الآية ٢١٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٠ من سورة البقرة

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ٢١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 152 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) يعني : يوم القيامة ، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين ، فيجزي كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ولهذا قال : ( وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ) كما قال : ( كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ) [ الفجر : 21 23 ] ، وقال : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك ) الآية [ الأنعام : 158 ] .

وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير هاهنا حديث الصور بطوله من أوله ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم ، وفيه : " أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا واحدا ، من آدم فمن بعده ، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد ، صلوات الله وسلامه عليه ، فإذا جاءوا إليه قال : أنا لها ، أنا لها .

فيذهب فيسجد لله تحت العرش ، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد ، فيشفعه الله ، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا ، وينزل من فيها من الملائكة ، ثم الثانية ، ثم الثالثة إلى السابعة ، وينزل حملة العرش والكروبيون ، قال : وينزل الجبار ، عز وجل ، في ظلل من الغمام والملائكة ، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان رب العرش ذي الجبروت ، سبحان الحي الذي لا يموت ، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت ، سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح ، قدوس قدوس ، سبحان ربنا الأعلى ، سبحان ذي السلطان والعظمة ، سبحانه أبدا أبدا " .

وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا أحاديث فيها غرابة والله أعلم ; فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم ، قياما شاخصة أبصارهم إلى السماء ، ينتظرون فصل القضاء ، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم ، حدثنا معتمر بن سليمان ، سمعت عبد الجليل القيسي ، يحدث عن عبد الله بن عمرو : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) الآية ، قال : يهبط حين يهبط ، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب ، منها : النور ، والظلمة ، والماء .

فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع له القلوب .

قال : وحدثنا أبي : حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي ، حدثنا الوليد قال : سألت زهير بن محمد ، عن قول الله : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) قال : ظلل من الغمام ، منظوم من الياقوت مكلل بالجوهر والزبرجد .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( في ظلل من الغمام ) قال : هو غير السحاب ، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) [ قال ] : يقول : والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام ، والله تعالى يجيء فيما يشاء وهي في بعض القراءة : " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام " وهي كقوله : ( ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ) [ الفرقان : 25 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: هل ينظرُ المكذِّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، إلا أن يأتيهم الله في ظُلل من الغمام والملائكة ؟.

* * * ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله: " والملائكة " .

&; 4-261 &; فقرأ بعضهم: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة "، بالرفع، عطفًا بـ " الملائكة " على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ في ظلل من الغمام.

* ذكر من قال ذلك: 4032 - حدثني أحمد بن يوسف عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال- في قراءة أبيّ بن كعب: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ في ظلل من الغمام "، قال: تأتي الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتي الله عزّ وجل فيما شاء.

4033 - وقد حدثت هذا الحديث عن عمار بن الحسن، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " الآية، وقال أبو جعفر الرازي: وهي في بعض القراءة: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام "، كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْـزِيلا [الفرقان: 25] * * * وقرأ ذلك آخرون: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكةِ" بالخفض عطفًا بـ " الملائكة " على " الظلل "، بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة.

* * * وكذلك اختلفت القرأة في قراءة " ظلل "، فقرأها بعضُهم: " في ظُلَل "، وبعضهم: " في ظلال ".

فمن قرأها " في ظُلل "، فإنه وجهها إلى أنها جمع " ظُلَّة "، و " الظُلَّة "، تجمع " ظُلل وظِلال "، كما تجمع " الخُلَّة "،" خُلَل وخِلال "، و " الجلَّة "، " جُلَلٌ وجلال ".

&; 4-262 &; وأما الذي قرأها " في ظلال "، فإنه جعلها جمع " ظُلَّة "، كما ذكرنا من جمعهم " الخلة "" خلال ".

وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك، وجَّهه إلى أنّ ذلك جمع " ظِلّ"، لأن " الظلُّة " و " الظِّل " قد يجمعان جميعًا " ظِلالا ".

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُللٍ من الغمام "، لخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا.

(75) فدل بقوله " طاقات "، على أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد " الظلل "" ظلة "، وهي الطاق= واتباعًا لخط المصحف.

(76) وكذلك الواجبُ في كل ما اتفقت معانيه واختلفتْ في قراءته القرأة، ولم يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خطّ المصحف، فالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رَسم المصحف.

* * * وأما الذي هو أولى القراءتين في: " والملائكة "، فالصواب بالرفع، عطفًا بها على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة، على ما روي عن أبيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جل ثناؤه: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]، وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: 158] فإن أشكلَ على امرئ قول الله جل ثناؤه: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فظن أنه مخالفٌ معناه معنى قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة "، &; 4-263 &; إذ كان قوله: " والملائكة " في هذه الآية بلفظ جمع، وفي الأخرى بلفظ الواحد.

فإن ذلك خطأ من الظنّ، وذلك أن " الملك " في قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ بمعنى الجميع، ومعنى " الملائكة ".

والعرب تذكر الواحد بمعنى الجميع، فتقول: " فلان كثير الدرهم والدينار "= يراد به: الدراهم والدنانير= و " هلك البعير والشاةُ"، بمعنى جماعة الإبل والشاء، فكذلك قوله: " والملك " بمعنى " الملائكة ".

* * * قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في قوله: " ظُلل من الغمام "، وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل " الملائكة "، ومن الذي يأتي فيها ؟

فقال بعضهم: هو من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وأن تأتيهم الملائكة.

* ذكر من قال ذلك: 4034 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام "، قال: هو غير السحاب (77) لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة.

4035 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة : " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام "، قال: يأتيهم الله وتأتيهم الملائكة عند الموت.

4036 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة في قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام "، قال: طاقات من الغمام، والملائكة حوله= قال ابن جريج، وقال غيره: والملائكةُ بالموت * * * &; 4-264 &; وقول عكرمة هذا، وإن كان موافقًا قولَ من قال: إن قوله: " في ظُلل من الغمام " من صلة فعل الرب تبارك وتعالى الذي قد تقدم ذكرناه، فإنه له مخالف في صفة الملائكة.

وذلك أن الواجب من القراءة = على تأويل قول عكرمة هذا في" الملائكة " = الخفضُ، لأنه تأول الآية: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة، لأنه زعم أن الله تعالى يأتي في ظلل من الغمام والملائكةُ حوله.

هذا إن كان وجَّه قوله: " والملائكة حوله "، إلى أنهم حول الغمام، وجعل " الهاء " في" حوله " من ذكر " الغمام ".

وإن كان وجَّه قوله: " والملائكة حوله " إلى أنهم حول الرب تبارك وتعالى، وجعل " الهاء " في" حوله " من ذكر الرب عز وجل ، فقوله نظيرُ قول الآخرين الذين قد ذكرنا قولهم، غيرُ مخالفهم في ذلك.

* * * وقال آخرون: بل قوله: " في ظلل من الغمام " من صلة فعل " الملائكة "، وإنما تأتي الملائكة فيها، وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء.

* ذكر من قال ذلك: 4037 - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " الآية، قال: ذلك يوم القيامة، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام.

قال: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والرب تعالى يجيء فيما شاء.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من وجَّه قوله: " في ظُلل من الغمام " إلى أنه من صلة فعل الرب عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة، لما:- 4038 - حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك &; 4-265 &; قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر ".

(78) * * * وأما معنى قوله: " هل ينظرون "، فإنه ما ينظرون، وقد بيّنا ذلك بعلله فيما مضى من كتابنا هذا قبل.

(79) * * * ثم اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ".

فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه عز وجل من المجيء والإتيان والنـزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله، أو من رسول مرسل.

فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغيرُ جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا.

* * * وقال آخرون: إتيانه عز وجل، نظيرُ ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان.

* * * وقال آخرون: معنى قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله "، يعني به: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله، كما يقال: " قد خشينا أن يأتينا بنو أمية "، يراد به: حُكمهم.

* * * &; 4-266 &; وقال آخرون: بل معنى ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال عز وجل: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سبأ: 33] وكما يقالُ: " قطع الوالي اللص أو ضربه "، وإنما قطعه أعوانُه.

* * * وقد بينا معنى " الغمام " فيما مضى من كتابنا هذا قبل فأغنى ذلك عن تكريره، (80) لأن معناه ههنا هو معناه هنالك.

* * * قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة (81) والمتبعون خُطوات الشيطان، إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيقضي في أمرهم ما هو قاضٍ.

4939 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توقفون موقفًا واحدًا يوم القيامة مقدار سَبعين عامًا، لا يُنظر إليكم ولا يُقضى بينكم، قد حُصر عليكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دمًا، وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم الأذقان، أو يلجمكم فتصيحون، ثم تقولون: من يشَفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا ؟

فيقولون من أحقُّ بذلك من أبيكم آدم ؟

جبل الله تُربته، وخلَقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلَّمه قِبَلا (82) فيؤتى آدم، فيطلبَ ذلك إليه، فيأبى، ثم يستقرئون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرجت حتى آتي الفَحْص= قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الفَحْص ؟

قال: قُدّام العرش= فأخرّ ساجدًا، فلا أزال ساجدًا &; 4-267 &; حتى يبعث الله إليَّ ملَكًا، فيأخذ بعضديّ فيرفعني، ثم يقول الله لي: يا محمد !

فأقول: نعم!

وهو أعلم.

فيقول: ما شأنك ؟

فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة، فشفِّعني في خلقك، فاقض بينهم .

فيقول: قد شفَّعتك، أنا آتيكم فأقضي بينكم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينا نحن وقوفٌ سمعنا حِسًّا من السماء شديدًا، فهالنا، فنـزل أهل السماء الدنيا بمثلَيْ من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقَت الأرضُ بنورهم، وأخذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا ؟

قالوا: لا!

وهو آتٍ.

ثم نـزل أهل السماء الثانية بمثْليْ من نـزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجنّ والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا ؟

قالوا: لا!

وهو آتٍ.

ثم نـزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نـزل من الملائكة، وبمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا ؟

قالوا: لا !

وهو آتٍ، ثم نـزل أهلُ السموات على عدد ذلك من التضعيف، حتى نـزل الجبار في ظُلل من الغمام والملائكة، ولهم زجَلٌ من تسبيحهم يقولون: " سبحان ذي الملك والملكوت!

سبحان ربّ العرش ذي الجبروت!

سبحان الحي الذي لا يموت!

سبحان الذي يُميت الخلائق ولا يموت!

سبوح قدوس، رب الملائكة والروح!

قدّوس قدّوس!

سبحان ربنا الأعلى!

سبحان ذي السلطان والعظمة!

سبحانه أبدًا أبدًا "!

فينـزل تبارك وتعالى، يحملُ عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة ، أقدامهم على تُخوم الأرض السفلى والسموات إلى حُجَزهم ، والعرشُ على مناكبهم.

فوضع الله عز وجل عرشه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي مناد نداءً يُسمع الخلائق، فيقول: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ منذ يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم، وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليّ، فإنما هي صُحُفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه!

فيقضي الله عز وجل بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه &; 4-268 &; ليقتصُّ يومئذ للجمَّاءِ من ذات القَرْن ".

(83) * * * قال أبو جعفر: وهذا الخبر يدلّ على خطأ قول قتادة في تأويله قوله: " والملائكة " أنه يعني به الملائكة تأتيهم عند الموت .

لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنهم يأتونهم بعد قيام الساعة في موقف الحساب، حين تشقَّقُ السماء، وبمثل ذلك روي الخبر &; 4-269 &; عن جماعة من الصحابة والتابعين، كرهنا إطالة الكتاب بذكرهم وذكر ما قالوا في ذلك،= ويوضحُ أيضًا صحة ما اخترنا في قراءة قوله: " والملائكة " بالرفع على معنى: وتأتيهم الملائكة = ويُبينُ عن خطأ قراءة من قرأ ذلك بالخفض، لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تأتي أهل القيامة في موقفهم حين تَفَطَّر السماء، قبل أن يأتيهم ربُّهم، في ظلل من الغمام.

إلا أن يكون قارئ ذلك ذهب إلى أنه عز وجل عنى بقوله ذلك: إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وفي الملائكة الذين يأتون أهلَ الموقف حين يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيكون ذلك وجهًا من التأويل، وإن كان بعيدًا من قول أهل العلم، ودلالة الكتاب وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (210) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وفُصِل القضاء بالعدل بين الخلق، (84) على ما ذكرناه قبلُ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أخْذ الحق لكلّ مظلوم من كل ظالم، حتى القصاص للجمّاء من القرناء من البهائم ".

(85) وأما قوله: " وإلى الله تُرجع الأمور "، فإنه يعني: وإلى الله يؤول القضاء بين خلقه يوم القيامة، والحكم بينهم في أمورهم التي جرت في الدنيا، من ظلم بعضهم بعضًا، واعتداءِ المعتدي منهم حدودَ الله، وخلافَ أمره، وإحسانِ المحسن منهم، وطاعته إياه فيما أمرَه به- فيفصلُ بين المتظالمين، ويجازي أهل الإحسان بالإحسان، &; 4-270 &; وأهل الإساءة بما رأى، ويتفضل على من لم يكن منهم كافرًا فيعفو.

ولذلك قال جل ثناؤه: " وإلى الله تُرجع الأمور "، وإن كانت أمور الدنيا كلها والآخرةِ، من عنده مبدؤها، وإليه مصيرها، إذْ كان خلقُه في الدنيا يتظالمون، ويلي النظرَ بينهم أحيانًا في الدنيا بعضُ خلقه، فيحكم بينهم بعضُ عبيده، فيجورُ بعضٌ ويعدل بعضٌ، ويصيبُ واحد ويخطئ واحد، ويمكَّن من تنفيذ الحكم على بعض، ويتعذَّر ذلك على بعض، لمنعة جانبه وغلبته بالقوة.

فأعلم عبادَه تعالى ذكره أن مرجع جميع ذلك إليه في موقف القيامة، فينصف كُلا من كُلٍّ، ويجازي حق الجزاء كُلا حيثُ لا ظلمَ ولا مُمْتَنَعَ من نفوذ حكمه عليه، وحيث يستوي الضعيف والقويّ، والفقير والغني، ويضمحل الظلم وينـزلُ سلطان العدل.

* * * وإنما أدخل جل وعزّ" الألف واللام " في" الأمور "، لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولم يعن بها بعضًا دون بعض، فكان ذلك بمعنى قول القائل: " يعجبني العسل- والبغل أقوى من الحمار "، فيدخل فيه " الألف واللام "، لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع.

--------------------------- الهوامش : (75) سيأتي في الأثر رقم : 4038 .

(76) قوله : "واتباعا .

.

.

" معطوف على موضع قوله : "لخبر روي عن رسول الله .

.

.

" (77) انظر تفسير"الغمام" فيما سلف 2 : 90 ، 91 ، وما سيأتي قريبا : 266 .

(78) الحديث : 4038 -زمعة بن صالح الجندي- بفتح الجيم والنون- اليماني : ضعيف ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما .

وفصلنا ذلك في شرح المسند : 2061 .

سلمة بن وهرام -بفتح الواو وسكون الهاء- اليماني : ثقة ، وإنما تكلموا فيه من أجل أحاديث رواها عنه زمعة بن صالح ، والحمل فيها على زمعة .

وهذا الحديث ضعيف ، كما ترى وذكره السيوطي 1 : 241- 242 ونسبه لابن جرير والديلمي فقط .

ونقل قبله نحو معناه ، موقوفًا على ابن عباس ونسبه لعبد بن حميد ، وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم .

ولعله موقوفًا أشبه بالصواب .

وانظر الحديث بعده : 4039 .

(79) كأنه يريد ما سلف 2 : 485 ، من أن حروف الاستفهام تدخل بمعنى الجحد .

ولم أجد موضعًا مما يشير إليه غير هذا .

وانظر اللسان مادة (هلل) .

(80) انظر ما سلف 2 : 90- 91 ، وما مضى قريبا : 263 .

(81) في المطبوعة : "هل ينظرون التاركون .

.

" والصواب ما أثبت .

(82) "كلمة قبلا" (بكسر القاف وفتح الباء) أي عيانا ومقابلة ، لا من وراء حجاب ومن غير أن يولى أمره او كلامه أحدًا من الملائكة .

(83) الحديث : 4039 - هذا حدث ضعيف من جهتين : من جهة إسماعيل بن رافع ومن جهة الرجل المبهم من الأنصار ثم هذا السياق فيه نكارة .

فإسماعيل بن رافع بن عويمر المدني : ضعيف جدًا ، ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وابن سعد وغيرهم وذكره ابن حبان في كتاب المجروحين رقم : 42 (مخطوط مصور) وقال : "كان رجلا صالحا ، إلا أنه يقلب الأخبار حتى صار الغالب على حديثه المناكير التي يسبق إلى القلب أنه كالمعتمد لها" .

وهذا الحديث أشار إليه ابن كثير 1 : 474- 475 وقال : "وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم"!

وما وجدته في شيء مما بين يدي من المراجع فلا أدري كيف كان هذا؟

.

ولإسماعيل بن رافع هذا حديث آخر ، في معنى هذا الحديث أطول منه جدًا .

ذكره ابن كثير في التفسير 3 : 337- 342 من رواية الطبراني في كتابه (المطولات) بإسناده من طريق أبي عاصم النبيل عن إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة مرفوعا .

ثم قال ابن كثير بعد سياقه بطوله : "هذا حديث مشهور وهو غريب جدا ، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض أفاظه نكارة .

تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة وقد اختلف فيه : فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه .

ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس ومنهم من قال فيه : هو متروك وقال ابن عدي : أحاديثه كلها فيها نظر إلا انه يكتب حديثه في جملة الضعفاء قلت : [القائل ابن كثير] : وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة وقد أفردتها في جزء على حدة .

وأما سياقه فغريب جدًا ، ويقال أنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقًا واحدًا فأنكر عليه بسبب ذلك .

وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول : إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث .

فاله أعلم" .

ثم جاء صدر الدين بن أبي العز قاضي القضاة -تلميذ ابن كثير- فأشار إلى هذين الحديثين : حديث الطبري الذي هنا ، وحديث الطبراني الذي ذكره شيخه ابن كثير إشارة واحدة في شرح الطحاوية ص : 171- 172 بتحقيقنا كأنه اعتبرهما حديثًا واحدًا ، فذكر بعض سياق الحديث المطول ثم قال : "رواه الأئمة : ابن جرير في تفسيره والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيهقي" فكان شأنه في ذلك موضع نظر ، لأن رواية الطبراني إنما هي في كتاب آخر غير معاجمة الثلاثة كما نقل ابن كثير ثم لم أجده في كتاب الأسماء والصفات للبيهقي .

ثم لم يذكره صاحب الزوائد .

ولو كان في أحد معاجم الطبراني او في مسند أبي يعلى الموصلي كما يوهمه إطلاق ابن أبي العز- لذكره صاحب الزوائد بما التزم من ذلك في كتابه .

(84) انظر معنى"قضى" و"القضاء" فيما سلف 2 : 542 ، 543 .

(85) انظر الأثر السالف رقم : 4039 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور هل ينظرون يعني التاركين الدخول في السلم ، و " هل " يراد به هنا الجحد ، أي ما ينتظرون .

إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة نظرته وانتظرته بمعنى .

والنظر الانتظار .

وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع والضحاك " في ظلال من الغمام " .

وقرأ أبو جعفر " والملائكة " بالخفض عطفا على الغمام ، وتقديره مع الملائكة ، تقول العرب : أقبل الأمير في العسكر ، أي مع العسكر .

( ظلل ) جمع ظلة في التكسير ، كظلمة وظلم وفي التسليم ظللات ، وأنشد سيبويه : - للشاعر الجعدي -إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط من حر وقد كان أظهراوظلات وظلال ، جمع ظل في الكثير ، والقليل أظلال .

ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلة ، مثل قوله : قلة وقلال ، كما قال الشاعر :ممزوجة بماء القلالقال الأخفش سعيد : و " الملائكة " بالخفض بمعنى وفي الملائكة .

قال : والرفع أجود ، كما قال : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ، وجاء ربك والملك صفا صفا .

قال الفراء : وفي قراءة عبد الله : " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام " .

قال قتادة : " الملائكة " يعني تأتيهم لقبض أرواحهم ، ويقال يوم القيامة ، وهو [ ص: 26 ] أظهر .

قال أبو العالية والربيع : تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام ، ويأتيهم الله فيما شاء .

وقال الزجاج : التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة .

وقيل : ليس الكلام على ظاهره في حقه سبحانه ، وإنما المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه .

وقيل : أي بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل ، مثل : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ؛ أي بخذلانه إياهم ، هذا قول الزجاج ، والأول قول الأخفش سعيد .

وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى الجزاء ، فسمى الجزاء إتيانا كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال : فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم .

وقال في قصة النضير : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب ، وقال : وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها .

وإنما احتمل الإتيان هذه المعاني لأن أصل الإتيان عند أهل اللغة هو القصد إلى الشيء ، فمعنى الآية : هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض ، وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا ، وأفعاله بلا آلة ولا علة ، سبحانه!

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : هذا من المكتوم الذي لا يفسر .

وقد سكت بعضهم عن تأويلها ، وتأولها بعضهم كما ذكرنا .

وقيل : الفاء بمعنى الباء ، أي يأتيهم بظلل ، ومنه الحديث : يأتيهم الله في صورة أي بصورة امتحانا لهم ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال ؛ لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام ، تعالى الله الكبير المتعال ، ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوا كبيرا .

" والغمام " : السحاب الرقيق الأبيض ، سمي بذلك لأنه يغم ، أي يستر ، كما تقدم .

وقرأ معاذ بن جبل : " وقضاء الأمر " .

وقرأ يحيى بن يعمر " وقضي الأمور " بالجمع .

والجمهور وقضي الأمر فالمعنى وقع الجزاء وعذب أهل العصيان .

وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " ترجع الأمور " على بناء الفعل للفاعل ، وهو الأصل ، دليله ألا إلى الله تصير الأمور ، إلى الله مرجعكم .

وقرأ الباقون ترجع على بنائه للمفعول ، وهي أيضا قراءة حسنة ، دليله ثم تردون ، ثم ردوا إلى الله [ ص: 27 ] ، ولئن رددت إلى ربي .

والقراءتان حسنتان بمعنى ، والأصل الأولى ، وبناؤه للمفعول توسع وفرع ، والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد .

وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض, المتبعون لخطوات الشيطان, النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال, الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع, ما يقلقل قلوب الظالمين, ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين.

وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض, وتنثر الكواكب, وتكور الشمس والقمر, وتنزل الملائكة الكرام, فتحيط بالخلائق, وينزل الباري [تبارك] تعالى: { فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ } ليفصل بين عباده بالقضاء العدل.

فتوضع الموازين, وتنشر الدواوين, وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة, ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه.

وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, المثبتين للصفات الاختيارية, كالاستواء, والنزول, والمجيء, ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى, عن نفسه, أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته, من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم, من الجهمية, والمعتزلة, والأشعرية ونحوهم, ممن ينفي هذه الصفات, ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان, بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله, والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي, بل ولا دليل عقلي، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة, ظاهرها بل صريحها, دال على مذهب أهل السنة والجماعة, وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل, أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل, وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم: الكلام على الصفات, يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات, فلله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته, وصفات خلقه, تبع لذواتهم, فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه.

ويقال أيضا, لمن أثبت بعض الصفات, ونفى بعضا, أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه, وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع, وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك, ونفيك لبعضه, فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته, وما نفيته, ولن تجد إلى الفرق سبيلا، فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة, أجابك به أهل السنة, لما نفيته.

والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته, فهو متناقض, لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي, بل قد خالف المعقول والمنقول.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( هل ينظرون ) أي هل ينظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان يقال : نظرته وانتظرته بمعنى واحد فإذا كان النظر مقرونا بذكر الله أو بذكر الوجه أو إلى لم يكن إلا بمعنى الرؤية ( إلا أن يأتيهم الله في ظلل ) جمع ظلة ( من الغمام ) السحاب الأبيض الرقيق سمي غماما لأنه يغم أي يستر وقال مجاهد : هو غير السحاب ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم : قال مقاتل : كهيئة الضباب أبيض قال الحسن : في سترة من الغمام فلا ينظر [ إليه ] أهل الأرض ) ( والملائكة ) قرأ أبو جعفر بالخفض عطفا على الغمام تقديره : مع الملائكة تقول العرب : أقبل الأمير في العسكر أي مع العسكر وقرأ الباقون بالرفع على معنى : إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة .

قال الكلبي : هذا من المكتوم الذي لا يفسر وكان مكحول والزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق يقولون فيها وفي أمثالها : أمروها كما جاءت بلا كيف قال سفيان بن عيينة : كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عليه ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله .

قوله تعالى : ( وقضي الأمر ) أي وجب العذاب وفرغ من الحساب وذلك فصل ) ( الله ) القضاء بالحق بين الخلق يوم القيامة ( وإلى الله ترجع الأمور ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هل» ما «ينظرون» ينتظر التاركون الدخول فيه «إلا أن يأتيهم الله» أي أمره كقوله أو يأتي أمر ربك أي عذابه «في ظلل» جمع ظلة «من الغمام» السحاب «والملائكةُ وقضي الأمر» تم أمر هلاكهم «وإلى الله ترجع الأمور» بالبناء للمفعول والفاعل في الآخرة فيجازي كلا بعمله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون بعد قيام الأدلة البينة إلا أن يأتيهم الله عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه في ظُلَل من السحاب يوم القيامة؛ ليفصل بينهم بالقضاء العادل، وأن تأتي الملائكة، وحينئذ يقضي الله تعالى فيهم قضاءه.

وإليه وحده ترجع أمور الخلائق جميعها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَقُضِيَ الأمر ) معناه على هذا الرأي : أتم - سبحانه - أمر العباد وحسابهم فأثيب الطاتع وعوقب العاصي ، ولم تعد لدى العصاة فرصة للتوبة أو تدارك ما فاتهم ، وقد ارتضى هذا الرأي عدد من المفسرين منهم ابن كثير فقد قال في معنى الآية : يقول الله - تعالى - مهدداً للكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة ) يعني : يوم القيامة نفصل القضاء بين الأولين والآخرين ، فيجزي كل عامل بعمله : إن خيراً فخير وإن شراً فشر!!

ولهذا قال - تعالى - ( وَقُضِيَ الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ) .أما علماء الخلف فيؤولون إتيان الله بما يتناسب مع ذاته - سبحانه - ، ولذا فسروا إتيانه بأمره أو بأسه في الدنيا .وقد عبر صاحب الكشاف عن وجهة نظر هؤلاء بقوله : " إتيان الله : إتيان أمره وبأسه كقوله ( أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ) ( جَآءَهُمْ بَأْسُنَا ) ويجوز أن يكون المأتى به محذوفاً ، بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله - قبل ذلك - " فإن الله عزيز حكيم " فإن قلت : لم يأتيهم العذاب في الغمام؟

قلت : لأن الغمام مظنته الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم كما أن الخير إذا جاء في الحديث لا يحتسب كان أسر ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير؛ ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث : ( وَقُضِيَ الأمر ) أي : تم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه .وقال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله ) استئناف مفرغ من مقدر ، أي ليس لهم شيء ينتظرونه إلا إتيان العذاب وهذا مبالغة في توبيخهم وقوله : ( والملائكة ) بالرفع عطفا على اسم الجلالة أي ، وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره - تعالى - ، بل هم الآتون ببأٍه على الحقيقة .

وقرأ الحسن وأبو جعفر : والملائكة بالجر عطفا على ظلل ، أي إلا أن يأتيهم فثي ظلل وفي الملائكة .

وقوله ( وَقُضِيَ الأمر ) فيه وجهان :أحدهما : أن يكون معطوفاً على يأتيهم داخلا في حيز الانتظار ويكون ذلك من وضع الماضي موضع المستقبل والأصل ويقضي الأمر؛ وإنما جيء به كذلك لأنه محقق كقوله : ( أتى أَمْرُ الله ) والثاني : أن يكون جملة مستأنفة برأسها أخبر الله - تعالى - بأنه قد فرغ من أمرهم فهو من عطف الجمل وليس داخلا في حزي الانتظار .ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله : ( وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ) أي إليه وحده - سبحانه - لا إلى غيره ولا إلى أحد معه تصير الأمور خيرها وشرها وسيجازي الذين أساءوا بما عملوا وسيجازي الذين أحسنوا بالحسنى .فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد قضاء أمره ، ونفذا حكمه ، وتمام قدرته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: الكلام المستقصي في لفظ النظر مذكور في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ  ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ  ﴾ وأجمعوا على أنه يجيء بمعنى الانتظار، قال الله تعالى: ﴿ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون  ﴾ فالمراد من قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ ﴾ هو الانتظار.

المسألة الثانية: أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه سبحانه وتعالى منزه عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه: أحدها: ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب يجب أن يكون محدثاً مخلوقاً والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك.

وثانيها: أن كل ما يصح عليه الإنتقال من مكان إلى مكان، فأما أن يكون في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون شيئاً كبيراً فيكون أحد جانبيه مغايراً للآخر فيكون مركباً من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركباً، فإن ذلك المركب يكون مفتقراً في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب هو مفتقر إلى غيره وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق بالعدم، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك.

وثالثها: أن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومتنه فيكون مختصاً بمقدار معين، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك القدر المعين لابد وأن يكون لترجيح مرجح، وتخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك كان فعلاً لفاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق، فالإله القديم الأزلي يمتنع أن يكون كذلك.

ورابعها: أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلهاً قديماً أزلياً فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي الإلهية عن الشمس والقمر، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول: الشمس والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه الغيبة والحضور، فمن جوز المجيء والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم بإلهية الشمس، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله.

وخامسها: أن الله تعالى حكى عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين  ﴾ ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام في ذلك.

سادسها: أن فرعون لعنة الله تعالى عليه لما سأل موسى عليه السلام فقال: ﴿ وَمَا رَبُّ العالمين  ﴾ وطلب منه الماهية والجنس والجوهر، فلو كان تعالى جسماً موصوفاً بالأشكال والمقادير لكان الجواب عن هذا السؤال ليس إلا بذكر الصورة والشكل والقدر: فكان جواب موسى عليه السلام بقوله: ﴿ رَبّ السموات والأرض  ﴾ ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين  ﴾ ﴿ رَّبُّ المشرق والمغرب  ﴾ خطأ وباطلاً، وهذا يقتضي بخطئة موسى عليه السلام فيما ذكر من الجواب، وتصويب فرعون في قوله: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  ﴾ ولما كان كل ذلك باطلاً، علمنا أنه تعالى منزه عن أن يكون جسماً، وأن يكون في مكان، ومنزه عن أن يصح عليه المجيء والذهاب.

وسابعها: أنه تعالى قال: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ  ﴾ والأحد هو الكامل في الوحدانية وكل جسم فهو منقسم بحسب الغرض والإشارة إلى جزأين، فلما كان تعالى أحداً امتنع أن يكون جسماً أو متحيزاً، فلما لم يكن جسماً ولا متحيزاً امتنع عليه المجيء والذهاب، وأيضاً قال تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً  ﴾ أي شبيهاً ولو كان جسماً متحيزاً لكان مشابهاً للأجسام في الجسمية، إنما الاختلاف يحصل فيما وراء الجسمية، وذلك إما بالعظم أو بالصفات والكيفيات، وذلك لا يقدح في حصول المشابهة في الذات، وأيضاً قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ ولو كان جسماً لكان مثلاً للأجسام.

وثامنها: لو كان جسماً متحيزاً لكان مشاركاً لسائر الأجسام في عموم الجسمية، فعند ذلك لا يخلو إما أن يكون مخالفاً في خصوص ذاته المخصوصة، وإما أن لا يكون فإن كان الأول فما به المشاركة غير ما به الممايزة، فعموم كونه جسماً مغاير لخصوص ذاته المخصوصة، وهذا محال لأنا إذا وصفنا تلك الذات المخصوصة بالمفهوم من كونه جسماً كنا قد جعلنا الجسم صفة وهذا محال لأن الجسم ذات الصفة، وإن قلنا بأن تلك الذات المخصوصة التي هي مغايرة للمفهوم من كونه جسماً وغير موصوف بكونه جسماً، فحينئذ تكون ذات الله تعالى شيئاً مغايراً للمفهوم من الجسم، وغير موصوف به وذلك ينفي كونه تعالى جسماً، وإما إن قيل: إن ذاته تعالى بعد أن كانت جسماً لا يخالف سائر الأجسام في خصوصية، فحينئذ يكون مثلاً لها مطلقاً، وكل ما صح عليها فقد صح عليه، فإذا كانت هذه الأجسام محدثة وجب في ذاته أن تكون كذلك، وكل ذلك محال، فثبت أنه تعالى ليس بجسم، ولا بمتحيز، وأنه لا يصح المجيء والذهاب عليه.

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف أهل الكلام في قوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ وذكروا فيه وجوهاً.

الوجه الأول: وهو مذهب السلف الصالح أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أن المجيء والذهاب على الله تعالى محال، علمنا قطعاً أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية هو المجيء والذهاب، وأن مراده بعد ذلك شيء آخر فإن عينا ذلك المراد لم نأمن الخطأ، فالأولى السكوت عن التأويل، وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى، وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعرفه أحد لجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه ووجه نعرفه من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله وهذا القول قد استقصينا القول فيه في تفسير قوله تعالى: ﴿ الم ﴾ .

الوجه الثالث: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لابد من التأويل على سبيل الفصيل ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: المراد ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ أي آيات الله فجعل مجيء الآيات مجيئاً له على التفخيم لشأن الآيات، كما يقال: جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته، والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه تعالى قال في الآية المتقدمة ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ فذكر ذلك في معرض الزجر والتهديد، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ ومعلوم أن التقدير أن يصح المجيء على الله لم يكن مجرد حضوره سبباً للتهديد والزجر، لأنه عند الحضور كما يزجر الكفار ويعاقبهم، فهو يثيب المؤمنين ويخصهم بالتقريب، فثبت أن مجرد الحضور لا يكون سبباً للتهديد والوعيد، فلما كان المقصود من الآية إنما هو الوعيد والتهديد، وجب أن يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والتهديد، ومتى أضمرنا ذلك زالت الشبهة بالكلية، وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية.

والوجه الثاني: في التأويل أن يكون المراد ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ أي أمر الله، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا ذكر فعلاً وأضافه إلى شيء، فإن كان ذلك محالاً فالواجب صرفه إلى التأويل، كما قاله العلماء في قوله: ﴿ الذين يحاربون الله ﴾ والمراد يحاربون أولياءه، وقال: ﴿ واسئل القرية  ﴾ والمراد: واسأل أهل القرية، فكذا قوله: ﴿ يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ المراد به يأتيهم أمر الله، وقوله: ﴿ وَجَاء رَبُّكَ  ﴾ المراد: جاء أمر ربك، وليس فيه إلا حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو مجاز مشهور، يقال: ضرب الأمير فلاناً، وصلبه، وأعطاه، والمراد أنه أمر بذلك، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه، ثم الذي يؤكد القول بصحة هذا التأويل وجهان الأول: أن قوله هاهنا: ﴿ يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ وقوله: ﴿ وَجَاء رَبُّكَ ﴾ إخبار عن حال القيامة، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ  ﴾ فصار هذا الحكم مفسراً لذلك المتشابه، لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض والثاني: أنه تعالى قال بعده: ﴿ وَقُضِىَ الأمر  ﴾ ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق، فلابد وأن يكون قد جرى ذكر أمر قبل ذلك حتى تكون الألف واللام إشارة إليه، وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله: ﴿ يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ أي يأتيهم أمر الله.

فإن قيل: أمر الله عندكم صفة قديمة، فالإتيان عليها محال، وعند المعتزلة أنه أصوات فتكون أعراضاً، فالإتيان عليها أيضاً محال.

قلنا: الأمر في اللغة له معنيان، أحدهما الفعل والشأن والطريق، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واحدة كَلَمْحٍ بالبصر  ﴾ ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ  ﴾ وفي المثل: لأمر ما جدع قصير أنفه، لأمر ما يسود من يسود فيحمل الأمر هاهنا على الفعل، وهو ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المبينة، وهذا هو التأويل الأول الذي ذكرناه، وأما إن حملنا الأمر على الأمر الذي هو ضد النهي ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون التقدير أن منادياً ينادي يوم القيامة: ألا إن الله يأمركم بكذا وكذا، فذاك هو إتيان الأمر، وقوله: ﴿ فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام ﴾ أي مع ظلل، والتقدير: إن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في زمان واحد والثاني: أن يكون المراد من إتيان أمر الله في ظلل من الغمام حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله تعالى على كل أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو يكون المراد أنه تعالى خلق نقوشاً منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد وغيرهما وتكون فائدة الظلل من الغمام أنه تعالى جعله أمارة لما يريد إنزاله بالقوم فعنده يعلمون أن الأمر قد حضر وقرب.

الوجه الثالث: في التأويل أن المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعد من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلاً عليهم، إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد وإذا لم يذكر كان أبلغ لانقسام خواطرهم، وذهاب فكرهم في كل لوجه، ومثله قوله تعالى: ﴿ فأتاهم الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين  ﴾ والمعنى أتاهم الله بخذلانه إياهم من حيث لم يحتسبوا وكذلك قوله تعالى: ﴿ فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ وأتاهم العذاب  ﴾ فقوله: ﴿ وأتاهم العذاب ﴾ كالتفسير لقوله تعالى: ﴿ فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد ﴾ ويقال في العرف الظاهر إذا سمع بولاية جائر: قد جاءنا فلان بجوره وظلمه، ولا شك أن هذا مجاز مشهور.

الوجه الرابع: في التأويل أن يكون ﴿ فِى ﴾ بمعنى الباء، وحروف الجر يقام بعضها مقام البعض، وتقديره هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام والملائكة، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة.

الوجه الخامس: أن المقصود من الآية تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها، وذلك لأن جميع المذنبين إذا حضروا للقضاء والخصومة، وكان القاضي في تلك الخصومة أعظم السلاطين قهراً وأكبرهم هيبة، فهؤلاء المذنبون لا وقت عليهم أشد من وقت حضوره لفصل تلك الخصومة، فيكون الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسموات مطويات بيمينه  ﴾ من غير تصوير قبضة وطي ويمين، وإنما هو تصوير لعظمة شأنه لتمثيل الخفي بالجلي، فكذا هاهنا والله أعلم.

الوجه السادس: وهو أوضح عندي من كل ما سلف: أنا ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً  ﴾ إنما نزلت في حق اليهود، وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ يكون خطاباً مع اليهود، وحينئذ يكون قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكة ﴾ حكاية عن اليهود، والمعنى: أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً  ﴾ وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود ولم يمنع إجراء الآية على ظاهرها، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه، وكانوا يجوزون على الله المجيء والذهاب، وكانوا يقولون: إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه، فلا يحتاج حينئذ إلى التأويل، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز، وبالجملة فالآية تدل على أن قوماً ينتظرون أن يأتيهم الله، وليس في الآية دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أو مبطلون، وعلى هذا التقدير يسقط الإشكال.

فإن قيل: فعلى هذا التأويل كيف يتعلق به قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ .

قلنا: الوجه فيه أنه تعالى لما حكى عنادهم وتوقفهم في قبول الدين على هذا الشرط الفاسد، فذكر بعده ما يجري مجرى التهديد فقال: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ وهذا الوجه أظهر عندي من كل ما سبق، والله أعلم بحقيقة كلامه.

الوجه السابع: في التأويل ما حكاه الفقال في تفسيره عن أبي العالية، وهو أن الإتيان في الظلل مضاف إلى الملائكة؛ فأما المضاف إلى الله جل جلاله فهو الإتيان فقط، فكان حمل الكلام على التقديم والتأخير، ويستشهد في صحته بقراءة من قرأ ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله والملئكة فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام ﴾ قال القفال رحمه الله: هذا التأويل مستنكر.

أما قوله: ﴿ فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام ﴾ فاعلم أن ﴿ الظلل ﴾ جمع ظلة، وهي ما أظلك الله به، ﴿ والغمام ﴾ لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعاً متراكماً، فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة، والجمع ظلل، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل  ﴾ وقرأ بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظلال مّنَ الغمام ﴾ فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة، كقلال وقلة، وأن يكون جمع ظل.

إذا عرفت هذا فنقول: المعنى ما ينظرون إلا أن يأتيهم قهر الله وعذابه في ظلل من الغمام.

فإن قيل: ولم يأتيهم العذاب في الغمام؟.

قلنا: لوجوه: أحدها: أن الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع، لأن السر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أهول وأفظع، كما أن الخير إذا جاء منحيث لا يحتسب كان أكثر تأثيراً في السرور، فكيف إذاجاء الشر من حيث يحتسب الخير، ومن هذا اشتد على المتفكرين في كتاب الله تعالى قوله: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ  ﴾ .

وثانيها: أن نزول الغمام علامة لظهور ما يكون أشد الأهوال في القيامة قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا  ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ عَسِيرًا  ﴾ .

وثالثها: أن الغمام تنزل عنه قطرات كثيرة غير محصورة ولا محدودة، فكذا هذا الغمام ينزل عنه قطرات العذاب نزولاً غير محصور.

أما قوله تعالى: ﴿ والملئكة ﴾ فهو عطف على ما سبق، والتقدير: وتأتيهم الملائكة وإتيان الملائكة يمكن أن يحمل على الحقيقة فوجب حمله عليها فصار المعنى أن يأتي أمر الله وآياته والملائكة مع ذلك يأتون ليقوموا بما أمروا به من إهانة أو تعذيب أو غيرهما من أحكام يوم القيامة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَقُضِىَ الأمر ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى أنه فرغ ما كانوا يوعدون به فعند ذلك لا تقال لهم عثرة لهم ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَقُضِىَ الأمر ﴾ معناه: ويقضي الأمر والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر فوضع الماضي موضع المستقبل وهذا كثير في القرآن، وخصوصاً في أمور الآخرة فإن الإخبار عنها يقع كثيراً بالماضي، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى  ﴾ والسبب في اختيار هذا المجاز أمران أحدهما: التنبيه على قرب أمر الآخرة فكأن الساعة قد أتت ووقع ما يريد الله إيقاعه والثاني: المبالغة في تأكيد أنه لابد من وقوعه لتجزى كل نفس بما تسعى، فصار بحصول القطع والجزم بوقوعه كأنه قد وقع وحصل.

المسألة الثالثة: الأمر المذكور هاهنا هو فصل القضاء بين الخلائق.

وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزلته من الجنة والنار، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَقُضِىَ الأمر ﴾ يدل على أن أحوال القيامة توجد دفعة من غير توقف، فإنه تعالى ليس لقضائه دافع، ولا لحكمه مانع.

المسألة الرابعة: قرأ معاذ بن جبل ﴿ قُضِىَ الأمر ﴾ على المصدر المرفوع عطفاً على الملائكة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: من المجسمة من قال: كلمة إلى لانتهاء الغاية، وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى في مكان ينتهي إليه يوم القيامة، أجاب أهل التوحيد عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى ملك عباده في الدنيا كثيراً من أمور خلقه فإذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم في العباد سواء كما قال: ﴿ والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ وهذا كقولهم: رجع أمرنا إلى الأمير إذا كان هو يختص بالنظر فيه ونظيره قوله تعالى: ﴿ وإلى الله المصير  ﴾ مع أن الخلق الساعة في ملكه وسلطانه الثاني: قال أبو مسلم: إنه تعالى قد ملك كل أحد في دار الاختبار والبلوى أموراً امتحاناً فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان الأمر كله لله وحده وإذا كان كذلك فهو أهل أن يتقى ويطاع ويدخل في السلم كما أمر، ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿ تُرْجَعُ ﴾ بضم التاء على معنى ترد، يقال: رجعته أي رددته، قال تعالى: ﴿ وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى  ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى  ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق  ﴾ وقال تعالى: ﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ  لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ أي ردني، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ تُرْجَعُ ﴾ بفتح التاء أي تصير، كقوله تعالى: ﴿ أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ وإلى الله مَرْجِعُكُمْ  ﴾ قال القفال رحمه الله: والمعنى في القراءتين متقارب، لأنها ترجع إليه جل جلاله، وهو جل جلاله يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة، ثم قال: وفي قوله: ﴿ تُرْجَعُ الأمور ﴾ بضم التاء ثلاث معان أحدها: هذا الذي ذكرناه، وهو أنه جل جلاله يرجعها كما قال في هذه الآية: ﴿ وَقُضِىَ الأمر ﴾ وهو قاضيها والثاني: أنه على مذهب العرب في قولهم: فلان يعجب بنفسه، ويقول الرجل لغيره: إلى أين يذهب بك، وإن لم يكن أحد يذهب به والثالث: أن ذوات الخلق وصفاتهم لما كانت شاهدة عليهم بأنهم مخلوقون محدثون محاسبون، وكانوا رادين أمرهم إلى خالقهم، فقوله: ﴿ تُرْجَعُ الأمور ﴾ أي يردها العباد إليه وإلى حكمه بشهادة أنفسهم، وهو كما قال: ﴿ يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض  ﴾ فإن هذا التسبيح بحسب شهادة الحال، لا بحسب النطق باللسان، وعليه يحمل أيضاً قوله: ﴿ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا  ﴾ قيل: إن المعنى يسجد له المؤمنون طوعاً، ويسجد له الكفار كرهاً بشهادة أنفسهم بأنهم عبيد الله، فكذا يجوز أن يقال: إن العباد يردون أمورهم إلى الله، ويعترفون برجوعها إليه، أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكفار فبشهادة الحال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

إتيان الله إتيان أمره وبأسه كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ ﴾ [النحل: 33] ، ﴿ فجاءهم بأسنا ﴾ [الأنعام: 43] ويجوز أن يكون المأتي به محذوفاً، بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله: ﴿ إنالله عَزِيزٌ ﴾ ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ جمع ظلة وهي ما أظلك.

وقرئ: ﴿ ظلال ﴾ وهي جمع ظلة، كقلة وقلال أو جمع ظل.

وقرئ والملائكة بالرفع كقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة ﴾ [الأنعام: 158] وبالجر عطف على ظلل أو على الغمام.

فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟

قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير، ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث.

ومن ثمة اشتد على المتفكرين في كتاب الله قوله تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ [الزمر: 47] .

﴿ وَقُضِىَ الأمر ﴾ وأتم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه.

وقرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه: ﴿ وقضاء الأمر ﴾ ، على المصدر المرفوع عطفاً على الملائكة.

وقرئ: ﴿ ترجِع ﴾ ، ﴿ وترجَع ﴾ ، على البناء للفاعل والمفعول بالتأنيث والتذكير فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ.

﴿ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ يَأْتِيَهم أمْرُهُ أوْ بَأْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ ﴿ فَجاءَها بَأْسُنا ﴾ أوْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِبَأْسِهِ فَحُذِفَ المَأْتِيُّ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقُلَّةٍ وقُلَلٍ وهي ما أظَلَّكَ، وقُرِئَ « ظِلالٍ» كَقِلالٍ.

﴿ مِنَ الغَمامِ ﴾ السَّحابِ الأبْيَضِ وإنَّما يَأْتِيهِمُ العَذابُ فِيهِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، فَإذا جاءَ مِنهُ العَذابُ كانَ أفْظَعَ لِأنَّ الشَّرَّ إذا جاءَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ كانَ أصْعَبَ فَكَيْفَ إذا جاءَ مِن حَيْثُ يَحْتَسِبُ الخَيْرَ.

﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ فَإنَّهُمُ الواسِطَةُ في إتْيانِ أمْرِهِ، أوِ الآتُونَ عَلى الحَقِيقَةِ بِبَأْسِهِ.

وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ ظُلَلٍ ﴾ أوِ ﴿ الغَمامِ ﴾ .

﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ أتَمَّ أمَرَ إهْلاكِهِمْ وفَرَغَ مِنهُ، وضَعَ الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِدُنُوِّهِ وتَيَقُّنِ وُقُوعِهِ.

وقُرِئَ و « قَضاءُ الأمْرِ» عَطْفًا عَلى المَلائِكَةِ.

﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّهُ مِنَ الرّاجِعِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتَّأْنِيثِ غَيْرَ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مِنَ الرُّجُوعِ، وقُرِئَ أيْضًا بِالتَّذْكِيرِ وبِناءِ المَفْعُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هَلْ يَنظُرُونَ} ما ينتظرون {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله} أي أمر الله وبأسه كقوله أَوْ يأتى أمر ربك فجاءها بأسنا أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله إن الله

البقرة (٢١٠ _ ٢١٣)

عزيز {فِي ظُلَلٍ} جمع ظلة وهي ما أظلك {من الغمام} السحاب وهو للتهويل إذ الغمام مظنة الرحمة فإذا أنزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول {والملائكة} أي وتأتي الملائكة الذين وكلوا بتعذيبهم أو المراد حضورهم يوم القيامة {وَقُضِىَ الأمر} أي وتم أمر إهلاكهم وفرغ منه {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} أي أنه ملّك العباد بعض الأمور فترجع إليه الأمور يوم النشور ترجع الأمور حيث كان شامي وحمزة وعلي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ، والضَّمِيرُ لِلْمَوْصُولِ السّابِقِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المُنافِقُونَ أوْ أهْلُ الكِتابِ، أوْ إلى مَن يُعْجِبُك إنْ أُرِيدَ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ أوِ المُسْلِمُونَ.

﴿ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ بِالمَعْنى اللّائِقِ بِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - مُنَزَّهًا عَنْ مُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ والتَّقَيُّدِ بِصِفاتِ المُمْكِناتِ.

﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقُلَّةٍ وكَقُلَلٍ، وهي ما أظَلَّكَ، وقُرِئَ ظِلالٌ كَقِلالٍ.

﴿ مِنَ الغَمامِ ﴾ أيِ: السَّحابِ أوِ الأبْيَضِ مِنهُ.

﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ يَأْتُونَ، وقُرِئَ: ( والمَلائِكَةِ ) بِالجَرِّ عَطْفٌ عَلى ظُلَلٍ أوِ الغَمامِ؛ والمُرادُ مَعَ المَلائِكَةِ.

أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”يَجْمَعُ اللَّهُ - تَعالى - الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيامًا، شاخِصَةً أبْصارُهم إلى السَّماءِ، يَنْظُرُونَ فَصْلَ القَضاءِ، ويَنْزِلُ اللَّهُ - تَعالى - في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العَرْشِ إلى الكُرْسِيِّ“».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: يَهْبِطُ حِينَ يَهْبِطُ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ سَبْعُونَ ألْفَ حِجابٍ، مِنها النُّورُ والظُّلْمَةُ والماءُ، فَيُصَوِّتُ الماءُ في تِلْكَ العَظَمَةِ صَوْتًا تَنْخَلِعُ لَهُ القُلُوبُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: أنَّ مِنَ الغَمامِ ظُلَلًا، يَأْتِي اللَّهُ - تَعالى - فِيها مَحْفُوفاتٍ بِالمَلائِكَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: ( إلّا أنَّ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ في ظُلَلٍ ) ومِنَ النّاسِ مَن قَدَّرَ في أمْثالِ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ مَحْذُوفًا، فَقالَ: في الآيَةِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ، والمُرادُ يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ - تَعالى - وبَأْسُهُ أوْ حَقِيقِيٌّ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يَأْتِيهِمُ اللَّهُ - تَعالى - بِبَأْسِهِ، وحُذِفَ المَأْتِيُّ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنْ اللَّهَ عَزِيز حَكِيم ) فَإنَّ العِزَّةَ والحِكْمَةَ تَدُلُّ عَلى الِانْتِقامِ بِحَقٍّ، وهو البَأْسُ والعَذابُ، وذَكَرَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّهُمُ الواسِطَةُ في إتْيانِ أمْرِهِ أوِ الآتُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ - تَعالى - حِينَئِذٍ تَمْهِيدًا لِذِكْرِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عَلى وجْهٍ، وخُصَّ الغَمامُ بِمَحَلِّيَّةِ العَذابِ؛ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، فَإذا جاءَ مِنهُ العَذابُ كانَ أفْظَعَ؛ لِأنَّ الشَّرَّ إذا جاءَ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ كانَ أصْعَبَ، فَكَيْفَ إذا جاءَ مِن حَيْثُ يُحْتَسَبُ الخَيْرُ، ولا يَخْفى أنَّ مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - أنْ يَظْهَرَ بِما شاءَ وكَيْفَ شاءَ ومَتى شاءَ، وأنَّهُ في حالِ ظُهُورِهِ باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّقَيُّدِ مُبَرَّأٌ عَنِ التَّعَدُّدِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وأرْبابُ القُلُوبِ مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم - لَمْ يَحْتَجْ إلى هَذِهِ الكُلْفاتِ، ولَمْ يَحُمْ حَوْلَ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ ﴿ وقُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ: أُتِمَّ أمْرُ العِبادِ وحِسابُهُمْ، فَأُثِيبَ الطّائِعُ وعُوقِبَ العاصِي، وأتَمَّ أمْرَ إهْلاكِهِمْ وفَرَغَ مِنهُ، وهو عَطْفٌ عَلى ( هَلْ يَنْظُرُونَ )؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ مَعْنًى ووُضِعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِدُنُوِّ وتَيَقُّنِ وُقُوعِهِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: ( وقَضاءُ الأمْرِ ) عَطْفًا عَلى المَلائِكَةِ.

﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ 120﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّأْكِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإلى اللَّهِ تَرْجِعُ الأُمُورُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الحِسابُ أوِ الإهْلاكُ، وعَلى قِراءَةِ مُعاذٍ عَطْفٌ عَلى ( هَلْ يَنْظُرُونَ ) أيْ: لا يَنْظُرُونَ إلّا الإتْيانَ، وأمْرُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى -، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: ( تُرْجَعُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الرَّجْعِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتَّأْنِيثِ غَيْرُ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مِنَ الرُّجُوعِ، وقُرِئَ أيْضًا بِالتَّذْكِيرِ وبِناءِ المَفْعُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

هَلْ يَنْظُرُونَ هل في القرآن على سبعة أوجه في موضع يراد بها (قد) ، كقوله: هَلْ أَتاكَ [الغاشية: 1] أي قد أتاك.

ومرة يراد بها (الاستفهام) ، كقوله هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: 44] ومرة يراد بها (السؤال) ، كقوله: فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الأعراف: 44] .

ومرة يراد بها (التفهيم) ، كقوله: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [الصف: 10] ومرة يراد بها (التوبيخ) ، كقوله: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ [الشعراء: 221] .

ومرة يراد بها (الأمر) ، كقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] ، أي انتهوا، ومرة يراد بها (الجحد) ، كقوله في هذا الموضع: هَلْ يَنْظُرُونَ.

إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، أي ما ينظرون.

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هذا من المكتوم الذي لا يفسر ...

وروى عبد الرزاق، عن سفيان الثوري قال: قال ابن عباس: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير يعلمه العلماء، وتفسير تعرفه العرب، وتفسير لا يقدر أحد عليه لجهالته، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل، ومن ادعى علمه فهو كاذب.

وهذا موافق لقوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: 7] وكذلك هذه الآية سكت بعضهم عن تأويلها وقالوا: لا يعلم تأويلها إلا الله.

وبعضهم تأولها فقال: هذا وعيد للكفار، فقال: هَلْ يَنْظُرُونَ، أي ما ينتظرون ولا يؤمنون إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ يعني أمر الله تعالى، كما قال في موضع آخر: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: 2] ، يعني أمر الله.

وقال بعضهم: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، يعني بما وعد لهم مِنْ العذاب.

فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ.

يعني في غمام فيه ظلمة.

وقيل في ظلل يعني بظلل.

وقال: على غمام فيه ظلمة.

وَالْمَلائِكَةُ قرأ أبو جعفر بكسر الهاء، يعني فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام وفي الملائكة.

قال قتادة: وهي قراءة شاذة والقراءة المعروفة بالضم يعني تأتيهم الملائكة.

وقال قتادة وَالْمَلائِكَةُ، يعني تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم.

ويقال: يوم القيامة.

وَقُضِيَ الْأَمْرُ، أي فرغ مما يوعدون، يعني دخول أهل الجنة الجنة ودخول أهل النار النار.

وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، يعني عواقب الأمور.

قرأ حمزة والكسائي وابن عامر تُرْجَعُ بنصب التّاء ويكون الفعل للأمور.

وقرأ الباقون: بضم التاء على فعل ما لم يسم فاعله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لما حسن من جميع جهاته.

وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)

وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ...

الآية: هذه صفة الكَافِرِ والمنافقِ الذاهِبِ بنَفْسِهِ زَهْواً، ويحذر المؤمن أن يوقعه الحَرَجُ في نحو هذا، وقد قال بعْضُ العلماءِ: كفى بالمرء إِثماً أنّ يقول له أخُوهُ: اتق اللَّهَ، فيقول له: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، مِثْلُكَ يُوصِينِي.

قلت:

قال أحمد بن نصر الداوديّ: عن ابن مسعودٍ: من أكبر/ الذنبِ أنْ يقال للرجل: اتق ٥٢ أالله، فيقول: عليك نفسك، أنت تأمرني «١» .

انتهى.

والْعِزَّةُ هنا: المنعة، وشدَّة النفْس، أي: اعتز في نفسه، فأوقعته تلك العزةُ في الإِثم، ويحتمل المعنى: أخذته العزّة مع الإثم.

وفَحَسْبُهُ، أي: كافيه، والْمِهادُ: ما مهد الرجلُ لنفسه كأنه الفراشُ.

وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ...

الآية: تتناول كلَّ مجاهدٍ في سبيل اللَّهِ، أو مستشهدٍ في ذاته، أو مغيِّر منْكَرٍ، وقيل: هذه الآية في شهداء غزوة الرَّجِيعِ «٢» :

عاصمِ بْنِ ثَابِتٍ «٣» ، وخُبَيْب «٤» ، وأصحابِهِمَا، وقال عكرمةُ وغيره: هي في طائفة من

المهاجرين، وذكروا حديث صهيب «١» .

ويَشْرِي: معناه يبيعُ ومنه وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: ٢٠] ، وحكى قوم أنه يقالُ: شرى بمعنى اشترى، ويحتاجُ إِلى هذا من تأوَّل الآية في صُهَيْبٍ لأنه اشترى نفْسَه بمالِهِ.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ترجيةٌ تقتضي الحضَّ على امتثال ما وقع به المدْحُ في الآية كما أن قوله سبحانه: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ تخويفٌ يقتضي التحذيرَ ممَّا وقع به الذمُّ في الآية، ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخولِ في السِّلْم، وهو الإِسلام، والمُسَالمة، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في أهل الكتابِ، والألف واللام في الشيطانِ للجنْسِ» .

وعَدُوٌّ: يقع للواحدِ، والاثنينِ، والجمعِ، وقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ...

الآية: أصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات، والآراء، وغير ذلك، والمعنى: ضللتم، والْبَيِّناتُ محمّد صلّى الله عليه وسلم وآياته، ومعجزاته، إِذا كان الخطابُ أوَّلاً لجماعةِ المؤمنين، وإِذا كان الخطابُ لأهل الكتاب، فالبيناتُ ما ورد في شرائعهم من الإِعلام بمحمَّد صلّى الله عليه وسلم، والتعريف به.

وعَزِيزٌ: صفة مقتضيةٌ أنَّه قادرٌ عليكم لا تعجزونَهُ، ولا تمتنعون منه، وحَكِيمٌ، أي: مُحْكِمٌ فيما يعاقبكم به لِزَلَلِكُمْ.

وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ، أيْ: ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين يزلُّون، والظُّلَلُ:

جمع ظُلَّة، وهي ما أظَلَّ من فوق، والمعنى: يأتيهم حكم اللَّه، وأمره، ونهيه، وعقابه إِياهم.

وذهب ابن جُرَيْج وغيره إِلى أن هذا التوعُّد هو مما يقع في الدنيا «٣» ، وقال قومٌ:

بل هو توعُّد بيوم القيامة «٤» ، وقال قوم: إِلا أن يأتيهم الله وعيد بيوم القيامة «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كانُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ يَتَّقُونَ السَّبْتَ ولَحْمَ الجَمَلِ، وأشْياءَ يَتَّقِيها أهْلُ الكِتابِ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ،  ، أُمِرُوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ، يَأْمُرُهم بِالدُّخُولِ في شَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

وَفِي "السِّلْمِ " ثَلاثُ لُغاتٍ: كَسْرُ السِّينِ، وتَسْكِينُ اللّامِ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ في "البَقَرَةِ" وفَتَحا السِّينَ في "الأنْفالِ" وسُورَةِ "مُحَمَّدٍ" وفَتْحُ السِّينِ مَعَ تَسْكِينِ اللّامِ.

وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، وفَتْحُ السِّينِ واللّامِ.

وبِها قَرَأ الأعْمَشُ في "البَقَرَةِ" خاصَّةً.

وَفِي مَعْنى " السِّلْمِ " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها الطّاعَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: و"كافَّةً" بِمَعْنى الجَمِيعِ، وهو في اشْتِقاقِ اللُّغَةِ: ما يَكُفُّ الشَّيْءَ في آَخِرِهِ، مِن ذَلِكَ: كَفَّهُ القَمِيصُ، وكُلُّ مُسْتَطِيلٍ فَحَرَّفَهُ كُفَّةٌ: بِضَمِّ الكافِ.

ويُقالُ: في كُلِّ مُسْتَدِيرٍ: كِفَّهُ بِكَسْرِ الكافِ، نَحْوُ: كِفَّةُ المِيزانِ.

ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَتْ كُفَّةَ الثَّوْبِ، لِأنَّها تَمْنَعُهُ أنْ يَنْتَشِرَ، وأصْلُ الكَفِّ: المَنعُ، وقِيلَ لِطَرَفِ اليَدِ: كَفٌّ، لِأنَّها تَكُفُّ بِها عَنْ سائِرِ البَدَنِ، ورَجُلٌ مَكْفُوفٌ: قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ أنْ يَنْظُرَ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ قَوْلُهُ: "كافَّةً" يَرْجِعُ إلى السِّلْمِ، أوْ إلى الدّاخِلِينَ فِيهِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى السِّلْمِ، فَتَقْدِيرُهُ: ادْخُلُوا في جَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ.

وهَذا يَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في نُزُولِ الآَيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الدّاخِلِينَ فِيهِ، فَتَقْدِيرُهُ: ادْخُلُوا كُلُّكم في الإسْلامِ، وبِهَذا يَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الثّانِي.

وعَلى القَوْلِ الثّالِثِ يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "كافَّةً" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِألْسِنَتِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِقُلُوبِهِمْ، والثّانِي أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالدُّخُولِ في جَمِيعِ شَرائِعِهِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا  ﴾ .

و: "خُطُواتُ الشَّيْطانِ" المَعاصِي.

وقَدْ سَبَقَ شَرْحُها.

و"البَيِّناتُ" الدَّلالاتُ الواضِحاتُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي الإسْلامُ والقُرْآَنُ.

و"يَنْظُرُونَ" بِمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ كانَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يُمْسِكُونَ عَنِ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا.

وقَدْ ذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِهِ: قُدْرَتُهُ وأمْرُهُ.

قالَ: وقَدْ بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ﴾ أيْ: بِظُلَلٍ.

والظُّلَلُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ.

و"الغَمامُ": السَّحابُ الَّذِي لا ماءَ فِيهِ.

قالَ الضَّحّاكُ: في قِطَعٍ مِنَ السَّحابِ.

ومَتى يَكُونُ مَجِيءُ المَلائِكَةِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِخَفْضِ "المَلائِكَةِ" و"قُضِيَ الأمْرُ": فَرَغَ مِنهُ.

﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ أيْ: تَصِيرُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ، "تُرْجَعُ" بِضَمِّ التّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها.

فَإنْ قِيلَ: فَكَأنَّ الأُمُورَ كانَتْ إلى غَيْرِهِ؟

فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِ إعْلامُ الخَلْقِ أنَّهُ المُجازِي عَلى الأعْمالِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا عَبَدَ قَوْمَ غَيْرِهِ، ونَسَبُوا أفْعالَهُ إلى سِواهُ، ثُمَّ انْكَشَفَ الغِطاءُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَدُّوا إلَيْهِ ما أضافُوهُ إلى غَيْرِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَدْ رَجَعَ عَلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: إذا صارَ إلَيْهِ مِنهُ مَكْرُوهٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ، قالَ الشّاعِرُ: فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَ مَرَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ ومِمّا يُشْبِهُ هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ: وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ أرادَ: يَصِيرُ رَمادًا، لا أنَّهُ كانَ رَمادًا.

وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: تِلْكَ المَكارِمُ لا قِعْبانَ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ شَيَّبا بِماءٍ فَعادا بَعْدَ أبْوالًا أيْ: صارَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا كانَتِ الأُمُورُ إلَيْهِ قَبْلَ الخَلْقِ، ثُمَّ أوَجَدَهم فَمَلَّكَهم بَعْضَها رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ جَرى ذِكْرُ اسْمِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ فَما الحِكْمَةُ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وإلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ؟

فالجَوابُ: أنَّ إعادَةَ اسْمِهِ أفْخَمُ وأعْظَمُ، والعَرَبُ إذا جَرى ذِكْرُ شَيْءٍ يُفَخَّمُ أعادُوا لَفْظَهُ، وأنْشَدُوا: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْئًا ∗∗∗ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا فَأعادُوا ذِكْرَ المَوْتِ لِفَخامَتِهِ في صُدُورِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللهُ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللهِ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللهُ يَرْزُقُ مِنَ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زَلَلْتُمْ" بِفَتْحِ اللامِ.

وقَرَأ أبُو السَمالِ: "زَلَلْتُمْ" بِكَسْرِها.

وأصْلُ الزَلَلِ في القِدَمِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في الِاعْتِقاداتِ والآراءِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

والمَعْنى: ضَلَلْتُمْ وعِجْتُمْ عَنِ الحَقِّ.

و"البَيِّناتُ" مُحَمَّدٌ وآياتُهُ ومُعْجِزاتُهُ إذا كانَ الخِطابُ أوَّلًا لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ فالبَيِّناتُ ما ورَدَ في شَرائِعِهِمْ مِنَ الإعْلامِ بِمُحَمَّدٍ  والتَعْرِيفِ بِهِ.

و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ مُقْتَضِيَةٌ أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْكُمْ، لا تُعْجِزُونَهُ، ولا تَمْتَنِعُونَ مِنهُ.

"حَكِيمٌ" أيْ مُحْكَمٌ فِيما يُعاقِبُكم بِهِ لِزَلَلِكم.

وحَكى النَقّاشُ أنَّ كَعْبَ الأحْبارِ لَمّا أسْلَمَ، كانَ يَتَعَلَّمُ القُرْآنَ، فَأقْرَأهُ الَّذِي كانَ يَعْلَمُهُ "فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَقالَ كَعْبٌ: إنِّي لَأسْتَنْكِرُ أنْ يَكُونَ هَكَذا، ومَرَّ بِهِما رَجُلٌ، فَقالَ كَعْبٌ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟

فَقَرَأ الرَجُلُ: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فَقالَ كَعْبٌ: هَكَذا يَنْبَغِي.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ الآيَةُ.

الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، و"هَلْ" مِن حُرُوفِ الِابْتِداءِ كَأمّا، و"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ، والمُرادُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزِلُّونَ.

والظُلَلُ جَمْعُ ظُلَّةٍ، وهِيَ: ما أظَلَّ مِن فَوْقٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: "فِي ظِلالِ" وكَذَلِكَ رَوى هارُونُ بْنُ حاتِمٍ، عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمٍ هُنا، وفي الحَرْفَيْنِ في الزُمَرِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: "ظُلَلٌ": طاقاتٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وأبُو حَيْوَةَ والمَلائِكَةِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الغَمامِ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "اللهُ"، والمَعْنى يَأْتِيهِمْ حُكْمُ اللهِ وأمْرُهُ ونَهْيُهُ وعِقابُهُ إيّاهُمْ، وذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا التَوَعُّدَ هو بِما يَقَعُ في الدُنْيا.

وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو تَوَعُّدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ ﴾ وعِيدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ وأمّا المَلائِكَةُ فالوَعِيدُ هو بِإتْيانِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ.

و"الغَمامِ" أرَقُّ السَحابِ وأصْفاهُ وأحْسَنُهُ، وهو الَّذِي ظَلَّلَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.

وقالَ النَقّاشُ: هو ضَبابٌ أبْيَضُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ والمَلائِكَةُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ".

و"قُضِيَ الأمْرُ" مَعْناهُ: وقَعَ الجَزاءُ وعُذِّبَ أهْلُ العِصْيانِ.

وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: "وَقَضاءُ الأمْرِ".

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "وَقَضى الأُمُورَ" بِالجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَرْجِعُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "تَرْجِعُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ وهي راجِعَةٌ إلَيْهِ تَعالى قَبْلُ وبَعْدُ، وإنَّما نُبِّهَ بِذِكْرِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى زَوالِ ما كانَ مِنها إلى المُلُوكِ في الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةُ.

الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ  ، وفِيهِ إباحَةُ السُؤالِ لِمَن شاءَ مِن أُمَّتِهِ: ومَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخُهم عَلى عِنادِهِمْ بَعْدَ الآياتِ البَيِّنَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ عنهُ: "اسْألْ" عَلى الأصْلِ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "أسَلُ" عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ إلى السِينِ وتَرْكِ الِاعْتِدادِ بِذَلِكَ في إبْقاءِ ألِفِ الوَصْلِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ الحُمْرُ ومَن قَرَأ "سَلَّ" فَإنَّهُ أزالَ ألِفَ الوَصْلِ، حِينَ نَقَلَ واسْتَغْنى عنها.

و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَها لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: كَمْ آتَيْنا "آتَيْناهُمْ" وإمّا بِـ "آتَيْناهُمْ".

وقَوْلُهُ: "مِن آيَةٍ" هو عَلى التَقْدِيرِ الأوَّلِ مَفْعُولٌ ثانٍ لـ "آتَيْناهُمْ"، وعَلى الثانِي في مَوْضِعِ التَمْيِيزِ.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "كَمْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في "آتَيْناهُمْ" ويَصِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى "كَمْ" تَقْدِيرُهُ: "كَمْ آتَيْناهُمُوهُ".

والمُرادُ بِالآيَةِ: كَمْ جاءَهم في أمْرِ مُحَمَّدٍ  مِن آيَةٍ مُعَرَّفَةٍ بِهِ دالَّةٍ عَلَيْهِ.

و"نِعْمَةَ اللهِ" لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ إنْعامِهِ ولَكِنْ يُقَوِّي مِن حالِ النَبِيِّ مَعَهم أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هَنا مُحَمَّدٌ  ، فالمَعْنى: ومَن يُبَدِّلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ صِفَةَ نِعْمَةِ اللهِ، ثُمَّ جاءَ اللَفْظُ مُنْسَحِبًا عَلى كُلِّ مُبَدِّلِ نِعْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى.

وقالَ الطَبَرِيُّ: النِعْمَةُ هُنا؛ الإسْلامُ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.

ويَدْخُلُ في اللَفْظِ أيْضًا كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ مِنهم نِعْمَةً عَلَيْهِمْ، فَبَدَّلُوا قَبُولَها والشُكْرَ عَلَيْها كَفْرًا، والتَوْراةُ أيْضًا نِعْمَةٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أرْشَدَتْهم وهَدَتْهُمْ، فَبَدَّلُوها بِالتَحْرِيفِ لَها وجَحْدِ أمْرِ مُحَمَّدٍ  .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي ويَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ.

و"العِقابِ": مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ، كَأنَّ المُعاقَبَ يَمْشِي بِالمُجازاةِ لَهُ في آثارِ عَقِبِهِ.

ومِنهُ عَقَبَةُ الراكِبِ، وعَقَبَةُ القَدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا ﴾ المُزَيَّنُ هو خالِقُها ومُخْتَرِعُها وخالِقُ الكُفْرِ.

ويُزَيِّنُها أيْضًا الشَيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "زَيَّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "الحَياةِ".

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "زَيَّنَتْ" بِإظْهارِ العَلامَةِ، والقِراءَةِ دُونَ عَلامَةٍ هي لِلْحائِلِ، ولِكَوْنِ التَأْنِيثُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ.

وخُصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لِقَبُولِهِمُ التَزْيِينَ جُمْلَةً، وإقْبالِهِمْ عَلى الدُنْيا، وإعْراضِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ بِسَبَبِها.

والتَزْيِينُ مِنَ اللهِ تَعالى واقِعٌ لِلْكُلِّ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَبْلُوَ الخَلْقَ أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، فالمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى سُنَنِ الشَرْعِ لَمْ تَفْتِنْهُمُ الزِينَةُ، والكُفّارُ تَمَلَّكَتْهم لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، وقَدْ قالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ -حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ بِالمالِ-: "اللهُمَّ إنّا لا نَسْتَطِيعُ إلّا أنْ نَفْرَحَ بِما زَيَّنْتَ لَنا.

وقَوْلُهُ: "وَيَسْخَرُونَ"، إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ حالَهم مِنَ الدُنْيا، ويَغْتَبِطُونَ بِها، ويَسْخَرُونَ مِن أتْباعِ النَبِيِّ  : كَبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِمْ.

فَذِكْرُ اللهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى خَفْضِ مَنزِلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ومَعْنى الفَوْقِ هُنا في الدَرَجَةِ والقَدْرِ، فَهي تَقْتَضِي التَفْضِيلَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْكُفّارِ مِنَ القَدْرِ نَصِيبٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ .

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنَّ المُتَّقِينَ هم في الآخِرَةِ في التَنَعُّمِ والفَوْزِ بِالرَحْمَةِ فَوْقَ ما هم هَؤُلاءِ فِيهِ في دُنْياهُمْ، وكَذَلِكَ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا، مِن هَؤُلاءِ في نِعْمَةِ الدُنْيا.

فَعَلى هَذا الِاحْتِمالِ وقَعَ التَفْضِيلُ في أمْرٍ فِيهِ اشْتِراكٌ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِالفَوْقِ المَكانُ مِن حَيْثُ الجَنَّةُ في السَماءِ والنارُ في أسْفَلِ السافِلِينَ، فَيَعْلَمُ مِن تَرْتِيبِ الأمْكِنَةِ أنَّ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ وهَؤُلاءِ في النارِ.

وتَحْتَمِلُ الآيَتانِ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ زَعْمُ الكُفّارِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: وإنْ كانَ مَعاذٌ فَلَنا فِيهِ الحَظُّ أكْثَرُ مِمّا لَكُمْ، ومِنهُ حَدِيثُ خِبابٍ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ.

وهَذا كُلُّهُ مِنَ التَحْمِيلاتِ حِفْظٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في أنَّ التَفْضِيلَ إنَّما يَجِيءُ فِيما فِيهِ شَرِكَةً، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَهُ حَيْثُ لا اشْتِراكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واللهُ يَرْزُقُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ في الدُنْيا فَلا تَسْتَعْظِمُوا ذَلِكَ، ولا تَقِيسُوا عَلَيْهِ الآخِرَةَ، فَإنَّ الرِزْقَ لَيْسَ عَلى قَدْرِ الكُفْرِ والإيمانِ بِأنْ يَحْسَبَ لِهَذا عَمَلَهُ، ولِهَذا عَمَلَهُ، فَيُرْزَقانِ بِحِسابِ ذَلِكَ، بَلِ الرِزْقُ بِغَيْرِ حِسابِ الأعْمالِ، والأعْمالُ ومُجازاتُها مُحاسَبَةٌ ومُعادَةٌ إذْ إجْزاءُ الجَزاءِ تُقابِلُ إجْزاءَ الفِعْلِ المُجازى عَلَيْهِ، فالمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ -وَإنْ لَمْ يُرْزَقْ في الدُنْيا- فَهو فَوْقُ يَوْمِ القِيامَةِ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ اللهَ يَرْزُقُ هَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ عُلُوَّ المَنزِلَةِ بِكَوْنِهِمْ فَوْقَ، وما في ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ النَعِيمِ بِغَيْرِ حِسابٍ، فالآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وجَعْلِ رِزْقِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ حَيْثُ هو دائِمٌ لا يَتَناهى فَهو لا يَنْفَدُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "بِغَيْرِ حِسابٍ" صِفَةٌ لِرِزْقِ اللهِ تَعالى كَيْفَ تَصَرَّفَ إذْ هو جَلَّتْ قُدْرَتُهُ لا يُنْفِقُ بَعْدُ، فَفَضْلُهُ كُلُّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الآيَةِ: مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ هَذا الَّذِي يَشاؤُهُ اللهُ، كَأنَّهُ قالَ: بِغَيْرِ احْتِسابٍ مِنَ المَرْزُوقِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ  ﴾ .

وإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ عَلى هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا  ﴾ فالمَعْنى في ذَلِكَ: مُحْسِبًا، وأيْضًا فَلَوْ كانَ عَدًّا لَكانَ الحِسابُ في الجَزاءِ والمَثُوبَةِ لِأنَّها مُعادَةٌ.

وغَيْرُ الحِسابِ في التَفَضُّلِ والإنْعامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن كان الإضمار جارياً على مقتضى الظاهر فضمير ﴿ ينظرون ﴾ راجع إلى معادٍ مذكور قبلَه، وهو إما ﴿ مَنْ يعجبك قولُه في الحياة الدنيا ﴾ [البقرة: 204]، وإما إلى ﴿ مَنْ يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ﴾ [البقرة: 207]، أو إلى كليهما لأن الفريقين ينتظرون يوم الجزاء، فأحد الفريقين ينتظره شكاً في الوعيد بالعذاب، والفريق الآخر ينتظره انتظار الراجي للثواب.

ونظيره قوله: ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ [يونس: 102] فانتظارهم أيام الذين خَلَوْا انتظارُ توقع سوءٍ انتظار النبي معهم انتظار تصَديققِ وعيده.

وإن كان الإضمار جارياً على خلاف مقتضى الظاهر فهو راجع إلى المخاطَبين بقوله ﴿ ادخلوا في السِّلم ﴾ [البقرة: 208] وما بعده، أو إلى الذين زَلوا المستفاد من قوله: ﴿ فإن زللتم ﴾ [البقرة: 209]، وهو حينئذٍ التفات من الخطاب إلى الغيبة، إما لمجرد تجديد نشاط السامع إن كان راجعاً إلى المخاطبين بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 208]، وإما لزيادة نكتة إبعاد المخاطبين بقوله ﴿ فإن زللتم ﴾ عن عز الحضور، قال القرطبي ﴿ هل ينتظرون ﴾ يعني التاركين الدخول في السلم، وقال الفخر الضمير لليهود بناء على أنهم المراد من قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ﴾ أي يا أيها الذين آمنوا بالله وبعض رسله وكتبه على أحد الوجوه المتقدمة وعلى أن السلم أريد به الإسلام، ونكتة الالتفات على هذا القول هي هي.

فإن كان الضمير لمن يعجبك أوْ له ولمن يشري نفسه، فالجملة استئناف بياني، لأن هاتين الحالتين العجيبتين في الخير والشر تثيران سؤال من يسأل عن جزاء كلا الفريقين فيكون قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ﴾ جواباً لذلك، وإن كان الضمير راجعاً إلى ﴿ الذين آمنوا ﴾ فجملة ﴿ هل ينظرون ﴾ استئناف للتحريض على الدخول في الإسلام خشية يوم الجزاء أو طمعاً في ثوابه وإن كان الضمير للذين زلوا من قوله: ﴿ فإن زللتم ﴾ [البقرة: 209] فالجملة بدل اشتمال من مضمون جملة ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ [البقرة: 209] لأن معناه فإن زللتم فالله لا يفلتكم لأنه عزيز حكيم، وعدم الإفلات يشتمل على إتيان أمر الله والملائكة، وإن كان الضمير عائداً إلى اليهود فهو توبيخ لهم على مكابرتهم عن الاعتراف بحقية الإسلام.

وعلى كل الاحتمالات التي لا تتنافى فقد جاء نظم قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ بضمير الجمع نظماً جامعاً للمحامل كلها مما هو أثر من آثار إعجاز هذا الكلام المجيد الدال على علم الله تعالى بكل شيء.

وحرف (هل) مفيد الاستفهام ومفيد التحقيق ويظهر أنه موضوع للاستفهام عن أمر يراد تحقيقه، فلذلك قال أئمة المعاني إن هل لطلب تحصيل نسبة حكمية تحصل في علم المستفهم وقال الزمخشري في «الكشاف»: إن أصل هل أنها مرادفة قد في الاستفهام خاصة، يعني قد التي للتحقيق وإنما اكتسبت إفادة الاستفهام من تقدير همزة الاستفهام معها كما دل عليه ظهور الهمزة في قول زيد الخيل: سائِلْ فوارسَ بَرْبُوع بِشِدَّتنا *** أَهَلْ رَأَوْنَا بسَفَححِ القاع ذي الأَكَم وقال في «المفصل»: وعن سيبويه أن هل بمعنى قد إلاّ أنهم تركوا الألف قبلها؛ لأنها لا تقع إلاّ في الاستفهام اه.

يعني أن همزة الاستفهام التزم حذفها للاستغناء عنها بملازمة هل للوقوع في الاستفهام، إذ لم يقل أحد أن هل ترد بمعنى قد مجردة عن الاستفهام فإن مواردها في كلام العرب وبالقرآن يبطل ذلك ونسب ذلك إلى الكسائي والفراء والمبرد في قوله تعالى: ﴿ هل أتى على الإنسان حين من الدهر ﴾ [الإنسان: 1] ولعلهم أرادوا تفسير المعنى لا تفسير الإعراب ولا نعرف في كلام العرب اقتران هل بحرف الاستفهام إلاّ في هذا البيت ولا ينهض احتجاجهم به لإمكان تخريجه على أنه جمع بين حرفي استفهام على وجه التأكيد كما يؤكد الحرف في بعض الكلام كقول مسلم بن معبد الوالبيِّ: فلاَ والله لاَ يُلْقَى لما بي *** ولا لِلِمَا بهم أبداً دَواء فجمع بين لامي جر، وأيّاً ما كان فإن هل تمحضت لإفادة الاستفهام في جميع مواقعها، وسيأتي هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿ هل أتى على الإنسان حين من الدهر ﴾ في سورة الإنسان.

والاستفهام إنكاري لا محالة بدليل الاستثناء، فالكلام خبر في صورة الاستفهام.

والنظر: الانتظار والترقب يقال نظره بمعنى ترقبه، لأن الذي يترقب أحداً يوجه نظره إلى صوبه ليرى شبحه عندما يبدو، وليس المراد هنا نفي النظر البصري أي لا ينظرون بأبصارهم في الآخرة إلاّ إتيان أمر الله والملائكة، لأن الواقع أن الأبصار تنظر غير ذلك، إلاّ أن يراد أن رؤيتهم غير ذلك كالعدم لشدة هول إتيان أمر الله، فيكون قصراً ادعائياً، أو تسلب أبصارهم من النظر لغير ذلك.

وهذا المركب ليس مستعملاً فيما وضع له من الإنكار بل مستعملاً إما في التهديد والوعيد وهو الظاهر الجاري على غالب الوجوه المتقدمة في الضمير، وإما في الوعد إن كان الضمير لمن يشري نفسه، وإما في القدر المشترك وهو العدة بظهور الجزاء إن كان الضمير راجعاً للفريقين، وإما في التهكم إن كان المقصود من الضمير المنافقين اليهود أو المشركين، فأما اليهود فإنهم كانوا يقولون لموسى ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ [البقرة: 55].

ويجوز على هذا أن يكون خبراً عن اليهود: أي إنهم لا يؤمنون ويدخلون في السلم حتى يروا الله تعالى في ظلل من الغمام على نحو قوله تعالى: ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ﴾ [البقرة: 145].

وأما المشركون فإنهم قد حكى الله عنهم: ﴿ وقالوا نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً إلى قوله أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً ﴾ [الإسراء: 90، 92]، وسيجيء القول مشبعاً في موقع هذا التركيب ومعناه عند الكلام على قوله تعالى: و (الظلل) بضم ففتح اسمُ جمَع ظلة، والظلة تطلق على معان والذي تلخص لي من حقيقتها في اللغة أنها اسم لشبه صفَّة مرتفعة في الهواء تتصل بجدار أو ترتكز على أعمدة يُجْلَس تحتها لتوقي شعاع الشمس، فهي مشتقة من اسم الظّل جعلت على وزن فُعْلَة بمعنى مفعولة أو مفعول بها مثل القبضة بضم القاف لما يقبض باليد.

والغرفة بضم الغين لما يغترف باليد كقوله تعالى: ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ [البقرة: 249] في قراءة بعض العشرة بضم الغين.

وهي هنا مستعارة أو مشبه بها تشبيهاً بليغاً: السحابات العظيمة التي تشبه كل سحابة منها ظلة القصر.

و ﴿ من الغمام ﴾ بيان للمشبه وهو قرينة الاستعارة ونظيره قوله تعالى: ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ [الزمر: 16].

والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه وأسند الإتيان إلى الله تعالى في هذه الآية على وجه الإثبات فاقتضى ظاهره اتصاف الله تعالى به، ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالاً في مكان بعد أن لم يكن به حتى يصح الإتيان وكان ذلك يستلزم التنقل الجسم والله منزه عنه، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي، فإن كان الكلام خبراً أو تهكماً فلا حاجة للتأويل، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة وإن كان الكلام وعيداً من الله لزم التأويل، لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت، فلا بد من تأويل هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه، وهذا التأويل إما في معنى الإتيان أو في إسناده إلى الله أو بتقدير محذوف من مضاف أو مفعول، وإلى هذه الاحتمالات ترجع الوجوه التي ذكرها المفسرون: الوجه الأول ذهب سلف الأمة قبل حدوث تشكيكات الملاحدة إلى إقرار الصفات المتشابهة دون تأويل فالإتيان ثابت لله تعالى، لكن بلا كيف فهو من المتشابه كالاستواء والنزول والرؤية أي هو إتيان لا كإتيان الحوادث.

فأما على طريقة الخلف من أئمة الأشعرية لدفع مطاعن الملاحدة فتجيء وجوهٌ منها: الوجه الثاني: أقول يجوز تأويل إتيان الله بأنه مجاز في التجلي والاعتناء إذا كان الضمير راجعاً لمن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، أو بأنه مجاز في تعلق القدرة التنجيزي بإظهار الجزاء إن كان الضمير راجعاً للفريقين، أو هو مجاز في الاستئصال يقال أتاهم الملك إذا عاقبهم قاله القرطبي، قلت وذلك في كل إتيان مضاف إلى منتقم أو عدو أو فاتح كما تقول: أتاهم السبع بمعنى أهلكهم وأتاهم الوباء ولذلك يقولون أتى عليه بمعنى أهلكه واستأصلَه، فلما شاع ذلك شاع إطلاق الإتيان على لازمه وهو الإهلاك والاستئصال قال تعالى: ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾ [الحشر: 2] وقال ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ [النحل: 26] وليس قوله: ﴿ في ظلل من الغمام ﴾ بمناف لهذا المعنى، لأن ظهور أمر الله وحدوث تعلق قدرته يكون محفوفاً بذلك لتشعر به الملائكة وسيأتي بيان ﴿ في ظلل من الغمام ﴾ قريباً.

الوجه الثالث: إسناد الإتيان إلى الله تعالى إسناد مجازي وإنما يأتيهم عذاب الله يوم القيامة أو في الدنيا وكونه ﴿ في ظلل من الغمام ﴾ زيادة تنويه بذلك المظهر ووقعه لدى الناظرين.

الوجه الرابع: يأتيهم كلام الله الدالُّ على الأمر ويكون ذلك الكلام مسموعاً من قِبَل ظلل من الغمام تحفه الملائكة.

الوجه الخامس: أن هنالك مضافاً مقدراً أي يأتيهم أمر الله أي قضاؤه بين الخلق أو يأتيهم بأس الله بدليل نظائره في القرآننِ أو يأتي أمر ربك وقوله: ﴿ فجاءها بأسنا بياتاً ﴾ [الأعراف: 4] ولا يخفى أن الإتيان في هذا يتعين أن يكون مجازاً في ظهور الأمر.

الوجه السادس: حذف مضاف تقديره، آيات الله أو بيناته أي دلائل قدرته أو دلائل صدق رُسُله ويبعِّده قوله: ﴿ في ظلل من الغمام ﴾ إلاّ أن يرجع إلى الوجه الخامس أو إلى الوجه الثالث.

الوجه السابع: أن هنالك معمولاً محذوفاً دل عليه قوله: ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ [البقرة: 209] والتقدير أن يأتيهم الله بالعذاب أو ببأسه.

والأحسن تقدير أمر عام يشمل الخير والشر لتكون الجملة وعْداً ووعيداً.

وقد ذكرتُ في تفسير قوله تعالى: ﴿ منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات ﴾ في [سورة آل عمران: 6] ما يتحصل منه أن ما يجري على اسمه تعالى من الصفات والأحكام وما يسند إليه من الأفعال في الكتاب والسنة أربعة أقسام: قسم اتصف الله به على الحقيقة كالوجود والحياة لكن بما يخالف المتعارف فينا، وقسم اتصف الله بلازم مدلوله وشاع ذلك حتى صار المتبادر من المعنى المناسبُ دون الملزومات مثل الرحمة والغضب والرضا والمحبة، وقسم هو متشابه وتأويله ظاهر، وقسم متشابه شديد التشابه.

وقوله تعالى: في ظلل من الغمام } أشد إشكالاً من إسناد الإتيان إلى الله تعالى لاقتضائه الظرفية، وهي مستحيلة على الله تعالى، وتأويله إما بأن (في) بمعنى الباء أي ﴿ يأتيهم بظلل من الغمام ﴾ وهي ظلل تحمل العذاب من الصواعق أو الريح العاصفة أو نحو ذلك إن كان العذاب دنيوياً، أو في ظلل من الغمام تشتمل على ما يدل على أمر الله تعالى أو عذابه ﴿ وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركرم ﴾ [الطور: 44] وكان رسول الله إذا رأى السحاب رئي في وجهه الخوف من أن يكون فيه عذاب، أو على كلامه تعالى، أو الحاجبة لأنوار يجعلها الله علامة للناس يوم القيامة على ابتداء فصل الحساب يدرك دلالتها أهل الموقف وبالانكشاف الوجداني، وفي «تفسير القرطبي والفخر» قيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً، وأصل الكلام أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، فالغمام ظرف لإتيان الملائكة، وروي أن ابن مسعود قرأها كذلك، وهذه الوجوه كلها مبنية على أن هذا إخبار بأمر مستقبل، فأما على جعل ضمير ﴿ ينظرون ﴾ مقصوداً به المنافقون من المشركين أو اليهود بأن يكون الكلام تهكماً أي ماذا ينتظرون في التباطؤ عن الدخول في الإسلام، ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله في أحوال اعتقدوها فيكلمهم ليدخلوا في الدين، فإنهم قالوا لموسى: ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ [البقرة: 55] واعتقدوا أن الله في الغمام، أو يكون المراد تعريضاً بالمشركين، وبعض التأويلات تقدمت مع تأويل الإتيان.

وقرأه الجمهور «والملائكة» بالرفع عطفاً على اسم الجلالة، وإسنادُ الإتيان إلى الملائكة لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه وهم الموكل إليهم تنفيذ قضائه، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة فإن كان الإتيان المسند إلى الله تعالى مستعملاً في معنى مجازي فهو مستعمل بالنسبة للملائكة في معناه الحقيقي فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإن كان إسناد الإتيان إلى الله تعالى مجازاً في الإسناد فإسناده إلى الملائكة بطريق العطف حقيقة في الإسناد ولا مانع من ذلك؛ لأن المجاز الإسنادي عبارة عن قصد المتكلم مع القرينة، قال حُمَيْد بن ثَوْر يمدح عبد الملك: أتاك بي الله الذي نَوَّر الهدى *** ونورٌ وإسلامٌ عليكَ دليل فأسند الإتيان به إلى الله وهو إسنادٌ حقيقي ثم أسنده بالعطف للنورِ والإسلام، وإسناد الإتيان به إليهما مجازي لأنهما سبب الإتيان به ألا ترى أنه قال «عليك دليل».

وقرأ أبو جعفر «والملائكة» بجر (الملائكة) عطف على (ظلل).

وقوله: ﴿ وقُضي الأمر ﴾ إما عطف على جملة ﴿ هل ينظرون ﴾ إن كانت خبراً عن المخبر عنهم والفعل الماضي هنا مراد منه المستقبل، ولكنه أتى فيه بالماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه أو قرب وقوعه، والمعنى ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله وسوف يقضى الأمر، وإما عطف على جملة ﴿ ينظرون ﴾ إن كانت جملة ﴿ هل ينظرون ﴾ وعيداً أو وعداً والفعل كذلك للاستقبال، والمعنى ما يترقبون إلاّ مجيء أمر الله وقضاءَ الأمر.

وإما جملة حالية والماضي على أصله وحذفت قد، سواء كانت جملة ﴿ هل ينظرون ﴾ خبراً أو وعداً ووعيداً أي وحينئذٍ قد قضي الأمر، وإما تنبيه على أنهم إذا كانوا ينتظرون لتصديق محمد أن يأتيهم الله والملائكة فإن ذلك إن وقع يكون قد قضي الأمر أي حق عليهم الهلاك كقوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملَك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ [الأنعام: 8].

والقضاء: الفراغ والإتمام.

والتعريف في (الأمر) إما للجنس مراداً منه الاستغراق أي قُضِيت الأمور كلها، وإما للعهد أي أمر هؤلاء أي عقابهم أو الأمر المعهود للناس كلهم وهو الجزاء.

وقوله: ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ تذييل جامع لمعنى: ﴿ وقضى الأمر ﴾ والرجوع في الأصل: المآب إلى الموضع الذي خرج منه الراجع، ويستعمل مجازاً في نهاية الشيء وغايته وظهور أثره، فمنه ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ [الشورى: 53].

ويجيء فعل رجع متعدياً، تقول رجعت زيداً إلى بلده ومصدره الرَّجْع، ويستعمل رجع قاصراً تقول: رجع زيد إلى بلده ومصدره الرجُوع.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عَمرو وعاصم وأبو جعفر ويعقوب (تُرجع) بضم التاء وفتح الجيم على أنه مضارع أرجعه أو مضارع رجَعَه مبنياً للمفعول أي يَرْجع الأمورَ راجعُها إلى الله، وحذفُ الفاعل على هذا العدم تعين فاعل عُرفي لهذا الرجع، أو حُذف لدفع ما يبدو من التنافي بين كون اسم الجلالة فاعلاً للرجوع ومفعولاً له بحرف إلى، وقرأه باقي العشرة بالبناء للفاعل من رجع الذي مصدره الرجوع فالأمورُ فاعل تَرْجع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ ﴾ ، قَرَأ قَتادَةُ: في ظِلاَلٍ الغَمامِ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، وبِالمَلائِكَةِ.

والثّانِي: إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية قال: يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة والماء، فيصوّت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب.

وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية قال: يأتي الله يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قطعت طاقات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قوله: ﴿ في ظلل من الغمام ﴾ قال: هو غير السحاب ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة.

وأخرج ابن جرير والديلمي عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفاً بالملائكة، وذلك قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ » .

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي العالية قال: في قراءة أبي بن كعب ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام ﴾ قال: يأتي الملائكة في ظلل من الغمام، وهو كقوله: ﴿ يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً ﴾ [ الفرقان: 25] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ في ظلل من الغمام ﴾ قال: طاقات ﴿ والملائكة ﴾ قال: الملائكة حوله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة عند الموت.

وأخرج عن عكرمة ﴿ وقضي الأمر ﴾ يقول: قامت الساعة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ الآية، ﴿ هَلْ ﴾ هاهنا استفهام يراد به النفيُ والإنكار (١) (٢) ﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ بمعنى: ينتظرون، والنظر عند أهل اللغة: الطلب لإدراك الشيء، وتقليب العين نحو الجهة التي فيها المرئي المراد رؤيته، مما يدل على ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ: فيامَيّ هل يُجْزَى بُكائِي بمِثْلِه ...

مرارًا وأنْفاسِي إليك الزَّوافِرُ وإني متى أشْرِف على الجَانِبِ الذي ...

به أنتِ من بَينِ الجَوانِبِ ناظِرُ (٣) ونظْرَة ذي شِجَنٍ وأَمْنٍ ...

إذا ما الرَّكَائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا (٤) فهذا على التوجه إلى الناحية التي المحبوبُ فيها، وتقليب البصر نحوها، وما يعالج من التلفت والتقلب، كقول الآخر: ما سِرتُ مِيلًا ولا جَاوَزْتُ مَرْحَلةً ...

إلا وذكركِ يَلْوِيْ دايبًا عُنُقِيْ (٥) هذا الذي ذكرنا هو الأصل في اللغة (٦) (٧) والنَّظَر يُعَدَّى بإلى، ثم يجوز أن يُحْذَفَ الجار وُيوصَل الفعل كما أنشده (٨) ظاهرات الجَمَالِ وَالحُسْنِ يَنْظُرْ ...

نَ كما تَنْظرُ الأرَاكَ الظِّبَاءُ (٩) (١٠) (١١) منها: النظر، بمعنى: الانتظار (١٢) ﴿ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ  ﴾ أي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، والمنتظر يطلب إدراك ما يتوقع، يقال: نظرته وانتظرته، ومنه قوله: ﴿ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ  ﴾ .

وقال الحطيئة (١٣) وقد نَظَرْتُكُم إينَاءَ صادرة ....

(١٤) والناظرُ إلى الشيء يطلبُ إدراك ما يلتمس ببصره، والنظر بالفكر إدراك المعاني.

ويكون النظر بمعنى: التَّعَطُّفِ والرَّحْمَة، كقوله: {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77].

ذلك أن الرحمةَ تتبع النظر، فإن الواحدَ منا إذا نظر إلى حال إنسان فرآه في بليةٍ أو شدةٍ رَحِمَهُ، ولو لم ينظر إليه لم تداخله الرحمة، هذا هو الأصل، ثم جعل الرحمة نظرًا.

ويكون النظر بمعنى الاعتبار والتأمل والتدبر، وهو فعل غير متعد، فمن ذلك قوله: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ  ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ  ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ  ﴾ وقد يتعدى هذا بالجار، كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ  ﴾ ، والمراد بالنظر في هذه الآية: نظر الاعتبار، وذلك أن الاعتبار ثاني النظر، كما ذكرنا في الرحمة.

والنظر يكون بمعنى المقابلة، تقول العرب: الجبل ينظر إليك أي: يقابلك، وذلك أن الأكثر في باب النظر أن الناظر ينظر فيما يقابله، فلما كان الأكثر في هذا الباب المقابلة سميت المقابلة نظرًا (١٥) والظُّلَل جمع ظُلَّة: مثل حُلَّة وحُلَلٌ، والظُّلَّة: ما يُسْتَظَلُّ به من الشمس، ويسمى السحابُ ظَلَّةً لأنه يُسْتَظَل بها، ومنه قوله: ﴿ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ  ﴾ ، أراد: غيمًا تحته سموم (١٦) ومعنى الآية: هل ينتظر التَاركونَ الدخولَ في السَّلْم والمتبعون خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة، يريد: أنه لا ثواب لهم، فلا ينتظرون إلا العذاب (١٧) فإن قيل: إنهم لا ينتظرون العذاب، ولو انتظروا العذاب لدخلوا في السلم كافة؟

قيل: انتظارهم العذاب يكون في الآخرة، يوم القيامة يعلمون أنهم لا ثواب لهم فلا ينتظرون إلا العذاب، أو نقول: قد ذكرنا أن هذا استفهام معناه النفي، بمعنى: ما ينتظرون، ويكون هذا خبرًا بمعنى النهي، أي: لا تنتظروا بعد تكذيب محمد  إلا العذاب، وذكرنا عن صاحب النظم وجهًا آخر في نظير هذه الآية في سورة النحل.

وفي قوله تعالى ﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ﴾ وجهان: أحدهما: أن هذا من بابِ المضاف، أذ يأتيهم عذابُ الله، أو أمرُ الله، أو آياتُ الله، فجعل مجيء الآيات والعذاب مجيئًا له، تفخيمًا لأن العذاب وتعظيمًا له.

والثاني: أن المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلًا عليهم، إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد، وإذا لم يذكرْ كان أبلغ لانقسام وخواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه، ومثله قوله: ﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا  ﴾ ، أي: أتاهم بخذلانه إياهم (١٨) وفي قوله: ﴿ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ﴾ وجهان أيضًا: أحدهما: أن العذاب يأتي فيها ويكون أهول، كقوله: ﴿ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ  ﴾ .

والثاني: أن ما يأتيهم من العذاب يأتي في أهوال مفظعة، فشبه الأهوال بالظلل من الغمام، كقوله: ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ  ﴾ (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ أي: فُرغَ لهم مما كانوا يوعدون، بأن قدر عليهم ذلك وأعد لهم (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ اختلف القراء في (ترجع) (٢١) ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ  ﴾ ، و ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ  ﴾ أضاف المصدر إلى الفاعل (٢٢) ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي  ﴾ (٢٣) ومعنى قوله: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ أي: في الخير من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء (٢٤) قال ابن الأنباري: إن الأمور لم تخرج من يديه، ولكن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم بما يستحقون من الثواب والعقاب، ولا يُرزقون بمقدار الطاعة، ولا يُفَتَّر عليهم على حسب المعصية، بل الثواب والعقاب والجزاء والحساب في الآخرة، فقال الله تعالى: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ يعني: أنه كان يجازي عليها وُيثِيْبُ ويُعَاقب، إذ كانوا في الدنيا لا يلحقهم من هذه الأشياء شيءٌ.

ويكون المعنى على أن الله مَلَّك عبيده في الدنيا الأموالَ والتصرفَ فيها، ثم يرجع الأمر في ذلك كله إلى الله تعالى في الآخرة، فلا يملك أحدٌ شيئًا (٢٥) (١) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 481، 2/ 329، "التبيان" ص 129، "البحر المحيط" 2/ 124، وقال: وكونها بمعنى النفي إذا جاء بعدها إلا، كثير الاستعمال في القرآن وفي كلام العرب.

(٢) المائق: الأحمق.

ينظر: "اللسان" 7/ 4300.

(٣) البيت لذي الرمة من قصيدة يمدح فيها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، في "ديوانه" ص 233.

(٤) البيت في "المفضليات" 1/ 56 ولم ينسبه.

وقوله وأمن كذا في المخطوطة وفي "المفضليات": (وامق) ولعلها أصوب.

(٥) البيت في "الحلة السيراء" 1/ 94، وفي "محاضرات الأدباء" 2/ 73.

ولم أهتد لقائله.

(٦) ينظر في (نظر) "تهذيب اللغة" 4/ 3603 - 3606، "المفردات" ص 499 - 500، "اللسان" 7/ 4465 - 4468 (نظر)، "البحر المحيط" 2/ 124.

(٧) في (م): (يتبعه).

(٨) في (أ): (م) (أنشد).

(٩) البيت لعبد الله بن قيس الرقيات في "ديوانه" ص 88 وذكره في "البحر المحيط".= 1/ 399، وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 240، "أساس البلاغة" 2/ 454 (نظر) يشبه الشاعر الحسان العبشميات بالظباء المنتصبات، وهو أحسن ما تكون الظباء.

والأراك شجر معروف يستاك بعيدانه.

(١٠) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 124.

(١١) في (أ): الأصل.

(١٢) قال الرازي في "تفسيره" 5/ 229: وأجمعوا على أنه يجيء بمعنى الانتظار.

(١٣) هو جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس، الشاعر الهجاء الشهير، لقب بالحطيئة لقصره، وهو جاهلي إسلامي أسلم بعد وفاة الرسول  ، وتوفي سنة 45 هـ.

ينظر: "الشعر والشعراء" ص 199، "الأعلام" 2/ 118 (١٤) وتمامه: للوِردِ طال بها حَوزي وتَنْساسي ..

البيت للحطيئة كما في "اللسان" 7/ 4466 (نظر).

(١٥) ينظر في معاني النظر "تهذيب اللغة" 4/ 3603 - 3606، "المفردات" ص499 - 500، "اللسان" 7/ 4465 - 4468 (نظر).

(١٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 327 - 328، "تهذيب اللغة" 3/ 2245 - 2248 (ظل)، "تفسير الثعلبي" 2/ 683، "المفردات" 317، "المحرر الوجيز" 2/ 200، "اللسان" 5/ 2753 - 2756 (ظلل).

(١٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 329 - 330، "تفسير البغوي" 1/ 241، "تفسير ابن كثير" 1/ 266، وقد رد الطبري رحمه الله 2/ 331 قول قتادة في تأويله: والملائكة، أنه يعني به الملائكة تأتيهم عند الموت، بدلالة بعض الأحاديث الواردة التي تدل على أن إتيانهم إنما يكون بعد قيام الساعة في موقف الحساب حين تشقق، وبمثل ذلك روي الخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين.

اهـ-.

وإذا كان قول قتادة مردودا بذلك فمن باب أولى ما روي عن بعضهم: أن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا.

ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 200.

(١٨) ينظر في ذكر هذه الأقوال: "تفسير الطبري" 2/ 329، "المحرر الوجيز" 2/ 200، والقول الصحيح مذهب السلف الصالح من إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير تحريف ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تعطيل، مع الإقرار بمعناها، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  ﴾ ، وكقوله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ  ﴾ ، وقد ساق الطبري في 2/ 327 - 331، وابن أبي حاتم 2/ 372 - 373، والثعلبي 2/ 683 - 687، أخبارا وآثارا كثيرة تدل على مجيء الله تعالى يوم القيامة لفصل القضاء مجيئا حقيقيا، قال ابن سريج كما نقل الذهبي في "الأربعين في صفات رب العالمين" ص 95: وقد صح عند جميع أهل السنة إلى زماننا أن جميع الأخبار الصادقة عن رسول الله  يجب على المسلم الإيمان بكل واحد منها، كما ورد مثل قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ﴾ ، اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابهة أن نقبلها، فلا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهر تنزيلها.

وينظر: "مختصر العلو" للذهبي 226 ص، وقال الصابوني في "عقيدة السلف أصحاب الحديث" ص 191: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته رسول الله  وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله عز وجل، وكذلك يثبتون ما أنزله -عز اسمه- في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله عز وجل: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾ ، وقوله عز اسمه: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ .

وينظر: "الحجة في بيان المحجة" 2/ 123، و"تفسير أبي المظفر السمعاني" 2/ 60، و"تفسير البغوي" 1/ 241، و"الفتاوى" لابن تيمية 16/ 409، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" ص 199، و"تفسير ابن كثير" 1/ 266.

(١٩) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 234، "البحر المحيط" 2/ 124.

والغمام: السحاب الأبيض الرقيق، سمي غماما، لأنه يغم، أي: يستر، قال ابن عباس: يأتي الله عز وجل يوم القيامة في ظلل من السحاب وقد قطعت طاقات، وقال مجاهد: هو غير السحاب، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وقد ذكر المؤلف هذين الوجهين بناء على ما قرره من تأويل صفة الإتيان لله تعالى.

تنظر: المراجع السابقة.

(٢٠) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 331، "تفسير الثعلبي" 2/ 692، "تفسير البغوي" 1/ 241، "المحرر الوجيز" 2/ 201، "البحر المحيط" 2/ 125.

(٢١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم بضم التاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء، وروى خارجة عن نافع أنه قرأ: وإلى الله يُرجع الأمور، بالياء مضمومة في سورة البقرة ولم يروه غيره ينظر السبعة ص 181، "الحجة" 2/ 304.

(٢٢) من "الحجة" 2/ 305 بتصرف.

(٢٣) من "الحجة" 2/ 304 - 305، وقال: والمعنى في بناء الفعل للمجهول كالمعنى في بناء الفعل للفاعل.

(٢٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 331.

(٢٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 331 - 332، "المحرر الوجيز" 2/ 201، "البحر المحيط" 2/ 125.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ تهديد لمن زل بعد البيان ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ ﴾ أي ينتظرون ﴿ يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ تأويله عند المتأوّلين: يأتيهم عذاب الله في الآخرة، أو أمره في الدنيا، وهي عند السلف الصالح من المتشابه؛ يجب الإيمان بها من غير تكييف؛ ويحتمل أن لا تكون من المتشابه؛ يجب الإيمان بها من غير تكييف؛ ويحتمل أن لا تكون من المتشابه؛ لأنّ قوله: ينظرون: بمعنى يطلبون بجهلهم كقولهم: لولا يكلمنا الله ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ جمع ظلة وهي: ما علاك من فوق، فإن كان ذلك لأمر الله فلا إِشكال؛ وإن كان لله فهو من المتشابه ﴿ الغمام ﴾ السحاب ﴿ وَقُضِيَ الأمر ﴾ فرغ منه، وذلك كناية عن وقوع العذاب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مرضاة ﴾ بالإمالة والوقف بالهاء: علي.

وكذلك يقف على ﴿ هيهات ﴾ هيهاه وعلى ﴿ حدائق ذات ﴾ ذاه وعلى ﴿ أفرأيتم اللات ﴾ اللاه وعلى ﴿ ولات حين ﴾ ولاه، وعلى ﴿ مريم ابنة ﴾ ابنه.

وافق أبو عمر وفي ﴿ ولات حين ﴾ بالهاء ﴿ لسلم ﴾ بفتح السين.

أبو جعفر ونافع وابن كثير وعلي.

الباقون: بالكسر.

﴿ والملائكة ﴾ بالجر: يزيد عطفاً على "ظلل" أو على "الغمام" أو للجوار وإن كان فاعل "يأتهم".

الباقون: بالرفع ﴿ ترجع الأمور ﴾ حيث كان بفتح التاء وكسر الجيم: حمزة وعلي وخلف وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: بضم التاء وفتح الجيم.

الوقوف: ﴿ قلبه ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ الخصام ﴾ ه ﴿ والنسل ﴾ ط ﴿ الفساد ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ مرضات الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط مع احتمال الجواز ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وقضى الأمر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما آل أمر بيان الحج إلى تعديد فرق الناس بحسب أغراضهم في الدعاء، ناسب أن يعطف على ذلك تقسيم آخر يعرف منه مطامح أنظار الناس على الإطلاق ليعرف أرباب النفاق.

من أصحاب الوفاق.

عن السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة.

أقبل إلى النبي  بالمدينة فأظهر له الإسلام وزعم أنه يحبه وقال: والله يعلم أني لصادق.

فلما خرج من عند النبي  مر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر.

وقيل: إنه أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به.

فقالوا: نعم الرأي ما رأيت.

ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله  فسمى بهذا السبب أخنس - وكان اسمه أبي بن شريق - فبلغ ذلك رسول الله  فأعجبه.

وعن ابن عباس والضحاك: أن كفار قريش بعثوا إلى النبي  أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك فبعث إليهم جماعة، فلما كانوا ببعض الطريق ركب من الكفار سبعون راكباً فأحاطوا بهم فقتلوهم وصلبوهم ففيهم نزلت.

وقوله بعد ذلك ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ إشارة إلى هؤلاء الشهداء.

واختيار المحققين من المفسرين أنه لا يمتنع أن تكون الآية نازلة في الرجل ثم تكون عامة في أمثاله.

فهذه الآية عامة في المنافقين، فإن ألسنتهم تحلو لي وقلوبهم أمر من الصبر.

والضمير في ﴿ يعجبك قوله ﴾ يعود إلى "من" ويحتمل أن يكون جمعاً ولكنه أفرد نظراً إلى اللفظ.

ومعنى يعجبك يروقك ويعظم في قلبك و ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ إما أن يتعلق بقوله أي يعجبك ما يقوله في باب الدنيا طلباً للمصالح العاجلة فقط كالأمان من القتل والأخذ من المغانم، و إما أن يتعلق بيعجبك لأن قوله وحلو كلامه إنما يعجب السامع في الدنيا ولا يعجبه في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الهيبة والحيرة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام.

والخطاب إما للنبي  ، أو لكل سامع.

﴿ ويشهد الله على ما في قلبه ﴾ يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف، وأن يكون بقوله "شهد الله على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام".

﴿ وهو ألد الخصام ﴾ الألد الشديد الخصومة، واللديدان جانبا الوادي.

كأن كلاً من المتخاصمين في جانب.

ومنه اللدود وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم.

وإضافة الألد بمعنى "في" كقولهم "ثبت الغدر" و "قتيل الصف" أو جعل الخصام ألد على المبالغة نحو "جد جده".

والخصام جمع خصم كصعاب في صعب.

والمعنى: هو أشد الخصوم خصومة.

والحاصل إنه جدل بالباطل شديد الفسوق في معصية الله عالم اللسان جاهل العمل، وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق سعى في الأرض ليفسد فيها كما فعل بأولئك المسلمين من إحراق الزروع وعقر المواشي.

وأصل السعي المشي بسرعة، وقد يستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس.

وقيل: لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم، وعلى هذا فيقع قوله ﴿ ويهلك الحرث والنسل ﴾ تفصيلاً لما أجمله قوله ﴿ ليفسد ﴾ وقيل: إفساده هو إلقاء الشبه في عقائد المسلمين، وعلى هذا فيكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى آخر.

وهذا تفسير مناسب لأن كمال الإنسان بالعلم والعمل ونقصه بضدهما، فيكون الإفساد إشارة إلى نقص قوّته النظرية والإهلاك عبارة عن فعل المنكرات و فيه نقصان قوّته العملية.

وقيل: ﴿ وإذا توّلى ﴾ أي إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل.

وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل.

فالحرث الزرع، والنسل الولد.

ونسلت الناقة بولد كثير، والتركيب يدل على الخروج.

وقيل: إهلاك الحرث قتل النسوان ﴿ نساؤكم حرث لكم  ﴾ وإهلاك النسل إفناء الصبيان ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ قالت المعتزلة: معناه لا يريد الفساد.

وفيه دليل على أنه يريد القبائح وإذا لم يردها لم يخلقها لأن الخلق لا يمكن إلا بالإرادة.

ومنع من أن المحبة نفس الإرادة، بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكره بالتعظيم.

ثم الدليل الدال على أن لا مرجح لأحد جانبي كل ممكن على الآخر إلا الله وإلا انسد باب إثبات الصانع يدل على أن الكل بإرادته ومشيئته، وقد مر تحقيق ذلك فيما سلف.

واعلم أنه  حكى عن المنافق جملة من الأفعال الذميمة.

أولها حسن كلامه في طلب الدنيا، وثانيها استشهاده بالله كذباً وبهتاناً، وثالثها لحاجة في إبطال الحق وإثبات الباطل، ورابعها سعيه في الأرض للإفساد، وخامسها سعيه في إهلاك الحرث والنسل.

فوقع قوله ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ جمله معترضة.

ثم ذكر خصلة سادسة أشنع من الكل دالة على جهله المركب وخروجه عن أن يرجى منه خير وذلك قوله ﴿ وإذا قيل له اتق الله ﴾ في ارتكاب شيء من هذه المنهيات.

والقائل إما الرسول  قولاً خاصاً أو عاماً لجميع المكلفين فيدخل المنافق فيه، وإما كل واعظ وناصح ﴿ أخذته العزة بالإثم ﴾ من قولهم "أخذت فلاناً بأن يفعل كذا" أي ألزمته ذلك وحملته عليه أي أخذته الغلبة والاستيلاء والأنفة وحمية الجاهلية أن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الالتفات إلى هذا الوعظ وعدم الإصغاء إليه، أو من قوله "أخذته الحمى" أي لزمته، و "أخذه الكبر" أي اعتراه ذلك والمعنى لزمته العزة الحاصلة بسبب الإثم الذي في قلبه، وذلك الإثم هو الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ﴿ فحسبه جهنم ﴾ كافية هي جزاء له يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث لأنه مصدر.

ورفعه على الخبرية أو على الابتداء إذا كان ما بعده معرفة، أو على الابتداء فقط إن كان نكرة مثل "حسبك درهم".

وعلى هذا تكون الإضافة معنوية ألبتة، وعلى تقدير كونه خبر الوقوع المعرفة بعده تكون الإضافة لفظية أي فحسب وكافٍ له.

قال يونس وأكثر النحويين: جهنم اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وفيها العلمية والتأنيث.

وقال آخرون: إنه اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها.

حكي عن رؤبة أنه قال: ركية جهنام بكسر الجيم والهاء أي بعيدة القعر.

وقيل: اشتقاقها من الجهومة وهي الغلظ.

ومنه رجل جهم الوجه أي غليظه.

سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والعقاب.

﴿ ولبئس المهاد ﴾ أي ما يمهد لأجله فإن المعذب في النار يلقى على النار كما يوضع الشخص على الفراش.

ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى التمهيد والتوطئة.

قوله  : ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ الآية.

قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي  فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: والله لا تصلون إليّ أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي.

وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي ففعلوا.

فلما قدم على رسول الله  نزلت، فقال رسول الله  : " "ربح البيع أبا يحيى" وتلا الآية.

وقيل: أخذ المشركون صهيباً فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم، أمنكم كنت أم من غيركم.

فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟

ففعلوا ذلك.

وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى.

قال صهيب: وبيعك.

أفلا تخبرني ما ذاك؟

فقال: نزلت فيك كذا قرأ الآية.

عن الحسن: نزلت في أن المسلم أتى الكافر فقاتل حتى قتل.

وقيل: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

سمع عمر بن الخطاب إنساناً يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.

وقيل: نزلت في علي  بات على فراش رسول الله  ليلة خروجه إلى الغار.

ويروى أنه لما نام على فراشة قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ.

من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية.

ثم إن الآية تدل على أن ههنا مبايعة، فأكثر المفسرين على أن العامل هو البائع.

ومعنى يشري يبيع ﴿ وشروه بثمن بخس  ﴾ والله هو المشتري ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ وعمل المكلف وهو بذل نفسه في طاعة الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد هو الثمن والجنة هي المثمن.

وقيل: يحتمل أن يراد بالشراء ههنا الاشتراء وذلك أن من أقدم على الكفر والمعاصي.

فكأن نفسه خرجت عن ملكه وصارت حقاً للنار، وإذا أقدم على الطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دراهم معدودة ويشتري بها نفسه، والمؤمن يبذل أنفاساً معدودة ويشتري بها نفسه، لكن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم.

فكذا المكلف لا ينجو عن ربقة العبودية ما دام بقي له نفس واحد في الدنيا، وهذا كقول عيسى  ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً  ﴾ وقوله عز من قائل لنبيه ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ و ﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ أي طلب رضوانه نصب على العلة الغائية.

وفيه دليل على أن كل مشقة يتحملها الإنسان يجب أن تكون على وفق الشرع ومطلوباً بها جانب الحق وإلا كان عمله ضلالاً وكده وبالاً.

﴿ والله رؤف بالعباد ﴾ فمن رأفته جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل، وجوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ومن رأفته أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ومن رأفته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط عقابه وأعطاه ثوابه، ومن رأفته أن النفس له والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه وامتناناً ورحمة وإحساناً.

قوله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ أصل السلم بالكسر، والفتح الاستسلام والطاعة.

ويطلق أيضاً على الصلح وترك الحرب والمنازعة.

وهو أيضاً راجع إلى هذا و إنه يذكر ويؤنث.

واختلف في المخاطبين فقيل: أمر للمسلمين بما يضاد حال المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا بالألسنة والقلوب دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من أيامكم ولا تخرجوا منه ولا من شيء من شرائعه.

﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أهل الغواية، والكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً منها لا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال.

ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال، فلا يبعد أن يأمرهم الله بالدخول في الإسلام فيما يستأنف من الزمان.

أو أمرهم بأن يكونوا مجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه.

ولا تتبعوا آثار الشيطان بالإقبال على الدنيا والجبن والخور في أمر الدين مثل ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا  ﴾ أو يكون المراد بالدخول في السلم ترك الذنوب والمعاصي، فإن من مذهبنا أن الإيمان باقٍ مع الذنب والعصيان، أو يكون المراد الرضا بالقضاء والتلقي لجميع المكاره بالبشر والطلاقة كما ورد في الخبر "الرضا بالقضاء باب الله الأعظم" أو يكون المراد ترك الانتقام وسلوك طريق العفو والإغماض ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وقوله: ﴿ كافة ﴾ يصلح أن يكون حالاً من المأمورين أي ادخلوا بأجمعكم في السلم ولا تتفرقوا ولا تختلفوا وأن يكون حالاً من السلم على أنها مؤنث كالحرب أي ادخلوا في شرائع الإسلام كلها وأصل الكف المنع فسمي الجميع كافة لأن الاجتماع بمنع التفرق والشذوذ.

ورجل مكفوف أي كف بصره من أن ينظر.

وكفة القميص لأنها تمنع الثوب من الانتشار.

والكف طرف اليد لأنه يكف بها عن سائر البدن.

وقيل: الخطاب للمنافقين والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا آثار تزيين الشيطان وتسويله بالإقامة على النفاق.

وقيل: نزلت في مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه حين أرادوا أن يقيموا على بعض شرائع موسى كتعظيم السبت وقراءة التوراة واستأذنوا رسول الله  في ذلك، فأمروا أن يدخلوا في شرائع الإسلام كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة لثبوت نسخها بالكلية، فإن التمسك بها بعد تبين نسخها من اتباع آثار الشيطان، وقيل: السلم الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتاب المتقدم كملوا طاعتكم بالإيمان بجميع أنبيائه وكتبه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بالشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ عن أبي مسلم أن المبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، ولا يخفى أنه أعرب عن عداوته لآدم ونسله.

وقيل: مبين من الإبانة القطع وذلك أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه.

قوله ﴿ فإن زللتم ﴾ المخاطبون ههنا هم المخاطبون في قوله ﴿ ادخلوا ﴾ فيجيء الخلاف ههنا بحسب الخلاف هناك.

والمعنى العام: فإن دحضت أقدامكم وانحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به ﴿ من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ الدلائل العقلية والسمعية على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق ﴿ فاعلموا أن الله عزيز ﴾ غالب لا يعجزه الانتقام منكم وهذه نهاية في الوعيد كما لو قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وبشدّة سطوتي.

كان أبلغ في الزجر من التصريح بضرب من ضروب العذاب.

وكما أن قوله ﴿ عزيز ﴾ يشتمل على الوعيد البليغ فقوله ﴿ حكيم ﴾ يشتمل على الوعد الحسن.

فإن اللائق بالحكمة تمييز المحسن من المسيء وأن لا يسّوي بينهما في الثواب والعقاب.

روي أن قارئاً قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا.

الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه يكون إغراء عليه.

قوله ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ﴾ الآية معنى النظر ههنا الانتظار.

وأما إتيان الله فقد أجمع المفسرون على أنه  منزه عن المجيء والذهاب لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات وأنه  أزلي فرد في ذاته وصفاته فذكروا في الآية وجهين: الأول: وهو مذهب السلف الصالح السكوت في مثل هذه الألفاظ عن التأويل وتفويضه إلى مراد الله  كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه، ووجه يعرف من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله.

الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل.

فقيل: جعل مجيء الآيات مجيئاً له تفخيماً لها كما يقال "جاء الملك" إذا جاء جيش عظيم من جهته.

وقيل: المراد إتيان أمره وبأسه فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخر ﴿ أو يأتي أمر ربك  ﴾ ﴿ فجاءهم بأسنا ﴾ وأيضاً اللام في قوله ﴿ وقضى الأمر ﴾ تدل على معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.

لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.

لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها محال.

وعند المعتزلة أصوات فتكون أعراضاً.

فالإتيان عليها أيضاً محال لأنا نقول: الأمر قد يطلق على الفعل ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ وحينئذ فالمراد ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المهيبة.

وإن حملنا الأمر على ضد النهي فلا يبعد أن منادياً ينادي يوم القيامة ألا إن الله يأمركم بكذا.

ومعنى كونه في ظلل من الغمام أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في آن واحد، أو يكون المراد حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله  على أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو أنه  يخلق نقوشاً منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها.

وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد، وتكون فائدة الظلل أنه  جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم ليعلموا أن الأمر قد حضر.

وقيل: المأتي به محذوف والمعنى إلا أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته الدالة عليه بقوله ﴿ عزيز ﴾ .

وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه.

وقيل: إن "في" بمعنى الباء أي يأتيهم الله بظلل من الغمام، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة.

وقيل: الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع كقوله  ﴿ والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه  ﴾ ولا قبض ولا طي ولا يمين وإنما الغرض تصوير عظمة شأنه.

وقيل: بناء على أن الخطاب في ادخلوا وزللتم لليهود المراد أنهم لا يقبلون دين الحق إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وذلك أن اليهود كانوا على اعتقاد التشبيه ويجوّزون المجيء والذهاب على الله  ويقولون: إنه  تجلى لموسى  على الطور في ظلل من الغمام، فطلبوا مثل ذلك في زمن محمد  .

فعلى هذا يكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود ولا يبقى إشكال فإن الآية لا تدل إلا على أن قوماً ينتظرون إتيان الله وليس فيها دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أم مبطلون.

والظلل جمع ظلة وهي ما أظلك والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعاً ومتراكماً.

فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة، كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة والجمع ظلل.

والاستفهام ههنا في معنى النفي أي ما ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من الغمام، وفيه تفظيع شأن العذاب وتهويله لأن الغمام مظنة الرحمة، وإذا نزل منه العذاب كان أشنع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يتوقع الخير؟

أو نزول الغمام علامة لظهور الأهوال في القيامة قال: ﴿ يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً  ﴾ واستعير لتتالي العذاب تتابع القطر وإتيان الملائكة ليقوموا بما أمروا به من تعذيب وتخريب ولا حاجة إلى التأويل لأن إتيانهم ممكن.

﴿ وقضي الأمر ﴾ فرغ من أمر إهلاكهم وتدميرهم أو عما كانوا يوعدون به، فلا تقال لهم عثرة ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة.

والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر، فوضع الماضي موضع المستقبل.

إما للتنبيه في قرب العذاب أو الساعة "كل ما هو آت قريب"، وإما لأن إخبار الله  كالواقع المقطوع به وقيل: الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزله من الجنة والنار.

وعن معاذ بن جبل وقضاء الأمر مصدر مرفوع عطفاً على لفظي الله والملائكة.

﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ وذلك أنه ملك في الدنيا عباده كثيراً من أمور خلقه، أما إذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم بين العباد سواه وهذا كقولهم "رجع أمرنا إلى الأمير" إذا كان هو يختص بالنظر فيه.

فعلى المكلف أن يدخل في السلم كما أمر ويحترز عن اتباع آثار الشيطان كما نهى.

ثم إن الأمور ترجع إليه  ، وهو  يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة.

فهذا معنى القراءتين في ﴿ ترجع ﴾ وأيضاً قراءة ضم التاء وفتح الجيم على مذهب العرب في قولهم "فلان معجب بنفسه" ويقول الرجل لغيره: إلى أين ذهب بك؟

وإن لم يكن أحد يذهب به.

أو المراد أن العباد يردّون أمورهم إلى خالقهم ويعترفون برجوعها إليه.

أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكافرون فبشهادة الحال ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال  ﴾ .

التأويل: النفس الأمارة تظهر الأشياء المموهة والأقوال المزخرفة وترى أنها أولى الأولياء، ولكنها أعدى الأعداء وتسعى في تخريب أرض القلب وإبطال حرث الصدق في طلب السعادة إهلاك نسل ما يتولد من الأخلاق الحميدة وتشمخ بأنفها عن قبول الحق فحسبه جهنم الميعاد ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ هذا شأن الأولياء باعوا أنفسهم خالصاً لوجه الله لا لأجل الجنة ﴿ ادخلوا في السلم كافة ﴾ أي بجميع الأجزاء والأعضاء الظاهرة والباطنة.

ودخول القلب في الإسلام يكون بدخول الإيمان في القلب، ودخول الروح في الإسلام يكون بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الأحكام والأقضية لله، ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله، وهذا مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره ظروف الحروف.

وإن قميصاً خيط من نسج تسعة *** وعشرين حرفاً من معانيه قاصر الله ولي التوفيق وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً ﴾ .

﴿ ٱلسِّلْمِ ﴾ ، فيه لغتان: بالكسر والنصب.

فمن قرأ ذلك بالكسر فهو الإسلام.

ومن قرأ ذلك بالنصب فهو الصلح؛ كقوله  : ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا...

 ﴾ إلى آخر الآية.

فإن قيل: كيف أمر بالدخول، وهم فيه؛ لأنه خاطب المؤمنين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ ؟

قيل: بوجوه: أحدها: أنه يحتمل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم.

ويحتمل: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ببعض الرسل من نحو عيسى، وموسى، وغيرهم من الأنبياء، آمنوا بمحمد  .

وقيل: أمره إياهم بالدخول أمر بالثبات عليه.

وقيل: إنه  إنما أمرهم [بالدخول] فيه؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت، لأنه فعل، والأفعال تنقضي ولا تبقى، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا فيما مضى من الأوقات، آمنوا في حادث الأوقات.

وعلى هذا يخرج تأويل قوله  : ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ .

أي: ملتم وتركتم من بعد ما ظهر لكم الحق.

وقوله: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ أي منتقم بميلكم وترككم الحق بعد الظهور.

ويحتمل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، أي غني عن طاعتكم له وعبادتكم إياه.

وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، من أن يقهر أو يذل أو يغلب؛ لأن العزيز نقيض الذليل.

وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، لا يقدر أن يصل إليه، أو يقهره إلا ذل بنفسه، كما يقال: عزيز لا يرام.

وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ بأمره.

وهو قول الحسن.

وقيل: ﴿ يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي أمر الله؛ وهو كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ  ﴾ على إضمار الأمر فيه.

وقيل: قوله: ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ ، في بمعنى (الباء)، وكأنه قال: يأتيهم الله بظلل من الغمام، وذلك جائز - استعمال (في) مكان (الباء)؛ لأنهما جميعاً من حروف الخفض، والعرب تفعل ذلك ولا تأبى.

والأصل في هذا ونحوه: أن إضافة هذه الأشياء إلى الله - عز وجل - لا توجب حقيقة وجود تلك الأشياء منه على ما يوجد من الأجسام، لما يجوز إضافته إلى ما لا يوجد منه تحقيق ذلك، نحو ما يقال: جاءني أمر فظيع، و ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، وجاء فلان بأمر كذا، وجاءكم رسول.

فذكر المجيء والإتيان لا على تحقيق وجود ذلك منه، فعلى ذلك يخرج ما أضاف الله - عز وجل - إلى نفسه من المجيء والإتيان والاستواء، [ليس على تحقيق المجيء والإتيان والاستواء] منه على ما يكون من الأجسام.

وفي الشاهد أن ملوك الأرض يضيفون إلى أنفسهم ما عمل بأمرهم من غير أن يتولوها بأنفسهم.

وكذلك أضاف جل ذكره أمر القيامة إلى نفسه لفضل ذلك الأمر.

ثم الأصل: أن الإتيان والانتقال والزوال في الشاهد إنما يكون لخلتين: إما لحاجة بدت، فيحتاج إلى الانتقال من حال إلى حال، والزوال من مكان إلى مكان ليقضيها.

أو لسآمة ووحشة تأخذه، فينتقل من مكان إلى مكان لينفي عن نفسه ذلك.

وهذان الوجهان في ذي المكان، والله -  - يتعالى عن المكان، كان ولا مكان فهو على ما كان.

فالله  - يتعالى عن أن تسمه حاجة أو تأخذه سآمة.

فبطل الوصف بالإتيان والمجيء والانتقال من حال إلى حال أو من مكان إلى مكان.

وبالله التوفيق.

وقيل: إن النص قد ورد بالاستواء والمجيء، و[ورد] الخبر بالنزول، والرؤية.

ثم قد ورد السمع بأن ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، لزم نفي التشبيه فيما ورد عن ذاته، ولزم الإقرار بما جاء من عنده من غير طلب الكيفية له والتفسير.

فالسبيل فيه الإيمان بالتنزيل والكف عن التفسير.

والله أعلم.

وفي الشاهد الإتيان في العرض: ظهوره، وفي الجسم: نقله من مكان إلى مكان، وهو - جل ذكره - جل أن يوصف بجسم أو عرض.

كذلك إتيانه لا يشبه إتيان الأجسام والأعراض، ويكون إتيان لا يعرف كيفيته، وكما جاز أن يكون هو مثبتاً بدليل لا يشبهه عرض ولا جسم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ .

يحتمل وجوها: يحتمل: أن يكون أمر الله عز وجل نبيه  ، بسؤاله إياهم عما آتاهم من الآيات، على إثر سؤال كان منهم، بطلب الآيات، فقال: سلهم يا محمد كم آتيناهم وأجدادهم من الآيات على يدي موسى، فكفروا به، ولم يؤمنوا.

فأنتم - وإن آتيناكم آيات - لا تؤمنون أيضاً.

يخبر نبيه  أن سؤالهم أن كان سؤال تعنت، لا سؤال قبول وتصديق.

والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون لا على إثر سؤال كان منهم، ولكن على الابتداء أن سل علماء بني إسرائيل [وأئمتهم كم آتيناهم من آية منه فجحدوها وكتموها وهو كقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ] الآية.

ويحتمل: ﴿ سَلْ ﴾ ، لا على الأمر به في التحقيق، [لكن على التحقيق] والتبيين أنك لو سألتهم لأخبروك.

أو يكون المراد من ذلك في الذين تضيق صدورهم عند الإخبار أنهم لو جاءتهم الآيات التي سألوا عنها لا يؤمنون، ليخبروا بذلك فتطمئن لذلك قلوبهم، فتزول عنها الخطرات وأنواع الوساوس.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ ﴾ .

قيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، دين الله، من بدله بعد ظهوره وبيانه.

وقيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، يعني محمداً  ، أي: من كفر به بعدما علم أنه رسول الله.

ويحتمل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، النعم المعروفة التي كان آتاهم من المن، والسلوى، والغمام وغيره مما لم يؤت أحداً من العالمين مثله.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

خوفهم عز وجل وحذرهم على تبديل ذلك وتركه والكفر بنبيه  بعد معرفتهم أنه حق.

والله أعلم.

ويكون التبديل نعمة الله بتوجيه الشكر إلى غيره، وهو أن يعبد غيره.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

قال الحسن: زين لهم الشيطان ذلك، وكذلك قوله  : ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ .

ولكن معناه - والله أعلم - أي زين لهم [التزيين ثم] التزين يكون بوجهين: يزينه الطبع لقرب الشهوات، والعقل لقيام الأدلة، فيكون التزين بالثواب.

وأما ما زين للذين كفروا الحيوة الدنيا لما ركب فيهم من الشهوات وميل الطبع إليه.

وأما الوجهان الآخران منهما للمؤمنين.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الحجة، يقول الله  : ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الجزاء والثواب.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، بغير تبعة.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، لا على قدر الأعمال، ولكن على قدر الشهوة وزيادة عليها؛ لأن رزق الجنة على ما تنتهي إليه الشهوات، ورزق الدنيا مقدر على قدر الحاجة والقوت؛ إذ لا أحد يبلغ مناه في الدنيا وحاجته، وفي الآخرة كل ينال فوق مناه.

ولأن أكل الشهوة في الدنيا هو المؤذي.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي من غير أن ينقص ذلك عن ملكه وخزائنه، وإن عظم عطاياه وكثر مناله، ليس كخزائن المخلوقين تنتقص بالدفع وتنفد.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما ينتظر هؤلاء المتبعون مسالك الشيطان المائلون عن طريق الحق إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة إتيانًا يليق بجلاله سبحانه، في ظُلَل من السحاب للقضاء بينهم، وتأتيهم الملائكة محيطة بهم من كل جانب، وعندئذ يُقضى أمر الله فيهم، ويُفرغُ منه، وإلى الله سبحانه وحده ترجع أمور الخلائق وشؤونهم.

من فوائد الآيات التقوى حقيقةً لا تكون بكثرة الأعمال فقط، وإنما بمتابعة هدي الشريعة والالتزام بها.

الحكم على الناس لا يكون بمجرد أشكالهم وأقوالهم، بل بحقيقة أفعالهم الدالة على ما أخفته صدورهم.

الإفساد في الأرض بكل صوره من صفات المتكبرين التي تلازمهم، والله تعالى لا يحب الفساد وأهله.

لا يكون المرء مسلمًا حقيقة لله تعالى حتَّى يُسَلِّم لهذا الدين كله، ويقبله ظاهرًا وباطنًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.gR7G9"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بعدما بين  اختلاف الناس في الصلاح والفساد والإصلاح والإفساد أراد أن يهدينا إلى ما يجمع البشر كافة على الصلاح والسلام، والوفاق الذي قرره الإسلام، وهو ما يقتضيه الإيمان بالله واليوم الآخر، وجعل هذه الهداية بصيغة الأمر، وشرف أهل الإيمان به فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً  ﴾ إلخ السلم المسالمة والانقياد والتسليم، فيطلق على الصلح والسلام، وعلى دين الإسلام.

قرأ ابن كثير ونافع والكسائي السلم بفتح السين والباقون بكسرها وهما لغتان.

وقد فسره بعض المفسرين بالصلح وبعضهم بالإسلام وعليه (الجلال).

وقال في تفسير "كافة" حال من السلم أي في جميع شرائعه.

واللفظ يشمل جميع معانيه التي يقتضيها المقام، والأمر بالدخول فيه يشعر بأنه حصن منيع للداخلين في كنفه، وهو للكاملين منهم أمر بالثبات والدوام كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ  ﴾ ولمن دونهم أمر بالتمكن منه وتحري الكمال فيه، وعلى القول بأن الخطاب فيه لأهل الكتاب أو كل من يؤمن بالله فالدخول على حقيقته.

يقول لهم إذا ام تدخلوا في دين الإسلام الذي أكمله لخلقه كافة ببعثة خاتم النبيين، فلا ينفعكم إيمانكم به مع بقائكم على تعاديكم وتفرقكم ودين الله جامع لا تفرق فيه.

هذه كلمة عظيمة، وقاعدة لو بنى جميع علماء الدين مذاهبهم عليها لما تفاقم أمر الخلاف في الأمة، ذلك أنها تفيد وجوب أخد الإسلام بجملته، بأن ننظر في جميع ما جاء به الشارع في كل مسألة من نص قولي وسنة متبعة ونفهم المراد من ذلك كله ونعمل به، لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخر، وإن أدت إلى ترك ما يخالفها من النصوص والسنن وحملها على النسخ أو المسخ بالتأويل، أو تحكيم الاحتمال بلا حجة ولا دليل، ولو أنك دعوت العلماء إلى العمل بالآية على هذا الوجه -الذي عرفوه ولم ينكره على قائليه أحد منهم، وإن رجح بعضهم في التفسير غيره عليه- لولوا منك فرارًا، وأعرضوا عنك استكبارًا، وقالوا مكر مكرًا كبارًا إذ دعا إلى ترك المذاهب، وحاول إقامة المسلمين على منهج واحد.

ومن آيات العبرة في هذا المقام أننا نجد في كلام كثير من علمائنا هدى ونورًا لو اتبعته الأمة في أزمنتهم لاستقامت على الطريقة، ووصلت إلى الحقيقة، بعد الخروج من مضيق الخلاف والشقاق، إلى بحبوحة الوحدة والاتفاق، والسبب في بقاء الغلب لسلطان الخلاف والنزاع، فشو الجهل وتعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي إليها ينتسبون، وبجاهها يعيشون ويكرمون، وتأييد الأمراء والسلاطين لهم استعانة بهم على إخضاع العامة، وقطع طريق الاستقلال العقلي والنفسي على الأمة، لأن هذا أعون لهم على الاستبداد، وأشد تمكينًا لهم مما يهوون من الفساد والإفساد، إذ اتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا، ملزم للحاكم باتباعهم فيه، لأن الخواص ٍإذا اتحدوا تبعهم العوام، وهذه هي الوسيلة الفردة لإبطال استبداد الحكام، وهذا التفسير مؤيد بالنعي على الذين جعلوا القرآن عضين، والإنكار على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أي يعملون ببعضه على أنه دين، ويتركون بعضًا بتأويل أو غير تأويل، كشأن من لم يصدق بأنه من الله، فوجوب أخذ القرآن والدين بجملته، وفهم هدايته من مجموع ما ثبت عمن جاء به، أمر مقرر في ذاته سواء فسرت به الآية أم لا.

لأن الآيتين اللتين أشرنا إليهما آنفًا في جعل القرآن عضين، وفي الإيمان ببعضه والكفر ببعض وما في معناهما من النصوص تثبته.

وذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿ كافةَّ  ﴾ ترجع إلى الذين آمنوا، أي ادخلوا في الإسلام جميعًا لا يتخلف منكم أحد، وصاحب هذا القول يصرف نداء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ إلى أهل الكتاب أي آمنوا بالأنبياء السابقين والوحي، حتى لا يرد عليه أن الإيمان يستلزم الدخول في الإسلام فيكون أمر المؤمن بالإسلام من تحصيل الحاصل، ووجه اللزوم أن الإيمان هو التصديق الجازم مع إذعان النفس، فمن صدق بالشيء وأذعن له فقد دخل في أعماله وانقاد لأحكامه لا محالة.

وأما قول الجمهور إن العلم لا يوجب العمل فهو على إطلاقه خطأ، فالعلم التصديقي الإذعاني المتعلق بالمنافع والمضار يوجب العمل به ما لم يعارضه في موضوعه علم أقوى منه، وأما العلم التصوري والعلم النظري المعارض بعلم ضروري أو نظري أقوى منه فلا يوجبان العمل.

وقد صرح حجة الإسلام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة الشاطبي صاحب الموافقات بأن العلم الصحيح يستلزم العمل.

والحق التفصيل الذي أشرنا إليه آنفًا، وآيات الكتاب العزيز دالة عليه ومعززة له، ويدل لمن قال إن الآية نزلت في أهل الكتاب ما رواه ابن جرير عن عكرمة قال قال عبد الله بن سلام وثعلبة وابن يامين وأسد وأسيد ابنا كعب وسعيد بن عمر وقيس بن يزيد، كلهم من يهود: يا رسول الله، يوم السبت نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، وإن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها بالليل.

فنزلت.

فالخطاب على هذا لليهود خاصة، لا لأهل الكتاب عامة، ولكن الرواية غير صحيحة وهي تنم على نفسها فهي موضوعة للآية.

وهناك رواية أخرى بمعناها.

والوجه الثاني في تفسير السلم وهو المسالمة والوفاق يتوقف على الوجه الأول -أخذ الدين بجملته- لأنه أمر برفع الشقاق والتنازع وبالاعتصام بحبل الوحدة، وشد أواخي الإخاء، ولا يرتفع الشيء إلا برفع أسبابه، ولا يستقر إلا بتحقق وسائله، وهو بمعنى قوله  : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا  ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا  ﴾ وقوله  :"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم أعناق بعض".

وقد خالفنا كل هذه النصوص فتفرقنا وتنازعنا وشاق بعضنا بعضًا بشبهة الدين، إذ اتخذنا مذاهب متفرقة كل فريق يتعصب لمذهب ويعادي سائر إخوانه المسلمين لأجله زاعمًا أنه ينصر الدين، وهو يخذله بتفريق كلمة المسلمين، هذا سني يقاتل شيعيًا، وهذا شيعي ينازل أباضيًا، وهذا شافعي يغري التتار بالحنفية، وهذا حنفي يقيس الشافعية على الذمية، وهؤلاء مقلدة الخلف، يحادون من اتبع طريقة السلف ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ  ﴾ أم أُمروا بهذا من الله ورسوله ومن الأئمة المجتهدين؟

كلا بل كان التعادي والتنازع انحرافًا عن الصراط المستقيم، واتباعًا لخطوات الشيطان الرجيم، فكما خالف المفرقون المتنازعون ربهم في ذلك الأمر، خالفوا ما أتْبَعَه به من هذا النهي، إذ قال: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ  ﴾ الخطوات جمع خطوة بالضم وبالفتح، وهما ما بين قدمي من يخطو بنقلهما في المشي، أي لا تسيروا سيره وتتبعوا سبله في التفرق في الدين أو الخلاف والتنازع مطلقًا.

وسبل الشيطان وخطواته هي كل أمر يخالف سبيل الحق والخير والمصلحة، وهي ما عبر عنه بالسبل في قوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ  ﴾ فذكر تعالى أن له سبيلًا واحدة سماها صراطًا مستقيمًا، لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط وهي طرق الشيطان، وقد عُلِم من جَعل التفرق تابعًا لاتباع سبل هي غير صراط الله أن الذين يتبعون سبيل الله لا يتفرقون ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ نعم قد يطرأ عليهم سبب الخلاف والتنازع ولكنهم متى شعروا بأن التنازع قد دب إليهم في أمر فزعوا إلى تحكيم الله ورسوله فيه برده إلى حكمهما، كما أمرهم بقوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا  ﴾ أي مالًا وعاقبة.

فالآيات يفسر بعضها بعضًا إذا نحن أخذنا القرآن بجملته كما أمرنا.

هذه الآيات حجة لعلماء الأصول القائلين بأن الحق واحد لا يتعدد.

ويا ليت أصحاب هذا الأصل فرضوا على أنفسهم الاجتماع لكل خلاف يعرض لهم والبحث عن وجه الحق فيه بلا تعصب ولا مراء، حتى إذا ما ظهر لهم أجمعوا عليه، وإذا هو لم يظهر لبعضهم ثابر من لم يظهر له على تِطْلَابه بإخلاص لا يعادي فيه أحدًا، ولا يجعله ذريعة لتفريق الكلمة.

طريق الحق هو الوحدة والإسلام، وطرق الشيطان هي مثارات التفرق والخصام، وهي معروفة في كل الأمم، ولكن الشيطان يزين طرقه ويسول للناس المنافع والمصالح في التفرق والخلاف، فقد كانت يهود أمة واحدة مجتمعة على كتاب واحد هو صراط الله فسول لهم الشيطان فتفرقوا وجعلوا لهم مذاهب وطرقًا، وأضافوا إلى الكتاب ما أضافوا، وحرفوا من كلمه ما حرفوا، واتبعوا السبل فتفرقت بهم عن سبيل الله، حتى حل بهم الهلاك والدمار، ومزقوا كل ممزق.

وكذلك فعل غيرهم، كأنهم رأوا دينهم ناقصًا فكملوه، وقليلًا فكثروه، وواحدًا فعددوه، وسهلًا فصعبوه، فثقل عليهم بذلك فوضعوه!!

فذهب الله بوحدتهم، حتى لم تغن عنهم كثرتهم، وسلط عليهم الأعداء، وأنزل بهم البلاء، ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ  ﴾ هذا هو المتبادر من خطوات الشيطان في هذا المقام.

ومن خطواته طرق الفواحش والمنكرات كلها ولذلك قال تعالى في سورة النور ﴿ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  ﴾ وأما كون الشيطان عدوًا مبينًا فذاك أن جميع ما يدعو إليه ظاهر البطلان بين الضرر لمن تأمل وعقل، فمن لم يدرك ذلك في مبدأ الخطوات أدركه في غايتها، عندما يذوق مرارة مغبتها، لا سيما بعد تذكير الله تعالى وهدايته عباده إلى ذلك، فلا عذر لمن بلغته هذه الهداية إذا بقي على ضلالته واستحب العمى على الهدى، ولذلك قال عز وشأنه: ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ أي فإن زللتم وحِدْتم عن صراط الله، وهو السلم، إلى خطوات الشيطان، وهي طرق الخلاف والافتراق والباطل والشر، من بعد أن بيّن الله تعالى لكم أن سبيله واحدة وهي السلم، وأن الشيطان لكم عدو مبين، وأمركم أن تتخذوه عدوًا وتجتنبوا طرقه وخطواته، ثم فصل لكم من ذلك ما اضطررتم إليه، وأكد النهي عن شر تلك الطرق وأشأمها، وهي طرق التفرق والخلاف، فاعلموا أن أمامكم أمرًا جليلًا، وأخذًا وبيلًا، ذلك أن الله تعالى لعزته لا ينسى من ينسى سننه ويزل عن شريعته، بل يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ولحكمته قد وضع تلك السنن في الخليقة، وهدى إليها الناس بما أنزل من الشريعة، ومن ذلك أن جعل لكل ذنب عقوبة، وجعل العقوبة على ذنوب الأمم أثرًا من آثارها لازمًا لها حتمًا.

فكأنه تعالى قال فاعلموا أنه يُحل بكم العقاب لأنه عزيز لا يغلب على أمره، وحكيم لا يهمل أمر خلقه، ولكن هذا التعبير أبلغ لأنه بيان للحجة، وتقرير للبرهان بالإشارة على مقدماته، اكتفاء به عن ذكر النتيجة، وهو من ضروب إيجاز القرآن، التي لم تعهد في كلام إنسان.

لقد ذكر من صفاته تعالى ما هو دليل العقاب وهو ما لا مطمع في زواله، ولا هزء في الدين أكبر من ظن المغرور أنه ينال جنة عرضها السموات والأرض وفيها من النعيم والرضوان ما لم يخطر على قلب بشر، بغير الأعمال التي أرشدت إليها آيات الله تعالى: مبينة أن العقوبات على تركها من آثار صفاته القديمة التي لا يلحقها تغيير، ولا تؤثر فيها الحوادث بتبديل ولا تحويل.

ثم بيّن تعالى غاية الوعيد المشار إليه في الاسمين الكريمين فقال ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ  ﴾ وقد غير الأسلوب بالتفات عن الخطاب والأمر إلى الحكاية عن الزّالين عن صراط الله بضمير الغائب.

والحكمة في الالتفات تناول هذا الوعيد لجميع من زل من المؤمنين المخاطبين في الدخول في السلم والمنهيين عن ضده، ومن زل من غيرهم، أو هي الإيذان بأن الزالين لا يستحقون شرف الخطاب الإلهي.

الاستفهام في الآية بمعنى النفي، وينظرون بمعنى ينتظرون، وهي كثيرة الاستعمال بهذا المعنى في الكتاب العزيز ولا سيما في أمور الآخرة كقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً  ﴾ ، ﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ وإيتان الله تعالى فسره (الجلال) وآخرون بإتيان أمره أي عذابه كقوله في آية أخرى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ  ﴾ أي فهو بمعنى ما جاء من التخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها.

وحق ما ذهب إليه (الجلال) في تفسيره، فإن هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف وإسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازًا.

فهو على حد ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  ﴾ .

ومن المفسرين من قال إن الإسناد حقيقي وإنما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السابق، أي هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب؟

وعَدَّه آخرون من المتشابهات فقالوا إن الله تعالى يأتي بذاته ولكن لا كإتيان البشر بل إتيانه من صفاته التي لا نبحث عن كيفيتها اتباعًا للسلف.

وأما تأويل الإتيان بما نقله البيهقي عن الأشعري فلا نذكره لأنه مما يزيد المعنى بعدًا عن الفهم.

وقد يقال إنه ليس من مقتضى مذهب السلف أن يجعل كل ما يسند إلى الله تعالى من المتشابهات التي لا تفهم بحال، ولا تفسر ولو بإجمال، فحسبنا أن نقول على رأي من فسر إتيان الله هنا بإتيان أمره وما وعد به من العذاب، أو إتيانه بما وعد به إننا نفوض إليه تعالى كيفية ذلك وبذلك نكون على طريقة السلف في التفويض، مع العلم بأن الله تعالى ينذر الذين زلوا عن صراطه وفرقوا دينه بأمر معروف في الجملة لا بشيء مجهول مطلق.

ومما يدلنا على أن المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا  ﴾ مع الآيات الكثيرة الناطقة بأن قيام الساعة وخراب العالم يكون ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ  ﴾ وانتشرت كواكبها إلخ، وإنما يأتي بذلك الله تعالى بتغيير هذا النظام الذي وضعه لارتباط الكواكب وحفظ كل كوكب في فلكه.

وأما ظلل الغمام فهي قطع السحاب الأول وهي جمع ظلة بالضم كغرف جمع غرفة وهي ما أظلك، والثاني جمع غمامة كسحاب وسحابة وزنًا ومعنى، سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يسترها وخص بعضهم الغمام بالسحاب الأبيض، وزاد بعض آخر الرقيق، وفيه أن الأبيض الرقيق لا يمطر والعرب تسمي البرد حب الغمام.

وذكر المفسرون أن إتيان أمر الله أو عذابه في الغمام عبارة عن مجيئه من حيث ترجى الرحمة بالمطر، وذلك أبلغ في تمثيل هول العذاب وفظاعته لأن الخوف إذا جاء من موضع الأمن كان خطبه أعظم، والعذاب إذا فاجأ من حيث ترجى الرحمة كان وقعه آلم، كما وقع لعاد قوم هود ﴿ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ وهو مبني على أن الغمام مظنة المطر، والظاهر أن من قال إن الغمام هو السحاب الأبيض لا يعني به تلك السحائب البيض الرقاق المرتفعة التي تظهر في أيام الصيف وإنما أراد به ذلك السحاب المسف لثقله بالمطر الذي هو أقرب إلى البياض منه إلى السواد.

إن الحكمة في نزول العذاب في الغمام إنزاله فجأة من غير تمهيد ينذر به، ولا توطئة توطن النفوس على احتماله، وذلك أبلغ في هوله -"ما من دهي بالأمر كالمعتد"- وهو ذلك الغمام الذي يحدث عن تخريب العامل فجأة، فيأتيهم العذاب قبل أن يتبدد الغمام الناشئ عن الخراب.

وهذا القول يتفق مع الأول وهو أقرب إلى معنى قوله تعالى ﴿ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً  ﴾ .

ويجب أن تكون هذه الآيات عبرة للمؤمن ترغبه في المبادرة إلى التوبة، لئلا يفاجئه وعد الله تعالى وهو غافل، فإن لم يفاجئه قيام الساعة العامة التي بها يهلك هذا العالم كله، فاجأه قيام قيامته بموته بغتة، فإن لم يمت بغتة جاءه مرض الموت بغتة، حتى لا يقدر على العمل، وتدارك الزلل.

وإذا جرينا على هذه الطريقة التي أرشدتنا إليها الآية السابقة على الوجه الأول في تفسيرها فحملنا بعض الآيات على بعض واستخرجنا المعنى من مجموعها كان لنا أن نقول: إذا وقعت الواقعة، وقرعت القارعة، وكورت الشمس، وتناثرت الكواكب، وانشقت السماء شقًا، ورجت الأرض رجًا، وبست الجبال بسًا فكانت أولًا كالعهن المنفوش ثم صارت هباء منبثًا، فإن مادة هذا الكون تعود كما كانت قبل التكوين أي مادة سديمية وهي ما عبر عنه في بدء التكوين بالدخان، وفي الحكاية عن الخراب بالغمام.

وإن كثيرًا من علماء الهيئة الغربيين ليتوقعون خراب هذا العالم بقارعة تحدث من اصطدام بض الكواكب ببعض بحيث تبطل الجذب العام، الذي به قام هذا النظام، وهو في معنى ما ورد من تشقق السماء بالغمام، وهذا المعنى لم يكن يخطر ببال أحد على عهد نزول القرآن.

وأما إتيان الملائكة هنا فهو بمعنى نزولهم في قوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا  ﴾ أي وتأتيهم الملائكة الموكلة بكل ما قضاه الله يومئذٍ.

وقوله ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ  ﴾ جملة حالية أي كيف ينتظرون غير ذلك وهو أمر قضاه الله وأبرمه فلا مفر منه ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ  ﴾ فيضع كل شيء في موضعه الذي قضاه، فهو الأول ومنه بدأت الأشياء، وهو الآخر وإليه ترجع وتصير، وهو بكل شيء محيط ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ  فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ .

وإذا كان كل ما سنه الله تعالى من النظام لخلقه حتمًا مقضيًا لا يضل واضعه ولا ينسى، فعلى من زل عن صراطه واتبع خطوات الشيطان أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الحق قبل أن يحيق به زلله، ويبسله عمله، وقبل أن تقوم قيامته أو قيامة الناس أجمعين، فيجازى على زلله ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ  ﴾ وأجدر الناس بالمبادرة إلى هذه التوبة علماء الأمة الذين أبسلوها بخلافهم وتفرقهم، فعليهم أن يحكموا كتاب الله وسنة رسوله فيما شجر بينهم من غير تعصب ويسلموا تسليمًا.

ووجه آخر في تفسير الإتيان..

ذلك أن من الناس من يؤمن بالله تعالى وصحة دينه إيمانًا موافقًا لما جاء في كتابه ويكون في إيمانه على حق اليقين، والاطمئنان الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب، وأهل هذا اليقين هم الذين يقال إن الله حاضر عندهم وإنه معهم أينما كانوا، لأن معرفته ثبتت في عقولهم، والتوكل عليه قد لابس قلوبهم، وهم الذين قال قائلهم: لو كشف الحجاب ما ازددت يقينًا.

ومنهم من ليس له تلك المعرفة وهذا اليقين، فلا يقال إن الله عندهم لأن ما حضر في عقله هو غير ما وصف الله تعالى به نفسه، وشهدت به آياته في كتابه وآياته في خلقه، ثم هو ليس على يقين مما عنده، أولئك أصحاب الظنون وأرباب الشكوك، وحملة التقاليد الذين زلوا من بعد ما جاءتهم البينات، فاتخذوا بينهم وبين الله حجابًا ووسطاء، وشبهوه بخلقه في كثير من الشؤون، فهم غائبون عن الله تعالى ومحجوبون عن ربهم، بحيث لا تطوف معرفته الحقيقية بعقولهم، ولا تلابس عظمته وكماله قلوبهم، فإذا كان يوم القيامة وكشف الحجاب عرفوا الله ربهم الحق، وتبين لهم ما كانوا عليه من الباطل، فذلك إتيان الله لهم، أي يأتيهم من معرفته ما كانوا غائبين عنه ومحرومين منه في الدنيا.

والإتيان يكون في المعقولات كما يكون في المحسوسات، فلا حاجة إلى التأويل.

إن هؤلاء الزالين عن صراط الله تعالى صنفان: صنف اعتقدوا الباطل حقًا فلم يعرفوا حقيقة التوحيد ورجوع كل أمر إلى من أعطى كل شيء خلقه على سنن ثابتة، ولا غير التوحيد من أصول الإيمان، وصنف اتبعوا الظن، وهاموا في أدوية الوهم، فلم يكونوا على بينة من هذا الأمر، فإذا ما تجلى الله تعالى في ذلك اليوم على الأرواح، وزالت الحجب التي كانت دونها في سجن الأشباح زال جهل الجاهلين، وانكشف ظن الظانين، وبطل وهم الواهمين، وعرف الجميع رب العالمين بما جاءهم من الحق اليقين، فذلك مجيء الله تعالى وإتيانه في يوم الدين، هذا ما تجلى به مسألة الإتيان على مذهب السلف.

وأما كون هذا الإتيان في ظلل من الغمام فهو من الأمور الأخروية الغيبية التي قلنا مرارًا إننا لا نبحث عن حقيقتها، فكون معرفة الله تعالى واليقين به مما يحصل للجاهلين والغافلين بحصول ظلل من الغمام نفوض سره إلى الله تعالى، وما يدرينا أن في ذلك الغمام آيات بينات، وحججًا باهرات، وإتيان الملائكة على هذا التأويل أظهر منه في التأويل الأول، لأن المقام مقام تمثيل ظهور سلطان الله تعالى وعظمته، واستغراق القلوب في الخضوع لجلاله عندما يغشاها نور معرفته، ولا ريب أن حضور الملك في جنده الأكبر، هو أبين لكمال العظمة وأظهر، ولذلك قال في سورة الفجر: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  ﴾ وقال في سورة النبأ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله