الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١١ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن بني إسرائيل : كم قد شاهدوا مع موسى ( من آية بينة ) أي : حجة قاطعة على صدقه فيما جاءهم به ، كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر ، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر ، ومن إنزال المن والسلوى وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار ، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه ، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها ، وبدلوا نعمة الله [ كفرا ] أي : استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها ، والإعراض عنها .
( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) كما قال إخبارا عن كفار قريش : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار ) [ إبراهيم : 28 ، 29 ] .
القول في تأويل قوله عز ذكره : سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: سل يا محمد بني إسرائيل = الذين لا ينتظرون - بالإنابة إلى طاعتي، والتوبة إليّ بالإقرار بنبوتك وتصديقك فيما جئتهم به من عندي- إلا إن آتيهم في ظلل من الغمام وملائكتي، فأفصلُ القضاء بينك وبين من آمن بك وصدَّقك بما أنـزلت إليك من كتبي، وفرضت &; 4-271 &; عليك وعليهم من شرائع ديني، وبينهم = كم جئتهم به من قبلك من آية وعلامة، على ما فرضتُ عليهم من فرائضي، فأمرتهم به من طاعتي، وتابعتُ عليهم من حججي على أيدي أنبيائي ورسلي من قبلك، مؤيِّدةً لهم على صدقهم، بيِّنةً أنها من عندي، واضحةً أنها من أدلتي على صدق نُذُري ورُسلي فيما افترضت عليهم من تصديقهم وتصديقك، فكفروا حُجَجي، وكذَّبوا رسلي، وغيَّروا نعمي قِبَلهم، وبدَّلوا عهدي ووصيتي إليهم.
* * * وأما " الآية "، فقد بينت تأويلها فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية (1) وهي ها هنا.
ما:- 4040 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آيه بينة "، ما ذكر الله في القرآن وما لم يذكر، وهم اليهود.
4041 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آيه بينة "، يقول: آتاهم الله آيات بينات: عصا موسى ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوَّهم وهم ينظرون، وظلَّل عليهم الغمام، وأنـزل عليهم المنّ والسلوى، وذلك من آيات الله التي آتاها بني إسرائيل في آيات كثيرة غيرها، خالفوا معها أمر الله، فقتلوا أنبياء الله ورسله، وبدلوا عهده ووصيته إليهم، قال الله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .
* * * قال أبو جعفر: وإنما أنبأ الله نبيه بهذه الآيات، فأمره بالصبر على من كذَّبه، واستكبر على ربه، وأخبره أنّ ذلك فعل من قبْله من أسلاف الأمم قبلهم بأنبيائهم، &; 4-272 &; مع مظاهرته عليهم الحجج، وأنّ من هو بين أظهُرهم من اليهودِ إنما هم من بقايا من جرت عادتهم [بذلك]، ممن قص عليه قصصهم من بني إسرائيل.
(2) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) قال أبو جعفر: يعني" بالنعم " جل ثناؤه: الإسلام وما فرض من شرائع دينه.
ويعني بقوله: " ومن يُبدّل نعمة الله " ومن يغير ما عاهد الله في نعمته التي هي الإسلام، (3) من العمل والدخول فيه فيكفر به، فإنه مُعاقبه بما أوْعد على الكفر به من العقوبة، والله شديدٌ عقابه، أليم عذابه.
* * * فتأويل الآية إذًا يا أيها الذين آمنوا بالتوراة فصَدَّقوا بها، ادخلوا في الإسلام جميعًا، ودعوا الكفر، وما دعاكم إليه الشيطان من ضلالته، وقد جاءتكم البينات من عندي بمحمد، وما أظهرت على يديه لكم من الحجج والعِبَرِ، فلا تبدِّلوا عهدي إليكم فيه وفيما جاءكم به من عندي في كتابكم بأنه نبي ورسولي، فإنه من يبدِّل ذلك منكم فيغيره فإنى له معاقب بالأليم من العقوبة.
وبمثل الذي قلنا في قوله: " ومن يبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته "، قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: &; 4-273 &; 4042- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ومن يبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته "، قال: يكفر بها.
4043 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
4044 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ومن يبدِّل نعمة الله "، قال: يقول: من يبدِّلها كفرًا.
4045 - حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع " ومن يبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته "، يقول: ومن يكفُر نعمتَه من بعد ما جاءته.
--------------------- الهوامش : (1) انظر ما سلف معنى"الآية" 1 : 106/ ثم 2 : 397- 398 ، 553/ ثم 3 : 184 .
ومعنى"بينة" في 2 : 318 ، 397/ ثم 3 : 249/ وهذا الجزء 4 : 259 ، 260 .
(2) ما بين القوسين زيادة ، أخشى أن تكون لازمة حتى يستقيم الكلام .
(3) انظر معنى"التبديل" فيما سلف 3 : 396 .
قوله تعالى : سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقابقوله تعالى : سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة سل من السؤال : بتخفيف الهمزة ، فلما تحركت السين لم يحتج إلى ألف الوصل .
وقيل : إن للعرب في سقوط ألف الوصل في " سل " وثبوتها في " واسأل " وجهين :أحدهما - حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى ، وجاء القرآن بهما ، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها .والوجه الثاني - أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه ، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدإ ، مثل قوله : سل بني إسرائيل ، وقوله : سلهم أيهم بذلك زعيم .
وثبت في العطف ، مثل قوله : واسأل القرية ، واسألوا الله من فضله قاله علي بن عيسى .
وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس عنه " اسأل " على الأصل .
وقرأ قوم " اسل " على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل ، على لغة من قال : الأحمر .
و " كم " في موضع نصب ؛ لأنها مفعول ثان ل " آتيناهم " .
وقيل : بفعل مضمر ، تقديره كم آتينا آتيناهم .
ولا يجوز أن يتقدمها الفعل لأن لها صدر الكلام .
من آية في موضع نصب على التمييز على التقدير الأول ، وعلى الثاني مفعول ثان ل " آتيناهم " ، ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء ، والخبر في " آتيناهم " ، ويصير فيه عائد على " كم " ، تقديره : كم آتيناهموه ، ولم يعرب وهي اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيه معنى الاستفهام ، وإذا فرقت بين " كم " وبين الاسم كان الاختيار أن تأتي بمن كما في هذه الآية ، فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر ، ويجوز الخفض في الخبر كما قال الشاعر :[ ص: 28 ]كم بجود مقرف نال العلا وكريم بخله قد وضعهوالمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه .
قال مجاهد والحسن وغيرهما : يعني الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك .
وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ .قوله تعالى : ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته لفظ عام لجميع العامة ، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل ، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فالجحود منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى .
وقال الطبري : النعمة هنا الإسلام ، وهذا قريب من الأول .
ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش ، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم ، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا .قوله تعالى : فإن الله شديد العقاب خبر يتضمن الوعيد .
والعقاب مأخوذ من العقب ، كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه ، ومنه عقبة الراكب وعقبة القدر .
فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب ، وقد عاقبه بذنبه .
يقول تعالى: {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} تدل على الحق، وعلى صدق الرسل، فتقينوها وعرفوها، فلم يقوموا بشكر هذه النعمة، التي تقتضي القيام بها.
بل كفروا بها وبدلوا نعمة الله كفرا، فلهذا استحقوا أن ينزل الله عليهم عقابه ويحرمهم من ثوابه، وسمى الله تعالى كفر النعمة تبديلا لها، لأن من أنعم الله عليه نعمة دينية أو دنيوية، فلم يشكرها، ولم يقم بواجبها، اضمحلت عنه وذهبت، وتبدلت بالكفر والمعاصي، فصار الكفر بدل النعمة، وأما من شكر الله تعالى، وقام بحقها، فإنها تثبت وتستمر، ويزيده الله منها.
قوله تعالى : ( سل بني إسرائيل ) أي سل يا محمد يهود المدينة ( كم آتيناهم ) أعطينا آباءهم وأسلافهم ( من آية بينة ) دلالة واضحة على نبوة موسى عليه السلام مثل العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها .
وقيل : معناها الدلالات التي آتاهم في التوراة والإنجيل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
( ومن يبدل ) يغير ( نعمة الله ) كتاب الله وقيل : عهد الله وقيل : من ينكر الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ( من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) .
«سل» يا محمد «بني إسرائيل» تبكيتا «كم آتيناهم» كم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعول آتينا ومميزها «من آية بينة» ظاهرة كفلق البحر وإنزال المن والسلوى فبدَّلوها كفرا «ومن يبدِّل نعمه الله» أي ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية «من بعد ما جاءته» كفرا «فإن الله شديد العقاب» له.
سل -أيها الرسول- بني إسرائيل المعاندين لك: كم أعطيناهم من آيات واضحات في كتبهم تهديهم إلى الحق، فكفروا بها كلها، وأعرضوا عنها، وحَرَّفوها عن مواضعها.
ومن يبدل نعمة الله -وهي دينه- ويكفر بها من بعد معرفتها، وقيام الحجة عليه بها، فإن الله تعالى شديد العقاب له.
ثم بين - سبحانه - أن كفر الكافرين ليس سيبه نقصان الدليل على صحة إيمان المؤمنين ، وإنما سببهخ الجحود والحسد وإيثار الهوى على الهدى ، بدليل أن بني إسرائيل قد آتاهم الله آيات ببينات تهدي إلى الإِيمان ومع ذلك كفروا بها .
استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم بعد تهديده للكافرين في الآية السابقة فيقولك ( سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ .
.
.
) .قال الفخر الرازي : اعلم أنه ليس المقصود : سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عالماً بتلك الأحوال بإعلام الله - تعالى - إياه ، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله - تعالى - .أي : سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها ، لا جرم استوجبوا العقاب من الله - تعالى - ، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه .
والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم .
.
.
" .و ( سَلْ ) فعل أمر من سأل وأصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين قبلها وصارت ساكنة فحذفت .
ولما فتحت السين لم يكن هناك حاجة إلى همزة الوصل فحذفت أيضاً .و ( كَمْ ) إما خبرية والمسئول عنه محذوف ، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة لاستحقاقهم التقريع والتوبيخ .
كأنه قيل ( سَلْ بني إِسْرَائِيلَ ) عن طغيانهم وجحودهم للحق بعد وضوحه فقد آتيناهم آيات كثيرة بينة ومع ذلك أعرض كثير منهم عنها .وإما استفهامية والجملة في موضع المفعول الثاني لقوله ( سَلْ ) وقيل : في موضع المصدر ، أي : سلهم هذا السؤال .
وقيل : في موضع الحال .
أي : سلهم قائلا : كم آتيناهم .والاستفهام للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإِقرار - بأنه قد خالف ما تقتضيه الآيات من الإِيمان بالله - تعالى - .فالمراد بهذا السؤال تقريعهم على جحودهم الحق بعد وضوح الآيات لا معرفة إجابتهم كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد فيقول لمن حضره : سله كم أنعمت عليه؟ومن الآيات البينات والمعجزات الواضحات التي أظهرها الله - تعالى - لبني إسرائيل على أيدي أنبيائهم ليؤمنوا بهم : عصا موسى التي ألقاها فإذا هي حية تسعى؛ والتي ألقاها فإذا هي تلقف ما صنعه السحرة ، والتي ضرب بها البحر ( فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله وصدق من جرت على يديه سهذه الخوارق ، ومع ذلك فمنهم من قال لموسى ( أَرِنَا الله جَهْرَةً ) ومنهم من كفر وعبد العجل .
.ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الجاحدين لآياته فقال : ( وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) .التبديل : جعل شيء بدلا عن الآخر ، ونعمة الله هنا تتناول آياته الدالة على صدق رسله ، كما يتناول ما أسبغه الله على عباده من صحة ومال وعقل وغير ذلك من نعمه الظاهرة والباطنة .أي : ومن يبدل نعم الله بعد ما وصلت إليه واتضحت له ، بأن كفر بها مع أنها تدعو إلى الإِيمان ، وجحد فضلها مع أنها تستلزم منه الشكر لمسديها من يبدل ذلك التبديل فإن الله سيعاقبه عقاباً شديداً .وقوله : ( مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ ) زيادة توبيخ لهم ، وأنهم مستحقون لأشد ألوان العذاب ، لأنهم قد كفروا بآيات الله وجحدوا نعمه بعد معرفتها والوقوف على تفاصيلها .
فهو كقوله - تعالى - : ( وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) فهو تبديل عن معرفة لا عن جهل أو خطأ .وقوله : ( فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) تعليل للجواب أقيم مقامه .أي : ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة لأنه شديد العقاب فلا يفلت منه أحد .
ويحتمل أن يكون هذه الجملة هي الجواب بتقدير الضمير أي شديد العقاب له .والعقاب هو الجزاء عن جناية وجرم ، وهو مأخوذ - كما يقول القرطبي - من العقب ، كأن المعاقب يمشي بالمحازاة للجاني في آثار عقبه ، ومنه عقبة الراكب - أي الموضع الذي يركب منه - ، فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب وقد عاقبه بذنبه .فالآية الكريمة وعيد شديد لكل من يبدل نعم الله ، ويترك شكرها .وبعد أن ذكر القرآن حال من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته ، أتبعه بذكر الأسباب التي حملت
في الآية مسائل: المسألة الأولى: ﴿ سَلْ ﴾ كان في الأصل اسأل فتركت الهمزة التي هي عين الفعل لكثرة الدور في الكلام تخفيفاً، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها، وعند هذا التصريف استغني عن ألف الوصل، وقال قطرب: يقال سأل يسأل مثل زأر الأسد يزأر، وسأل يسأل، مثل خاف يخاف، والأمر فيه: سل مثل خف، وبهذا التقدير قرأ نافع وابن عامر ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ ﴾ على وزن قال، وكال، وقوله: ﴿ كَمْ ﴾ هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد، يقال إنه من تأليف كاف التشبيه مع ﴿ مَا ﴾ ثم قصرت (ما) وسكنت الميم، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام، وهي تارة تستعمل في الخبر وتارة في الاستفهام وأكثر لغة العرب الجر به عند الخبر، والنصب عند الاستفهام، ومن العرب من ينصب به في الخبر، ويجر به في الاستفهام، وهي هاهنا يحتمل أن تكون استفهامية، وأن تكون خبرية.
المسألة الثانية: اعلم أنه ليس المقصود: سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان عالماً بتلك الأحوال بإعلام الله تعالى إياه، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله تعالى، وبيان هذا الكلام أنه تعالى قال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ فأمر بالإسلام ونهى عن الكفر، ثم قال: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البينات ﴾ أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد بقوله: ﴿ فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ثم بين ذلك التهديد بقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكة ﴾ ثم ثلث ذلك التهديد بقوله: ﴿ سَلْ بَنِى إسراءيل ﴾ يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه، والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم، كما قال تعالى: ﴿ فاعتبروا ياأولى الأبصار ﴾ وقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِى الألباب ﴾ فهذا بيان وجه النظم.
المسألة الثالثة: فرق أبو عمرو في ﴿ سَلْ ﴾ بين الاتصال بواو وفاء وبين الاستئناف، فقرأ ﴿ سَلْهُمْ ﴾ و ﴿ سَلْ بَنِى إسراءيل ﴾ بغير همزة ﴿ واسئل القرية ﴾ فاسأل الذين يقرؤن الكتاب، ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ بالهمز، وسوى الكسائي بين الكل، وقرأ الكل بغير همز وجه الفرق أن التخفيف في الاستئناف وصلة إلى إسقاط الهمزة المبتدأة وهي مستقلة وليس كذلك في الاتصال والكسائي اتبع المصحف، لأن الألف ساقطة فيها أجمع.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ مِّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ ﴾ فيه قولان أحدها: المراد به معجزات موسى عليه السلام، نحو فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى لموسى عليه السلام من السحاب، وإنزال التوراة عليهم، وتبيين الهدى من الكفر لهم، فكل ذلك آيات بينات.
والقول الثاني: أن المعنى؛ كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد عليه الصلاة والسلام، يعلم بها صدقه وصحة شريعته.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ وَمَن يُبَدّلْ ﴾ بالتخفيف.
المسألة الثانية: قال أبو مسلم: في الآية حذف، والتقدير: كم آتيناهم من آية بينة وكفروا بها لكن لا يدل على هذا الإضمار قوله: ﴿ وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله ﴾ .
المسألة الثالثة: في نعمة الله هاهنا قولان أحدهما: أن المراد آياته ودلائله وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام، قال: المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ ومن قال: المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام، قال: المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها.
والقول الثاني: المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية والله تعالى هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات.
أما قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ ﴾ فإن فسرنا النعمة بإيتاء الآيات والدلائل كان المراد من قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ ﴾ أي من بعد ما تمكن من معرفتها، أو من بعد ما عرفها كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها، فكأنها غائبة عنه، وإن فسرنا النعمة بما يتعلق بالدنيا من الصحة والأمن والكفاية، فلا شك أن عند حصول هذه الأسباب يكون الشكر أوجب فكان الكفر أقبح، فلهذا قال: ﴿ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ﴾ قال الواحدي رحمه الله تعالى: وفيه إضمار، والمعنى شديد العقاب له، وأقول: بين عبد القاهر النحوي في كتاب دلائل الإعجاز أن ترك هذا الإضمار أولى، وذلك لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفاً بأنه شديد العقاب، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب لهذا أو لذلك، ثم قال الواحدي رحمه الله: والعقاب عذاب يعقب الجرم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَلْ ﴾ أمر للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد، وهذا السؤال سؤال تقريع كما تسأل الكفرة يوم القيامة ﴿ كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ ﴾ على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم، أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام، و ﴿ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ آياته، وهي أجل نعمة من الله، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة.
وتبديلهم إياها: أن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم، فجعلوها أسباب ضلالتهم، كقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 125] أو حرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: كم استفهامية أم خبرية؟
قلت: تحتمل الأمرين.
ومعنى الاستفهام فيها للتقرير.
فإن قلت: ما معنى ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ ﴾ .
قلت: معناه من بعد ما تمكن من معرفتها أو عرفها، كقوله: ﴿ ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ﴾ [البقرة: 75] ؟
لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها، فكأنها غائبة عنه: وقرئ ﴿ وَمَن يُبَدِلْ ﴾ بالتخفيف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ والمُرادُ بِهَذا السُّؤالِ تَقْرِيعُهم.
﴿ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ مُعْجِزَةٍ ظاهِرَةٍ، أوْ آيَةٍ في الكُتُبِ شاهِدَةٍ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ، وكَمْ خَبَرِيَّةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ عَلى حَذْفِ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ إلى المُبْتَدَأِ.
وآيَةٌ مُمَيِّزُها.
ومِن لِلْفَصْلِ.
﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ أيْ آياتِ اللَّهِ فَإنَّها سَبَبُ الهُدى الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ، يَجْعَلُها سَبَبَ الضَّلالَةِ وازْدِيادِ الرِّجْسِ، أوْ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ الزّائِغِ.
﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ ﴾ مِن بَعْدِ ما وصَلَتْ إلَيْهِ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم بَدَّلُوها بَعْدَ ما عَقَلُوها ولِذَلِكَ قِيلَ تَقْدِيرُها فَبَدَّلُوها ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ ﴾ .
﴿ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ فَيُعاقِبُهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ لِأنَّهُ ارْتَكَبَ أشَدَّ جَرِيمَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
{سَلْ} أصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين بعد حذفها واستغني عن همزة الوصل فصار سل وهو أمر للرسول أو لكل أحد وهو سؤال تقريع كما يسئل الكفرة يوم القيامة {بني إسرائيل كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام وكم استفهامية أو خبرية {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله} هي آياته وهي أجل نعمة من الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة وتبديلهم إياها إن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رجسهم أى وحرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد عليه السلام {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ} من بعد ما عرفها وصحت عنده لأنه إذا لم يعرفها فكأنها غائبة عنه {فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب} لمن استحقه
﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ -صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما هو الأصْلُ في الخِطابِ أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ السُّؤالُ، والمُرادُ بِهَذا السُّؤالِ تَقْرِيعُهم وتَوْبِيخُهم عَلى طُغْيانِهِمْ وجُحُودِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ لا أنْ يُجِيبُوا فَيُعْلَمُ مِن جَوابِهِمْ كَما إذا أرادَ واحِدٌ مِنّا تَوْبِيخَ أحَدٍ يَقُولُ لِمَن حَضَرَ: سَلْهُ كَمْ أنْعَمْتُ عَلَيْهِ، ورَبْطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى ما قِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في ( هَلْ يَنْظُرُونَ ) إنْ كانَ لِأهْلِ الكِتابِ فَهي كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ لِمَن يُعْجِبُك فَهي بَيانٌ لِحالِ المُعانِدِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ بَيانِ حالِ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ، ﴿ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ أيْ: عَلامَةٍ ظاهِرَةٍ، وهي المُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ، وتَخْصِيصُ إيتاءِ المُعْجِزاتِ بِأهْلِ الكِتابِ مَعَ عُمُومِهِ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهم أعْلَمُ مِن غَيْرِهِمْ بِالمُعْجِزاتِ وكَيْفِيَّةِ دَلالَتِها عَلى الصِّدْقِ؛ لِعِلْمِهِمْ بِمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ السّابِقَةِ، وقَدْ يُرادُ بِالآيَةِ مَعْناها المُتَعارَفُ، وهو طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وبَيِّنَةٌ مِن بانَ المُتَعَدِّي، فالسُّؤالُ عَلى إيتاءِ الآياتِ المُتَضَمِّنَةُ لِنَعْتِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ والتَّصْدِيقِ بِما جاءَ بِهِ.
و(كَمْ) إمّا خَبَرِيَّةٌ والمَسْؤُولُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَبْنِيَّةٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ التَّقْرِيعَ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طُغْيانِهِمْ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ فَقَدْ آتيناهم آياتٍ كَثِيرَةً بَيِّنَةً، وزَعَمَ لُزُومَ انْقِطاعِ الجُمْلَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهم كَما تَرى، وإمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ سَلْ وقِيلَ: في مَوْضِعِ المَصْدَرِ؛ أيْ: سَلْهم هَذا السُّؤالَ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: سَلْهم قائِلًا كم آتَيْناهُمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ بِمَعْنى حَمْلِ المُخاطَبِ عَلى الإقْرارِ، وقِيلَ: بِمَعْنى التَّحْقِيقِ والتَّثْبِيتِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْنى التَّقْرِيعِ الِاسْتِنْكارُ والِاسْتِبْعادُ، وهو لا يُجامِعُ التَّحْقِيقَ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّقْرِيعَ إنَّما هو عَلى جُحُودِهِمُ الحَقَّ وإنْكارِهِ المُجامِعَ لِإيتاءِ الآياتِ لا عَلى الإيتاءِ حَتّى يُفارِقَهُ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ آتينا ولَيْسَ مِنَ الِاشْتِغالِ كَما وُهِمَ، أوِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ عَلى حَذْفِ العائِدِ، والتَّقْدِيرُ: ( آتَيْناهُمُوما ) أوْ ( آتَيْناهم إيّاها )، وهو ضَعِيفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وآيَة تَمْيِيزٌ، ومَن صِلَةٌ أُتِيَ بِها لِلْفَصْلِ بَيْنَ كَوْنِ آيَة مَفْعُولا لِـ ( آتَيْنا ) وكَوْنُها مُمَيِّزَةً لِـ كَمْ ويَجِبُ الإتْيانُ بِها في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، فَقَدْ قالَ الرَّضِيُّ: وإذا كانَ الفَصْلُ بَيْنَ كَمِ الخَبَرِيَّةِ ومُمَيِّزِها بِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ وجَبَ الإتْيانُ بِمَن؛ لِئَلّا يَلْتَبِسَ المُمَيَّزُ بِمَفْعُولِ ذَلِكَ المُتَعَدِّي، نَحْوَ ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ ﴾ ﴿ وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ وحالُ ( كَمْ ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ المَجْرُورُ مُمَيِّزُها مَعَ الفَصْلِ كَحالِ ( كَمِ ) الخَبَرِيَّةِ في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا انْتَهى، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ أنْكَرَ زِيادَةَ ( مِن ) في مُمَيِّزِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وهو مَحْمُولٌ عَلى الزِّيادَةِ بِلا فَصْلٍ لا مُطْلَقًا، فَلا تَنافِي بَيْنَ كَلامَيْهِ، ﴿ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ أيْ: آياتِهِ، فَإنَّها سَبَبُ الهُدى الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ، وفِيهِ وُضِعَ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ السّابِقِ لِتَعْظِيمِ الآياتِ، وتَبْدِيلُها تَحْرِيفُها وتَأْوِيلُها الزّائِغُ، أوْ جَعْلُها سَبَبًا لِلضَّلالَةِ وازْدِيادِ الرِّجْسِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا حَذْفَ في الآيَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن ( نِعْمَة ) والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ يُبَدَّلُ والتَّقْدِيرُ: ومَن يُبَدِّلْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ تَرْتِيبُ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: ( ومَن يُبْدِلْ ) بِالتَّخْفِيفِ، ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ ﴾ أيْ: وصَلَتْهُ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها، وفائِدَةُ هَذِهِ الزِّيادَةِ، وإنْ كانَ تَبْدِيلُ الآياتِ مُطْلَقًا مَذْمُومًا، التَّعْرِيضَ بِأنَّهم بَدَّلُوها بَعْدَ ما عَقَلُوها، وفِيهِ تَقْبِيحٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، ونَعْيٌ عَلى شَناعَةِ حالِهِمْ، واسْتِدْلالٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الشَّدِيدَ؛ حَيْثُ بَدَّلُوا بَعْدَ المَعْرِفَةِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يَتَراءى مِن أنَّ التَّبْدِيلَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ المَجِيءِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ 211﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ أُقِيمَ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُبَدِّلُ نِعْمَةَ اللَّهِ عاقَبَهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ؛ لِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو الجَوابُ بِتَقْدِيرِ الضَّمِيرِ؛ أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ.
قال مقاتل: معناه سل علماء بني إسرائيل كما أعطيناهم.
مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ حين فرق لهم البحر وأغرق عدوهم وأنزل عليهم المن والسلوى.
ويقال: كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، يعني نعت محمد .
ثم قال: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ، أي يغيّر نعمة الله تعالى.
مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، يعني يقول إذا لم يشكر نعمة الله، تزول عنهم النعم ويستوجبوا العقوبة.
<div class="verse-tafsir"
وأما الْمَلائِكَةُ، فالوعيد بإِتيانهم عنْدَ المَوْت والغمامُ: أرقُّ السحابِ، وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظُلِّلَ به بنو إِسرائيل.
وقال النَّقَّاش: هو ضَبَابٌ أبيض، وقُضِيَ الأمرُ: معناه وقع الجزاء، وعُذِّبَ أهل العصيان، وقرأ معاذ بن جَبَلٍ «١» : «وقضاء الأمر» .
وإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ: هي راجعةٌ إِليه سبحانه قَبْل وبَعْد، وإِنما نبه بذكْر ذلك في يَوْم القيامة على زوالِ ما كان منها إلى الملوك في الدنيا.
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)
وقوله سبحانه: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية: معنى الآية: توبيخُهم على عنادهم بعد الآياتِ البيِّناتِ، والمراد بالآيةِ: كم جاءَهُمْ في أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم من آية معرّفة به دالّة عليه، ونِعْمَةَ اللَّهِ: لفْظٌ عامٌّ لجميع إِنعامه ولكنْ يقوِّي من حال النبيّ صلّى الله عليه وسلم معهم أنَّ المشار إِليه هنا هو محمَّد صلّى الله عليه وسلم فالمعنى: ومن يبدِّلْ من بني إِسرائيل صفةَ نعمة اللَّه، ثم جاء اللفظ منسحباً على كلِّ مبدِّل نعمةً للَّه، ويدخل في اللفظ كفّار قريش/، والتوراة أيضا نعمة ٥٢ ب على بني إِسرائيل، فبدَّلوها بالتحريفِ لها، وجَحْدِ أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ: خبرٌ يتضمنُ الوعيد.
وقوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ...
الآية: الإِشارة إِلى كفار قريشٍ لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا، ويغتبطون بها، ويسخرون من أتْبَاعِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم كبلالٍ «٢» ، وصُهَيْبٍ، وابنِ مَسْعودٍ، وغيرهم، فذكر اللَّه قبيح فعلهم، ونبه على خفض
منزلتهم بقوله: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، ومعنى الفوقيَّة هنا في الدرجَةِ والقَدْر ويحتمل أن يريد أنَّ نعيم المتَّقِينَ في الآخرة فوق نعيم هؤلاء الآن.
قلت: وحكى الداوديّ عن قتادة: فوقهم يوم القيامة.
قال: فَوْقَهُم في الجنّة «١» .
انتهى.
ومهما ذكرت الداوديّ في هذا «المختصر» ، فإِنما أريد أحمد بن نَصْرٍ الفقيهَ المَالِكِيَّ، ومن تفسيره أنا أنقل.
انتهى.
فإِن تشوَّفَتْ نفسُك أيها الأخُ إِلى هذه الفوقيَّة، ونَيْلِ هذه الدرجة العَليَّة، فارفض دنياك الدنيَّة، وازهَدْ فيها بالكليَّة لتسلَمَ من كل آفة وبليَّة، واقتد في ذلك بخَيْر البريَّهْ.
قال عِيَاضٌ في «شِفَاهُ» «٢» : فانظُرْ- رحمك الله- سيرة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم وخُلُقَه في المال، تجده قد أوتي خزائنَ الأرْض [ومفاتيح البلاد، وأُحلّت له الغنائم «٣» ، ولم تحلَّ لنبي قبله، وفتح عليه في حياته صلّى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق] «٤» ، وجُبِيَتْ إِلَيْه الأخماس، [وصدقاتها ما لا يجبى «٥» للملوك إِلاَّ بعضه] «٦» ، وهادَتْه جماعةٌ من الملوك، فما استأثر بشيء من ذلك، ولا أمْسَكَ دِرْهَماً منْه، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين، ومات صلّى الله عليه وسلم، ودِرْعُهُ مرهُونَةٌ في نفقةِ عيَالِهِ، واقتصر من نفقته ومَلْبَسِهِ على ما تدْعُوه ضرُورتُهُ إِليه، وزهد فيما سواه، فكان- عليه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ، والمَعْنى: لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: "سَلْ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وبَعْضُ تَمِيمٍ يَقُولُ: "اسْألْ" بِالهَمْزِ، وبَعْضُهم يَقُولُ "إسَلْ" بِالألْفِ وطَرْحِ الهَمْزِ، والأُولى أغْرَبُهُنَّ، وبِها جاءَ الكِتابُ وفي المُرادِ بِالسُّؤالِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّقْرِيرُ والإذْكارُ بِالنِّعَمِ.
والثّانِي: التَّوْبِيخُ عَلى تَرْكِ الشُّكْرِ.
والآَيَةُ البَيِّنَةُ: العَلامَةُ الواضِحَةُ، كالعَصا، والغَمامِ، والمَنِّ، والسَّلْوى، والبَحْرِ.
وفي المُرادِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الآَياتُ الَّتِي ذَكَرْناها، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها حُجَجُ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى أمْرِ النَّبِيِّ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي مَعْنى تَبْدِيلِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الكُفْرُ بِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَغْيِيرُ صِفَةِ النَّبِيِّ في التَّوْراةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والثّالِثُ: تَعْطِيلُ حُجَجِ اللَّهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللهُ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللهِ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللهُ يَرْزُقُ مِنَ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زَلَلْتُمْ" بِفَتْحِ اللامِ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ: "زَلَلْتُمْ" بِكَسْرِها.
وأصْلُ الزَلَلِ في القِدَمِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في الِاعْتِقاداتِ والآراءِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
والمَعْنى: ضَلَلْتُمْ وعِجْتُمْ عَنِ الحَقِّ.
و"البَيِّناتُ" مُحَمَّدٌ وآياتُهُ ومُعْجِزاتُهُ إذا كانَ الخِطابُ أوَّلًا لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ فالبَيِّناتُ ما ورَدَ في شَرائِعِهِمْ مِنَ الإعْلامِ بِمُحَمَّدٍ والتَعْرِيفِ بِهِ.
و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ مُقْتَضِيَةٌ أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْكُمْ، لا تُعْجِزُونَهُ، ولا تَمْتَنِعُونَ مِنهُ.
"حَكِيمٌ" أيْ مُحْكَمٌ فِيما يُعاقِبُكم بِهِ لِزَلَلِكم.
وحَكى النَقّاشُ أنَّ كَعْبَ الأحْبارِ لَمّا أسْلَمَ، كانَ يَتَعَلَّمُ القُرْآنَ، فَأقْرَأهُ الَّذِي كانَ يَعْلَمُهُ "فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَقالَ كَعْبٌ: إنِّي لَأسْتَنْكِرُ أنْ يَكُونَ هَكَذا، ومَرَّ بِهِما رَجُلٌ، فَقالَ كَعْبٌ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟
فَقَرَأ الرَجُلُ: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فَقالَ كَعْبٌ: هَكَذا يَنْبَغِي.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ الآيَةُ.
الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ، و"هَلْ" مِن حُرُوفِ الِابْتِداءِ كَأمّا، و"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ، والمُرادُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزِلُّونَ.
والظُلَلُ جَمْعُ ظُلَّةٍ، وهِيَ: ما أظَلَّ مِن فَوْقٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: "فِي ظِلالِ" وكَذَلِكَ رَوى هارُونُ بْنُ حاتِمٍ، عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمٍ هُنا، وفي الحَرْفَيْنِ في الزُمَرِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: "ظُلَلٌ": طاقاتٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وأبُو حَيْوَةَ والمَلائِكَةِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الغَمامِ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "اللهُ"، والمَعْنى يَأْتِيهِمْ حُكْمُ اللهِ وأمْرُهُ ونَهْيُهُ وعِقابُهُ إيّاهُمْ، وذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا التَوَعُّدَ هو بِما يَقَعُ في الدُنْيا.
وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو تَوَعُّدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ ﴾ وعِيدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ وأمّا المَلائِكَةُ فالوَعِيدُ هو بِإتْيانِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ.
و"الغَمامِ" أرَقُّ السَحابِ وأصْفاهُ وأحْسَنُهُ، وهو الَّذِي ظَلَّلَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.
وقالَ النَقّاشُ: هو ضَبابٌ أبْيَضُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ والمَلائِكَةُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ".
و"قُضِيَ الأمْرُ" مَعْناهُ: وقَعَ الجَزاءُ وعُذِّبَ أهْلُ العِصْيانِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: "وَقَضاءُ الأمْرِ".
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "وَقَضى الأُمُورَ" بِالجَمْعِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَرْجِعُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ الباقُونَ: "تَرْجِعُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ وهي راجِعَةٌ إلَيْهِ تَعالى قَبْلُ وبَعْدُ، وإنَّما نُبِّهَ بِذِكْرِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى زَوالِ ما كانَ مِنها إلى المُلُوكِ في الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةُ.
الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ ، وفِيهِ إباحَةُ السُؤالِ لِمَن شاءَ مِن أُمَّتِهِ: ومَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخُهم عَلى عِنادِهِمْ بَعْدَ الآياتِ البَيِّنَةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ عنهُ: "اسْألْ" عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ قَوْمٌ: "أسَلُ" عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ إلى السِينِ وتَرْكِ الِاعْتِدادِ بِذَلِكَ في إبْقاءِ ألِفِ الوَصْلِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ الحُمْرُ ومَن قَرَأ "سَلَّ" فَإنَّهُ أزالَ ألِفَ الوَصْلِ، حِينَ نَقَلَ واسْتَغْنى عنها.
و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَها لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: كَمْ آتَيْنا "آتَيْناهُمْ" وإمّا بِـ "آتَيْناهُمْ".
وقَوْلُهُ: "مِن آيَةٍ" هو عَلى التَقْدِيرِ الأوَّلِ مَفْعُولٌ ثانٍ لـ "آتَيْناهُمْ"، وعَلى الثانِي في مَوْضِعِ التَمْيِيزِ.
ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "كَمْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في "آتَيْناهُمْ" ويَصِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى "كَمْ" تَقْدِيرُهُ: "كَمْ آتَيْناهُمُوهُ".
والمُرادُ بِالآيَةِ: كَمْ جاءَهم في أمْرِ مُحَمَّدٍ مِن آيَةٍ مُعَرَّفَةٍ بِهِ دالَّةٍ عَلَيْهِ.
و"نِعْمَةَ اللهِ" لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ إنْعامِهِ ولَكِنْ يُقَوِّي مِن حالِ النَبِيِّ مَعَهم أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هَنا مُحَمَّدٌ ، فالمَعْنى: ومَن يُبَدِّلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ صِفَةَ نِعْمَةِ اللهِ، ثُمَّ جاءَ اللَفْظُ مُنْسَحِبًا عَلى كُلِّ مُبَدِّلِ نِعْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى.
وقالَ الطَبَرِيُّ: النِعْمَةُ هُنا؛ الإسْلامُ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.
ويَدْخُلُ في اللَفْظِ أيْضًا كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ مِنهم نِعْمَةً عَلَيْهِمْ، فَبَدَّلُوا قَبُولَها والشُكْرَ عَلَيْها كَفْرًا، والتَوْراةُ أيْضًا نِعْمَةٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أرْشَدَتْهم وهَدَتْهُمْ، فَبَدَّلُوها بِالتَحْرِيفِ لَها وجَحْدِ أمْرِ مُحَمَّدٍ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي ويَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ.
و"العِقابِ": مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ، كَأنَّ المُعاقَبَ يَمْشِي بِالمُجازاةِ لَهُ في آثارِ عَقِبِهِ.
ومِنهُ عَقَبَةُ الراكِبِ، وعَقَبَةُ القَدَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا ﴾ المُزَيَّنُ هو خالِقُها ومُخْتَرِعُها وخالِقُ الكُفْرِ.
ويُزَيِّنُها أيْضًا الشَيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "زَيَّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "الحَياةِ".
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "زَيَّنَتْ" بِإظْهارِ العَلامَةِ، والقِراءَةِ دُونَ عَلامَةٍ هي لِلْحائِلِ، ولِكَوْنِ التَأْنِيثُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ.
وخُصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لِقَبُولِهِمُ التَزْيِينَ جُمْلَةً، وإقْبالِهِمْ عَلى الدُنْيا، وإعْراضِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ بِسَبَبِها.
والتَزْيِينُ مِنَ اللهِ تَعالى واقِعٌ لِلْكُلِّ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَبْلُوَ الخَلْقَ أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، فالمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى سُنَنِ الشَرْعِ لَمْ تَفْتِنْهُمُ الزِينَةُ، والكُفّارُ تَمَلَّكَتْهم لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، وقَدْ قالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ -حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ بِالمالِ-: "اللهُمَّ إنّا لا نَسْتَطِيعُ إلّا أنْ نَفْرَحَ بِما زَيَّنْتَ لَنا.
وقَوْلُهُ: "وَيَسْخَرُونَ"، إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ حالَهم مِنَ الدُنْيا، ويَغْتَبِطُونَ بِها، ويَسْخَرُونَ مِن أتْباعِ النَبِيِّ : كَبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِمْ.
فَذِكْرُ اللهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى خَفْضِ مَنزِلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ومَعْنى الفَوْقِ هُنا في الدَرَجَةِ والقَدْرِ، فَهي تَقْتَضِي التَفْضِيلَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْكُفّارِ مِنَ القَدْرِ نَصِيبٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ .
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنَّ المُتَّقِينَ هم في الآخِرَةِ في التَنَعُّمِ والفَوْزِ بِالرَحْمَةِ فَوْقَ ما هم هَؤُلاءِ فِيهِ في دُنْياهُمْ، وكَذَلِكَ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا، مِن هَؤُلاءِ في نِعْمَةِ الدُنْيا.
فَعَلى هَذا الِاحْتِمالِ وقَعَ التَفْضِيلُ في أمْرٍ فِيهِ اشْتِراكٌ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِالفَوْقِ المَكانُ مِن حَيْثُ الجَنَّةُ في السَماءِ والنارُ في أسْفَلِ السافِلِينَ، فَيَعْلَمُ مِن تَرْتِيبِ الأمْكِنَةِ أنَّ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ وهَؤُلاءِ في النارِ.
وتَحْتَمِلُ الآيَتانِ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ زَعْمُ الكُفّارِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: وإنْ كانَ مَعاذٌ فَلَنا فِيهِ الحَظُّ أكْثَرُ مِمّا لَكُمْ، ومِنهُ حَدِيثُ خِبابٍ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ.
وهَذا كُلُّهُ مِنَ التَحْمِيلاتِ حِفْظٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في أنَّ التَفْضِيلَ إنَّما يَجِيءُ فِيما فِيهِ شَرِكَةً، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَهُ حَيْثُ لا اشْتِراكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واللهُ يَرْزُقُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ في الدُنْيا فَلا تَسْتَعْظِمُوا ذَلِكَ، ولا تَقِيسُوا عَلَيْهِ الآخِرَةَ، فَإنَّ الرِزْقَ لَيْسَ عَلى قَدْرِ الكُفْرِ والإيمانِ بِأنْ يَحْسَبَ لِهَذا عَمَلَهُ، ولِهَذا عَمَلَهُ، فَيُرْزَقانِ بِحِسابِ ذَلِكَ، بَلِ الرِزْقُ بِغَيْرِ حِسابِ الأعْمالِ، والأعْمالُ ومُجازاتُها مُحاسَبَةٌ ومُعادَةٌ إذْ إجْزاءُ الجَزاءِ تُقابِلُ إجْزاءَ الفِعْلِ المُجازى عَلَيْهِ، فالمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ -وَإنْ لَمْ يُرْزَقْ في الدُنْيا- فَهو فَوْقُ يَوْمِ القِيامَةِ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ اللهَ يَرْزُقُ هَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ عُلُوَّ المَنزِلَةِ بِكَوْنِهِمْ فَوْقَ، وما في ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ النَعِيمِ بِغَيْرِ حِسابٍ، فالآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وجَعْلِ رِزْقِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ حَيْثُ هو دائِمٌ لا يَتَناهى فَهو لا يَنْفَدُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "بِغَيْرِ حِسابٍ" صِفَةٌ لِرِزْقِ اللهِ تَعالى كَيْفَ تَصَرَّفَ إذْ هو جَلَّتْ قُدْرَتُهُ لا يُنْفِقُ بَعْدُ، فَفَضْلُهُ كُلُّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الآيَةِ: مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ هَذا الَّذِي يَشاؤُهُ اللهُ، كَأنَّهُ قالَ: بِغَيْرِ احْتِسابٍ مِنَ المَرْزُوقِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ .
وإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ عَلى هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا ﴾ فالمَعْنى في ذَلِكَ: مُحْسِبًا، وأيْضًا فَلَوْ كانَ عَدًّا لَكانَ الحِسابُ في الجَزاءِ والمَثُوبَةِ لِأنَّها مُعادَةٌ.
وغَيْرُ الحِسابِ في التَفَضُّلِ والإنْعامِ.
<div class="verse-tafsir"
تتنزل هاته الآية من التي قبلها منزلةَ البرهان على معنى الجملة السابقة، فإن قوله: ﴿ هل ينظرون ﴾ [البقرة: 210] سواء كان خبراً أو وعيداً أو وعداً أم تهكماً، وأيّاً ما كان معاد الضمير فيه على الأوجه السابقة قد دل بكل احتمال على تعريض بِفرَققٍ ذَوي غُرور وتماد في الكفر وقلةِ انتفاع بالآيات البينات، فناسب أن يعقب ذلك بإلفاتهم إلى ما بلَغهم من قلة انتفاع بني إسرائيل بما أُوتوه من آيات الاهتداء مع قلة غَناء الآيات لديهم على كثرتها، فإنهم عاندوا رسولهم ثم آمنوا به إيماناً ضعيفاً ثم بدلوا الدين بعد ذلك تبديلاً.
وعلى احتمال أن يكون الضمير في ﴿ ينظرون ﴾ [البقرة: 210] لأهل الكتاب: أي بني إسرائيل فالعدول عن الإضمار هنا إلى الإظهار بقوله: ﴿ بني إسرائيل ﴾ لزيادة النداء على فضيحة حالهم ويكون الاستدلال عليهم حينئذٍ أشد، أي هم قد رأوا آيات كثيرة فكان المناسب لهم أن يبادوا بالإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أعلم الناس بأحوال الرسل، وعلى كل فهذه الآية وما بعدها معترضات بين أغراض التشريع المتتابعة في هذه السورة.
و ﴿ سَلْ ﴾ أمر من سأل يسأل أصله اسأل فحذفت الهمزة تخفيفاً بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها إلحاقاً لها بنقل حركة حرف العلة لشبه الهمزة بحرف العلة فلما تحرك أول المضارع استغنى عن اجْتلاب همزة الوصل، وقيل: سل أمر من سَألَ الذي جعلت همزته ألفاً مثل الأمر من خَاف يَخاف خَف، والعرب يكثرون من هذا التخفيف في سأل ماضياً وأمراً؛ إلاّ أن الأمر إذا وقع بعد الواو والفاء تركوا هذا التخفيف غالباً.
والمأمور بالسؤال هو الرسول؛ لأنه الذي يترقب أن يجيبه بنو إسرائيل عن سؤاله؛ إذ لا يعبأون بسؤال غيره؛ لأن المراد بالسؤال سؤال التقرير للتقريع، ولفظ السؤال يجيء لما تجيء له أدوات الاستفهام.
والمقصود من التقرير إظهار إقرارهم لمخالفتهم لمقتضى الآيات فيجيء من هذا التقرير التقريعُ فليس المقصود تصريحهم بالإقرار؛ بل مجرد كونهم لا يسعهم الإنكار.
والمراد ب (بني إسرائيل) الحاضرون من اليهود.
والضمير في ﴿ آتيناهم ﴾ لهم، والمقصود إيتاء سلفهم؛ لأن الخصال الثابتة لأسلاف القبائل والأمم، يصح إثباتها للخلف لترتب الآثار للجميع كما هو شائع في مصطلح الأمم الماضية من العرب وغيرهم.
ويجوز أن يكون معنى إيتائهم الآيات أنهم لما تناقلوا آياتتِ رسلهم في كتبهم وأيقنوا بها فكأنهم أوتوها مباشرة.
و (كم) اسم للعدد المبهم فيكون للاستفهام ويكون للإخبار، وإذا كانت للإخبار دلت على عدد كثير مبهم؛ ولذلك تحتاج إلى مميز في الاستفهام وفي الإخبار، وهي هنا استفهامية كما يدل عليه وقوعها في حيز السؤال، فالمسؤول عنه هو عدد الآيات.
وحق سأل أن يتعدى إلى مفعولين من باب كَسَا أي ليس أصلُ مفعوليه مبتدأً وخبراً، وجملة ﴿ كم آتيناهم ﴾ لا تكون مفعوله الثاني؛ إذ ليس الاستفهام مطلوباً بل هو عين الطلب، ففعل ﴿ سَلْ ﴾ معلَّق عن المفعول الثاني لأجل الاستفهام، وجملة ﴿ كم آتيناهم ﴾ في موقع المفعول الثاني سادة مسده.
والتعليق يكثر في الكلام في أفعال العلم والظن إذا جاء بعد الأفعال استفهام أو نفي أو لام ابتداء أو لام قسم، وألحق بأفعال العلم والظن ما قارب معناها من الأفعال، قال في «التسهيل» «ويشاركهن فيه (أي في التعليق) مع الاستفهام، نَظَر وتَفَكَّر وأَبصر وسأل»، وذلك كقوله تعالى: ﴿ يسألون أيان يوم الدين ﴾ [الذاريات: 12] ولما أخذ سأل هنا مفعوله الأول فقد علق عن المفعول الثاني، فإن سبب التعليق هو أن مضمون الكلام الواقع بعد الحرف الموجب للتعليق ليس حالة من حالات المفعول الأول فلا يصلح لأن يكون مفعولاً ثانياً للفعل الطالب مفعولين، قال سيبويه «لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض فلا يكون إلاّ مبتدأ لا يعمل فيه شيء قبله» اه وذلك سبب لفظي مانع من تسلط العامل على معموله لفظاً، وإن كان لم يزل عاملاً فيه معنى وتقديراً، فكانت الجملة باقية في محل المعمول، وأداة الاستفهام من بين بقية موجبات التعليق أقوى في إبعادها معنى ما بعدها عن العامل الذي يطلبه، لأن الكلام معها استفهام ليس من الخبر في شيء، إلاّ أن ما تحدثه أداة الاستفهام من معنى الاستعلام هو معنى طارئ في الكلام غير مقصود بالذات بل هو قد ضعف بوقوعه بعد عامل خبري فصار الاستفهام صورياً، فلذلك لم يبطل عمل العامل إلاّ لفظاً، فقولك: علمتُ هل قام زيد قد دل عَلِمَ على أن ما بعده محقق فصار الاستفهام صورياً وصار التعليق دليلاً على ذلك، ولو كان الاستفهام باقياً على أصله لما صح كون جملته معمولة للعامل المعلّق.
قال الرضي: «إن أداة الاستفهام بعد العلم ليست مفيدة لاستفهام المتكلم بها للزوم التناقض بين علمتُ وأزيد قائم بل هي لمجرد الاستفهام والمعنى علمت الذي يستفهم الناس عنه» اه، فيجيء من كلامه أن قولك علمت أزيد قائم يقوله: من عَلم شيئاً يجهله الناس أو يعتنون بعلمه، بخلاف قولك علمتُ زيداً قائماً، وقد يكون الاستفهام الوارد بعد السؤال حكاية للفظ السؤال فتكون جملة الاستفهام بياناً لجملة السؤال قال صدر الأفاضل في قول الحريري «سألناه أنَّى اهتديتَ إلينا» أي سألناه هذا السؤال اه.
وهو يتأتى في هذه الآية.
ويجوز أن يضمن سل معنى القول، أي فيكون مفعوله الثاني كلاماً فقد أعطي سل مفعولين: أحدهما مناسب لمعنى لفظه والآخر مناسب لمعنى المضمَّن.
وجَوّز التفتازاني في «شرح الكشاف» أن جملة ﴿ كم آتيناهم ﴾ بيان للمقصود من السؤال، أي سلهم جواب هذا السؤال، قال السلكوتي في «حاشية المطول»: فتكون الجملة واقعة موقع المفعول، أي ولا تعليق في الفعل.
وجوز صاحب «الكشاف» أن تكون (كم) خبرية، أي فتكون ابتداء كلام وقد قطع فعل السؤال عن متعلِّقه اختصاراً لما دل عليه ما بعده، أي سلهم عن حالهم في شكر نعمة الله، فبذلك حصل التقريع.
ويكون ﴿ كم آتيناهم ﴾ تدرجاً في التقريع بقرينة ﴿ ومن يبدل نعمة الله ﴾ ، ولبعد كونها خبرية أنكره أبو حيان على صاحب «الكشاف» وقال إنه يفضي إلى اقتطاع الجملة التي فيها ﴿ كم ﴾ عن جملة السؤال مع أن المقصود السؤال عن النعم.
و ﴿ من ءاية بينة ﴾ تمييز (كم) دخلت عليه مِنْ التي ينتصب تمييز كم الاستفهاميّة على معناها والتي يجر تمييز كم الخبرية بتقديرها ظهرت في بعض المواضع تصريحاً بالمقدَّر، لأن كل حرف ينصب مضمراً يجوز ظهوره إلاّ في مواضع مثل إضمار أنْ بعد حتى، قال الرضي: إذا فصل بين كم الخبرية والاستفهامية وبين مميزهما بفعل متعد وجب جر التمييز بمن (أي ظاهرة) لئلا يلتبس التمييز بالمفعول نحو قوله تعالى: ﴿ كم تركوا من جنات وعيون ﴾ [الدخان: 25] و ﴿ وكم أهلكنا من قرية ﴾ [القصص: 58] اه أي لئلا يلتبس بمفعول ذلك الفعل الفاصل، أو هو للتنبيه من أول الأمر على أنه تمييز لا مفعولٌ إغاثةً لفهم السامع وذلك من بلاغة العرب، وعندي أن موجب ظهور من في حالة الفصل هو بُعد المميِّز عن المميَّز لا غير، وقيل: ظهور (مِنْ) واجب مع الفصل بالفعل المتعدي، وجائز مع الفصل بغيره، كما تقل عبد الحكيم عن اليَمني والتفتازانيِّ في «شرحي الكشاف».
وفي «الكافية» أن ظهور (من) في مميز (كم) الخبرية والاستفهامية جائز هكذا أطلقه ابن الحاجب، لكن الرضي قال إنه لم يعثر على شاهد عليه في (كم) الاستفهامية إلاّ مع الفصل بالفعل وأما في كم الخبرية فظهور (من) موجود بكثرة بدون الفصل، والظاهر أن ابن الحاجب لم يعبأ بخصوص الأمثلة التي ذكرها الرضي، وإنما اعتد بظهور (من) في المميز وهو الظاهر.
و (الآية) هنا المعجزة ودليل صدق الرسل، أو الكلمات الدالة على مجيء محمد صلى الله عليه وسلم فإنها آية لموسى؛ إذ أخبر بها قبل قرون، وآيةٌ لمحمد عليه الصلاة والسلام، إذ كان التبشير به قبل وجوده بقرون، ووصفها بالبينة على الاحتمالين مبالغة في الصفة من فعل بَانَ أي ظهر، فيكون الظهور ظهور العيان على الوجه الأول، وظهور الدلالة على الوجه الثاني، وفي هذا السؤال وصيغته حذف دل عليه قوله: ﴿ ومَن يبدِّل نعمة الله ﴾ تقديره فبدَّلوها ولم يعملوا بها.
وقوله: ﴿ ومن يبدل نعمة الله ﴾ تذييل لجملة ﴿ سل بني إسرائيل كم آتيناهم ﴾ الخ، أفاد أأن المقصود أولاً من هذا الوعيدِ هم بنو إسرائيل المتحدث عنهم بقوله: ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ ، وأفاد أن بني إسرائيل قد بدَّلوا نعمة الله تعالى فدل ذلك على أن الآيات التي أوتيها بنو إسرائيل هي نعم عليهم وإلاَّ لما كان لتذييل خبرهم بحكم من يبدِّل نعم الله مناسبة وهذا مما يقصده البلغاء، فيغني مثلُه في الكلام عن ذكر جمل كثيرة إيجازاً بديعاً من إيجاز الحذف وإيجاز القصر معاً؛ لأنه يفيد مفاد أن يقال كم آتيناهم من آية بينة هي نعمة عليهم فلم يقدروها حق قدرها، فبدلوا نعمة الله بضدها بعد ظهورها فاستحقوا العقاب، لأن من يبدِّل نعمة الله فالله معاقبه، ولأنه يفيد بهذا العموم حكماً جامعاً يشمل المقصودين وغيرَهم ممن يشبههم ولذلك يكون ذكر مثل هذا الكلام الجامع بعد حكم جزئي تقدمه في الأصل تعريضاً يشبه التصريح، ونظيره أن يحدثك أحد بحديث فتقول فعل الله بالكاذبين كذا وكذا تريد أنه قد كذب فيما حدثك وإلاّ لما كان لذلك الدعاء عند سماع ذلك الحديث موقع.
وإنما أثبت للآيات أنها نعم لأنها إن كانت دلائل صدق الرسول فكونها نعماً لأن دلائل الصدق هي التي تهدي الناس إلى قبول دعوة الرسول عن بصيرة لمن لم يكن اتبعه، وتزيد اللذين اتبعوه رسوخ إيمان قال تعالى: ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً ﴾ [التوبة: 124] وبذلك التصديق يحصل تلقى الشرع الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة وتلك نعمة عاجلة وآجلة، وإن كانت الآيات الكلامَ الدال على البشارة بالرسول فهي نعمة عليهم، لأنها قصد بها تنوير سبيل الهداية لهم عند بعثة الرسول لئلا يترددوا في صدقه بعد انطباق العلامات التي ائتمنوا على حفظها.
والتبديل على الوجه الأول تبديل الوصف بأن أعرضوا عن تلك الآيات فتبدل المقصود منها، إذ صارت بالإعراض سببَ شقاوتهم في الدنيا والآخرة، لأنها لو لم تؤت لهم لكان خيراً لهم في الدنيا؛ إذ يكونون على سذاجة هم بها أقرب إلى فعل الخير منهم بعد قصد المكابرة والإعراض؛ لأنهما يزيدانهم تعمداً لارتكاب الشرور، وفي الآخرة أيضاً لأن العقاب على الكفر يتوقف على الدعوة وظهورِ المعجزة، وقد أشبههم في هذا التبديل المشركون بإعراضهم عن القرآن والتدبر في هديه أو التبديل بأن استعملوا تلك الآيات في غير المراد منها بأن جعلوها أسباب غرور فإن الله ما آتى رسولهم تلك الآيات إلاّ لتفضيل أمته فتوكأوا على ذلك وتهاونوا على الدين فقالوا ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ [المائدة: 18] ﴿ وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ [البقرة: 80].
والتبديل جعل شيء بدلاً عن آخر، أي تعويضه به فيكون تعويض ذات بذات وتعويض وصف بوصف كقول أبي الشيص: بُدِّلتُ من بُرْدِ الشباب مُلاءةً *** خَلَقَاً وبئسَ مثُوبَةُ المُقْتَاضِ فإنه أراد تبدل حالة الشباب بحالة الشيب، وكقول النابغة: عَهِدْتُ بها حَيّاً كِراماً فبُدِّلَتْ *** حَنَاظِيلَ آجَاللِ النِّعَاج الجَوافل وليس قوله: ﴿ نعمة الله ﴾ من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير بأن يكون الأصل ومن يبدلها أي الآيات فإن الله شديد العقاب لظهور أن في لفظ (نعمة الله) معنى جامعاً للآيات وغيرها من النعم.
وقوله: ﴿ من بعد ما جاءته ﴾ المجيء فيه كناية عن الوضوح والمشاهدة والتمكن، لأنها من لوازم المجيء عرفاً.
وإنما جعل العقاب مترتباً على التبديل الواقع بعد هذا التمكن للدلالة على أنه تبديل عن بصيرة لا عن جهل أو غلط كقوله تعالى فيما تقدم: ﴿ ثم يحرقونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 75].
وحذف ما بدل به النعمة ليشمل جميع أحوال التبديل من كتم بعضها والإعراض عن بعض وسوء التأويل.
والعقاب ناشئ عن تبديل تلك النعم في أوصافها أو في ذواتها، ولا يكون تبديلها إلاّ لقصد مخالفتها، وإلاّ لكان غير تبديل بل تأييداً وتأويلاً، بخلاف قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفراً ﴾ [إبراهيم: 28] لأن تلك الآية لم يتقدم فيها ما يؤذن بأن النعمة ما هي ولا تؤذن بالمستبدل به هنالك فتعين التصريح بالمستبدل به، والمبدلون في تلك الآية غير المراد من المبدلين في هذه، لأن تلك في كفار قريش بدليل قوله بعدها: ﴿ وجعلوا لله أنداداً ﴾ [إبراهيم: 30].
وقوله: ﴿ فإن الله شديد العقاب ﴾ دليل جواب الشرط وهو علته، لأن جعل هذا الحكم العام جواباً للشرط يعلم منه أن من ثبت له فعل الشرط يدخل في عموم هذا الجواب، فكون الله شديد العقاب أمر محقق معلوم فذِكره لم يقصد منه الفائدة لأنها معلومة بل التهديد، فعلم أن المقصود تهديد المبدِّل فدل على معنى: فالله يعاقبه، لأن الله شديد العقاب، ومعنى شدة عقابه: أنه لا يفلت الجاني وذلك لأنه القادر على العقاب، وقد جُوّز أن يكون فإن الله شديد العقاب نفسَ جواب الشرط بجعل أل في العقاب عوضاً عن الضمير المضاف إليه أي شديدُ معاقبِته.
وإظهار اسم الجلالة هنا مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: فإنه شديد العقاب، لإدخال الرَّوْع في ضمير السامع وتربية المهابة، ولتكون هذه الجملة كالكلام الجامع مستقلاً بنفسه، لأنها بمنزلة المثل أمر قد علمه الناس من قبل، والعقاب هو الجزاء المؤلم عن جناية وجرم، سمي عقاباً لأنه يعقب الجناية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ لَيْسَ السُّؤالُ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْبارِ، ولَكِنَّهُ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ.
وَفي المُرادِ بِسُؤالِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْبِياؤُهم.
والثّانِي: عُلَماؤُهم.
والثّالِثُ: جَمِيعُهم.
والآياتُ البَيِّناتُ: فَلْقُ البَحْرِ، والظُّلَلُ مِنَ الغَمامِ، وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ ﴾ يَعْنِي بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ في الدُّنْيا وتَزْيِينِها لَهم، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: زَيَّنَها لَهُمُ الشَّيْطانُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: زَيَّنَها لَهُمُ الَّذِينَ أغْوَوْهم مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَها لَهم بِالشَّهَواتِ الَّتِي خَلَقَها لَهم.
﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم عَلى حَقٍّ، فَهَذِهِ سُخْرِيَّتُهم بِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ.
وَفي الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ.
والثّانِي: مُشْرِكُو العَرَبِ.
﴿ والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَعْنِي أنَّهم فَوْقَ الكُفّارِ في الدُّنْيا.
﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا ﴾ فَفي هَذا سِتَّةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ النُّقْصانَ بِغَيْرِ حِسابٍ، والجَزاءَ بِالحِسابِ.
والثّانِي: بِغَيْرِ حِسابٍ لِسَعَةِ مُلْكِهِ الَّذِي لا يَفْنى بِالعَطاءِ، لا يُقَدَّرُ بِالحِسابِ.
والثّالِثُ: إنَّ كِفايَتَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ولا تَضْيِيقٍ.
والرّابِعُ: دائِمٌ لا يَتَناهى فَيَصِيرُ مَحْسُوبًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والخامِسُ: أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا بِغَيْرِ حِسابٍ، لِأنَّهُ يَعُمُّ بِهِ المُؤْمِنَ والكافِرَ فَلا يَرْزُقُ المُؤْمِنَ عَلى قَدْرِ إيمانِهِ ولا الكافِرَ عَلى قَدْرِ كُفْرِهِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ يَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ وأنَّهُ لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ ولا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ قال: هم اليهود ﴿ كم آتيناهم من آية بينة ﴾ ما ذكر الله في القرآن وما لم يذكر ﴿ ومن يبدل نعمة الله ﴾ قال: يكفر بها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: آتاهم الله آيات بينات: عصا موسى، ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوّهم وهم ينظرون، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى ﴿ ومن يبدل نعمة الله ﴾ يقول: من يكفر بنعمة الله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ الآية، ﴿ سَلْ ﴾ كان في الأصل: اسأل، فتركت الهمزة التي هي عين الفعل؛ لكثرة الدور في الكلام تخفيفًا، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها، فاستغنيت عن ألف الوصل.
وقال قطرب: يقال: سَال يَسَال، مثل: زأر الأسد يزأر، وسال يسال يسل، مثل: خاف يخاف، والأمر منه: سَلْ، مثل: خَفْ (١) وبهذه اللغة قرأ نافع (٢) ﴿ سَأَلَ سَائِلُ ﴾ (٣) وقوله: ﴿ كَمْ ﴾ هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد، يقال: إنه من تأليف (كاف) التشبيه إلى (ما)، ثم قصرت (ما)، وسكنت الميم، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام، ويعمل فيه ما بعده من العوامل، ولا يعمل فيه ما قبله سوى ما يجر، وهو في موضع نصب هاهنا بـ (أتيناهم)، وأكثر لغة العرب الجرُّ به عند الخَبَر، والنصبُ عند الاستفهام، ومن العرب من ينصب به في الخبر ويجر في الاستفهام (٤) ومعنى السؤال هاهنا: تبكيتٌ للمسؤول عنه وتقريع له، لا تَعَرُّفٌ منه، كما يقال: سله كم أنعمت عليه فكفر نعمتي!
وكم حذرته فلم ينته!
كذلك هؤلاء، أنعم الله عليهم نعمًا من فَلْقِ البحر لهم، وإنجائهم من عدوهم، وأنزل عليهم المَنَّ والسلوى، فكفروا بهذه النعم حتى لم يؤمنوا بمحمد ، ولم يبينوا نعته (٥) ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ يعني: أنهم بدلوا بالكفر بها، وترك الشكر لها (٦) والتبديل: تصيير الشيء على غير ما كان (٧) ﴿ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ إن شاء الله.
والله تعالى هو الذي يبدل النعمة نقمة إذا كُفِرَت ولم يُعْرف حقها، ولكن أضاف التبديل إليهم؛ لأنه بسبب من جهتهم، وهو ترك الشكر والقيام بحقها (٨) وفي قوله: ﴿ شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ إضمار، يريد: شديد العقاب له (٩) والعقاب يَعْقُبُ الجُرْمَ (١٠) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ يريد: الذين آمنوا بالله ﴿ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ يريد ما أعطى موسى ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ يريد: من تخلف من الإيمان من قريظة والنضير وبني إسرائيل (١١) وقال مجاهد (١٢) ونبوته، مما في كتابهم، وتبديلهم إياها: تغييرهم نعتَه وصفتَه وذكَره، وهذا الوجه اختيار الزجاج (١٣) (١) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 124 - 125، "التبيان" للعكبري ص 129، وقال: وفيه لغة ثالثة وهي إسل، حكاها الأخفش، ووجهها أنه ألقى حركة الهمزة على السين وحذفها، ولم يعتد بالحركة لكونها عارضة، فلذلك جاء بهمزة الوصل، كما قالوا: كحمر، "البحر المحيط" 2/ 126، "الدر المصون" 2/ 366.
(٢) هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم، المقرئ المدني، أحد الأعلام والقراء السبعة المشهورين، توفي سنة 169 هـ ينظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 107، "النشر" 1/ 112.
(٣) قرأ نافع وابن عامر: سال، غير مهموز، والباقون بالهمز، وكلهم قرأ: سائل، بالهمز بلا اختلاف.
ينظر: "السبعة" ص650.
(٤) ينظر في عمل كم: "الكتاب" لسيبويه 2/ 156 - 168، "مغني اللبيب" 243، وبين أن الاستفهامية والخبرية يشتركان في خمسة أشياء ويفترقان في مثلها أيضا، "الدر المصون" 2/ 370 واختار أن الصحيح فيها أنها بسيطة وليست مركبة، وينظر في == إعرابها هنا: "التبيان" ص 129، "البحر المحيط" 2/ 126، "الدر المصون" 2/ 366 - 367، وذكروا وجها آخر وهو الرفع بالابتداء (وآتيناهم) خبرها، وضعفه سيبويه وأبو حيان.
(٥) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 281، "المحرر الوجيز" 2/ 202، "البحر المحيط" 2/ 126، وذكر في "زاد المسير" 1/ 227 قولًا آخر وهو أن المراد بالاستفهام التقرير والإذكار بالنعم.
(٦) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 3.
(٧) ينظر: "المفردات" ص 50.
(٨) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 4.
(٩) قال في "التبيان" ص 130: ومن يبدل: في موضع رفع بالابتداء، والعائد الضمير في يبدل، وقيل: العائد محذوف تقديره: شديد العقاب له.
(١٠) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 203.
(١١) تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة.
(١٢) قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 202: ونعمة الله، لفظ عام لجميع أنعامه، ولكن يقوي من حال النبي معهم أن المشار إليه هنا محمد ، فالمعنى: ومن يبدل من بني إسرائيل صفة نعمة الله، ثم جاء اللفظ منسحبا على كل مبدل نعمة لله تعالى، وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول، ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش الذين بعث محمد منهم نعمة عليهم فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرًا، والتوراة أيضًا نعمة على بني إسرائيل أرشدتهم، وهدتهم فبدلوها بالتحريف لها، وجحدوا محمدًا .
(١٣) ذكره الزجاج 1/ 181، وذكر ابن الجوزي 1/ 227، أن في المراد بتبديل النعمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الكفر بها، قاله أبو العالية ومجاهد.
والثاني: تغيير صفة النبي في التوراة قاله أبو سليمان الدمشقي.
والثالث: تعطيل حجج الله بالتأويلات الفاسدة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَلْ بني إِسْرَائِيلَ ﴾ : على وجه التوبيخ لهم، وإقامة الحجة عليهم ﴿ مِّنْ آيَةٍ ﴾ معجزات موسى، أو الدلالات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ ﴾ وعيد ﴿ وَيَسْخَرُونَ ﴾ كفار قريش سخروا من فقراء المسلمين كبلال وصهيب ﴿ والذين اتقوا ﴾ هم المؤمنون الذين سخر الكفار منهم ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ أي أحسن حالاً منهم، ويحتمل فوقية المكان، لأنّ الجنة في السماء ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ إِن أراد في الآخرة، ﴿ فَمَن ﴾ كناية عن المؤمنين، والمعنى ردّ على الكفار أي إن رزق الله الكفار في الدنيا، فإن المؤمنين يرزقون في الآخرة، وإن أراد في الدنيا فيحتمل أن يكون ﴿ مِنَ ﴾ كناية عن المؤمنين؛ أي سيرزقهم، ففيه وعد لهم، وان تكون كناية عن الكافرين؛ أي أنّ رزقهم في الدنيا بمشيئة الله، لا على وجه الكرامة لهم ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ إن كان للمؤمنين فيحتمل أن يريد بغير تضييق ومن حيث لا يحتسبون، أو لا يحاسبون عليه، وإن كان للكفار فمن غير تضييق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: يزيد.
وكذلك في آل عمران والنور في موضعين.
الباقون بفتح الياء وضم الكاف ﴿ يقول ﴾ برفع اللام: نافع.
الباقون: بالنصب.
الوقوف: ﴿ بينة ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع تقدير حذف أي فبدّلوا ومن يبدل الخ ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من الذين آمنوا ﴾ م لأن و "الذين" مبتدأ و "فوقهم" خبره.
ولو وصل صار "فوقهم" ظرفاً ليسخرون أو حالاً لفاعل "يسخرون" وقبحه ظاهر.
﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ط للفصل بين الاستفهام والإخبار لأن قوله "ولما يأتكم" عطف على "أم حسبتم" تقديره أحسبتم ولم يأتكم.
﴿ متى نصر الله ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه.
التفسير: أنه لما أمر بالسلم ونهى عن مقابلها ثم قال: ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد.
ثم بين ذلك التهديد بقوله ﴿ فأعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ ثم ثنى ذلك التهديد بقوله ﴿ هل ينظرون ﴾ الآية ثم ثلث التهديد بقوله ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.
وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة، وإلا فكثرة الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام الله .
والمراد سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا.
و "كم" تحتمل الاستفهامية والخبرية، و ﴿ من آية ﴾ مميزها، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل.
فإن كانت استفهامية فالتقدير: سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها.
وإن كانت خبرية فالمعنى: سلهم عن أنا كثيراً من الآيات آتيناهم.
والآيات الواضحات إما معجزات موسى كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم الله إياه والعصا واليد ونحوها وهي تسع ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ وإما الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام فمنهم من آمن وأقر ومنهم من جحد وبدل ﴿ ومن يبدل نعمة الله ﴾ قيل: إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهي أجل أقسام النعم، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة.
ثم إن قلنا: الآيات معجزات موسى فتبديلها أن الله أظهرها لتكون أسباب هدايتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وإن قلنا: الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على صحة نبوة محمد فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها.
وقيل: المراد بنعمة الله ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية، فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما عليهم من التكاليف، بل استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله.
وعلى هذا فقوله ﴿ من بعد ما جاءته ﴾ معناه ظاهر، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله ﴿ ثم يحرفونه من بعدما عقلوه ﴾ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة.
﴿ فإن الله شديد العقاب ﴾ قال الواحدي: الرابطة محذوفة أي له.
والتحقيق أن ترك هذا الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفاً بهذا الوصف لزم من ذلك أنه يعاقب المبدل إن شاء، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدّل كونه متصفاً بذلك وصفاً ذاتياً.
ثم قال الواحدي.
والعقاب عذاب يعقب الجرم.
ثم إنه ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال: ﴿ زين للذين كفروا ﴾ الآية.
والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من نعيم الآخرة، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد، أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي.
عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من كبار قريش.
وقيل: رؤساء اليهود وعلمائهم.
وعن مقاتل: نزلت في المنافقين.
ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين.
ثم المزين من هو؟
فعن المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال: أتترك لذة الصهباء نقداً *** بما وعدوك من لبن وخمر؟
قالوا: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه زين ذلك فباطل.
لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، وإذا كان المزين هو الله فلا بد أن يكون صادقاً في ذلك الإخبار، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً.
وإن كان كافراً وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد أن يكون خارجاً منهم.
وقولهم: "المزين للشيء هو المخبر عن حسنه" مردود، وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالأوصاف الحسنة.
سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن الله يكون مخبراً عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات والراحات؟
وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر.
وقال أبو مسلم: الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول: "أين يذهب بك" لا يريدون أن ذاهباً ذهب به ومنه قوله ﴿ أنى يؤفكون ﴾ ﴿ أنى يصرفون ﴾ .
ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان بالحقيقة هو الذي زين لنفسه.
والتحقيق أن المزين هو الله كما صرح بذلك في قوله ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء.
أو نقول: المراد من التزيين أنه أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها.
وقيل: إن الله زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف، لأن الله خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار.
وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به.
وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا، بخلاف المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر بالخوف والوجل من الحساب في الآخرة.
قلنا: تزيين المباح في نظر الكافر بحيث يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح.
أيضاً فالكلام فيه كالكلام في تزيين المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه بعد تذكر ما سلف لنا مراراً في حقيقة الجبر والقدر.
ولما أخبر الله عنهم بأنه زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: ﴿ ويسخرون من الذين آمنوا ﴾ كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة.
ولا يخفى أنه لو بطل حديث المعاد لكان لهذه السخرية وجه، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة فلهذا قال ﴿ والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ﴾ أما بالمكان فلأنهم في عليين وهم في سجين، وأما بالرتبة والشرف فلأنهم في معارج الأنس وهم في هاوية الهوان.
ويحتمل أن يراد أنهم فوقهم بالحجة لأن حجج الكفار وشبههم كان تؤثر بوسوسة الشيطان، وبمجرد استبعاد أمر المعاد وحجج المتقين يوم القيامة تستند إلى العيان وبمدد الرحمن ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم ﴾ } [الأعراف: 44] أو يراد أن سخرية المؤمنين بالكافرين يوم القيامة لكونها حقة وباقية فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لكونها باطلة ومنقضية.
وفي قوله ﴿ والذين اتقوا ﴾ دون أن يقول آمنوا كما قال: ﴿ من الذين آمنوا ﴾ بعث على التقوى وأن كرامة المؤمن منوطة بها.
﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ بغير تقدير.
وذلك أن الكفار كانوا يستدلون بحصول الزخارف الدنيوية لهم على أنهم على الحق وبحرمان فقراء المؤمنين عنها على أنهم على الباطل، فرد الله عليهم قولهم بأن ذلك متعلق بمحض المشيئة، وقد يستتبع غاية هي الاستدراج في حق الكافر والابتلاء في حق المؤمن، أو يرزق من يشاء من مؤمن وكافر بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة ولا سؤال سائل، فالأمر أمره والحكم حكمه ولا يسأل عما يفعل.
أو من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل "إذا جاءه ما لم يكن قد قدره ما كان هذا في حسابي" والمعنى أن الكفار وإن كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين فلعل الله يرزق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا، ولقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، ويسر لهم الفتوح حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، أو المراد أن ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب، وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب.
ويحتمل أن يخص الرزق في الآية بالمؤمنين في الآخرة، وعلى هذا يكون معنى ﴿ بغير حساب ﴾ أي رزقاً واسعاً وغذاء لا فناء له ولا انقطاع ولا حصر كقوله ﴿ يرزقون فيها بغير حساب ﴾ أو يقال: إن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال ﴿ فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ فالفضل بلا حساب إذ الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً ينقص قدر الواجب عما كان والثواب ليس كذلك، فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً.
فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب.
أو أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في خزائن ملكه وقدرته، فلا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
أو معنى بغير حساب بغير استحقاق، وإنما يعطى بمجرد الفضل والإحسان.
أو معناه أنه يزيد على قدر الكفاية إلى عشرة بل سبعمائة من قولهم "فلان ينفق بالحساب" إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية.
أو أنه لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه.
قوله ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ الآية.
فيه إشارة إلى أن التباغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا وطيباتها لا يختص بهذا الزمان، وإنما ذلك داء قديم في الإنسان.
ثم الأمة الواحدة كانوا على الحق أو على الباطل فيه للمفسرين أقوال: الأول: أنهم كانوا على الحق واختاره المحققون لوجوه منها: قوله ﴿ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ وهذا يدل على أن النبيين عليهم السلام بعثوا حين الاختلاف وصيرورة بعضهم مبطلاً، ولو كانوا قبل ذلك مجتمعين على الكفر لكان بعث الأنبياء إليهم حينئذ أولى.
ومنها النقل المتواتر إن آدم وأولاده كانوا مسلمين مطيعين لله إلى أن قتل قابيل هابيل حسداً وبغياً.
وعن ابن عباس أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق.
ومنها أن وقت الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، فلعل الناس إشارة إليهم.
ومنها أن الدين الحق يتوقف على النظر، والنظريات مستندة بالآخرة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل وإلى ترتيب.
كذلك فالعقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فالصواب له بالذات و الخطأ بالعرض وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضاً.
فالأولى أن يقال: كان الناس على الحق ثم اختلفوا لأسباب خارجة كالبغي والحسد ويؤيده قوله "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه" القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إلى بعثتهم.
ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود، فالأصل عدم الإضمار، والقراءة الشاذة لا يعتد بها.
ومتى كان الناس متفقين على الكفر؟
قالوا: من وفاة آدم إلى زمان نوح .
كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيث وإدريس عليهم السلام كما يقال: دار الكفر وإن كان فيها مسلمون.
القول الثالث: عن أبي مسلم والقاضي أبي بكر أنهم كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته والاشتغال بخدمته وشكر نعمته والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم والكذب والعبث.
واحتجا بأن لفظ النبيين جمع معرف فيفيد العموم، والفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الواحدة متقدمة على جميع الشرائع، فلا تكون الاستفادة من العقل، ثم سأل القاضي نفسه فقال: أوليس أول الناس آدم وأنه كان نبياً مبعوثاً؟
وأجاب بأنه يحتمل أن يكون مع أولاده متمسكين بالشرائع العقلية أولاً، ثم إن الله بعثه إلى أولاده.
ويحتمل أن شريعته قد صارت مندرسة ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية.
القول الرابع: التوقف فلا دلالة في الآية على أنهم كانوا محقين أو مبطلين.
القول الخامس: أن المراد من الناس أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد فبعث الله النبيين ومعهم الكتب كما بعث داود ومعه الزبور وعيسى ومعه الإنجيل ومحمداً ومعه الفرقان لتكون تلك الكتب حاكمة في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها.
وهذا القول يوافق قول من قال: إن الخطاب في ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ﴾ لأهل الكتب.
فيراد بالناس إذن ناس معهودون.
ثم إنه وصف النبيين بصفات ثلاث: الأولى: كونهم مبشرين، والثانية: كونهم منذرين وقدمت البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض.
أو الأول لكونه مقصود الغذاء، والثاني كتناول الدواء.
والأول لكونه مقصوداً بالذات مقدم على الثاني لأنه مقصود بالعرض.
الصفة الثالثة: قوله ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ﴾ وفي قوله "معهم" والضمير يعود إلى عامة النبيين دليل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق والباطل، طال ذلك الكتاب أم قصر، ودوّن ذلك الكتاب أو لم يدوّن، معجزاً كان أو غير معجز.
قيل: إنزال الكتاب قبل وصول الأمر و النهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم قبل التبشير والإنذار، فلم قدم التبشير والإنذار على إنزال الكتاب؟
وأجيب بأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما، وبأن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق.
وفي الفرق بين العجز والسحر إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب والخوف إنما يقوى عند التبشير والإنذار فلهذا قدم ذكرهما على إنزال الكتاب.
قلت: فيه فائدة أخرى لفظية هي أن لا يقع فاصلة كثيرة بين الثالثة وبين الأولين، أو بين الثالثة وبين ما رتب عليها من قوله ﴿ ليحكم ﴾ أي الكتاب لأنه أقرب.
ولا محذور في نسبة الحكم إليه تجوزاً كما لا محذور في كونه هدى وشفاء.
واللام للجنس، أو أريد مع كل واحد كتابه.
وقيل: ليحكم الله لأنه الحاكم في الحقيقة لا الكتاب وقيل: ليحكم النبي المنزل عليه بين الناس ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ أي في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، أو في كل ما اختلفوا فيه ولم يعرفوا وجه الصواب في ذلك بحسب حكم الله ﴿ وما اختلف فيه ﴾ في الحق ﴿ إلا الذين أوتوه ﴾ أي أعطوا الحق وأدّوه لمباشرة أسبابه القريبة التي هي مجيء البينات.
وقيل: الضمير للكتاب أي إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف.
كأنهم عارضوا الكتاب بنقيض ما أنزل لأجله، أنزل لئلا يختلفوا فزادوا في الاختلاف.
وفيه دليل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب كما مر في القول الأول.
وقال كثير من المفسرين: المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى.
واختلافهم إما تكفير بعضهم بعضاً، وإما تحريفهم أو تبديلهم ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ يحتمل أن يكون كالبيان لإيتاء الكتاب أي وما اختلف فيه من اختلف إلا من بعد مجيء البينات التي هي الكتب كقوله ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ ويحتمل أن تكون هذه البينات مغايرة لإيتاء الكتاب ويعني بها الدلائل العقلية التي نصبها الله إثبات الأصول التي لا يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، وإذا حصلت الدلائل العقلية والسمعية لم يكن في العدول عذر ولا علة، ولو حصل الإعراض كان سببه بغياً بينهم وحسداً وظلماً لحرصهم على الدنيا ولقلة الإنصاف وكثرة الاعتساف، و ﴿ من الحق ﴾ بيان لما اختلفوا فيه أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف.
واللام بمعنى "إلى" أي هداهم إلى ما اختلفوا فيه كقوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ أي إلى ما قالوه ﴿ بإذنه ﴾ قال الزجاج: بعلمه.
وقيل: بأمره فبالأمر يحصل التمييز بين الحق والباطل فتحصل الهداية.
وقيل: في الآية إضمار أي فهداهم فاهتدوا بإذنه إذ لا جائز أن يأذن لنفسه ﴿ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ هو الحق الموصل إلى كمال الدارين، أو هو طلب الجنة.
ولما كان ذلك الحق أو الطلب لا يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال : ﴿ أم حسبتم ﴾ على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعاً لرسول الله والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى.
قال في الكشاف: "أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده.
وقال القفال : تقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون ﴿ أن تدخلوا الجنة ﴾ من غير سلوك سبيلهم ﴿ ولما يأتكم ﴾ فيه معنى التوقع.
وفيه دليل على أن الإيتاء متوقع منتظر.
عن ابن عباس: لما دخل النبي المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة له فأنزل الله تطييباً لقلوبهم ﴿ أم حسبتم ﴾ وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والخوف وكان كما قال ﴿ وبلغت القلوب الحناجر ﴾ وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله ابن أبي لأصحاب النبي إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل؟
لو كان محمد نبياً ما سلط الله عليكم الأسر والقتل.
والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما نال ذلك من قبلكم من المؤمنين؟
و ﴿ مثل الذين خلوا ﴾ حالهم التي هي مثل في الشدة و ﴿ مستهم ﴾ بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل؟
فقيل: مستهم ﴿ البأساء ﴾ وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه ﴿ والضراء ﴾ وهي إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه ﴿ وزلزلوا ﴾ حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا والرزايا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه، والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى.
وقيل: معناه خوّفوا وليس ببعيد، لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد.
ثم إنه ذكر بعد ذلك شيئاً هو الغاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة فقال: ﴿ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ﴾ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا مطمح وراءها.
من قرأ "يقول" بالنصب فعلى إضمار أن، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل "حتى" وإن لم يكن مستقبلاً عند الإخبار.
ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية كقولهم "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ أي فقيل لهم ذلك إجابة إلى طلبتهم، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب في طلب الحق، فإن نصر الله قريب لأنه آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، والحاصل أن أصحاب رسول الله كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى كثير، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى فعزاهم في ذلك، وبيَّن أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك، والمصيبة إذا عمت طابت.
وذكر الله من قصة إبراهيم وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب وما ابتلاه به، ومن أمر سائر الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين.
" روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا.
فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" .
وههنا سؤال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد: مت نصر الله؟
والجواب أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من الله أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال: - عند ضيق قلبه - متى نصر الله؟
حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته، ولهذا أجيب بأن نصر الله قريب لا بأن نصر الله كائن.
وهذا الجواب يحتمل أن يكون من الله، ويحتمل أن يكون قولاً لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله لا يخلف الميعاد.
وقيل: إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكروا كلامين: أحدهما متى نصر الله، والثاني ألا إن نصر الله قريب.
فهذا الثاني قول الرسول، والأول قول المؤمنين كقوله ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ﴾ والمعنى لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار.
ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم النصرة.
اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير.
التأويل: إنه إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته وكراماته، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة الله بموافقتها ورضاها فإن الله شديد العقاب بأن يغير أحواله ويسلب عنه كماله.
﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ على الحق وعلى الفطرة يوم الميثاق ﴿ وأنزل معهم الكتاب ﴾ الذي جف به القلم للسعادة أو الشقاوة كقوله "ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار" ﴿ وما اختلف ﴾ كل فريق إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكن ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا من بعد البينات وهي معاملاتهم فبها يتبين السعيد من الشقي وبالعكس، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً ﴾ .
﴿ ٱلسِّلْمِ ﴾ ، فيه لغتان: بالكسر والنصب.
فمن قرأ ذلك بالكسر فهو الإسلام.
ومن قرأ ذلك بالنصب فهو الصلح؛ كقوله : ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا...
﴾ إلى آخر الآية.
فإن قيل: كيف أمر بالدخول، وهم فيه؛ لأنه خاطب المؤمنين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ ؟
قيل: بوجوه: أحدها: أنه يحتمل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم.
ويحتمل: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ببعض الرسل من نحو عيسى، وموسى، وغيرهم من الأنبياء، آمنوا بمحمد .
وقيل: أمره إياهم بالدخول أمر بالثبات عليه.
وقيل: إنه إنما أمرهم [بالدخول] فيه؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت، لأنه فعل، والأفعال تنقضي ولا تبقى، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا فيما مضى من الأوقات، آمنوا في حادث الأوقات.
وعلى هذا يخرج تأويل قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .
قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ .
أي: ملتم وتركتم من بعد ما ظهر لكم الحق.
وقوله: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
قيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ أي منتقم بميلكم وترككم الحق بعد الظهور.
ويحتمل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، أي غني عن طاعتكم له وعبادتكم إياه.
وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، من أن يقهر أو يذل أو يغلب؛ لأن العزيز نقيض الذليل.
وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، لا يقدر أن يصل إليه، أو يقهره إلا ذل بنفسه، كما يقال: عزيز لا يرام.
وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ بأمره.
وهو قول الحسن.
وقيل: ﴿ يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي أمر الله؛ وهو كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ ﴾ على إضمار الأمر فيه.
وقيل: قوله: ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ ، في بمعنى (الباء)، وكأنه قال: يأتيهم الله بظلل من الغمام، وذلك جائز - استعمال (في) مكان (الباء)؛ لأنهما جميعاً من حروف الخفض، والعرب تفعل ذلك ولا تأبى.
والأصل في هذا ونحوه: أن إضافة هذه الأشياء إلى الله - عز وجل - لا توجب حقيقة وجود تلك الأشياء منه على ما يوجد من الأجسام، لما يجوز إضافته إلى ما لا يوجد منه تحقيق ذلك، نحو ما يقال: جاءني أمر فظيع، و ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، وجاء فلان بأمر كذا، وجاءكم رسول.
فذكر المجيء والإتيان لا على تحقيق وجود ذلك منه، فعلى ذلك يخرج ما أضاف الله - عز وجل - إلى نفسه من المجيء والإتيان والاستواء، [ليس على تحقيق المجيء والإتيان والاستواء] منه على ما يكون من الأجسام.
وفي الشاهد أن ملوك الأرض يضيفون إلى أنفسهم ما عمل بأمرهم من غير أن يتولوها بأنفسهم.
وكذلك أضاف جل ذكره أمر القيامة إلى نفسه لفضل ذلك الأمر.
ثم الأصل: أن الإتيان والانتقال والزوال في الشاهد إنما يكون لخلتين: إما لحاجة بدت، فيحتاج إلى الانتقال من حال إلى حال، والزوال من مكان إلى مكان ليقضيها.
أو لسآمة ووحشة تأخذه، فينتقل من مكان إلى مكان لينفي عن نفسه ذلك.
وهذان الوجهان في ذي المكان، والله - - يتعالى عن المكان، كان ولا مكان فهو على ما كان.
فالله - يتعالى عن أن تسمه حاجة أو تأخذه سآمة.
فبطل الوصف بالإتيان والمجيء والانتقال من حال إلى حال أو من مكان إلى مكان.
وبالله التوفيق.
وقيل: إن النص قد ورد بالاستواء والمجيء، و[ورد] الخبر بالنزول، والرؤية.
ثم قد ورد السمع بأن ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، لزم نفي التشبيه فيما ورد عن ذاته، ولزم الإقرار بما جاء من عنده من غير طلب الكيفية له والتفسير.
فالسبيل فيه الإيمان بالتنزيل والكف عن التفسير.
والله أعلم.
وفي الشاهد الإتيان في العرض: ظهوره، وفي الجسم: نقله من مكان إلى مكان، وهو - جل ذكره - جل أن يوصف بجسم أو عرض.
كذلك إتيانه لا يشبه إتيان الأجسام والأعراض، ويكون إتيان لا يعرف كيفيته، وكما جاز أن يكون هو مثبتاً بدليل لا يشبهه عرض ولا جسم.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ .
يحتمل وجوها: يحتمل: أن يكون أمر الله عز وجل نبيه ، بسؤاله إياهم عما آتاهم من الآيات، على إثر سؤال كان منهم، بطلب الآيات، فقال: سلهم يا محمد كم آتيناهم وأجدادهم من الآيات على يدي موسى، فكفروا به، ولم يؤمنوا.
فأنتم - وإن آتيناكم آيات - لا تؤمنون أيضاً.
يخبر نبيه أن سؤالهم أن كان سؤال تعنت، لا سؤال قبول وتصديق.
والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون لا على إثر سؤال كان منهم، ولكن على الابتداء أن سل علماء بني إسرائيل [وأئمتهم كم آتيناهم من آية منه فجحدوها وكتموها وهو كقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ ] الآية.
ويحتمل: ﴿ سَلْ ﴾ ، لا على الأمر به في التحقيق، [لكن على التحقيق] والتبيين أنك لو سألتهم لأخبروك.
أو يكون المراد من ذلك في الذين تضيق صدورهم عند الإخبار أنهم لو جاءتهم الآيات التي سألوا عنها لا يؤمنون، ليخبروا بذلك فتطمئن لذلك قلوبهم، فتزول عنها الخطرات وأنواع الوساوس.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ ﴾ .
قيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، دين الله، من بدله بعد ظهوره وبيانه.
وقيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، يعني محمداً ، أي: من كفر به بعدما علم أنه رسول الله.
ويحتمل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، النعم المعروفة التي كان آتاهم من المن، والسلوى، والغمام وغيره مما لم يؤت أحداً من العالمين مثله.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .
خوفهم عز وجل وحذرهم على تبديل ذلك وتركه والكفر بنبيه بعد معرفتهم أنه حق.
والله أعلم.
ويكون التبديل نعمة الله بتوجيه الشكر إلى غيره، وهو أن يعبد غيره.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
قال الحسن: زين لهم الشيطان ذلك، وكذلك قوله : ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .
ولكن معناه - والله أعلم - أي زين لهم [التزيين ثم] التزين يكون بوجهين: يزينه الطبع لقرب الشهوات، والعقل لقيام الأدلة، فيكون التزين بالثواب.
وأما ما زين للذين كفروا الحيوة الدنيا لما ركب فيهم من الشهوات وميل الطبع إليه.
وأما الوجهان الآخران منهما للمؤمنين.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الحجة، يقول الله : ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ .
ويحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الجزاء والثواب.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، بغير تبعة.
ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، لا على قدر الأعمال، ولكن على قدر الشهوة وزيادة عليها؛ لأن رزق الجنة على ما تنتهي إليه الشهوات، ورزق الدنيا مقدر على قدر الحاجة والقوت؛ إذ لا أحد يبلغ مناه في الدنيا وحاجته، وفي الآخرة كل ينال فوق مناه.
ولأن أكل الشهوة في الدنيا هو المؤذي.
ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي من غير أن ينقص ذلك عن ملكه وخزائنه، وإن عظم عطاياه وكثر مناله، ليس كخزائن المخلوقين تنتقص بالدفع وتنفد.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
اسأل -أيها النبي- بني إسرائيل سؤال توبيخ لهم: كم بيَّن الله تعالى لكم من آية واضحة دالة على صدق الرسل!
فكذبتموها وأعرضتم عنها، ومن يبدل نعمة الله كفرًا وتكذيبًا بعد معرفتها وظهورها؛ فإن الله شديد العقاب للكافرين المكذبين.
<div class="verse-tafsir" id="91.P2j6w"
تقدم أن قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ وجهين: (أحدهما): أن المراد بالذين آمنوا أهل الكتاب.
(وثانيهما): أن المخاطب بها المؤمنون من المسلمين.
وقوله ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ ظاهر على كلا الوجهين فهو على الأول بيان لحقيقة حالهم، وأن الآيات والنذر لا ترجعهم عن ضلالهم، فإذا استمروا على الجحود والخصام، وأعرضوا عن الدعوة إلى الدخول في الإسلام، فليس ذلك بدعًا منهم، ولا دليلًا على أن الإسلام غير بَيِّن لهم، فكم جاءهم أنبياؤهم بالآيات البينات، وكم بلاهم الله تعالى بالحسنات والسيئات، ولم يغن ذلك عنهم، ولا صدهم عن خلافهم وشقاقهم، بل بدل الذين كفروا منهم قولًا غير الذي قيل لهم، وبدلوا نعمة الله كفرًا، ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ عليه بالآيات الدالة على الحق، والوحدة الداعية إلى الشكر ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ ﴾ بالبيان، وأبرأت بالبرهان، يجعلها مثارًا للتفرق والاختلاف وجعل الأمة الواحدة شيعًا وأحزابًا ومذاهب وفرقًا بسوء التأويل وعصبيات الرياسة والسياسة ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ لمن تنكب سنته، وخالف شرعته، وهؤلاء المبدلون منهم، فالعقاب الشديد نازل لا محالة بهم، ولم يقل فإن الله يعاقبهم ليشعرنا بأن هذا من سنته العامة، فحذرنا أن نكون من المخالفين المبدلين، توهمًا أن العقاب خاص ببعض الغابرين، كما يلغو كثير من الجاهلين، فأنت ترى أن هذه الجملة في معنى قوله ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ والتقييد بمجيء البينات والآيات دليل على أن من لم تبلغه الدعوة الصحيحة بالبينة والدليل لا يخاطب بهذا الوعيد، فحسبه حرمانه من هداية الأنبياء عليهم السلام، فكيف يطالب مع ذلك بما لا يعلم، ويجعل مع من عاند الحق من بعد ظهوره له في قرن.
وفي هذه من الهداية أيضًا بيان أمر عظيم يغفل عنه العلماء والأذكياء، وهو أن الآيات والبينات إنما تفيد النفوس الخيرة المستعدة لقبول الحق المتوجهة إلى طلبه، وأما النفوس الخبيثة التي يفضحها الحق ويظهر باطلها الذي تحب ستره، والاسترسال فيما هي فيه من اللذة الحسية والجاه الباطل، فإن الآيات والبينات لا تزيدها إلا مماراة وجدلًا في القول وجحودًا وعنادًا بالفعل، هذه سنة الله تعالى في البشر عامة، لا في بني إسرائيل خاصة كذلك كان وكذلك يكون وسيكون وسوف يكون إلى ما شاء الله.
وأما تفسير الآية على الوجه الآخر المختار في المخاطبين بالدخول في السلم فهو أنها هادية إلى الاعتبار بسنة الله تعالى في الأمم الماضية على ما بينا آنفًا، كأنه يقول يا أيها المؤمنون بمحمد ، عليكم بالدخول في السلم والاتفاق، والاعتصام بالإسلام في جملته، لا تفرقوه ولا تتفرقوا فيه وتكونوا شيعًا، كيلا يصيبكم ما أصاب أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات من قبلكم، وهؤلاء بنو إسرائيل بين أيديكم، وحالهم لا تخفى عليكم، فسلوهم حالهم، واستنطقوا آثارهم، واقرؤوا تاريخهم، تروا أنهم أوتوا نحوًا مما أوتيتم من البينات، وأمروا كما أمرتم بالاتحاد والاجتماع، فتفرقوا إلى مذاهب وشيع، وزلوا عن صراط الله فتفرقت بهم السبل فأخذهم الله بعزته ونفذ فيهم حكم سنته، وزال سلطانهم، ولفظتهم أوطانهم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ومزقوا في الأرض كل ممزق.
والآية على كلا الوجهين عبرة للمخاطبين بالقرآن من المؤمنين به لا حكاية تاريخية عن بني إسرائيل.
ولكن هل يعتبر بها المنتسبون إلى القرآن؟
وهل يفهمون منها أن ملكهم الذي يتقلص ظله عن رؤوسهم عامًا بعد عام، وعزهم الذي تتخطفه منهم حوادث الأيام ما بدلهما الله تعالى إلا بعد ما بدلوا نعمته عليهم في قولهم: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ ؟؟
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ كلا إنهم لم يفهموا هذا ولو تغنوا وترنموا بهذه الآيات في كل مأتم وكل موسم، وإن رؤساءهم لا يمقتون أحدًا مقتهم لمن يذكرهم به، وإن أكثر عامتهم تبع لهؤلاء الرؤساء كما كان بنو إسرائيل على عهد نزول القرآن، وإنا لنعلم أن الساكتين منهم على جميع ما مني به المسلمون من البدع والخرافات والفسوق والعصيان، يتفقون مع المدافعين عن الفاسقين والمبتدعين على إيذاء الواعظين الناصحين، باسم المدافعة عن الدين، والسبب في هذا وأمثاله لم يفرط فيه الكتاب المبين، بل هو ما هدانا الله تعالى إليه بقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ هذا بيان معلل لما قبله من الوعيد لمن يبدل نعمة الله كفرًا، ولا سيما نعمة الله تعالى في هداية الملة إلى وحدة الأمة، فالكفر فيها هو كفر النعمة لا إنكار وجود الله تعالى ولا الشرك به كما زعم (الجلال) وغيره، وسببه الافتتان بزينة الحياة الدنيا الزائلة وإيثارها على حياة الآخرة الباقية، والمقام مقام الأمر بالاتفاق في الدين والأخذ بجميع أحكامه وشرائعه والنهي عن التفرق فيها، والمسلمون هم المخاطبون بالوعيد على التفرق واتباع خطوات الشيطان على رأيه وتفسيره وهو المختار.
فبعد أن أمرنا تعالى ونهانا وتوعد من يزل عن سبيله منا بعد ما جاءنا من البينات، ذكرنا بحال من سبقنا من أهل الكتاب الذين نزل بهم عذاب التفرق والخلاف في الدنيا ولم يمنعه عنهم أنهم أهل الكتاب وأنهم منتمون إلى نبي مرسل وعندهم شريعة إلهية، وذلك أنهم لم يجتمعوا على الكتاب لاختلاف أئمتهم وأحبارهم في التأويل والتأليف، وكان كل فريق منهم يعتذر عن تركه العمل بالتوراة بأنه متبع لبعض الأحبار الذين هم أعلم منه بها.
بعد هذا كله يسأل سائل كيف يختلف الناس في دينهم ويتفرقون شيعًا بعد مجيء البيانات المانعة من ذلك؟
فهذه الآية جواب لهذا السؤال، وحل لما فيه من الإشكال، ملخصه أن حب الدنيا والغرور بزينتها، يصرفان جميع قوى النفس إلى التفاني في طلبها، وبذلك تنصرف عن النظر الصحيح في آيات الحق وبيناته: أما الرؤساء فإنهم ينصرفون إلى حب الامتياز والشهرة والاستعلاء على الأقران، ولا يكون ذلك إلا بالخلاف، وانتصار كل رئيس لمذهب والذب عنه بالجدل والتأويل، وأما المرؤوسون فإن كل فريق منهم ينتمي إلى رئيس يعتز به ويقلده دينه، ولا يستمع قولًا لمخالفه، ويربط كلًا منهما بالآخر الاشتراك في المصالح الدنيوية، فحب الدنيا هو علة العلل ورأس كل خطيئة.
وقد تقدم شرح ارتباط الرؤساء بالمرؤوسين في تفسير ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ﴾ الآيات.
وما ذكرناه هنا قاض بأن يختص الذين كفروا بمن أوتوا كتابًا وجاءتهم بينات تجمع كلمتهم وتحقق وحدتهم، ففصموا بالخلاف عروتها، ومزقوا بالتفرق نسيج وحدتها، وذلك كفر بهذه النعمة، وتبديل لها بالنقمة، ويدلك على أن الكلام لا يزال في مسالة الخلاف والوفاق في الدين الآية التالية لهذه فإنها مبنية لأصل الخلاف في الدين، منذ بعث الله النبيين.
جملة ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلخ في معنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ ابتلاهم فغرت أقوامًا زينتها، وفتنتهم بهجتها، فانصرفت همتهم إلى الاستمتاع بلذاتها، وانحصرت أفكارهم في استنباط الوسائل لشهواتها، ومسابقة طلاب المال والجاه عند أربابها، ومزاحمة الطارقين لأبوابها، فلم يبق فيها سعة لطلب شيء آخر وإن لم يكن معارضًا لهم فيما يرغبون، وحائلًا بينهم وبين ما يشتهون، فما بالك بطلب الحق، والتطلع إلى حياة بعد هذه الحياة، والحق ينعي عليهم إسرافهم في أمرهم، ويطالبهم بحقوق عليهم لغيرهم، والتطلع إلى حياة أخرى يزعزع من سكونهم إلى لهوهم، ويغض شيئًا من تعاليهم في زهوهم، بل يكدر عليهم بعض صفوفهم، ويقف بهم دون شأوهم، ومن لم يطلب الحق من طريقه بإخلاص وإنصاف لا يجده ولا يتفق مع أهله، وأنى للمفتونين بالزينة الإخلاص والإنصاف؟.
والمراد بالذين كفروا هنا من لا يؤمنون بالحقوق المشروعة لله وللناس إيمان إذعان وانقياد، بل يؤثرون الحياة الدنيا على ما عند الله تعالى من النعيم المقيم، لا المشركون أو الكافرون في عرف بعض الناس كالذين لا يسمون مسلمين، كما أن القرآن لا يعني بالمؤمنين الناجين طائفة يسمون أنفسهم أو يصفونها بالإيمان أو الإسلام، وإنما يعني بهم أولئك الموقنين بما عند الله، الذين يؤثرون الحق على كل ما يعارضه من شهواتهم ولذاتهم، وإذا عثر أحدهم فعمل السوء بجهالة يتوب من قريب.
وانظر سائر ما عرف الله تعالى به المؤمنين والكافرين من النعوت والأوصاف يظهر لك هذا.
وأظهر أوصاف الكافر أن تكون زينة الدنيا أكبر همه يؤثرها على كل شيء حتى إن أمر الدين لا يزحزحه عن شيء يقدر عليه من هذه الزينة ومتاعها بلا معارض من الدنيا، كحاكم يزع، أو إهانة تتوقع، لأنه لا يقين له في الآخرة.
فإن كان منتسبًا إلى دين فما دينه إلا تقاليد وعادات، وخواطر تتنازعها الشبهات، وتتجاذبها الشكوك والتأويلات، ومنهم من يسلم تقليدًا بأن هنالك آخرة فيها نعيم خاص بأهل ملته، وإن كانوا على ما وصف الله الكافرين، وضد ما نعت المؤمنين، كما كان اليهود في زمن التنزيل وقد أطلق القرآن عليهم اسم الإيمان في مواضع منها الآية السابقة قريبًا على قول بعض المفسرين وفي غيرها أيضًا كقوله في أهل الكتاب عامة من آخر سورة الحديد ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ إلخ وأطلق عليهم اسم الكفر في مواضع كثيرة.
وذلك أن للإيمان -كما ذكرنا قبل- إطلاقين فيطلق على المؤمن الموقن المذعن للعمل والاتباع، ويطلق على من يصدق تقليدًا بأن للعالم إلهًا أرسل رسلًا وينتسب إلى بعضهم وإن لم يكن على يقين في إيمانه، وبصيرة في دينه، وحسن اتباع لنبيه، بل هو على خلاف ذلك كما تقدم، وهؤلاء قد يكونون في عرف القرآن كافرين وذكر من علامتهم الافتتان بزينة الحياة الدنيا فهم يعدون الكياسة الانغماس في نعيمها ويرون الفضل في الاستكثار من فضولها ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ إيمانًا حقيقيًا يحمل على العمل، يسخرون من فقرائهم لأنهم محرومون من زينتهم وإن كانوا راضين من الله مغبوطين بما منحهم من الإيمان والرجاء بالآخرة، ومن أغنيائهم لأنهم لا يتنوقونفي النعيم، بل يرون الكياسة في الاستعداد لما بعد الموت بترقية النفس بالاعتقاد الصحيح المؤيد بالبينات والتحلي بالفضائل وأحاسن الأخلاق، ويعدون الفضل في القيام بحقوق الناس وخدمة الأمة، والإفاضة من فضل المال على العاجزين والبائسين.
وكلما أنفقوا في سبيل الله درهمًا، عده أولئك المستهزئون مغرمًا.
قال تعالى ردًا على هؤلاء الساخرين يرون أنهم، في زينتهم ولذاتهم، خير من أهل اليقين في نزاهتهم وتُقَاتهم ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ فإذا استعلى بعضهم على بعض المؤمنين طائفة من الزمن في هذه الحياة القصيرة الفانية، مما يكون لهم من الاتباع والأنصار والمال والسلطان، فإن المؤمنين المتقين يكونون أعلى منهم مقامًا يوم القيامة في تلك الحياة العلية الأبدية، ولم يقل: والذين آمنوا فوقهم.
لأن هؤلاء المفتونين بزينة الحياة الدنيا يدعون الإيمان، لأنهم ولدوا ونشأوا بين قوم يدعون بأهل الإيمان وأهل الكتاب، فالله يرشدنا إلى أنه لا اعتداد بالإيمان في الآخرة إلا إذا صحبته التقوى، وكانت أثرًا له في النفس والعمل الصالح ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ ، ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ﴾ ، والآيات في هذا كثيرة جدًا ولكن الذين يزعمون أن النجاة في الآخرة والدرجات العلى فيها تحصل بمجرد اللقب والجنسية، أو بعض التقاليد التي لا أثر لها في النفس، لا يلتفتون إلى مثلها، وإذا قيل لعظمائهم فيها، واحتج عليهم بها، طفقوا يحرفون ويؤولون، ويدعون أنها نزلت في الكافرين وهم مسلمون.
أو يقولون هكذا قال شيوخنا وإنما نحن مقلدون.
وهؤلاء الداعون إلى الكتاب ضالون مضلون، لأنهم يدعون لاجتهاد في الدين.
وقد أقفل علماؤنا بابه منذ مئين من السنين.
ذكر تعالى ما يمتاز به المؤمن المتقي على الكافر بتبديل النعمة وتفريق الكلمة، وهو العلو في دار الكرامة، ثم أخبرنا أن رزق الدنيا ونعيمها ليس خاصًا فيها بتقي ولا شقي بل هو مبذول لكل أحد وأنه قد يأتي من حيث لا يظن المرء ولا يحتسب فقال ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ الحساب التقدير أي من غير تقدير له على حسب الإيمان والتقوى والكفر والفجور.
وفيه وجه آخر وهو أنه كناية عن السعة وعدم التقتير والتضييق كقولهم: ينفق فلان بغير حساب.
أي ينفق كثيرًا.
والمعنى أنه بذل العطاء في الدنيا لكل أحد بخلق الأرزاق وإقدار الناس على الكسب: وقيل إن المعنى بغير حساب عليه من أحد، فهو الذي خلق ورزق وهو الذي قدر فهدى من غير محاسبة أحد ولا مراجعته، وقد بسط معنى هذا الكلام في آيات أخرى قال تعالى في سورة الإسراء ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ .
فأنت ترى أنه لم يشترط السعي لرزق الدنيا لأنه قد يأتي بلا سعي كإرث وهبة ووصية وكنز، أو ارتفاع لأثمان ما يملك من عقار وعروض بأسباب عامة.
واشترط للآخرة السعي مع الإيمان كما خصها هنا بالذين اتقوا من المؤمنين لأن الكلام فيهم.
ثم ذكر أن عطاءه واسع مبذول لكل أحد ليس فيه حظر من الله تعالى فللمشمر تشميره، وعلى المقصر تقصيره، وفي الحساب هنا وجه آخر وهو الاحتساب والتقدير من جانب العبد فيكون بمعنى قوله تعالى في سورة الطلاق ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ .
إن الرزق بغير حساب ولا سعي في الدنيا إنما بالنسبة إلى الأفراد فإنك ترى كثيرًا من الأبرار وكثيرًا من الفجار أغنياء وموسرين متمتعين بسعة الرزق، وكثيرًا من الفريقين فقراء معسرين، والمتقي يكون دائمًا أحسن حالًا وأكثر احتمالًا ومحلًا لعناية الله تعالى به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر، فهو يجد بالتقوى مخرجًا من كل ضيق، ويجد من عناية الله رزقًا غير محتسب وأما الأمم فأمرها على غير هذا، فإن الأمة التي ترونها فقيرة ذليلة معدمة مهينة لا يمكن أن تكون متقية لأسباب نقم الله وسخطه بالجري على سنته الحكيمة وشريعته العادلة، ولم يكن من سنة الله تعالى أن يرزق الأمة العزة والثروة والقوة والسلطة من حيث لا تحتسب ولا تقدر، ولا تعمل ولا تدبر، بل يعطيها بعملها، ويسلبها بزللها.
ولذلك أمرنا تعالى بالدخول في السلم كافة، ومنحنا على ذلك البينات الكافية.
وضرب لنا الأمثال.
وتوعدنا بالوعيد بعد الوعيد.
ثم بيّن لنا منشأ الاختلاف في البشر لنكون على بصيرة فقال: <div class="verse-tafsir"