القُرْآنِ.

﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ أيْ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ، لِأنَّ عَفا لازِمٌ.

وفائِدَتُهُ الإشْعارُ بِأنَّ بَعْضَ العَفْوِ كالعَفْوِ التّامِّ في إسْقاطِ القِصاصِ.

وقِيلَ عَفا بِمَعْنى تَرَكَ، وشَيْءٌ مَفْعُولٌ بِهِ وهو ضَعِيفٌ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ عَفا الشَّيْءَ بِمَعْنى تَرَكَهُ بَلْ أعْفاهُ.

وعَفا يُعَدّى بِعْنَ إلى الجانِي وإلى الذَّنْبِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ ﴾ وقالَ ﴿ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ﴾ .

فَإذا عُدِّيَ بِهِ إلى الذَّنْبِ عُدِّيَ إلى الجانِي بِاللّامِ وعَلَيْهِ ما في الآيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِن عُفِيَ لَهُ عَنْ جِنايَتِهِ مِن جِهَةِ أخِيهِ، يَعْنِي ولِيَّ الدَّمِ.

وذَكَرَهُ بِلَفْظِ الإخْوَةِ الثّابِتَةَ بَيْنَهُما مِنَ الجِنْسِيَّةِ والإسْلامِ لِيَرِقَّ لَهُ ويَعْطِفَ عَلَيْهِ.

﴿ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ﴾ أيْ فَلْيَكُنِ اتِّباعٌ، أوْ فالأمْرُ اتِّباعٌ.

والمُرادُ بِهِ وصِيَّةُ العافِي بِأنْ يَطْلُبَ الدِّيَةَ بِالمَعْرُوفِ فَلا يُعَنِّفُ، والمَعْفُوُّ عَنْهُ بِأنْ يُؤَدِّيَها بِالإحْسانِ: وهو أنْ لا يَمْطُلَ ولا يَبْخَسَ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدِّيَةَ أحَدُ مُقْتَضى العَمْدِ، وإلّا لَما رَتَّبَ الأمْرَ بِأدائِها عَلى مُطْلَقِ العَفْوِ.

ولِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في المَسْألَةِ قَوْلانِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الحُكْمُ المَذْكُورُ في العَفْوِ والدِّيَةِ.

﴿ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ ﴾ لِما فِيهِ مِنَ التَّسْهِيلِ والنَّفْعِ، قِيلَ كُتِبَ عَلى اليَهُودِ القِصاصُ وحْدَهُ، وعَلى النَّصارى العَفْوُ مُطْلَقًا.

وخُيِّرَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بَيْنَهُما وبَيْنَ الدِّيَةِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ وتَقْدِيرًا لِلْحُكْمِ عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ.

فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ أيْ قَتَلَ بَعْدَ العَفْوِ وأخْذِ الدِّيَةِ.

فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ في الآخِرَةِ.

وقِيلَ في الدُّنْيا بِأنْ يَقْتُلَ لا مَحالَةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «لا أُعافِي أحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةِ» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

روي أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزل {يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ} أي فرض {عَلَيْكُمُ القصاص} وهو عبارة عن المساواة وأصله من قص أثره واقتصه إذا اتبعه ومنه القاص لأنه يتبع

الآثار والأخبار {فِي القتلى} جمع قتيل والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى {الحر بِالْحُرِّ} مبتدأ وخبر أي الحر مأخوذ أو مقتول بالحر {والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} وقال الشافعى رحمه الله لا يقتل الحر بالعبد لهذا النص وعندنا يجرى القصاص بين الحر والعبد بقوله تعالى {أَنَّ النفس بالنفس} كما بين الذكر والأنثى وبقوله عليه السلام المسلمون تتكافأ دماؤهم وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به وبأن تخصيص الحكم بنوع لا ينفيه عن نوع آخر بل يبقى الحكم فيه موقوفاً على ورود دليل آخر وقد ورد كما بينا {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان} قالوا العفو ضد العقوبة يقال عفوت عن فلان إذا صفحت عنه وأعرضت عن أن تعاقبه وهو يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الجناية ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ ويعفوا عن السيئات وإذا اجتمعا عدي إلى الأول باللام فتقول عفوت له عن ذنبه ومنه الحديث عفوت لكم عن صدقه الخيل والرقيق وقال الزجاج من عفي له أي من ترك له القتل بالدية وقال الأزهري العفو في اللغة الفضل ومنه يسألونك ماذا ينفقون قل العفو ويقال عفوت لفلان بمال إذا أفضلت له وأعطيته وعفوت له عمالى عليه إذا تركته ومعنى الآية عند الجمهور فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو على أن الفعل مسند إلى المصدر كما في سير بزيد بعض السير والأخ ولي المقتول وذكر بلفظ الأخوّة بعثاً له على العطف لما بينهما من الجنسية والإسلام ومن هو القاتل المعفو له عما جنى وترك المفعول الآخر استغناء عنه وقيل أقيم له مقام عند والضمير فى له وأخيه لمن وفي إليه للأخ أو للمتبع الدال عليه فاتباع لأن المعنى فليتبع الطالب القاتل

بالمعروف بأن يطالبه مطالية جميلة وليؤد إليه المطلوب أي القاتل بدل الدم أداء بإحسان بألا يمطله ولا يبخسه وإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفا عن بعض الدم أو عفا عنه بعض

البقرة (١٧٨ _ ١٨١)

الورثة تم العفو وسقط القصاص ومن فسر عُفى بترك جعل شيء مفعولاً به وكذا من فسره بأعطى يعني أن الولي إذا أعطى له شيء من مال أخيه يعني القاتل بطريق الصلح فليأخذه بمعروف من غير تعنيف وليؤده القاتل إليه بلا تسويف وارتفاع اتباع بأنه خبر مبتدأ مضمر أي فالواجب اتباع {ذلك} الحكم المذكور من العفو وأخذ الدية {تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ} فإنه كان في التوراة القتل لا غير وفي الإنجيل العفو بغير بدل لا غير وأبيح لنا القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصلح توسعة وتيسيراً والآية تدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن للوصف بالإيمان بعد وجود القتل ولبقاء الأخوّة الثابتة بالإيمان ولا ستحقاق التخفيف والرحمة {فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك} التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل أو القتل بعد أخذ الدية {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} نوع من العذاب شديد الألم فى الاخرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلى وجْهِ التَّلافِي لِما فَرَطَ مِنَ المُخِلِّينَ، بِما تَقَدَّمَ مِن قَواعِدِ الدِّينِ، الَّتِي يُبْنى عَلَيْها أمْرُ المَعاشِ والمَعادِ، ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ أيْ: فُرِضَ وأُلْزِمَ عِنْدَ مُطالَبَةِ صاحِبِ الحَقِّ، فَلا يُضَرُّ فِيهِ قُدْرَةُ الوَلِيِّ عَلى العَفْوِ، فَإنَّ الوُجُوبَ إنَّما اعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحُكّامِ أوِ القاتِلِينَ، وأصْلُ الكِتابَةِ الخَطُّ، ثُمَّ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإلْزامِ، وكَلِمَةُ ( عَلى ) صَرِيحَةٌ في ذَلِكَ.

﴿ القِصاصُ في القَتْلى ﴾ أيْ: بِسَبَبِهِمْ عَلى حَدِّ «”إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْها“،» وقِيلَ: عَدّى القَصّاصَ بِـ ( في ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المُساواةِ؛ إذْ مَعْناهُ أنْ يُفْعَلَ بِالإنْسانِ مِثْلَ ما فَعَلَ، ومِنهُ سُمِّيَ المِقَصُّ مِقَصًّا لِتُعادُلِ جانِبَيْهِ، والقِصَّةُ قِصَّةٌ؛ لِأنَّ الحِكايَةَ تُساوِي المَحْكِيَّ، والقَصّاصُ قَصّاصًا؛ لِأنَّهُ يَذْكُرُ مِثْلَ أخْبارِ النّاسِ، و ﴿ القَتْلى ﴾ جَمْعُ قَتِيلٍ كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وقُرِئَ: ( كَتَبَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، و( القِصاصَ ) بِالنَّصْبِ، ولَيْسَ في إضْمارِ المُتَعَيِّنِ المُتَقَرِّرِ قَبْلَ ذِكْرِهِ إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ.

﴿ الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها؛ أيِ: الحُرُّ يُقْتَصُّ بِالحُرِّ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ بِهِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ دِماءٌ، وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ، فَأقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ مِنهم بِالعَبْدِ والذَّكَرَ بِالأُنْثى، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ، فَأمَرَهم أنْ يَتَباوَءُوا، فالآيَةُ كَما تَدُلُّ عَلى أنْ لا يُقْتَلَ العَبْدُ بِالحُرِّ والأُنْثى بِالذَّكَرِ؛ لِأنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ إنَّما يُعْتَبَرُ إذا لَمْ يُعْلَمْ نَفْيُهُ بِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ، وقَدْ عُلِمَ مِن قَتْلِ العَبْدِ بِالعَبْدِ وقَتْلِ الأُنْثى بِالأُنْثى، أنَّهُ يُقْتَلُ العَبْدُ بِالحُرِّ والأُنْثى بِالذَّكَرِ بِطَرِيقِ الأوْلى كَذَلِكَ لا تَدُلُّ عَلى أنْ لا يُقْتَلَ الحُرُّ بِالعَبْدِ والذَّكَرُ بِالأُنْثى؛ لِأنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ كَما هو مَشْرُوطٌ بِذَلِكَ الشَّرْطِ مَشْرُوطٌ بِأنْ لا يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ أُخْرى، والحَدِيثُ بَيْنَ الفائِدَةِ وهو المَنعُ مِنَ التَّعَدِّي وإثْباتُ المُساواةِ بَيْنَ حُرٍّ وحُرٍّ وعَبْدٍ وعَبْدٍ، فَمَنَعَ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ قَتْلَ الحُرِّ بِالعَبْدِ، سَواءٌ كانَ عَبْدَهُ أوْ عَبْدَ غَيْرِهِ لَيْسَ لِلْآيَةِ بَلْ لِلسُّنَّةِ والإجْماعِ والقِياسِ؛ أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «”أنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ فَجَلَدَهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ونَفاهُ سَنَةً ولَمْ يَقُدْهُ بِهِ“،» وأخْرَجَ أيْضًا أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”مِنَ السُّنَّةِ أنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِذِي عَهْدٍ ولا حُرٌّ بِعَبْدٍ“،» وأمّا الثّانِي فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - كانا لا يَقْتُلانِ الحُرَّ بِالعَبْدِ بَيْنَ أظْهُرِ الصَّحابَةِ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِما أحَدٌ مِنهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ تَأْخُذْهم في اللَّهِ - تَعالى - لَوْمَةُ لائِمٍ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ لا قِصاصَ في الأطْرافِ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ بِالِاتِّفاقِ، فَيُقاسُ القَتْلُ عَلَيْهِ، وعِنْدَ إمامِنا الأعْظَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهُمْ“،» ولِأنَّ القِصاصَ يَعْتَمِدُ المُساواةَ في العِصْمَةِ، وهي بِالدِّينِ أوْ بِالدّارِ، وهُما سِيّانِ فِيهِما، والتَّفاضُلُ في الأنْفُسِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِدَلِيلِ أنَّ الجَماعَةَ لَوْ قَتَلُوا واحِدًا قُتِلُوا بِهِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ وشَرِيعَةُ مَن قَبْلَنا إذا قُصَّتْ عَلَيْنا مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى نَسْخِها، فالعَمَلُ بِها واجِبٌ عَلى أنَّها شَرِيعَةٌ لَنا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُخالِفُ؛ لِأنَّ ﴿ الحُرُّ بِالحُرِّ ﴾ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ رِعايَةَ التَّسْوِيَةِ في ( الحُرِّيَّةِ والعَبْدِيَّةِ ) مُعْتَبَرَةٌ، وإيجابُ ( القِصاصِ ) عَلى ( الحُرِّ ) بِقَتْلِ ( العَبْدِ ) إهْمالٌ لِرِعايَةِ التَّسْوِيَةِ في ذَلِكَ المَعْنى، ومُقْتَضى هَذا أنْ لا يُقْتَلَ العَبْد إلّا بِالعَبْدِ ولا تُقْتَلَ الأُنْثى إلّا بِالأُنْثى إلّا أنَّ المُخالِفَ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ، وخالَفَ الظّاهِرَ لِلْقِياسِ والإجْماعِ، ومَن سَلَّمَ هَذا مِنّا ادَّعى نَسْخَ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ ؛ لِأنَّهُ لِعُمُومِهِ نَسْخُ اشْتِراطِ المُساواةِ في الحُرِّيَّةِ والذُّكُورَةِ المُسْتَفادَةِ مِنها، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والشَّعْبِيِّ والنَّخْعِيِّ والثَّوْرِيِّ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الآيَةَ حِكايَةُ ما في التَّوْراةِ، وحُجِّيَّةُ حِكايَةِ شَرْعِ مَن قَبْلَنا مَشْرُوطَةٌ بِأنْ لا يَظْهَرَ ناسِخُهُ، كَما صَرَّحُوا بِهِ، وهو يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ لا يُوجَدَ في القُرْآنِ ما يُخالِفُ المَحْكِيَّ؛ إذْ لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ كانَ ناسِخًا لَهُ؛ لِتَأخُّرِهِ عَنْهُ، فَتَكُونُ الحِكايَةُ حِكايَةَ المَنسُوخِ، ولا تَكُونُ حُجَّةً فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ ناسِخًا، وبَعْدَ تَسْلِيمِ الدَّلالَةِ يُوجَدُ النّاسِخُ كَما لا يَخْفى هَذا، وذَهَبَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ والمالِكِيَّةُ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إلّا القِصاصُ، ولا يَأْخُذُ الدِّيَةَ إلّا بِرِضا القاتِلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - ذَكَرَ في الخَطَأِ الدِّيَةَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ القِصاصُ فِيما هو ضِدُّ الخَطَأِ وهو العَمْدُ، ولَمّا تَعَيَّنَ بِالعَمْدِ يَعْدِلُ عَنْهُ؛ لِئَلّا يُلْزَمَ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ بِالرَّأْيِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَنطُوقَ النَّصِّ وُجُوبُ رِعايَةِ المُساواةِ في القَوْدِ، وهو لا يَقْتَضِي وُجُوبَ أصْلِ القَوْدِ، وأُجِيبَ بِأنَّ القِصاصَ وهو القَوْدُ بِطَرِيقِ المُساواةِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُما، ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ أيْ: ما يُسَمّى شَيْئًا مِنَ العَفْوِ والتَّجاوُزِ، ولَوْ أقَلَّ قَلِيلٍ، فالمَصْدَرُ المُبْهَمُ في حُكْمِ المَوْصُوفِ، فَيَجُوزُ نِيابَتُهُ عَنِ الفاعِلِ، ولَهُ مَفْعُولٌ بِهِ، ومِن أخِيهِ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن شَيْءٍ، وفي إقامَةَ شَيْءٍ مَقامَ الفاعِلِ عَلى إشْعارٍ بِأنَّ بَعْضَ العَفْوِ كَأنْ يُعْفى عَنْ بَعْضِ الدَّمِ أوْ يَعْفُوَ عَنْهُ بَعْضُ الوَرَثَةِ كالعَفْوِ التّامِّ في إسْقاطِ القِصاصِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَجَزَّأُ، والمُرادُ بِالأخِ ولِيُّ الدَّمِ سَمّاهُ أخًا اسْتِعْطافًا بِتَذْكِيرِ أُخُوَّةِ البَشَرِيَّةِ والدِّينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَقْتُولُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: مِن دَمِ أخِيهِ، وسَمّاهُ أخا القاتِلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أُخُوَّةَ الإسْلامِ بَيْنَهُما لا تَنْقَطِعُ بِالقَتْلِ، وعَفِيّ تَعَدّى إلى الجانِي وإلى الجِنايَةِ بِـ ( عْنَ )، يُقالُ: عَفَوْتُ عَنْ زَيْدٍ وعَنْ ذَنْبِهِ، وإذا عُدِّيَتْ إلى الذَّنْبِ مُرادًا، سَواءٌ كانَ مَذْكُورًا أوْ لا، كَما في الآيَةِ عُدِّيَ إلى الجانِي ( بِاللّامِ )؛ لِأنَّ التَّجاوُزَ عَنِ الأوَّلِ والنَّفْعَ لِلثّانِي، فالقَصْدُ هُنا إلى التَّجاوُزِ عَنِ الجِنايَةِ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَها؛ لِأنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِ الجانِي، وقَدَّرَ بَعْضُهم ( عَنْ ) هَذِهِ داخِلَةً عَلى شَيْءٍ، لَكِنْ لَمّا حُذِفَتِ ارْتَفَعَ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الفاعِلِ، وهو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ المَقْصُورِ عَلى السَّماعِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ عَفِيّ بِتَرَكَ، فَهو حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ، أُقِيمَ مَفْعُولُهُ مَقامَ فاعِلِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ( عَفا ) الشَّيْءَ بِمَعْنى تَرَكَهَ، وإنَّما الثّابِتُ أعْفاهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ ورَدَ، ونَقَلَهُ أئِمَّةُ اللُّغَةِ المُعَوَّلِ عَلَيْهِمْ في هَذا الشَّأْنِ، وهو - وإنْ لَمْ يَشْتَهِرْ - إلّا أنَّ إسْنادَ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي هو الأصْلُ يُرَجِّحُ اعْتِبارَهُ، ويَجْعَلُهُ أوْلى مِنَ المَشْهُورِ، لِما أنَّ فِيهِ إسْنادَ المَجْهُولِ لِلْمَصْدَرِ، وهو خِلافُ الأصْلِ، والقَوْلُ بِأنَّ شَيْء مَرْفُوعٌ بِتَرْكِ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَفِيّ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ اعْتِبارِ مَعْنى العَفْوِ لا حاجَةَ إلى مَعْنى التَّرْكِ، بَلْ هو رَكِيكٌ كَما لا يَخْفى ﴿ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ﴾ أيْ: فَلْيُكَنِ اتِّباعٌ، أوْ فالأمْرُ اتِّباعٌ، والمُرادُ وصِيَّةُ العافِي بِأنْ لا يُشَدِّدُ في طَلَبِ الدِّيَةِ عَلى المَعْفُوِّ لَهُ ويُنْظِرَهُ إنْ كانَ مُعْسِرًا، ولا يُطالِبَهُ بِالزِّيادَةِ عَلَيْها، والمَعْفُوِ بِأنْ لا يَمْطُلَ العافِيَ فِيها، ولا يَبْخَسَ مِنها ويَدْفَعُها عِنْدَ الإمْكانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: المُرادُ فَعَلى المَعْفُوِّ لَهُ الِاتِّباعُ والأداءُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ مَن عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُولِيَّتِها، وجَوابُ الشَّرْطِ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطِيَّتِها، ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ مُقْتَضى العَمْدِ القِصاصُ وحْدَهُ؛ حَيْثُ رُتِّبَ الأمْرُ بِأداءِ الدِّيَةِ عَلى العَفْوِ المُرَتَّبِ عَلى وُجُوبِ القِصاصِ، واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّ الدِّيَةَ أحَدُ مُقْتَضى العَمْدِ، وإلّا لَما رُتِّبَ الأمْرُ بِأداءِ الدِّيَةِ عَلى مُطْلَقِ العَفْوِ الشّامِلِ لِلْعَفْوِ عَنْ كُلِّ الدَّمِ وبَعْضِهِ، بَلْ يُشْتَرَطُ رِضا القاتِلِ وتَقْيِيدُهُ بِالبَعْضِ، واعْتَرُضَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ التَّنْوِينُ في شَيْءٍ لِلْإبْهامِ؛ أيْ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ أيُّ شَيْءٍ كانَ كَكُلِّهِ أوْ بَعْضِهِ، أمّا لَوْ كانَ لِلتَّقْلِيلِ فَلا؛ إذْ يَكُونُ الأمْرُ بِالأداءِ مُرَتَّبًا عَلى بَعْضِ العَفْوِ، ولا شَكَّ أنَّهُ إذا تَحَقَّقَ عَنِ الدَّمِ يَصِيرُ الباقِي مالًا، وإنْ لَمْ يَرْضَ القاتِلُ، وأيْضًا الآيَةُ نَزَلَتْ في الصُّلْحِ، وهو المُوافِقُ لِلْأُمِّ، فَإنَّ عَفا إذا اسْتُعْمِلَتْ بِها كانَ مَعْناها البَدَلُ؛ أيْ فَمَن أُعْطِيَ لَهُ مِن جِهَةِ أخِيهِ المَقْتُولِ شَيْءٌ مِنَ المالِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ، فَلِمَن أعْطى وهو الوَلِيُّ مُطالَبَةُ البَدَلِ عَنْ مُجامَلَةٍ وحُسْنِ مُعامَلَةٍ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها نَزَلَتْ في ( العَفْوِ ) كَما هو ظاهِرُ اللَّفْظِ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ: الحُكْمُ المَذْكُورُ في ضِمْنِ بَيانِ العَفْوِ والدِّيَةِ ﴿ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ ﴾ لِما في شَرْعِيَّةِ العَفْوِ تَسْهِيلٌ عَلى القاتِلِ، وفي شَرْعِيَّةِ ( الدِّيَةِ ) نَفْعٌ لِأوْلِياءِ المَقْتُولِ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ ( كَتَبَ ) عَلى اليَهُودِ ( القِصاصُ ) وحْدَهُ، وعَلى النَّصارى ( العَفْوُ ) مُطْلَقًا، وخَيَّرَ هَذِهِ الأُمَّةَ بَيْنَ الثَّلاثِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ وتَنْزِيلًا لِلْحُكْمِ عَلى حَسَبِ المَنازِلِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ ﴾ بَيانًا لِحُكْمِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بَعْدَ حِكايَةِ حُكْمٍ كانَ في التَّوْراةِ، ولَيْسَ داخِلًا تَحْتَ الحِكايَةِ.

﴿ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: تَجاوَزَ ما شُرِّعَ بِأنْ قَتَلَ غَيْرَ القاتِلِ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الحُكْمِ، أوْ قَتَلَ القاتِلَ بَعْدَ ( العَفْوِ ) وأخْذِ الدِّيَةِ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ 178﴾ أيْ: نَوْعٌ مِنَ العَذابِ مُؤْلِمٌ، والمُتَبادِرُ أنَّهُ في الآخِرَةِ، والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ في الدُّنْيا بِأنْ يُقْتَلَ لا مَحالَةَ، ولا يُقْبَلُ مِنهُ دِيَةٌ لِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: «”لا أُعافِي أحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ“».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى، يعني فرض عليكم وأوجب عليكم القصاص.

فإن قيل: الفرض على من يكون؟

على الولي أو على غيره؟

قيل له: الفرض على القاضي إذا اختصموا إليه، بأن يقتضي على القاتل بالقصاص إذا طلب الولي، لأن الله تعالى قد خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص، فخاطب الولي بالقصاص وخاطب غيره بأن يعين الولي على ذلك.

وهو قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ، أي فرض عليكم إذا كان في القتل عمداً.

الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى.

قال بعضهم: كان في أول الشريعة أن الحر يقتل بالحر والعبد بالعبد، ولا يقتل الحر بالعبد ولا العبد بالحر، ولا الذكر بالأنثى ثم نسخ بقوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: 45] .

وقال بعضهم هي غير منسوخة، لأنه قد ذكر هذه الآية: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ولم يذكر في هذه الآية: أن العبد لو قتل حراً ما حكمه، فبيّن في آية أخرى وهو قوله: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.

وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية، فكان بينهم قتلى وجراحات وكان لأحدهما طول على الأخرى فقالوا: لنقتلن بالعبد منا الحر منكم، وبالمرأة الرجل منكم، وبالرجل منا الرجلين منكم فلما جاء الإسلام طلب بعضهم من بعض ذلك، فنزلت هذه الآية: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى.

ثم قال تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، أي ترك ولي المقتول من أخيه: أي القاتل ولم يقتله وأخذ الدية.

فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ، يعني يطلب الدية بالرفق ولا يعسر عليه، وأمر بالمطلوب بأن يؤدي الدية إلى الطالب لقوله: وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.

وقال القتبي فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال: قبول الدية في العمد والعفو عن الدم.

فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ، أي مطالبة جميلة وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ لا يبخسه ولا يمطله، معناه ولا يدفعه إذا عفا أحد ولي القصاص صار نصيب الآخر ملأ فيتبعه بالمعروف، والقاتل يؤدي إليه نصيبه بإحسان.

ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو وليس لهم قود ولا دية، فجعل الله تعالى القصاص والدية والعفو تخفيفاً لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء عفا.

وقال بعض الناس: إن الولي إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل، وهو قول الشافعي، وقال أصحابنا: ليس له أن يأخذ الدية إلا برضا القاتل.

وليس في هذه الآية دليل، أن له أن يأخذ الدية بكره منه، وفيها دليل أن له أن يقبل الدية وإذا رضي القاتل وَاصْطَلَحَا على ذلك.

ثم قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ، يعني أن يقتل بعد ما يأخذ الدية فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ أي وجع.

وقال قتادة: يقتل ولا يتقبل منه الدية إذا اعتدى، واحتج بما روي عن النبي  أنه قال: «لا أَعْفِي عَنْ أحَدٍ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ» .

ولكن معناه عندنا: أنه إذا طلب الولي القتل، فأما إذا عفا عنه الثاني وتركه جاز عفوه، لأنه قتل بغير حق فصار حكمه حكم القاتل الأول، لأنه لو عفي عنه لجاز ذلك فكذلك الثاني.

ثم قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بقاء، لأن الناس يعتبرون بالقصاص فيمتنعون عن القتل.

وهذا كما قال القائل: أَبْلِغْ أَبَا مَاِلكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَة ...

وَفِي العِقَابِ حَيَاةٌ بَيْنَ أَقْوَام وهذا معنى قوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ، يعني يا ذوي العقول.

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل مخافة القصاص.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن صُهَيْب «١» ، قال: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِذَا أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ» «٢» انتهى.

وَحِينَ الْبَأْسِ، أي: وقْتَ شدَّة القتال، هذا قولُ المفسِّرين في الألفاظ الثلاثة، تقولُ العربُ: بَئِسَ الرَّجُلُ إِذَا افتقر، وبَؤُسَ إِذا شَجُع، ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البَرَّة بالصدْقِ في أمورهم، أي: هم عند الظنِّ بهم والرجاء فيهم كما تقول: صَدَقَنِي المَالُ، وصَدَقَنِي الرُّمْحُ، ووصفهم تعالى/ بالتقى، والمعنى: هم الذين جعلوا بينهم وبين ٤٣ ب عذاب الله وقاية.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ...

الآيةَ: كُتِبَ:

معناه: فُرِضَ، وأُثْبِتَ، وصورةُ فَرْضِ القصاصِ «٣» ، هو أنَّ القاتل فرض عليه، إذا أراد

الوليُّ القتل، الاِستسلامُ لأمر اللَّه، وأن الوليَّ فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليِّه، وترك التعدِّي على غيره، فإِن وقع الرضَا بدون القصاص من دية أو عفو، فذلك مباحٌ، والآية معلِّمة أن القِصَاصَ هو الغاية عند التّشاحّ «١» ، والْقِصاصُ: مأخوذ من: قَصِّ الأثر فكأن القاتل سلك طريقا من القتل، فقص أثره فيها.

روي عن ابن عَبَّاس أنَّ هذه الآية مُحْكَمة «١» ، وفيها إِجمال فسَّرته آية «المائدة» ، وأن قوله سبحانه: الْحُرُّ بِالْحُرِّ يعمُّ الرجال والنساء، وأجمعتِ الأمة على قتل الرجُلِ بالمرأةِ، والمرأة بالرجل «٢» .

وقوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ...

الآيةَ: فيه تأويلاتٌ:

أحدها: أنَّ «مَنْ» يرادُ بها القاتلُ، و «عُفِيَ» : تتضمن عافياً، وهو وليُّ الدم، والأخُ:

هو المقتولُ، و «شَيْءٌ» : هو الدمُ الذي يعفى عنه، ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابْنِ عَبَّاس، وجماعة من العلماء «٣» ، والعَفْوُ على هذا القولِ على بابه.

والتأويلُ الثَّاني: وهو قول مالكٍ أنَّ «مَنْ» يراد بها الوليُّ، وعُفِيَ: بمعنى: يُسِّرَ، لا على بابها في العَفْو، والأخُ: يراد به القاتل، و «شَيْءٌ» : هي الديةُ، والأخوَّة على هذا أخوَّة الإِسلام.

والتأويل الثالثُ: أنَّ هذه الألفاظ في معنى: الَّذين نزلَتْ فيهم الآيةُ، وهم قومٌ تقاتَلُوا، فقتل بعضهم بعضا، فأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم أن يصلحَ بينهم، ويُقَاصَّهم بعضَهم من بعض بالدِّيَات على استواء الأحرار بالأحرار، والنساء بالنساء، والعبيد بالعبيد، فمعنى الآية: فمن فضِل له من إِحدى الطائفتين على الأخرى شيْءٌ من تلك الدِّيَاتِ، وتكون: «عُفِيَ» بمعنى فَضِلَ.

وقوله تعالى: فَاتِّباعٌ: تقديره: فالواجبُ والحُكْمُ: اتباع، وهذا سبيلُ الواجباتِ كقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٢٩] وأما المندوبُ إِلَيْه، فيأتي منصوباً كقوله تعالى: فَضَرْبَ الرِّقابِ [محمد: ٤] ، وهذه الآية حضٌّ من اللَّه تعالى على حسن الاقتضاءِ من الطالِبِ، وحُسْنِ القضاء من المُؤَدِّي.

وقوله سبحانه: ذلِكَ تَخْفِيفٌ إِشارة إِلى ما شرعه لهذه الأمة، من أخذ الدية، وكانت بنو إِسرائيل لا ديَةَ عندهم، إِنما هو القِصَاصُ فَقَطْ، والاعتداء المتوعّد عليه في هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ ﴾ رَوى شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانَ فِيهِمْ بَغْيٌ وطاعَةٌ لِلشَّيْطانِ، وكانَ الحَيُّ مِنهم إذا كانَ فِيهِمْ عِدَّةٌ ومَنعَةٌ، فَقَتَلَ عَبْدُهم عَبْدَ قَوْمٍ آَخَرِينَ؛ قالُوا: لَنْ نَقْتُلَ بِهِ إلّا حُرًّا، تَعَزُّزًا لِفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ.

وإذا قَتَلَتِ امْرَأةٌ مِنهُمُ امْرَأةً مِن آَخَرِينَ؛ قالُوا: لَنْ نَقْتُلَ بِها إلّا رَجُلًا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

ومَعْنى "كُتِبَ" فُرِضَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

والقَصاصُ: مُقابَلَةُ الفِعْلِ بِمِثْلِهِ، مَأْخُوذٌ مِن: قَصِّ الأثَرِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ فَرْضًا والوُلَيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَفْوِ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ فَرَضَ عَلى القاتِلِ لِلْوَلِيِّ، لا عَلى الوَلِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ أيْ: مِن دَمِ أخِيهِ، أيْ: تَرَكَ لَهُ القَتْلَ، ورَضِيَ مِنهُ بِالدِّيَةِ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿ مِن أخِيهِ ﴾ عَلى أنَّ القاتِلَ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإسْلامِ، ﴿ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ ﴾ أيْ: مُطالَبَتُهُ بِالمَعْرُوفِ، بِأمْرِ آَخِذِ الدِّيَةِ بِالمُطالَبَةِ الجَمِيلَةِ الَّتِي لا يُرْهِقُهُ فِيها: ﴿ وَأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ﴾ يَأْمُرُ المُطالَبَ بِأنْ لا يَبْخَسَ ولا يُماطِلَ ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ حُكْمُ اللَّهِ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ أنْ يُقْتَلَ قاتِلُ العَمْدِ، ولا يُعْفى عَنْهُ، ولا يُؤْخَذَ مِنهُ دِيَةٌ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فَإنْ شاءَ ولِيَ المَقْتُولُ عَمْدًا، قَتَلَ وإنْ شاءَ عَفا، وإنْ شاءَ، أخَذَ الدِّيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى ﴾ أيْ: ظَلَمَ، فَقَتَلَ قاتِلَ صاحِبِهِ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ؛ ﴿ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَقْتُلُ ولا تَقْبَلُ مِنهُ الدِّيَةُ.

* فَصْلٌ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ دَلِيلَ خِطابِ هَذِهِ الآَيَةِ مَنسُوخٌ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ الحُرُّ بِالحُرِّ ﴾ اقْتَضى أنْ لا يُقْتَلَ العَبْدُ بِالحُرِّ، وكَذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿ والأُنْثى بِالأُنْثى ﴾ اقْتَضى أنْ لا يُقْتَلَ الذَّكَرُ بِالأُنْثى مِن جِهَةِ دَلِيلِ الخِطابِ، وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وهَذا عِنْدَ الفُقَهاءِ لَيْسَ بِنَسْخٍ، لِأنَّ الفُقَهاءَ يَقُولُونَ: دَلِيلُ الخِطابِ حُجَّةٌ ما لَمْ يُعارِضْهُ دَلِيلٌ أقْوى مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَن اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ "كُتِبَ" مَعْناهُ: فُرِضَ وأُثْبِتَ، والكُتُبُ مُسْتَعْمَلٌ في الأُمُورِ المُخَلَّداتِ الدائِمَةِ كَثِيرًا.

وقِيلَ: إنَّ "كُتِبَ" في مِثْلِ هَذا؛ إخْبارٌ عَمّا كُتِبَ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ وسَبَقَ بِهِ القَضاءُ.

وصُورَةُ فَرْضِ القَصاصِ هو أنَّ القاتِلَ فَرَضَ عَلَيْهِ -إذا أرادَ الوَلِيُّ القَتْلَ- الِاسْتِسْلامُ لِأمْرِ اللهِ، والِانْقِيادِ لِقِصاصِهِ المَشْرُوعِ، وأنَّ الوَلِيَّ فُرِضَ عَلَيْهِ الوُقُوفُ عِنْدَ قَتْلِ قاتِلٍ ولَيَّهُ، وتَرْكِ التَعَدِّي عَلى غَيْرِهِ كَما كانَتِ العَرَبُ تَتَعَدّى، وتَقْتُلُ بِقَتِيلِها الرَجُلَ مِن قَوْمِ قاتِلِهِ.

وأنَّ الحُكّامَ وأُولِي الأمْرِ فُرِضَ عَلَيْهِمُ النُهُوضُ بِالقَصاصِ، وإقامَةِ الحُدُودِ، ولَيْسَ القَصاصُ بِلِزامٍ إنَّما اللِزامُ ألّا يَتَجاوَزَ القَصاصَ إلى اعْتِداءٍ، فَأمّا إذا وقَعَ الرِضى، بِدُونِ القِصاصِ، مِن دِيَةٍ أو عَفْوٍ، فَذاكَ مُباحٌ.

فالآيَةُ مُعْلِمَةٌ أنَّ القَصاصَ هو الغايَةُ عِنْدَ التَشاحِّ.

"والقِصاصُ" مَأْخُوذٌ مِن قَصَّ الأثَرَ، فَكَأنَّ القاتِلَ سَلَكَ طَرِيقًا مِنَ القَتْلِ فَقَصَّ أثَرَهُ فِيها، ومَشى عَلى سَبِيلِهِ في ذَلِكَ.

و"القَتْلى" جَمْعُ قَتِيلٍ، لَفْظٌ يُؤَنَّثُ تَأْنِيثَ الجَماعَةِ، وهو مِمّا يَدْخُلُ عَلى الناسِ كُرْهًا، فَلِذَلِكَ جاءَ عَلى هَذا البِناءِ، كَجَرْحى وزَمْنى وحَمْقى وصَرْعى وغَرْقى.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ الشَعْبِيُّ: إنَّ العَرَبَ كانَ أهْلُ العِزَّةِ مِنهم والمَنعَةِ، إذا قُتِلَ مِنهم عَبْدٌ قَتَلُوا بِهِ حُرًّا، وإذا قُتِلَتِ امْرَأةٌ قَتَلُوا بِها ذَكِرًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، لِيَعْلَمَ اللهُ تَعالى بِالسَوِيَّةِ، ويَذْهَبُ أمْرَ الجاهِلِيَّةِ.

وحُكِيَ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ تَقاتَلُوا قِتالَ عَمِيَّةَ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهُمْ: نَقْتُلُ بِعَبِيدِنا أحْرارًا فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِتالٍ وقَعَ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: مِن غَيْرِهِمْ، فَقَتَلَ هَؤُلاءِ مِن هَؤُلاءِ رِجالًا، وعَبِيدًا ونِساءً، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ  أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، ويُقاصِهِمْ بَعْضَهم بِبَعْضٍ بِالدِياتِ عَلى اسْتِواءٍ: الأحْرارُ بِالأحْرارِ، والنِساءُ بِالنِساءِ والعَبِيدُ بِالعَبِيدِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مُقْتَضِيَةً ألّا يُقْتَلَ الرَجُلُ بِالمَرْأةِ، ولا المَرْأةُ بِالرَجُلِ، ولا يَدْخُلُ صِنْفٌ عَلى صِنْفٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ المائِدَةِ ﴿ أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا رُوِيَ، وآيَةُ المائِدَةِ إنَّما هي إخْبارٌ عَمّا كُتِبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَلا يَتَرَتَّبُ النَسْخُ إلّا بِما تُلُقِّيَ عن رَسُولِ اللهِ  ، مِن أنَّ حُكْمَنا في شَرْعِنا مِثْلَ حُكْمِهِمْ،.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما -ذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ - وعن غَيْرِهِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ، وفِيها إجْمالٌ فَسَّرَتْهُ آيَةُ المائِدَةِ، وأنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿ الحُرُّ بِالحُرِّ ﴾ يَعُمُّ الرِجالَ والنِساءَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ.

وَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُرادُ بِها الجِنْسُ، الذَكَرُ والأُنْثى فِيهِ سَواءٌ، وأُعِيدَ ذِكْرُ الأُنْثى تَأْكِيدًا وتَهَمُّمًا بِإذْهابِ أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مُبِيِّنَةً حُكْمَ المَذْكُورِينَ، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يَقْتُلَ حُرٌّ عَبْدًا، أو عَبْدٌ حُرًّا، أو ذَكَرٌ أُنْثى، أو أُنْثى ذَكَرًا، وقالا: إنَّهُ إذا قَتَلَ رَجُلٌ امْرَأةً، فَإنْ أرادَ أولِياؤُها قَتَلُوا صاحِبَهُمْ، ووَفَّوْا أولِياءَهُ نِصْفَ الدِيَةِ مِنهُ، وإنْ أرادُوا اسْتَحْيَوْهُ وأخَذُوا مِنهُ دِيَةَ المَرْأةِ.

وإذا قَتَلَتِ المَرْأةُ رَجُلًا فَإنْ أرادَ أولِياؤُهُ قَتَلُوا وأخَذُوا نِصْفَ الدِيَةِ، وإلّا أخَذُوا دِيَةَ صاحِبِهِمْ واسْتَحْيَوْها.

وإذا قَتَلَ الحُرُّ العَبْدَ فَإنْ أرادَ سَيِّدَ العَبْدِ قُتِلَ، وأعْطى دِيَةَ الحُرِّ، إلّا قِيمَةَ العَبْدِ، وإنْ شاءَ اسْتَحْيا وأخَذَ قِيمَةَ العَبْدِ، هَذا مَذْكُورٌ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَنِ الحَسَنِ، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ عنهُما أيْضًا.

وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى قَتْلِ الرَجُلِ بِالمَرْأةِ، والمَرْأةِ بِالرَجُلِ، والجُمْهُورُ لا يَرَوْنَ الرُجُوعَ بِشَيْءٍ، وفِرْقَةٌ تَرى الِاتِّباعَ بِفَضْلِ الدِياتِ.

قالَ مالِكٌ والشافِعِيُّ: وكَذَلِكَ القَصاصُ بَيْنَهُما فِيما دُونَ النَفْسِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا قَصاصَ بَيْنَهُما فِيما دُونَ النَفْسِ، وإنَّما هو في النَفْسِ بِالنَفْسِ.

وقالَ النَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والشَعْبِيُّ، والثَوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأبُو يُوسُفَ: يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: لا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ، ودَلِيلُهم إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يُقاوِمُ الحُرَّ فِيما دُونَ النَفْسِ، فالنَفْسُ مَقِيسَةٌ عَلى ذَلِكَ.

وأيْضًا فالإجْماعُ فِيمَن قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا القِيمَةُ، فَكَما لَمْ يُشْبِهُ الحُرُّ في الخَطَأِ، لَمْ يُشْبِهْهُ في العَمْدِ.

وأيْضًا فَإنَّ العَبْدَ سِلْعَةً مِنَ السِلَعِ يُباعُ ويُشْتَرى وإذا قَتَلَ الرَجُلُ ابْنَهُ فَإنْ قَصَدَ إلى قَتْلِهِ مِثْلَ أنْ يُضْجِعَهُ ويَذْبَحُهُ أو يُصَبِّرُهُ مِمّا لا عُذْرَ لَهُ فِيهِ، ولا شُبْهَةَ في ادِّعاءِ الخَطَأِ، فَإنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ قَوْلًا واحِدًا في مَذْهَبِ مالِكٍ.

وإنْ قَتَلَهُ عَلى حَدِّ ما يَرْمِي أو يَضْرِبُ فَيَقْتُلُهُ، فَفِيهِ في المَذْهَبِ قَوْلانِ: يَقْتُلُ بِهِ، ولا يَقْتُلُ وتُغَلَّظُ الدِيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُها أنْ "مِن" يُرادُ بِها القاتِلُ، و"عُفِيَ" يَتَضَمَّنُ عافِيًا هو ولِيُّ الدَمِ، و"الأخُ" هو المَقْتُولُ.

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ هو الوَلِيُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وهي أُخُوَّةُ الإسْلامِ، و"شَيْءٌ" هو الدَمُ الَّذِي يُعْفى عنهُ، ويُرْجَعُ إلى أخْذِ الدِيَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، والعَفْوُ في هَذا القَوْلِ عَلى بابِهِ.

والضَمِيرانِ راجِعانِ عَلى "مَن" في كُلِّ تَأْوِيلٍ.

والتَأْوِيلُ الثانِي -وَهُوَ قَوْلُ مالِكٍ - أنْ "مِن" يُرادُ بِها الوَلِيُّ، و"عُفِيَ" بِمَعْنى يُسِّرَ، لا عَلى بابِها في العَفْوِ، و"الأخُ" يُرادُ بِهِ القاتِلُ، و"شَيْءٌ" هي الدِيَةُ، والأُخُوَّةُ عَلى هَذا أُخُوَّةُ الإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأخِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ المَقْتُولِ، أيْ يُسِّرَ لَهُ مِن قِبَلِ أخِيهِ المَقْتُولِ وبِسَبَبِهِ، فَتَكُونُ الأُخُوَّةُ أُخُوَّةُ قَرابَةٍ وإسْلامٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ الوَلِيَّ إذا جَنَحَ إلى العَفْوِ عَلى أخْذِ الدِيَةِ، فَإنَّ القاتِلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَها أو يُسَلِّمَ نَفْسَهُ، فَمَرَّةً تَيَسَّرُ ومَرَّةً لا تَيَسَّرُ.

وغَيْرُ مالِكٍ يَقُولُ: إذا رَضِيَ الأولِياءُ بِالدِيَةِ فَلا خِيارَ لِلْقاتِلِ بَلْ تَلْزَمُهُ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا هَذا القَوْلُ عن مالِكٍ، ورَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِهِ.

والتَأْوِيلُ الثالِثُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ في المُعَيَّنِينَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ كُلُّها، وتَساقَطُوا الدِياتِ فِيما بَيْنَهم مُقاصَّةً، حَسَبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، فَمَعْنى الآيَةِ: فَمِن فَضَلَ لَهُ مِنَ الطائِفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى شَيْءٌ مِن تِلْكَ الدِياتِ.

ويَكُونُ "عُفِيَ" بِمَعْنى فَضْلٍ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَفا الشَيْءُ إذا كَثُرَ" أيْ أفْضَلَتِ الحالُ لَهُ أوِ الحِسابُ أوِ القَدَرُ.

والتَأْوِيلُ الرابِعُ هو عَلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في الفَضْلِ بَيْنَ دِيَةِ المَرْأةِ والرَجُلِ، والحُرِّ والعَبْدِ، أيْ مَن كانَ لَهُ ذَلِكَ الفَضْلُ، فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ.

و" عُفِيَ" في هَذا المَوْضِعِ أيْضًا بِمَعْنى أفْضَلُ، وكَأنَّ الآيَةَ مِن أوَّلِها بَيَّنَتِ الحُكْمَ، إذا لَمْ تَتَداخَلُ الأنْواعُ، ثُمَّ الحِكَمُ إذا تَداخَلَتْ، و"شَيْءٌ" في هَذِهِ الآيَةِ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وجازَ ذَلِكَ.

و"عُفِيَ" لا يَتَعَدّى الماضِي الَّذِي بُنِيَتْ مِنهُ مِن حَيْثُ يُقَدَّرُ "شَيْءٌ" تَقْدِيرَ المَصْدَرِ، كَأنَّ الكَلامَ: عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ عَفْوٌ، و"شَيْءٌ" اسْمٌ عامٌّ لِهَذا وغَيْرِهِ، أو مِن حَيْثُ تُقَدَّرُ "عُفِيَ" بِمَعْنى تَرَكَ، فَتَعْمَلُ عَمَلَها، والأوَّلُ أجْوَدُ، ولَهُ نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا  ﴾ قالَ الأخْفَشُ: التَقْدِيرُ لا تَضُرُّونَهُ ضُرًّا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي خِراشٍ: فَعادَيْتُ شَيْئًا والدَرِيسُ كَأنَّما يُزَعْزِعُهُ وِرْدٌ مِنَ المُومِ مُرْدَمُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتِّباعٌ ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فالواجِبُ والحُكْمُ اتِّباعٌ، وهَذا سَبِيلُ الواجِباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ وأمّا المَندُوبُ إلَيْهِ فَيَأْتِي مَنصُوبًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ  ﴾ ، وهَذِهِ الآيَةُ حَضٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى حُسْنِ الِاقْتِضاءِ مِنَ الطالِبِ، وحُسْنِ القَضاءِ مِنَ المُؤَدِّي، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "فاتِّباعًا" بِالنَصْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ ، إشارَةٌ إلى ما شَرَعَهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أخْذِ الدِيَةِ، وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لا دِيَةَ عِنْدَهُمْ، إنَّما هو القَصاصُ فَقَطْ.

والِاعْتِداءُ المُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو أنْ يَأْخُذَ الرَجُلُ دِيَةَ ولَيِّهِ ثُمَّ يَقْتُلُ القاتِلَ بَعْدَ سُقُوطِ الدَمِ.

واخْتُلِفَ في العَذابِ الألِيمِ الَّذِي يَلْحَقُهُ؛ فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ: هو كَمَن قُتِلَ ابْتِداءً، إنْ شاءَ الوَلِيُّ قَتَلَهُ، وإنْ شاءَ عَفا عنهُ، وعَذابُهُ في الآخِرَةِ.

وقالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ: عَذابُهُ أنْ يُقْتَلَ البَتَّةَ، ولا يُمَكِّنُ الحاكِمُ الوَلِيَّ مِنَ العَفْوِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: نُقْسِمُ ألّا يُعْفى عن رَجُلٍ عَفا عَنِ الدَمِ، وأخَذَ الدِيَةَ ثُمَّ عَدا فَقَتَلَ» وقالَ الحَسَنُ: عَذابُهُ أنْ يَرُدَّ الدِيَةَ فَقَطْ، ويَبْقى إثْمُهُ إلى عَذابِ الآخِرَةِ.

وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أمَرَهُ إلى الإمامِ يَصْنَعُ فِيهِ ما رَأى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ﴾ نَحْوُهُ قَوْلُ العَرَبِ في مِثْلِ: "القَتْلُ أوقى لِلْقَتْلِ"، ويُرْوى: أبْقى "بِباءٍ وقافٍ"، ويُرْوى: أنْفى "بِنُونٍ وفاءٍ".

والمَعْنى أنَّ القَصاصَ إذا أُقِيمَ وتَحَقَّقَ الحُكْمُ بِهِ ازْدَجَرَ مَن يُرِيدُ قَتَلَ أحَدٍ مَخافَةَ أنْ يَقْتَصَّ مِنهُ فَحَيِيا بِذَلِكَ مَعًا.

وهَذا التَرْتِيبُ مِمّا سَبَقَ لَهُما في الأزَلِ.

وأيْضًا فَكانَتِ العَرَبُ -إذا قَتَلَ الرَجُلُ الآخَرَ- حَمِيَ قَبِيلاهُما وتَقاتَلُوا، وكانَ ذَلِكَ داعِيَةً إلى مَوْتِ العَدَدِ الكَثِيرِ، فَلَمّا شَرَعَ اللهُ القَصاصَ قَنِعَ الكُلُّ بِهِ، ووَقَفَ عِنْدَهُ، وتَرَكُوا الِاقْتِتالَ، فَلَهم في ذَلِكَ حَياةٌ.

وخُصَّ " أُولِي الألْبابِ " بِالذِكْرِ، تَنْبِيهًا عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُمُ العارِفُونَ القابِلُونَ لِلْأوامِرِ والنَواهِي، وغَيْرُهم تَبِعٌ لَهم.

و" تَتَّقُونَ " مَعْناهُ: القَتْلُ فَتَسْلَمُونَ مِنَ القَصاصِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ داعِيَةً لِأنْواعِ التَقْوى في غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُثِيبُ عَلى الطاعَةِ بِالطاعَةِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ أوسَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الرِبْعِيَّ: " ولَكم في القِصَصِ " أيْ في كِتابِ اللهِ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ القَصاصَ وحَكَمَهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَصاصِ، أيْ إنَّهُ قَصَّ أثَرَ القاتِلِ قِصَصًا، فَقُتِلَ كَما قَتَلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ الآيَةُ، كَأنَّ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، فَلِذَلِكَ سَقَطَتْ واوُ العَطْفِ، و"كُتِبَ" مَعْناهُ فُرِضَ وأُثْبِتَ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الوَصِيَّةُ فَرْضٌ.

وقالَ قَوْمٌ: كانَتْ فَرْضًا ونُسِخَتْ، وقالَ فَرِيقٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها.

و"كُتِبَ" عامِلٌ في رَفْعِ "الوَصِيَّةُ" عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ في بَعْضِ التَقْدِيراتِ وسَقَطَتْ عَلامَةُ التَأْنِيثِ مِن "كُتِبَ" لِطُولِ الكَلامِ فَحَسُنَ سُقُوطُها.

وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: "قامَ امْرَأةً"، ولَكِنَّ حَسَنُ ذَلِكَ إنَّما هو مَعَ طُولِ الحائِلِ.

وَلا يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ النُحاةِ أنْ تَعْمَلَ الوَصِيَّةُ في "إذا" لِأنَّها في حُكْمِ الصِلَةِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو "الوَصِيَّةُ"، وقَدْ تَقَدَّمَتْ فَلا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها مُتَقَدِّمَةً ويَتَّجِهَ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ "كُتِبَ" هو العامِلُ في "إذا"، والمَعْنى تُوَجَّهُ إيجابُ اللهِ عَلَيْكم ومُقْتَضى كِتابِهِ إذا حَضَرَ، فَعَبَّرَ عن تَوَجُّهِ الإيجابِ بِـ "كُتِبَ" لِيَنْتَظِمَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ مَكْتُوبٌ في الأزَلِ.

و"الوَصِيَّةُ" مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ بِـ "كُتِبَ".

وجَوابُ الشَرْطَيْنِ: "إذا" و"إنْ".

مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ ، كَما تَقُولُ: شَكَرْتُ فِعْلَكَ إنْ جِئْتِنِي إذا كانَ كَذا.

ويَتَّجِهُ في إعْرابِها أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الإيصاءَ، ويَكُونُ هَذا الإيصاءُ المُقَدَّرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الوَصِيَّةِ بَعْدُ هو العامِلُ في "إذا"، وتَرْتَفِعُ "الوَصِيَّةُ" بِالِابْتِداءِ، وفِيهِ جَوابُ الشَرْطَيْنِ عَلى نَحْوِ ما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: مِن يَفْعَلُ الصالِحاتِ اللهُ يَحْفَظُها ∗∗∗......................................

أو يَكُونُ رَفْعُها بِالِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَيْهِ الوَصِيَّةُ، أو بِتَقْدِيرِ الفاءِ فَقَطْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فالوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ.

ويَتَّجِهُ في إعْرابِها أنْ تَكُونَ "الوَصِيَّةُ" مُرْتَفِعَةً بِـ "كُتِبَ" عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وتَكُونُ "الوَصِيَّةُ" هي العامِلُ في "إذا"، وهَذا عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ، فَإنَّهُ يُجِيزُ أنْ يَتَقَدَّمَ ما في الصِلَةِ المَوْصُولُ بِشَرْطَيْنِ هُما في هَذِهِ الآيَةِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ لَيْسَ بِمَوْصُولٍ مَحْضٍ، بَلْ يُشْبِهُ المَوْصُولَ، وذَلِكَ كالألِفِ واللامِ حَيْثُ تُوصَلُ، أو كالمَصْدَرِ، وهَذا في الآيَةِ مَصْدَرٌ وهو "الوَصِيَّةُ"، والشَرْطُ الثانِي: أنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ ظَرْفًا، فَإنَّ في الظَرْفِ يَسْهُلُ الِاتِّساعُ، و"إذا" ظَرْفٌ، وهَذا هو رَأْيُ أبِي الحَسَنِ في قَوْلِ الشاعِرِ: تَقُولُ وصَكَّتْ وجْهَها بِيَمِينِها ∗∗∗ أبَعْلِي هَذا بِالرَحا المُتَقاعِسُ؟

فَإنَّهُ يَرى أنَّ "بِالرَحا" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "المُتَقاعِسُ" كَأنَّهُ قالَ: أبَعْلِي هَذا المُتَقاعِسُ بِالرَحا.

وجَوابُ الشَرْطَيْنِ في هَذا القَوْلِ كَما ذَكَرْناهُ في القَوْلِ الأوَّلِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا حَضَرَ ﴾ ، مَجازٌ، لِأنَّ المَعْنى، إذا تَخَوَّفَ وحَضَرَتْ عَلاماتُهُ.

والخَيْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ.

واخْتَلَفَ مُوجِبُو الوَصِيَّةِ في القَدْرِ الَّذِي تَجِبُ مِنهُ، فَقالَ الزُهْرِيُّ، وغَيْرُهُ: تَجِبُ فِيما قَلَّ وفِيما كَثُرَ، وقالَ النَخْعِيُّ: تَجِبُ في خَمْسِمائَةِ دِرْهَمٍ فَصاعِدًا، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَتادَةُ: في ألِفٍ فَصاعِدًا.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ فَرِيقٌ: مُحْكَمَةٌ، ظاهِرُها العُمُومُ، ومَعْناها الخُصُوصُ في الوالِدَيْنِ اللَذَيْنِ لا يَرِثانِ، كالكافِرَيْنِ والعَبْدَيْنِ، وفي القَرابَةِ غَيْرِ الوارِثَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: الآيَةُ عامَّةٌ، وتُقَرِّرُ الحُكْمَ بِها بُرْهَةً، ونُسِخَ مِنها كُلُّ مَن يَرِثُ بِآيَةِ الفَرائِضِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ يَدْخُلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحُسْنِ وغَيْرِهِما: أنَّهُ نَسَخَ مِنها الوالِدانِ وثَبَتَ الأقْرَبُونَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ.

وبَيَّنَ أنَّ آيَةَ الفَرائِضِ في سُورَةِ النِساءِ ناسِخَةٌ لِهَذِهِ؛ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ: «إنَّ اللهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ».

وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ زَيْدٍ: الآيَةُ كُلُّها مَنسُوخَةٌ، وبَقِيَتِ الوَصِيَّةُ نَدْبًا، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ، وغَيْرُهُ: لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ.

وقالَ عُرْوَةُ بْنُ ثابِتٍ لِلرَّبِيعِ بْنِ خَثِيمٍ: أوصِ لِي بِمُصْحَفِكَ، فَنَظَرَ الرَبِيعُ إلى ولَدِهِ وقَرَأ: ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ  ﴾ ونَحْوُ هَذا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الناسِخَ لِهَذِهِ الآيَةِ هي السُنَّةُ المُتَواتِرَةُ في الحَدِيثِ المَذْكُورُ قَبْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ نَسْخِ السُنَّةِ لِلْكِتابِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ  ﴾ وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: الوَصِيَّةُ لِلْقَرابَةِ أولى، فَإنْ كانَتْ لِأجْنَبِيٍّ فَمَعَهُمْ، ولا تَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ تَرْكِهِمْ، وقالَ الناسُ حِينَ ماتَ أبُو العالِيَةِ: عَجَبًا لَهُ، أعْتَقَتْهُ امْرَأةٌ مِن رِياحٍ، وأوصى بِمالِهِ لِبَنِي هاشِمٍ.

وقالَ الشَعْبِيُّ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ ولا كَرامَةً.

وقالَ طاوُسُ: إذا أوصى لِغَيْرِ قَرابَتِهِ رُدَّتِ الوَصِيَّةُ إلى قَرابَتِهِ، ونُقِضَ فِعْلُهُ.

وقالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقالَ الحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ أيْضًا، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ يَعْلى: يَبْقى ثُلْثُ الوَصِيَّةِ حَيْثُ جَعَلَها، ويَرُدُّ ثُلُثاها إلى قَرابَتِهِ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الوَصِيَّةُ ماضِيَةٌ حَيْثُ جَعَلَها المَيِّتُ.

و" الأقْرَبُونَ ": جَمْعُ أقْرَبِ.

و" بِالمَعْرُوفِ " مَعْناهُ: بِالقَصْدِ الَّذِي تَعْرِفُهُ النُفُوسُ دُونَ إضْرارٍ بِالوَرَثَةِ ولا تَبْذِيرَ لِلْوَصِيَّةِ.

و"حَقًّا" مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، وخُصَّ المُتَّقُونَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلرُّتْبَةِ لِيَتَبادَرَ الناسُ إلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعيد الخطاب بيأيُّها الذين آمنوا لأن هذا صنف من التشريع لأحكام ذات بال في صلاح المجتمع الإسلامي واستتباب نظامه وأمنه حين صار المسلمون بعد الهجرة جماعةً ذات استقلال بنفسها ومديِنتها، فإن هاته الآيات كانت من أول ما أنزل بالمدينة عام الهجرة كما ذكره المفسرون في سبب نزولها في تفسير قوله تعالى بعدَ هذا: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [البقرة: 190] الآية.

تلك أحكام متتابعة من إصلاح أحوال الأفراد وأحوال المجتمع، وابتُدئ بأحكام القصاص، لأن أعظم شيء من اختلال الأحوال اختلالُ حفظ نفوس الأمة، وقد أفرط العرب في إضاعة هذا الأصل، يَعلم ذلك مَنْ له إلمام بتاريخهم وآدابهم وأحوالهم، فقد بلغ بهم تطرفهم في ذلك إلى وشك الفناء لو طال ذلك فلم يتداركهم الله فيه بنعمة الإسلام، فكانوا يغير بعضهم على بعض لغنيمة أنعامه وعبيده ونسائه فيدافع المُغَار عليه وتتلف نفوس بين الفريقين ثم ينشأ عن ذلك طلب الثارات فيسعى كل من قتل له قتيل في قَتْل قاتِل وليِّه وإن أعوزه ذلك قتل به غيره من واحدٍ كفءٍ له، أو عدد يراهم لا يوازونه ويسمون ذلك بالتكايل في الدم أي كأنَّ دم الشريف يُكال بدماء كثيرة فربما قدروه باثنين أو بعشرة أو بمائة، وهكذا يدور الأمر ويتزايد تزايداً فاحشاً حتى يصير تفانياً قال زهير: تَدَارَكْتُمَا عَبْساً وذُبْيَانَ بعدَما *** تَفانَوْا ودَقُّوا بينهم عِطْرَ مَنْشِم وينتقل الأمر من قبيلة إلى قبيلة بالولاء والنسب والحلف والنصرة، حتى صارت الإحن فاشية فتخاذلوا بينهم واستنصر بعض القبائل على بعض فوجد الفرس والروم مدخلاً إلى التفرقة بينهم فحكموهم وأرْهبوهم، وإلى هذا الإشارة والله أعلم بقوله تعالى: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم...

حتى فأنقذكم منها ﴾ [البقرة: 231] أي كنتم أعداء بأسباب الغارات والحروب فألف بينكم بكلمة الإسلام، وكنتم على وَشْك الهلاك فأنقذكم منه فضَرب مثلاً للهلاك العاجل الذي لا يُبقي شيئاً بحفرة النار فالقائم على حافتها ليس بينه وبين الهلاك إلاّ أقلُّ حركة.

فمعنى ﴿ كتب عليكم ﴾ أنه حق لازم للأمة لا محيد عن الأخذ به فضمير ﴿ عليكم ﴾ لمجموع الأمة على الجملة لمن توجه له حق القصاص وليس المراد على كل فرد فرد القصاص، لأن ولي الدم له العفو عن دم وليه كما قال تعالى: ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ﴾ وأصل الكتابة نقش الحروف في حَجَر أَوْ رَقِّ أو ثوب ولما كان ذلك النقش يراد به التوثق بما نقش به دوام تذكره أطلق كُتِب على معنى حَقَّ وثبت أي حق لأهل القتيل.

والقصاص اسم لتعويض حق جنايةٍ أو حق غُرْم على أحد بمثل ذلك من عند المحقوق إنصافاً وعدلاً، فالقصاص يطلق على عقوبة الجاني بمثل ما جنَى، وعلى محاسبة رب الدين بما عليه للمدين من دين يفي بدينه، فإطلاقاته كلها تدل على التعادل والتناصف في الحقوق والتبعات المعروضة للغمص.

وهو بوزن فِعال وهو وزن مصدر فَاعَلَ من القص وهو القطع ومنه قولهم: طائر مقصوص الجناح ومنه سمي المقص لآلة القص أي القطع وقصة الشعر بضم القاف ما يقص منه لأنه يجري في حقين متبادلين بين جانبين يقال قاصّ فلان فلاناً إذا طرح من دين في ذمته مقداراً بدين له في ذمة الآخر فشبه التناصف بالقطع لأنه يقطع النزاع الناشب قبله، فلذلك سمي القَود وهو تمكينُ ولي المقتول من قَتل قاتِل مولاه قصاصاً قال تعالى: ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ [البقرة: 179]، وسميت عقوبة من يجرح أحداً جُرحاً عمداً عدواناً بأن يُجْرح ذلك الجارح مثل ما جَرح غيره قصَاصاً قال تعالى: ﴿ والجروح قصاص ﴾ [المائدة: 45] وسموا معاملة المعتدي بمثل جرمه قصاصاً ﴿ والحرمت قصاص ﴾ [البقرة: 194]، فماهية القصاص تتضمن ماهية التعويض والتماثل.

فقوله تعالى: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ يتحمّل معنى الجزاء على القتل بالقتل للقاتل وتتحمل معنى التعادل والتماثل في ذلك الجزاء بما هو كالعوض له والمِثل، وتتحمل معنى أنه لا يقتل غير القاتل ممن لا شركة له في قتل القتيل فأفاد قوله: ﴿ كتب عليكم ﴾ حق المؤاخذة بين المؤمنين في قتل القتلى فلا يذهب حق قتيل باطلاً ولا يُقتل غير القاتل باطلاً، وذلك إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية من إهمال دم الوضيع إذا قتله الشريف وإهمال حق الضعيف إذا قتله القَوي الذي يُخشى قومه، ومن تَحَكُّمهم بطلب قتل غير القاتل إذا قَتَل أحد رجُلاً شريفاً يطلبون قتل رجل شريف مثله بحيث لا يقتلون القاتل إلاّ إذا كان بواء للمقتول أي كفءا له في الشرف والمجد ويعتبرون قيمة الدماء متفاوتة بحسب تفاوت السودد والشرف ويُسمون ذلك التفاوت تكَايُلاً من الكيل، قالت ابنة بهدل بن قرقة الطائي تستثير رهطها على قتل رجل قتل أباها وتَذكر أنها ما كانت تقنع بقتله به لولا أن الإسلام أبطل تكايل الدماء: أَمَا فِي بَنِي حِصْننٍ من ابننِ كريهة *** مِنَ القوْم طَلاَّببِ الترَّاتتِ غَشَمْشَمِ فيَقتُلَ جَبْراً بامرئ لم يكن له *** بَوَاءً ولكن لا تَكايُلَ بالدَّم () قال النبي صلى الله عليه وسلم «المسلمون تتكافأ دماؤهم».

وقد ثبت بهذه الآية شرع القصاص في قتل العمد، وحكمة ذلك ردع أهل العدوان عند الإقدام على قتل الأنفس إذا علموا أن جزاءهم القتل، فإن الحياة أعز شيء على الإنسان في الجبلة فلا تعادل عقوبةٌ القتلَ في الردع والانزجار، ومن حكمة ذلك تطمين أولياء القتلى بأن القضاء ينتقم لهم ممَّن اعتدى على قتيلهم قال تعالى: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً ﴾ [الإسراء: 33] أي لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام من قاتل مولاهم بأنفسهم؛ لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين رهطين فيكثر فيه إتلاف الأنفس كما تقدم في الكلام على صدر الآية، ويأتي عند قوله تعالى: ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ [البقرة: 179].

وأول دم أقيد به في الإسلام دم رجل من هذيل قتله رجل من بني ليث فأقاد منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو سائر إلى فتح الطائف بموضع يقال له: بَحْرَةُ الرُّغَاء في طريق الطائف وذلك سنة ثمان من الهجرة.

و ﴿ في ﴾ من قوله: ﴿ في القتلى ﴾ ، للظرفية المجازية والقصاص لا يكون في ذوات القتلى، فتعين تقدير مضاف وحذفُه هنا ليشمل القصاص سائر شؤون القتلى وسائر معاني القصاص فهو إيجاز وتعميم.

وجمع ﴿ القتلى ﴾ باعتبار جمع المخاطبين أي في قتلاكم، والتعريف في القتلى تعريف الجنس، والقتيل هو من يقتله غيره من الناس والقتل فعل الإنسان إماتة إنسان آخر فليس الميت بدون فعل فاعل قتيلاً.

وجملة ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ بيان وتفصيل لجملة ﴿ كُتبَ عليكم القصاص في القتلى ﴾ فالباء في قوله: ﴿ بالحر ﴾ وما بعده، متعلقة بمحذوف دل عليه معنى القصاص والتقدير الحر يقتصُّ أو يقتل بالحر الخ ومفهوم القيد مع ما في الحر والعبد والأنثى من معنى الوصفية يقتضي أن الحر يقتل بالحر لا بغيره والعبد يقتل بالعبد لا بغيره، والأنثى تقتل بالأنثى لا بغيرها.

وقد اتفق علماء الإسلام على أن هذا المفهوم غير معمول به باطراد، لكنهم اختلفوا في المقدار المعمول به منه بحسب اختلاف الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة وفي المراد من هذه الآية ومحمل معناها، ففي «الموطأ» «قال مالك أحسن ما سمعت في هذه الآية أن قوله تعالى: ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد ﴾ فهؤلاء الذكور وقوله: ﴿ والأنثى بالأنثى ﴾ أن القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة كما يقتل الحر بالحر والأمة تقتل بالأمة كما يقتل العبد بالعبد والقصاص يكون بين النساء كما يكون يبن الرجال.

والقصاص أيضاً يكون بين الرجال والنساء».

أي وخُصَّت الأنثى بالذكر مع أنها مشمولة لعموم الحر بالحر والعبد لئلا يتوهم أن صيغة التذكير في قوله: ﴿ الحر ﴾ وقوله: ﴿ العبد ﴾ مراد بها خصوص الذكور.

قال القرطبي عن طائفة أن الآية جاءت مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه فبيّنت حكم الحر إذا قتل حراً والعبد إذا قتل عبداً والأنثى إذا قتلت أنثى ولم يتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة وفيها إجمال يبيّنه قوله تعالى: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس ﴾ [المائدة: 45] الآية اه.

وعلى هذا الوجه فالتقييد لبيان عدم التفاضل في أفراد النوع، ولا مفهوم له فيما عدا ذلك من تفاضل الأنواع إثباتاً ولا نفياً، وقال الشعبي: نزلت في قوم قالوا: لنقتلن الحر بالعبد والذكر بالأنثى، وذلك وقع في قتال بين حيين من الأنصار، ولم يثبت هذا الذي رواه وهو لا يغني في إقامة محمل الآية.

وعلى هذين التأويلين لا اعتبار بعموم مفهوم القيد؛ لأن شرط اعتباره ألا يظهر لذكر القيد سبب إلاّ الاحتراز عن نقيضه، فإذا ظهر سبب غير الاحتراز بطل الاحتجاج بالمفهوم، وحينئذٍ فلا دلالة في الآية على ألا يقتل حر بعبد ولا أنثى بذكر ولا على عكس ذلك، وأن دليل المساواة بين الأنثى والذكر وعدم المساواة بين العبد والحر عند من نفى المساواة مستنبط من أدلة أخرى.

الثالث: نقل عن ابن عباس أن هذا كان حكماً في صدر الإسلام ثم نسخ بآية المائدة ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 45] ونقله في «الكشاف» عن سعيد بن المسيب والنخعي والثوري وأبي حنيفة، ورده ابن عطية والقرطبي بأن آية المائدة حكاية عن بني إسرائيل فكيف تصلح نسخاً لحكم ثبت في شريعة الإسلام، أي حتى على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فمحله ما لم يأتي في شرعنا خلافه.

وقال ابن العربي في «الأحكام» عن الحنفية: إن قوله تعالى: ﴿ في القتلى ﴾ هو نهاية الكلام وقوله: ﴿ الحر بالحر ﴾ جاء بعد ذلك وقد ثبت عموم المساواة بقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ لأن القتلى عام وخصوص آخر الآية لا يبطل عموم أولها، ولذلك قالوا يقتل الحر بالعبد، قلت: يرد على هذا أنه لا فائدة في التفصيل لو لم يكن مقصوداً وإن الكلام بأواخره فالخاص يخصص العام لا محالة، وإنه لا محيص من اعتبار كونه تفصيلاً إلاّ أن يقولوا إن ذلك كالتمثيل، والمنقول عن الحنفية في «الكشاف» هو ما ذكرناه آنفاً.

ويبقى بعد هاته التأويلات سؤال قائم عن وجه تخصيص الأنثى بعد قوله تعالى: ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد ﴾ وهل تخرج الأنثى عن كونها حرة أو أمة بعد ما تبين أن المراد بالحر والعبد الجنسان؛ إذ ليس صيغة الذكور فيها للاحتراز عن النساء منهم؛ فإن (ال) لمّا صيرته اسم جنس صار الحكم على الجنس وبطل ما فيه من صيغة تأنيث كما يبطل ما فيه من صيغة جمع إن كانت فيه.

ولأجل هذا الإشكال سألت العلامة الجد الوزير رحمه الله عن وجه مجيء هذه المقابلة المشعرة بألا يقتص من صنف إلاّ لقتل مماثله في الصفة فترك لي ورقة بخطه فيها ما يأتي: الظاهر والله تعالى أعلم أن الآية (يعني آية سورة المائدة) نزلت إعلاماً بالحكم في بني إسرائيل تأنيساً وتمهيداً لحكم الشريعة الإسلامية، ولذلك تضمنت إناطة الحكم بلفظ النفس المتناول للذكر والأنثى الحر والعبد الصغير والكبير، ولم تتضمن حكماً للعبيد ولا للإناث، وصدرت بقوله ﴿ وكتبنا عليهم فيها ﴾ [المائدة: 45]، والآية الثانية (يعني آية سورة البقرة) صدرت بقوله: ﴿ كتب عليكم ﴾ وناط الحكم فيها بالحرية المتناولة للأصناف كلها ثم ذكر حكم العبيد والأناث رداً على من يزعم أنه لا يقتص لهم، وخصص الأنثى بالأنثى للدلالة على أن عدمها معصوم، وذلك لأنه إذا اقتص لها من الأنثى ولم يقتص لها من الذكر صار الدم معصوماً تارة لذاته غير معصوم أخرى وهذا من لطف التبليغ حيث كان الحكم متضمناً لدليله، فقوله: كتب القتل والقتال علينا *** وعلى الغانيات جر الذيول حكم جاهلي اه.

يعني أن الآية لم يقصد منها إلاّ إبطال ما كان عليه أمر الجاهلية من ترك القصاص لشرف أو لقلة اكتراث، فقصدت التسوية بقوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد ﴾ أي لا فضل لحر شريف على حر ضعيف ولا لعبيد السادة على عبيد العامة وقصدت من ذكر الأنثى إبطال ما كان عليه الجاهلية من عدم الاعتداد بجناية الأنثى واعتبارها غير مؤاخذة بجناياتها، وأراد بقوله: حكم جاهلي أنه ليس جارياً على أحكام الإسلام؛ لأن البيت لعمر ابن أبي ربيعة وهو شاعر إسلامي من صدر الدولة الأموية.

فإن قلت: كان الوجه ألا يقول: ﴿ بالأنثى ﴾ المشعر بأن الأنثى لا تقتل بالرجل مع إجماع المسلمين على أن المرأة يقتص منها للرجل.

قلت: الظاهر أن القيد خرج مخرج الغالب، فإن الجاري في العرف أن الأنثى لا تقتل إلاّ أنثى، إذ لا يتثاور الرجال والنساء فذكر ﴿ بالأنثى ﴾ خارج على اعتبار الغالب كمخرج وصف السائمة في قول النبي صلى الله عليه وسلم «في الغنم السائمة الزكاة» والخلاصة أن الآية لا يلتئم منها معنى سليم من الإشكال إلاّ معنى إرادة التسوية بين الأصناف لقصد إبطال عوائد الجاهلية.

وإذا تقرر أن الآية لا دلالة لها على نفي القصاص بين الأصناف المختلفة ولا على إثباته من جهة ما ورد على كل تأويل غير ذلك من انتقاض بجهة أخرى، فتعين أن قوله: ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ محمله الذي لا شك فيه هو مساواة أفراد كل صنف بعضها مع بعض دون تفاضل بين الأفراد، ثم أدلة العلماء في تسوية القصاص بين بعض الأصناف مع بعض الذكور بالإناث وفي عدمها كعدم تسوية الأحرار بالعبيد عند الذين لا يسوون بين صنفيهما خلافاً لأبي حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وداود أدلة أخرى غير هذا القيد الذي في ظاهر الآية، فأما أبو حنيفة فأخذ بعموم قوله: ﴿ القتلى ﴾ ولم يثبت له مخصصاً ولم يستثن منه إلاّ القصاص بين المسلم والكافر الحربي واستثناؤه لا خلاف فيه، ووجهه أن الحربي غير معصوم الدم، وأما المعاهد ففي حكم قتل المسلم إياه مذاهب، وأما الشافعي وأحمد فنفيا القصاص من المسلم للذمي والمعاهد وأخذاً بحديث «لا يقتل مسلم بكافر» ومالك والليث قالا لا قصاص من المسلم إذا قتل الذمي والمعاهد قتل عدوان وأثبتا القصاص منه إذا قتل غيلة.

وأما القصاص بين الحر والعبد في قطع الأطراف فليس من متعلقات هذه الآية وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ والجروح قصاص ﴾ [المائدة: 45] في سورة العقود.

ونفي مالك والشافعي وأحمد القصاص من الحر للعبد استناداً لعمل الخلفاء الراشدين وسكوت الصحابة، واستناداً لآثار مروية، وقياساً على انتفاء القصاص من الحر في إصابة أطراف العبد فالنفس أولى بالحفظ.

والقصاص من العبد لقتله الحر ثابت عندهما بالفحوى، والقصاص من الذكر لقتل الأنثى ثابت بلحن الخطاب.

الفاء لتفريع الإخبار أي لمجرد الترتيب اللفظي لا لتفريع حصول ما تضمنته الجملة المعطوفة بها على حصول ما تضمنته ما قبلها، والمقصود بيان أن أخذ الولي بالقصاص المستفاد من صور ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ ليس واجباً عليه ولكنه حق له فقط لئلا يتوهم من قوله: ﴿ كتب عليكم ﴾ أن الأخذ به واجب على ولي القتيل، والتصدي لتفريع ذكر هذا بعد ذكر حق القصاص للإيماء إلى أن الأولى بالناس قبول الصلح استبقاء لأواصر أخوة الإسلام.

قال الأزهري: «هذه آية مشكلة وقد فسروها تفسيراً قربوه على قدر أفهام أهل عصرهم» ثم أخذ الأزهري في تفسيرها بما لم يكشف معنى وما أزال إشكالاً، وللمفسرين مناح كثيرة في تفسير ألفاظها ذكر القرطبي خمسة منها، وذكر في «الكشاف» تأويلاً آخر، وذكر الطيبي تأويلين راجعين إلى تأويل «الكشاف»، واتفق جميعهم على أن المقصد منها الترغيب في المصالحة عن الدماء، وينبغي ألا نذهب بأفهام الناظر طرائق قدداً، فالقول الفصل أن نقول: إن ما صدق من في قوله: ﴿ فمن عفى له ﴾ هو ولي المقتول وإن المراد بأخيه هو القاتل وصفاً بأنه أخ تذكيراً بأخوة الإسلام وترقيقاً لنفس ولي المقتول؛ لأنه إذا اعتبر القاتل أخاً له كان من المروءة ألا يرضى بالقَوَد منه؛ لأنه كمن رضي بقتل أخيه، ولقد قال بعض العرب: قتل أخوه ابناً له عمداً فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف وقال: أَقول للنفس تَأْسَاءً وتَعْزيَة *** إِحدى يَدَيَّ أصابتْني ولم تُرِدِ كِلاَهُما خَلَفٌ من فَقْدِ صاحبه *** هَذَا أخي حينَ أَدْعُوهُ وذَا ولَدِي وما صدق ﴿ شيء ﴾ هو عرض الصلح، ولفظ شيء اسم متوغل في التنكير دال على نوع ما يصلح له سياق الكلام، وقد تقدم حسن موقع كلمة شيء عند قوله تعالى: ﴿ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ [البقرة: 155].

ومعنى ﴿ عفى له من أخيه ﴾ أنه أعطى العفو أي الميسور على القاتل من عوض الصلح.

ومن معاني العفو أنه الميسور من المال الذي لا يجحف بباذله وقد فسر به العفو من قوله تعالى: ﴿ خذ العفو ﴾ [الأعراف: 199]، وإيثار هذا الفعل لأنه يؤذن بمراعاة التيسير والسماحة وهي من خلق الإسلام فهذا تأكيد للترغيب الذي دل عليه قوله: ﴿ من أخيه ﴾ ، والتعيبر عن عوض الدم بشيء لأن العوض يختلف فقد يُعرض على ولي الدم مال من ذهب أو فضة وقد يعرض عليه إبل أو عروض أو مقاصة دماء بين الحيين؛ إذ ليس العوض في قتل العمد معيناً كما هو في دية قتل الخطأ.

(واتّباع) و(أداء) مصدران وقعا عوضاً عن فعلين والتقدير: فليتبع اتباعاً وليؤد أداء فعدل عن أن ينصب على المفعولية المطلقة إلى الرفع لإفادة معنى الثبات والتحقيق الحاصل بالجملة الاسمية كما عدل إلى الرفع في قوله تعالى: ﴿ قال سلام ﴾ [هود: 69] بعد قوله: ﴿ قالوا سلاماً ﴾ [هود: 69]، وقد تقدم تطور المصدر الذي أصله مفعول مطلق إلى مصيره مرفوعاً عند قوله تعالى: ﴿ الحمد لله ﴾ [الفاتحة: 2]، فنظم الكلام: فاتباعٌ حاصلٌ ممن عفي له من أخيه شيء وأداءٌ حاصل من أخيه إليه، وفي هذا تحريض لمن عفي له على أن يقبل ما عفي له وتحريض لأخيه على أداء ما بذله بإحسان.

والاتباع مستعمل في القبول والرضا، أي فليرض بما عفي له كقول النبي صلى الله عليه وسلم «وإذا أتبع أحدكم على مَلِيء فليتبع».

والضمير المقدر في (اتباع) عائد إلى ﴿ من عفي له ﴾ والضمير المقدر في أدَاء عائد إلى (أخيه)، والمعنى: فليرضى بما بذل له من الصلح المتيسر، وليؤد باذلُ الصلح ما بذله دون مماطلة ولا نقص، والضمير المجرور باللام والضمير المجرور بإلى عائداننِ على ﴿ فمن عفى له ﴾ .

ومقصد الآية الترغيب في الرضا بأخذ العوض عن دم القتيل بدلاً من القصاص لتغيير ما كان أهل الجاهلية يتَعيرون به من أخذ الصلح في قتل العمد ويعدونه بيعاً لدم مولاهم كما قال مُرَّةُ الفَقْعَسِي: فلا تَأْخذوا عَقْلاً من القَوْم إِنَّنِي *** أَرى العَارَ يبقَى والمَعَاقِلَ تَذْهَبُ وقال غيره يَذْكر قوماً لم يَقْبَلوا منه صلحاً عن قتيل: فلَوْ أَنَّ حيّاً يقبَلُ المالَ فِدْيَةً *** لسُقْنَا لهم سَبْباً من المال مُفْعَمَا ولكِنْ أَبَى قَوْمٌ أُصيبَ أخُوهُمُ *** رِضَا العَار فاختاروا على اللَّبَن الدَّمَا وهذا كله في العفو على قتل العمد وأما قتل الخطأ فإن شأنه الدية عن عاقلة القاتل وسيأتي في سورة النساء.

وإطلاقُ وصف الأخ على المماثل في دين الإسلام تأسيسُ أصل جاء به القرآن جعل به التوافق في العقيدة كالتوافق في نسب الإِخوة، وحَقّاً فإن التوافق في الدين آصرة نفسانية والتوافق في النسب آصرة جسدية والروح أشرف من الجسد.

واحتج ابن عباس بهذه الآية على الخوارج في أن المعصية لا تُزيل الإيمان، لأن الله سمى القاتل أخاً لولي الدم وتلك أخوة الإِسلام مع كون القَاتل عَاصياً.

وقوله: ﴿ بالمعروف ﴾ المعروف هو الذي تألفه النفوس وتستحسنه فهو مما تُسَر به النفوس ولا تشمئز منه ولا تنكره، ويقال لضده مُنْكَر وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ [آل عمران: 110] في سورة آل عمران.

والباء في قوله: ﴿ بالمعروف ﴾ للملابسة أي فاتباع مُصاحب للمعروف أي رِضا وقبول، وحسنُ اقتضاء إن وقع مطل، وقبول التنجيم إن سأله القاتل.

والأداء: الدفع وإبلاغ الحق والمراد به إعطاء مال الصلح، وذُكر متعلقه وهو قوله ﴿ إليه ﴾ المؤذن بالوصول إليه والانتهاء إليه للإشارة إلى إبلاغ مال الصلح إلى ولي المقتول بأن يذهب به إليه ولا يكلفه الحضور بنفسه لقبضه أو إرسال من يقبضه، وفيه إشارة إلى أنه لا يمطله، وزاد ذلك تقريراً بقوله: ﴿ بإحسان ﴾ أي دون غضب ولا كلام كريه أو جَفاء معاملة.

وقوله: ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ﴾ إشارة إلى الحكم المذكور وهو قبول العفو وإحسان الأداء والعدولُ عن القصاص، تخفيف من الله على الناس فهو رحمة منه أي أَثَر رحمته، إذ التخفيف في الحكم أثر الرحمة، فالأخذ بالقصاص عَدْل والأخذ بالعفو رحمة.

ولما كانت مشروعية القصاص كافية في تحقيق مقصد الشريعة في شرع القصاص من ازدجار الناس عن قتل النفوس وتحقيق حفظ حق المقتول بكون الخيرة للولي كان الإذن في العفو إن تراضيا عليه رحمةً من الله بالجانبين، فالعدل مقدم والرحمة تأتي بعده.

قيل: إن الآية أشارت إلى ما كان في الشريعة الإسرائيلية من تعيين القصاص من قاتل العمد دون العفو ودون الديَة كما ذكره كثير من المفسرين وهو في «صحيح البخاري» عن ابن عباس، وهو ظاهر ما في سفر الخروج الإصحاح الثالث: «من ضَرب إنساناً فمات يقتل قتلاً ولكن الذي لم يتعمد بل أوقع الله في يده فأنا أجعلُ لك مكاناً يُهرَب إليه وإذا بغى إنسان على صاحبه ليقتله بغدر فمن عندِ مذبحي تأخذُه للموت»، وقال القرطبي: إن حكم الإنجيل العفو مطلقاً والظاهر أن هذا غير ثابت في شريعة عيسى، لأنه ما حكَى الله عنه إلاّ أنه قال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ [آل عمران: 50]، فلعله مما أخذه علماء المسيحية من أمره بالعفو والتسامح لكنه حكم تنزه شرائع الله عنه لإفضائه إلى انخرام نظام العالم، وشتان بين حال الجاني بالقتل في الإسلام يَتوقع القصاص ويضع حياته في يد ولي دم المقتول فلا يدري أيقبل الصلح أم لا يقبل، وبين ما لو كان واثقاً بأنه لا قصاص عليه فإن ذلك يجرئه على قتل عدوه وخصمه.

تفريع عن حكم العفو لأن العفو يقتضي شكر الله على أن أنجاهُ بشرع جواز العفو وبأن سخر الولي للعفو، ومن الشكر ألاّ يعود إلى الجناية مرة أخرى، فإن عاد فله عذاب أليم، وقد فسر الجمهور العذاب الأليم بعذاب الآخرة والمراد تشديد العذاب عليه كقوله تعالى: ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ [المائدة: 95]، ثم له من حكم العفو والدية ما للقاتل ابتداء عندهم، وفسره بعضهم بعذاب الدنيا أعني القتل فقالوا: إن عاد المعفو عنه إلى القتل مرة أخرى فلا بد من قتله ولا يمكن الحاكم الولي من العفو ونقلوا ذلك عن قتادة وعكرمة والسدي ورواه أبو داود عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه موكول إلى اجتهاد الإمام.

والذي يستخلص من أقوالهم هنا سواء كان العذاب عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا أن تكرر الجناية يوجب التغليظ وهو ظاهر من مقاصد الشارع؛ لأن الجناية قد تصير له دُربة فعَوْده إلى قتل النفس يؤذن باستخفافه بالأنفس فيجب أن يُراح منه الناس، وإلى هذا نظر قتادة ومن معه، غير أن هذا لا يمنع حكم العفو إن رضي به الولي؛ لأن الحق حقه، وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز بتفويضه إلى الإمام لينظر هل صار هذا القاتل مِزْهَقَ أَنْفُس، وينبغي إن عُفي عنه أن تشدد عليه العقوبة أكثر من ضرب مائة وحَبس عام وإن لم يقولوه؛ لأن ذكر الله هذا الحكمَ بعد ذكر الرحمة دليلٌ على أن هذا الجاني غير جدير في هاته المرة بمزيد الرحمة، وهذا موضع نظر من الفقه دقيق، قد كان الرجل في الجاهلية يقتل ثم يدفع الدية ثم يغدره ولي الدم فيقتله وقريب من هذا قصة حُصين بن ضَمْضَم التي أشار إليها زهير بقوله: لَعَمْرِي لَنِعْمَ الحيُّ جَرَّ عليهِمُ *** بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ: يا بِنْتَ عَمِّي كِتابُ اللَّهِ أخْرَجَنِي عَنْكم فَهَلْ أمْنَعَنَّ اللَّهَ ما فَعَلا وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا ∗∗∗ وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ والقِصاصُ: مُقابَلَةُ الفِعْلِ بِمِثْلِهِ مَأْخُوذٌ مِن قَصِّ الأثَرِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى ﴾ فاخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في ذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ كانُوا أعِزَّةً أقْوِياءَ لا يَقْتُلُونَ بِالعَبْدِ مِنهم إلّا سَيِّدًا وبِالمَرْأةِ مِنهم إلّا رَجُلًا، اسْتِطالَةً بِالقُوَّةِ وإدْلالًا بِالعِزَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في فَرِيقَيْنِ كانَ بَيْنَهُما عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  قِتالٌ، فَقُتِلَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَماعَةٌ مِن رِجالٍ ونِساءٍ وعَبِيدٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ  دِيَةَ الرَّجُلِ قِصاصًا بِدِيَةِ الرَّجُلِ، ودِيَةَ المَرْأةِ قِصاصًا بِدِيَةِ المَرْأةِ، ودِيَةَ العَبْدِ قِصاصًا بِدِيَةِ العَبْدِ ثُمَّ أصْلَحَ بَيْنَهم.

وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وأبِي مالِكٍ.

والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِمُقاصَّةِ دِيَةِ القاتِلِ المُقْتَصِّ مِنهُ بِدِيَةِ المَقْتُولِ المُقْتَصِّ لَهُ واسْتِيفاءُ الفاضِلِ بَعْدَ المُقاصَّةِ، وهَذا قَوْلُ عَلَيٍّ كانَ يَقُولُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أيُّما حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ مَوالِي العَبْدِ أنْ يَقْتُلُوا الحُرَّ قَتَلُوهُ وقاصُّوهم بِثَمَنِ العَبْدِ مِن دِيَةِ الحُرِّ وأدَّوْا إلى أوْلِياءِ الحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ، وأيُّما عَبْدٍ قَتَلَ حُرًّا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الحُرِّ قَتَلُوا العَبْدَ وقاصُّوهم بِثَمَنِ العَبْدِ وأخَذُوا بَقِيَّةَ دِيَةِ الحُرِّ، وأيُّما رَجُلٍ قَتَلَ امْرَأةً فَهو بِها قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ المَرْأةِ قَتَلُوهُ، وأدَّوْا بَقِيَّةَ الدِّيَةِ إلى أوْلِياءِ الرَّجُلِ، وأيُّما امْرَأةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا فَهي بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الرَّجُلِ قَتَلُوها وأخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ.

والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ أنْ يُقْتَلَ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ، والمَرْأةُ بِالمَرْأةِ والعَبْدُ بِالعَبْدِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ  ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَمَن عُفِيَ لَهُ عَنِ القِصاصِ مِنهُ فاتِّباعٌ بِمَعْرُوفٍ وهو أنْ يَطْلُبَ الوَلِيُّ الدِّيَةَ بِمَعْرُوفٍ ويُؤَدِّيَ القاتِلُ الدِّيَةَ بِإحْسانٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ بِمَعْنى فَمَن فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ وهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في فَرِيقَيْنِ كانا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  قُتِلَ مِن كِلا الفَرِيقَيْنِ قَتْلى فَتَقاصّا دِياتِ القَتْلى بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَمَن بَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ فَلْيُتْبِعْها بِمَعْرُوفٍ، ولْيَرُدَّ مَن عَلَيْهِ الفاضِلُ بِإحْسانٍ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ أيْ فَضَلَ لَهُ قِبَلَ أخِيهِ القاتِلِ شَيْءٌ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) في أوَّلِ الآيَةِ؟

في القِصاصِ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ والحُرِّ والعَبْدِ وأداءِ ما بَيْنَهُما مِن فاضِلِ الدِّيَةِ.

ثُمَّ في الِاتِّباعِ بِالمَعْرُوفِ والأداءِ إلَيْهِ بِإحْسانٍ وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ الِاتِّباعَ بِالمَعْرُوفِ عائِدٌ إلى ولِيِّ المَقْتُولِ أنْ يُطالِبَ بِالدِّيَةِ بِمَعْرُوفٍ، والأداءَ عائِدٌ إلى القاتِلِ أنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ بِإحْسانٍ.

والثّانِي: أنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى القاتِلِ أنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ بِمَعْرُوفٍ وبِإحْسانٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ ﴾ يَعْنِي خِيارَ الوَلِيِّ في القَوَدِ أوِ الدِّيَةِ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ أهْلُ التَّوْراةِ يَقُولُونَ: إنَّما هو قِصاصٌ أوْ عَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُما أرْشٌ، وكانَ أهْلُ الإنْجِيلِ يَقُولُونَ: إنَّما هو أرْشٌ أوْ عَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُما قَوَدٌ، فَجُعِلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ القَوَدُ والعَفْوُ والدِّيَةُ إنْ شاءُوا، أحَلَّها لَهم ولَمْ تَكُنْ لِأُمَّةٍ قَبْلَهُمْ، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ يَعْنِي مَن قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يُقْتَلَ قِصاصًا، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يَقْتُلَهُ الإمامُ حَتْمًا لا عَفْوَ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ  كانَ يَقُولُ: « (لا أُعافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ)» .

والثّالِثُ: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو عُقُوبَةُ السُّلْطانِ.

والرّابِعُ: أنَّ العَذابَ الألِيمَ اسْتِرْجاعُ الدِّيَةِ مِنهُ، ولا قَوَدَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا ذَكَرَهُ الظّالِمُ المُعْتَدِي، كَفَّ عَنِ القَتْلِ فَحَيِيَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ إيجابَ القِصاصِ عَلى القاتِلِ وتَرْكَ التَّعَدِّي إلى مَن لَيْسَ بِقاتِلٍ حَياةٌ لِلنُّفُوسِ، لِأنَّ القاتِلَ إذا عَلِمَ أنَّ نَفْسَهُ تُؤْخَذُ بِنَفْسِ مَن قَتَلَهُ كَفَّ عَنِ القَتْلِ فَحَيِيَ أنْ يُقْتَلَ قَوَدًا، أوْ حَيِيَ المَقْتُولُ أنْ يُقْتَلَ ظُلْمًا.

وَفي المَعْنَيَيْنِ تَقارُبٌ، والثّانِي أعَمُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ يَعْنِي يا ذَوِي العُقُولِ، لِأنَّ الحَياةَ في القِصاصِ مَعْقُولَةٌ بِالِاعْتِبارِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكَ تَتَّقِي أنْ تَقْتُلَهُ فَتُقْتَلَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإِسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى بالعبد من الحر منهم، وبالمرأة من الرجل منهم، فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: ﴿ النفس بالنفس ﴾ [ المائدة: 45] فجعل الأحرار في قصاص سواء فيما بينهم من العَمْد رجالهم ونساؤهم في النفس وما دون النفس، وجعل العبيد مستوين في العمد النفس وما دون النفس رجالهم ونساؤهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي قال: نزلت هذه الآية في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عمية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقتل بعبدنا فلان ابن فلان، ونقتل بأمتنا فلانة بنت فلانة.

فأنزل الله: ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي مالك قال: كان بين حيين من الأنصار قتال كان لأحدهما على الآخر الطول، فكأنهم طلبوا الفضل، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ قال ابن عباس: نسختها ﴿ النفس بالنفس ﴾ [ المائدة: 45] .

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: لم يكن لمن كان قبلنا دية إنما هو القتل والعفو، فنزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم، فكانوا إذا قتل من الكثير عبد قالوا: لا نقتل به إلا حراً، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله: ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وأبو القاسم الزجاجي في أماليه والبيهقي في سننه عن قتادة في الآية قال: كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي منهم إذا كان فيهم عدد فقتل لهم عبداً عبد قوم آخرين فقالوا: لن نقتل به إلا حراً تعززاً وتفضلاً على غيرهم في أنفسهم، وإذا قتلت لهم أنثى قتلتها امرأة قالوا: لن نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن العبد بالعبد إلى آخر الآية، نهاهم عن البغي، ثم أنزل سورة المائدة فقال: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ [ المائدة: 45] الآية.

وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ .

قال: نسختها ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ فمن عفي له ﴾ الآية.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ فمن عفي له ﴾ قال: هو العمد يرضى أهله بالدية ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾ أمر به الطالب ﴿ وأداء إليه بإحسان ﴾ قال: يؤدى المطلوب بإحسان ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ﴾ مما كان على بني إسرائيل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء ﴾ بعد أخذ الدية بعد استحقاق الدم وذلك العفو ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾ يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية ﴿ وأداء إليه بإحسان ﴾ من القاتل في غير ضرر ولا فعلة المدافعة ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ﴾ يقول: رفق.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان والبيهقي عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فقال الله لهذه الأمة ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء ﴾ فالعفو أن تقبل الدية في العمد ﴿ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ﴾ يتبع الطالب بالمعروف ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ قتل بعد قبول الدية ﴿ فله عذاب أليم ﴾ .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كانت بنو إسرائيل إذا قتل فيهم القتيل عمداً لا يحل لهم إلا القود، وأحل الله الدية لهذه الأمة، فأمر هذا أن يتبع بمعروف، وأمر هذا أن يؤدي بإحسان ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ليس بينهم دية في نفس ولا جرح، وذلك قول الله: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس....

﴾ [ المائدة: 45] الآية.

فخفف الله عن أمة محمد، فجعل عليهم الدية في النفس وفي الجراحة، وهو قوله: ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ﴾ .

وأخرج ابن جرير والزجاجي في أماليه عن قتادة في قوله: ﴿ ورحمة ﴾ قال: هي رحمة رحم الله بها هذه الأمة أطعمهم الدية وأحلها لهم ولم تحل لأحد قبلهم، فكان في أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو ليس بينهما أرش، فكان أهل الإِنجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل الله لهذه الأمة القتل والعفو الدية إن شاؤوا أحلها لهم ولم يكن لأمة قبلهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن شريح الخزاعي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أصيب بقتل أو جرح فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالداً فيها أبداً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ بأن قتل بعد أخذه الدية ﴿ فله عذاب أليم ﴾ قال: فعليه القتل لا يقبل منه الدية، وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية» .

وأخرج سمويه في فوائده عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية» .

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير ن الحسن في قوله: ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ قال: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلاً ينضم إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية، فيخرج الفار وقد أمن في نفسه فيقتله ويرمي إليه بالدية، فذلك الاعتداء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة.

في رجل قتل بعد أخذ الدية قال: يقتل، أما سمعت الله يقول ﴿ فله عذاب أليم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ ، كُتِبَ هاهنا، بمعنى: فُرض وأُوجب، كقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ  ﴾ .

وأصله: أن من أراد إحكام شيء والاستيثاق منه كَتَبَه؛ لئلا ينساه، فقيل في كل مفروضٍ واجب: كتب، بمعنى: أحكم ذلك.

وقيل: أصلُه: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ومن هذا قوله: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي  ﴾ ، أي: قضى الله ذُلك، وفَرَغَ منه، وحَكَم به، ومثله قوله: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ  ﴾ ، أي: حكم بإخراجهم من دورهم، وقوله: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا  ﴾ ، وقوله: {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} [آل عمران: 154]، كل هذا من القضاء.

ويكون (كتب) بمعنى (١) ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ  ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿ القِصَاصُ ﴾ معنى القصاص في اللغة: المماثلة والمساواة، وأصله من قولهم: قصصت أثره، إذا تتبعته (٣) ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ  ﴾ ، فكأن المفعول به يتبع ما عُمِلَ به فَيَعْمَلُ مثله (٤) قال الفراء في كتاب المصادر: قاصَصْته قَصَصا، وأَقْصَصْتُه: إذا أقدته من أخيه إِقْصَاصًا، ويقال: قَصَصْتُ أثره قَصصًا وقَصًّا، وقَصصْتُ عليه الحديثَ قَصَصًا، قال الله تعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ  ﴾ .

وقال في قَصِّ الأثر: ﴿ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا  ﴾ والقَصُّ جائز في هذين.

هذا كلامه.

وأراد بالقصاص هاهنا: المماثلة في النفوس والجروح.

وقال الأزهري: أصل القَصّ: القطع.

قال أبو زيد: قَصَصتُ ما بينهما، أي: قطعت.

قال الأزهري: والقِصَاص في الجِرَاح مأخوذ من هذا، وهو أن يُجْرحَ مثلَ ما جَرَح، أو يُقْتل مثل ما قتل (٥) وقال الليث: القصاص والتقاص (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) قوله تعالى: ﴿ اَلحُرُّ باَلحُرِّ ﴾ أراد: الحر يقتص بالحر، فحذف لدلالة ذكر القصاص عليه.

والحر: نقيض (١١) (١٢) (١٣) قال المفسرون: نزلت الآية في حَيَّيْنِ من العَرَبِ، لأَحَدِهِما طَولٌ على الآخر، فكانوا يتزوجون نسائهم بغير مهور، فقتلَ الأوضعُ منهما من الشريف قتلى، فحلف الشريف لَيَقْتُلَن الحرَّ بالعبد، والذكرَ بالأنثى.

وليضاعفن الجراح، فأنزل الله هذه الآية، ليعلم أن الحر المسلم، كفء للحر المسلم، وكذلك العبد للعبد، والذكر للذكر، والأنثى للأنثى (١٤) ولم تدل (١٥) (١٦) (١٧) قال الفراء: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ  ﴾ (١٨) ﴿ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ﴾ فلما لم يعمل بهذا وعمل بقوله: ﴿ اَلنَّفسَ بِالنَّفسِ ﴾ جعل هذه الآية منسوخة، والصحيح أن هذه الآية غير منسوخة؛ لأن حُكْمَ الآية ثابتٌ، ولم تدلَّ على أن الذكرَ لا يقتل بالأنثى (١٩) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ معنى العفو: هو ترك الواجب من أَرْشِ (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَخِيهِ ﴾ أراد: من دم أخيه، فحذف المضاف للعلم به (٢٢) (٢٣) (٢٤) وفي قوله: (شيء) دليل على أن بعض الأولياء إذا عَفَا سَقَطَ القود؛ لأن شيئًا من الدمِ قد بطل بعفو البعض (٢٥) ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ ، والكنايتان في قوله: ﴿ لَهُ ﴾ و ﴿ أَخِيهِ ﴾ ترجعان إلى (مَنْ) وهو القاتل (٢٦) هذا الذي ذكرنا من معنى قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ هو الذي عليه عامة المفسرين وأهل المعاني وإن لم (٢٧) (٢٨) وقال الأزهري: هذه الآية فيها إشكال، وقد فسرها ابن عباس وغيرُه من المفسرين على جهة التقريب وقدر أفهام من شاهدهم من أهل عصرهم.

وأهلُ عصرنا لا يكادون يفهمون عنهم ما أومأوا إليه حتى يزاد في البيان، ويوضح بعض الإيضاح، ونسأل الله التوفيق.

حدثنا محمد بن إسحاق، ثنا المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار (٢٩) ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ إلى قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ﴾ قال: فالعفو أن تقبل الدية في العمد (٣٠) قال الأزهري: وليس العفو في قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ﴾ عفوًا من ولي (٣١) ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَئٌ ﴾ أي (٣٢) ﴿ مِنْ أَخِيهِ ﴾ ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا بمعنى البدل، المعنى: فمن عفا الله له بقبول الدية بدل أخيه المقتول.

والعرب تقول: عوّضت (٣٣) (٣٤) ولقد أعجب بقوله، وزلّ (٣٥) (٣٦) ﴿ فَمَنْ عُفِيَ ﴾ عفو من ولي الدم بإباحة الله تعالى ذلك، ولو كان العفو من الله تعالى لتعيّنت (٣٧) ﴿ مِنْ أَخِيهِ ﴾ أي: بدل أخيه المقتول (٣٨) ﴿ مِنْ أَخِيهِ ﴾ عام في كل المقتول، ليس المراد به (٣٩) (٤٠) وقوله: ﴿ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ على معنى: فعليه اتباع بالمعروف، ولو كان في غير القرآن لجاز: فاتباعًا وأداءً على معنى: فليتبع اتباعًا، وليؤد أداءً (٤١) (٤٢) ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ  ﴾ ، ﴿ فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ  ﴾ ، ﴿ فَإمسَاكُ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ ، وليس شيء من هذا إلا ونصبه جائز على أن توقع عليه الأمر.

ومما جاء منصوبًا قوله: ﴿ فَضَربَ الرِّقَابِ  ﴾ (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والمعنى: فالأمر اتباعٌ بالمعروف، أو فالحكم فيه اتباع بالمعروف (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَأَدَاءٌ ﴾ الأداء: اسم، من قولك: أدَّيْتُ إليه المال، وقد ينوب عن المصدر فيقال: أدّيت أداءً، كما يقال: سَلَّمْتُ سلامًا، وكلَّمْتُ كلامًا، قال الله تعالى: ﴿ وَسَرِّحُوهُن سَرَاحًا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِلَيْهِ ﴾ الكناية ترجع إلى العافي، ودل عليه ﴿ عُفِىَ ﴾ ، لأنا قد ذكرنا أَنَّ الفعل يدل على الفاعل، فكأنه ذُكِر (٥٠) (٥١) وقوله: ﴿ بِإِحْسَانٍ ﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء (٥٢) (٥٣) قال المفسرون: إن الله تعالى أمر الطالب أن يطلب بالمعروف، ويتبع الحق الواجب له، من غير أن يطالبه بالزيادة، أو يكلفه ما لا يوجبه الله، أو يشدد عليه (٥٤) (٥٥) وقوله: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد حيث جعل الدية لأمتك يا محمد (٥٦) قال قتادة: لم تحلّ الدية لأحد غير هذه الأمة (٥٧) قال المفسرون: إن الله تعالى كتب على أهل التوراة أن يُقِيدُوا (٥٨) ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ، أي: التخيير بين هذه الأشياء (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: كما كانت الجاهلية تفعل، تقتل من قوم القاتل عِدَّةً (٦٠) وقال آخرون: أي: ظَلَم فوثب على القاتل فقتله بعد أخذ الدية (٦١) وفي هذه الآية أدلة على القدرية: أحدها: قوله في افتتاح الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ﴾ ولا خلاف أن القصاص واقع في قتل العمد، فلم يسقط اسم الإيمان عن القاتل بارتكاب هذه الكبيرة.

والثاني: ما ذكرنا في قوله: ﴿ مِنْ أَخِيهِ ﴾ .

والثالث: قوله: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ وهما يلحقان المؤمنين (٦٢) (١) في (أ): (يعنى).

(٢) ينظر في معنى (كتب): "تفسير الطبري" 2/ 102، 103، "المحرر الوجيز" 2/ 83، "المفردات" ص 425 - 427، "البحر المحيط" 2/ 7 - 8، قال الراغب: ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى.

(٣) في (م): (تبعته).

(٤) "تفسيرالثعلبي" 2/ 176.

(٥) "تهذيب اللغة" 3/ 2976 (قصّ)، وعبارته: والقصاص في الجراح مأخوذ من هذا، يجرحه مثل جرحه إياه، أو قتله به.

(٦) في (ش): (والتقصاص).

(٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2976، "لسان العرب" 6/ 3652 (قصّ).

(٨) ينظر في معنى القصاص "تفسير الطبري" 2/ 102 - 103، "اللسان" 6/ 3652 (قصّ).

(٩) في (أ)، (م): (من).

(١٠) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 102، 106، "زاد المسير" 1/ 180، "التفسير الكبير" 5/ 48، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 83: وصورة فرض القصاص هو == أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله، والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليه، وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى وتقتل بقتيلها الرجل من قوم قاتله، وأن الحكام وأولي الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وليس القصاص باللزام، إنما اللزام أن لا يتجاوز القصاص إلى اعتداء، فأما إذا وقع الرضى بدون القصاص من دية أو عفو فذاك مباح، فالآية معلمة أن القصاص هو الغاية عند التشاح.

(١١) في (ش): (يقتص).

(١٢) في (م): (نقيض).

(١٣) ينظر في معاني الحر: "تهذيب اللغة" 1/ 780 - 783، "اللسان" 2/ 827 - 832.

(١٤) ينظر في سبب النزول "تفسير الطبري" 2/ 103، "معاني القرآن" للفراء 1/ 108، "المحرر الوجيز" 2/ 83 - 84، "تفسير الثعلبي" 2/ 175، "أسباب النزول" للواحدي ص 52 - 53، "زاد المسير" 1/ 180، "العجاب" لابن حجر 1/ 423 - 426، "لباب النقول" للسيوطي ص 32 - 33، وقد استطرد الطبري -رحمه الله- في ذكر أسباب نزول للآية، وكلها تدور حول هذا المعنى الذي ذكره الواحدي.

(١٥) في (ش): (تدلك).

(١٦) في (م): (لم).

(١٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 177، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 105، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 44، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 63، "تفسير القرطبي" 2/ 227، "البحر المحيط" 2/ 11 وقد حكى هؤلاء الثلاثة الإجماع على ما ذكره المؤلف.

"المحرر الوجيز" 2/ 84، "تفسير البغوي" 1/ 189.

(١٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 109.

(١٩) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 227، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 84 - 85: روي عن ابن عباس أن الآية نزلت مقتضية أن لا يقتل الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا يدخل صنف على صنف، ثم نسخت بآية المائدة: (أن النفس بالنفس)، قال القاضي أبو محمد (ابن عطية): هكذا روي، وآية المائدة إنما هي إخبار عما كتب على بني إسرائيل، فلا يترتب النسخ إلا بما تلقي عن رسول الله  من أن حكمنا في شرعنا مثل حكمهم، وروي عن ابن عباس فيما ذكر أبو== عبيد وعن غيره أن هذه الآية محكمة، وفيها إجمال فسرته آية المائدة، وأن قوله هنا: (الحر بالحر)، يعم الرجال والنساء، وقاله مجاهد.

(٢٠) الأرش: ما يأخذه المشتري من البائع إذا اطلع على عيب في المبيع، وأروش الجنايات والجراحات من ذلك، لأنها جابرة لها عما حصل فيها من النقص، وسمي أرشا؛ لأنه من أسباب النزل، يقال: أرَّشت بين القوم إذا أوقعت بينهم.

"النهاية" ص 33.

(٢١) وهو قول ابن عباس ومجاهد وعطاء والشعبي وقتادة والربيع وغيرهم.

ينظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 66، "تفسير الطبري" 2/ 107، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 295، "تفسيرالثعلبي" 2/ 181.

(٢٢) "البحر المحيط" 1/ 12.

(٢٣) في (ش): (بقلبه).

(٢٤) "البحر المحيط"1/ 12، "التفسير الكبير" 5/ 54، "المحرر الوجيز" 2/ 88.

(٢٥) "البحر المحيط"1/ 13، "التفسير الكبير" 5/ 54.

(٢٦) "تفسير البغوي" 1/ 191.

(٢٧) (لم) سقطت من (م).

(٢٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 107، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 248، "تفسير البغوي" 1/ 191، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 66، "المحرر الوجيز" 2/ 88، "تفسير القرطبي" 2/ 234، وذكر خمس تأويلات للآية، وقال: هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء.

(٢٩) هو: أبو محمد عمرو بن دينار المَكِّي الأثرم الجمحي مولاهم، تابعي إمام حافظ ثقةٌ ثبت، توفي سنة 126هـ ينظر: "الجرح والتعديل" 6/ 231، "التقريب" ص 421 (5024).

(٣٠) الحديث: أخرجه البخاري (4498) كتاب التفسير، باب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ﴾ ، والطبري في "تفسيره" 2/ 107، كلاهما بهذا الإسناد.

(٣١) في (ش): (ولا).

(٣٢) لخص الواحدي كلام الأزهري، وهذا تمام هذه الجملة 3/ 226: أي: من عفا الله -جل اسمه- له بالدية حين أباح له أخذها بعدما كانت محظورة على سائر الأمم، مع اختياره إياها على الدم، (اتباع بالمعروف)، أي: مطالبة للدية بمعروف، وعلى القاتل أداء الدية إليه بإحسان، ثم بين ذلك فقال: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ، لكم يا أمة محمد، وفضل جعله لأولياء الدم منكم، ورحمة خصكم بها، ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ ، أي: من سفك دم قاتل وليه بعد قبوله الدية، ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ، والمعنى الواضح في قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَئٌ ﴾ ، أي: أحل له أخذ الدية بدل أخيه المقتول، عفوًا من الله وفضلًا مع اختياره، فليطالب بالمعروف.

(٣٣) في "تهذيب اللغة" 3/ 2283 (عاض).

(٣٤) في "تهذيب اللغة" 3/ 2283 (بمعناه).

(٣٥) في (م): (وزاد).

(٣٦) في (م): (ما ذكرنا وقوله).

(٣٧) في (م): (لم ثبتت).

(٣٨) في (م): (العفو).

(٣٩) ليست في (م).

(٤٠) ليست في (ش).

(٤١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 249، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 110، "تفسير الثعلبي" 2/ 182.

(٤٢) في (م): (نصبه).

(٤٣) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 109 - 110 بتصرف كبير، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 110، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 248 - 249.

(٤٤) في (أ)، (م): (التشدد).

(٤٥) بياض في (م).

(٤٦) في (ش): (اتباع).

(٤٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 109، "المحرر الوجيز" 2/ 89.

(٤٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 109.

(٤٩) وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 110، وينظر: "التفسير الكبير" 5/ 45، "المحرر الوجيز" 2/ 89، وقال: فاتباع رفع على خبر ابتداء مضمر، تقديره: فالواجب والحكم اتباع، وهذا سبيل الواجبات، كقوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، وأما المندوب إليه فيأتي منصوبًا، كقوله تعالى: ﴿ فَضَربَ الرِقَابِ  ﴾ ، قال في "البحر المحيط" 2/ 14: ولا أدري هذه التفرقة بين الواجب والمندوب إلا ما ذكروا من أن الجملة الابتدائية أثبت وآكد من الجملة الفعلية في مثل قوله: ﴿ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ  ﴾ .

(٥٠) في (ش): كأنها: (ذكره).

(٥١) ينظر تفسير الواحدي لقوله تعالى: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ  ﴾ .

(٥٢) في (م): (شيئًا).

(٥٣) تقدم الحديث عن هذه الرواية.

(٥٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 182.

(٥٥) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 55، "تفسير القرطبي" 2/ 235 - 236.

وقوله: بل كل دين فهذا سبيله، ففي حق الطالب قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ .

وفي حق المطلوب قال النبي  : "مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته".

(٥٦) رواه الطبري بمعناه 2/ 111، وابن أبي حاتم 1/ 296.

(٥٧) رواه الطبري عنه بمعناه 2/ 111، وابن أبي حاتم 1/ 296.

(٥٨) في (ش): (ولا يفتفدوا).

(٥٩) روي نحوه عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع وقتادة.

ينظر البخاري (4498) كتاب التفسير، باب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ﴾ ، "تفسير الطبري" 2/ 110، وابن أبي حاتم 1/ 296، "تفسير الثعلبي" 2/ 185.

(٦٠) لم أجده في الطبري ولا ابن أبي حاتم ولا البغوي، وذكر الرازي هذا القول ولم ينسبه لأحد 5/ 55.

(٦١) تنظر الآثار التي أوردها الطبري 2/ 112، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والحسن وعكرمة والسدي وابن زيد، وكذا عن ابن أبي حاتم 1/ 297.

(٦٢) ذكر هذا الثعلبي في "تفسيره" 2/ 191 في مقام الاستدلال على أن القاتل لا يصير كافرًا، ولا يخلد في النار، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 191.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ﴾ أي شُرع لكم، وليس بمعنى فرض، لأن ولي المقتول مخيّر بين القصاص والدية والعفو، وقيل: بمعنى فرض أي: فرض على القاتل الانقياد للقصاص، وعلى ولي المقتول أن لا يتعداه إلى غيره؛ كفعل الجهلة.

وعلى الحاكم التمكين من القصاص ﴿ الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ ظاهرة اعتبار التساوي بين القاتل والمقتول في الحرية والذكورية، ولا يقتل حر بعبد، ولا ذكر بأنثى إلاّ أن العلماء أجمعوا على قتل الذكر بالأنثى، وزاد قوم: أن يُعطى أولياؤها حينئذٍ نصف الدية لأولياء الرجل المقتص منه؛ خلافاً لمالك وللشافعي وأبو حنيفة، وأما قتل الحرّ بالعبد فهو مذهب أبي حنيفة خلافاً لمالك والشافعي، فعلى هذا لم يأخذ أبو حنيفة بشيء من ظاهر الآية؛ لا في الذكورية ولا في الحرية لأنها عنده منسوخة، وأخذ مالك بظاهرها في الحرية كما في الذكورية، وتأويلها عنده: أن قوله: الحر بالحر والعبد بالعبد عموم يدخل فيه: الذكر بالذكر، والنثى بالأنثى والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، ثم تكرر قوله: والأنثى بالأنثى، تأكيد للتجديد، لأن بعض العرب إذا قتل منهم أنثى قتلوا بها ذكراً تكبراً وعدواناً، وقد يتوجَّه قول مالك على نسخ جميعها، ثم يكون عدم قتل الحرّ بالعبد من السنة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل حرّ بعبد» والناسخ لها على القول بالنسخ: عموم قوله: ﴿ النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 45] على أن هذا ضعيف، لأنه إخبار عن حكم بني إسرائيل ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ﴾ الآية: فيها تأويلان: أحدهما: أن المعنى من قتل فعفي عنه فعليه اتباع المعروف، وعلى القاتل أداء بإحسان، فعلى هذا: من كناية عن أولياء المقتول، وأخيه هو القاتل أو عاقلته، وعُفي بمعنى يُسرّ: كقوله: خذ العفو أي ما تيسر، ولا إشكال في تعدّي عفى باللام على هذا المعنى ﴿ ذلك تَخْفِيفٌ ﴾ إشارة إلى جواز أخذ الدية، لأن بني إسرائيل لم يكن عندهم دية.

وإنما هو القصاص ﴿ فَمَنِ اعتدى ﴾ أي قتل قاتل وليه بعد أن أخذ منه الدية ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ القصاص منه وقيل: عذاب الآخرة ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص ﴾ بمعنى قولهم: القتل أنفى للقتل؛ أي أن القصاص يردع الناس عن القتل، وقيل: المعنى أن القصاص أقل قتلاً، لأنه قتل واحد بواحد بخلاف ما كان في الجاهلية من اقتتال قبيلتي القاتل والمقتول، حتى يقتل بسبب ذلك جماعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ في القتلى ﴾ ط ﴿ بالأنثى ﴾ ط لأن العفو إعطاء الدية صلحاً فكان خارجاً عن أصل موجب القتل مستأنفاً ﴿ بإحسان ﴾ ط ﴿ رحمة ﴾ ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه فكان مستأنفاً ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تتقون ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم آخر، وسببه أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى يوجبون العفو فقط.

فأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل وأخرى يوجبون الدية، لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من الحكمين.

فإذا وقع القتل بين قبيلتين كان يقول الشريف للخسيس لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن رجلاً قتل رجلاً من الأشراف ثم اجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول فقالوا: ماذا تريد؟

قال: إحدى ثلاث.

قالوا: وما هي؟

قال: تحيون ولدي، أو تملؤن داري من نجوم السماء، أو تدفعون إليّ جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً.

وكانوا يجعلون دية الشريف أضعاف دية الخسيس فبعث الله محمداً بالعدل وسوّى بين عباده في القصاص.

وقيل: نزلت في واقعة قتل حمزة.

ومعنى كتب فرض وأوجب كقوله ﴿ كتب عليكم الصيام  ﴾ ولفظة "على" أيضاً تفيد الوجوب كقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ والقصاص أن تفعل بالإنسان مثل ما فعل من قولك "اقتص فلان أثر فلان" إذا فعل مثل فعله.

ومنه القصة لأن الحكاية تساوي المحكي والمقص لتعادل جانبيه.

وقوله ﴿ في القتلى ﴾ أي بسبب قتل القتلى كقوله "في النفس المؤمنة مائة إبل" أي بسببها.

فظاهر الآية يدل على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب جميع القتلى إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج عن هذا العموم.

وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضاً في صور كما إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده، والمسلم حربياً أو معاهداً، أو مسلم مسلماً خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه.

فإن قيل: لو جب القصاص لوجب إما على القاتل وليس عليه أن يقتل نفسه بل يحرم عليه ذلك، وإما على ولي الدم وهو مخير بين الفعل والترك، بل هو مندوب إلى الترك.

﴿ والعافين عن الناس  ﴾ وإما على أجنبي وليس ذلك بالاتفاق.

وأيضاً القصاص عبارة عن التسوية، ووجوب رعاية المساواة على تقدير القتل لا يوجب نفس القتل.

قلنا عن الأول إن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجري مجرى الإمام، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود وهو من جملة المؤمنين فالتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أرادوا لي الدم أستيفاء.

ويحتمل أن يكون خطاباً مع القاتل لأنه كتب عليه تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص.

وذلك أن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر، بل للزاني والسارق الهرب من الحدود، ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله فلا يعترفا، فكان أمر القتل أشنع، وفيه حق الآدمي أكثر.

وعن الثاني أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل، والتسوية في القتل صفة للقتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات.

فالآية تفيد إيجاب القتل.

ثم اختلفوا في كيفية المماثلة التي تجب رعايتها فقال الشافعي: إن كان قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل، فإن مات عنه في تلك المرة وإلا حزت رقبته.

وكذلك إن أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته.

روي أنه  قال: "من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه" ورضخ يهودي رأس جارية بالحجارة فأمر رسول الله  بأن يفعل به مثله.

ولأنه لا يجوز أن يقال: كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، وحيث لم يستثن دخل.

وأيضاً الحكم بالعموم يوجب التخصيص في بعض الصور كما لو قتله بالسحر فلا يقتل السحر لأنه محرم بل بالسيف.

وكما لو قتل صغيراً باللواط فإنه يقتل بالسيف على الأصح.

ولو لم يحكم بالعموم لزم الإجمال، والتخصيص أهون منه.

وأيضاً لو لم تفد الآية إلا إيجاب التسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور، فلا يستفاد من الآية شيء ألبتة.

وقال أبو حنيفة: المراد بالمماثلة تماثل النفس ويتعين السيف لقوله  : "لا قود إلا بالسيف" واتفقوا على أن القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة له من الله.

أما إذا تاب فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة للدلائل الدالة على قبول التوبة ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده  ﴾ فما الحكمة في وجوب قتله؟

أجاب أصحابنا بأنه  يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل.

وقالت المعتزلة: إنما شرع ليكون لطفاً.

وكيف يتصور هذا اللطف ولا تكليف بعد القتل؟

قالوا: فيه منفعة للقاتل من حيث إنه إذا علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعياً له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد، ومنفعة لولي المقتول من حيث التشفي، ومنفعة لسائر المكلفين من حيث الانزجار عن القتل.

قوله عز من قائل ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ الباء للبدل نحو "بعت هذا بذاك" أي الحر مقتول بدل الحر.

ثم فيه قولان: الأول ويروى عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة، أن لا يكون القصاص مشروعاً إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين، لأن الألف واللام تفيد العموم أي كل حر يقتل بحر.

فلو كان قتل حر بعبد مشروعاً لكان ذلك الحر مقتولاً بعير حر وهو يناقض الآية.

ولأن هذا القول خرج مخرج البيان لقوله ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال للتسوية فلا يكون مشروعاً وهو يناقض الآية، وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وقالا: لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه أولى، وكذا القول في قتل الأنثى بالذكر.

وأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع، وكأن سنده أن الذكورة والأنوثة فضيلتان كالعلم والجهل والشرف والخسة، فكما أنه لم يفرق بين العالم والجاهل فكذلك بين الذكر والأنثى، ويروى عن عمرو بن حزم أن النبي  كتب إلى أهل اليمن "أن الذكر يقتل الأنثى" .

القول الثاني ويروى عن سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والنوري وهذا مذهب أبي حنيفة، أن الحر بالحر لا يفيد الحصر ألبتة بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على حال سائر الأقسام.

لأن قوله ﴿ والأنثى بالأنثى ﴾ يقتضي قصاص الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد ﴾ مانعاً من ذلك تناقض.

وأيضاً قوله ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ جملة مستقلة وقوله ﴿ الحر بالحر ﴾ تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر، فلا يمنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات.

ويؤيد ما ذكرنا قوله  ﴿ النفس بالنفس ﴾ وقوله  "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقد يقتل الجماعة بواحد فدل على أن التفاضل غير معتبر في الأنفس ثم إنهم قالوا: الفائدة في تخصيص هذه الجزئيات بالذكر ما ذكرنا في سبب النزول أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل فمنعوا عن ذلك.

وأيضاً نقل عن علي  والحسن البصري أن الغرض أن هذه الصورة هي التي يكتفى فيها بالقصاص.

أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعاً بين الحر والعبد وبين الذكر والأنثى فهناك لا يكتفي بالقصاص، بل لا بد من التراجع.

فأيما حر قتل عبداً فقود به، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا قيمة العبد من دية الحر ويؤدوا إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن قتل عبد حراً فهو به فإن شاء أولياء الحر قتلوا وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن شاءوا أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد.

وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا بعد ذلك نصف ديته إلى أوليائه، وإن شاءوا تركوا قتله وأخذوا ديتها.

وإذا قتلت امرأة رجلاً فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاءوا تركوها وأخذوا كل الدية، فعلى هذا الغرض من الآية أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين، فأما عند اختلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع.

قوله  ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء ﴾ المعنى فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو كقولك "سير بزيد بعض السير وطائفة من السير" ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به لأن عفا لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة.

فإن قيل: إن "عفا" يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله ﴿ فمن عفى له ﴾ فالجواب أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه.

قال  ﴿ عفا الله عنك  ﴾ فإذا تعدى إلى الذنب وإلى الجاني معاً قيل "عفوت لفلان عما جنى" كما تقول "غفرت له ذنبه" وتجاوزت له عنه.

فمعنى الآية فمن عفى له عن جنابته.

فاستغنى عن ذكر الجناية.

فإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب إلا الدية.

وأخوه هو ولي المقتول وإنما قيل له أخوه لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به كما تقول للرجل "قل لصاحبك كذا" إذا كان بينهما أدنى تعلق.

أو ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام.

وقد يستدل بهذا على أن الفاسق مؤمن لأنه  أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، ولا شك أن هذه الأخوة بسبب الدين ﴿ إنما المؤمنون إخوة  ﴾ مع أن قتل العمد العدوان بالإجماع من الكبائر.

وأيضاً إنه  ندب إلى العفو عن القاتل، والعفو إنما يليق عن المؤمن.

ويحتمل أن يجاب بأن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً فلعله  سماه مؤمناً بهذا التأويل، وبأن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً.

ثم إنه  أدخل غير التائب فيه على سبيل التغليب.

وأيضاً لعل الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً.

ولا شك أن المؤمنين أخوة قبل الإقدام على القتل.

وأيضاً الظاهر أن الفاسق يتوب، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له.

وأيضاً يجوز أن يكون قد جعله أخاً له في النسب كقوله  ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً  ﴾ ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾ أي فليكن اتباع، أو فالأمر، أو فحكمه اتباع.

أو فعلية اتباع فقيل: على العافي اتباع بالمعروف بأن يشدد في المطالبة بل يجري فيها على العادة المألوفة، فإن كان معسراً فالنظرة وإن كان واجداً لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجداً بغير المال الواجب فالإمهال إلى أن يستدل وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات ﴿ و ﴾ إلى المعفو عنه ﴿ أداء إليه بإحسان ﴾ بأن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل من غير مطل وبخس، هذا قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد.

وقيل: هما على المعفو عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان ﴿ ذلك ﴾ قيل: إشارة إلى الاتباع والأداء.

وعن ابن عباس: وهو الأقرب إنه إشارة إلى الحكم بسرع القصاص والدية والعفو، فإن هذه الأمة خيرت بينهن توسعة وتيسيراً، ولم يكن لليهود إلا القصاص وللنصارى إلا العفو وإثبات الخيرة فضل من الله ورحمة في حقنا، لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتجاً إلى المال، وقد يكون القود آثر عنده إذا كان راغباً في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه.

وقد يؤثر ثواب الآخرة فيعفو عن القصاص وعن بدله جميعاً وهو الدية.

﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل مع قتل القاتل أو دونه أو قتل بعد أخذ الدية والعفو فقد كان لولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية ثم يظفر به فيقتله ﴿ فله عذاب أليم ﴾ نوع من العذاب الأليم في الآخرة.

وعن قتادة: العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل من الدية كما روي أنه  قال "لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية" وهو مذهب الحسن وسعيد بن جبير وضعفه غيرهم.

ولما كانت الآية مشتملة على إيلام العبد الضعيف وأنه لا يليق بكمال رحمته عقبها بقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ .

قال المفسرون: القصاص إزالة الحياة، وإزالة الشيء لا تكون نفس ذلك الشيء فالمراد لكم في شرع القصاص حياة وأيّ حياة.

وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل.

وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة، ويحتمل أن يقال: نفس القصاص سبب لنوع من الحياة وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل، لأن القاتل إذا قيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل ولم يقتل فكان القصاص سبب حياة نفسين.

وقرأ أبو الجوزاء ﴿ ولكم في القصص حياة ﴾ أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص.

وقيل: القصص القرآن أي لكم في القرآن حياة للقلوب.

وهذا وقد اتفق علماء البيان على أن قوله  ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ بلغ في الإيجاز نهاية الإعجاز، وذلك أن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة كقولهم "قتل البعض أحياء للجميع" وأكبروا القتل وأوجز ذلك قولهم "القتل أنفى للقتل".

والترجيح مع ذلك للآية من وجوه: الأول أن قولهم لا يصح على العموم لأن القتل ظلماً ليس أنفى للقتل قصاصاً بل أدعى له.

ولو خصص فقيل "القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً" طال.

والآية تفيد هذا المعنى من غير تقدير وتكلف.

الثاني: أن القتل قصاصاً لا ينفي القتل ظلماً من حيث إنه قتل بل من حيث إنه قصاص.

وهذه الحيثية معتبرة في الآية لا في كلامهم.

الثالث: أن الحياة هي الغرض الأصلي ونفي القتل إنما يراد لحصول الحياة.

فالتنصيص على المقصود الأصلي أولى.

الرابع: التكرار من غير ضرورة مستهجن وأنه في كلامهم لا في الآية.

الخامس: أن الحروف الملفوظة التي يعتمد عليها في اعتبار الوجازة لا المكتوبة هي في الآية عشرة، وفي كلامهم أربعة عشر.

السادس: أن الأغلب في كلامهم أسباب خفاف وذلك مما يخل بسلاسة التركيب، والآية مع غاية وجازتها فيها السبب والوتد والفاصلة.

السابع: ظاهر قولهم يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال، وفي الآية جعل نوع من القتل وهو القصاص سبباً لنوع من الحياة ولا استبعاد فيه لظهور التغاير.

الثامن: المطابقة مرعية في الآية لمكان التضاد بين لفظي القصاص وحياة بخلاف كلامهم.

التاسع: اشتمال الآية على لفظ يصلح للتفاؤل وهو الحياة، بخلاف كلامهم فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان وأنه لكما يليق بهم.

العاشر: اشتمال الآية على اسمين وأداة، واشتمال كلامهم على ثلاثة أسماء وأداة.

وإن اعتبرت أداة التعريف ففي الآية واحدة وفي كلامهم ثنتان، وإن اعتبر التنوين في الآية تقاصت الأدوات وتبقى زيادة الأسماء بحالها، على أن أفعل التفضيل إذا لم يكن فيه اللام والإضافة يستعمل بمن.

فتقدير كلامهم "القتل أنفى للقتل من كل شيء" فأين الوجازة ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يا ذوي العقول وأولو جمع لا واحد له من لفظه، وواحده ذو بمعنى صاحب.

وأولات للإناث واحدتها ذات بمعنى صاحبة قال تعالى ﴿ وأولات الأحمال  ﴾ وإعراب أولو كإعراب جمع المذكر السالم.

وزادوا في "أولي" واواً فرقاً بينها وبين "إلى" وأجرى "أولو" عليه.

واللب العقل، ولب النخلة قلبها، وخالص كل شيء لبه.

خاطب العقلاء الذين يتفكرون في العواقب ويعرفون جهات الخوف فلا يرضون بإتلاف أنفسهم لإتلاف غيرهم إلا في سبيل الله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ يتعلق بمحذوف أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لتكونوا على بصيرة في إقامته، راجين أن تعملوا عمل أهل التقوى في الحكم به.

وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة، أو لعلكم تتقون نفس القتل الخوف القصاص.

عن الحسن والأصم: وقد بقي على الآية بحث، وهو أنه سئل إذا صح أن المقتول إن لم يقتل فهو يموت لأن المقدر من عمره ذلك القدر، وكذا إذا هم إنسان بقتل آخر فارتدع خوفاً عن القصاص فإن ذلك الآخر يموت وإن لم يقتله ذلك الإنسان لأن كل وقت صح وقوع قتله صح وقوع موته، فكيف يفيد شرع القصاص حياة؟

والجواب أنه  قد جعل لكل شيء سبباً يدور مسببه معه وجوداً وعدماً.

وشرعية القصاص مما جعلها  سبباً لحياة من أراد حياته بعد أن تصور الهامّ قتله، وذلك بأن تذكر القصاص فارتدع عما هم به.

ففائدة شرع القصاص هي فائدة سائر الأسباب والوسائط ومنكر فائدتها.

وكلا الإنكارين مذموم وصاحبهما عند العقلاء ملوم والله أعلم.

التأويل: كما كتب القصاص في قتلاكم كتب على نفسه الرحمة في قتلاه وقال: من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ أي من كان متوجهاً إليه  بالكلية كان فيضه  متصلاً به بالكلية، ومن كان في رق غيره من المكوّنات لم يتصل به فيضه غاية الاتصال، ومن كان ناقصاً في دعوى محبته لم يكن مستحقاً لكمال محبته ﴿ فمن عفي له ﴾ من الأحباء والأصفياء ﴿ شيء ﴾ من أنواع البلاء والابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء فإنه معروف من معارفه.

فالواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان.

﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ الوفاء بملابسة الجفاء وألقى جلباب الحياء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ فإن الكفر مرتعه وخيم ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ الدارين والتقاء برب الثقلين ﴿ يا أولي الألباب ﴾ الذين بدلوا قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الصمداني ﴿ لعلكم تتقون ﴾ شرك وجودكم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قيل: نزلت الآية في جيشين من العرب، كان وقع بينهما حرب وقتال، وكان لإحداهما فضل وشرف على الأخرى.

فأرادوا بالعبد منهم الحر من أولئك، وبالأنثى منهم الذكر.

فأنزل الله  : ﴿ ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ ﴾ .

وهي منسوخة؛ لأن فيها قتل غير القاتل.

نسخها قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً  ﴾ .

قيل: لا تسرف ولا تقتل غير قاتل وليك.

وقيل: لا تسرف، أي: لا تمثل في القتل.

وقيل: لا تسرف في القتل، أي: لا تقتل أنت إذ هو منصور.

فثبت بهذا نسخها؛ إذ لم يؤذن بقتل غير القاتل.

وقوله أيضاً: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ  ﴾ ، ولا يحتمل نفس غير القاتل يقتل بنفس.

دليله قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ  ﴾ ، ولا يتصدق على غير القاتل.

ثبت أنها منسوخة بما ذكرنا.

وفي الثاني: قال الله  : ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ  ﴾ ، لما إذا همّ بقتل آخر يذكر قتل نفسه، فيرتدع عن قتله، فيحيا به النفسان جميعاً، فلو لزم قتل غير القاتل لم يكن فيه حياة، إذ لا يخشى تلف نفسه.

ثم هذا يدل على وجوب القصاص بين الحر والعبد، وبين الكافر والمسلم، إذ لو لم يجعل بينهما قصاص لم يرتدع أحد عن قتلهم، إذ لا يخشى تلف نفسه بهم.

فدل أنهم يقتلون بهم.

والله أعلم.

هذا فيما يجعل الآية ابتداء، لا في الحيين، اللذين ذكرا به.

ثم يقال: ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص الحكم فيه وجعله شرطاً ونفيه في غير شكله.

دليله ما روي عن رسول الله  ، أنه قال: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" .

ثم إذا زنى البكر بالثيب وجب ذلك الحكم، فدل أن ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص في الحكم، [ولكن فيه إيجاب الحكم] في كل شكل إذا ارتكب ذلك وهو أن يقتل الحر إذا قتل آخر.

والحرية لا تمنع الاقتصاص لفضله.

وكذلك العبد إذا قتل آخر يقتل به، والرق لا يمنع ذلك للذلِّ الذي فيه.

وكذلك الأنثى تقتل إذا قتلت أخرى، ولا يمنع ما فيها من الضعف في وجوب القصاص.

وبالله التوفيق.

وله وجه آخر: وهو أنه قال: ﴿ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ ﴾ .

ومن الإناث إماء، وقد أمر بالاقتصاص بينهن، فلئن وجب تخصيص ما ذكر خاصًّا، وجب أن يذكر عامّاً ما ذكر فيه العموم.

فإن قيل: على عموم الاسم في أحدهما، وخصوص القول في الآخر.

قيل: ليس هكذا.

لو كان في ذكر الوفاق في الاسم منع الحق عن ذلك الوجه المذكور إذ ذكر في الخلاف لم يدخل فيما ذكر في الوفاق ما ليس منه.

فإذا دخل علم أن ذكر الوفاق في الخلاف في حق إدخال ما ليس من شكله بمحل واحد.

ثم يقال: إن نفس العبد للعبد في حق الجناية، لا للمولى.

إنما للمولى في نفسه الملك والمالية، ألا ترى أن العبد لو أقر على نفسه بالقصاص أخذ به، ولو أقر عليه مولاه لم يؤخذ به.

فدل أن نفسه له، لا للمولى.

فكان كنفس الحر للحر.

فيجب أن يقتل الحر به، إذ هو ساوى الحر في حق النفس، فيجب أن يسوي بينهما في حق القصاص.

وقال بعض الناس: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأنه أفضل منه.

ثم هو يقول: إنه يقتل الذكر بالأنثى.

وهو أفضل.

وقال: إن القصاص إنما ذكر في المؤمنين.

ثم قال بالعموم، وألزم قتل الكافر بالمؤمن، ولم يذكر في القصاص الكافر، وترك القصاص للكافر من المؤمن على عموم إيجاب القصاص على المؤمنين.

فإذن جاز ترك القصاص، على ما ذكر فيه، وإدخال من لم يذكر في حق الاقتصاص، ما يجب إنكار مثله في الذي ذكر عقيب ذكر الحق؛ وهم بأجمعهم تحت الإيجاب مذكورين.

ثم الإناث بالإناث مع اختلاف الأحوال يلزم القصاص، كيف لا لزم مثله في الأحرار؟

والأصل في هذا: ألا يعتبر في الأنفس المساواة.

ألا ترى أن الأنفس تقتل بنفس واحدة.

هكذا روي عن عمر،  : "أنه قتل رجلاً بامرأة".

وروي أنه قتل سبعة نفر بامرأة، وقال: لو تمالأ عليها أهل صنعاء لقتلتهم.

وقال: وروي عن رسول الله  ، أنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر" ثم قال صاحب هذا القول: لو أن كافراً قتل كافراً ثم أسلم القاتل يقتل به.

فهو قتل مسلماً تقيّاً برّاً بكافر، إذ الإسلام يطهره.

ولم يقتل مسلماً فاسقاً ارتكب الكبيرة بالكافر، إذ القتل يفسقه.

والمسلم أحق أن يقتل بالكافر من الكافر بالمسلم.

وذلك أن المسلم هتك حرمة الإسلام بقتل الكافر؛ لأنه اعتقد باعتقاد دين الإسلام حرمة دم الذمي، وهو بقتله كمستخف بمذهبه.

وأما الذمي فإنه لا يعتقد باعتقاد مذهبه حرمة دماء أهل الإسلام، فهو ليس بقتل المسلم كمستخف بمذهبه، والمسلم كمستخف بدينه، على ما ذكرنا.

لذلك كان أحق بالقصاص من الكافر.

ألا ترى أن من قتل في الحرم قتل به؛ لأنه هتك حرمة الحرم كالمستخف به.

وإذا قتل خارجاً منه، ثم التجأ إليه، لم يقتل به حتى يخرج منه؛ لأنه ليس كمستخف له، والأول مستخف؛ لذلك افترقا.

فكذلك الأول.

والله أعلم.

والخبر عندنا يحتمل وجهين: أحدهما: قيل: إن قوماً قتل بعضهم بعضاً في الجاهلية، فأسلم بعضهم، فأراد أولئك أن يأخذوا من أسلم منهم بالقصاص، فقال رسول الله  : "لا يقتل مسلم بكافر" ، كما قال: "كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هذا" والثاني: أنه أراد بالكافر المستأمن؛ لأنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" .

فنسق قوله: "ذو عهد" على المسلم، فكان معناه: لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد به.

فكل كافر لا يقتل به ذو عهد في عهده لم يقتل به المسلم.

فالذمي يقتل به ذو العهد، لذلك يقتل به المسلم.

والمسلم إذا قتل مستأمناً لم يقتل به.

وكذلك الذمي.

فدل بما ذكرنا أنه أراد بالكافر المستأمن، لا الذمي.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ .

اختلف في تأويله: قال بعضهم: هو القاتل.

إذا عفي له: معناه: عنه.

فيتبع الولي بأخذ الدية بالمعروف، شاء القاتل أو أبى.

احتج بما "روي عن رسول الله  في رجل اختصم إليه في قاتل أخيه، فقال: أتعفو عنه؟

قال: لا.

قال: أتأخذ الدية؟

قال: لا.

قال: أتقتله؟

قال: نعم" عرض عليه الدية، ولو كان غير حقه لم يعرض عليه.

وقال في بعض الأخبار: "ولي القتيل بين خيرتين: بين قتل وأخذ دية".

وأما عندنا: تأويل قوله  : ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ ليس هو القاتل؛ لأنه يكون معفواً عنه؛ ولأنه لا يتبع أحداً وهو المتبع، بل هو الولي؛ لأنه هو المعفو له، لا القاتل، حيث أمر بالاتباع بالمعروف؛ كأنه قال: من بذل له وأعطي من أخيه شيء فاتباع بالمعروف؛ وذلك جائز في اللغة؛ العفو بمعنى البذل والإعطاء، على ما قيل: خذ ما آتاك عفواً صفواً، أي فضلاً.

وكذلك روي عن عبد الله بن عباس،  ، أنه قال: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ﴾ ، أي: أعطي له.

والحق عندنا: هو القود، لا غير، على ما جاء عن رسول الله -  أنه قال: "العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول" ، وقد روي في بعض الأخبار: "إلا أن تفادي" .

والمفاداة: هو فعل اثنين، فلا يأخذه إلا عن تراض واصطلاح منهما جميعًا.

وفي الآية دلالة: أن الحق: هو القصاص، لا غير، بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ أخبر أن المكتوب عليه والمحكوم القصاص، فلو كان الخيار بين القصاص والعفو وأخذ الدية - شاء أو أبى - لكن لا يكون مكتوباً عليه القصاص، ويذهب فائدة قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ إنما يكون عليه أحدهما، كما لا يقال في الكفارة: بأن المكتوب عليه العتق، بل أحد الثلاثة.

فلما قال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ دل أن أخذ الدية كان كالخلف عنه.

وما "روي عنه  حيث قال لولي القتيل: أتعفو عنه؟

قال: لا" .

فقال: "أتأخذ الدية"؟

قال: "لا".

إنما عرض عليه الدية، لما علم أن القاتل يرضى بذلك، على ما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله  فأخبرته بغض زوجها.

فقال لها: "أتردين عليه حديقته؟

قالت: نعم، وزيادة.

فقال النبي  أما الزيادة فلا" وإنما قال لها ذلك لما علم رسول الله  أنه يرضى بطلاقها إذا ردت عليه حديقته؛ فعلى ذلك الأول.

ولو كانت لفظة "العفو" تعبر عن إلزام الدية ما أحوجه إلى ذكر الإشارة إلى العفو مرة، وإلى أخذ الدية ثانياً؛ فثبت أن ليس للذي يعفو أن يأخذ الدية بالعفو.

وقيل في قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : أصلها أنها نزلت في دم بين نفر يعفو أحدهم عن القاتل، ويتبع الآخرون بالمعروف في نصيبهم؛ لأنه ذكر "الشيء"، والشيء: هو العفو عن بعض الحق.

فألزم الاتباع للآخرين عند عفو بعض حقه؛ ثبت أن العفو لا يلزم الدية.

وروي عن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، رضي الله  عنهم، أنهم أوجبوا في بعض عفو الأولياء، للذين لم يعفوا - الدية، على ترك السؤال عمن عفا عنك عفوت بدية، ولو كان ثم حق ذكروه له؛ فدل أن العفو لا يوجب الدية.

والله أعلم.

ثم لا يخلو إما أن يكون حقه القصاص ثم له تركه بالدية؛ فهو إلزام بدل حق قِبَل آخر من غير رضاه، وذلك مما لم يعقل في شيء، أو كلاهما، فهو أيضاً كذلك، لا يكون أحدهما إلا باجتماعهما، أو أحدهما وهو مجهول؛ فالعفو عنه يبطل حقه، إذ العفو ترك.

وقال: إن في أخذ الدية إحياء النفس التي أمر الله بإحيائها، وفي الامتناع عن أداء الدية إليه والبذل له إذن بالقتل.

ومن قول الجميع: إن أحدا لو قال لآخر: اقتلني، أنه لا يعمل بإذنه.

فإذا كان معنى الامتناع عن أداء الدية هو إذن بالقتل، لم يأذن له.

يقال له: أبعدت القياس والتشبيه؛ لأن فيما نحن فيه إذناً بالقتل، وظهر الأمر به، وفيما ذكرت لم يظهر، حيث قال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ ، فأنى يشبه هذا بذلك ويقاس عليه؟

أو أن يقال: لو كان الأمر كما ذكرت لكان يجيء أن يكون الصلح على كل شيء ماله، وفيه تلف نفسه أن ليس له منعه.

ومن قول الجميع: إن له المنع وجائز وقوع الصلح على ما فيه تلف ماله.

ثبت أن ما يقوم له وهم.

وبعد، فإن الذي ذكرت تدبير الحق عليه أن يفعل، لا تدبير الإلزام.

ولو كان ذلك لازماً، لكان يقتله ببذله نفسه فيغرم فاعل ذلك؛ وهذا كما يغني الرجل بشراء ما به قوام نفسه عند الضرورة إلا أن يلزم لو أبى ذلك، فمثله ديته، بمعنى أن في ذلك تلف نفس تلك قيمته، فمثله الأول.

وما روي في التخيير بين أخذ الدية، وما ذكر فهو - والله أعلم - على بيان الحل والرخصة على ما قيل: إن من حكم التوراة القتل، ولا يجوز لهم العفو ولا أخذ الدية، ومن حكم أهل الإنجيل العفو، لا يقتل بالقصاص، ولا تؤخذ الدية، فحكم الله عز وجل على أهل القرآن: أن جعل لهم القتل مرة، والعفو ثانياً، وأخذ الدية تارة؛ فدل أنه يخرج مخرج بيان الحل والرخصة.

إذا طابت به نفس من عليه يبذله إذا طلب، ولا يوجب قطع الخيار من الآخر.

ولهذا ما نقول في قوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ البقرة: 196]، وقوله في التخيير في الكفارة: إن ذلك إلى من عليه، لا إلى من يأخذ.

إذ الحق هاهنا من جانب واحد.

فيجعل الخيار إلى من عليه إذا كان من كلا الجانبين يعتبر رضاءهما جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ .

لما ذكر من إباحة العفو في حكم القرآن، ولم يكن في حكم غيره من الكتب، وأخذ الدية أو القتل، ولم يكن في حكم التوراة والإنجيل إلا واحد.

ويحتمل: أن كان في التوراة هذا أو هذا كما قال: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ  ﴾ .

واحتمل أنه ذكر القود شرعاً لنا، وقوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ  ﴾ ، لنا خاصة.

وقوله: ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ .

فيه دلالة ألا يقطع صاحب الكبيرة عن رحمة الله؛ لأنه أخبر أن التخفيف رحمته في الدنيا، فإذا لم يوفِهم في الدنيا من رحمته فلا يوفيهم في الآخرة منها.

وفي قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ ، دلالة ألا يزول اسم الإيمان بارتكاب الكبيرة؛ لأنه سماه أخا من غير أخوة نسب؛ دل أنه أخوة في الدين [لأنه سماه أخاً].

وكذلك قوله: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ  ﴾ أبقى لهم اسم الإيمان بعد البغي والقتل.

دل أن ارتكاب الكبيرة لا يخرجه من الإيمان.

وهذا يرد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة أخرجته من الإيمان، وما ذكر من التخليد في قتل العمد يخرج على وجهين: أحدهما لاستحلال قتله، أو يتغمد ديته، وإلا فيخرج الآيتان على التناقض في الظاهر لو لم يجعل على ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

قيل: من اعتدى على القاتل بعد ما عفى عنه، أو بعد ما أخذ الدية.

وقيل: ﴿ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: من بعد النهي عن قتله.

وقيل: إذا أرى من نفسه العفو، ثم أخذ الدية، ثم أراد قتله، فهو الاعتداء.

ثم اختلف بعد هذا بوجهين: قال قوم: إذا فعل ذلك يترك القصاص فيه للعذاب المذكور في الآخرة: [وقال غيرهم] إذا اقتص ارتفع عنه العذاب الأليم، وإن لم يقتص فلا.

وجائز عندنا: أن يكون العذاب الأليم في الدنيا، إذ لم يخلق شيء من العذاب أشد من القتل؛ إذ القتل هو الغاية من الألم والوجع.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين، وإلا فظاهر القصاص لا يكون حياة، لكن قيل: من تفكره في نفسه قتلها إذا قتل آخر ارتدع عن قتله، فتحيا النفسان جميعاً.

والثاني: من نظر فرأى آخر يقتل بغيره امتنع عن قتل [آخر ففيه حياته أو تذكر أنه مقتص منه إذا قتل حمله حبه في إحياء نفسه على أن يرتدع عن قتل] كل، ففيه الحياة للأنفس جميعاً؛ ولهذا نقول بوجوب القصاص في الأنفس كلها وإن اختلفت أحوالها، إذ لو لم يجعل بين الأنفس على اختلاف الأحوال قصاص لم يكن في القصاص حياة.

فأحق من يجعل فيه القصاص عند مختلف الأحوال لما يغضب الشريف على الوضيع فيحمله غضبه على قتله، فجعل القصاص، أو لما يستخف به.

وأما الوارث لما يطمع وصوله إلى مورثه فيحمله على قتله، فسبب القتل ليس ما يذكر، لكنه شدة الغضب، وفي المواريث زيادة، وهو ما يصل إلى ماله، وفي الكافر من استخفافه بدينه من المقتول، فطلب فيه المعنى الذي فيه الإحياء وهو حرمان الميراث؛ فعلى هذا التقدير يقتل المسلم بالكافر؛ لأن المسلم قد يستخف بالكافر في دار سلمه، فيحمله استخفافه إياه على قتله.

ففيه معنى يدعو إلى الفناء، فيجب أن يقتص من المسلم بالكافر لتحقيق معنى الحياة.

وعلى هذا التقدير يقتل الحر بالعبد؛ لأن الحر يستخف بالعبد، فيدعوه استخفافه به على قتله، فهو يقتل به.

أو نقول: يقتل الولد بالوالد لما يستعجل الوصول إلى ملكه، فيحمله على قتله؛ فلزم حفظ ما لأجله الحياة، ثم في الوالد شفقة ومحبة تمنع الوالد عن قتل ولده؛ لذلك انتهى عنه القصاص، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يقاد الوالد بولده" .

وبالله التوفيق.

قال الشيخ - رضي الله  عنه -: الوالد يحب ولده؛ لأنه يرغب أن يكون له ولد.

وأما الولد فإنما يحب والده له لنفسه ومنافع له.

فإذا كان الوالد له لم يقتص منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، فُرِضَ عليكم في شأن الذين يقتلون غيرهم عمدًا وعدوانًا، معاقبةُ القاتل بمثل جنايته، فالحر يُقتل بالحر، والعبد يُقتل بالعبد، والأنثى تُقتل بالأنثى، فإن عفا المقتول قبل موته أو عفا ولي المقتول مقابل الدية -وهي مقدار من المال يدفعه القاتل مقابل العفو عنه- فعلى من عَفا اتباعُ القاتل في طلب الدية بالمعروف لا بالمَنِّ والأذى وعلى القاتل أداء الدية بإحسان، من غير مماطلة وتسويف، وذلك العفو وأَخْذ الدية تخفيف من ربكم عليكم، ورحمة بهذه الأمة، فمن اعتدى على القاتل بعد العفو وقبول الدية؛ فله عذاب أليم من الله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.7DOgb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ذكر المفسر وغيره أن القصاص على القتل كان محتمًا عند اليهود وأن الدية كانت محتمة عند النصارى وأن القرآن جاء وسطًا يفرض القصاص إذا أصر عليه أولياء المقتول ويجيز الدية إذا عفوا، وحق قولهم إن القتل قصاصًا كان حتمًا عند اليهود، كما في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج والعشرين من التثنية.

أما قولهم إن الدية كانت حتمًا عند النصارى فإنه ليس في كتب النصارى شيء يحتم عليهم ذلك إلا أن يقال إن ذلك مأخوذ من وصايا التساهل والعفو وجزاء الإساءة بالإحسان في الإنجيل ولكن أخذ الدية ضرب من ضروب الجزاء ينافي هذه الوصايا.

وإذا نظرنا في أعمال الأولين والآخرين وشرائعهم في القتل نجد القرآن وسطًا حقيقيًا لا بين ما نقل عن اليهود والنصارى فقط بل بين مجموع آراء البشر من أهل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، فقد كانت العرب تتحكم في ذلك على قدر قوة القبائل وضعفها، فرب حر كان يقتل من قبيلة فلا ترضي قبيلته بأخذ القاتل به بل تطلب به رئيسها، وأحيانًا كانوا يطلبون بالواحد عشرة وبالأنثى ذكرًا، وبالعبد حرًا، فإن أجيبوا وإلا قاتلوا قبيلة القاتل وسفكوا دماء كثيرة، وهذا إفراط وظلم عظيم تقتضيه طبيعة البداوة الخشنة.

وفرض التوراة قتل القاتل إصلاح في هذا الظلم، ولكن يوجد في الناس لا سيما أهل القوانين في زماننا هذا من ينكر المعاقبة بالقتل ويقولون إنه من القسوة وحب الانتقام في البشر، ويرون أن المجرم الذي يسفك الدم يجب أن تكون عقوبته تربية لا انتقامًا، وذلك يكون بما دون القتل، ويشددون النكير على من يحكم بالقتل إذا لم تثبت الجريمة على القاتل بالإقرار، بأن ثبتت بالقرائن أو بشهادة شهود يجوز عليهم الكذب، ويرون أن الحكومة إذا علَّمت الناس التراحم في العقوبات فذلك أحسن تربية لهم، ومنهم من يقول إن المجرمين لا يكونون إلا مرضى العقول فالواجب أن يوضعوا في مستشفيات الأمراض العقلية ويعالجوا فيها إلى أن يبرأوا.

وإذا دققنا النظر في أقوال هؤلاء نرى أنهم يريدون أن يشرعوا أحكامًا خاصة بقوم تعلموا وتربوا على الطرق الحديثة وسيسوا بالنظام والحكم، حتى لا سبيل لأولياء المقتول أن يثأروا له من القاتل ولا أن يسفكوا لأجله دماء بريئة، وحتى يؤمن من استمرار العداوة والبغضاء بين بيوت القاتلين وبيوت المقتولين، ووجدت عندهم جميع وسائل التربية والمعالجة، لا أحكامًا عامة لجميع البشر، في البدو والحضر، ومع هذا نرى كثيرًا من الناس حتى المنتسبين إلى الإسلام يغترون بآرائهم ويرونها شبهة على الإسلام، وأما النافذ البصيرة العارف بمصالح الأمم الذي يزن الأمور العامة بميزان المصلحة العامة لا بميزان الوجدان الشخصي الخاص بنفسه أو ببلده فإنه يرى أن القصاص بالعدل والمساواة هو الأصل الذي يربي الأمم والشعوب والقبائل كلها، وأن تركه بالمرة يغري الأشقياء بالجراءة على سفك الدماء، وأن الخوف من الحبس والأشغال الشاقة إذا أمكن أن يكون مانعًا من الإقدام على الانتقام بالقتل في البلاد التي غلب على أهلها التراحم أو الترف والانغماس في النعيم كبعض بلاد أوربة، فإنه لا يكون كذلك في كل البلاد وكل الشعوب، بل إن من الناس في هذه البلاد وفي غيرها من يحبب إليه الجرائم أو يسهلها عليه كون عقوبتها السجن الذي يراه خيرًا من بيته، وإن في مصر من الأشقياء من يسمي السجن "نزلًا" أو "فندقًا"، وسمعت أنا غير واحد في سورية يقول: إذا فعل فلان كذا فإنني أقتله وأقيم في القلعة عشر سنين.

وذلك أن القاتل هناك محكوم عليه غالبًا بالسجن خمس عشرة سنة في قلعة طرابلس الشام، ويعفو السلطان في عيد جلوسه عمن تم له ثلثا المدة المحكوم بها عليه في السجن.

واشتهر عن بعض المجرمين في مصر أنهم يسمون بعض السجون العصرية "لوكاندة كوكس" بالإضافة إلى "كوكس باشا" مدير السجون الذي أنشئت في عهده.

ويقول بعضهم: أسرق كذا أو أضرب فلانًا وأشتو في لوكاندة "كوكس" فإن الشتاء فيها أرحم وأنعم من الشتاء في بيتنا أو في الشوارع، ولا يبعد على المجرم من هؤلاء أن يقتل لأن عقاب القتل في هذه السجون، إن ثبت عليه، أهون من عيشته الشقية، فما القول في أهل البوادي أصحاب الثارات التي لا تموت؟.

فقتل القاتل هو الذي يربي الناس في كل زمان ومكان ويمنعهم من القتل.

وقد بالغ في الاعتراف بذلك معدل القانون المصري حيث أجاز الحكم بالإعدام إذا وجدت القرائن القاطعة على ثبوت التهمة، بعد أن كان لا يجوزه إلا بالاعتراف أو شهادة شهود الرؤية.

وقد تقع في كل بلاد صُوَر من جرائم القتل يكون فيها بقتل القاتل ضارًا وتركه لا مفسدة فيه، كأن يقتل الإنسان أخاه أو أحد أقاربه لعارض دفعه إلى ذلك، ويكون هذا القاتل هو العائل لذلك البيت، وإذ قتل يفقدون بقتله المعين والظهير، بل قد يكون في قتل القاتل أحيانًا مفاسد ومضار وإن كان أجنبيًا من المقتول، ويكون الخير لأولياء المقتول عدم قتله لدفع المفسدة، أو لأن الدية أنفع لهم، فأمثال هذه الصور توجب أن لا يكون الحكم بقتل القاتل حتمًا لازمًا في كل حال، بل يكون هو الأصل، ويكون تركه جائزًا برضاء أولياء المقتول وعفوهم، فإذا ارتقت عاطفة الرحمة في شعب أو قبيل أو بلد إلى أن صار أولياء القاتل منهم يستنكرون القتل ويرون العفو أفضل وأنفع فذلك إليهم، والشريعة لا تمنعهم منه بل ترغبهم فيه، وهذا الإصلاح الكامل في القصاص هو ما جاء به القرآن، وما كان ليرتقي إليه بنفسه علم الإنسان، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى  ﴾ القصاص في أصل اللغة يفيد المساواة، فمعنى القصاص هنا أن يُقْتَل القاتل لأنه في نظر الشريعة مساوٍ للمقتول فيؤخذ به، فالغرض من الآية شرعية القصاص بالعدل والمساواة وإبطال ذلك الامتياز الذي للأقوياء على الضعفاء، ولذلك قال ﴿ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى  ﴾ أي أن هذا القصاص لا هوادة فيه ولا جور، فإذا قتل حر حرًا يقتل هو به لا غيره من سادات القبيلة ولا أكثر من واحد، وإذا قتل عبد عبدًا يقتل هو به لا سيده، ولا أحد الأحرار من قبيلته، وكذلك المرأة إذا قتلت تقتل هي ولا يقتل أحد فداء عنها، خلافًا لما كانت عليه الجاهلية في ذلك كله.

فالقصاص على القاتل نفسه أيًا كان لا على أحد من قبيلته، فما كانت عليه العرب في الثأر يبين هذا المعنى من الآية، ولكن مفهوم اللفظ بحد ذاته وسياق مقابلة الأصناف بالأصناف يفهم أنه لا يقتل فريق بفريق آخر، وهو غير مراد على إطلاقه، فقد جرى العمل من زمن الرسول  إلى الآن على قتل الرجل بالمرأة، واختلفوا في قتل الحر بالعبد فذهب أبو حنيفة وابن أبي ليلى وداوود إلى أنه يقتل به إذا لم يكن سيده.

وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل به مطلقًا، والاختلاف في قتل الرجل بالمرأة أضعف ولهذه الخلافات زعم بعضهم أن في الآية نسخًا.

وإنما منشأ الخلاف أدلة أخرى من السنة وغيرها، والاعتبار بمفهوم المخالفة في الآية وعدمه، والقرآن فوق كل خلاف.

فمنطوق الآية لا مجال للخلاف فيه وهو أن الحر يقتل بالحر إلخ، وأما كون الحر يقتل بالعبد والرجل بالمرأة فهذا يؤخذ من لفظ القصاص ولا يعارضه مفهوم التفصيل، فإن بعض أهل الفصول لا يعتبر المفهوم المخالف للمنطوق، وبعضهم يعتبره بشرط لا يتحقق هنا لما ذكروه في سبب النزول منطبقًا على ما ذكرناه عن العرب.

قال البيضاوي في تفسير الآية: "كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء، وكان لأحدهما طَوْل على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى الرسول  فنزلت وأمرهم أن يتبارءوا.

ولا تدل على أن يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى الحكم" والبيضاوي من الشافعية القائلين بمفهوم المخالفة.

وما ذكره في سبب النزول أخرجه ابن أبي حاتم.

ويدخل في عموم الآية الكافر وبه قال الكوفيون والثوري وقال الجمهور لا يقتل به المسلم لما ورد في ذلك من الحديث الصحيح المبين لإجمال الآية، واستثنى من عمومها السيد يقتل عبده قالوا لا يقتل به ولكن يعزر، ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن النخعي.

وللحاكم أن يقرر هذا التعزيز بشدة تمنع الاعتداء والاستهانة بالدم، ولا يخفى أن التعزيز قد يكون بالقتل، فإذا عهد في قوم من القسوة ما يقتلون به عبيدهم فللإمام أن يقتل السيد بعبده تعزيزًا لا حدًا إذا رأى المصلحة العامة في ذلك.

واستثنوا أيضًا الوالدين فقالوا لا يقتل الوالد بولده لأن الحدود توضع حيث تتحرك للنفوس للجناية لتكون رادعة عن الاستمرار فيها، وقد مضت السنة الإلهية في الفطرة بأن قلوب الأصول مجبولة من طينة الشفقة والحنو على الفروع حتى ليبذلون أموالهم وأرواحهم في سبيلهم، وكثيرًا ما يقسو الولد على والده، وقلما يقسو والد على ولده إلا لسبب قوي كعقوق شديد، أو فساد في أخلاق الولد جنى على أصل الفطرة كالإفراط في حب الذات، ولكن هذه القسوة لا تفضي إلى القتل إلا لأمر يكاد يكون فوق الطبيعة كعارض جنون من الوالد، أو إيذاء لا يطاق من الولد.

ولما كان هذا شاذًا نادرًا جعل كالعدم فلم يلاحظ في وضع الحد، لأن الأحكام تتناول بالمظنة لا بالشواذ الذي يندر أن تقع، ومع هذا يعزز من يقتل ولده بما يراه الحاكم لائقًا بحاله ومربيًا لأمثاله.

وقد اضطرب العلماء في تعيين المخاطب بهذا القصاص إذ لا يصح أن يكون القاتل ولا المقتول ولا ولي الدم ولا عصبة القاتل ولا سائر الناس الأجانب، ولا يظهر أيضًا أن المخاطب بقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ  ﴾ الحكام خاصة..

وهذه مشاغبة وتشكيك كمشاغبات الرازي وشكوكه، والخطاب مفهوم بالبداهة، والآية جارية على أسلوب القرآن في مخاطبة جماعة المؤمنين في الشئون العامة والمصالح لاعتبار الأمة متكافلة ومطالبة بتنفيذ الشريعة وحفظها، وبالخضوع لأحكامها كما تقدم بيانه في مخاطبة اليهود بإسناد ما كان من آبائهم إليهم إذا قلنا أن الأمة في هدى القرآن كالشخص الواحد يخاطب البعض منها بالكل والكل بالبعض، كما يقال للشخص جنيت وجنت يدك وأخطأت وأخطأ سمعك أو رأيك، ففي هذا الخطاب بالقصاص يدخل القاتل لأنه مأمور بالخضوع لحكم الله، ويدخل الحاكم لأنه مأمور بالتنفيذ، ويدخل سائر المسلمين لأنهم مأمورون بمساعدة الشرع وتأييده، ومراقبة من يختارونه للحكم به وتنفيذه.

بعد أن بين تعالى وجوب القصاص وهو أصل العدل، ذكر أمر العفو وهو مقتضى التراحم والفضل، فقال ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ  ﴾ الخ، أي فمن عفا له أخوه في الدين من أولياء الدم عن شيء من حقهم في القصاص ولو واحدًا منهم إن تعددوا وجب اتباعه وسقط القصاص كما يأتي، وإنما يعفو من له حق طلب القصاص، وقد جعل الله هذا الحق لأولياء المقتول وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده ويهانون بفقده، ويحرمون من عونه ورفده، فمن أزهق روحه كان لهم أن يطلبوا إزهاق روحه، لما تستفزهم إليه نعرة القرابة وطبيعة المصلحة، فإذا لم يجب طلبهم، ولم يقتص الحاكم لهم، فإنهم ربما يحتالون للانتقام، ويفشو بينهم وبين القاتل وقومه التشاحن والخصام، وإذا جاء العفو من جانبهم أُمن المحذور والفتنة، ولا سيما إذا كان من أسباب العفو استعطاف القاتل وقومه لهم، واستعتابهم إياهم، بإثارة عاطفة الأخوة الدينية، وأريحية المروءة الإنسانية، ففي مثل هذه الحالة يوجب الله تعالى حجب الدم، وليس للحكومة أن تمتنع من العفو إذا رضوا به، ولا أن تستقل بالعفو إذا طلبوا القصاص فَتُحْفِظ قلوبهم، وتخرج أضغانهم، وتحملهم على محاولة الانتقام بأيديهم إذا قدروا، فيزيد البلاء، ويكثر الاعتداء، أو يعيش الناس في تباغض وعداء، وفوضى تستباح فيها الدماء.

وعبارة الآية تشعر بأن الله تعالى يحب من عباده العفو ولذلك فرض اتباع العفو وإن لم يكن تامًا متفقًا عليه من جميع أولياء الدم كالآباء والأبناء والإخوة، فإن عفا بعضهم يرجح جانبه على الآخرين كما يدل عليه تنكير شيء في قوله ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ  ﴾ فقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن "شيء" هنا نائب عن المصدر أي عفا له شيء من العفو بأن ناله بعضه ممن لهم المطالبة، ويؤيد هذا ويؤكده التعبير عن العافي بلفظ الأخ الذي يحرك عاطفة الرحمة والحنان، وهو كما قال المفسرون يؤذن بأن القتل لا يقتضي الارتداد عن الإسلام وقطع أخوة الإيمان، إلا إذا استحله فاعله.

ومن مباحث اللفظ هنا أن بعض المفسرين أشكل عليهم استعمال عفى متعدية باللام وزعموا أنها بمعنى ترك قال البيضاوي تبعًا للكشاف: وهو ضعيف إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه، وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب قال الله تعالى ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ  ﴾ وقال: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا  ﴾ فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية كأنه قيل: فمن عفى له عن جنايته من جهة أخيه يعني ولي الدم.

ولما كان العفو عن القصاص يتضمن الرضى بأخذ الدية قال تعالى ﴿ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ  ﴾ أي من ناله شيء من هذا العفو فالواجب في شأنه أو قضيته تنفيذ العفو وثبوت الدية، وعبر عن الأول باتباع العفو بالمعروف، وهو واجب على الإمام الحاكم وعلى العافي وغيره من الأولياء، وإن لم يعفوا فعليهم أن لا يرهقوا القاتل من أمره عسرًا، بل يطلبون منه الدية بالرفق والمعروف الذي لا يستنكره الناس، وعبر عن الثاني بالأداء إليه بإحسان، وهو واجب على القاتل بأن لا يمطل ولا ينقص ولا يسيء فيه صفة الأداء.

ويجوز العفو عن الدية أيضًا كما في قوله تعالى في سورة النساء ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا  ﴾ هذا هو الظاهر في الآية فلا حاجة إلى ذكر ما قالوه من احتمال غيره.

ويؤكد رغبة الشارع في العفو امتنانه علينا بإجازته ووعيده لمن اعتدى، أما الامتنان به فقوله ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ  ﴾ وأي تخفيف ورخصة أفضل من حجب الدم بتجويز العفو والاكتفاء عنه بقدر معلوم من المال؟

فهذه رحمة منه سبحانه بهذه الأمة إذ رغبها في التراحم والتعاطف والعفو والإحسان، وأما الوعيد على الاعتداء بعده فقوله ﴿ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ  ﴾ أي بعد العفو عن الدم والرضى بالدية بأن انتقم من القاتل ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ قيل معناه أن يتحتم قتل الولي العافي أو غيره إذا قتل القاتل بعده العفو ولا يجوز العفو عنه، بل يقتله الحاكم وإن عفا عنه ولي المقتول، وبه قال جماعة من المفسرين كعكرمة والسدي، وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يفعل فيه ما يراه، والجمهور على أن حكمه حكم القاتل ابتداء، وعليه مالك والشافعي، وهو الصحيح، والمراد بالعذاب الأليم عذاب الآخرة.

ثم قال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ  ﴾ وهو تعليل لشرعية القصاص وبيان لحكمته، وقدم عليه تعليل العفو والترغيب فيه والوعيد على الغدر بعده عناية به، وإيذانًا بأن الترغيب في العفو لا يستلزم تصغير شأنه، وبيان الأسباب والحكم لوضع الأحكام العملية، كإقامة البراهين والدلائل للمطالب العقلية، بهذه يعرف الحق من الباطل، وبتلك يعرف العدل وما يتفق مع المصالح، وبذلك يكون الحكم أوقع في النفس وأبعث على المحافظة عليه، وأدعى إلى الرغبة في العمل به -وقد بينت هذه الآية حكمة القصاص بأسلوب لا يسامى، وعبارة لا تحاكى، واشتهر أنها من أبلغ آي القرآن، التي تعجز في التحدي فرسان البيان، ومن دقائق البلاغة فيها أن جعل فيها الضد متضمنًا لضده وهو الحياة في الإماتة التي هي القصاص، وعرّف القصاص ونكَّر الحياة للإشعار بأن في هذا الجنس من الحكم نوعًا من الحياة عظيمًا لا يقدر قدره، ولا يجهل سره.

ثم إنها في إيجازها قد ارتقت أعلى سماء للإعجاز، وكانوا ينقلون كلمة في معناها عن بعض بلغاء العرب يعجبون من إيجازها في بلاغتها، ويحسبون أن الطاقة لا تصل إلى أبعد من غايتها، وهي قولهم: القتل أنفى للقتل، وإنما فتنوا بهذه الكلمة وظنوا أنها نهاية ما يمكن أن يبلغه البيان، ويفصح به اللسان، لأنها قيلت قبلها كلمات أخرى في معناها لبلغائهم كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقولهم أكثروا القتل ليقل القتل ..

وأجمعوا على أن كلمة القتل أنفى للقتل أبلغها، وأين هي من كلمة الله العليا، وحكمته المثلى؟

قال تعالى -بعد هذا البيان المتضمن للحكمة والبرهان-: ﴿ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ  ﴾ فخص بالنداء أصحاب العقول الكاملة، مع أن الخطاب عام للتنبيه على أن ذا اللب هو الذي يعرف قيمة الحياة والمحافظة عليها، ويعرف ما تقوم به المصلحة العامة وما يتوسل به إليها، وهو مرتبتان: القصاص وهو العدل، والعفو وهو الفضل.

كأنه يقول: إن ذا اللب هو الذي يفقه سر هذا الحكم وما اشتمل عليه من الحكمة والمصلحة، فعلى كل مكلف أن يستعمل عقله في فهم دقائق الأحكام، وما فيها من المنفعة للأنام، وهو يفيد أن من ينكر منفعة القصاص بعد هذا البيان، فهو بلا لب ولا جنان، ولا رحمة ولا حنان، وقوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ جعله (الجلال) تعليلًا لشرع القصاص وقدر له (شرع) أي لما كان في القصاص حياة لكم كتبناه عليكم وشرعناه لكم، لعلكم تتقون الاعتداء، وتكفون عن سفك الدماء، والشرعية مفهومة من الآية، وإيجاز القرآن يقتضي عدم التصريح بها لأجل التعليل كما صرح به في الآية التي قبلها ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ  ﴾ ويمكن أن يستغنى عن تقدير (شرع) ويتعلق الرجاء بالظرف في قوله ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ  ﴾ أي ثبتت لكم الحياة في القصاص لتُعِدَّكم وتهيئكم للتقوى والاحتراس من سفك الدماء وسائر ضروب الاعتداء، إذ العاقل حريص على الحياة ولوع بالأخذ بوسائلها، والاحتراس من غوائلها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده