الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولكم في القصاص حياة ) يقول تعالى : وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل حكمة عظيمة لكم ، وهي بقاء المهج وصونها ; لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه ، فكان في ذلك حياة النفوس .
وفي الكتب المتقدمة : القتل أنفى للقتل .
فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح ، وأبلغ ، وأوجز .
( ولكم في القصاص حياة ) قال أبو العالية : جعل الله القصاص حياة ، فكم من رجل يريد أن يقتل ، فتمنعه مخافة أن يقتل .
وكذا روي عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي مالك ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان ، ( يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) يقول : يا أولي العقول والأفهام والنهى ، لعلكم تنزجرون فتتركون محارم الله ومآثمه ، والتقوى : اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولكم في القصَاص حَياةٌ يا أولي الألباب "، ولكم يا أولي العقول، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، مَا مَنع به بعضكم من قتل بعض، وقَدَع بعضكم عن بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة.
(70) * * * واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه.
* ذكر من قال ذلك: 2617- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " ولكم في القصَاص حياةٌ يا أولي الألباب " قال، نكالٌ, تَناهٍ.
2618- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " ولكم في القصاص حياة " قال، نكالٌ, تَناهٍ.
2619- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
2620- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: " ولكم في القصاص حياة "، جعل الله هذا القصاص حياة، ونكالا وعظةً لأهل السفه والجهل من الناس.
وكم من رجل قد هَمّ بداهية، لولا مخافة القصاص لوقع بها, ولكن الله حَجز بالقصاص بعضهم عن بعض؛ وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة، ولا نهي الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين, والله أعلم بالذي يُصلح خَلقه.
2621- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب " قال، قد جعل الله في القصاص حياة, إذا ذكره الظالم المتعدي كفّ عن القتل.
2622- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع قوله: " ولكم في القصاص حياة " الآية, يقول: جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لكم.
كم من رجل قد هَمّ بداهية فمنعه مخافة القصاص أن يقع بها!
وإن الله قد حجز عباده بعضهم عن بعض بالقصاص.
2623- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: " ولكم في القصاص حياة " قال، نكالٌ, تناهٍ.
قال ابن جريج: حَياةٌ.
مَنعةٌ.
2624- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولكم في القصاص حياة " قال، حياةٌ، بقية.
(71) إذا خاف هذا أن يُقتل بي كفّ عني, لعله يكون عدوًّا لي يريد قتلي, فيذكر أن يُقْتَل في القصاص, فيخشى أن يقتل بي, فيكفَّ بالقصاص الذي خافَ أن يقتل، لولا ذلك قتل هذا.
2625- حدثت عن يعلى بن عبيد قال، حدثنا إسماعيل, عن أبي صالح في قوله: " ولكم في القصاص حياة " قال، بقاء.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولكم في القصاص من القاتل بقاء لغيره، لأنه لا يقتل بالمقتول غيرُ قاتله في حكم الله.
وكانوا في الجاهلية يقتلون بالأنثى الذكر, وبالعبد الحرّ.
* ذكر من قال ذلك: 2626- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولكم في القصاص حياة "، يقول: بقاء, لا يقتل إلا القاتل بجنايته.
* * * وأما تأويل قوله: " يا أولي الألباب "، فإنه: يا أولي العقول." والألباب " جمع " اللب ", و " اللب " العقل.
* * * وخص الله تعالى ذكره بالخطاب أهلَ العقول, لأنهم هم الذين يعقلون عن الله أمره ونهيه، ويتدبّرون آياته وحججه دونَ غيرهم.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) قال أبو جعفر: وتأويل قوله: " لعلكم تتقون "، أي تتقون القصاص، فتنتَهون عن القتل، كما:- 269- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لعلكم تتقون " قال، لعلك تَتقي أن تقتله، فتقتل به.
--------------------- الهوامش : (70) قدعه يقدعه قدعًا : كفه .
ومنه : "اقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة" ، أي كفوها عما تشتهي وتريد .
(71) بقية : أي إبقاء .
وأخشى أن تكون"تقية" بالتاء ، أي اتقاء ، كما يدل عليه سائر الأثر .
وكلتاهما صحيحة المعنى .
قوله تعالى : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولكم في القصاص حياة هذا من الكلام البليغ الوجيز كما تقدم ، ومعناه : لا يقتل بعضكم بعضا ، رواه سفيان عن السدي عن أبي مالك ، والمعنى : أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه ازدجر من يريد قتل آخر ، مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معا .
وكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا وكان ذلك داعيا إلى قتل العدد الكثير ، فلما شرع الله القصاص قنع الكل به وتركوا الاقتتال ، فلهم في ذلك حياة .الثانية : اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان ، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض ، وإنما ذلك لسلطان أو من نصبه السلطان لذلك ، ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض .[ ص: 240 ] الثالثة : وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه إن تعدى على أحد من رعيته ، إذ هو واحد منهم ، وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل ، وذلك لا يمنع القصاص ، وليس بينهم وبين العامة فرق في أحكام الله عز وجل ، لقوله جل ذكره : كتب عليكم القصاص في القتلى وثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملا قطع يده : لئن كنت صادقا لأقيدنك منه ، وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا إذ أكب عليه رجل ، فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه ، فصاح الرجل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ تعال ] فاستقد .
قال : بل عفوت يا رسول الله ، وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال : خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إلي أقيده منه ، فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين ، لئن أدب رجل منا رجلا من أهل رعيته لتقصنه منه ؟
قال : كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه ، ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال : خطبنا عمر بن الخطاب فقال : إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ، فمن فعل ذلك به فليرفعه إلي أقصه منه ، وذكر الحديث بمعناه .الرابعة : قوله تعالى : لعلكم تتقون تقدم معناه .
والمراد هنا تتقون القتل فتسلمون من القصاص ، ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك ، فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة ، وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي " ولكم في القصص حياة " .
قال النحاس : قراءة أبي الجوزاء شاذة .
قال غيره : يحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص .
وقيل : أراد بالقصص القرآن ، أي لكم في كتاب الله الذي شرع فيه القصص حياة ، أي نجاة .
ثم بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } أي: تنحقن بذلك الدماء, وتنقمع به الأشقياء, لأنَّ من عرف أنه مقتول إذا قتل, لا يكاد يصدر منه القتل, وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر, فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل, لم يحصل انكفاف الشر, الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية, فيها من النكاية والانزجار, ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، ونكَّر " الحياة " لإفادة التعظيم والتكثير.
ولما كان هذا الحكم, لا يعرف حقيقته, إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة, خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى, يحب من عباده, أن يعملوا أفكارهم وعقولهم, في تدبر ما في أحكامه من الحكم, والمصالح الدالة على كماله, وكمال حكمته وحمده, وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة, فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب, وناداهم رب الأرباب, وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون.
وقوله: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } وذلك أن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات الرفيعة, أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله, ويعظم معاصيه فيتركها, فيستحق بذلك أن يكون من المتقين.
قوله تعالى ( ولكم في القصاص حياة ) أي بقاء وذلك أن القاصد للقتل إذا علم أنه إذا قتل يقتل يمتنع عن القتل فيكون فيه بقاؤه وبقاء من هم بقتله وقيل في المثل القتل قلل القتل وقيل في المثل القتل أنفى للقتل " وقيل معنى الحياة سلامته من قصاص الآخرة فإنه إذا اقتص منه حيا في الآخرة وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة ( يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) أي تنتهون عن القتل مخافة القود
«ولكم في القصاص حياة» أي بقاء عظيم «يا أولي الألباب» ذوي العقول لأن القاتل إذا علم أنه يُقتل ارتدع فأحيا نفسه ومن أراد قتله فشرع «لعلكم تتقون» القتل مخافة القود.
ولكم في تشريع القصاص وتنفيذه حياة آمنة -يا أصحاب العقول السليمة-؛ رجاء تقوى الله وخشيته بطاعته دائمًا.
هذا وقد نقل عن العرب ما يدل على أنهم تحدثوا عن حكمة القصاص ومن أقوالهم في هذا الشأن : " قتل البعض إحياء للجميع ، وأكثروا القتل ليقل القتل " وأجمعوا على أن أبلغ الأقوال التي عبروا بها عن هذا المعنى قولهم " القتل أنفى للقتل " وقد أجمع أولو العلم على أن قوله - تعالى - ( وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ) أبلغ من هذه العبارة التي نطق بها حكماء العرب ، بمقدار ما بين كلام الخالق وكلام المخلوق ، وذكروا أن الآية تفوق ما نطق به حكماء العرب من وجوه كثيرة من أهمها :1 - أن الآية جعلت سبب الحياة القصاص وهو القتل على وجه التساوي ، أما العبارة العربية فقد جعلت سبب الحياة القتل ، ومن القتل ما يكون ظلماً ، فيكون سببا للفناء لا للحياة ، وتصحيح هذه العبارة أن يقال : القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما .2 - أن الآية جاءت خالية من التكرار اللفظي ، فعبرت عن القتل الذي هو سبب الحياة بالقصاص .
والعبارة كرر فيها لفظ القتل فمسها بهذا التكرار من القتل ما سلمت منه الآية .3 - أن الآية جعلت القصاص سبباً للحياة التي تتوجه إليها الرغبة مباشرة ، والعبارة العربية جعلت القتل سبباً لنفي القتل الذي تترتب عليه الحياة .4 - الآية مبنية على الإِثبات والمثل على النفي ، والإِثبات أشرف لأنه أول والنفي ثان له .5 - أن تنكير حياة في الآية يفيد تعظيماً ، فيدل على أن القصاص حياة متطاولة كما في قوله - تعالى - ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ ) ولا كذلك المثل .
فإن اللام فيه للجنس ، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء .6 - تعريف ( القصاص ) بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على الضرب والجرح والقتل - وغير ذلك ، والمثل لا يشمل ذلك .7 - أن الآية مع أفضليتها عن المثل من حيث البلاغة والشمول واللفظ والمعنى أقل حروفاً من المثل .هذه بعض وجوه أفضلية الآية على المثل ، وهناك وجوه أخرى ذكرها العلماء في كتبهم .وفي قوله : ( ياأولي الألباب ) تنبيه بحرف النداء على التأمل في حكمة القصاص .و ( الألباب ) : جمع لب وهو العقل الخالص من شوائب الأوهام ، أو العقل الذيك الذي يستبين الحقائق بسرعة وفطنة ، ويستخرج لطائف المعاني من مكانها ببراعة وحسن تصرف .وفي هذا النداء تنبيه على أن من ينكرون مصلحة القصاص وأثره النافع في تثبيت دعائم الأمن ، يعيشون بين الناس بعقول غير سليمة ، ولا يزال الناس يشاهدون في كل عصر ما يثيره القتل في صدور أولياء القتلى من أحقاد طاغية ، لولا أن القصاص يخفف من سطوتها لتمادت بهم في تقاطع وسفك دماء دون الوقوف عند حد .وختمت الآية بهذه الجملة التعليلية ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ) زيادة في إقناع نفوسهم بأمر القصاص ، أي : شرعنا لكم هذه الأحكام الحكيمة لتتقوا القتل حذراً من القصاص ، ولتعيشوا آمنين مطمئنين ، ومتوادين متحابين .وبهذا البيان الحكيم تكون الآيتان الكريمتان قد أرشدنا إلى ما يحمى النفوس ، ويحقن الدماء ، ويردع المعتدين عن الاعتداء ، ويغرس بين الناس معاني التسامح والإِخاء ، ويقيم حايتهم على أساس من الرحمة والعدالة وحسن القضاء .وبعد أن بين - سبحانه - ما يتعلق بالقصاص أتبعه بالحديث عن الوصية ، ليرشد الناس إلى ما ينبغي أن تكون عليه ، وليبطل ما كان من عوائد الجاهلية من وصايا جائرة فقال - تعالى - :( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت .
.
.
)
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أوجب في الآية المتقدمة القصاص وكان القصاص من باب الإيلام توجه فيه سؤال وهو أن يقال كيف يليق بكمال رحمته إيلام العبد الضعيف؟
فلأجل دفع هذا السؤال ذكر عقيبه حكمة شرع القصاص فقال: ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية وجوه: الأول: أنه ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلاً، وفي حق من يراد جعله مقتولاً وفي حق غيرهما أيضاً، أما في حق من يريد أن يكون قاتلاً فلأنه إذا علم أنه لو قتل قتل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حياً، وأما في حق من يراد جعله مقتولاً فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول، وأما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص بقاء من هم بالقتل، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما، لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس وفي تصور كون القصاص مشروعاً زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل.
الوجه الثاني: في تفسير الآية أن المراد منها أن نفس القصاص سبب الحياة وذلك لأن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل، فكان القصاص نفسه سبباً للحياة من هذا الوجه، واعلم أن الوجه الذي ذكرناه غير مخص بالقصاص الذي هو القتل، يدخل فيه القصاص في الجوارح والشجاج وذلك لأنه إذا علم أنه إن جرح عدوه اقتص منه زجره ذلك عن الإقدام فيصير سبباً لبقائهما لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت وكذلك الجارح إذا اقتص منه وأيضاً فالشجة والجراحة التي لا قود فيها داخلة تحت الآية لأن الجارح لا يأمن أن تؤدى جراحته إلى زهوق النفس فيلزم القود، فخوف القصاص حاصل في النفس.
الوجه الثالث: أن المراد من القصاص إيجاب التسوية فيكون المراد أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل، لأنه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله أهل الجاهلية وهو قول السدي.
والوجه الرابع: قرأ أبو الجوزاء ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص وقيل: ﴿ القصاص ﴾ القرآن، أي لكم في القرآن حياة للقلوب كقوله: ﴿ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ ﴿ ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ ﴾ والله أعلم.
المسألة الثانية: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا، وبيان التفاوت من وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ أخصر من الكل، لأن قوله: ﴿ وَلَكُمْ ﴾ لا يدخل في هذا الباب، إذ لابد في الجميع من تقدير ذلك، لأن قول القائل: قتل البعض إحياء للجميع لابد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم: القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله: ﴿ فِي القصاص حياة ﴾ أشد اختصاراً من قولهم: القتل أنفى للقتل.
وثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال، وقوله: ﴿ فِي القصاص حياة ﴾ ليس كذلك، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص، ثم ما جعله سبباً لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة، بل جعله سبباً لنوع من أنواع الحياة.
وثالثها: أن قولهم القتل أنفى للقتل، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله: ﴿ فِي القصاص حياة ﴾ كذلك.
ورابعها: أن قول القائل: القتل أنفى للقتل.
لا يفيد إلا الردع عن القتل، وقوله: ﴿ فِي القصاص حياة ﴾ يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد.
وخامسها: أن نفي القتل مطلوب تبعاً من حيث إنه يتضمن حصول الحياة، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي، فكان هذا أولى.
وسادسها: أن القتل ظلماً قتل، مع أنه لا يكون نافياً للقتل بل هو سبب لزيادة القتل، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص، فظاهر قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهراً وتقديراً، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب.
المسألة الثانية: احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم: إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت.
فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلاً عن الإقدام على القتل، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضياً إلى حصول الحياة.
فإن قيل: أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله؟
فإذا قلتم: كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لابد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم، هذا كله ألفاظ القاضي.
أما قوله تعالى: ﴿ يأُوْلِي الألباب ﴾ فالمراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعاً لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سبباً للكف والامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب.
وأما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: لفظة ﴿ لَعَلَّ ﴾ للترجي، وذلك إنما يصح في حق من لم يكن عالماً بجميع المعلومات، وجوابه ما سبق في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
المسألة الثانية: قال الجبائي: هذا يدل على أنه تعالى أراد من الكل التقوى، سواء كان في المعلوم أنهم يتقون أو لا يتقون بخلاف قول المجبرة، وقد سبق جوابه أيضاً في تلك الآية.
المسألة الثالثة: في تفسير الآية قولان أحدهما: قول الحسن والأصم أن المراد لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص والثاني: أن المراد هو التقوى من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى، فحمله على الكل أولى: ومعلوم أن الله تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ البر ﴾ اسم للخير ولكل فعل مرضيّ ﴿ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ﴾ الخطاب لأهل الكتاب لأن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبل المشرق.
وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته، فردّ عليهم.
وقيل: ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ، ولكن البرّ ما نبينه.
وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة، فقيل: ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال.
وقرئ: ﴿ وليس البرّ ﴾ - بالنصب على أنه خبر مقدم- وقرأ عبد الله: ﴿ بأن تولوا ﴾ ، على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك: ليس المنطلق بزيد ﴿ ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ على تأويل حذف المضاف، أي برّ من آمن، أو بتأول البرّ بمعنى ذي البرّ، أو كما قالت.
فَإنمَا هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ وعن المبرّد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: (ولكنّ البرّ)، بفتح الباء.
وقرئ: ﴿ ولكن البارّ ﴾ .
وقرأ ابن عامر ونافع: (ولكنّ البر) بالتخفيف ﴿ والكتاب ﴾ جنس كتب الله، أو القرآن ﴿ على حُبّهِ ﴾ مع حب المال والشح به، كما قال ابن مسعود: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا.
وقيل: على حب الله.
وقيل: على حب الإيتاء، يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه.
وقدم ذوي القربى لأنهم أحق.
قال عليه الصلاة والسلام: «صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان لأنها صدقة وصلة» وقال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» .
وأطلق ﴿ ذَوِى القربى واليتامى ﴾ والمراد الفقراء منهم لعدم الإلباس.
والمسكين: الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالمسكير: للدائم السكر و ﴿ ابن * السبيل ﴾ المسافر المنقطع.
وجُعل ابناً للسبيل لملازمته له، كما يقال للص القاطع: ابن الطريق.
وقيل: هو الضيف، لأنّ السبيل يرعف به ﴿ والسائلين ﴾ المستطعمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه» ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم.
وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها.
وقيل في فك الأسارى.
فإن قلت: قد ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فهل دلّ ذلك على أنّ في المال حقاً سوى الزكاة؟
قلت: يحتمل ذلك.
وعن الشعبي: أنّ في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية.
ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة، أو يكون حثاً على نوافل الصدقات والمبارّ.
وفي الحديث: «نسخت الزكاة كلَّ صدقة» يعني وجوبها.
وروي: «ليس في المال حق سوى الزكاة» ﴿ والموفون ﴾ عطف على من آمن.
وأخرج ﴿ والصابرين ﴾ منصوباً على الاختصاص والمدح، وإظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال.
وقرئ: ﴿ والصابرون ﴾ .
وقرئ: ﴿ والموفين ﴾ ، ﴿ والصابرين ﴾ .
و ﴿ البأساء ﴾ الفقر والشدة ﴿ والضراء ﴾ المرض والزمانة ﴿ صَدَقُواْ ﴾ كانوا صادقين جادّين في الدين.
عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعطاء، وعكرمة، وهو مذهب مالك والشافعي رحمة الله عليهم: أنّ الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى، أخذاً بهذه الآية.
ويقولون: هي مفسرة لما أبهم في قوله: ﴿ النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 55] ولأنّ تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها.
وعن سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وقتادة، والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه: أنها منسوخة بقوله: ﴿ النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 55] والقصاص ثابت بين العبد والحرِّ، والذَّكر والأنثى.
ويستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» وبأنَّ التفاضل غير معتبر في الأنفس، بدليل أنّ جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به.
وروي: «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طَوْلٌ على الآخر، فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد منا، والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا» ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء ﴾ معناه: فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو.
على أنه كقولك: سير بزيد بعض السير، وطائفة من السير.
ولا يصحّ أن يكون شيء في معنى المفعول به، لأنّ (عفا) لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة وأخوه: هو وليّ المقتول، وقيل له أخوه، لأنه لابسه، من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به، كما تقول للرجل: قل لصاحبك كذا، لمن بينه وبينه أدنى ملابسة أو ذكره بلفظ الأخوة، ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام فإن قلت: إن عفى يتعدّى بعن لا باللام، فما وجه قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ ﴾ ؟
قلت: يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه.
قال الله تعالى: ﴿ عَفَا الله عَنكَ ﴾ [التوبة: 43] وقال: ﴿ عَفَا الله عَنْهَا ﴾ [المائدة: 101] فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معاً قيل؛ عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه.
وعلى هذا ما في الآية، كأنه قيل: فمن عفى له عند جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية، فإن قلت؛ هلا فسرت عفى بترك حتى يكون شيء في معنى المفعول به؟
قلت: لأن عفا الشيء بمعنى تركه ليس بثبت.
ولكن أعفاه.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «واعفوا اللحى» فإن قلت: فقد ثبت قولهم: عفا أثره إذا محاه وأزاله، فهلا جعلت معناه: فمن محي له من أخيه شيء؟
قلت: عبارة قلقة في مكانها، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها، وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ- إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام الله- على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه، وهذه جرأة يستعاذ بالله منها.
فإن قلت؟: لم قيل: شيء من العفو؟
قلت: للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم.
أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم تجب إلا الدية ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾ فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع.
وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعاً.
يعني فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة.
وليؤدّ إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان، بأن لا يمطله ولا يبخسه ﴿ ذلك ﴾ ْالحكم المذكور من العفو والدية ﴿ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرّم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرّم القصاص والدية.
وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو، توسعة عليهم وتيسيراً ﴿ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك ﴾ التخفيف، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية.
فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة.
وعن قتادة: العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل منه دية، لقوله عليه السلام: «لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية» ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛ لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يُقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أيّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنّه إذا همّ بالقتل فعلم أنه يقتصّ فارتدع منه سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين.
وقرأ أبو الجوزاء: (ولكم في القصص حياة) أي فيما قص عليكم من حكم القتل القصاص وقيل القصص القرآن أي: (ولكم في القرآن حياة للقلوب): كقوله تعالى: ﴿ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52] ، ﴿ وَيُحْىِ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42] .
﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به.
وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ﴾ كَلامٌ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مِن حَيْثُ جَعْلُ الشَّيْءِ مَحَلَّ ضِدِّهِ، وعَرَّفَ القِصاصَ ونَكَّرَ الحَياةَ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ في هَذا الجِنْسِ مِنَ الحُكْمِ نَوْعًا مِنَ الحَياةِ عَظِيمًا، وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يَرْدَعُ القاتِلَ عَنِ القَتْلِ، فَيَكُونُ سَبَبَ حَياةِ نَفْسَيْنِ.
ولِأنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ غَيْرَ القاتِلِ، والجَماعَةَ بِالواحِدِ، فَتَثُورُ الفِتْنَةُ بَيْنَهم.
فَإذا اقْتُصَّ مِنَ القاتِلِ سَلَّمَ الباقُونَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحَياتِهِمْ.
وعَلى الأوَّلِ فِيهِ إضْمارٌ وعَلى الثّانِي تَخْصِيصٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِها الحَياةُ الأُخْرَوِيَّةُ، فَإنَّ القاتِلَ إذا اقْتَصَّ مِنهُ في الدُّنْيا لَمْ يُؤاخَذْ بِهِ في الآخِرَةِ.
﴿ وَلَكم في القِصاصِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِحَياةٍ وأنْ يَكُونَ أحَدُهُما خَبَرًا والآخِرِ صِلَةً لَهُ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ.
وقُرِئَ في « القَصَصِ» أيْ فِيما قُصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ حَياةٌ، أوْ في القُرْآنِ حَياةٌ لِلْقُلُوبِ.
﴿ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ ذَوِي العُقُولِ الكامِلَةِ.
ناداهم لِلتَّأمُّلِ في حِكْمَةِ القِصاصِ مِنِ اسْتِبْقاءِ الأرْواحِ وحِفْظِ النُّفُوسِ.
﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ في المُحافَظَةِ عَلى القِصاصِ والحُكْمِ بِهِ والإذْعانِ لَهُ، أوْ عَنِ القِصاصِ فَتَكُفُّوا عَنِ القَتْلِ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)
{وَلَكُمْ فِي القصاص حياة} كلام فصيح لما فيه من الغرابة إذ القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جعل ظرفاً للحياة وفي تعريف القصاص وتنكير الحياة بلاغة بينة لأن المعنى ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو اختصاص حياة عظيمة لمنعه عما كانوا عليه من قتل الجماعة بواحد متى اقتدروا فكان القصاص حياة وأي حياة أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالقصاص من القاتل لأنه إذا هم بالقتل فتذكر الاقتصاص ارتدع فسلم صاحبه من القتل وهو من القود فكان شرع القصاص سبب حياة نفسين {يا أولي الألباب} يا ذوى العقل {لعلكم تتقون} القتل حذرا من القصاص
﴿ ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الِانْقِيادِ لِحُكْمِ القَصّاصِ لِكَوْنِهِ شاقًّا لِلنَّفْسِ، وهو كَلامٌ في غايَةِ البَلاغَةِ، وكانَ أوْجَزُ كَلامٍ عِنْدَهم في هَذا المَعْنى: ( القَتْلُ أنْفى القَتْلَ ) وفُضِّلَ هَذا الكَلامُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: قِلَّةُ الحُرُوفِ، فَإنَّ المَلْفُوظَ هُنا عَشَرَةُ أحْرُفٍ، إذا لَمْ يُعْتَبَرِ التَّنْوِينُ حَرْفًا عَلى حِدَةٍ، وهُناكَ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، الثّانِي: الِاطِّرادُ؛ إذْ في كُلِّ قِصاصٍ حَياةٌ، ولَيْسَ كُلُّ قَتْلٍ أنْفى لِلْقَتْلِ، فَإنَّ القَتْلَ ظُلْمًا أدْعى لِلْقَتْلِ، الثّالِثُ: ما في تَنْوِينِ حَياة مِنَ النَّوْعِيَّةِ أوِ التَّعْظِيمِ.
الرّابِعُ: صَنْعَةُ الطِّباقِ بَيْنَ ( القِصاصِ والحَياةِ ) فَإنَّ ( القِصاصَ ) تَفْوِيتُ الحَياةِ، فَهو مُقابِلُها.
الخامِسُ: النَّصُّ عَلى ما هو المَطْلُوبُ بِالذّاتِ - أعْنِي الحَياةَ - فَإنَّ نَفْيَ القَتْلِ إنَّما يُطْلَبُ لَها لا لِذاتِهِ.
السّادِسُ: الغَرابَةُ مِن حَيْثُ جَعْلُ الشَّيْءِ فِيهِ حاصِلًا في ضِدِّهِ، ومِن جِهَةِ أنَّ المَظْرُوفَ إذا حَواهُ الظَّرْفُ صانَهُ عَنِ التَّفَرُّقِ، فَكانَ ( القِصاصُ ) فِيما نَحْنُ فِيهِ يَحْمِي الحَياةَ مِنَ الآفاتِ.
السّابِعُ: الخُلُوُّ عَنِ التَّكْرارِ مَعَ التَّقارُبِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو عَنِ اسْتِبْشاعِ، ولا يُعَدُّ رَدُّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ حَتّى يَكُونَ مُحَسَّنًا.
الثّامِنُ: عُذُوبَةُ اللَّفْظِ وسَلاسَتُهُ؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما في قَوْلِهِمْ مِن تَوالِي الأسْبابِ الخَفِيفَةِ؛ إذْ لَيْسَ في قَوْلِهِمْ: حَرْفانِ مُتَحَرِّكانِ عَلى التَّوالِي إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، ولا شَكَّ أنَّهُ يُنْقِصُ مِن سَلاسَةِ اللَّفْظِ وجَرَيانِهِ عَلى اللِّسانِ، وأيْضًا الخُرُوجُ مِنَ الفاءِ إلى اللّامِ، أعْدَلُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ اللّامِ إلى الهَمْزَةِ لِبُعْدِ الهَمْزَةِ مِنَ اللّامِ، وكَذَلِكَ الخُرُوجُ مِنَ الصّادِ إلى الحاءِ، أعْدَلُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ الألِفِ إلى اللّامِ.
التّاسِعُ: عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى الحَيْثِيَّةِ، وقَوْلُهُمْ: يَحْتاجُ إلَيْها.
العاشِرُ: تَعْرِيفُ القِصاصِ بِلامِ الجِنْسِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ هَذا الحُكْمِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ( الضَّرْبِ والجَرْحِ والقَتْلِ ) وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهم لا يَشْمَلُهُ.
الحادِي عَشَرَ: خُلُوُّهُ مِن أفْعَلَ المُوهِمُ أنَّ في التَّرْكِ نَفْيًا لِلْقَتْلِ أيْضًا.
الثّانِي عَشَرَ: اشْتِمالُهُ عَلى ما يَصْلُحُ لِلْقِتالِ، وهو الحَياةُ بِخِلافِ قَوْلِهِمْ، فَإنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى نَفْيٍ اكْتَنَفَهُ قَتْلانِ، وإنَّهُ لَمِمّا يَلِيقُ بِهِمُ.
الثّالِثَ عَشَرَ: خُلُوُّهُ عَمّا يُوهِمُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِمْ مِن كَوْنَ الشَّيْءِ سَبَبًا لِانْتِفاءِ نَفْسِهِ، وهو مُحالٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَسُبْحانَ مَن عَلَتْ كَلِمَتُهُ وبَهَرَتْ آيَتُهُ، ثُمَّ المُرادُ بِـ الحَياة إمّا الدُّنْيَوِيَّةُ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ في شَرْعِ ( القِصاصِ ) والعِلْمِ بِهِ يُرَوِّعُ القاتِلَ عَنِ القَتْلِ، فَيَكُونُ سَبَبَ ( حَياةِ ) نَفْسَيْنِ في هَذِهِ النَّشْأةِ، ولِأنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ غَيْرَ القاتِلِ، والجَماعَةَ بِالواحِدِ، فَتَثُورُ الفِتْنَةُ بَيْنَهُمْ، وتَقُومُ حَرْبُ البَسُوسِ عَلى ساقٍ، فَإذا اقْتُصَّ مِنَ القاتِلِ سَلِمَ الباقُونَ، ويَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، ويَلْزَمُ عَلى الأوَّلِ الإضْمارُ، وعَلى الثّانِي التَّخْصِيصُ، وأمّا الحَياةُ الأُخْرَوِيَّةُ بِناءً عَلى أنَّ القاتِلَ إذا اقْتُصَّ مِنهُ في الدُّنْيا لَمْ يُؤاخَذْ بِحَقِّ المَقْتُولِ في الآخِرَةِ، وعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ خاصًّا بِالقاتِلِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ والظَّرْفانِ إمّا خَبَرانِ لِـ حَياة أوْ أحَدُهُما خَبَرٌ والآخَرُ صِلَةٌ لَهُ، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ: ( في القَصَصِ ) وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، والمُرادُ مِنَ المَقْصُوصِ هَذا الحُكْمُ بِخُصُوصِهِ، أوِ القُرْآنُ مُطْلَقًا، وحِينَئِذٍ يُرادُ بِالحَياةِ حَياةُ القُلُوبِ لا حَياةُ الأجْسادِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ( القَصَصِ ) مَصْدَرًا بِمَعْنى ( القِصاصِ )، فَتَبْقى ( الحَياةُ ) عَلى حالِها.
﴿ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ يا ذَوِي العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوْبِ الهَوى، وإنَّما خَصَّهم بِالنِّداءِ مَعَ أنَّ الخِطابَ السّابِقَ عامٌّ؛ لِأنَّهم أهْلُ التَّأمُّلِ في حِكْمَةِ ( القِصاصِ ) مِنَ اسْتِبْقاءِ الأرْواحِ وحِفْظِ النُّفُوسِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِالبالِغِينَ دُونَ الصِّبْيانِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ 179﴾ رَبَّكم بِاجْتِنابِ مَعاصِيهِ المُفْضِيَةِ إلى العَذابِ أوِ القَتْلِ بِالخَوْفِ مِنَ ( القِصاصِ ) وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وزَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -، والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأوَّلِ الكَلامِ.
<div class="verse-tafsir"
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى، يعني فرض عليكم وأوجب عليكم القصاص.
فإن قيل: الفرض على من يكون؟
على الولي أو على غيره؟
قيل له: الفرض على القاضي إذا اختصموا إليه، بأن يقتضي على القاتل بالقصاص إذا طلب الولي، لأن الله تعالى قد خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص، فخاطب الولي بالقصاص وخاطب غيره بأن يعين الولي على ذلك.
وهو قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ، أي فرض عليكم إذا كان في القتل عمداً.
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى.
قال بعضهم: كان في أول الشريعة أن الحر يقتل بالحر والعبد بالعبد، ولا يقتل الحر بالعبد ولا العبد بالحر، ولا الذكر بالأنثى ثم نسخ بقوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: 45] .
وقال بعضهم هي غير منسوخة، لأنه قد ذكر هذه الآية: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ولم يذكر في هذه الآية: أن العبد لو قتل حراً ما حكمه، فبيّن في آية أخرى وهو قوله: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.
وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية، فكان بينهم قتلى وجراحات وكان لأحدهما طول على الأخرى فقالوا: لنقتلن بالعبد منا الحر منكم، وبالمرأة الرجل منكم، وبالرجل منا الرجلين منكم فلما جاء الإسلام طلب بعضهم من بعض ذلك، فنزلت هذه الآية: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى.
ثم قال تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، أي ترك ولي المقتول من أخيه: أي القاتل ولم يقتله وأخذ الدية.
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ، يعني يطلب الدية بالرفق ولا يعسر عليه، وأمر بالمطلوب بأن يؤدي الدية إلى الطالب لقوله: وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.
وقال القتبي فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال: قبول الدية في العمد والعفو عن الدم.
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ، أي مطالبة جميلة وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ لا يبخسه ولا يمطله، معناه ولا يدفعه إذا عفا أحد ولي القصاص صار نصيب الآخر ملأ فيتبعه بالمعروف، والقاتل يؤدي إليه نصيبه بإحسان.
ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو وليس لهم قود ولا دية، فجعل الله تعالى القصاص والدية والعفو تخفيفاً لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء عفا.
وقال بعض الناس: إن الولي إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل، وهو قول الشافعي، وقال أصحابنا: ليس له أن يأخذ الدية إلا برضا القاتل.
وليس في هذه الآية دليل، أن له أن يأخذ الدية بكره منه، وفيها دليل أن له أن يقبل الدية وإذا رضي القاتل وَاصْطَلَحَا على ذلك.
ثم قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ، يعني أن يقتل بعد ما يأخذ الدية فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ أي وجع.
وقال قتادة: يقتل ولا يتقبل منه الدية إذا اعتدى، واحتج بما روي عن النبي أنه قال: «لا أَعْفِي عَنْ أحَدٍ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ» .
ولكن معناه عندنا: أنه إذا طلب الولي القتل، فأما إذا عفا عنه الثاني وتركه جاز عفوه، لأنه قتل بغير حق فصار حكمه حكم القاتل الأول، لأنه لو عفي عنه لجاز ذلك فكذلك الثاني.
ثم قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بقاء، لأن الناس يعتبرون بالقصاص فيمتنعون عن القتل.
وهذا كما قال القائل: أَبْلِغْ أَبَا مَاِلكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَة ...
وَفِي العِقَابِ حَيَاةٌ بَيْنَ أَقْوَام وهذا معنى قوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ، يعني يا ذوي العقول.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل مخافة القصاص.
<div class="verse-tafsir"
وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن صُهَيْب «١» ، قال: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِذَا أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ» «٢» انتهى.
وَحِينَ الْبَأْسِ، أي: وقْتَ شدَّة القتال، هذا قولُ المفسِّرين في الألفاظ الثلاثة، تقولُ العربُ: بَئِسَ الرَّجُلُ إِذَا افتقر، وبَؤُسَ إِذا شَجُع، ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البَرَّة بالصدْقِ في أمورهم، أي: هم عند الظنِّ بهم والرجاء فيهم كما تقول: صَدَقَنِي المَالُ، وصَدَقَنِي الرُّمْحُ، ووصفهم تعالى/ بالتقى، والمعنى: هم الذين جعلوا بينهم وبين ٤٣ ب عذاب الله وقاية.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ...
الآيةَ: كُتِبَ:
معناه: فُرِضَ، وأُثْبِتَ، وصورةُ فَرْضِ القصاصِ «٣» ، هو أنَّ القاتل فرض عليه، إذا أراد
الوليُّ القتل، الاِستسلامُ لأمر اللَّه، وأن الوليَّ فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليِّه، وترك التعدِّي على غيره، فإِن وقع الرضَا بدون القصاص من دية أو عفو، فذلك مباحٌ، والآية معلِّمة أن القِصَاصَ هو الغاية عند التّشاحّ «١» ، والْقِصاصُ: مأخوذ من: قَصِّ الأثر فكأن القاتل سلك طريقا من القتل، فقص أثره فيها.
روي عن ابن عَبَّاس أنَّ هذه الآية مُحْكَمة «١» ، وفيها إِجمال فسَّرته آية «المائدة» ، وأن قوله سبحانه: الْحُرُّ بِالْحُرِّ يعمُّ الرجال والنساء، وأجمعتِ الأمة على قتل الرجُلِ بالمرأةِ، والمرأة بالرجل «٢» .
وقوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ...
الآيةَ: فيه تأويلاتٌ:
أحدها: أنَّ «مَنْ» يرادُ بها القاتلُ، و «عُفِيَ» : تتضمن عافياً، وهو وليُّ الدم، والأخُ:
هو المقتولُ، و «شَيْءٌ» : هو الدمُ الذي يعفى عنه، ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابْنِ عَبَّاس، وجماعة من العلماء «٣» ، والعَفْوُ على هذا القولِ على بابه.
والتأويلُ الثَّاني: وهو قول مالكٍ أنَّ «مَنْ» يراد بها الوليُّ، وعُفِيَ: بمعنى: يُسِّرَ، لا على بابها في العَفْو، والأخُ: يراد به القاتل، و «شَيْءٌ» : هي الديةُ، والأخوَّة على هذا أخوَّة الإِسلام.
والتأويل الثالثُ: أنَّ هذه الألفاظ في معنى: الَّذين نزلَتْ فيهم الآيةُ، وهم قومٌ تقاتَلُوا، فقتل بعضهم بعضا، فأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم أن يصلحَ بينهم، ويُقَاصَّهم بعضَهم من بعض بالدِّيَات على استواء الأحرار بالأحرار، والنساء بالنساء، والعبيد بالعبيد، فمعنى الآية: فمن فضِل له من إِحدى الطائفتين على الأخرى شيْءٌ من تلك الدِّيَاتِ، وتكون: «عُفِيَ» بمعنى فَضِلَ.
وقوله تعالى: فَاتِّباعٌ: تقديره: فالواجبُ والحُكْمُ: اتباع، وهذا سبيلُ الواجباتِ كقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٢٩] وأما المندوبُ إِلَيْه، فيأتي منصوباً كقوله تعالى: فَضَرْبَ الرِّقابِ [محمد: ٤] ، وهذه الآية حضٌّ من اللَّه تعالى على حسن الاقتضاءِ من الطالِبِ، وحُسْنِ القضاء من المُؤَدِّي.
وقوله سبحانه: ذلِكَ تَخْفِيفٌ إِشارة إِلى ما شرعه لهذه الأمة، من أخذ الدية، وكانت بنو إِسرائيل لا ديَةَ عندهم، إِنما هو القِصَاصُ فَقَطْ، والاعتداء المتوعّد عليه في هذه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَلِمَ الرَّجُلُ أنَّهُ إنْ قَتَلَ قُتِلَ؛ أمْسَكَ عَنِ القَتْلِ، فَكانَ في ذَلِكَ حَياةً لِلَّذِي هَمَّ بِقَتْلِهِ ولِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ مِن أجْلِ القَصاصِ أمْسَكَ.
وأخَذَ هَذا المَعْنى الشّاعِرُ فَقالَ: أبْلِغْ أبا مالِكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً وفي العِتابِ حَياةٌ بَيْنَ أقْوامِ يُرِيدُ أنَّهم إذا تَعاتَبُوا أصْلَحَ مِن بَيْنِهِمُ العِتابُ.
والألْبابُ: العُقُولُ، وإنَّما خَصَّهم بِهَذا الخِطابِ وإنْ كانَ الخِطابُ عامًّا، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالخِطابِ، لِكَوْنِهِمْ يَأْتَمِرُونَ بِأمْرِهِ ويَنْتَهُونَ بِنَهْيِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ الدِّماءَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكَ تَتَّقِي أنْ يَقْتُلَهُ فَتُقْتَلُ بِهِ.
* فَصْلٌ نَقَلَ ابْنُ مَنصُورٍ عَنْ أحْمَدَ: إذا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا بِعَصى، أوْ خَنَقَهُ، أوْ شَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ، يُقْتَلُ مِثْلَ الَّذِي قَتَلَ بِهِ.
فَظاهِرُ هَذا: أنَّ القَصاصَ يَكُونُ بِغَيْرِ السَّيْفِ، ويَكُونُ بِمِثْلِ الآَلَةِ الَّتِي قَتَلَ بِها، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.
ونَقَلَ عَنْهُ حَرْبٌ: إذا قَتَلَهُ بِخَشَبَةٍ قُبِلَ بِالسَّيْفِ.
ونَقَلَ أبُو طالِبٍ: إذا خَنَقَهُ قُتِلَ بِالسَّيْفِ.
فَظاهِرُ هَذا: أنَّهُ لا يَكُونُ القَصاصُ إلّا بِالسَّيْفِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَن اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ "كُتِبَ" مَعْناهُ: فُرِضَ وأُثْبِتَ، والكُتُبُ مُسْتَعْمَلٌ في الأُمُورِ المُخَلَّداتِ الدائِمَةِ كَثِيرًا.
وقِيلَ: إنَّ "كُتِبَ" في مِثْلِ هَذا؛ إخْبارٌ عَمّا كُتِبَ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ وسَبَقَ بِهِ القَضاءُ.
وصُورَةُ فَرْضِ القَصاصِ هو أنَّ القاتِلَ فَرَضَ عَلَيْهِ -إذا أرادَ الوَلِيُّ القَتْلَ- الِاسْتِسْلامُ لِأمْرِ اللهِ، والِانْقِيادِ لِقِصاصِهِ المَشْرُوعِ، وأنَّ الوَلِيَّ فُرِضَ عَلَيْهِ الوُقُوفُ عِنْدَ قَتْلِ قاتِلٍ ولَيَّهُ، وتَرْكِ التَعَدِّي عَلى غَيْرِهِ كَما كانَتِ العَرَبُ تَتَعَدّى، وتَقْتُلُ بِقَتِيلِها الرَجُلَ مِن قَوْمِ قاتِلِهِ.
وأنَّ الحُكّامَ وأُولِي الأمْرِ فُرِضَ عَلَيْهِمُ النُهُوضُ بِالقَصاصِ، وإقامَةِ الحُدُودِ، ولَيْسَ القَصاصُ بِلِزامٍ إنَّما اللِزامُ ألّا يَتَجاوَزَ القَصاصَ إلى اعْتِداءٍ، فَأمّا إذا وقَعَ الرِضى، بِدُونِ القِصاصِ، مِن دِيَةٍ أو عَفْوٍ، فَذاكَ مُباحٌ.
فالآيَةُ مُعْلِمَةٌ أنَّ القَصاصَ هو الغايَةُ عِنْدَ التَشاحِّ.
"والقِصاصُ" مَأْخُوذٌ مِن قَصَّ الأثَرَ، فَكَأنَّ القاتِلَ سَلَكَ طَرِيقًا مِنَ القَتْلِ فَقَصَّ أثَرَهُ فِيها، ومَشى عَلى سَبِيلِهِ في ذَلِكَ.
و"القَتْلى" جَمْعُ قَتِيلٍ، لَفْظٌ يُؤَنَّثُ تَأْنِيثَ الجَماعَةِ، وهو مِمّا يَدْخُلُ عَلى الناسِ كُرْهًا، فَلِذَلِكَ جاءَ عَلى هَذا البِناءِ، كَجَرْحى وزَمْنى وحَمْقى وصَرْعى وغَرْقى.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ الشَعْبِيُّ: إنَّ العَرَبَ كانَ أهْلُ العِزَّةِ مِنهم والمَنعَةِ، إذا قُتِلَ مِنهم عَبْدٌ قَتَلُوا بِهِ حُرًّا، وإذا قُتِلَتِ امْرَأةٌ قَتَلُوا بِها ذَكِرًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، لِيَعْلَمَ اللهُ تَعالى بِالسَوِيَّةِ، ويَذْهَبُ أمْرَ الجاهِلِيَّةِ.
وحُكِيَ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ تَقاتَلُوا قِتالَ عَمِيَّةَ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهُمْ: نَقْتُلُ بِعَبِيدِنا أحْرارًا فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِتالٍ وقَعَ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: مِن غَيْرِهِمْ، فَقَتَلَ هَؤُلاءِ مِن هَؤُلاءِ رِجالًا، وعَبِيدًا ونِساءً، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، ويُقاصِهِمْ بَعْضَهم بِبَعْضٍ بِالدِياتِ عَلى اسْتِواءٍ: الأحْرارُ بِالأحْرارِ، والنِساءُ بِالنِساءِ والعَبِيدُ بِالعَبِيدِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مُقْتَضِيَةً ألّا يُقْتَلَ الرَجُلُ بِالمَرْأةِ، ولا المَرْأةُ بِالرَجُلِ، ولا يَدْخُلُ صِنْفٌ عَلى صِنْفٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ المائِدَةِ ﴿ أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا رُوِيَ، وآيَةُ المائِدَةِ إنَّما هي إخْبارٌ عَمّا كُتِبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَلا يَتَرَتَّبُ النَسْخُ إلّا بِما تُلُقِّيَ عن رَسُولِ اللهِ ، مِن أنَّ حُكْمَنا في شَرْعِنا مِثْلَ حُكْمِهِمْ،.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما -ذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ - وعن غَيْرِهِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ، وفِيها إجْمالٌ فَسَّرَتْهُ آيَةُ المائِدَةِ، وأنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿ الحُرُّ بِالحُرِّ ﴾ يَعُمُّ الرِجالَ والنِساءَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُرادُ بِها الجِنْسُ، الذَكَرُ والأُنْثى فِيهِ سَواءٌ، وأُعِيدَ ذِكْرُ الأُنْثى تَأْكِيدًا وتَهَمُّمًا بِإذْهابِ أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مُبِيِّنَةً حُكْمَ المَذْكُورِينَ، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يَقْتُلَ حُرٌّ عَبْدًا، أو عَبْدٌ حُرًّا، أو ذَكَرٌ أُنْثى، أو أُنْثى ذَكَرًا، وقالا: إنَّهُ إذا قَتَلَ رَجُلٌ امْرَأةً، فَإنْ أرادَ أولِياؤُها قَتَلُوا صاحِبَهُمْ، ووَفَّوْا أولِياءَهُ نِصْفَ الدِيَةِ مِنهُ، وإنْ أرادُوا اسْتَحْيَوْهُ وأخَذُوا مِنهُ دِيَةَ المَرْأةِ.
وإذا قَتَلَتِ المَرْأةُ رَجُلًا فَإنْ أرادَ أولِياؤُهُ قَتَلُوا وأخَذُوا نِصْفَ الدِيَةِ، وإلّا أخَذُوا دِيَةَ صاحِبِهِمْ واسْتَحْيَوْها.
وإذا قَتَلَ الحُرُّ العَبْدَ فَإنْ أرادَ سَيِّدَ العَبْدِ قُتِلَ، وأعْطى دِيَةَ الحُرِّ، إلّا قِيمَةَ العَبْدِ، وإنْ شاءَ اسْتَحْيا وأخَذَ قِيمَةَ العَبْدِ، هَذا مَذْكُورٌ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَنِ الحَسَنِ، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ عنهُما أيْضًا.
وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى قَتْلِ الرَجُلِ بِالمَرْأةِ، والمَرْأةِ بِالرَجُلِ، والجُمْهُورُ لا يَرَوْنَ الرُجُوعَ بِشَيْءٍ، وفِرْقَةٌ تَرى الِاتِّباعَ بِفَضْلِ الدِياتِ.
قالَ مالِكٌ والشافِعِيُّ: وكَذَلِكَ القَصاصُ بَيْنَهُما فِيما دُونَ النَفْسِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا قَصاصَ بَيْنَهُما فِيما دُونَ النَفْسِ، وإنَّما هو في النَفْسِ بِالنَفْسِ.
وقالَ النَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والشَعْبِيُّ، والثَوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأبُو يُوسُفَ: يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: لا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ، ودَلِيلُهم إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يُقاوِمُ الحُرَّ فِيما دُونَ النَفْسِ، فالنَفْسُ مَقِيسَةٌ عَلى ذَلِكَ.
وأيْضًا فالإجْماعُ فِيمَن قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا القِيمَةُ، فَكَما لَمْ يُشْبِهُ الحُرُّ في الخَطَأِ، لَمْ يُشْبِهْهُ في العَمْدِ.
وأيْضًا فَإنَّ العَبْدَ سِلْعَةً مِنَ السِلَعِ يُباعُ ويُشْتَرى وإذا قَتَلَ الرَجُلُ ابْنَهُ فَإنْ قَصَدَ إلى قَتْلِهِ مِثْلَ أنْ يُضْجِعَهُ ويَذْبَحُهُ أو يُصَبِّرُهُ مِمّا لا عُذْرَ لَهُ فِيهِ، ولا شُبْهَةَ في ادِّعاءِ الخَطَأِ، فَإنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ قَوْلًا واحِدًا في مَذْهَبِ مالِكٍ.
وإنْ قَتَلَهُ عَلى حَدِّ ما يَرْمِي أو يَضْرِبُ فَيَقْتُلُهُ، فَفِيهِ في المَذْهَبِ قَوْلانِ: يَقْتُلُ بِهِ، ولا يَقْتُلُ وتُغَلَّظُ الدِيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ.
أحَدُها أنْ "مِن" يُرادُ بِها القاتِلُ، و"عُفِيَ" يَتَضَمَّنُ عافِيًا هو ولِيُّ الدَمِ، و"الأخُ" هو المَقْتُولُ.
ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ هو الوَلِيُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وهي أُخُوَّةُ الإسْلامِ، و"شَيْءٌ" هو الدَمُ الَّذِي يُعْفى عنهُ، ويُرْجَعُ إلى أخْذِ الدِيَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، والعَفْوُ في هَذا القَوْلِ عَلى بابِهِ.
والضَمِيرانِ راجِعانِ عَلى "مَن" في كُلِّ تَأْوِيلٍ.
والتَأْوِيلُ الثانِي -وَهُوَ قَوْلُ مالِكٍ - أنْ "مِن" يُرادُ بِها الوَلِيُّ، و"عُفِيَ" بِمَعْنى يُسِّرَ، لا عَلى بابِها في العَفْوِ، و"الأخُ" يُرادُ بِهِ القاتِلُ، و"شَيْءٌ" هي الدِيَةُ، والأُخُوَّةُ عَلى هَذا أُخُوَّةُ الإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأخِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ المَقْتُولِ، أيْ يُسِّرَ لَهُ مِن قِبَلِ أخِيهِ المَقْتُولِ وبِسَبَبِهِ، فَتَكُونُ الأُخُوَّةُ أُخُوَّةُ قَرابَةٍ وإسْلامٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ الوَلِيَّ إذا جَنَحَ إلى العَفْوِ عَلى أخْذِ الدِيَةِ، فَإنَّ القاتِلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَها أو يُسَلِّمَ نَفْسَهُ، فَمَرَّةً تَيَسَّرُ ومَرَّةً لا تَيَسَّرُ.
وغَيْرُ مالِكٍ يَقُولُ: إذا رَضِيَ الأولِياءُ بِالدِيَةِ فَلا خِيارَ لِلْقاتِلِ بَلْ تَلْزَمُهُ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا هَذا القَوْلُ عن مالِكٍ، ورَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِهِ.
والتَأْوِيلُ الثالِثُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ في المُعَيَّنِينَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ كُلُّها، وتَساقَطُوا الدِياتِ فِيما بَيْنَهم مُقاصَّةً، حَسَبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، فَمَعْنى الآيَةِ: فَمِن فَضَلَ لَهُ مِنَ الطائِفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى شَيْءٌ مِن تِلْكَ الدِياتِ.
ويَكُونُ "عُفِيَ" بِمَعْنى فَضْلٍ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَفا الشَيْءُ إذا كَثُرَ" أيْ أفْضَلَتِ الحالُ لَهُ أوِ الحِسابُ أوِ القَدَرُ.
والتَأْوِيلُ الرابِعُ هو عَلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في الفَضْلِ بَيْنَ دِيَةِ المَرْأةِ والرَجُلِ، والحُرِّ والعَبْدِ، أيْ مَن كانَ لَهُ ذَلِكَ الفَضْلُ، فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ.
و" عُفِيَ" في هَذا المَوْضِعِ أيْضًا بِمَعْنى أفْضَلُ، وكَأنَّ الآيَةَ مِن أوَّلِها بَيَّنَتِ الحُكْمَ، إذا لَمْ تَتَداخَلُ الأنْواعُ، ثُمَّ الحِكَمُ إذا تَداخَلَتْ، و"شَيْءٌ" في هَذِهِ الآيَةِ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وجازَ ذَلِكَ.
و"عُفِيَ" لا يَتَعَدّى الماضِي الَّذِي بُنِيَتْ مِنهُ مِن حَيْثُ يُقَدَّرُ "شَيْءٌ" تَقْدِيرَ المَصْدَرِ، كَأنَّ الكَلامَ: عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ عَفْوٌ، و"شَيْءٌ" اسْمٌ عامٌّ لِهَذا وغَيْرِهِ، أو مِن حَيْثُ تُقَدَّرُ "عُفِيَ" بِمَعْنى تَرَكَ، فَتَعْمَلُ عَمَلَها، والأوَّلُ أجْوَدُ، ولَهُ نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ﴾ قالَ الأخْفَشُ: التَقْدِيرُ لا تَضُرُّونَهُ ضُرًّا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي خِراشٍ: فَعادَيْتُ شَيْئًا والدَرِيسُ كَأنَّما يُزَعْزِعُهُ وِرْدٌ مِنَ المُومِ مُرْدَمُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتِّباعٌ ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فالواجِبُ والحُكْمُ اتِّباعٌ، وهَذا سَبِيلُ الواجِباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ وأمّا المَندُوبُ إلَيْهِ فَيَأْتِي مَنصُوبًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ ، وهَذِهِ الآيَةُ حَضٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى حُسْنِ الِاقْتِضاءِ مِنَ الطالِبِ، وحُسْنِ القَضاءِ مِنَ المُؤَدِّي، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "فاتِّباعًا" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ ، إشارَةٌ إلى ما شَرَعَهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أخْذِ الدِيَةِ، وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لا دِيَةَ عِنْدَهُمْ، إنَّما هو القَصاصُ فَقَطْ.
والِاعْتِداءُ المُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو أنْ يَأْخُذَ الرَجُلُ دِيَةَ ولَيِّهِ ثُمَّ يَقْتُلُ القاتِلَ بَعْدَ سُقُوطِ الدَمِ.
واخْتُلِفَ في العَذابِ الألِيمِ الَّذِي يَلْحَقُهُ؛ فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ: هو كَمَن قُتِلَ ابْتِداءً، إنْ شاءَ الوَلِيُّ قَتَلَهُ، وإنْ شاءَ عَفا عنهُ، وعَذابُهُ في الآخِرَةِ.
وقالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ: عَذابُهُ أنْ يُقْتَلَ البَتَّةَ، ولا يُمَكِّنُ الحاكِمُ الوَلِيَّ مِنَ العَفْوِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: نُقْسِمُ ألّا يُعْفى عن رَجُلٍ عَفا عَنِ الدَمِ، وأخَذَ الدِيَةَ ثُمَّ عَدا فَقَتَلَ» وقالَ الحَسَنُ: عَذابُهُ أنْ يَرُدَّ الدِيَةَ فَقَطْ، ويَبْقى إثْمُهُ إلى عَذابِ الآخِرَةِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أمَرَهُ إلى الإمامِ يَصْنَعُ فِيهِ ما رَأى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ﴾ نَحْوُهُ قَوْلُ العَرَبِ في مِثْلِ: "القَتْلُ أوقى لِلْقَتْلِ"، ويُرْوى: أبْقى "بِباءٍ وقافٍ"، ويُرْوى: أنْفى "بِنُونٍ وفاءٍ".
والمَعْنى أنَّ القَصاصَ إذا أُقِيمَ وتَحَقَّقَ الحُكْمُ بِهِ ازْدَجَرَ مَن يُرِيدُ قَتَلَ أحَدٍ مَخافَةَ أنْ يَقْتَصَّ مِنهُ فَحَيِيا بِذَلِكَ مَعًا.
وهَذا التَرْتِيبُ مِمّا سَبَقَ لَهُما في الأزَلِ.
وأيْضًا فَكانَتِ العَرَبُ -إذا قَتَلَ الرَجُلُ الآخَرَ- حَمِيَ قَبِيلاهُما وتَقاتَلُوا، وكانَ ذَلِكَ داعِيَةً إلى مَوْتِ العَدَدِ الكَثِيرِ، فَلَمّا شَرَعَ اللهُ القَصاصَ قَنِعَ الكُلُّ بِهِ، ووَقَفَ عِنْدَهُ، وتَرَكُوا الِاقْتِتالَ، فَلَهم في ذَلِكَ حَياةٌ.
وخُصَّ " أُولِي الألْبابِ " بِالذِكْرِ، تَنْبِيهًا عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُمُ العارِفُونَ القابِلُونَ لِلْأوامِرِ والنَواهِي، وغَيْرُهم تَبِعٌ لَهم.
و" تَتَّقُونَ " مَعْناهُ: القَتْلُ فَتَسْلَمُونَ مِنَ القَصاصِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ داعِيَةً لِأنْواعِ التَقْوى في غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُثِيبُ عَلى الطاعَةِ بِالطاعَةِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ أوسَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الرِبْعِيَّ: " ولَكم في القِصَصِ " أيْ في كِتابِ اللهِ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ القَصاصَ وحَكَمَهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَصاصِ، أيْ إنَّهُ قَصَّ أثَرَ القاتِلِ قِصَصًا، فَقُتِلَ كَما قَتَلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ الآيَةُ، كَأنَّ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، فَلِذَلِكَ سَقَطَتْ واوُ العَطْفِ، و"كُتِبَ" مَعْناهُ فُرِضَ وأُثْبِتَ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الوَصِيَّةُ فَرْضٌ.
وقالَ قَوْمٌ: كانَتْ فَرْضًا ونُسِخَتْ، وقالَ فَرِيقٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها.
و"كُتِبَ" عامِلٌ في رَفْعِ "الوَصِيَّةُ" عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ في بَعْضِ التَقْدِيراتِ وسَقَطَتْ عَلامَةُ التَأْنِيثِ مِن "كُتِبَ" لِطُولِ الكَلامِ فَحَسُنَ سُقُوطُها.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: "قامَ امْرَأةً"، ولَكِنَّ حَسَنُ ذَلِكَ إنَّما هو مَعَ طُولِ الحائِلِ.
وَلا يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ النُحاةِ أنْ تَعْمَلَ الوَصِيَّةُ في "إذا" لِأنَّها في حُكْمِ الصِلَةِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو "الوَصِيَّةُ"، وقَدْ تَقَدَّمَتْ فَلا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها مُتَقَدِّمَةً ويَتَّجِهَ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ "كُتِبَ" هو العامِلُ في "إذا"، والمَعْنى تُوَجَّهُ إيجابُ اللهِ عَلَيْكم ومُقْتَضى كِتابِهِ إذا حَضَرَ، فَعَبَّرَ عن تَوَجُّهِ الإيجابِ بِـ "كُتِبَ" لِيَنْتَظِمَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ مَكْتُوبٌ في الأزَلِ.
و"الوَصِيَّةُ" مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ بِـ "كُتِبَ".
وجَوابُ الشَرْطَيْنِ: "إذا" و"إنْ".
مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ ، كَما تَقُولُ: شَكَرْتُ فِعْلَكَ إنْ جِئْتِنِي إذا كانَ كَذا.
ويَتَّجِهُ في إعْرابِها أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الإيصاءَ، ويَكُونُ هَذا الإيصاءُ المُقَدَّرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الوَصِيَّةِ بَعْدُ هو العامِلُ في "إذا"، وتَرْتَفِعُ "الوَصِيَّةُ" بِالِابْتِداءِ، وفِيهِ جَوابُ الشَرْطَيْنِ عَلى نَحْوِ ما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: مِن يَفْعَلُ الصالِحاتِ اللهُ يَحْفَظُها ∗∗∗......................................
أو يَكُونُ رَفْعُها بِالِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَيْهِ الوَصِيَّةُ، أو بِتَقْدِيرِ الفاءِ فَقَطْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فالوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ.
ويَتَّجِهُ في إعْرابِها أنْ تَكُونَ "الوَصِيَّةُ" مُرْتَفِعَةً بِـ "كُتِبَ" عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وتَكُونُ "الوَصِيَّةُ" هي العامِلُ في "إذا"، وهَذا عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ، فَإنَّهُ يُجِيزُ أنْ يَتَقَدَّمَ ما في الصِلَةِ المَوْصُولُ بِشَرْطَيْنِ هُما في هَذِهِ الآيَةِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ لَيْسَ بِمَوْصُولٍ مَحْضٍ، بَلْ يُشْبِهُ المَوْصُولَ، وذَلِكَ كالألِفِ واللامِ حَيْثُ تُوصَلُ، أو كالمَصْدَرِ، وهَذا في الآيَةِ مَصْدَرٌ وهو "الوَصِيَّةُ"، والشَرْطُ الثانِي: أنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ ظَرْفًا، فَإنَّ في الظَرْفِ يَسْهُلُ الِاتِّساعُ، و"إذا" ظَرْفٌ، وهَذا هو رَأْيُ أبِي الحَسَنِ في قَوْلِ الشاعِرِ: تَقُولُ وصَكَّتْ وجْهَها بِيَمِينِها ∗∗∗ أبَعْلِي هَذا بِالرَحا المُتَقاعِسُ؟
فَإنَّهُ يَرى أنَّ "بِالرَحا" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "المُتَقاعِسُ" كَأنَّهُ قالَ: أبَعْلِي هَذا المُتَقاعِسُ بِالرَحا.
وجَوابُ الشَرْطَيْنِ في هَذا القَوْلِ كَما ذَكَرْناهُ في القَوْلِ الأوَّلِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا حَضَرَ ﴾ ، مَجازٌ، لِأنَّ المَعْنى، إذا تَخَوَّفَ وحَضَرَتْ عَلاماتُهُ.
والخَيْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ.
واخْتَلَفَ مُوجِبُو الوَصِيَّةِ في القَدْرِ الَّذِي تَجِبُ مِنهُ، فَقالَ الزُهْرِيُّ، وغَيْرُهُ: تَجِبُ فِيما قَلَّ وفِيما كَثُرَ، وقالَ النَخْعِيُّ: تَجِبُ في خَمْسِمائَةِ دِرْهَمٍ فَصاعِدًا، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَتادَةُ: في ألِفٍ فَصاعِدًا.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ فَرِيقٌ: مُحْكَمَةٌ، ظاهِرُها العُمُومُ، ومَعْناها الخُصُوصُ في الوالِدَيْنِ اللَذَيْنِ لا يَرِثانِ، كالكافِرَيْنِ والعَبْدَيْنِ، وفي القَرابَةِ غَيْرِ الوارِثَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: الآيَةُ عامَّةٌ، وتُقَرِّرُ الحُكْمَ بِها بُرْهَةً، ونُسِخَ مِنها كُلُّ مَن يَرِثُ بِآيَةِ الفَرائِضِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ يَدْخُلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحُسْنِ وغَيْرِهِما: أنَّهُ نَسَخَ مِنها الوالِدانِ وثَبَتَ الأقْرَبُونَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ.
وبَيَّنَ أنَّ آيَةَ الفَرائِضِ في سُورَةِ النِساءِ ناسِخَةٌ لِهَذِهِ؛ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ: «إنَّ اللهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ».
وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ زَيْدٍ: الآيَةُ كُلُّها مَنسُوخَةٌ، وبَقِيَتِ الوَصِيَّةُ نَدْبًا، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ، وغَيْرُهُ: لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ ثابِتٍ لِلرَّبِيعِ بْنِ خَثِيمٍ: أوصِ لِي بِمُصْحَفِكَ، فَنَظَرَ الرَبِيعُ إلى ولَدِهِ وقَرَأ: ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ ﴾ ونَحْوُ هَذا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الناسِخَ لِهَذِهِ الآيَةِ هي السُنَّةُ المُتَواتِرَةُ في الحَدِيثِ المَذْكُورُ قَبْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ نَسْخِ السُنَّةِ لِلْكِتابِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: الوَصِيَّةُ لِلْقَرابَةِ أولى، فَإنْ كانَتْ لِأجْنَبِيٍّ فَمَعَهُمْ، ولا تَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ تَرْكِهِمْ، وقالَ الناسُ حِينَ ماتَ أبُو العالِيَةِ: عَجَبًا لَهُ، أعْتَقَتْهُ امْرَأةٌ مِن رِياحٍ، وأوصى بِمالِهِ لِبَنِي هاشِمٍ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ ولا كَرامَةً.
وقالَ طاوُسُ: إذا أوصى لِغَيْرِ قَرابَتِهِ رُدَّتِ الوَصِيَّةُ إلى قَرابَتِهِ، ونُقِضَ فِعْلُهُ.
وقالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقالَ الحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ أيْضًا، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ يَعْلى: يَبْقى ثُلْثُ الوَصِيَّةِ حَيْثُ جَعَلَها، ويَرُدُّ ثُلُثاها إلى قَرابَتِهِ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الوَصِيَّةُ ماضِيَةٌ حَيْثُ جَعَلَها المَيِّتُ.
و" الأقْرَبُونَ ": جَمْعُ أقْرَبِ.
و" بِالمَعْرُوفِ " مَعْناهُ: بِالقَصْدِ الَّذِي تَعْرِفُهُ النُفُوسُ دُونَ إضْرارٍ بِالوَرَثَةِ ولا تَبْذِيرَ لِلْوَصِيَّةِ.
و"حَقًّا" مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، وخُصَّ المُتَّقُونَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلرُّتْبَةِ لِيَتَبادَرَ الناسُ إلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
تذييل لهاته الأحكام الكبرى طمأن به نفوس الفريقين أولياءَ الدم والقاتلين في قبول أحكام القصاص فبين أن في القصاص حياة، والتنكير في ﴿ حياة ﴾ للتعظيم بقرينة المقام، أي في القصاص حياة لكم أي لنفوسكم؛ فإن فيه ارتداع الناس عن قتل النفوس، فلو أهمل حكم القصاص لما ارتدع الناس؛ لأن أشدَّ ما تتوقاه نفوس البشر من الحوادث هو الموت، فلو علم القاتل أنه يَسلم من الموت لأقدم على القتل مستخفاً بالعقوبات كما قال سعد بن ناشب لما أصاب دَماً وهرب فعاقبه أمير البصرة بهدم داره بها: سَأَغْسِلُ عني العار بالسيف جالبا *** عليَّ قضاءُ الله ما كان جالبا وأَذْهَل عَن داري وأَجْعَلُ هَدْمَها *** لِعِرْضِيَ من باقي المذمَّة حاجبا ويَصْغُر في عينِي تلادي إذا انْثَنَتْ *** يَميني بإدراككِ الذي كنتُ طالبا ولو ترك الأمر للأخذ بالثأر كما كان عليه في الجاهلية لأفرطوا في القتل وتسلسل الأمر كما تقدم، فكان في مشروعية القصاص حياة عظيمة من الجانبين، وليس الترغيب في أخذ مال الصلح والعفو بناقض لحكمة القصاص؛ لأن الازدجار يحصل بتخيير الولي في قبول الدية فلا يطمئن مضمر القتل إلى عفو الولي إلاّ نادراً وكفى بهذا في الازدجار.
وفي قوله تعالى: ﴿ يا أولي الألباب ﴾ تنبيه بحرف النداء على التأمل في حكمة القصاص ولذلك جيء في التعريف بطريق الإضافة الدالة على أنهم من أهل العقول الكاملة؛ لأن حكمة القصاص لا يدركها إلاّ أهل النظر الصحيح؛ إذ هو في بادئ الرأي كأنه عقوبة بمثل الجناية؛ لأن في القصاص رزية ثانية لكنه عند التأمل هو حياة لا رزية للوجهين المتقدمَيْن.
وقال: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ إكمالاً للعلة أي تقريباً لأن تتقوا فلا تتجاوزوا في أخذ الثأر حدَّ العدل والإنصاف.
ولعل للرجاء وهي هنا تمثيل أو استعارة تبعية كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم إلى قوله لعلكم تتقون ﴾ [البقرة: 21] في أول السورة.
وقوله: ﴿ في القصاص حياة ﴾ من جوامع الكلم فاق ما كان سائراً مسرى المثل عند العرب وهو قولهم (القتل أَنْفَى لِلْقَتْل) وقد بينه السكاكي في «مفتاح العلوم» و«ذيله» من جاء بعده من علماء المعاني، ونزيد عليهم: أن لفظ القصاص قد دل على إبطال التكايل بالدماء وعلى إبطال قتل واحد من قبيلة القاتل إذا لم يظفروا بالقاتل وهذا لا تفيده كلمتهم الجامعة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ: يا بِنْتَ عَمِّي كِتابُ اللَّهِ أخْرَجَنِي عَنْكم فَهَلْ أمْنَعَنَّ اللَّهَ ما فَعَلا وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا ∗∗∗ وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ والقِصاصُ: مُقابَلَةُ الفِعْلِ بِمِثْلِهِ مَأْخُوذٌ مِن قَصِّ الأثَرِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى ﴾ فاخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في ذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ كانُوا أعِزَّةً أقْوِياءَ لا يَقْتُلُونَ بِالعَبْدِ مِنهم إلّا سَيِّدًا وبِالمَرْأةِ مِنهم إلّا رَجُلًا، اسْتِطالَةً بِالقُوَّةِ وإدْلالًا بِالعِزَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في فَرِيقَيْنِ كانَ بَيْنَهُما عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ قِتالٌ، فَقُتِلَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَماعَةٌ مِن رِجالٍ ونِساءٍ وعَبِيدٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ دِيَةَ الرَّجُلِ قِصاصًا بِدِيَةِ الرَّجُلِ، ودِيَةَ المَرْأةِ قِصاصًا بِدِيَةِ المَرْأةِ، ودِيَةَ العَبْدِ قِصاصًا بِدِيَةِ العَبْدِ ثُمَّ أصْلَحَ بَيْنَهم.
وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وأبِي مالِكٍ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِمُقاصَّةِ دِيَةِ القاتِلِ المُقْتَصِّ مِنهُ بِدِيَةِ المَقْتُولِ المُقْتَصِّ لَهُ واسْتِيفاءُ الفاضِلِ بَعْدَ المُقاصَّةِ، وهَذا قَوْلُ عَلَيٍّ كانَ يَقُولُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أيُّما حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ مَوالِي العَبْدِ أنْ يَقْتُلُوا الحُرَّ قَتَلُوهُ وقاصُّوهم بِثَمَنِ العَبْدِ مِن دِيَةِ الحُرِّ وأدَّوْا إلى أوْلِياءِ الحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ، وأيُّما عَبْدٍ قَتَلَ حُرًّا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الحُرِّ قَتَلُوا العَبْدَ وقاصُّوهم بِثَمَنِ العَبْدِ وأخَذُوا بَقِيَّةَ دِيَةِ الحُرِّ، وأيُّما رَجُلٍ قَتَلَ امْرَأةً فَهو بِها قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ المَرْأةِ قَتَلُوهُ، وأدَّوْا بَقِيَّةَ الدِّيَةِ إلى أوْلِياءِ الرَّجُلِ، وأيُّما امْرَأةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا فَهي بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الرَّجُلِ قَتَلُوها وأخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ.
والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ أنْ يُقْتَلَ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ، والمَرْأةُ بِالمَرْأةِ والعَبْدُ بِالعَبْدِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَمَن عُفِيَ لَهُ عَنِ القِصاصِ مِنهُ فاتِّباعٌ بِمَعْرُوفٍ وهو أنْ يَطْلُبَ الوَلِيُّ الدِّيَةَ بِمَعْرُوفٍ ويُؤَدِّيَ القاتِلُ الدِّيَةَ بِإحْسانٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ بِمَعْنى فَمَن فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ وهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في فَرِيقَيْنِ كانا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ قُتِلَ مِن كِلا الفَرِيقَيْنِ قَتْلى فَتَقاصّا دِياتِ القَتْلى بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَمَن بَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ فَلْيُتْبِعْها بِمَعْرُوفٍ، ولْيَرُدَّ مَن عَلَيْهِ الفاضِلُ بِإحْسانٍ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ أيْ فَضَلَ لَهُ قِبَلَ أخِيهِ القاتِلِ شَيْءٌ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) في أوَّلِ الآيَةِ؟
في القِصاصِ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ والحُرِّ والعَبْدِ وأداءِ ما بَيْنَهُما مِن فاضِلِ الدِّيَةِ.
ثُمَّ في الِاتِّباعِ بِالمَعْرُوفِ والأداءِ إلَيْهِ بِإحْسانٍ وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ الِاتِّباعَ بِالمَعْرُوفِ عائِدٌ إلى ولِيِّ المَقْتُولِ أنْ يُطالِبَ بِالدِّيَةِ بِمَعْرُوفٍ، والأداءَ عائِدٌ إلى القاتِلِ أنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ بِإحْسانٍ.
والثّانِي: أنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى القاتِلِ أنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ بِمَعْرُوفٍ وبِإحْسانٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ ﴾ يَعْنِي خِيارَ الوَلِيِّ في القَوَدِ أوِ الدِّيَةِ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ أهْلُ التَّوْراةِ يَقُولُونَ: إنَّما هو قِصاصٌ أوْ عَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُما أرْشٌ، وكانَ أهْلُ الإنْجِيلِ يَقُولُونَ: إنَّما هو أرْشٌ أوْ عَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُما قَوَدٌ، فَجُعِلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ القَوَدُ والعَفْوُ والدِّيَةُ إنْ شاءُوا، أحَلَّها لَهم ولَمْ تَكُنْ لِأُمَّةٍ قَبْلَهُمْ، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ يَعْنِي مَن قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يُقْتَلَ قِصاصًا، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ.
والثّانِي: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يَقْتُلَهُ الإمامُ حَتْمًا لا عَفْوَ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ كانَ يَقُولُ: « (لا أُعافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ)» .
والثّالِثُ: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو عُقُوبَةُ السُّلْطانِ.
والرّابِعُ: أنَّ العَذابَ الألِيمَ اسْتِرْجاعُ الدِّيَةِ مِنهُ، ولا قَوَدَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا ذَكَرَهُ الظّالِمُ المُعْتَدِي، كَفَّ عَنِ القَتْلِ فَحَيِيَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّ إيجابَ القِصاصِ عَلى القاتِلِ وتَرْكَ التَّعَدِّي إلى مَن لَيْسَ بِقاتِلٍ حَياةٌ لِلنُّفُوسِ، لِأنَّ القاتِلَ إذا عَلِمَ أنَّ نَفْسَهُ تُؤْخَذُ بِنَفْسِ مَن قَتَلَهُ كَفَّ عَنِ القَتْلِ فَحَيِيَ أنْ يُقْتَلَ قَوَدًا، أوْ حَيِيَ المَقْتُولُ أنْ يُقْتَلَ ظُلْمًا.
وَفي المَعْنَيَيْنِ تَقارُبٌ، والثّانِي أعَمُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ يَعْنِي يا ذَوِي العُقُولِ، لِأنَّ الحَياةَ في القِصاصِ مَعْقُولَةٌ بِالِاعْتِبارِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكَ تَتَّقِي أنْ تَقْتُلَهُ فَتُقْتَلَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ يعني نكالاً وعظة إذا ذكره الظالم المعتدي كف عن القتل.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لأولي الألباب، وفيه عظة لأهل الجهل والسفه، كم من رجل قد هم بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها، ولكن الله حجز عباده بها بعضهم عن بعض، وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة، وما نهى الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد، والله أعلم بالذي يصلح خلقه.
وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ في القصاص حياة ﴾ قال: بقاء لا يقتل القاتل إلا بجناية.
وأخرج سفيان بن عيينة عن مجاهد في قوله: ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ قال: يناهي بعضهم عن بعض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ﴾ يعني من كان له لب أو عقل يذكر القصاص فيحجزه خوف القصاص عن القتل ﴿ لعلكم تتقون ﴾ لكي تتقوا الدماء مخافة القصاص.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء.
أنه قرأ ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ قال: قصص القرآن.
وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن أبي العالية ﴿ فمن اعتدى ﴾ قتل بعد أخذه الدية ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ﴾ يقول: حين أعطيتم الدية ولم تحل لأهل التوراة إنما هو قصاص أو عفو، وكان أهل الإِنجيل إنما هو عفو وليس غيره، فجعل الله لهذه الأمة القود والدية والعفو ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ يقول: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل فيمنعه منه مخافة أن يقتل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ قال عُظْمُ أهل التأويل (١) أبلغ أبا مالك عنى مُغَلغَلةً ...
وفي العتاب حياة بين أقوام (٢) يريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتابُ، وكَفُّوا عن القتل، فكان (٣) (٤) وقال السدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة، فلما قصروا على الواحد كان في ذلك حياة (٥) وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ فرح، وأراد: أن ولي الدم إذا استوفى القصاص تشفّى بذلك وطابت نفسه، فالتذ بالحياة، ولولا القصاص لتنغص بعيشه، فكأن حياته موتًا.
وقد يبلغ بالإنسان القصور عن إدراك الثأر إلى أن يتمنى الموت، سيما العرب، فإنهم أشد الأمم حفاظًا، وأحرصهم على إدراك الثأر، والأخذ بالطوائل، وكل عيشٍ يراد الموتُ فيه موت، فإذا زال سبب تمني الموت بالقصاص كان فيه حياة.
ويجوز أن يكون المعنى في هذا ما تذهب إليه العرب من أن قتل القاتل إحياء للمقتول، يقولون: أحيا فلان أباه، إذا قتل قاتله، ومنه: أحيا أباه هاشمُ بنُ حَرمَله (٦) يعني: قتل قاتله، فسماه إحياءً، فعلى هذا في القصاص حياة للمقتول على معنى: أن المراد بالحياة قتل قاتله.
وقوله تعالى: ﴿ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ أولوا: واحدها ذو، وهو من الجموع التي لا يفرد واحدها من لفظه، كالنفر (٧) (٨) ﴿ الأَلْبَابِ ﴾ جمع لُبٍّ، ولُبُّ الشيء: خالصُه، وهو الذي يَتَركَّبُ عليه القِشْر، وكذلك اللُّبَاب، يُقال: لبابُ القَمح والفستق، ولُبّ اللَّوز (٩) .....
أفضى بها لَبَبُ (١٠) وقال ابن المظفر: اللَّبَابَةُ: مصدر اللَّبيب (١١) وغيرُه: لَبَّ يَلَبُّ: إذا عَقَل، ومنه قول صفية (١٢) (١٣) (١٤) وقرأتُ على سعيد بن محمد، قال: قرأت على أبي علي الفارسي، قال: قرأت على أبي إسحاق الزجاج، قال: قرأت على المبرد، عن يونس: لَبِبْتُ لبابًا، وليس في المضاعف حرف على فَعُلت غير هذا، ولم يروه أحدٌ غير يونس (١٥) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي: الدماء مخافة القصاص (١٦) (١) ينظر في بيان كون القصاص حياة: "تفسير الطبري" 2/ 114، 115، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 297، "تفسير الثعلبي" 2/ 191، "تفسير البغوي" 1/ 191، "المحرر الوجيز" 2/ 91، "التفسير الكبير" 1/ 56، "تفسير القرطبي" 2/ 237 - 238، "البحر المحيط" 2/ 15.
(٢) البيت لهمام الرقاشي في "مقاييس اللغة" 4/ 377، ولعصام بن عبيد الزماني في "تاج العروس"، وبلا نسبة في "لسان العرب" 6/ 3289 (غلل).
(٣) في (ش): (فكفوا عن القتل وكان).
(٤) ينظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 66/ 67، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 159، ويروى المثل بلفظ: القتل أنفى للقتل، وأوفى للقتل، وأكف للقتل.
ينظر: "الصناعتين" لأبي هلال العسكري ص 181، "تفسير الثعلبي" 2/ 191، "التفسير الكبير" 5/ 56، "الدر المصون" 2/ 357، وعزاه ابن كثير 1/ 223 - 224 لبعض الكتب المتقدمة.
(٥) رواه بمعناه الطبري في "تفسيره" 2/ 115، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 268، والرازي في "تفسيره" 5/ 56.
(٦) تمامه: إذ الملوكُ حوله مُرَعبله.
البيت لعامر الخصفي، ذكره في "الاشتقاق" لابن دريد ص 295، "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 112، 113، "الإصابة" 3/ 616 وفيه قصة هذا البيت.
(٧) في (م): (كالنفس).
(٨) ينظر: "القاموس" ص 133.
(٩) في (م): (الموز).
(١٠) تمام البيت هكذا: براقةُ الجِيد واللبات واضحة ...
كأنها ظبية أفضى بها لبب ينظر: "ديوانه" ص 59.
(١١) في (أ): (اللبب).
(١٢) هي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشية الهاشمية، عمة رسول الله ، أم الزبير بن العوام شقيقة حمزة، صحابية، توفيت سنة 20 هـ- في خلافة عمر.
ينظر: "أسد الغابة" 7/ 172 - 174، "الأعلام" 3/ 206.
(١٣) هو: الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله، أمه صفية بنت عبد المطلب، هو أول من سل سيفًا في سبيل الله، ما تخلف عن غزوة غزاها الرسول ، أحد المبشرين بالجنة، قتل سنة 36 هـ.
ينظر: "الاستيعاب" 2/ 89، "أسد الغابة" 2/ 249 - 252.
(١٤) الخبر في "اللسان" 7/ 3979 "لبب"، وفيه فقالت: ليَلَبَّ، ويقود الجيش ذا الجلب، أي: يصير ذا لُب، ورواه بعضهم: أضربه لكي يلَبَّ، ويقود الجيش ذا اللجب، قال ابن الأثير: هذه لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون: يلِبّ، بوزن فَرَّ يَفِرُّ.
(١٥) ينظر في معاني اللبيب: "تهذيب اللغة" 4/ 3224 - 3226، "المفردات" ص 449، " اللسان" 7/ 3979 (لبب).
(١٦) "تفسير الطبري" 2/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 192.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ﴾ أي شُرع لكم، وليس بمعنى فرض، لأن ولي المقتول مخيّر بين القصاص والدية والعفو، وقيل: بمعنى فرض أي: فرض على القاتل الانقياد للقصاص، وعلى ولي المقتول أن لا يتعداه إلى غيره؛ كفعل الجهلة.
وعلى الحاكم التمكين من القصاص ﴿ الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ ظاهرة اعتبار التساوي بين القاتل والمقتول في الحرية والذكورية، ولا يقتل حر بعبد، ولا ذكر بأنثى إلاّ أن العلماء أجمعوا على قتل الذكر بالأنثى، وزاد قوم: أن يُعطى أولياؤها حينئذٍ نصف الدية لأولياء الرجل المقتص منه؛ خلافاً لمالك وللشافعي وأبو حنيفة، وأما قتل الحرّ بالعبد فهو مذهب أبي حنيفة خلافاً لمالك والشافعي، فعلى هذا لم يأخذ أبو حنيفة بشيء من ظاهر الآية؛ لا في الذكورية ولا في الحرية لأنها عنده منسوخة، وأخذ مالك بظاهرها في الحرية كما في الذكورية، وتأويلها عنده: أن قوله: الحر بالحر والعبد بالعبد عموم يدخل فيه: الذكر بالذكر، والنثى بالأنثى والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، ثم تكرر قوله: والأنثى بالأنثى، تأكيد للتجديد، لأن بعض العرب إذا قتل منهم أنثى قتلوا بها ذكراً تكبراً وعدواناً، وقد يتوجَّه قول مالك على نسخ جميعها، ثم يكون عدم قتل الحرّ بالعبد من السنة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل حرّ بعبد» والناسخ لها على القول بالنسخ: عموم قوله: ﴿ النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 45] على أن هذا ضعيف، لأنه إخبار عن حكم بني إسرائيل ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ﴾ الآية: فيها تأويلان: أحدهما: أن المعنى من قتل فعفي عنه فعليه اتباع المعروف، وعلى القاتل أداء بإحسان، فعلى هذا: من كناية عن أولياء المقتول، وأخيه هو القاتل أو عاقلته، وعُفي بمعنى يُسرّ: كقوله: خذ العفو أي ما تيسر، ولا إشكال في تعدّي عفى باللام على هذا المعنى ﴿ ذلك تَخْفِيفٌ ﴾ إشارة إلى جواز أخذ الدية، لأن بني إسرائيل لم يكن عندهم دية.
وإنما هو القصاص ﴿ فَمَنِ اعتدى ﴾ أي قتل قاتل وليه بعد أن أخذ منه الدية ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ القصاص منه وقيل: عذاب الآخرة ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص ﴾ بمعنى قولهم: القتل أنفى للقتل؛ أي أن القصاص يردع الناس عن القتل، وقيل: المعنى أن القصاص أقل قتلاً، لأنه قتل واحد بواحد بخلاف ما كان في الجاهلية من اقتتال قبيلتي القاتل والمقتول، حتى يقتل بسبب ذلك جماعة.
<div class="verse-tafsir"
الوقوف: ﴿ في القتلى ﴾ ط ﴿ بالأنثى ﴾ ط لأن العفو إعطاء الدية صلحاً فكان خارجاً عن أصل موجب القتل مستأنفاً ﴿ بإحسان ﴾ ط ﴿ رحمة ﴾ ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه فكان مستأنفاً ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تتقون ﴾ ه.
التفسير: هذا حكم آخر، وسببه أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى يوجبون العفو فقط.
فأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل وأخرى يوجبون الدية، لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من الحكمين.
فإذا وقع القتل بين قبيلتين كان يقول الشريف للخسيس لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن رجلاً قتل رجلاً من الأشراف ثم اجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول فقالوا: ماذا تريد؟
قال: إحدى ثلاث.
قالوا: وما هي؟
قال: تحيون ولدي، أو تملؤن داري من نجوم السماء، أو تدفعون إليّ جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً.
وكانوا يجعلون دية الشريف أضعاف دية الخسيس فبعث الله محمداً بالعدل وسوّى بين عباده في القصاص.
وقيل: نزلت في واقعة قتل حمزة.
ومعنى كتب فرض وأوجب كقوله ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ ولفظة "على" أيضاً تفيد الوجوب كقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ والقصاص أن تفعل بالإنسان مثل ما فعل من قولك "اقتص فلان أثر فلان" إذا فعل مثل فعله.
ومنه القصة لأن الحكاية تساوي المحكي والمقص لتعادل جانبيه.
وقوله ﴿ في القتلى ﴾ أي بسبب قتل القتلى كقوله "في النفس المؤمنة مائة إبل" أي بسببها.
فظاهر الآية يدل على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب جميع القتلى إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج عن هذا العموم.
وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضاً في صور كما إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده، والمسلم حربياً أو معاهداً، أو مسلم مسلماً خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه.
فإن قيل: لو جب القصاص لوجب إما على القاتل وليس عليه أن يقتل نفسه بل يحرم عليه ذلك، وإما على ولي الدم وهو مخير بين الفعل والترك، بل هو مندوب إلى الترك.
﴿ والعافين عن الناس ﴾ وإما على أجنبي وليس ذلك بالاتفاق.
وأيضاً القصاص عبارة عن التسوية، ووجوب رعاية المساواة على تقدير القتل لا يوجب نفس القتل.
قلنا عن الأول إن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجري مجرى الإمام، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود وهو من جملة المؤمنين فالتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أرادوا لي الدم أستيفاء.
ويحتمل أن يكون خطاباً مع القاتل لأنه كتب عليه تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص.
وذلك أن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر، بل للزاني والسارق الهرب من الحدود، ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله فلا يعترفا، فكان أمر القتل أشنع، وفيه حق الآدمي أكثر.
وعن الثاني أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل، والتسوية في القتل صفة للقتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات.
فالآية تفيد إيجاب القتل.
ثم اختلفوا في كيفية المماثلة التي تجب رعايتها فقال الشافعي: إن كان قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل، فإن مات عنه في تلك المرة وإلا حزت رقبته.
وكذلك إن أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته.
روي أنه قال: "من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه" ورضخ يهودي رأس جارية بالحجارة فأمر رسول الله بأن يفعل به مثله.
ولأنه لا يجوز أن يقال: كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، وحيث لم يستثن دخل.
وأيضاً الحكم بالعموم يوجب التخصيص في بعض الصور كما لو قتله بالسحر فلا يقتل السحر لأنه محرم بل بالسيف.
وكما لو قتل صغيراً باللواط فإنه يقتل بالسيف على الأصح.
ولو لم يحكم بالعموم لزم الإجمال، والتخصيص أهون منه.
وأيضاً لو لم تفد الآية إلا إيجاب التسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور، فلا يستفاد من الآية شيء ألبتة.
وقال أبو حنيفة: المراد بالمماثلة تماثل النفس ويتعين السيف لقوله : "لا قود إلا بالسيف" واتفقوا على أن القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة له من الله.
أما إذا تاب فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة للدلائل الدالة على قبول التوبة ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ فما الحكمة في وجوب قتله؟
أجاب أصحابنا بأنه يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل.
وقالت المعتزلة: إنما شرع ليكون لطفاً.
وكيف يتصور هذا اللطف ولا تكليف بعد القتل؟
قالوا: فيه منفعة للقاتل من حيث إنه إذا علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعياً له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد، ومنفعة لولي المقتول من حيث التشفي، ومنفعة لسائر المكلفين من حيث الانزجار عن القتل.
قوله عز من قائل ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ الباء للبدل نحو "بعت هذا بذاك" أي الحر مقتول بدل الحر.
ثم فيه قولان: الأول ويروى عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة، أن لا يكون القصاص مشروعاً إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين، لأن الألف واللام تفيد العموم أي كل حر يقتل بحر.
فلو كان قتل حر بعبد مشروعاً لكان ذلك الحر مقتولاً بعير حر وهو يناقض الآية.
ولأن هذا القول خرج مخرج البيان لقوله ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال للتسوية فلا يكون مشروعاً وهو يناقض الآية، وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وقالا: لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه أولى، وكذا القول في قتل الأنثى بالذكر.
وأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع، وكأن سنده أن الذكورة والأنوثة فضيلتان كالعلم والجهل والشرف والخسة، فكما أنه لم يفرق بين العالم والجاهل فكذلك بين الذكر والأنثى، ويروى عن عمرو بن حزم أن النبي كتب إلى أهل اليمن "أن الذكر يقتل الأنثى" .
القول الثاني ويروى عن سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والنوري وهذا مذهب أبي حنيفة، أن الحر بالحر لا يفيد الحصر ألبتة بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على حال سائر الأقسام.
لأن قوله ﴿ والأنثى بالأنثى ﴾ يقتضي قصاص الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد ﴾ مانعاً من ذلك تناقض.
وأيضاً قوله ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ جملة مستقلة وقوله ﴿ الحر بالحر ﴾ تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر، فلا يمنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات.
ويؤيد ما ذكرنا قوله ﴿ النفس بالنفس ﴾ وقوله "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقد يقتل الجماعة بواحد فدل على أن التفاضل غير معتبر في الأنفس ثم إنهم قالوا: الفائدة في تخصيص هذه الجزئيات بالذكر ما ذكرنا في سبب النزول أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل فمنعوا عن ذلك.
وأيضاً نقل عن علي والحسن البصري أن الغرض أن هذه الصورة هي التي يكتفى فيها بالقصاص.
أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعاً بين الحر والعبد وبين الذكر والأنثى فهناك لا يكتفي بالقصاص، بل لا بد من التراجع.
فأيما حر قتل عبداً فقود به، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا قيمة العبد من دية الحر ويؤدوا إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن قتل عبد حراً فهو به فإن شاء أولياء الحر قتلوا وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن شاءوا أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد.
وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا بعد ذلك نصف ديته إلى أوليائه، وإن شاءوا تركوا قتله وأخذوا ديتها.
وإذا قتلت امرأة رجلاً فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاءوا تركوها وأخذوا كل الدية، فعلى هذا الغرض من الآية أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين، فأما عند اختلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع.
قوله ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء ﴾ المعنى فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو كقولك "سير بزيد بعض السير وطائفة من السير" ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به لأن عفا لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة.
فإن قيل: إن "عفا" يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله ﴿ فمن عفى له ﴾ فالجواب أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه.
قال ﴿ عفا الله عنك ﴾ فإذا تعدى إلى الذنب وإلى الجاني معاً قيل "عفوت لفلان عما جنى" كما تقول "غفرت له ذنبه" وتجاوزت له عنه.
فمعنى الآية فمن عفى له عن جنابته.
فاستغنى عن ذكر الجناية.
فإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب إلا الدية.
وأخوه هو ولي المقتول وإنما قيل له أخوه لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به كما تقول للرجل "قل لصاحبك كذا" إذا كان بينهما أدنى تعلق.
أو ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام.
وقد يستدل بهذا على أن الفاسق مؤمن لأنه أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، ولا شك أن هذه الأخوة بسبب الدين ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ مع أن قتل العمد العدوان بالإجماع من الكبائر.
وأيضاً إنه ندب إلى العفو عن القاتل، والعفو إنما يليق عن المؤمن.
ويحتمل أن يجاب بأن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً فلعله سماه مؤمناً بهذا التأويل، وبأن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً.
ثم إنه أدخل غير التائب فيه على سبيل التغليب.
وأيضاً لعل الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً.
ولا شك أن المؤمنين أخوة قبل الإقدام على القتل.
وأيضاً الظاهر أن الفاسق يتوب، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له.
وأيضاً يجوز أن يكون قد جعله أخاً له في النسب كقوله ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾ أي فليكن اتباع، أو فالأمر، أو فحكمه اتباع.
أو فعلية اتباع فقيل: على العافي اتباع بالمعروف بأن يشدد في المطالبة بل يجري فيها على العادة المألوفة، فإن كان معسراً فالنظرة وإن كان واجداً لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجداً بغير المال الواجب فالإمهال إلى أن يستدل وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات ﴿ و ﴾ إلى المعفو عنه ﴿ أداء إليه بإحسان ﴾ بأن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل من غير مطل وبخس، هذا قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد.
وقيل: هما على المعفو عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان ﴿ ذلك ﴾ قيل: إشارة إلى الاتباع والأداء.
وعن ابن عباس: وهو الأقرب إنه إشارة إلى الحكم بسرع القصاص والدية والعفو، فإن هذه الأمة خيرت بينهن توسعة وتيسيراً، ولم يكن لليهود إلا القصاص وللنصارى إلا العفو وإثبات الخيرة فضل من الله ورحمة في حقنا، لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتجاً إلى المال، وقد يكون القود آثر عنده إذا كان راغباً في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه.
وقد يؤثر ثواب الآخرة فيعفو عن القصاص وعن بدله جميعاً وهو الدية.
﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل مع قتل القاتل أو دونه أو قتل بعد أخذ الدية والعفو فقد كان لولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية ثم يظفر به فيقتله ﴿ فله عذاب أليم ﴾ نوع من العذاب الأليم في الآخرة.
وعن قتادة: العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل من الدية كما روي أنه قال "لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية" وهو مذهب الحسن وسعيد بن جبير وضعفه غيرهم.
ولما كانت الآية مشتملة على إيلام العبد الضعيف وأنه لا يليق بكمال رحمته عقبها بقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ .
قال المفسرون: القصاص إزالة الحياة، وإزالة الشيء لا تكون نفس ذلك الشيء فالمراد لكم في شرع القصاص حياة وأيّ حياة.
وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل.
وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة، ويحتمل أن يقال: نفس القصاص سبب لنوع من الحياة وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل، لأن القاتل إذا قيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل ولم يقتل فكان القصاص سبب حياة نفسين.
وقرأ أبو الجوزاء ﴿ ولكم في القصص حياة ﴾ أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص.
وقيل: القصص القرآن أي لكم في القرآن حياة للقلوب.
وهذا وقد اتفق علماء البيان على أن قوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ بلغ في الإيجاز نهاية الإعجاز، وذلك أن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة كقولهم "قتل البعض أحياء للجميع" وأكبروا القتل وأوجز ذلك قولهم "القتل أنفى للقتل".
والترجيح مع ذلك للآية من وجوه: الأول أن قولهم لا يصح على العموم لأن القتل ظلماً ليس أنفى للقتل قصاصاً بل أدعى له.
ولو خصص فقيل "القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً" طال.
والآية تفيد هذا المعنى من غير تقدير وتكلف.
الثاني: أن القتل قصاصاً لا ينفي القتل ظلماً من حيث إنه قتل بل من حيث إنه قصاص.
وهذه الحيثية معتبرة في الآية لا في كلامهم.
الثالث: أن الحياة هي الغرض الأصلي ونفي القتل إنما يراد لحصول الحياة.
فالتنصيص على المقصود الأصلي أولى.
الرابع: التكرار من غير ضرورة مستهجن وأنه في كلامهم لا في الآية.
الخامس: أن الحروف الملفوظة التي يعتمد عليها في اعتبار الوجازة لا المكتوبة هي في الآية عشرة، وفي كلامهم أربعة عشر.
السادس: أن الأغلب في كلامهم أسباب خفاف وذلك مما يخل بسلاسة التركيب، والآية مع غاية وجازتها فيها السبب والوتد والفاصلة.
السابع: ظاهر قولهم يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال، وفي الآية جعل نوع من القتل وهو القصاص سبباً لنوع من الحياة ولا استبعاد فيه لظهور التغاير.
الثامن: المطابقة مرعية في الآية لمكان التضاد بين لفظي القصاص وحياة بخلاف كلامهم.
التاسع: اشتمال الآية على لفظ يصلح للتفاؤل وهو الحياة، بخلاف كلامهم فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان وأنه لكما يليق بهم.
العاشر: اشتمال الآية على اسمين وأداة، واشتمال كلامهم على ثلاثة أسماء وأداة.
وإن اعتبرت أداة التعريف ففي الآية واحدة وفي كلامهم ثنتان، وإن اعتبر التنوين في الآية تقاصت الأدوات وتبقى زيادة الأسماء بحالها، على أن أفعل التفضيل إذا لم يكن فيه اللام والإضافة يستعمل بمن.
فتقدير كلامهم "القتل أنفى للقتل من كل شيء" فأين الوجازة ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يا ذوي العقول وأولو جمع لا واحد له من لفظه، وواحده ذو بمعنى صاحب.
وأولات للإناث واحدتها ذات بمعنى صاحبة قال تعالى ﴿ وأولات الأحمال ﴾ وإعراب أولو كإعراب جمع المذكر السالم.
وزادوا في "أولي" واواً فرقاً بينها وبين "إلى" وأجرى "أولو" عليه.
واللب العقل، ولب النخلة قلبها، وخالص كل شيء لبه.
خاطب العقلاء الذين يتفكرون في العواقب ويعرفون جهات الخوف فلا يرضون بإتلاف أنفسهم لإتلاف غيرهم إلا في سبيل الله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ يتعلق بمحذوف أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لتكونوا على بصيرة في إقامته، راجين أن تعملوا عمل أهل التقوى في الحكم به.
وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة، أو لعلكم تتقون نفس القتل الخوف القصاص.
عن الحسن والأصم: وقد بقي على الآية بحث، وهو أنه سئل إذا صح أن المقتول إن لم يقتل فهو يموت لأن المقدر من عمره ذلك القدر، وكذا إذا هم إنسان بقتل آخر فارتدع خوفاً عن القصاص فإن ذلك الآخر يموت وإن لم يقتله ذلك الإنسان لأن كل وقت صح وقوع قتله صح وقوع موته، فكيف يفيد شرع القصاص حياة؟
والجواب أنه قد جعل لكل شيء سبباً يدور مسببه معه وجوداً وعدماً.
وشرعية القصاص مما جعلها سبباً لحياة من أراد حياته بعد أن تصور الهامّ قتله، وذلك بأن تذكر القصاص فارتدع عما هم به.
ففائدة شرع القصاص هي فائدة سائر الأسباب والوسائط ومنكر فائدتها.
وكلا الإنكارين مذموم وصاحبهما عند العقلاء ملوم والله أعلم.
التأويل: كما كتب القصاص في قتلاكم كتب على نفسه الرحمة في قتلاه وقال: من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ أي من كان متوجهاً إليه بالكلية كان فيضه متصلاً به بالكلية، ومن كان في رق غيره من المكوّنات لم يتصل به فيضه غاية الاتصال، ومن كان ناقصاً في دعوى محبته لم يكن مستحقاً لكمال محبته ﴿ فمن عفي له ﴾ من الأحباء والأصفياء ﴿ شيء ﴾ من أنواع البلاء والابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء فإنه معروف من معارفه.
فالواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان.
﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ الوفاء بملابسة الجفاء وألقى جلباب الحياء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ فإن الكفر مرتعه وخيم ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ الدارين والتقاء برب الثقلين ﴿ يا أولي الألباب ﴾ الذين بدلوا قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الصمداني ﴿ لعلكم تتقون ﴾ شرك وجودكم.
<div class="verse-tafsir"
قيل: نزلت الآية في جيشين من العرب، كان وقع بينهما حرب وقتال، وكان لإحداهما فضل وشرف على الأخرى.
فأرادوا بالعبد منهم الحر من أولئك، وبالأنثى منهم الذكر.
فأنزل الله : ﴿ ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ ﴾ .
وهي منسوخة؛ لأن فيها قتل غير القاتل.
نسخها قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ .
قيل: لا تسرف ولا تقتل غير قاتل وليك.
وقيل: لا تسرف، أي: لا تمثل في القتل.
وقيل: لا تسرف في القتل، أي: لا تقتل أنت إذ هو منصور.
فثبت بهذا نسخها؛ إذ لم يؤذن بقتل غير القاتل.
وقوله أيضاً: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ ﴾ ، ولا يحتمل نفس غير القاتل يقتل بنفس.
دليله قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، ولا يتصدق على غير القاتل.
ثبت أنها منسوخة بما ذكرنا.
وفي الثاني: قال الله : ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ ، لما إذا همّ بقتل آخر يذكر قتل نفسه، فيرتدع عن قتله، فيحيا به النفسان جميعاً، فلو لزم قتل غير القاتل لم يكن فيه حياة، إذ لا يخشى تلف نفسه.
ثم هذا يدل على وجوب القصاص بين الحر والعبد، وبين الكافر والمسلم، إذ لو لم يجعل بينهما قصاص لم يرتدع أحد عن قتلهم، إذ لا يخشى تلف نفسه بهم.
فدل أنهم يقتلون بهم.
والله أعلم.
هذا فيما يجعل الآية ابتداء، لا في الحيين، اللذين ذكرا به.
ثم يقال: ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص الحكم فيه وجعله شرطاً ونفيه في غير شكله.
دليله ما روي عن رسول الله ، أنه قال: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" .
ثم إذا زنى البكر بالثيب وجب ذلك الحكم، فدل أن ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص في الحكم، [ولكن فيه إيجاب الحكم] في كل شكل إذا ارتكب ذلك وهو أن يقتل الحر إذا قتل آخر.
والحرية لا تمنع الاقتصاص لفضله.
وكذلك العبد إذا قتل آخر يقتل به، والرق لا يمنع ذلك للذلِّ الذي فيه.
وكذلك الأنثى تقتل إذا قتلت أخرى، ولا يمنع ما فيها من الضعف في وجوب القصاص.
وبالله التوفيق.
وله وجه آخر: وهو أنه قال: ﴿ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ ﴾ .
ومن الإناث إماء، وقد أمر بالاقتصاص بينهن، فلئن وجب تخصيص ما ذكر خاصًّا، وجب أن يذكر عامّاً ما ذكر فيه العموم.
فإن قيل: على عموم الاسم في أحدهما، وخصوص القول في الآخر.
قيل: ليس هكذا.
لو كان في ذكر الوفاق في الاسم منع الحق عن ذلك الوجه المذكور إذ ذكر في الخلاف لم يدخل فيما ذكر في الوفاق ما ليس منه.
فإذا دخل علم أن ذكر الوفاق في الخلاف في حق إدخال ما ليس من شكله بمحل واحد.
ثم يقال: إن نفس العبد للعبد في حق الجناية، لا للمولى.
إنما للمولى في نفسه الملك والمالية، ألا ترى أن العبد لو أقر على نفسه بالقصاص أخذ به، ولو أقر عليه مولاه لم يؤخذ به.
فدل أن نفسه له، لا للمولى.
فكان كنفس الحر للحر.
فيجب أن يقتل الحر به، إذ هو ساوى الحر في حق النفس، فيجب أن يسوي بينهما في حق القصاص.
وقال بعض الناس: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأنه أفضل منه.
ثم هو يقول: إنه يقتل الذكر بالأنثى.
وهو أفضل.
وقال: إن القصاص إنما ذكر في المؤمنين.
ثم قال بالعموم، وألزم قتل الكافر بالمؤمن، ولم يذكر في القصاص الكافر، وترك القصاص للكافر من المؤمن على عموم إيجاب القصاص على المؤمنين.
فإذن جاز ترك القصاص، على ما ذكر فيه، وإدخال من لم يذكر في حق الاقتصاص، ما يجب إنكار مثله في الذي ذكر عقيب ذكر الحق؛ وهم بأجمعهم تحت الإيجاب مذكورين.
ثم الإناث بالإناث مع اختلاف الأحوال يلزم القصاص، كيف لا لزم مثله في الأحرار؟
والأصل في هذا: ألا يعتبر في الأنفس المساواة.
ألا ترى أن الأنفس تقتل بنفس واحدة.
هكذا روي عن عمر، : "أنه قتل رجلاً بامرأة".
وروي أنه قتل سبعة نفر بامرأة، وقال: لو تمالأ عليها أهل صنعاء لقتلتهم.
وقال: وروي عن رسول الله ، أنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر" ثم قال صاحب هذا القول: لو أن كافراً قتل كافراً ثم أسلم القاتل يقتل به.
فهو قتل مسلماً تقيّاً برّاً بكافر، إذ الإسلام يطهره.
ولم يقتل مسلماً فاسقاً ارتكب الكبيرة بالكافر، إذ القتل يفسقه.
والمسلم أحق أن يقتل بالكافر من الكافر بالمسلم.
وذلك أن المسلم هتك حرمة الإسلام بقتل الكافر؛ لأنه اعتقد باعتقاد دين الإسلام حرمة دم الذمي، وهو بقتله كمستخف بمذهبه.
وأما الذمي فإنه لا يعتقد باعتقاد مذهبه حرمة دماء أهل الإسلام، فهو ليس بقتل المسلم كمستخف بمذهبه، والمسلم كمستخف بدينه، على ما ذكرنا.
لذلك كان أحق بالقصاص من الكافر.
ألا ترى أن من قتل في الحرم قتل به؛ لأنه هتك حرمة الحرم كالمستخف به.
وإذا قتل خارجاً منه، ثم التجأ إليه، لم يقتل به حتى يخرج منه؛ لأنه ليس كمستخف له، والأول مستخف؛ لذلك افترقا.
فكذلك الأول.
والله أعلم.
والخبر عندنا يحتمل وجهين: أحدهما: قيل: إن قوماً قتل بعضهم بعضاً في الجاهلية، فأسلم بعضهم، فأراد أولئك أن يأخذوا من أسلم منهم بالقصاص، فقال رسول الله : "لا يقتل مسلم بكافر" ، كما قال: "كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هذا" والثاني: أنه أراد بالكافر المستأمن؛ لأنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" .
فنسق قوله: "ذو عهد" على المسلم، فكان معناه: لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد به.
فكل كافر لا يقتل به ذو عهد في عهده لم يقتل به المسلم.
فالذمي يقتل به ذو العهد، لذلك يقتل به المسلم.
والمسلم إذا قتل مستأمناً لم يقتل به.
وكذلك الذمي.
فدل بما ذكرنا أنه أراد بالكافر المستأمن، لا الذمي.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ .
اختلف في تأويله: قال بعضهم: هو القاتل.
إذا عفي له: معناه: عنه.
فيتبع الولي بأخذ الدية بالمعروف، شاء القاتل أو أبى.
احتج بما "روي عن رسول الله في رجل اختصم إليه في قاتل أخيه، فقال: أتعفو عنه؟
قال: لا.
قال: أتأخذ الدية؟
قال: لا.
قال: أتقتله؟
قال: نعم" عرض عليه الدية، ولو كان غير حقه لم يعرض عليه.
وقال في بعض الأخبار: "ولي القتيل بين خيرتين: بين قتل وأخذ دية".
وأما عندنا: تأويل قوله : ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ ليس هو القاتل؛ لأنه يكون معفواً عنه؛ ولأنه لا يتبع أحداً وهو المتبع، بل هو الولي؛ لأنه هو المعفو له، لا القاتل، حيث أمر بالاتباع بالمعروف؛ كأنه قال: من بذل له وأعطي من أخيه شيء فاتباع بالمعروف؛ وذلك جائز في اللغة؛ العفو بمعنى البذل والإعطاء، على ما قيل: خذ ما آتاك عفواً صفواً، أي فضلاً.
وكذلك روي عن عبد الله بن عباس، ، أنه قال: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ﴾ ، أي: أعطي له.
والحق عندنا: هو القود، لا غير، على ما جاء عن رسول الله - أنه قال: "العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول" ، وقد روي في بعض الأخبار: "إلا أن تفادي" .
والمفاداة: هو فعل اثنين، فلا يأخذه إلا عن تراض واصطلاح منهما جميعًا.
وفي الآية دلالة: أن الحق: هو القصاص، لا غير، بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ أخبر أن المكتوب عليه والمحكوم القصاص، فلو كان الخيار بين القصاص والعفو وأخذ الدية - شاء أو أبى - لكن لا يكون مكتوباً عليه القصاص، ويذهب فائدة قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ إنما يكون عليه أحدهما، كما لا يقال في الكفارة: بأن المكتوب عليه العتق، بل أحد الثلاثة.
فلما قال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ دل أن أخذ الدية كان كالخلف عنه.
وما "روي عنه حيث قال لولي القتيل: أتعفو عنه؟
قال: لا" .
فقال: "أتأخذ الدية"؟
قال: "لا".
إنما عرض عليه الدية، لما علم أن القاتل يرضى بذلك، على ما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله فأخبرته بغض زوجها.
فقال لها: "أتردين عليه حديقته؟
قالت: نعم، وزيادة.
فقال النبي أما الزيادة فلا" وإنما قال لها ذلك لما علم رسول الله أنه يرضى بطلاقها إذا ردت عليه حديقته؛ فعلى ذلك الأول.
ولو كانت لفظة "العفو" تعبر عن إلزام الدية ما أحوجه إلى ذكر الإشارة إلى العفو مرة، وإلى أخذ الدية ثانياً؛ فثبت أن ليس للذي يعفو أن يأخذ الدية بالعفو.
وقيل في قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : أصلها أنها نزلت في دم بين نفر يعفو أحدهم عن القاتل، ويتبع الآخرون بالمعروف في نصيبهم؛ لأنه ذكر "الشيء"، والشيء: هو العفو عن بعض الحق.
فألزم الاتباع للآخرين عند عفو بعض حقه؛ ثبت أن العفو لا يلزم الدية.
وروي عن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، أنهم أوجبوا في بعض عفو الأولياء، للذين لم يعفوا - الدية، على ترك السؤال عمن عفا عنك عفوت بدية، ولو كان ثم حق ذكروه له؛ فدل أن العفو لا يوجب الدية.
والله أعلم.
ثم لا يخلو إما أن يكون حقه القصاص ثم له تركه بالدية؛ فهو إلزام بدل حق قِبَل آخر من غير رضاه، وذلك مما لم يعقل في شيء، أو كلاهما، فهو أيضاً كذلك، لا يكون أحدهما إلا باجتماعهما، أو أحدهما وهو مجهول؛ فالعفو عنه يبطل حقه، إذ العفو ترك.
وقال: إن في أخذ الدية إحياء النفس التي أمر الله بإحيائها، وفي الامتناع عن أداء الدية إليه والبذل له إذن بالقتل.
ومن قول الجميع: إن أحدا لو قال لآخر: اقتلني، أنه لا يعمل بإذنه.
فإذا كان معنى الامتناع عن أداء الدية هو إذن بالقتل، لم يأذن له.
يقال له: أبعدت القياس والتشبيه؛ لأن فيما نحن فيه إذناً بالقتل، وظهر الأمر به، وفيما ذكرت لم يظهر، حيث قال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ ، فأنى يشبه هذا بذلك ويقاس عليه؟
أو أن يقال: لو كان الأمر كما ذكرت لكان يجيء أن يكون الصلح على كل شيء ماله، وفيه تلف نفسه أن ليس له منعه.
ومن قول الجميع: إن له المنع وجائز وقوع الصلح على ما فيه تلف ماله.
ثبت أن ما يقوم له وهم.
وبعد، فإن الذي ذكرت تدبير الحق عليه أن يفعل، لا تدبير الإلزام.
ولو كان ذلك لازماً، لكان يقتله ببذله نفسه فيغرم فاعل ذلك؛ وهذا كما يغني الرجل بشراء ما به قوام نفسه عند الضرورة إلا أن يلزم لو أبى ذلك، فمثله ديته، بمعنى أن في ذلك تلف نفس تلك قيمته، فمثله الأول.
وما روي في التخيير بين أخذ الدية، وما ذكر فهو - والله أعلم - على بيان الحل والرخصة على ما قيل: إن من حكم التوراة القتل، ولا يجوز لهم العفو ولا أخذ الدية، ومن حكم أهل الإنجيل العفو، لا يقتل بالقصاص، ولا تؤخذ الدية، فحكم الله عز وجل على أهل القرآن: أن جعل لهم القتل مرة، والعفو ثانياً، وأخذ الدية تارة؛ فدل أنه يخرج مخرج بيان الحل والرخصة.
إذا طابت به نفس من عليه يبذله إذا طلب، ولا يوجب قطع الخيار من الآخر.
ولهذا ما نقول في قوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ البقرة: 196]، وقوله في التخيير في الكفارة: إن ذلك إلى من عليه، لا إلى من يأخذ.
إذ الحق هاهنا من جانب واحد.
فيجعل الخيار إلى من عليه إذا كان من كلا الجانبين يعتبر رضاءهما جميعاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ .
لما ذكر من إباحة العفو في حكم القرآن، ولم يكن في حكم غيره من الكتب، وأخذ الدية أو القتل، ولم يكن في حكم التوراة والإنجيل إلا واحد.
ويحتمل: أن كان في التوراة هذا أو هذا كما قال: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ .
واحتمل أنه ذكر القود شرعاً لنا، وقوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ ﴾ ، لنا خاصة.
وقوله: ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ .
فيه دلالة ألا يقطع صاحب الكبيرة عن رحمة الله؛ لأنه أخبر أن التخفيف رحمته في الدنيا، فإذا لم يوفِهم في الدنيا من رحمته فلا يوفيهم في الآخرة منها.
وفي قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ ، دلالة ألا يزول اسم الإيمان بارتكاب الكبيرة؛ لأنه سماه أخا من غير أخوة نسب؛ دل أنه أخوة في الدين [لأنه سماه أخاً].
وكذلك قوله: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ ﴾ أبقى لهم اسم الإيمان بعد البغي والقتل.
دل أن ارتكاب الكبيرة لا يخرجه من الإيمان.
وهذا يرد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة أخرجته من الإيمان، وما ذكر من التخليد في قتل العمد يخرج على وجهين: أحدهما لاستحلال قتله، أو يتغمد ديته، وإلا فيخرج الآيتان على التناقض في الظاهر لو لم يجعل على ما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
قيل: من اعتدى على القاتل بعد ما عفى عنه، أو بعد ما أخذ الدية.
وقيل: ﴿ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: من بعد النهي عن قتله.
وقيل: إذا أرى من نفسه العفو، ثم أخذ الدية، ثم أراد قتله، فهو الاعتداء.
ثم اختلف بعد هذا بوجهين: قال قوم: إذا فعل ذلك يترك القصاص فيه للعذاب المذكور في الآخرة: [وقال غيرهم] إذا اقتص ارتفع عنه العذاب الأليم، وإن لم يقتص فلا.
وجائز عندنا: أن يكون العذاب الأليم في الدنيا، إذ لم يخلق شيء من العذاب أشد من القتل؛ إذ القتل هو الغاية من الألم والوجع.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
قيل: فيه بوجهين، وإلا فظاهر القصاص لا يكون حياة، لكن قيل: من تفكره في نفسه قتلها إذا قتل آخر ارتدع عن قتله، فتحيا النفسان جميعاً.
والثاني: من نظر فرأى آخر يقتل بغيره امتنع عن قتل [آخر ففيه حياته أو تذكر أنه مقتص منه إذا قتل حمله حبه في إحياء نفسه على أن يرتدع عن قتل] كل، ففيه الحياة للأنفس جميعاً؛ ولهذا نقول بوجوب القصاص في الأنفس كلها وإن اختلفت أحوالها، إذ لو لم يجعل بين الأنفس على اختلاف الأحوال قصاص لم يكن في القصاص حياة.
فأحق من يجعل فيه القصاص عند مختلف الأحوال لما يغضب الشريف على الوضيع فيحمله غضبه على قتله، فجعل القصاص، أو لما يستخف به.
وأما الوارث لما يطمع وصوله إلى مورثه فيحمله على قتله، فسبب القتل ليس ما يذكر، لكنه شدة الغضب، وفي المواريث زيادة، وهو ما يصل إلى ماله، وفي الكافر من استخفافه بدينه من المقتول، فطلب فيه المعنى الذي فيه الإحياء وهو حرمان الميراث؛ فعلى هذا التقدير يقتل المسلم بالكافر؛ لأن المسلم قد يستخف بالكافر في دار سلمه، فيحمله استخفافه إياه على قتله.
ففيه معنى يدعو إلى الفناء، فيجب أن يقتص من المسلم بالكافر لتحقيق معنى الحياة.
وعلى هذا التقدير يقتل الحر بالعبد؛ لأن الحر يستخف بالعبد، فيدعوه استخفافه به على قتله، فهو يقتل به.
أو نقول: يقتل الولد بالوالد لما يستعجل الوصول إلى ملكه، فيحمله على قتله؛ فلزم حفظ ما لأجله الحياة، ثم في الوالد شفقة ومحبة تمنع الوالد عن قتل ولده؛ لذلك انتهى عنه القصاص، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يقاد الوالد بولده" .
وبالله التوفيق.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الوالد يحب ولده؛ لأنه يرغب أن يكون له ولد.
وأما الولد فإنما يحب والده له لنفسه ومنافع له.
فإذا كان الوالد له لم يقتص منه.
<div class="verse-tafsir"
ولكم فيما شرعه الله من القصاص حياة لكم؛ بحقن دمائكم، ودفع الاعتداء بينكم، يدرك ذلك أهل العقول الذين يتقون الله تعالى بالانقياد لشرعه والعمل بامره.
<div class="verse-tafsir" id="91.9apWV"
ذكر المفسر وغيره أن القصاص على القتل كان محتمًا عند اليهود وأن الدية كانت محتمة عند النصارى وأن القرآن جاء وسطًا يفرض القصاص إذا أصر عليه أولياء المقتول ويجيز الدية إذا عفوا، وحق قولهم إن القتل قصاصًا كان حتمًا عند اليهود، كما في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج والعشرين من التثنية.
أما قولهم إن الدية كانت حتمًا عند النصارى فإنه ليس في كتب النصارى شيء يحتم عليهم ذلك إلا أن يقال إن ذلك مأخوذ من وصايا التساهل والعفو وجزاء الإساءة بالإحسان في الإنجيل ولكن أخذ الدية ضرب من ضروب الجزاء ينافي هذه الوصايا.
وإذا نظرنا في أعمال الأولين والآخرين وشرائعهم في القتل نجد القرآن وسطًا حقيقيًا لا بين ما نقل عن اليهود والنصارى فقط بل بين مجموع آراء البشر من أهل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، فقد كانت العرب تتحكم في ذلك على قدر قوة القبائل وضعفها، فرب حر كان يقتل من قبيلة فلا ترضي قبيلته بأخذ القاتل به بل تطلب به رئيسها، وأحيانًا كانوا يطلبون بالواحد عشرة وبالأنثى ذكرًا، وبالعبد حرًا، فإن أجيبوا وإلا قاتلوا قبيلة القاتل وسفكوا دماء كثيرة، وهذا إفراط وظلم عظيم تقتضيه طبيعة البداوة الخشنة.
وفرض التوراة قتل القاتل إصلاح في هذا الظلم، ولكن يوجد في الناس لا سيما أهل القوانين في زماننا هذا من ينكر المعاقبة بالقتل ويقولون إنه من القسوة وحب الانتقام في البشر، ويرون أن المجرم الذي يسفك الدم يجب أن تكون عقوبته تربية لا انتقامًا، وذلك يكون بما دون القتل، ويشددون النكير على من يحكم بالقتل إذا لم تثبت الجريمة على القاتل بالإقرار، بأن ثبتت بالقرائن أو بشهادة شهود يجوز عليهم الكذب، ويرون أن الحكومة إذا علَّمت الناس التراحم في العقوبات فذلك أحسن تربية لهم، ومنهم من يقول إن المجرمين لا يكونون إلا مرضى العقول فالواجب أن يوضعوا في مستشفيات الأمراض العقلية ويعالجوا فيها إلى أن يبرأوا.
وإذا دققنا النظر في أقوال هؤلاء نرى أنهم يريدون أن يشرعوا أحكامًا خاصة بقوم تعلموا وتربوا على الطرق الحديثة وسيسوا بالنظام والحكم، حتى لا سبيل لأولياء المقتول أن يثأروا له من القاتل ولا أن يسفكوا لأجله دماء بريئة، وحتى يؤمن من استمرار العداوة والبغضاء بين بيوت القاتلين وبيوت المقتولين، ووجدت عندهم جميع وسائل التربية والمعالجة، لا أحكامًا عامة لجميع البشر، في البدو والحضر، ومع هذا نرى كثيرًا من الناس حتى المنتسبين إلى الإسلام يغترون بآرائهم ويرونها شبهة على الإسلام، وأما النافذ البصيرة العارف بمصالح الأمم الذي يزن الأمور العامة بميزان المصلحة العامة لا بميزان الوجدان الشخصي الخاص بنفسه أو ببلده فإنه يرى أن القصاص بالعدل والمساواة هو الأصل الذي يربي الأمم والشعوب والقبائل كلها، وأن تركه بالمرة يغري الأشقياء بالجراءة على سفك الدماء، وأن الخوف من الحبس والأشغال الشاقة إذا أمكن أن يكون مانعًا من الإقدام على الانتقام بالقتل في البلاد التي غلب على أهلها التراحم أو الترف والانغماس في النعيم كبعض بلاد أوربة، فإنه لا يكون كذلك في كل البلاد وكل الشعوب، بل إن من الناس في هذه البلاد وفي غيرها من يحبب إليه الجرائم أو يسهلها عليه كون عقوبتها السجن الذي يراه خيرًا من بيته، وإن في مصر من الأشقياء من يسمي السجن "نزلًا" أو "فندقًا"، وسمعت أنا غير واحد في سورية يقول: إذا فعل فلان كذا فإنني أقتله وأقيم في القلعة عشر سنين.
وذلك أن القاتل هناك محكوم عليه غالبًا بالسجن خمس عشرة سنة في قلعة طرابلس الشام، ويعفو السلطان في عيد جلوسه عمن تم له ثلثا المدة المحكوم بها عليه في السجن.
واشتهر عن بعض المجرمين في مصر أنهم يسمون بعض السجون العصرية "لوكاندة كوكس" بالإضافة إلى "كوكس باشا" مدير السجون الذي أنشئت في عهده.
ويقول بعضهم: أسرق كذا أو أضرب فلانًا وأشتو في لوكاندة "كوكس" فإن الشتاء فيها أرحم وأنعم من الشتاء في بيتنا أو في الشوارع، ولا يبعد على المجرم من هؤلاء أن يقتل لأن عقاب القتل في هذه السجون، إن ثبت عليه، أهون من عيشته الشقية، فما القول في أهل البوادي أصحاب الثارات التي لا تموت؟.
فقتل القاتل هو الذي يربي الناس في كل زمان ومكان ويمنعهم من القتل.
وقد بالغ في الاعتراف بذلك معدل القانون المصري حيث أجاز الحكم بالإعدام إذا وجدت القرائن القاطعة على ثبوت التهمة، بعد أن كان لا يجوزه إلا بالاعتراف أو شهادة شهود الرؤية.
وقد تقع في كل بلاد صُوَر من جرائم القتل يكون فيها بقتل القاتل ضارًا وتركه لا مفسدة فيه، كأن يقتل الإنسان أخاه أو أحد أقاربه لعارض دفعه إلى ذلك، ويكون هذا القاتل هو العائل لذلك البيت، وإذ قتل يفقدون بقتله المعين والظهير، بل قد يكون في قتل القاتل أحيانًا مفاسد ومضار وإن كان أجنبيًا من المقتول، ويكون الخير لأولياء المقتول عدم قتله لدفع المفسدة، أو لأن الدية أنفع لهم، فأمثال هذه الصور توجب أن لا يكون الحكم بقتل القاتل حتمًا لازمًا في كل حال، بل يكون هو الأصل، ويكون تركه جائزًا برضاء أولياء المقتول وعفوهم، فإذا ارتقت عاطفة الرحمة في شعب أو قبيل أو بلد إلى أن صار أولياء القاتل منهم يستنكرون القتل ويرون العفو أفضل وأنفع فذلك إليهم، والشريعة لا تمنعهم منه بل ترغبهم فيه، وهذا الإصلاح الكامل في القصاص هو ما جاء به القرآن، وما كان ليرتقي إليه بنفسه علم الإنسان، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ القصاص في أصل اللغة يفيد المساواة، فمعنى القصاص هنا أن يُقْتَل القاتل لأنه في نظر الشريعة مساوٍ للمقتول فيؤخذ به، فالغرض من الآية شرعية القصاص بالعدل والمساواة وإبطال ذلك الامتياز الذي للأقوياء على الضعفاء، ولذلك قال ﴿ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى ﴾ أي أن هذا القصاص لا هوادة فيه ولا جور، فإذا قتل حر حرًا يقتل هو به لا غيره من سادات القبيلة ولا أكثر من واحد، وإذا قتل عبد عبدًا يقتل هو به لا سيده، ولا أحد الأحرار من قبيلته، وكذلك المرأة إذا قتلت تقتل هي ولا يقتل أحد فداء عنها، خلافًا لما كانت عليه الجاهلية في ذلك كله.
فالقصاص على القاتل نفسه أيًا كان لا على أحد من قبيلته، فما كانت عليه العرب في الثأر يبين هذا المعنى من الآية، ولكن مفهوم اللفظ بحد ذاته وسياق مقابلة الأصناف بالأصناف يفهم أنه لا يقتل فريق بفريق آخر، وهو غير مراد على إطلاقه، فقد جرى العمل من زمن الرسول إلى الآن على قتل الرجل بالمرأة، واختلفوا في قتل الحر بالعبد فذهب أبو حنيفة وابن أبي ليلى وداوود إلى أنه يقتل به إذا لم يكن سيده.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل به مطلقًا، والاختلاف في قتل الرجل بالمرأة أضعف ولهذه الخلافات زعم بعضهم أن في الآية نسخًا.
وإنما منشأ الخلاف أدلة أخرى من السنة وغيرها، والاعتبار بمفهوم المخالفة في الآية وعدمه، والقرآن فوق كل خلاف.
فمنطوق الآية لا مجال للخلاف فيه وهو أن الحر يقتل بالحر إلخ، وأما كون الحر يقتل بالعبد والرجل بالمرأة فهذا يؤخذ من لفظ القصاص ولا يعارضه مفهوم التفصيل، فإن بعض أهل الفصول لا يعتبر المفهوم المخالف للمنطوق، وبعضهم يعتبره بشرط لا يتحقق هنا لما ذكروه في سبب النزول منطبقًا على ما ذكرناه عن العرب.
قال البيضاوي في تفسير الآية: "كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء، وكان لأحدهما طَوْل على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى الرسول فنزلت وأمرهم أن يتبارءوا.
ولا تدل على أن يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى الحكم" والبيضاوي من الشافعية القائلين بمفهوم المخالفة.
وما ذكره في سبب النزول أخرجه ابن أبي حاتم.
ويدخل في عموم الآية الكافر وبه قال الكوفيون والثوري وقال الجمهور لا يقتل به المسلم لما ورد في ذلك من الحديث الصحيح المبين لإجمال الآية، واستثنى من عمومها السيد يقتل عبده قالوا لا يقتل به ولكن يعزر، ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن النخعي.
وللحاكم أن يقرر هذا التعزيز بشدة تمنع الاعتداء والاستهانة بالدم، ولا يخفى أن التعزيز قد يكون بالقتل، فإذا عهد في قوم من القسوة ما يقتلون به عبيدهم فللإمام أن يقتل السيد بعبده تعزيزًا لا حدًا إذا رأى المصلحة العامة في ذلك.
واستثنوا أيضًا الوالدين فقالوا لا يقتل الوالد بولده لأن الحدود توضع حيث تتحرك للنفوس للجناية لتكون رادعة عن الاستمرار فيها، وقد مضت السنة الإلهية في الفطرة بأن قلوب الأصول مجبولة من طينة الشفقة والحنو على الفروع حتى ليبذلون أموالهم وأرواحهم في سبيلهم، وكثيرًا ما يقسو الولد على والده، وقلما يقسو والد على ولده إلا لسبب قوي كعقوق شديد، أو فساد في أخلاق الولد جنى على أصل الفطرة كالإفراط في حب الذات، ولكن هذه القسوة لا تفضي إلى القتل إلا لأمر يكاد يكون فوق الطبيعة كعارض جنون من الوالد، أو إيذاء لا يطاق من الولد.
ولما كان هذا شاذًا نادرًا جعل كالعدم فلم يلاحظ في وضع الحد، لأن الأحكام تتناول بالمظنة لا بالشواذ الذي يندر أن تقع، ومع هذا يعزز من يقتل ولده بما يراه الحاكم لائقًا بحاله ومربيًا لأمثاله.
وقد اضطرب العلماء في تعيين المخاطب بهذا القصاص إذ لا يصح أن يكون القاتل ولا المقتول ولا ولي الدم ولا عصبة القاتل ولا سائر الناس الأجانب، ولا يظهر أيضًا أن المخاطب بقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ ﴾ الحكام خاصة..
وهذه مشاغبة وتشكيك كمشاغبات الرازي وشكوكه، والخطاب مفهوم بالبداهة، والآية جارية على أسلوب القرآن في مخاطبة جماعة المؤمنين في الشئون العامة والمصالح لاعتبار الأمة متكافلة ومطالبة بتنفيذ الشريعة وحفظها، وبالخضوع لأحكامها كما تقدم بيانه في مخاطبة اليهود بإسناد ما كان من آبائهم إليهم إذا قلنا أن الأمة في هدى القرآن كالشخص الواحد يخاطب البعض منها بالكل والكل بالبعض، كما يقال للشخص جنيت وجنت يدك وأخطأت وأخطأ سمعك أو رأيك، ففي هذا الخطاب بالقصاص يدخل القاتل لأنه مأمور بالخضوع لحكم الله، ويدخل الحاكم لأنه مأمور بالتنفيذ، ويدخل سائر المسلمين لأنهم مأمورون بمساعدة الشرع وتأييده، ومراقبة من يختارونه للحكم به وتنفيذه.
بعد أن بين تعالى وجوب القصاص وهو أصل العدل، ذكر أمر العفو وهو مقتضى التراحم والفضل، فقال ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ الخ، أي فمن عفا له أخوه في الدين من أولياء الدم عن شيء من حقهم في القصاص ولو واحدًا منهم إن تعددوا وجب اتباعه وسقط القصاص كما يأتي، وإنما يعفو من له حق طلب القصاص، وقد جعل الله هذا الحق لأولياء المقتول وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده ويهانون بفقده، ويحرمون من عونه ورفده، فمن أزهق روحه كان لهم أن يطلبوا إزهاق روحه، لما تستفزهم إليه نعرة القرابة وطبيعة المصلحة، فإذا لم يجب طلبهم، ولم يقتص الحاكم لهم، فإنهم ربما يحتالون للانتقام، ويفشو بينهم وبين القاتل وقومه التشاحن والخصام، وإذا جاء العفو من جانبهم أُمن المحذور والفتنة، ولا سيما إذا كان من أسباب العفو استعطاف القاتل وقومه لهم، واستعتابهم إياهم، بإثارة عاطفة الأخوة الدينية، وأريحية المروءة الإنسانية، ففي مثل هذه الحالة يوجب الله تعالى حجب الدم، وليس للحكومة أن تمتنع من العفو إذا رضوا به، ولا أن تستقل بالعفو إذا طلبوا القصاص فَتُحْفِظ قلوبهم، وتخرج أضغانهم، وتحملهم على محاولة الانتقام بأيديهم إذا قدروا، فيزيد البلاء، ويكثر الاعتداء، أو يعيش الناس في تباغض وعداء، وفوضى تستباح فيها الدماء.
وعبارة الآية تشعر بأن الله تعالى يحب من عباده العفو ولذلك فرض اتباع العفو وإن لم يكن تامًا متفقًا عليه من جميع أولياء الدم كالآباء والأبناء والإخوة، فإن عفا بعضهم يرجح جانبه على الآخرين كما يدل عليه تنكير شيء في قوله ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ فقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن "شيء" هنا نائب عن المصدر أي عفا له شيء من العفو بأن ناله بعضه ممن لهم المطالبة، ويؤيد هذا ويؤكده التعبير عن العافي بلفظ الأخ الذي يحرك عاطفة الرحمة والحنان، وهو كما قال المفسرون يؤذن بأن القتل لا يقتضي الارتداد عن الإسلام وقطع أخوة الإيمان، إلا إذا استحله فاعله.
ومن مباحث اللفظ هنا أن بعض المفسرين أشكل عليهم استعمال عفى متعدية باللام وزعموا أنها بمعنى ترك قال البيضاوي تبعًا للكشاف: وهو ضعيف إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه، وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب قال الله تعالى ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ﴾ وقال: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية كأنه قيل: فمن عفى له عن جنايته من جهة أخيه يعني ولي الدم.
ولما كان العفو عن القصاص يتضمن الرضى بأخذ الدية قال تعالى ﴿ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ أي من ناله شيء من هذا العفو فالواجب في شأنه أو قضيته تنفيذ العفو وثبوت الدية، وعبر عن الأول باتباع العفو بالمعروف، وهو واجب على الإمام الحاكم وعلى العافي وغيره من الأولياء، وإن لم يعفوا فعليهم أن لا يرهقوا القاتل من أمره عسرًا، بل يطلبون منه الدية بالرفق والمعروف الذي لا يستنكره الناس، وعبر عن الثاني بالأداء إليه بإحسان، وهو واجب على القاتل بأن لا يمطل ولا ينقص ولا يسيء فيه صفة الأداء.
ويجوز العفو عن الدية أيضًا كما في قوله تعالى في سورة النساء ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ هذا هو الظاهر في الآية فلا حاجة إلى ذكر ما قالوه من احتمال غيره.
ويؤكد رغبة الشارع في العفو امتنانه علينا بإجازته ووعيده لمن اعتدى، أما الامتنان به فقوله ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ وأي تخفيف ورخصة أفضل من حجب الدم بتجويز العفو والاكتفاء عنه بقدر معلوم من المال؟
فهذه رحمة منه سبحانه بهذه الأمة إذ رغبها في التراحم والتعاطف والعفو والإحسان، وأما الوعيد على الاعتداء بعده فقوله ﴿ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي بعد العفو عن الدم والرضى بالدية بأن انتقم من القاتل ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قيل معناه أن يتحتم قتل الولي العافي أو غيره إذا قتل القاتل بعده العفو ولا يجوز العفو عنه، بل يقتله الحاكم وإن عفا عنه ولي المقتول، وبه قال جماعة من المفسرين كعكرمة والسدي، وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يفعل فيه ما يراه، والجمهور على أن حكمه حكم القاتل ابتداء، وعليه مالك والشافعي، وهو الصحيح، والمراد بالعذاب الأليم عذاب الآخرة.
ثم قال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ وهو تعليل لشرعية القصاص وبيان لحكمته، وقدم عليه تعليل العفو والترغيب فيه والوعيد على الغدر بعده عناية به، وإيذانًا بأن الترغيب في العفو لا يستلزم تصغير شأنه، وبيان الأسباب والحكم لوضع الأحكام العملية، كإقامة البراهين والدلائل للمطالب العقلية، بهذه يعرف الحق من الباطل، وبتلك يعرف العدل وما يتفق مع المصالح، وبذلك يكون الحكم أوقع في النفس وأبعث على المحافظة عليه، وأدعى إلى الرغبة في العمل به -وقد بينت هذه الآية حكمة القصاص بأسلوب لا يسامى، وعبارة لا تحاكى، واشتهر أنها من أبلغ آي القرآن، التي تعجز في التحدي فرسان البيان، ومن دقائق البلاغة فيها أن جعل فيها الضد متضمنًا لضده وهو الحياة في الإماتة التي هي القصاص، وعرّف القصاص ونكَّر الحياة للإشعار بأن في هذا الجنس من الحكم نوعًا من الحياة عظيمًا لا يقدر قدره، ولا يجهل سره.
ثم إنها في إيجازها قد ارتقت أعلى سماء للإعجاز، وكانوا ينقلون كلمة في معناها عن بعض بلغاء العرب يعجبون من إيجازها في بلاغتها، ويحسبون أن الطاقة لا تصل إلى أبعد من غايتها، وهي قولهم: القتل أنفى للقتل، وإنما فتنوا بهذه الكلمة وظنوا أنها نهاية ما يمكن أن يبلغه البيان، ويفصح به اللسان، لأنها قيلت قبلها كلمات أخرى في معناها لبلغائهم كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقولهم أكثروا القتل ليقل القتل ..
وأجمعوا على أن كلمة القتل أنفى للقتل أبلغها، وأين هي من كلمة الله العليا، وحكمته المثلى؟
قال تعالى -بعد هذا البيان المتضمن للحكمة والبرهان-: ﴿ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ فخص بالنداء أصحاب العقول الكاملة، مع أن الخطاب عام للتنبيه على أن ذا اللب هو الذي يعرف قيمة الحياة والمحافظة عليها، ويعرف ما تقوم به المصلحة العامة وما يتوسل به إليها، وهو مرتبتان: القصاص وهو العدل، والعفو وهو الفضل.
كأنه يقول: إن ذا اللب هو الذي يفقه سر هذا الحكم وما اشتمل عليه من الحكمة والمصلحة، فعلى كل مكلف أن يستعمل عقله في فهم دقائق الأحكام، وما فيها من المنفعة للأنام، وهو يفيد أن من ينكر منفعة القصاص بعد هذا البيان، فهو بلا لب ولا جنان، ولا رحمة ولا حنان، وقوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ جعله (الجلال) تعليلًا لشرع القصاص وقدر له (شرع) أي لما كان في القصاص حياة لكم كتبناه عليكم وشرعناه لكم، لعلكم تتقون الاعتداء، وتكفون عن سفك الدماء، والشرعية مفهومة من الآية، وإيجاز القرآن يقتضي عدم التصريح بها لأجل التعليل كما صرح به في الآية التي قبلها ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ويمكن أن يستغنى عن تقدير (شرع) ويتعلق الرجاء بالظرف في قوله ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ أي ثبتت لكم الحياة في القصاص لتُعِدَّكم وتهيئكم للتقوى والاحتراس من سفك الدماء وسائر ضروب الاعتداء، إذ العاقل حريص على الحياة ولوع بالأخذ بوسائلها، والاحتراس من غوائلها.
<div class="verse-tafsir"