الآية ٢٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥ من سورة البقرة

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 228 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال ، عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله ، الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة ، وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء ، كما سنبسطه في موضعه ، وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر ، أو عكسه ، أو حال السعداء ثم الأشقياء ، أو عكسه .

وحاصله ذكر الشيء ومقابله .

وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه ، كما سنوضحه إن شاء الله ؛ فلهذا قال تعالى : ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار ، كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة ، ومعنى ( تجري من تحتها الأنهار ) أي : من تحت أشجارها وغرفها ، وقد جاء في الحديث : أن أنهارها تجري من غير أخدود ، وجاء في الكوثر أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف ، ولا منافاة بينهما ، وطينها المسك الأذفر ، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر ، نسأل الله من فضله [ وكرمه ] إنه هو البر الرحيم .

وقال ابن أبي حاتم : قرئ على الربيع بن سليمان : حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا ابن ثوبان ، عن عطاء بن قرة ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهار الجنة تفجر من تحت تلال - أو من تحت جبال - المسك .

وقال أيضا : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، قال : قال عبد الله : أنهار الجنة تفجر من جبل مسك .

وقوله تعالى : ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ) قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : ( قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ) قال : إنهم أتوا بالثمرة في الجنة ، فلما نظروا إليها قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل في [ دار ] الدنيا .

وهكذا قال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ونصره ابن جرير .

وقال عكرمة : ( قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ) قال : معناه : مثل الذي كان بالأمس ، وكذا قال الربيع بن أنس .

وقال مجاهد : يقولون : ما أشبهه به .

قال ابن جرير : وقال آخرون : بل تأويل ذلك هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا ؛ لشدة مشابهة بعضه بعضا ، لقوله تعالى : ( وأتوا به متشابها ) قال سنيد بن داود : حدثنا شيخ من أهل المصيصة ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : يؤتى أحدهم بالصحفة من الشيء ، فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيقول : هذا الذي أوتينا به من قبل .

فتقول الملائكة : كل ، فاللون واحد ، والطعم مختلف .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عامر بن يساف ، عن يحيى بن أبي كثير قال : عشب الجنة الزعفران ، وكثبانها المسك ، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها ثم يؤتون بمثلها ، فيقول لهم أهل الجنة : هذا الذي أتيتمونا آنفا به ، فيقول لهم الولدان : كلوا ، فإن اللون واحد ، والطعم مختلف .

وهو قول الله تعالى : ( وأتوا به متشابها ) وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : ( وأتوا به متشابها ) قال : يشبه بعضه بعضا ، ويختلف في الطعم .

وقال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد ، والربيع بن أنس ، والسدي نحو ذلك .

وقال ابن جرير بإسناده عن السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، في قوله تعالى : ( وأتوا به متشابها ) يعني : في اللون والمرأى ، وليس يشتبه في الطعم .

وهذا اختيار ابن جرير .

وقال عكرمة : ( وأتوا به متشابها ) قال : يشبه ثمر الدنيا ، غير أن ثمر الجنة أطيب .

وقال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس ، لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء ، وفي رواية : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء .

رواه ابن جرير ، من رواية الثوري ، وابن أبي حاتم من حديث أبي معاوية كلاهما عن الأعمش ، به .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( وأتوا به متشابها ) قال : يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا : التفاح بالتفاح ، والرمان بالرمان ، قالوا في الجنة : هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا ، وأتوا به متشابها ، يعرفونه وليس هو مثله في الطعم .

وقوله تعالى : ( ولهم فيها أزواج مطهرة ) قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : مطهرة من القذر والأذى .

وقال مجاهد : من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد .

وقال قتادة : مطهرة من الأذى والمأثم .

وفي رواية عنه : لا حيض ولا كلف .

وروي عن عطاء والحسن والضحاك وأبي صالح وعطية والسدي نحو ذلك .

وقال ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قال : المطهرة التي لا تحيض .

قال : وكذلك خلقت حواء - عليها السلام - حتى عصت ، فلما عصت قال الله تعالى : إني خلقتك مطهرة وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة .

وهذا غريب .

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا إبراهيم بن محمد ، حدثني جعفر بن محمد بن حرب ، وأحمد بن محمد الجوري قالا حدثنا محمد بن عبيد الكندي ، حدثنا عبد الرزاق بن عمر البزيعي ، حدثنا عبد الله بن المبارك عن شعبة ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : ( ولهم فيها أزواج مطهرة ) قال : من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق .

هذا حديث غريب .

وقد رواه الحاكم في مستدركه ، عن محمد بن يعقوب ، عن الحسن بن علي بن عفان ، عن محمد بن عبيد ، به ، وقال : صحيح على شرط الشيخين .

وهذا الذي ادعاه فيه نظر ؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي : لا يجوز الاحتجاج به .

قلت : والأظهر أن هذا من كلام قتادة ، كما تقدم ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( وهم فيها خالدون ) هذا هو تمام السعادة ، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع ، فلا آخر له ولا انقضاء ، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام ، والله المسئول أن يحشرنا في زمرتهم ، إنه جواد كريم ، بر رحيم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ قال أبو جعفر: أما قوله تعالى: " وبشِّر "، فإنه يعني: أخبرهم.

والبشارة أصلها الخبرُ بما يُسَرُّ به المخبَرُ, إذا كان سابقًا به كل مخبِرٍ سواه.

وهذا أمر من الله تعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه, وصدّقوا إيمانهم ذلك وإقرَارهم بأعمالهم الصالحة, فقال له: يا محمد، بشِّرْ من صدَّقك أنك رسولي - وأن ما جئتَ به من الهدى والنور فمن عندي, وحقَّق تصديقَه ذلك قولا بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتُها عليه، وأوجبتُها في كتابي على لسانك عليه - أن له جنات تجري من تحتها الأنهار، خاصةً, دُون من كذَّب بك وأنكرَ ما جئته به من الهدى من عندي وعاندك (1) ، ودون من أظهر تصديقك (2) ، وأقرّ أن ما جئته به فمن عندي قولا وجحده اعتقادًا، ولم يحققه عملا.

فإن لأولئك النارَ التي وقُودها الناسُ والحجارة، مُعدةً عندي.

والجنات: جمع جنة, والجنة: البستان.

وإنما عَنى جلّ ذكره بذكر الجنة: ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها، دون أرضها - ولذلك قال عز ذكره (3) " : تجري من تحتها الأنهار ".

لأنّه معلومٌ أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبرَ عن ماء أنهارها أنه جارٍ تحت أشجارها وغروسها وثمارها, لا أنه جارٍ تحت أرضها.

لأن الماء إذا كان جاريًا تحت الأرض, فلا حظَّ فيها لعيون منْ فَوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه.

على أنّ الذي تُوصف به أنهارُ الجنة، أنها جارية في غير أخاديد.

509- كما حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا الأشجعي, عن سفيان, عن عمرو بن مُرَّة, عن أبي عُبيدة, عن مسروق, قال: نخل الجنة نَضيدٌ من أصْلها إلى فرعها, وثمرها أمثالُ القِلال, كلما نُـزعت ثمرة عادتْ مكانها أخرى, وماؤها يَجري في غير أخدود (4) .

510- حدثنا مجاهد [بن موسى]، (5) قال: حدثنا يزيد, قال: أخبرنا مِسعر بن كدام, عن عمرو بن مرة, عن أبي عُبيدة، بنحوه.

511- وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي, قال: حدثنا سفيان, قال: سمعت عمرو بن مُرَّة يحدث، عن أبي عبيدة -فذكر مثله- قال: فقلت لأبي عُبيدة: من حدّثك؟

فغضب، وقال: مسروق.

&; 1-385 &; فإذا كان الأمر كذلك، في أنّ أنهارَها جارية في غير أخاديد, فلا شكّ أنّ الذي أريدَ بالجنات: أشجارُ الجنات وغروسها وثمارها دون أرضها, إذ كانت أنهارُها تجري فوق أرضها وتحتَ غروسها وأشجارها, على ما ذكره مسروق.

وذلك أولى بصفة الجنة من أن تكون أنهارها جاريةً تحت أرضها.

وإنما رغَّب الله جل ثناؤه بهذه الآية عبادَه في الإيمان، وحضّهم على عبادته بما أخبرهم أنه أعدّه لأهل طاعته والإيمان به عنده, كما حذّرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعدّ - لأهل الكفر به، الجاعلين معه الآلهةَ والأنداد - من عقابه عن إشراك غيره معه, والتعرّض لعقوبته بركوب معصيته وتَرك طاعته (6) .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " كلما رُزقوا منها ": من الجنات, والهاء راجعةٌ على الجنات، وإنما المعنيّ أشجارها، فكأنه قال: كلما رُزقوا - من أشجار البساتين التي أعدّها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته - من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل.

ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: " هذا الذي رُزقنا من قَبل ".

فقال بعضهم: تأويل ذلك: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: 512- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا &; 1-386 &; أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: " هذا الذي رُزقنا من قبل "، قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة, فلما نظروا (7) إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبلُ في الدنيا.

513- حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُريع, عن سعيد, عن قتادة: " قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل "، أي في الدنيا.

514- حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد: " قالوا هذا الذي رزقنا من قبل "، يقولون: ما أشبهه به.

515- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.

516- حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: " قالوا هذا الذي رزقنا من قَبل "، في الدنيا, قال: " وأتوا به مُتشابهًا "، يعرفونه (8) .

قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا, لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضًا.

ومن علة قائلي هذا القول: أن ثمار الجنة كلما نـزع منها شيءٌ عاد مكانه آخرُ مثله.

517- كما حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا ابن مهدي, قال: حدثنا سفيان, قال: سمعت عمرو بن مُرَّة يحدث، عن أبي عُبيدة, قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها, وثمرُها مثل القلال, كلما نُـزعت منها ثمرةٌ عادتْ مكانها أخرى (9) .

قالوا: فإنما اشتبهت عند أهل الجنة, لأن التي عادت، نظيرةُ التي نُـزعت فأكِلت، في كل معانيها.

قالوا: ولذلك قال الله جل ثناؤه: " وأتوا به متشابهًا "، لاشتباه جميعه في كل معانيه.

وقال بعضهم: بل قالوا: " هذا الذي رزقنا من قبل "، لمشابهته الذي قبله في اللون، وإن خالفه في الطعم.

* ذكر من قال ذلك: 518- حدثنا القاسم بن الحسين, قال: حدثنا الحسين بن داود, قال: حدثنا شيخ من المِصِّيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير, قال: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها, ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتِينا به من قبل.

فيقول الملك: كُلْ، فاللونُ واحد والطعمُ مختلف (10) .

وهذا التأويل مذهب من تأوّل الآية.

غير أنه يدفَع صحته ظاهرُ التلاوة.

والذي يدل على صحته ظاهرُ الآية ويحقق صحته، قول القائلين: إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبلُ في الدنيا.

وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال: " كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا "، فأخبر جل ثناؤه أنّ مِنْ قِيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمر الجنة رزقًا، أن يقولوا: هذا الذي رُزقا من قبلُ.

ولم يخصص بأن ذلك من قِيلهم في بعض ذلك دون بعض.

فإذْ كان قد أخبر جلّ ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها, فلا شكّ أن ذلك من قيلهم في أول رزق رُزقوه من ثمارها أتُوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها, الذي لم يتقدّمه عندهم من ثمارها ثمرة.

فإذْ كان لا شك أنّ ذلك من قيلهم في أوله, كما هو من قيلهم في أوْسطه وَما يَتلوه (11) - فمعلومٌ أنه مُحال أن يكون من قيلهم لأول رزق رُزقوه من ثمار الجنة: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا من ثمار &; 1-388 &; الجنة!

وكيف يجوز أن يقولوا لأول رزق رُزقوه من ثمارها ولمَّا يتقدمه عندهم غيره: هذا هو الذي رُزقناه من قبل؟

إلا أن ينسُبهم ذُو غَيَّة وضَلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه (12) ، أو يدفعَ دافعٌ أن يكونَ ذلك من قيلهم لأول رزق رُزقوه منها مِن ثمارها, فيدفعَ صحة ما أوجب الله صحّته بقوله: " كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا "، من غير نَصْب دلالة على أنه معنيّ به حالٌ من أحوال دون حال.

فقد تبيّن بما بيَّنا أنّ معنى الآية: كلما رُزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا (13) .

فإن سألنا سائل، فقال: وكيف قال القوم: هذا الذي رُزقنا من قبل، والذي رُزقوه من قبل قد عُدم بأكلهم إياه؟

وكيف يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له؟

قيل: إن الأمر على غير ما ذهبتَ إليه في ذلك.

وإنما معناه: هذا من النوع الذي رُزقناه من قَبل هذا، من الثمار والرزق.

كالرجل يقول لآخر: قد أعدّ لك فلانٌ من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبيخ والشواء والحلوى.

فيقول المقول له ذاك: هذا طعامي في منـزلي.

يعني بذلك: أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعدّه له من الطعام هو طعامُه, لا أنّ أعيانَ ما أخبره صاحبه أنه قد أعده له، هو طعامه .

بل ذلك مما لا يجوز لسامع سَمعه يقول ذلك، أن يتوهم أنه أراده أو قصدَه، لأن ذلك خلافُ مَخرَج كلام المتكلم.

وإنما يوجَّه كلام كلّ متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه، دون المجهول من معانيه.

فكذلك ذلك في قوله: " قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل "، إذ كان ما كانوا رُزقوه من قبل قد فني وعُدِم.

فمعلوم أنهم عَنَوْا بذلك: هذا من النوع الذي رُزقناه من قبل, ومن جنسه في السِّمَات والألوان (14) - على ما قد بينا من القول في ذلك في كتابنا هذا (15) .

القول في تأويل قوله: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا قال أبو جعفر: والهاء في قوله: " وأتُوا به مُتشابهًا " عائدة على الرزق, فتأويله: وأتوا بالذي رُزقوا من ثمارها متشابهًا.

وقد اختلَفَ أهلُ التأويل في تأويل " المتشابه " في ذلك: فقال بعضهم: تشابهه أنّ كله خيار لا رَذْلَ فيه.

* ذكر من قال ذلك: 519- حدثنا خلاد بن أسلم, قال: أخبرنا النضر بن شُميل, قال: أخبرنا أبو عامر، عن الحسن في قوله: " متشابهًا " قال: خيارًا كُلَّها لا رَذل فيها.

520- حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا ابن عُلَيَّة, عن أبي رَجاء: قرأ الحسنُ آيات من البقرة, فأتى على هذه الآية: " وأتُوا به مُتشابهًا " قال: ألم تَروْا إلى ثمار الدنيا كيف تُرذِلُون بعضَه؟

وإن ذلك ليس فيه رَذْل.

521- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: حدثنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا مَعمر, قال: قال الحسن: " وأتوا به متشابهًا " قال: يشبه بعضه بعضًا، ليس فيه من رَذْل (16) .

522- حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: " وأتوا به &; 1-390 &; متشابهًا "، أي خيارًا لا رَذلَ فيه, وإن ثمار الدنيا يُنقَّى منها ويُرْذَل منها, وثمار الجنة خيارٌ كله، لا يُرْذَل منه شيء.

523- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج.

قال: ثمر الدنيا منه ما يُرْذَل، ومنه نَقاوَةٌ, وثمرُ الجنة نقاوة كله، يشبه بعضُه بعضًا في الطيب، ليس منه مرذول (17) .

وقال بعضهم: تشابُهه في اللون وهو مختلف في الطعم.

* ذكر من قال ذلك: 524- حدثني موسى, قال حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك، وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " وأتوا به متشابهًا " في اللَّوْن والمرْأى, وليس يُشبه الطعمَ.

525- حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وأتوا به متشابهًا " مِثلَ الخيار.

526- حدثنا المثنى, قال: حدثنا أبو حُذيفة, قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: وأتوا به متشابهًا لونه مختلفًا طعمُه , مثلَ الخيار من القثّاء.

527- حُدثت عن عمار بن الحسن, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس: " وأتوا به متشابهًا "، يشبه بعضه بعضًا ويختلف الطعم.

528- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: حدثنا عبد الرزّاق, قال: أنبأنا الثوري , عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، في قوله: " متشابهًا "، قال: مشتبهًا في اللون، ومختلفًا في الطعم.

&; 1-391 &; 529- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج, عن مجاهد: " وأتوا به متشابهًا "، مثل الخيار (18) .

وقال بعضهم: تشابُهه في اللون والطعم.

* ذكر من قال ذلك: 530- حدثنا ابن وكيع.

قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، قوله: " متشابهًا " قال: اللونُ والطعمُ.

531- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الرزّاق, عن الثوري, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، ويحيى بن سعيد: " متشابهًا " قالا في اللون والطعم.

وقال بعضهم: تشابهه، تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون، وإن اختلف طعومهما.

* ذكر من قال ذلك: 532- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: " وأتوا به متشابهًا " قال: يشبه ثمر الدنيا، غيرَ أن ثمر الجنة أطيب.

533- حدثنا المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: قال حفص بن عمر, قال: حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: " وأتوا به متشابهًا "، قال: يشبه ثمر الدنيا, غير أن ثمر الجنة أطيبُ.

وقال بعضهم: لا يُشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا، إلا الأسماء.

* ذكر من قال ذلك: 534- حدثني أبو كريب, قال: حدثنا الأشجعيّ -ح- وحدثنا محمد &; 1-392 &; بن بشار, قال، حدثنا مؤمَّل, قالا جميعًا: حدثنا سفيان، عن الأعمش, عن أبي ظَبْيَان, عن ابن عباس - قال أبو كريب في حديثه عن الأشجعي -: لا يشبه شيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا، إلا الأسماء.

وقال ابن بشار في حديثه عن مؤمل، قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.

535- حدثنا عباس بن محمد, قال: حدثنا محمد بن عُبيد، عن الأعمش, عن أبي ظبيان، عن ابن عباس, قال: ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء.

536- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أنبأنا ابن وهب, قال: قال عبد الرحمن بن زيد، في قوله: " وأتوا به متشابهًا "، قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا, التُّفاح بالتفاح والرُّمان بالرمان, قالوا في الجنة: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا," وأتوا به متشابهًا " يعرفونه, وليس هو مثله في الطعم (19) .

قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية, تأويلُ من قال: وأتوا به متشابهًا في اللون والمنظر, والطعمُ مختلف.

يعني بذلك اشتباهَ ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون, مختلفًا في الطعم والذوق، لما قدّمنا من العلة في تأويل قوله: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأن معناه: كلما رُزقوا من الجِنان من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا: فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك، ومن أجل أنهم أتُوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابهًا, يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه، والذي كانوا رُزقوه في الدنيا، في اللون والمرأى والمنظر، وإن اختلفا في الطعم والذوق، فتباينا, فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا.

وقد دللنا على فساد قول من زعم أنّ معنى قوله: قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ، إنما هو قول من أهل الجنة في تشبيههم بعض ثَمر الجنة ببعض (20) .

وتلك الدلالة على فساد ذلك القول، هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله: " وأتوا به متشابهًا "، لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ بقوله: " وأتوا به متشابهًا ".

ويُسأل من أنكر ذلك (21) ، فزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مما في الجنة نظيرًا لشيء مما في الدنيا بوجه من الوجوه, فيقال له: أيجوز أن يكون أسماءُ ما في الجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائرَ أسماء ما في الدنيا منها؟

فإن أنكر ذلك خالف نصّ كتاب الله, لأن الله جل ثناؤه إنما عرّف عبادَه في الدنيا ما هو عنده في الجنة بالأسماء التي يسمى بها ما في الدنيا من ذلك.

وإن قال: ذلك جائز, بل هو كذلك.

قيل: فما أنكرتَ أن يكون ألوانُ ما فيها من ذلك، نظيرَ ألوان ما في الدنيا منه (22) ، بمعنى البياض والحمرة والصفرة وسائر صنوف الألوان، وإن تباينت فتفاضلت بفضل حسن المَرآة والمنظر, فكان لما في الجنة من ذلك من البهاء والجمال وحسن المَرآة والمنظر، خلافُ الذي لما في الدنيا منه، كما كان جائزًا ذلك في الأسماء مع اختلاف المسميات بالفضْل في أجسامها؟

ثم يُعكس عليه القول في ذلك, فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله.

وكان أبو موسى الأشعري يقول في ذلك بما: 537- حدثني به ابن بشار, قال: حدثنا ابن أبي عديّ، وعبد الوهاب, ومحمد بن جعفر, عن عوف، عن قَسَامةَ، عن الأشعري, قال: إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة, وعلّمه صَنعةَ كل شيء, فثمارُكم هذه من ثمار الجنة, غيرَ أن هذه تغيَّرُ وتلك لا تغيَّرُ (23) .

(24) وقد زعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله: " وأتوا به متشابهًا "، أنه متشابهٌ في الفضل، أي كل واحد منه له من الفضْل في نحوه، مثلُ الذي للآخر في نحوه.

قال أبو جعفر: وليس هذا قولا نستجيز التشاغلَ بالدلالة على فساده، لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل.

وحسبُ قولٍ - بخروجه عن قول جميع أهل العلم - دلالةٌ على خطئه.

القول في تأويل قوله: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ قال أبو جعفر: والهاء والميم اللتان في" لهم " عائدتان على الذين آمنوا وعملوا الصالحات, والهاء والألف اللتان في" فيها " عائدتان على الجنات.

وتأويل ذلك: وبشِّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جنات فيها أزواجٌ مطهرة.

والأزواج جمع زَوْج, وهي امرأة الرجل.

يقال: فلانة زَوْجُ فلان وزوجته.

وأما قوله: " مطهَّرة " فإن تأويله أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ, مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ, وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره.

538- كما حدثنا به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أما أزواجٌ مطهرة، فإنهن لا يحضْن ولا يُحْدِثن ولا يتنخَّمن.

539- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس، قوله: " أزْواج مطهرة ".

يقول: مطهرة من القذَر والأذى.

540- حدثنا محمد بن بشار, قال: حدثنا يحيى القطان (25) ، عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ولهم فيها أزواجٌ مطهرة " قال: لا يبلن ولا يتغوّطن ولا يَمذِين.

541- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري, قال: حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، نحوه - إلا أنه زَاد فيه: ولا يُمنِين ولا يحضْنَ.

542- حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: " ولهم فيها أزواج مطهرة " قال: مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبُزاق والمنيّ والولد.

543- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا سويد بن نصر, قال: حدثنا ابنُ المبارك, عن ابن جُريج, عن مجاهد، مثله.

544- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا الثوري, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: لا يَبُلْنَ ولا يتغوّطنَ ولا يحضْنَ ولا يلدن ولا يُمْنِين ولا يبزُقنَ.

545- حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حُذيفة, قال: حدثنا شِبْل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، نحوَ حديث محمد بن عمرو, عن أبي عاصم.

546- حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُريع, عن سعيد, عن قتادة: " ولهم فيها أزواج مطهرة "، إي والله من الإثم والأذى.

547- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ولهم فيها أزواجٌ مطهرة "، قال: طهّرهن اللهُ من كل بول وغائط وقذَر, ومن كل مأثم.

548- حُدثت عن عمار بن الحسن, قال: حدثني ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن قتادة، قال مطهرة من الحيض والحبَل والأذى.

549- حُدثت عن عمار بن الحسن, قال: حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه, عن ليث, عن مجاهد, قال: المطهرة من الحيض والحبَل.

550- حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, عن عبد الرحمن بن زيد: " ولهم فيها أزواجٌ مطهَّرة " قال: المطهَّرة التي لا تحيض.

قال: وأزواج الدنيا ليست بمطهرة, ألا تراهنّ يدمَيْنَ ويتركن الصلاة والصيامَ؟

قال ابن زيد: وكذلك خُلقت حواء حتى عصَتْ, فلما عصَتْ قال الله: إني خلقتك مطهَّرة &; 1-397 &; وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة (26) .

551- حُدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع، عن الحسن في قوله: " ولهم فيها أزواج مطهرة "، قال يقول: مطهَّرة من الحيض.

552- حدثنا عمرو بن علي, قال: حدثنا خالد بن يزيد, قال: حدثنا أبو جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن الحسن في قوله: " ولهم فيها أزواجٌ مطهرة "، قال: من الحيض.

553- حدثنا عمرو, قال: حدثنا أبو معاوية, قال: حدثنا ابن جُريج, عن عطاء قوله: " ولهم فيها أزواج مطهرة "، قال: من الولد والحيض والغائط والبول, وذكر أشياءَ من هذا النحو (27) .

القول في تأويل قوله: وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنات خالدون.

والهاء والميم من قوله " وهم "، عائدة على الذين آمنوا وعملوا &; 1-398 &; الصالحات.

والهاء والألف في" فيها " على الجنات.

وخلودهم فيها دوام بقائهم فيها على ما أعطاهم الله فيها من الْحَبْرَةِ والنعيم المقيم (28) .

-------------- الهوامش : (1) في المطبوعة : "ما جئت به من الهدى" .

(2) في المخطوطة : "دون من أظهر .

.

" بحذف الواو ، وهو قريب في المعنى .

(3) في المطبوعة : "فلذلك قال .

.

" ، وما في المخطوطة أجود .

(4) الأثر 509- في الدر المنثور 1 : 38 .

وقال ابن كثير في تفسيره 1 : 113 : "وقد جاء في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود" ، ولم يبين ، وانظر ما سيأتي رقم : 517 .

(5) الإسناد 510- الزيادة بين القوسين من المخطوطة ، وهو مجاهد بن موسى بن فروخ الخوارزمي ، أبو علي الختلي (بضم ففتح) ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما .

مترجم في التهذيب ، وترجمه البخاري في الكبير 4/1/413 ، والصغير : 245 ، والخطيب في تاريخ بغداد 13 : 265 - 266 وابن الأثير في اللباب 1 : 345 .

مات مجاهد هذا في رمضان سنة 244 .

وشيخه يزيد : هو يزيد بن هارون .

(6) في المخطوطة : "والتفريق لعقوبته" ، ولا معنى لها .

(7) في الدر المنثور : "فينظروا" ، وفي الشوكاني : "فنظروا" ، وكذلك في المخطوطة .

(8) الآثار 512 - 516 : في تفسير ابن كثير 1 : 113 - 114 ، والدر المنثور 1 : 38 ، والشوكاني 1 : 42 .

(9) انظر الآثار السالفة رقم : 509 - 511 .

وفي المخطوطة : "أمثال القلال" كما مر آنفًا .

(10) الأثر 518- في ابن كثير 1 : 114 ، والدر المنثور 1 : 38 .

(11) في المطبوعة : "في وسطه" .

(12) في المطبوعة مكان قوله : "ذو غية" ، "ذو غرة" ، وفي المخطوطة : "ذو عته" .

والعته : نقص العقل ، أو الجنون ، وأجودهن ما أثبته عن كتاب حادي الأرواح لابن قيم الجوزية 1 : 268 ، حيث نقل نص الطبري .

(13) هذا التفصيل الذي ذكره الطبري من جيد النظر في معاني الكلام .

(14) في المطبوعة : "في التسميات والألوان" ، وهو خطأ .

(15) يعني بذلك الذي تقدم ، معنى قوله : "وإنما يوجه كلام كل متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه ، دون المجهول من معانيه" ، وقد مضى ذكر ذلك في ص 388 .

هذا ، وقد وقع في المطبوعة خطأ بين ، فقد وضع في هذا المكان ما نقلناه إلى حق موضعه في ص 394 من أول قوله : "وقد زعم بعض أهل العربية .

.

" إلى قوله : "بخروجه عن قول جميع أهل العلم ، دلالة على خطئه" .

(16) في المطبوعة : "ليس فيه مرذول" .

(17) الآثار : 519 - 523 بعضها في الدر المنثور 1 : 38 ، وبعضها في الشوكاني 1 : 42 .

(18) الآثار : 524 - 529 بعضها في ابن كثير 1 : 114 - 115 ، والدر المنثور 1 : 38 ، والشوكاني 1 : 42 .

(19) الآثار : 530 - 536 بعضها في الدر المنثور 1 : 38 ، والشوكاني 1 : 42 .

(20) انظر ما مضى ص 387 وما بعدها .

(21) في المطبوعة : "وسأل من أنكر .

.

" ، وهو خطأ بين .

(22) في المطبوعة : "نظائر ألوان" .

(23) الحديث 537- هذا إسناد صحيح .

وهو وإن كان موقوفًا لفظًا فإنه مرفوع حكمًا ، لأنه إخبار عن غيب لا يعلم بالرأي ولا القياس .

والأشعري : هو أبو موسى ، ولم يكن ممن يحكى عن الكتب القديمة .

عوف : هو ابن أبي جميلة الأعرابي ، وهو ثقة ثبت ، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

قسامة - بفتح القاف وتخفيف السين المهملة : هو ابن زهير المازني التميمي البصري ، وهو ثقة تابعي قديم ، بل ذكره بعضهم في الصحابة فأخطأ .

وله ترجمة في الإصابة 5 : 276 وابن سعد 7/1/110 ، وقال : "كان ثقة إن شاء الله ، وتوفي في ولاية الحجاج على العراق" ، وابن أبي حاتم 3/2/147 ، وروى توثيقه عن ابن معين .

والحديث ذكره ابن كثير في التاريخ 1 : 80 ، من رواية عبد الرزاق عن معمر عن عوف ، بهذا الإسناد .

وذكره ابن القيم في حادي الأرواح 1 : 273 (ص 125 من الطبعة الثانية ، طبعة محمود ربيع سنة 1357) من رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن عقبة بن مكرم العمى الحافظ ، عن ربعى بن إبراهيم بن علية عن عوف ، بهذا الإسناد ، مرفوعًا صراحة : "قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" .

وكذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 197 - 198"عن أبي موسى رفعه" ، وقال : "رواه البزار ، والطبراني ، ورجاله ثقات" .

وذكره ابن القيم في حادي الأرواح قبل ذلك (ص 30 - 31) ، من رواية"هوذة بن خليفة عن عوف" بهذا الإسناد ، موقوفًا لفظًا .

ورواية هوذة بن خليفة : رواها الحاكم في المستدرك 2 : 543 ، ولكن إسنادها عندي أنه مغلوط ، والظاهر أنه غلط من الناسخين .

لأن الذي فيه : "هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري ، قال : إن الله لما أخرج آدم" إلخ .

ثم قال الحاكم : "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي!

ولا يمكن -فيما أعرف وأعتقد- أن يصحح الحاكم هذا الإسناد ، ثم يوافقه الذهبي ، إن كان على هذا الوجه ، لأن أبا بكر بن أبي موسى الأشعري تابعي ثقة ، فلو كان الإسناد هكذا كان الحديث مرسلا لا حجة فيه ، سواء أرفعه أم قاله من قبل نفسه ، فالظاهر أن الناسخين القدماء للمستدرك أخطئوا في زيادة"أبي بكر بن" ، وأن صوابه : "عن أبي موسى الأشعري" ، كما تبين من نقل ابن القيم رواية هوذة ، وكما تبين من الروايات الأخر التي سقناها .

والحمد لله على التوفيق .

(24) هذه الفقرة كلها من أول قوله : "وقد زعم بعض أهل العربية .

.

" كانت في المطبوعة في الموضع الذي أشرنا إليه آنفًا ص 389 .

(25) في المخطوطة : "يحيى العطار" ، وهو خطأ .

(26) في المخطوطة : "كما دميت" بتشديد الميم ، وهما سواء ، ويعني بذلك دم الحيض .

وهذا الأثر نقله ابن كثير 1 : 115 عن هذا الموضع ، وفيه"أدميت" ، كما في المطبوعة هنا .

وقال ابن كثير بعد سياقه : "وهذا غريب" .

(27) الآثار 538 - 553 : بعضها في ابن كثير 1 : 115 ، والدر المنثور 1 : 39 ، والشوكاني 1 : 42 وكرهنا الإطالة بتفصيل مراجعها واحدًا واحدًا .

ونقل ابن كثير 1 : 115 - 116 حديثًا مرفوعًا بهذا المعنى : يعني مطهرة"من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق" ، من تفسير ابن مردويه بإسناده - من طريق محمد بن عبيد الكندي عن عبد الرزاق بن عمر البزيعي عن عبد الله بن المبارك عن شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد ، مرفوعًا .

وقال : "هذا حديث غريب" .

ثم نقل عن الحاكم أنه رواه في المستدرك ، من هذا الوجه ، وأنه صححه على شرط الشيخين .

ثم قال : "وهذا الذي ادعاه فيه نظر ، فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا - قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي : لا يجوز الاحتجاج به .

قلت : والأظهر أن هذا من كلام قتادة ، كما تقدم" .

وهو كما قال ابن كثير .

انظر الميزان 2 : 126 .

(28) في الدر المنثور 1 : 41 ، والشوكاني 1 : 42 ، أن ابن جرير أخرج عن ابن عباس في قوله"وهم فيها خالدون" -"أي خالدون أبدًا ، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له" .

وهذا الخبر سيأتي عند تفسير الآية : 82 من هذه السورة (1 : 307 بولاق) .

فنقله السيوطي إلى هذا الموضع ، وتبعه الشوكاني .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا فيه ثلاث مسائل :الأولى : لما ذكر الله عز وجل جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أيضا .

والتبشير الإخبار بما يظهر أثره على البشرة - وهي ظاهر الجلد - لتغيرها بأول خبر يرد عليك ، ثم الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخير المبشر به ، وغير مقيد أيضا .

ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيدا منصوصا على الشر المبشر به ، قال الله تعالى فبشرهم بعذاب أليم ويقال : بشرته وبشرته - مخفف ومشدد - بشارة ( بكسر الباء ) فأبشر واستبشر .

وبشر يبشر إذا فرح .

ووجه بشير إذا كان حسنا بين البشارة ( بفتح الباء ) .

والبشرى : ما يعطاه المبشر .

وتباشير الشيء : أوله .الثانية : أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال : من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر ، فبشره واحد من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني .

واختلفوا إذا قال : من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول ، فقال أصحاب الشافعي : نعم ; لأن كل واحد منهم مخبر .

وقال علماؤنا : لا ; لأن المكلف إنما قصد خبرا يكون بشارة ، وذلك يختص بالأول ، وهذا معلوم عرفا فوجب صرف القول إليه .

وفرق محمد بن الحسن بين قوله : أخبرني ، أو حدثني ، فقال : إذا قال الرجل أي غلام لي أخبرني بكذا ، أو أعلمني بكذا وكذا [ ص: 228 ] فهو حر - ولا نية له - فأخبره غلام له بذلك بكتاب أو كلام أو رسول فإن الغلام يعتق ; لأن هذا خبر .

وإن أخبره بعد ذلك غلام له عتق ; لأنه قال : أي غلام أخبرني فهو حر .

ولو أخبروه كلهم عتقوا ، وإن كان عنى - حين حلف - بالخبر كلام مشافهة لم يعتق واحد منهم إلا أن يخبره بكلام مشافهة بذلك الخبر .

قال : وإذا قال أي غلام لي حدثني ، فهذا على المشافهة لا يعتق واحد منهم .الثالثة : قوله تعالى : وعملوا الصالحات رد على من يقول : إن الإيمان بمجرده يقتضي الطاعات ; لأنه لو كان ذلك ما أعادها فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح .

وقيل : الجنة تنال بالإيمان ، والدرجات تستحق بالأعمال الصالحات .

والله أعلم ." أن لهم " في موضع نصب ب " بشر " والمعنى وبشر الذين آمنوا بأن لهم ، أو لأن لهم ، فلما سقط الخافض عمل الفعل .

وقال الكسائي وجماعة من البصريين : " أن " في موضع خفض بإضمار الباء ." جنات " في موضع نصب اسم أن ، " وأن وما عملت فيه في موضع المفعول الثاني .

والجنات : البساتين ، وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها ، ومنه : المجن والجنين والجنة ." تجري " في موضع النعت لجنات وهو مرفوع ; لأنه فعل مستقبل فحذفت الضمة من الياء لثقلها معها .من تحتها : أي من تحت أشجارها ، ولم يجر لها ذكر ; لأن الجنات دالة عليها .الأنهار أي ماء الأنهار ، فنسب الجري إلى الأنهار توسعا ، وإنما يجري الماء وحده فحذف اختصارا ، كما قال تعالى : واسأل القرية أي أهلها .

وقال الشاعر :نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلسأراد : أهل المجلس ، فحذف .

والنهر : مأخوذ من أنهرت ، أي وسعت ، ومنه قول قيس بن الخطيم :ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءهاأي وسعتها ، يصف طعنة .

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه [ ص: 229 ] فكلوه .

معناه : ما وسع الذبح حتى يجري الدم كالنهر .

وجمع النهر : نهر وأنهار .

ونهر نهر : كثير الماء ، قال أبو ذؤيب :أقامت به فابتنت خيمة على قصب وفرات نهروروي : أن أنهار الجنة ليست في أخاديد ، إنما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها .

والوقف على الأنهار حسن وليس بتام لأن قوله : كلما رزقوا منها من ثمرة من وصف الجنات ." رزقا " مصدره ، وقد تقدم القول في الرزق .ومعنى : من قبل يعني في الدنيا ، وفيه وجهان : أحدهما : أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا .

والثاني : هذا الذي رزقنا في الدنيا ; لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا ، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك وقيل : من قبل يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون ، فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها ، ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل ، يعني أطعمنا في أول النهار ; لأن لونه يشبه ذلك ، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول .وأتوا فعلوا من أتيت .

وقرأه الجماعة بضم الهمزة والتاء .

وقرأ هارون الأعور " وأتوا " بفتح الهمزة والتاء .

فالضمير في القراءة الأولى لأهل الجنة ، وفي الثانية للخدام ." به متشابها " حال من الضمير في به ، أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم .

قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم .

وقال عكرمة : يشبه ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات .

ابن عباس : هذا على وجه التعجب ، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء ، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها .

وقال قتادة : خيارا لا رذل فيه ، كقوله تعالى : كتابا متشابها وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه ; لأن فيها خيارا وغير خيار .ولهم فيها أزواج ابتداء وخبر .

وأزواج : جمع زوج .

والمرأة : زوج الرجل .

والرجل زوج المرأة .

قال الأصمعي : ولا تكاد العرب تقول زوجة .

وحكى الفراء أنه يقال : زوجة ، وأنشد الفرزدق :[ ص: 230 ]وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلهاوقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ، ولكن الله ابتلاكم .

ذكره البخاري ، واختاره الكسائي .مطهرة نعت للأزواج ومطهرة في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ ، ومعنى هذه الطهارة من الحيض والبصاق وسائر أقذار الآدميات .

ذكر عبد الرزاق قال : أخبرني الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : " مطهرة " قال : لا يبلن ولا يتغوطن ولا يلدن ولا يحضن ولا يمنين ولا يبصقن .

وقد أتينا على هذا كله في وصف أهل الجنة وصفة الجنة ونعيمها من كتاب التذكرة .

والحمد لله .وهم فيها خالدون : " هم " مبتدأ .

" خالدون " خبره ، والظرف ملغى .

ويجوز في غير القرآن نصب خالدين على الحال .

والخلود : البقاء ومنه جنة الخلد .

وقد تستعمل مجازا فيما يطول ، ومنه قولهم في الدعاء : خلد الله ملكه أي طوله .

قال زهير :ألا لا أرى على الحوادث باقيا ولا خالدا إلا الجبال الرواسياوأما الذي في الآية فهو أبدي حقيقة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر جزاء الكافرين, ذكر جزاء المؤمنين, أهل الأعمال الصالحات, على طريقته تعالى في القرآن يجمع بين الترغيب والترهيب, ليكون العبد راغبا راهبا, خائفا راجيا فقال: { وَبَشِّرِ } أي: [يا أيها الرسول ومن قام مقامه] { الَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بجوارحهم, فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة.

ووصفت أعمال الخير بالصالحات, لأن بها تصلح أحوال العبد, وأمور دينه ودنياه, وحياته الدنيوية والأخروية, ويزول بها عنه فساد الأحوال, فيكون بذلك من الصالحين, الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.

فبشرهم { أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ } أي: بساتين جامعة من الأشجار العجيبة, والثمار الأنيقة, والظل المديد, [والأغصان والأفنان وبذلك] صارت جنة يجتن بها داخلها, وينعم فيها ساكنها.

{ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } أي: أنهار الماء, واللبن, والعسل, والخمر، يفجرونها كيف شاءوا, ويصرفونها أين أرادوا, وتشرب منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار.

{ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } أي: هذا من جنسه, وعلى وصفه, كلها متشابهة في الحسن واللذة، ليس فيها ثمرة خاصة, وليس لهم وقت خال من اللذة, فهم دائما متلذذون بأكلها.

وقوله: { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قيل: متشابها في الاسم, مختلف الطعوم وقيل: متشابها في اللون, مختلفا في الاسم، وقيل: يشبه بعضه بعضا, في الحسن, واللذة, والفكاهة, ولعل هذا الصحيح ثم لما ذكر مسكنهم, وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم, ذكر أزواجهم, فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه, وأوضحه فقال: { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } فلم يقل \" مطهرة من العيب الفلاني \" ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق, مطهرات الخلق, مطهرات اللسان, مطهرات الأبصار، فأخلاقهن, أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن, وحسن التبعل, والأدب القولي والفعلي, ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني, والبول والغائط, والمخاط والبصاق, والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضا, بكمال الجمال, فليس فيهن عيب, ولا دمامة خلق, بل هن خيرات حسان, مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن, وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح.

ففي هذه الآية الكريمة, ذكر المبشِّر والمبشَّر, والمبشَّرُ به, والسبب الموصل لهذه البشارة، فالمبشِّر: هو الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من أمته، والمبشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشَّر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات، والسبب الموصل لذلك, هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة, إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة, على يد أفضل الخلق, بأفضل الأسباب.

وفيه استحباب بشارة المؤمنين, وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها [وثمراتها], فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنسان, توفيقه للإيمان والعمل الصالح، فذلك أول البشارة وأصلها، ومن بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصول إلى هذا النعيم المقيم، نسأل الله أن يجعلنا منهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وبشر الذين آمنوا ) أي أخبر والبشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه ويستعمل في الخير والشر وفي الخير أغلب ( وعملوا الصالحات ) أي الفعلات الصالحات يعني المؤمنين الذين هم من أهل الطاعات قال عثمان بن عفان رضي الله عنه ( وعملوا الصالحات ) أي أخلصوا الأعمال كما قال " فليعمل عملا صالحا " ( 110 - الكهف ) أي خاليا من الرياء .

قال معاذ : العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء .

العلم والنية والصبر والإخلاص .

( أن لهم جنات ) جمع الجنة والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة سميت بها لاجتنانها وتسترها بالأشجار .

وقال الفراء : الجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم ( تجري من تحتها ) أي من تحت أشجارها ومساكنها ( الأنهار ) أي المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري وقيل ( من تحتها ) أي بأمرهم لقوله تعالى حكاية عن فرعون " وهذه الأنهار تجري من تحتي " ( 51 - الزخرف ) أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه .

ومنه النهار .

وفي الحديث " أنهار الجنة تجري في غير أخدود .

.

.

" ]

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وَبَشِّر» أخبر «الذين آمنوا» صَّدقوا بالله «وعملوا الصالحات» من الفروض والنوافل «أن» أي بأن «لهم جناتِ» حدائق ذات أشجار ومساكن «تجري من تحتها» أي تحت أشجارها وقصورها «الأنهار» أي المياه فيها، والنهر الموضع الذي يجري فيه الماء لأن الماء ينهره أي يحفره وإسناد الجري إليه مجاز «كلما رزقوا منها» أطعموا من تلك الجنات.

«من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي» أي مثل ما «رزقنا من قبل» أي قبله في الجنة لتشابه ثمارها بقرينة «وأُتوا به» أي جيئوا بالرزق «متشابهاً» يشبه بعضه بعضا لونا ويختلف طعما «ولهم فيها أزواج» من الحور وغيرها «مطهَّرة» من الحيض وكل قذر «وهم فيها خالدون» ماكثون أبداً لا يفنون ولا يخرجون.

ونزل رداً لقول اليهود لما ضرب الله المثل بالذباب في قوله: (وإن يسلبهم الذباب شيئاً) والعنكبوت في قوله (كمثل العنكبوت) ما أراد الله بذكر هذه الأشياء؟

الخسيسة فأنزل الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأخبر -أيها الرسول- أهل الإيمان والعمل الصالح خبرًا يملؤهم سرورًا، بأن لهم في الآخرة حدائق عجيبة، تجري الأنهار تحت قصورها العالية وأشجارها الظليلة.

كلَّما رزقهم الله فيها نوعًا من الفاكهة اللذيذة قالوا: قد رَزَقَنا الله هذا النوع من قبل، فإذا ذاقوه وجدوه شيئًا جديدًا في طعمه ولذته، وإن تشابه مع سابقه في اللون والمنظر والاسم.

ولهم في الجنَّات زوجات مطهَّرات من كل ألوان الدنس الحسيِّ كالبول والحيض، والمعنوي كالكذب وسوء الخُلُق.

وهم في الجنة ونعيمها دائمون، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

البشارة : الخبر السار فهو أخص من الخبر ، سمى بذلك لأن أثره يظهر على البشرة وهي ظاهر جلد الإِنسان ، والمأمور بالتبشير هو النبي صلى الله عليه وسلم أو كل من يتأتى منه تفخيماً لأمره ، وتعظيماً لشأنه .والصلاحات : جمع صالحة وهي الفعلة الحسنة ، وهي من الصفات التي جرت مجرى الأسماء في إيلائها العوامل .والصالحات : جمع صالحة وهي الفعلة الحسنة ، وهي من الصفات التي جرت مجرى الأسماء في إيلائها العوامل .والجنات : جمع جنة ، وهي كل بستان ذي شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظل ما تحته ويستره ، من الجن وهو ستر الشيء عن الحاسة ، ثم صارت الجنة اسماً شرعياً لدار النعيم في الآخرة ، وهي سبع درجات :جنة الفردوس ، وجنة عدن ، وجنة النعيم ، ودار الخلد ، وجنة المأوى ، ودار السلام ، وعليون .

.

.

وتتفاوت منازل المؤمنين في كل درجة بتفاوت الأعمال الصالحة .والأنهار جمع نهر - بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح - وهو الأخدود الذي يجري فيه الماء على الأرض ، وهو مشتق من مادة نهر الدالة على الانشقاق والاتساع ، ويكون كبيراً أو صغيراً .وأسند إليه الجرى في الآية مع أن الذي يجري في الحقيقة هو الماء ، أخذاً بفن معروف بين البلغاء ، وهو إسناد الفعل إلى مكانه ، توسعاً في أساليب البيان .وقوله : " من تحتها " وارد على طريقة الإِيجاز بحذف كلمة " أشجار " اعتماداً على تبادرها إلى الذهن ، والمعنى : تجري من تحت أشجارها الأنهار .

ثم بين - سبحانه - أحوال هؤلاء المؤمنين الصالحين فقال :( كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ )أي : إن سكان الجنة كلما رزقوا في الجنة ثمرة من ثمراتها ، وجدوها مثل الذي رزقوه فيها من قبل ، في بلوغه الغاية من حسن المنظر ولذة الطعم .وفي هذا إِشارة إلى أن ثمار الجنة متماثلة في حسن منظرها ، ولذة طعمها بحيث لا تفضل ثمرة في ذلك على أخرى ، فجميع ثمرها يسر له القلب ، ويستحليه الذوق ، وإن اختلفت المناظر والطعوم .ثم قال - تعالى ( وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ) أي : يشبه بعضه بعضاً في الصورة والرائحة ، ويختلف في اللذة والطعم ، أو في المزية والحسن ، وعن ابن عباس : " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي "؛ وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها في معنى أن كل ثمر يشابه ما قبله في حسن المنظر ولذة الطعم مشابهة لا يفضل فيها ثمر الدنيا ، فإنه يتفاوت في مناظره حسناً ، وفي طعومه لذة .ويرى بعض العلماء حمل قوله - تعالى - : ( قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ) على تقدير : من قبل دخول الجنة ، أي هذا الذي رزقناه في الدنيا ، وإلى هذا الرأي مال صاحب الكشاف فقد قال : " فإن قلت : كيف قيل ." هذا الذي رزقنا من قبل؟

وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في الدنيا؟

قلت : معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل وشبهه ، بدليل قوله : ( وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ) فإن قلت : إلام يرجع الضمير في قوله : ( وَأُتُواْ بِهِ ) ؟

قلت : إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً ، لأن قوله : ( هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ) انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين .

فإن قلت : لأي غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة؟

قلت : لأن الإِنسان بالمألوف آنس؛ وإلى المعهود أميل ، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عن طبعه ، وعافته نفسه "ثم قال - تعالى - : ( وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .الأزواج : جمع زوج وهي المرأة يختص بها الرجل ، والضمير في " فيها " يعود إلى الجنات .والمعنى : أن لهؤلاء المؤمنين نساء مختصات بهم ، مطهرات غاية التطهير من كل دنس وقذر ، حسى ومعنى ، لا كنساء الدنيا ، وهم في هذه الجنات باقون على الدوام ، لأن النعيم إنما يتم باطمئنان صاحبه على أنه دائم ، أما إذا كان محتملا للزوال فإن صاحبه يبقى منغص البال ، إذ سيذكر أنه سيفقده في يوم من الأيام ، فجملة ( وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) جيء بها على سبيل الاحتراس من وهم الانقطاع .وبعد هذا البيان الجامع عن أحوال المهتدين بهديه أو الناكبين عن صراطه ، وما تخلل ذلك من المواعظ النافعة ، والتمثيلات الرائعة ، والبشارات الطيبة لمن آمن وعمل صالحاً ، بعد كل ذلك بين - سبحانه - أنه لا يعبأ أن يضرب مثلا بشء حقير أو غير حقير ، فقال - تعالى - :( إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الذين آمَنُواْ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين والبحث عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل، وبالنقل أخرى، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه: الوجه الأول: أن كثيراً ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر، ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي، وهذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل، مثاله ما حكم هاهنا بالنار للكفار، والجنة للأَبرار، وما أقام عليه دليلاً بل اكتفى بالدعوى، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ بلى وعداً عَلَيْهِ حَقّا ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُون  ﴾ وقال في سورة التغابن: ﴿ زَعَمَ الذين كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بلى وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ  ﴾ .

الوجه الثاني: أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناءً على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون ﴿ أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون ﴾ ، فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ  قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْءَاخِرِينَ  لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ  ﴾ ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة: أولها: قوله: ﴿ أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ  ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَٰلِقُونَ  ﴾ وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جداً، أولاً في أطراف العالم، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقاً إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى؟

فهذا تقرير هذه الحجة، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في سورة الحج: ﴿ يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَتَرَى الأرض هَامِدَةً  ﴾ ثم قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ  وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ  ﴾ وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ  ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تُبْعَثُونَ  ﴾ وقال في سورة لا أقسم: ﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ  ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ  ﴾ وقال في سورة الطارق: ﴿ فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ  خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ  يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ  ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ  ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ  ﴾ وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه من مطول مشقوق وغير مشقوق، كالأرز والشعير، ومدور ومثلث ومربع، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة، ففيهما جميعاً أولى، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظاً، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان، وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع في الأرض الندية ينفلق بإذن الله، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد، ومن الثاني الجزء الهابط، أما الصاعد فيصعد، وأما الهابط فيغوص في أعماق الأرض، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان: إحداهما: خفيف صاعد، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء.

ونظيره قوله تعالى في الحج: ﴿ وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ  ﴾ .

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ  ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ  ﴾ وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع، فلابد من قادر قاهر يقهر الطبع ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول.

وثانيها: أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها.

وثالثها: تسييرها بالرياح.

ورابعها: إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز، وكل ذلك يدل على جواز الحشر.

أما صعود الثقيل فلأنه قلب الطبيعة، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء؟

والثاني: لما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها؟

والثالث: تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا؟

والرابع: أنه تعالى أنشأ السحاب لحاجة الناس إليه فهاهنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى  ﴾ إلى قوله: ﴿ قَرِيبٌ مّنَ المحسنين  ﴾ ثم ذكر دليل الحشر فقال: ﴿ وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح  ﴾ إلى قوله: ﴿ كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ  ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ  ﴾ وجه الاستدلال أن النار صاعدة والشجرة هابطة، وأيضاً النار لطيفة، والشجرة كثيفة.

وأيضاً النار نورانية والشجرة ظلمانية، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها؟

والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة ياس فقال: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُم مّنَ الشجر الأخضر نَاراً  ﴾ .

واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر الهواء بقوله: ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظلمات البر والبحر  ﴾ إلى قوله: ﴿ أمن يبدؤ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ  ﴾ وذكر الأرض في الحج في قوله: ﴿ وَتَرَى الأرض هَامِدَةً  ﴾ فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر.

النوع الثاني: من الدلائل الدالة على إمكان الحشر: هو أنه تعالى يقول: لما كنت قادراً على الإيجاد أولاً فلأن أكون قادراً على الإعادة أولى.

وهذه الدلالة تقريرها في العقل ظاهر، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في البقرة: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ ومنها قوله في سبحان الذي: ﴿ وَقَالُوٓا أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا  قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا  ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ومنها في العنكبوت: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئ الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ  ﴾ ومنها قوله في الروم: ﴿ وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى  ﴾ ومنها في ياس: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، النوع الثالث: الاستدلال باقتداره على السموات على اقتداره على الحشر.

وذلك في آيات منها في سورة سبحان: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ  ﴾ وقال في ياس: ﴿ أَوَ لَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى وَهُوَ الخلاق العليم  ﴾ وقال في الأحقاف: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض وَلَمْ يَعْيىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيىِ الموتى بلى إِنَّهُ على كُلّ شَيء قَدِيرٌ  ﴾ ومنها في سورة ق: ﴿ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً  ﴾ إلى قوله: ﴿ رّزْقاً لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كذلك الخروج  ﴾ ثم قال: ﴿ أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ  ﴾ النوع الرابع: الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لابد من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات، منها في يونس ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط  ﴾ ومنها في طاه: ﴿ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى  ﴾ ومنها في ص: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَٰطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ ٱلنَّارِ  أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ  ﴾ النوع الخامس: الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله: ﴿ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كذلك يُحْيىِ الله الموتى  ﴾ ومنها قصة إبراهيم عليه السلام ﴿ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيىِ الموتى  ﴾ ومنها قوله: ﴿ أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا  ﴾ ومنها قصة يحيى وعيسى عليهما السلام فإنه تعالى استدل على إمكانهما بعين ما استدل به على جواز الحشر حيث قال: ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً  ﴾ ومنها في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال: ﴿ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا  ﴾ ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله: ﴿ وآتيناه أهله  ﴾ يدل على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى حيث قال: ﴿ ويحيي الموتى  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى  ﴾ ومنها قوله: ﴿ أَوْ لاَ يَذْكُرُ إلإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً  ﴾ فهذا هو الإشارة إلى أصول الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر، وسيأتي الاستقصاء في تفسير كل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله تعالى، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر، والدليل عليه قوله: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدًا  وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا  قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًا  ﴾ ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود ممكن الوجود في نفسه، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه حيث لم يقدر على إيجاد ما هو جائز الوجود في نفسه، أو على جهله حيث تعذر عليه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن المكلف الآخر، ومع القول بالعجز والجهل لا يصح إثبات النبوة فكان ذلك موجباً للكفر قطعاً والله أعلم.

المسألة الثانية: هذه الآيات صريحة في كون الجنة والنار مخلوقتين، أما النار فلأنه تعالى قال في صفتها: ﴿ أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ فهذا صريحة في أنها مخلوقة وأما الجنة فلأنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ ولأنه تعالى قال هاهنا: ﴿ وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار ﴾ وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله وحصول الملك في الحال يقتضي حصول المملوك في الحال فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان.

المسألة الثالثة: اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله: ﴿ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار ﴾ والمطعم بقوله: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ والمنكح بقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ ﴾ ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصاً فبين تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم فقال: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خالدون ﴾ فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر.

ولنتكلم الآن في ألفاظ الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ ﴾ ففيه سؤالات: الأول: علام عطف هذا الأمر؟

والجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه.

إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والضرب، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق.

وثانيها: أنه معطوف على قوله: ﴿ فاتقوا ﴾ كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم.

وثالثها: قرأ زيد بن علي ﴿ وَبَشّرِ ﴾ على لفظ المبني للمفعول عطفاً على أعدت.

السؤال الثاني: من المأمور بقوله وبشر؟

والجواب يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون كل أحد كما قال عليه الصلاة والسلام: «بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة» لم يأمر بذلك واحد بعينه، وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل، لأنه يؤذن بأن هذا الأمر لعظمته وفخامته حقيق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به.

السؤال الثالث: ما البشارة؟

الجواب: أنها الخبر الذي يظهر السرور، ولهذا قال الفقهاء إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم، لأنه هو الذي أفاد خبره السرور ولو قال مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعاً لأنهم جميعاً أخبروه، ومنه البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه، وأما ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ فمن الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك.

أما قوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا لزم التكرار وهو خلاف الأصل.

المسألة الثانية: من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال: كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة.

فإذا قيل له ما قولك فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم كفر قال إن هذا ممتنع لأن فعل الإيمان والطاعة، يوجب استحقاق الثواب الدائم، وفعل الكفر استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما محال، والقول أيضاً بالتحابط محال فلم يبق إلا أن يقال هذا الفرض الذي فرضتموه ممتنع، وإنما قلنا إن القول بالتحابط محال لوجوه: أحدها: أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أو لا يتضادا فإن تضادا كان طريان الطارئ مشروطاً بزوال الباقي، فلو كان زوال الباقي معللاً بطريان الطارئ لزم الدور وهو محال.

وثانيها: أن المنافاة حاصلة من الجانبين فليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ بقيام الباقي، فإما أن يوجدا معاً وهو محال أو يتدافعا فحينئذٍ يبطل القول بالمحابطة.

وثالثها: أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل، فإن تعادلا مثل أن يقال كان قد حصل استحقاق عشرة أجزاء من الثواب فطرأ استحقاق عشرة أجزاء من العقاب فنقول: استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل بإزالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب.

وإذا كان كذلك لم يكن تأثير هذا الجزء في إزالة هذا الجزء أولى من تأثيره في إزالة ذلك الجزء ومن تأثير جزء آخر في إزالته فأما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثراً في إزالة كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة مستقلة، وكل ذلك محال، وإما أن يختص كل واحد من الأجزاء الطارئة بواحد من الباقي من غير مخصص فذلك محال لامتناع ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وأما إن كان المقدم أكثر فالطارئ لا يزيل إلا بعض أجزاء الباقي، فلم يكن بعض أجزاء الباقي أن يزول به أولى من سائر الأجزاء فأما أن يزول الكل وهو محال، لأن الزائل لا يزول إلا بالناقص.

أو يتعين البعض للزوال من غير مخصص، وهو محال، أو لا يزول شيء منها وهو المطلوب، وأيضاً فهذا الطارئ إذا أزال بعض أجزاء الباقي فإما أن يبقى الطارئ، أو يزول.

أما القول ببقاء الطارئ فلم يقل به أحد من العقلاء.

وأما القول بزواله فباطل، لأنه إما أن يكون تأثير كل واحد منهما في إزالة الآخر معاً أو على الترتيب، والأول باطل لأن المزيل لابد وأن يكون موجوداً حال الإزالة، فلو وجد الزوالان معاً لوجد المزيلان معاً، فيلزم أن يوجدا حال ما عدما وهو محال وإن كان على الترتيب فالمغلوب يستحيل أن ينقلب غالباً، وأما إن كان المتقدم أقل فأما أن يكون المؤثر في زواله بعض أجزاء الطارئ، وذلك محال لأن جميع أجزائه صالح للإزالة، واختصاص البعض بذلك ترجيح من غير مرجح وهو محال، وإما أن يصير الكل مؤثراً في الإزالة فيلزم أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة وذلك محال، فقد ثبت بهذه الوجوه العقلية فساد القول بالإحباط، وعند هذا تعين في الجواب قولان: الأول: قول من اعتبر الموافاة، وهو أن شرط حصول الإيمان أن لا يموت على الكفر فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولاً كان كفراً وهذا قول ظاهر السقوط.

الثاني: أن العبد لا يستحق على الطاعة ثواباً ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجباً، وهو قول أهل السنّة واختيارنا، وبه يحصل الخلاص من هذه الظلمات.

المسألة الثالثة: احتج المعتزلة على أن الطاعة توجب الثواب فإن في حال ما بشرهم بأن لهم جنات لم يحصل ذلك لهم على طريق الوقوع، ولما لم يمكن حمل الآية عليه وجب حملها على استحقاق الوقوع لأنه يجوز التعبير بالوقوع عن استحقاق الوقوع مجازاً.

المسألة الرابعة: الجنة: البستان من النخل والشجر المتكاتف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنه إذا ستره كأنها سترة واحدة لفرط التفافها وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان، فإن قيل لم نكرت الجنات وعرفت الأنهار؟

الجواب: أما الأول فلأن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنات، وأما تعريف الأنهار فالمراد به الجنس كما يقال لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب يشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ  ﴾ وأما قوله: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ ﴾ فهذا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية لجنات.

أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل: إن لهم جنات لم يخل قلب السامع أن يقع فيه أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا أم لا؟

وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما وقع من ثمرة؟

الجواب فيه وجهان: الأول: هو كقولك كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئاً حمدتك فموقع من ثمرة موقع قولك من الرمان فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية، لأن الرزق قد ابتدأ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفردة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار.

الثاني: وهو أن يكون من ثمرة بياناً على منهاج قولك رأيت منك أسداً تريد أنت أسد، وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمرة أو الحبة الواحدة.

السؤال الثاني: كيف يصح أن يقولوا هذا الذي رزقنا الآن هو الذي رزقنا من قبل، الجواب: لما اتحد في الماهية وإن تغاير بالعدد صح أن يقال هذا هو ذاك أي بحسب الماهية فإن الوحدة النوعية لا تنافيها الكثرة بالشخص ولذلك إذا اشتدت مشابهة الابن بالأب قالوا إنه الأب.

السؤال الثالث: الآية تدل على أنهم شبهوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنة برزق آخر جاءهم قبل ذلك، فالمشبه به أهو من أرزاق الدنيا، أم من أرزاق الجنة؟

والجواب فيه وجهان: الأول: أنه من أرزاق الدنيا، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، فإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه ثم إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد ثم وجده أشرف مما ألفه أولاً عظم ابتهاجه وفرحه به، فأهل الجنة إذ أبصروا الرمانة في الدنيا ثم أبصروها في الآخرة ووجدوا رمانة الجنة أطيب وأشرف من رمانة الدنيا كان فرحهم بها أشد من فرحهم بشيء مما شاهدوه في الدنيا، والدليل الثاني: أن قوله: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا ﴾ يتناول جميع المرات فيتناول المرة الأولى فلهم في المرة الأولى من أرزاق الجنة شيء لابد وأن يقولوا هذا الذي رزقنا من قبل، ولا يكون قبل المرة الأولى شيء من أرزاق الجنة حتى يشبه ذلك به فوجب حمله على أرزاق الدنيا، القول الثاني: أن المشبه به رزق الجنة أيضاً والمراد تشابه أرزاقهم ثم اختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين: الأول: المراد تساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص.

الثاني: المراد تشابهها في المنظر فيكون الثاني كأنه الأول على ما روي عن الحسن ثم هؤلاء مختلفون فمنهم من يقول الاشتباه كما يقع في المنظر يقع في المطعم، فإن الرجل إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق به نفسه إلا بمثله، فإذا جاء ما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة ومنهم من يقول إنه وإن حصل الاشتباه في اللون لكنها تكون مختلفة في الطعم، قال الحسن يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل، فيقول الملك كل فاللون واحد والطعم مختلف، وفي الآية قول ثالث على لسان أهل المعرفة، وهو أن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات الله تعالى: ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات لأرواح وعالم السموات وبالجملة يجب أن يصير روح الإنسان كالمرآة المحاذية لعالم القدس ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا ولا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج، لما أن العلائق البدنية تعوق عن ظهور تلك السعادات واللذات، فإذا زال هذا العائق حصلت السعادة العظيمة والغبطة الكبرى، فالحاصل أن كل سعادة روحانية يجدها الإنسان بعد الموت فإنه يقول هذه هي التي كانت حاصلة لي حين كنت في الدنيا وذلك إشارة إلى أن الكمالات النفسانية الحاصلة في الآخرة هي التي كانت حاصلة في الدنيا إلا أنها في الدنيا ما أفادت اللذة والبهجة والسرورة وفي الآخرة أفادت هذه الأشياء لزوال العائق.

أما قوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ متشابها ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: إلام يرجح الضمير في قوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ ﴾ ؟

الجواب: إن قلنا المشبه به هو رزق الدنيا فإلى الشيء المرزوق في الدنيا والآخرة يعني أتوا بذلك النوع متشابهاً يشبه الحاصل منه في الآخرة ما كان حاصلاً منه في الدنيا، وإن قلنا المشبه به هو رزق الجنة أيضاً، فإلى الشيء المرزوق في الجنة، يعني أتوا بذلك النوع في الجنة بحيث يشبه بعضه بعضاً.

السؤال الثاني: كيف موقع قوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ متشابها ﴾ من نظم الكلام؟

والجاب: أن الله تعالى لما حكى عن أهل الجنة ادعاء تشابه الأرزاق في قوله: ﴿ قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ فالله تعالى صدقهم في تلك الدعوة بقوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ متشابها ﴾ أما قوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ ﴾ فالمراد طهارة أبدانهن من الحيض والاستحاضة وجميع الأقذار وطهارة أزواجهن من جميع الخصال الذميمة، ولا سيما ما يختص بالنساء، وإنما حملنا اللفظ على الكل لاشتراك القسمين في قدر مشترك، قال أهل الإشارة.

وهذا يدل على أنه لابد من التنبه لمسائل.

أحدها: أن المرأة إذا حاضت فالله تعالى منعك عن مباشرتها قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء فِي المحيض  ﴾ فإذا منعك عن مقاربتها لما عليها من النجاسة التي هي معذورة فيها فإذا كانت الأزواج اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن حال كونك ملوثاً بنجاسات المعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى.

وثانيها: أن من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون ولذلك فإن آدم لما أتى بالزلة أخرج منها.

وثالثها: من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تصح صلاته عند الشافعي رضي الله عنه، فمن كان على قلبه من نجاسات المعاصي أعظم من الدنيا كيف تقبل صلاته وهاهنا سؤالان: الأول: هلا جاءت الصفة مجموعة كالموصوف؟

الجواب: هما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلن والنساء فعلت.

ومنه بيت الحماسة: فوإذا العذارى بالدخان تقنعت *** واستعملت نصب القدور فملت والمعنى وجماعة أزواج مطهرة، وقرأ زيد بن علي: مطهرات وقرأ عبيد بن عمير: مطهرة يعني متطهرة.

السؤال الثاني: هلا قيل طاهرة؟

الجواب: في المطهرة إشعار بأن مطهراً طهرهن وليس ذلك إلا الله تعالى، وذلك يفيد فخامة أمر أهل الثواب كأنه قيل إن الله تعالى هو الذي زينهن لأهل الثواب.

أما قوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خالدون ﴾ فقالت المعتزلة الخلد هاهنا هو الثبات اللازم والبقاء الدائم الذي لا ينقطع واحتجوا عليه بالآية والشعر، أما الآية فقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ الخالدون  ﴾ فنفي الخلد عن البشر مع أنه تعالى أعطى بعضهم العمر الطويل، والمنفي غير المثبت، فالخلد هو البقاء الدائم وأما الشعر فقول امرئ القيس: وهل يعمن إلا سعيد مخلد *** قليل هموم ما يبيت بأوجال وقال أصحابنا: الخلد هو الثبات الطويل سواء دام أو لم يدم واحتجوا فيه بالآية والعرف أما الآية فقوله تعالى: ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد لكان ذلك تكراراً وأما العرف فيقال حبس فلان فلاناً حبساً مخلداً ولأنه يكتب في صكوك الأوقاف وقف فلان وقفاً مخلداً فهذا هو الكلام في أن هذا اللفظ هل يدل على دوام الثواب أم لا؟

وقال آخرون العقل يدل على دوامه لأنه لو لم يجب دوامه لجوزوا انقطاعه فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة لأن النعمة كلما كانت أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعاً في القلب وذلك يقتضي أن لا ينفك أهل الثواب البتة من الغم والحسرة والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف.

فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب.

فإن قلت: من المأمور بقوله تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ ﴾ ؟

قلت: يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون كل أحد.

كما قال عليه الصلاة والسلام: «بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة» لم يأمر بذلك واحداً بعينه.

وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل؛ لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به.

فإن قلت: علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟

قلت: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه؛ إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، فهي معطوفة على جمة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق.

ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: (فاتقوا) كما تقول: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم.

وفي قراءة زيد بن عليّ رضي الله عنه: ﴿ وَبَشِّرِ ﴾ على لفظ المبنيّ للمفعول عطفاً على (أعدت).

والبشارة: الإخبار مما يظهر سرور المخبر به.

ومن ثم قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حرّ، فبشروه فرادى، عتق أوّلهم، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين.

ولو قال مكان (بشرني) (أخبرني) عتقوا جميعاً، لأنهم جميعاً أخبروه.

ومنه: البشرة لظاهر الجلد.

وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه.

وأما ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21] فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به وتألمه واغتمامه، كما يقول الرجل لعدوّه: أبشر بقتل ذرّيتك ونهب مالك.

ومنه قوله: فَأعْتَبُوا بِالصَّيْلَم والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم، قال الحطيئة: كيْفَ الهَجاءُ وما تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ ** مِنْ آل لأْمٍ بظهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي والصالحات: كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة، واللام للجنس.

فإن قلت: أي فرق بين لام الجنس داخلة على المفرد، وبينها داخلة على المجموع؟

قلت: إذا دخلت على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه.

وإذا دخلت على المجموع، صلح أن يراد به جميع الجنس، وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه؛ لأن وزانه في تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنسية، والجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه.

فإن قلت: فما المراد بهذا المجموع مع اللام؟

قلت: الجملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف.

والجنة: البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه.

قال زهير: تَسقِي جَنَّةً سُحُقَا أي نخلاً طوالاً.

والتركيب دائر على معنى الستر، وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرّة، من مصدر جنه إذا ستره، كأنها سترة واحدة لفرط التفافها.

وسميت دار الثواب (جنة) لما فيها من الجنان.

فإن قلت: الجنة مخلوقة أم لا؟

قلت: قد اختلف في ذلك.

والذي يقول إنها مخلوقة يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام، كالنبي والرسول والكتاب ونحوها.

فإن قلت: ما معنى جمع الجنة وتنكيرها؟

قلت: الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان، فإن قلت: أما يشترط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل الصالح أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر؛ وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية؟

فهلا شرط ذلك؟

قلت: لما جعل الثواب مستحقاً بالإيمان والعمل الصالح، والبشارة مختصة بمن يتولاهما، وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء، إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه، وأنه لا يبقى مع وجود مفسده إحساناً، واعلم بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الناس عليه وأعزهم: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] ، وقال تعالى للمؤمنين: ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أعمالكم ﴾ [الحجرات: 2] كان اشتراط حفظهما من الإحباط والندم كالداخل تحت الذكر.

فإن قلت: كيف صورة جري الأنهار من تحتها؟

قلت: كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية.

وعن مسروق: أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود.

وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطردة.

ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم فائتاً، والسرور الأوفر مفقوداً، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها، لما جاء الله تعالى بذكر الجنات مشفوعاً بذكر الأنهار الجارية من تحتها مسوقين على قرن واحد كالشيئين لابد لأحدهما من صاحبه، ولما قدّمه على سائر نعوتها.

والنهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر.

يقال لبردى: نهر دمشق، وللنيل: نهر مصر.

واللغة العالية (النهر) بفتح الهاء.

ومدار التركيب على السعة، وإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد المجازي كقولهم: بنو فلان يطؤهم الطريق، وصيد عليه يومان.

فإن قلت: لم نكرت الجنات وعرّفت الأنهار.

قلت: أما تنكير الجنات فقد ذكر.

وأما تعريف الأنهار فأن يراد الجنس، كما تقول: لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب.

أو يراد أنهارها، فعوّض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله: ﴿ واشتعل الرأس شَيْباً ﴾ [مريم: 4] .

أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ [محمد: 15] الآية.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ ﴾ لا يخلو من أن يكون صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛ لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا، أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس؟

فقيل إنّ ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا، أي أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله.

فإن قلت: ما موقع من ﴿ مِن ثَمَرَةٍ ﴾ ؟

قلت: هو كقولك: كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئاً حمدتك.

فموقع ﴿ مِن ثَمَرَةٍ ﴾ موقع قولك من الرمان، كأنه قيل: كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو عنبها أو غير ذلك رزقاً قالوا ذلك.

فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأنّ الرزق قد ابتدئ من الجنات، والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة.

وتنزيله تنزيل أن تقول: رزقني فلان، فيقال لك: من أين؟

فتقول: من بستانه، فيقال: من أي ثمرة رزقك من بستانه؟

فتقول: من رمّان.

وتحريره أن ﴿ رزقوا ﴾ جعل مطلقاً مبتدأ من ضمير الجنات، ثم جعل مقيداً بالابتداء من ضمير الجنات، مبتدأ من ثمرة، وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار.

ووجه آخر: وهو أن يكون ﴿ مِن ثَمَرَةٍ ﴾ بياناً على منهاج قولك: رأيت منك أسداً.

تريد أنت أسد.

وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار، والجنات الواحدة.

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في الدنيا؟

قلت: معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل.

وشبهه بدليل قوله وأتوا به متشابهاً، وهذا كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته.

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ ﴾ ؟

قلت: إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً؛ لأنّ قوله: ﴿ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا ﴾ [النساء: 135] أي بجنسي الغني والفقير لدلالة قوله: غنياً أو فقيراً على الجنسين.

ولو رجع الضمير إلى المتكلم به لقيل أولى به على التوحيد.

فإن قلت: لأي غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة، وما بال ثمر الجنة لم يكن أجناساً أخر؟

قلت: لأنّ الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدّم معه ألف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتاً بينه وبين ما عهد بليغاً، أفرط ابتهاجه واغتباطه، وطال استعجابه واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به.

ولو كان جنساً لم يعهده وإن كان فائقاً، حسب أنّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين.

فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم، وأن الكبرى لا تفضل عن حدّ البطيخة الصغيرة، ثم يبصرون رمّانة الجنة تشبع السكن.

والنبقة من نبق الدنيا في حجم الفلكة، ثم يرون نبق الجنة كقلال هجر، كما رأوا ظل الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده، ثم يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين للفضل، وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما.

وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية وتمام الفضيلة، وعلى أنّ ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم، ويستدعي تبجحهم في كل أوان.

عن مسروق: «نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وأنهارها تجري في غير أخدود، والعنقود أثنا عشر ذراعاً» .

ويجوز أن يرجع الضمير في (أتوا به) إلى الرزق، كما أن هذا إشارة إليه، ويكون المعنى: أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه، كما يحكى عن الحسن: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فيقول الملك: كل، فاللون واحد والطعم مختلف.

وعنه صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدّل الله مكانها مثلها» فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك.

والتفسير الأوّل هو هو.

فإن قلت: كيف موقع قوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ متشابها ﴾ من نظم الكلام؟

قلت: هو كقولك: فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل.

ورأى من الرأي كذا وكان صواباً.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وكذلك يَفْعَلُونَ ﴾ [النمل: 34] وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير.

والمراد بتطهير الأزواج: أن طهرن مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس.

ويجوز لمجيئه مطلقاً: أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع وطبع الأخلاق الذي عليه نساء الدنيا، مما يكتسبن بأنفسهنّ، ومما يأخذنه من أعراق السوء والمناصب الرديئة والمناشئ المفسدة، ومن سائر عيوبهنّ ومثالهنّ وخبثهنّ وكيدهنّ.

فإن قلت: فهلاّ جاءت الصفة مجموعة كما في الموصوف؟

قلت: هما لغتان فصيحتان.

يقال: النساء فعلن، وهنّ فاعلات وفواعل، والنساء فعلت، وهي فاعلة.

ومنه بيت الحماسة: وإذَا العَذَارَى بالدُّخَانِ تَقَنَّعَتْ ** واسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فملَّتِ والمعنى وجماعة أزواج مطهرة.

وقرأ زيد بن علي ﴿ مطهرات ﴾ وقرأ عبيد بن عمير: ﴿ مُّطَهَّرةٌ ﴾ ، بمعنى متطهرة.

وفي كلام بعض العرب: ما أحوجني إلى بيت الله.

فأطهر به أطهرة.

أي فأتطهر به تطهرة.

فإن قلت: هلا قيل طاهرة؟

قلت: في ﴿ مُّطَهَّرةٌ ﴾ فخامة لصفتهنّ ليست في طاهرة، وهي الإشعار بأن مطهراً طهرهنّ.

وليس ذلك إلا الله عزّ وجلّ المريد بعباده الصالحين أن يخوّلهم كلّ مزية فيما أعدّ لهم.

والخلد: الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع.

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ الخالدون ﴾ [الأنبياء: 34] .

وقال امرؤ القيس: ألاَ أنْعَمْ صَبَاحاً أيُّها الطَّلَلُ البَالِي ** وهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالي وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعيدٌ مُخَلّدٌ ** قَلِيلُ الهُمُومِ مَا يَبِيتُ بأوْجَالِ <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والمَقْصُودُ عَطْفُ حالِ مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ ووَصْفِ ثَوابِهِ، عَلى حالِ مَن كَفَرَ بِهِ، وكَيْفِيَّةِ عِقابِهِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ مِن أنْ يَشْفَعَ التَّرْغِيبَ بِالتَّرْهِيبِ، تَنْشِيطًا لِاكْتِسابِ ما يُنْجِي، وتَثْبِيطًا عَنِ اقْتِرافِ ما يُرْدِي، لا عَطْفُ الفِعْلِ نَفْسِهِ حَتّى يَجِبَ أنْ يُطْلَبَ لَهُ ما يُشاكِلُهُ مِن أمْرٍ أوْ نَهْيٍ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ أوْ عَلى ﴿ فاتَّقُوا ﴾ ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَأْتُوا بِما يُعارِضُهُ بَعْدَ التَّحَدِّي ظَهَرَ إعْجازُهُ، وإذا ظَهَرَ ذَلِكَ فَمَن كُفْرٍ بِهِ اسْتَوْجَبَ العِقابَ، ومَن آمَنَ بِهِ اسْتَحَقَّ الثَّوابَ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يُخَوِّفَ هَؤُلاءِ ويُبَشِّرَ هَؤُلاءِ، وإنَّما أمَرَ الرَّسُولَ  ، أوْ عالِمَ كُلِّ عَصْرِ، أوْ كُلِّ أحَدٍ يَقْدِرُ عَلى البِشارَةِ بِأنْ يُبَشِّرَهم.

ولَمْ يُخاطِبْهم بِالبِشارَةِ كَما خاطَبَ الكَفَرَةَ، تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ وإيذانًا بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُبَشَّرُوا ويُهَنَّأُوا بِما أُعِدَّ لَهم.

وَقُرِئَ « وبُشِّرَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلى أُعِدَّتْ فَيَكُونُ اسْتِئْنافًا.

والبِشارَةُ: الخَبَرُ السّارُّ فَإنَّهُ يَظْهَرُ أثَرُ السُّرُورِ في البَشْرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: البِشارَةُ هي الخَبَرُ الأوَّلُ، حَتّى لَوْ قالَ الرَّجُلُ لِعَبِيدِهِ: مَن بَشَّرَنِي بِقُدُومِ ولَدِي فَهو حُرٌّ، فَأخْبَرُوهُ فُرادى عَتَقَ أوَلُهُمْ، ولَوْ قالَ: مَن أخْبَرَنِي، عَتَقُوا جَمِيعًا، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ فَعَلى التَّهَكُّمِ أوْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ.

وَ ﴿ الصّالِحاتِ ﴾ جُمَعُ صالِحَةٍ وهي مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرى الأسْماءِ كالحَسَنَةِ، قالَ الحُطَيْئَةُ: كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ...

مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي وَهِيَ مِنَ الأعْمالِ ما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ وحَسَّنَهُ، وتَأْنِيثُها عَلى تَأْوِيلِ الخَصْلَةِ، أوِ الخَلَّةِ، واللّامُ فِيها لِلْجِنْسِ، وعَطَفَ العَمَلَ عَلى الإيمانِ مُرَتِّبًا لِلْحُكْمِ عَلَيْهِما إشْعارًا بِأنَّ السَّبَبَ في اسْتِحْقاقِ هَذِهِ البِشارَةِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ والجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّحْقِيقِ والتَّصْدِيقِ أُسٌّ، والعَمَلُ الصّالِحُ كالبِناءِ عَلَيْهِ، ولا غِناءَ بَأُسٍّ لا بِناءَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قَلَّما ذُكِرا مُنْفَرِدَيْنِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها خارِجَةٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ، إذِ الأصْلُ أنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ ولا عَلى ما هو داخِلٌ فِيهِ.

﴿ أنَّ لَهُمْ ﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ، أوْ مَجْرُورٌ بِإضْمارِهِ مِثْلَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ.

والجَنَّةُ: المَرَّةُ مِنَ الجَنِّ وهو مَصْدَرُ جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، ومَدارُ التَّرْكِيبِ عَلى السَّتْرِ، سُمِّيَ بِها الشَّجَرُ المُظَلِّلُ لِالتِفافِ أغْصانِهِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ يَسْتُرُ ما تَحْتَهُ سُتْرَةً واحِدَةً قالَ زُهَيْرٌ: كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مَقْتَلَةٍ...

∗∗∗ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أيْ نَخْلًا طُوالًا، ثُمَّ البُسْتانُ لِما فِيهِ مِنَ الأشْجارِ المُتَكاثِفَةِ المُظَلَّلَةِ، ثُمَّ دارُ الثَّوابِ لِما فِيها مِنَ الجِنانِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَتَرَ في الدُّنْيا ما أعَدَّ فِيها لِلْبَشَرِ مِن أفْنانِ النِّعَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ وجَمْعُها وتَنْكِيرُها لِأنَّ الجِنانَ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما سَبْعٌ: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، وجَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ النَّعِيمِ، ودارُ الخُلْدِ، وجَنَّةُ المَأْوى، ودارُ السَّلامِ، وعِلِّيُّونَ، وفي كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مَراتِبُ ودَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ الأعْمالِ والعُمّالِ.

واللّامُ في ﴿ لَهُمْ ﴾ تَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ إيّاها، لِأجْلِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لا لِذاتِهِ فَإنَّهُ لا يُكافِئُ النِّعَمَ السّابِقَةَ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَقْتَضِيَ ثَوابًا وجَزاءً فِيما يَسْتَقْبِلُ بَلْ بِجُعْلِ الشّارِعِ، ومُقْتَضى وعْدِهِ تَعالى لا عَلى الإطْلاقِ، بَلْ بِشَرْطِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ حَتّى يَمُوتَ وهو مُؤْمِنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ  ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ وأشْباهِ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يُقَيِّدْ هاهُنا اسْتِغْناءً بِها.

﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها، كَما تَراها جارِيَةً تَحْتَ الأشْجارِ النّابِتَةِ عَلى شَواطِئِها.

وعَنْ مَسْرُوقٍ: أنْهارُ الجَنَّةِ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ: واللّامُ في الأنْهارِ لِلْجِنْسِ، كَما في قَوْلِكَ لِفُلانٍ: بُسْتانٌ في الماءِ الجارِي، أوْ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودِ: هي الأنْهارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ الآيَةَ.

والنَّهَرُ بِالفَتْحِ والسُّكُونِ: المَجْرى الواسِعُ فَوْقَ الجَدْوَلِ ودُونَ البَحْرِ، كالنِّيلِ والفُراتِ، والتَّرْكِيبُ لِلسَّعَةِ، والمُرادُ بِها ماؤُها عَلى الإضْمارِ، أوِ المَجازِ، أوِ المَجارِي أنْفُسِها.

وإسْنادُ الجَرْيِ إلَيْها مَجازٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها ﴾ الآيَةَ.

﴿ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِجَنّاتٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ.

كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: إنَّ لَهم جَنّاتٍ، وقَعَ في خُلْدِ السّامِعِ أثْمارُها مِثْلَ ثِمارِ الدُّنْيا، أوْ أجْناسٍ أُخَرَ فَأُزِيحَ بِذَلِكَ، و ﴿ كُلَّما ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، و ﴿ رِزْقًا ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، ومِنَ الأُولى والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ واقِعَتانِ مَوْقِعَ الحالِ، وأصْلُ الكَلامِ ومَعْناهُ: كُلَّ حِينٍ رُزِقُوا مَرْزُوقًا مُبْتَدَأٌ مِنَ الجَنّاتِ مُبْتَدَأُ ﴿ مِن ثَمَرَةٍ ﴾ ، قَيَّدَ الرِّزْقَ بِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً مِنَ الجَنّاتِ، وابْتِداؤُهُ مِنها بِابْتِدائِهِ مِن ثَمَرَةٍ فَصاحِبُ الحالِ الأُولى ﴿ رِزْقًا ﴾ وصاحِبُ الحالِ الثّانِيَةِ ضَمِيرُهُ المُسْتَكِنُّ في الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن ثَمَرِهِ بَيانًا تَقَدَّمَ كَما في قَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا، وهَذا إشارَةٌ إلى نَوْعِ ما رُزِقُوا كَقَوْلِكَ مُشِيرًا إلى نَهْرٍ جارٍ: هَذا الماءُ لا يَنْقَطِعُ، فَإنَّكَ لا تَعْنِي بِهِ العَيْنَ المُشاهَدَةَ مِنهُ، بَلِ النَّوْعَ المَعْلُومَ المُسْتَمِرَّ بِتَعاقُبِ جَرَيانِهِ وإنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى عَيْنِهِ، فالمَعْنى هَذا مِثْلُ رِزْقِنا ولَكِنْ لَمّا اسْتَحْكَمَ الشَّبَهُ بَيْنَهُما جَعَلَ ذاتَهُ ذاتَهُ كَقَوْلِكَ: أبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا في الدُّنْيا، جَعَلَ ثَمَرَ الجَنَّةِ مِن جِنْسِ ثَمَرِ الدُّنْيا لِتَمِيلَ النَّفْسُ إلَيْهِ أوَّلَ ما يُرى، فَإنَّ الطِّباعَ مائِلَةٌ إلى المَأْلُوفِ مُتَنَفِّرَةٌ عَنْ غَيْرِهِ، ويَتَبَيَّنُ لَها مَزِيَّتُهُ وكُنْهُ النِّعْمَةِ فِيهِ، إذْ لَوْ كانَ جِنْسًا لَمْ يُعْهَدْ ظُنَّ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، أوْ في الجَنَّةِ لِأنَّ طَعامَها مُتَشابِهٌ في الصُّورَةِ، كَما حَكى ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: (أنَّ أحَدَهم يُؤْتى بِالصَّحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنها، ثُمَّ يُؤْتى بِأُخْرى فَيَراها مِثْلَ الأُولى فَيَقُولُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ المَلَكُ: كُلْ فاللَّوْنُ واحِدٌ والطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ) .

أوْ كَما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لَيَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ لِيَأْكُلَها فَما هي بِواصِلَةٍ إلى فِيهِ، حَتّى يُبَدِّلَ اللَّهُ تَعالى مَكانَها مِثْلَها» .

فَلَعَلَّهم إذا رَأوْها عَلى الهَيْئَةِ الأُولى قالُوا ذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِمُحافَظَتِهِ عَلى عُمُومِ ﴿ كُلَّما ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَرْدِيدِهِمْ هَذا القَوْلَ كُلَّ مَرَّةٍ رُزِقُوا، والدّاعِي لَهم إلى ذَلِكَ فَرْطُ اسْتِغْرابِهِمْ وتَبَجُّحِهِمْ بِما وجَدُوا مِنَ التَّفاوُتِ العَظِيمِ في اللَّذَّةِ والتَّشابُهِ البَلِيغِ في الصُّورَةِ.

﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ﴾ اعْتِراضٌ يُقَرِّرُ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ عَلى الأوَّلِ راجِعٌ إلى ما رُزِقُوا في الدّارَيْنِ فَإنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿ هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما ﴾ أيْ بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وعَلى الثّانِي إلى الرِّزْقِ.

فَإنْ قِيلَ: التَّشابُهُ هو التَّماثُلُ في الصِّفَةِ، وهو مَفْقُودٌ بَيْنَ ثَمَراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَيْسَ في الجَنَّةِ مِن أطْعِمَةِ الدُّنْيا إلّا الأسْماءُ.

قُلْتُ: التَّشابُهُ بَيْنَهُما حاصِلٌ في الصُّورَةِ الَّتِي هي مَناطُ الِاسْمِ دُونَ المِقْدارِ والطَّعْمِ، وهو كافٍ في إطْلاقِ التَّشابُهِ.

هَذا: وإنَّ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ مَحْمَلًا آخَرَ، وهو أنَّ مُسْتَلَذّاتِ أهْلِ الجَنَّةِ في مُقابَلَةِ ما رُزِقُوا في الدُّنْيا مِنَ المَعارِفِ والطّاعاتِ مُتَفاوِتَةٌ في اللَّذَّةِ بِحَسَبِ تَفاوُتِها، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿ هَذا الَّذِي رُزِقْنا ﴾ أنَّهُ ثَوابُهُ، ومِن تَشابُهِهِما تَماثُلُهُما في الشَّرَفِ والمَزِيَّةِ وعُلُوِّ الطَّبَقَةِ، فَيَكُونُ هَذا في الوَعْدِ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في الوَعِيدِ.

﴿ وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ ويُذَمُّ مِن أحْوالِهِنَّ، كالحَيْضِ والدَّرَنِ ودَنَسِ الطَّبْعِ وسُوءِ الخُلُقِ، فَإنَّ التَّطْهِيرَ يُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ والأخْلاقِ والأفْعالِ.

وقُرِئَ: « مُطَهَّراتٌ» وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ يُقالُ: النِّساءُ فَعَلَتْ وفَعَلْنَ، وهُنَّ فاعِلَةٌ وفَواعِلُ، قالَ: وإذا العَذارى بِالدُّخانِ تَقَنَّعَتْ...

∗∗∗ واسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فَمَلَّتِ فالجَمْعُ عَلى اللَّفْظِ، والإفْرادُ عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ، ومُطَهَّرَةٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ بِمَعْنى مُتَطَهَّرَةٍ، ومُطَهَّرَةٌ أبْلَغُ مِن طاهِرَةٍ، ومُطَهَّرَةٌ لِلْإشْعارِ بِأنْ مُطَهِّرًا طَهَّرَهُنَّ ولَيْسَ هو إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

والزَّوْجُ يُقالُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، وهو في الأصْلِ لِما لَهُ قَرِينٌ مِن جِنْسِهِ كَزَوْجِ الخُفِّ، فَإنْ قِيلَ: فائِدَةُ المَطْعُومِ هو التَّغَذِّي ودَفْعُ ضَرَرِ الجُوعِ، وفائِدَةُ المَنكُوحِ التَّوالُدُ وحِفْظُ النَّوْعِ، وهي مُسْتَغْنًى عَنْها في الجَنَّةِ.

قُلْتُ: مَطاعِمُ الجَنَّةِ ومَناكِحُها وسائِرُ أحْوالِها إنَّما تُشارِكُ نَظائِرَها الدُّنْيَوِيَّةَ في بَعْضِ الصِّفاتِ والِاعْتِباراتِ، وتُسَمّى بِأسْمائِها عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ والتَّمْثِيلِ، ولا تُشارِكُها في تَمامِ حَقِيقَتِها حَتّى تَسْتَلْزِمَ جَمِيعَ ما يَلْزَمُها وتُفِيدَ عَيْنَ فائِدَتِها.

﴿ وَهم فِيها خالِدُونَ ﴾ دائِمُونَ.

والخُلْدُ والخُلُودُ في الأصْلِ الثَّباتِ المَدِيدِ دامَ أمْ لَمْ يَدُمْ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْأثافِيِّ والأحْجارِ خَوالِدُ، ولِلْجُزْءِ الَّذِي يَبْقى مِنَ الإنْسانِ عَلى حالِهِ ما دامَ حَيًّا خَلَدٌ، ولَوْ كانَ وضْعُهُ لِلدَّوامِ كانَ التَّقْيِيدُ بِالتَّأْبِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ لَغْوًا واسْتِعْمالُهُ حَيْثُ لا دَوامَ، كَقَوْلِهِمْ وقَفَ مُخَلَّدٌ، يُوجِبُ اشْتِراكًا، أوْ مَجازًا.

والأصْلُ يَنْفِيهِما بِخِلافِ ما لَوْ وُضِعَ لِلْأعَمِّ مِنهُ فاسْتُعْمِلَ فِيهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، كَإطْلاقِ الجِسْمِ عَلى الإنْسانِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ ﴾ لَكِنَّ المُرادَ بِهِ هاهُنا الدَّوامُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِما يَشْهَدُ لَهُ مِنَ الآياتِ والسُّنَنِ.

فَإنْ قِيلَ: الأبْدانُ مُرَكَّبَةٌ مِن أجْزاءٍ مُتَضادَّةِ الكَيْفِيَّةِ، مُعَرَّضَةٍ لِلِاسْتِحالاتِ المُؤَدِّيَةِ إلى الِانْفِكاكِ والِانْحِلالِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ خُلُودُها في الجِنانِ.

قُلْتُ: إنَّهُ تَعالى يُعِيدُها بِحَيْثُ لا يَعْتَوِرُها الِاسْتِحالَةُ بِأنْ يَجْعَلَ أجْزاءَها مَثَلًا مُتَقاوِمَةً في الكَيْفِيَّةِ، مُتَساوِيَةً في القُوَّةِ لا يَقْوى شَيْءٌ مِنها عَلى إحالَةِ الآخَرِ، مُتَعانِقَةً مُتَلازِمَةً لا يَنْفَكُّ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ كَما يُشاهَدُ في بَعْضِ المَعادِنِ.

هَذا وإنَّ قِياسَ ذَلِكَ العالَمِ وأحْوالِهِ عَلى ما نَجِدُهُ ونُشاهِدُهُ مِن نَقْصِ العَقْلِ وضَعْفِ البَصِيرَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ مُعْظَمُ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ مَقْصُورًا عَلى: المَساكِنِ والمَطاعِمِ، والمَناكِحِ، عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْراءُ كانَ مِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ الدَّوامَ والثَّباتَ، فَإنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ جَلِيلَةٍ إذا قارَنَها خَوْفُ الزَّوالِ كانَتْ مُنَغِّصَةً غَيْرَ صافِيَةٍ مِن شَوائِبِ الألَمِ، بَشَّرَ المُؤْمِنِينَ بِها ومَثَّلَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ بِأبْهى ما يُسْتَلَذُّ بِهِ مِنها، وأزالَ عَنْهم خَوْفَ الفَواتِ بِوَعْدِ الخُلُودِ لِيَدُلَّ عَلى كَمالِهِمْ في التَّنَعُّمِ والسُّرُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله {وبشر

الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} والمأمور بقوله وبشر الرسول عليه السلام أو كل أحد وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به وهو معطوف على فاتقوا كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم أو جملة وصف ثواب المؤمنين معطوفة على جملة

البقرة (٢٥)

وصف عقاب الكافرين كقولك زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمراً بالعفو والإطلاق والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ومن ثم قال العلماء إذا قال لعبده أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين ولو قال أخبرني مكان بشرني عتقوا جميعاً لأنهم أخبروه ومنه البشرى لظاهر الجلد وتباشير الصبح ما ظهر من اوائل ضوئه واما فبشرهم بعذاب اليم فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد فى غيظ المستهزأبه كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك والصالحة نحوالحسنة في جريها مجرى الاسم والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة واللام للجنس والآية حجة على من جعل الأعمال إيماناً لأنه عطف الأعمال الصالحة على الإيمان والمعطوف غير المعطوف عليه ولا يقال إنكم تقولون يجوز أن يدخل المؤمن الجنة بدون الأعمال الصالحة والله تعالى بشر بالجنة لمن آمن وعمل صالحاً لأن البشارة المطلقة بالجنة شرطها اقتران الأعمال الصالحة بالإيمان ولا نجعل لصاحب الكبيرة البشارة المطلقة بل نثبت بشارة مقيدة بمشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة {أَنَّ لَهُمْ جنات} أي بأن لهم جنات وموضع أن وما عملت فيه النصب يبشر عند سيبويه خلافاً للخليل وهو كثير في التنزيل والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف والتركيب دائر على

معنى الستر ومنه الجن والجنون والجنين والجنة والجان والجنان وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان والجنة مخلوقة لقوله تعالى {اسكن أَنتَ وزَوْجُكَ الجنة} خلافاً لبعض المعتزلة ومعنى جمع الجنة وتنكيرها أن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي متشلمة على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} الجملة في موضع النصب صفة لجنات والمراد من تحت أشجارها كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية وأنهار الجنة تجري في غير أخدود وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلة والأنهار في خلالها مطردة والجري الأطراد والنهر المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر يقال للنيل نهر مصر واللغة العالية نهر ومدار التركيب على السعة وإسناد الجري إلى الأنهار مجازي وإنما عرف الأنهار لأنه يحتمل أن يراد بها أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله تعالى واشتعل الرأس شيبا

أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى {فيها أنهار من ماء غير آسن} الآية والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ولذا قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدمه على سائر نعوتها {كُلَّمَا رزقوا} صفة ثانية لجنات أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس فقيل إن ثمارها أشباه

البقرة (٢٥)

ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله {مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي} أي كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمانها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأن الرزق قد ابتدء من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة ونظيره أن تقول رزقني فلان فيقال لك من أين فتقول من بستانه فيقال من أي ثمرة رزقك من بستانه فتقول من الرمان وليس المراد من الثمرة التفاحة الواحدة

أو الرمانة الفذة وإنما المراد نوع من أنواع الثمار {رُزِقْنَا} أي رزقناه فحذف العائد {مِن قَبْلُ} أي من قبل هذا فلما قطع عن الإضافة بنى والمعنى هذا مثل الذى رزقناه من قبل وشبهه بدليل قوله {وَأُتُواْ بِهِ متشابها} وهذا كقولك أبو يوسف أبو حنيفة تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته الضمير في به يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً لأن قوله هذا الذي رزقنا من قبل انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين وإنما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ولم تكن أجناساً أخر لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه ولأنه إذا شاهد ما سلف له به عهد ورأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتاً بيناً كان استعجابه به أكثر واستغرابه أوفر وتكريرهم هذا القول عند كل ثمرة يرزقونها دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم في كل أوان أو إلى الرزق كما أن هذا إشارة إليه والمعنى أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه كما يحكى عن الحسن يؤتى احدهم بالصفحة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل فيقول الملك كل فاللون واحد والطعم مختلف وعنه عليه السلام والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة لأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدلها الله مكانها مثلها فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك وقوله وأتوا به متشابهاً جملة معترضة للتقرير كقولك فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل ورأى من الرأي كذا وكان صواباً ومنه وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وكذلك يفعلون {ولهم فيها أزواج} ازواج مبتدأ ولهم الخبر وفيها ظرف للإستقرار

{مُّطَهَّرَةٌ} من مساوي الأخلاق لا طمحات ولا مرحات أو مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة من وما لا

يختص بهن من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس ولم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان فصيحتان ولم يقل طاهرة لأن مُّطَهَّرَةٌ أبلغ لأنها تكون للتكثير وفيها إشعار أنهما بأن مطهّراً طهرهن وما ذلك إلا الله عز وجل {وَهُمْ فِيهَا خالدون} الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع وفيه بطلان قول الجهمية فإنهم يقولون بفناء الجنة وأهلها لأنه تعالى

البقرة (٢٦)

وصف بأنه الأول والآخر وتحقيق وصف الأولية بسبقه على الخلق احمع فيجب تحقيق وصف الآخرية بالتأخر عن سائر المخلوقات وذا إنما يتحقق بعد فناء الكل فوجب القول به ضرورة ولأنه تعالى باقٍ وأوصفافه باقية فلو كانت الجنة باقية مع أهلها لوقع التشابه بين الخالق والمخلوق وذا محال قلنا الأول في حقه هو الذي لا ابتداء لوجوده والآخر هو الذي لا انتهاء له وفي حقنا الأول هو الفرد السابق والآخر هو الفرد اللاحق واتصافه بهما لبيان صفة الكمال ونفي النقيصة والزوال وذا في تنزيهه عن احتمال الحدوث والفناء لا فيما قالوه وأنى يقع التشابه في البقاء وهو تعالى باقٍ لذاته وبقاؤه واجب الوجود وبقاء الخلق به وهو جائز الوجود

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما تَقَدَّمَ الكُفّارَ وما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم في الآخِرَةِ، وكانَ في ذَلِكَ أبْلَغُ التَّخْوِيفِ والإنْذارِ عَقَّبَ بِالمُؤْمِنِينَ، وما لَهم جَرْيًا عَلى السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ مِن شَفْعِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ والوَعْدِ بِالوَعِيدِ، لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن لا يُجْدِيهِ التَّخْوِيفُ ولا يُجْدِيهِ ويَنْفَعُهُ اللُّطْفُ، ومِنهم عَكْسُ ذَلِكَ، فَكَأنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والتَّناسُبُ بَيْنَهُما بِاعْتِبارِ أنَّهُ بَيانٌ لِحالِ الفَرِيقَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ، وكَشْفٌ عَنِ الوَصْفَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ، وهَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى (وإنْ كُنْتُمْ) إلى (أُعِدَّتْ) أوْ عَلى ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ الآيَةَ؟

قَوْلانِ، اخْتارَ السَّيِّدُ أوَّلَهُما، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ أقَضى لِحَقِّ البَلاغَةِ، وأدْعى لِتَلائُمِ النَّظْمِ، لِأنَّ ﴿ يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا ﴾ خِطابٌ عامٌّ يَشْمَلُ الفَرِيقَيْنِ، (وإنْ كُنْتُمْ) إلَخْ، مُخْتَصٌّ بِالمُخالِفِ، ومَضْمُونُهُ الإنْذارُ، (وبَشِّرْ) إلَخْ، مُخْتَصٌّ بِالمُوافِقِ، ومَضْمُونُهُ البِشارَةُ، كَأنَّهُ تَعالى أوْحى إلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلى عِبادَتِهِ، ثُمَّ أُمِرَ أنْ يُنْذِرَ مَن عانَدَ، ويُبَشِّرَ مَن صَدَّقَ، والسَّعْدُ اخْتارَ ثانِيَهُما، لِأنَّ السَّوْقَ لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ، ووَصْفِ عِقابِهِمْ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (فاتَّقُوا)، وتَغايُرُ المُخاطَبِينَ لا يَضُرُّ كَـ ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي ﴾ ، وتَرَتُّبُهُ عَلى الشَّرْطِ بِحُكْمِ العَطْفِ بِاعْتِبارِ أنَّ (اتَّقُوا) إنْذارٌ وتَخْوِيفٌ لِلْكُفّارِ، (وبَشِّرْ) تَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وكُلٌّ مِنهُما مُتَرَتِّبٌ عَلى عَدَمِ المُعارَضَةِ بِعَدَمِ التَّحَدِّي، لِأنَّ عَدَمَ المُعارَضَةِ يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَ إعْجازِهِ، وهو يَسْتَلْزِمُ اسْتِيجابَ مُنْكِرِهِ العِقابَ، ومُصَدِّقِهِ الثَّوابَ، لِأنَّ الحُجَّةَ تَمَّتْ، والدَّعْوَةَ كَمُلَتْ، واسْتِيجابُهُما إيّاهُما يَقْتَضِي الإنْذارَ، والتَّبْشِيرَ، فَتَرَتُّبُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ عَلى الشَّرْطِ تَرَتُّبُ الأُولى عَلَيْهِ، فَلا فَرْقَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الجَزاءَ (فَآمِنُوا) مَحْذُوفًا، والمَذْكُورُ قائِمٌ مَقامَهُ، فالمَعْنى: إنْ لَمْ تَأْتُوا بِكَذا فَآمِنُوا وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ فَلْيُوجَدْ إيمانٌ مِنهُمْ، وبِشارَةٌ مِنكَ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى الإيمانِ، ولَعَلَّهُ أقَلُّ مُؤْنَةً، واخْتارَ صاحِبُ الإيضاحِ عَطْفَهُ عَلى (أنْذِرْ) مُقَدَّرًا بَعْدَ جُمْلَةِ (أُعِدَّتْ)، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (قُلْ) قَبْلَ ”وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا“ وتَقْدِيرُهُ: قَبْلَ (ياأيُّها النّاسُ) يُحْوِجُ إلى إجْراءِ ﴿ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ﴾ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ العُظَماءِ، أوْ تَقْدِيرِ: قالَ اللَّهُ بَعْدَ قُلْ، والبِشارَةُ بِالكَسْرِ والضَّمِّ اسْمٌ مِن بَشَرَ بِشْرًا وبُشُورًا، وتُفْتَحُ الباءُ فَتَكُونُ بِمَعْنى الجَمالِ، وفي الفِعْلِ لُغَتانِ التَّشْدِيدُ، وهي العُلْيا، والتَّخْفِيفُ وهي لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ، وقُرِئَ بِهِما في المُضارِعِ في مَواضِعَ، والتَّكْثِيرُ في المُشَدَّدِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ، فَإنَّ واحِدًا كانَ فِعْلٌ فِيهِ مُغْنِيًا عَنْ فِعْلٍ، وفَسَّرُوها في المَشْهُورِ، وصُحِّحَ بِالخَبَرِ السّارِّ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَ المُخْبَرِ عِلْمٌ بِهِ، واشْتَرَطَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ صِدْقًا، وعَنْ سِيبَوَيْهِ إنَّها خَبَرٌ يُؤَثِّرُ في البَشَرَةِ حُزْنًا أوْ سُرُورًا، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الخَيْرِ، وصَحَّحَهُ في البَحْرِ، ”وبَشَّرَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ“ ظاهِرٌ عَلَيْهِ، ومِن بابِ التَّهَكُّمِ عَلى الأوَّلِ، والمَأْمُورُ بِالتَّبْشِيرِ البَشِيرُ النَّذِيرُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(بَشِّرِ المَشّائِينَ إلى المَساجِدِ)،» الحَدِيثَ، فَفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ الأمْرَ لِعَظَمَتِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَوَلّى التَّبْشِيرَ بِهِ كُلُّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ هُناكَ مَجازٌ إنْ كانَ الضَّمِيرُ مَوْضُوعًا لِجُزْئِيٍّ بِوَضْعٍ كُلِّيٍّ، وإلّا فَفي الحَقِيقَةِ والمَجازِ كَلامٌ في مَحَلِّهِ، ولَمْ يُخاطَبِ المُؤْمِنُونَ كَما خُوطِبَ الكَفَرَةُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وإيذانًا تامًّا بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُبَشَّرُوا، ويُهَنَّئُوا بِما أُعِدَّ لَهُمْ، وقِيلَ: تَغْيِيرٌ لِلْأُسْلُوبِ لِتَخْيِيلِ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ حالِ الفَرِيقَيْنِ، وعِنْدِي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَسى رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حُلَّةَ عُبُودِيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ﴾ ناسَبَ أنْ يُطَرِّزَها بِطِرازِ التَّكْلِيفِ بِما يَزِيدُ حُبَّ أحْبابِهِ لَهُ، فَيَزْدادُوا إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِهِمْ ما لا يَخْفى.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (وبُشِّرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (أُعِدَّتْ) كَما اشْتُهِرَ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، فَتَوافَقَ القِراءَتانِ مَعْنًى وعَطْفًا، وتَعْلِيقُ التَّبْشِيرِ بِالمَوْصُولِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لَكِنْ لا لِذاتِهِما، بَلْ بِجَعْلِ الشّارِعِ، ومُقْتَضى وعْدِهِ، وجَعَلَ صِلَتَهُ فِعْلًا مُفِيدًا لِلْحُدُوثِ بَعْدَ إيرادِ الكُفّارِ بِصِيغَةِ الفاعِلِ لِحَثِّ المُخاطَبِينَ بِالِاتِّقاءِ عَلى إحْداثِ الإيمانِ، وتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ كَوْنَ مَناطِ البِشارَةِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ، لا يَقْتَضِي انْتِفاءَ البِشارَةِ عِنْدَ انْتِفائِهِ، فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَدْخُلَ بِالإيمانِ المُجَرَّدِ الجَنَّةَ كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ، عَلى أنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ ظَنِّيٌّ لا يُعارِضُ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ الجَنَّةَ جَزاءُ مُجَرَّدِ الإيمانِ، ومُتَعَلِّقُ (آمَنُوا) مِمّا لا يَخْفى، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والصّالِحاتُ جَمْعُ صالِحَةٍ، وهي في الأصْلِ مُؤَنَّثُ الصّالِحِ اسْمِ فاعِلٍ مِن صَلَحَ صُلُوحًا، وصَلاحًا خِلافُ فَسَدَتْ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلى ما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ وحَسَّنَهُ، وأُجْرِيَتْ مَجْرى الأسْماءِ الجامِدَةِ في عَدَمِ جَرْيِها عَلى المَوْصُوفِ، وغَيْرِهِ، وتَأْنِيثُها عَلى تَقْدِيرِ الخَلَّةِ، ولِلْغَلَبَةِ تُرِكَ، ولَمْ تُجْعَلِ التّاءُ لِلنَّقْلِ لِعَدَمِ صَيْرُورَتِها اسْمًا، وألْ فِيها لِلْجِنْسِ، لَكِنْ لا مِن حَيْثُ تَحَقُّقُهُ في الأفْرادِ، إذْ لَيْسَ ذَلِكَ في وُسْعِ المُكَلَّفِ، ولَوْ أُرِيدَ التَّوْزِيعُ يَلْزَمُ كِفايَةُ عَمَلٍ واحِدٍ، بَلْ في البَعْضِ الَّذِي يَبْقى مَعَ إرادَتِهِ مَعْناهُ الأصْلِيَّ الجِنْسِيَّةُ مَعَ الجَمْعِيَّةِ، وهو الثَّلاثَةُ أوِ الِاثْنانِ، والمُخَصَّصُ حالُ المُؤْمِنِ فَما يَسْتَطِيعُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَعْدَ حُصُولِ شَرائِطِهِ هو المُرادُ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ أصْلًا، أوْ عَمِلَ عَمَلًا واحِدًا غَيْرُ داخِلٍ في الآيَةِ، ومَعْرِفَةُ كَوْنِهِ مُبَشِّرًا مِن مَواقِعَ أُخَرَ، وبَعْضُهم جَعَلَ فِيها شائِبَةَ التَّوْزِيعِ بِأنْ يَعْمَلَ كُلَّ ما يَجِبُ مِنَ الصّالِحاتِ، إنْ وجَبَ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وأُدْخِلَ مَن أسْلَمَ وماتَ قَبْلَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، أوْ وجَبَ شَيْءٌ واحِدٌ، ولَيْسَ هَذا تَوْزِيعًا في المَشْهُورِ، كَرَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهُمْ، إذْ قَدْ يُطْلَقُ أيْضًا عَلى مُقابَلَةِ أشْياءَ بِأشْياءَ أخَذَ كُلٌّ مِنها ما يَخُصُّهُ سَواءٌ الواحِدُ الواحِدُ كالمِثالِ أوِ الجَمْعُ الواحِدُ كَدَخَلَ الرِّجالُ مَساجِدِ مَحَلّاتِهِمْ، أوِ العَكْسُ كَلَبِسَ القَوْمُ ثِيابَهُمْ، ومِنهُ ”واغسلوا وُجُوهكم وأيْدِيكم“ والسَّيِّدُ يُسَمِّي هَذا شائِبَةَ التَّوْزِيعِ، ﴿ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أرادَ سُبْحانَهُ بِأنَّ لَهم إلَخْ لِتَعَدِّي البِشارَةِ بِالباءِ، فَحُذِفَ لِاطِّرادِ حَذْفِ الجارِّ مَعَ أنَّ، وأنَّ بِغَيْرِ عِوَضٍ لِطُولِهِما بِالصِّلَةِ، ومَعَ غَيْرِهِما فِيهِ خِلافٌ مَشْهُورٌ، وفي المَحَلِّ بَعْدَ الحَذْفِ قَوْلانِ، النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِهِ، والجَرُّ لِأنَّ الجارَّ بَعْدَ الحَذْفِ قَدْ يَبْقى أثَرُهُ، ولامُ الجَرِّ لِلِاسْتِحْقاقِ، وكَيْفِيَّتُهُ مُسْتَفَداةٌ مِن خارِجٍ، ولا اسْتِحْقاقَ بِالذّاتِ، فَهو بِمُقْتَضى وعْدِ الشّارِعِ الَّذِي لا يُخْلِفُهُ، فَضْلًا وكَرَمًا، لَكِنْ بِشَرْطِ المَوْتِ عَلى الإيمانِ، والجَنَّةُ في الأصْلِ المَرَّةُ مِنَ الجَنِّ بِالفَتْحِ مَصْدَرُ جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، ومَدارُ التَّرْكِيبِ عَلى السَّتْرِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِها البُسْتانُ الَّذِي سَتَرَتْ أشْجارُهُ أرْضَهُ، أوْ كُلُّ أرْضٍ فِيها شَجَرٌ ونَخْلٌ فَإنْ كَرْمٌ فَفِرْدَوْسٌ، وأُطْلِقَتْ عَلى الأشْجارِ نَفْسِها، ووَرَدَتْ في شِعْرِ الأعْشى بِمَعْنى النَّخْلِ خاصَّةً، ثُمَّ نُقِلَتْ، وصارَتْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً في دارِ الثَّوابِ، إذْ فِيها مِنَ النَّعِيمِ (ما لا، ولا) مِمّا هو مُغَيَّبٌ الآنَ عَنّا، وجُمِعَتْ جَمْعَ قِلَّةٍ في المَشْهُورِ لِقِلَّتِها عَدَدًا كَقِلَّةِ أنْواعِ العِباداتِ، ولَكِنْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مَراتِبُ شَتّى، ودَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ الأعْمالِ، والعُمّالِ، وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها سَبْعٌ لَمْ يَقِفْ عَلى ثُبُوتِهِ الحُفّاظِ، وتَنْوِينُها إمّا لِلتَّنْوِيعِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِقُرْبِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، وهو أسْرٌ لِلسّامِعِ، والشّائِعُ التَّقْدِيمُ إذا كانَ الِاسْمُ نَكِرَةً كَـ ﴿ إنَّ لَنا لأجْرًا ﴾ وتَحْتَ، ظَرْفُ مَكانٍ لا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ مِن، كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو الحَسَنِ، والضَّمِيرُ لِلْجَنّاتِ، فَإنْ أُرِيدَ الأشْجارُ فَذاكَ مَعَ ما فِيهِ قَرِيبٌ في الجُمْلَةِ، وإنْ أُرِيدَ الأرْضُ قِيلَ: مِن تَحْتِ أشْجارِها، أوْ عادَ عَلَيْها بِاعْتِبارِ الأشْجارِ اسْتِخْدامًا، ونَحْوِهِ، وقِيلَ: إنَّ تَحْتَ بِمَعْنى جانِبٍ كَدارِي تَحْتَ دارِ فُلانٍ، وضُعِّفَ كالقَوْلِ: مِن تَحْتِ أوامِرِ أهْلِها، وقِيلَ: مَنازِلُها، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ الأرْضِ والأشْجارِ فاعْتِبارُ التَّحْتِيَّةِ، كَما قِيلَ بِالنَّظَرِ إلى الجُزْءِ الظّاهِرِ المُصَحِّحِ لِإطْلاقِ الجَنَّةِ عَلى الكُلِّ، والوارِدُ في الأثَرِ الصَّحِيحِ عَنْ مَسْرُوقٍ: إنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ، وهَذا في أرْضٍ حَصْباؤُها الدُّرُّ والياقُوتُ أبْلَغُ في النُّزْهَةِ، وأحْلى في المَنظَرِ، وأبْهَجُ لِلنَّفْسِ وتَحَدَّثَ الماءُ الزُّلالُ مَعَ الحَصى فَجَرى النَّسِيمُ عَلَيْهِ يَسْمَعُ ما جَرى والأنْهارُ جَمْعُ نَهَرٍ بِفَتْحِ الهاءِ، وسُكُونِها، والفَتْحُ أفْصَحُ، وأصْلُهُ الشَّقُّ، والتَّرْكِيبُ لِلسَّعَةِ، ولَوْ مَعْنَوِيَّةً كَنَهْرِ السّائِلِ، بِناءً عَلى أنَّهُ الزَّجْرُ البَلِيغُ، فَأُطْلِقَ عَلى ما دُونَ البَحْرِ وفَوْقَ الجَدْوَلِ، وهَلْ هو نَفْسُ مَجْرى الماءِ، أوِ الماءُ في المَجْرى المُتَّسِعِ؟

قَوْلانِ: أشْهَرُهُما الأوَّلُ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِياهُها، أوْ ماؤُها، وتَأْنِيثُ تَجْرِي رِعايَةً لِلْمُضافِ إلَيْهِ، أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ، وفي الكَلامِ مَجازٌ في النَّقْصِ، أوْ في الظَّرْفِ، (أوْ لا، ولا)، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، وألْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ قِيلَ: أوِ الخارِجِيِّ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الأنْهارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ ﴾ الآيَةَ، فَإنَّها مَكِّيَّةٌ عَلى الأصَحِّ، وذِي مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَها، واسْتَبْعَدَهُ السَّيِّدُ والسَّعْدُ، وقِيلَ: عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ أنْهارُها، وهو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وحَمْلُها عَلى الِاسْتِغْراقِ عَلى مَعْنى: يَجْرِي تَحْتَ الأشْجارِ جَمِيعُ أنْهارِ الجَنَّةِ، فَهو وصْفٌ لِدارِ الثَّوابِ بِأنَّ أشْجارَها عَلى شَواطِئِ الأنْهارِ، وأنْهارَها تَحْتَ ظِلالِ الأشْجارِ أبْرَدَ مِنَ الثَّلْجِ، ولا يَخْفى الكَلامُ عَلى جَمْعِ القِلَّةِ.

﴿ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِجَنّاتٍ، أُخِّرَتْ عَنِ الأُولى لِأنَّ جَرَيانَ الأنْهارِ مِن تَحْتِها وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ ذاتِها، وهَذا بِاعْتِبارِ سُكّانِها، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمْ، والقَرِينَةُ ذِكْرُهُ في السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، وكَوْنُ الكَلامِ مَسُوقًا لِبَيانِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وفائِدَةُ حَذْفِ هَذا المُبْتَدَإ تَحَقُّقُ التَّناسُبِ بَيْنَ الجُمَلِ الثَّلاثَةِ، صُورَةً لِاسْمِيَّتِها، ومَعْنًى لِكَوْنِها جَوابَ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم في تِلْكَ الجَنّاتِ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّ لَهم فِيها ثِمارًا لَذِيذَةً عَجِيبَةً، وأزْواجًا نَظِيفَةً، وهم فِيها خالِدُونَ، وتَقْدِيرُ المُبْتَدَإ هو أوْ هي لِلشَّأْنِ، أوِ القِصَّةِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ هَذا الضَّمِيرِ، وإذا لَمْ تَدْخُلْهُ النَّواسِخُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُفَسِّرُهُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، نَعَمْ جازَ تَقْدِيرُ هي لِلْجَنّاتِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ، إلّا أنَّ التَّناسُبَ أنْسَبُ، أوْ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، كَأنَّهُ لَمّا وصَفَ الجَنّاتِ بِما ذَكَرَ، وقَعَ في الذِّهْنِ أنَّ ثِمارَها كَثِمارِ جَنّاتِ الدُّنْيا أوَّلًا، فَبَيَّنَ حالَها، ﴿ ولَهم فِيها أزْواجٌ ﴾ زِيادَةٌ في الجَوابِ، ولَوْ قُدِّرَ السُّؤالُ نَحْوُ ألَهم في الجَنّاتِ لَذّاتٌ كَما في هَذِهِ الدّارِ؟

أمْ أتَمُّ وأزْيَدُ؟

كانَ أصَحَّ وأوْضَحَ وأجازَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها حالًا مِنَ الَّذِينَ، أوْ مِن جَنّاتٍ، لِوَصْفِها، وهي حِينَئِذٍ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، والأصْلُ فِيها المُصاحَبَةُ، والقَوْلُ: بِأنَّها صِفَةٌ مَقْطُوعَةٌ دَعْوى مَوْصُولَةٌ بِالجَهْلِ بِشَرْطِ القَطْعِ، وهو عِلْمُ السّامِعِ بِاتِّصافِ المَنعُوتِ بِذَلِكَ النَّعْتِ، وإلّا لاحْتاجَ إلَيْهِ، ولا قَطْعَ مَعَ الحاجَةِ، (وكُلَّما) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِـ(قالُوا)، (ورِزْقًا) مَفْعُولٌ ثانٍ، لِـ(رُزِقُوا)، كَرَزَقَهُ مالًا، أيْ أعْطاهُ، ولَيْسَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُؤَكِّدًا لِعامِلِهِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى المَرْزُوقِ أعْرَفُ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ مَعَ اقْتِضاءِ ظاهِرِ ما بَعْدَهُ لَهُ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّنْوِيعِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ نَوْعًا لَذِيذًا غَيْرَ ما تَعْرِفُونَهُ، (ومِنَ) الأُولى والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ، قُصِدَ بِهِما مُجَرَّدُ كَوْنِ المَجْرُورِ بِهِما مَوْضِعًا انْفَصَلَ عَنْهُ الشَّيْءُ، ولِذا لا يَحْسُنُ في مُقابَلَتِها نَحْوَ إلى، وهُما ظَرْفانِ مُسْتَقِرّانِ واقِعانِ حالًا عَلى التَّداخُلِ، وصاحِبُ الأُولى (رِزْقًا)، والثّانِيَةِ ضَمِيرُهُ المُسْتَكِنُّ في الحالِ، والمَعْنى: كُلَّ حِينٍ رُزِقُوا مَرْزُوقًا مُبْتَدَأً مِنَ الجَنّاتِ مُبْتَدَأً مِن ثَمَرِهِ، والشّائِعُ كَوْنُهُما لَغْوًا، والرِّزْقُ قَدِ ابْتَدَأ مِنَ الجَنّاتِ، والرِّزْقُ مِنَ الجَنّاتِ قَدِ ابْتَدَأ مِن ثَمَرَةٍ، وجُعِلَ بِمَنزِلَةِ أنْ تَقُولَ: أعْطانِي فُلانٌ، فَيُقالُ: مِن أيْنَ؟

فَتَقُولُ: مِن بُسْتانِهِ، فَيَقُولُ: مِن أيِّ ثَمَرَةٍ؟

فَتَقُولُ: مِنَ الرُّمّانِ، وتَحْرِيرُهُ أنَّ (رُزِقُوا) جُعِلَ مُطْلَقًا مُبْتَدَأً مِنَ الجَنّاتِ ثُمَّ جُعِلَ مُقَيَّدًا بِالِابْتِداءِ مِن ذَلِكَ مُبْتَدَأً مِن ثَمَرَةٍ، وعَلى القَوْلَيْنِ، لا يَرِدُ أنَّهم مَنَعُوا تَعَلُّقَ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيِ اللَّفْظِ والمَعْنى بِعامِلٍ واحِدٍ، والآيَةُ تُخالِفُهُ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ ذاكَ إذًا تَعَلَّقا بِهِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَبَعِيَّةٍ، وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِلْإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، والمُرادُ مِنَ الثَّمَرَةِ - عَلى هَذا - النَّوْعُ كالتُّفّاحِ والرُّمّانِ، لا الفَرْدُ، لِأنَّ ابْتِداءَ الرِّزْقِ مِنَ البُسْتانِ مِن فَرْدٍ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَرْزُوقُ قِطْعَةً مِنهُ، لا جَمِيعَهُ، وهو رَكِيكٌ جِدًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ مُبَيِّنَةً لِلْمَرْزُوقِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ لَغْوٌ، والثّانِي مُسْتَقِرٌّ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ، وقَعَ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْها، ولِتَقَدُّمِها تَقْدِيرًا جازَ تَقْدِيمُ المُبَيَّنِ عَلى المُبْهَمِ، والثَّمَرَةُ يَجُوزُ حَمْلُها عَلى النَّوْعِ، وعَلى الجَنْأةِ الواحِدَةِ، ولَمْ يَلْتَفِتِ المُحَقِّقُونَ إلى جَعْلِ الثّانِيَةِ تَبْعِيضِيَّةً في مَوْقِعِ المَفْعُولِ، ورِزْقًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ أوْ في مَوْقِعِ الحالِ، مِن (رِزْقًا) لِبُعْدِهِ مَعَ أنَّ الأصْلَ التَّبْيِينُ، والِابْتِداءُ، فَلا يُعْدَلُ عَنْهُما إلّا لِداعٍ، عَلى أنَّ مَدْلُولَ التَّبْعِيضِيَّةِ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها، أوْ ما بَعْدَها جُزْأً لِمَجْرُورِها، لا جُزْئِيًّا، فَتَأْتِيَ الرَّكاكَةُ ها هُنا، وجَمَعَ سُبْحانَهُ بَيْنَ (مِنها) و(مِن ثَمَرَةٍ)، ولَمْ يَقُلْ: مِن ثَمَرِها، بَدَلَ ذَلِكَ، لِأنَّ تَعَلُّقَ (مِنها) يُفِيدُ أنَّ سُكّانَها لا تَحْتاجُ لِغَيْرِها، لِأنَّ فِيها كُلَّ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَعَلُّقُ (مِن ثَمَرَةٍ) يُفِيدُ أنَّ المُرادَ بَيانُ المَأْكُولِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ جَمِيعَ الثَّمَراتِ دُونَ بَقِيَّةِ اللَّذّاتِ المَعْلُومَةِ مِنَ السّابِقِ واللّاحِقِ، وهَذا إشارَةٌ إلى نَوْعِ ما رُزِقُوا، ويَكْفِي إحْساسُ أفْرادِهِ، وهَذا كَقَوْلِكَ مُشِيرًا إلى نَهَرٍ جارٍ: هَذا الماءُ لا يَنْقَطِعُ، أوْ إلى شَخْصِهِ، والإخْبارِ عَنْهُ (بِـالَّذِي) إلَخْ، عَلى جَعْلِهِ عَيْنَهُ مُبالَغَةً، أوْ تَقْدِيرِ: مِثْلُ الَّذِي رُزِقْناهُ مِن قَبْلُ، أيْ في الدُّنْيا، والحِكْمَةُ في التَّشابُهِ أنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلى ما يُسْتَطابُ، وتَطْلُبُ زِيادَتَهُ.

أعِدْ ذِكْرَ نُعْمانَ لَنا إنَّ ذِكْرَهُ ∗∗∗ هو المِسْكُ ما كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ وهَذا مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ الأحْوالِ والمَقاماتِ، أوْ لِتَبْيِينِ المِرْيَةِ، وكُنْهُ النِّعْمَةِ فِيما رُزِقُوهُ هُناكَ، إذْ لَوْ كانَ جِنْسًا لَمْ يُعْهَدْ ظُنَّ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، أوْ في الجَنَّةِ، والتَّشابُهُ في الصُّورَةِ إمّا مَعَ الِاخْتِلافِ في الطَّعْمِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: (إنَّ أحَدَهم يُؤْتى بِالصَّحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنها ثُمَّ يُؤْتى بِأُخْرى فَيَراها مِثْلَ الأُولى فَيَقُولُ: ذَلِكَ؟

فَيَقُولُ المَلَكُ: كُلْ، فاللَّوْنُ واحِدٌ والطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ)، أوْ مَعَ التَّشابُهِ في الطَّعْمِ أيْضًا، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِيَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ لِيَأْكُلَها، فَما هي واصِلَةٌ إلى فِيهِ حَتّى يُبَدِّلَ اللَّهُ تَعالى مَكانَها مِثْلَها)،» فَلَعَلَّهم إذا رَأوْها عَلى الهَيْئَةِ الأُولى، قالُوا ذَلِكَ، والدّاعِي لَهم لِهَذا القَوْلِ فَرْطُ اسْتِغْرابِهِمْ، وتَبَجُّحُهم بِما وجَدُوا مِنَ التَّفاوُتِ العَظِيمِ والمَشْهُورُ أنَّ كَوْنَ المُرادِ بِالقَبْلِيَّةِ في الدُّنْيا أوْلى مِمّا يُقَدَّمُ في الآخِرَةِ، لِأنَّ (كُلَّما) تُفِيدُ العُمُومَ، ولا يُتَصَوَّرُ قَوْلُهم ذَلِكَ في أوَّلِ ما قُدِّمَ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: كَوْنُ المُرادِ بِها في الآخِرَةِ أوْلى لِئَلّا يَلْزَمَ انْحِصارُ ثِمارِ الجَنَّةِ في الأنْواعِ المَوْجُودَةِ في الدُّنْيا مَعَ أنَّ فِيها ما عَلِمْتَ، وما لَمْ تَعْلَمْ، عَلى أنَّ فِيهِ تَوْفِيَةً بِمَعْنى حَدِيثِ تَشابُهِ ثِمارِ الجَنَّةِ، ومُوافَقَتَهُ لِمُتَشابِهِها، بَعْدُ فَإنَّهُ في رِزْقِ الجَنَّةِ أظْهَرُ، وإعادَةُ الضَّمِيرِ إلى المَرْزُوقِ في الدّارَيْنِ تَكَلُّفٌ، وسَتَسْمَعُهُ بِمَنِّهِ تَعالى، وفي الآيَةِ مَحْمَلٌ آخَرُ يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ، بِأنْ يَكُونَ ما رُزِقُوهُ قَبْلُ هو الطّاعاتُ والمَعارِفُ الَّتِي يَسْتَلِذُّها أصْحابُ الفِطْرَةِ والعُقُولِ السَّلِيمَةِ، وهَذا جَزاءٌ مُشابِهٌ لَها فِيما ذُكِرَ مِنَ اللَّذَّةِ، كالجَزاءِ الَّذِي في ضِدِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ جَزاءَهُ، فالَّذِي رُزِقْناهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ جَزائِهِ بِإطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ الجَنَّةَ وما فِيها مِن فُنُونِ الكَراماتِ مِنَ الجَزاءِ كَما لا يَخْفى، أوْ هو اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الثِّمارِ والفَواكِهِ بِالطّاعاتِ والمَعارِفِ، فِيما ذُكِرَ، وقِيلَ: أرْضُ الجَنَّةِ قِيعانٌ يَظْهَرُ فِيها أعْمالُ الدُّنْيا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ، فَثَمَرَةُ النَّعِيمِ ما غَرَسُوهُ في الدُّنْيا، فَتَدَبَّرْ، ﴿ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ بِما يَشْتَمِلُ عَلى مَعْناهُ، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ والحالِيَّةَ بِتَقْدِيرِ: قَدْ، وهو شائِعٌ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهو ظاهِرًا الخَدَمُ والوِلْدانُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ هارُونَ، والعَتَكِيِّ: (وأتَوْا) عَلى الفاعِلِ، وفِيها إضْمارٌ لِدِلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وقَدْ أُظْهِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ إمّا عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يُرادَ مِن قَبْلُ في الدُّنْيا، فَراجِعٌ إلى المَفْهُومِ الواحِدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ اللَّفْظانِ، هَذا والَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ، وهو المَرْزُوقُ في الدّارَيْنِ أيْ أُتُوا بِمَرْزُوقِ الدّارَيْنِ مُتَشابِهًا بَعْضُهُ بِالبَعْضِ، ويُسَمّى هَذا الطَّرِيقُ بِالكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ، ولَوْ رَجَعَ إلى المَلْفُوظِ لَقِيلَ: بِهِما، وعَبَّرَ عَمّا بَعْضُهُ ماضٍ وبَعْضُهُ مُسْتَقْبَلٌ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وفي الكَشْفِ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَرْزُوقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ الجِنْسُ الصّالِحُ التَّناوُلِ لِكُلٍّ مِنهُما، لا المُقَيَّدُ بِهِما، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يُرادَ في الجَنَّةِ، فَراجِعٌ إلى الرِّزْقِ، أيْ أُتُوا بِالمَرْزُوقِ في الجَنَّةِ مُتَشابِهَ الأفْرادِ، قالَ أبُو حَيّانَ: والظّاهِرُ هَذا، لِأنَّ مَرْزُوقَهم في الآخِرَةِ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ، والمُشَبَّهُ بِالَّذِي رُزِقُوهُ مِن قَبْلُ، ولِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ إنَّما جاءَتْ مُحَدَّثًا بِها عَنِ الجَنَّةِ، وأحْوالها، وكَوْنُهُ يُخْبِرُ عَنِ المَرْزُوقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّهُ مُتَشابِهٌ لَيْسَ مِن حَدِيثِ الجَنَّةِ، إلّا بِتَكَلُّفٍ، ولا يُعَكِّرُ عَلى دَعْوى مُتَشابِهٍ، ما في الدّارَيْنِ، ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ مِن أطْعِمَةِ الدُّنْيا إلّا الأسْماءُ، لِأنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وهو حاصِلٌ في الصُّورَةِ الَّتِي هي مَناطُ الِاسْمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في المِقْدارِ والطَّعْمِ، وتَحْرِيرُهُ أنَّ إطْلاقَ الأسْماءِ عَلَيْها لِكَوْنِها عَلى الِاسْتِعارَةِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ فِيما هو مَناطُها، وهو الصُّورَةُ، وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّشابُهُ بَيْنَهُما، فالمُسْتَثْنى في الأثَرِ الأسْماءُ، وما هو مَناطُها، بِدِلالَةِ العَقْلِ، ﴿ ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، ورابِعَةٌ لِلْجَنّاتِ، وأُورِدَتِ الأوَّلِيَّتانِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ، وهاتانِ بِالِاسْمِيَّةِ، لِإفادَةِ الدَّوامِ، وتُرِكَ العاطِفُ في البَعْضِ مَعَ إيرادِهِ في البَعْضِ قِيلَ: لِلتَّنْبِيهِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ في الصِّفاتِ، واخْتَصَّ كُلٌّ بِما اخْتَصَّ بِهِ لِمُناسَبَةٍ لا تَخْفى، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنَفَتانِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ حالًا مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في (لَهُمْ)، والعامِلُ فِيها مَعْنًى الِاسْتِقْرارُ، والأزْواجُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ زِوَجَةٌ، كَعَوْدٍ وعِوَدَةٍ، ولَمْ يَكْثُرِ اسْتِعْمالُهُ في الكَلامِ، قِيلَ: ولِهَذا اسْتُغْنَيَ عَنْهُ بِجَمْعِ القِلَّةِ تَوَسُّعًا، وقَدْ ورَدَ في الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الأزْواجِ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، ويُقالُ: الزَّوْجُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، ويَكُونُ لِأحَدِ المُزْدَوِجَيْنِ، ولَهُما مَعًا، ويُقالُ لِلْأُنْثى: زَوْجَةٌ في لُغَةِ تَمِيمٍ، وكَثِيرٍ مِن قَيْسٍ، والمُرادُ هُنا بِالأزْواجِ النِّساءُ اللّاتِي تَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ، لا يَشْرِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، ولَيْسَ في المَفْهُومِ اعْتِبارُ التَّوالُدِ الَّذِي هو مَدارُ بَقاءِ النَّوْعِ حَتّى لا يَصِحَّ إطْلاقُهُ عَلى أزْواجِ الجَنَّةِ لِخُلُودِهِمْ فِيها، واسْتِغْنائِهِمْ عَنِ الأوْلادِ، عَلى أنَّ بَعْضَهم صَحَّحَ التَّوالُدَ فِيها، ورَوى آثارًا في ذَلِكَ، لَكِنْ عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِذَلِكَ المَقامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الأوْلادَ رُوحانِيُّونَ، واللَّهُ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ، ومَعْنى كَوْنِها مُطَهَّرَةً أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ نَزَّهَهُنَّ عَنْ كُلِّ ما يَشِينُهُنَّ، فَإنْ كُنَّ مِنَ الحُورِ كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَمَعْنى التَّطَهُّرِ خَلَقَهُنَّ عَلى الطَّهارَةِ لَمْ يَعْلَقْ بِهِنَّ دَنَسٌ ذاتِيٌّ ولا خارِجِيٌّ، وإنْ كُنَّ مِن بَنِي آدَمَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: مِن عَجائِزِكُمُ الرُّمْصِ الغُمْصِ يَصِرْنَ شَوابَّ، فالمُرادُ إذْهابُ كُلِّ شَيْنٍ عَنْهُنَّ، مِنَ العُيُوبِ الذّاتِيَّةِ وغَيْرِها، والتَّطْهِيرُ كَما قالَ الرّاغِبُ يُقالُ فِي: الأجْسامِ والأخْلاقِ والأفْعالِ جَمِيعًا، فَيَكُونُ عامًّا هُنا بِقَرِينَةِ مَقامِ المَدْحِ لا مُطْلَقًا مُنْصَرِفًا إلى الكامِلِ، وكَمالُ التَّطْهِيرِ إنَّما يَحْصُلُ بِالقِسْمَيْنِ، كَما قِيلَ، فَإنَّ المَعْهُودَ مِن إرادَةِ الكَمالِ إرادَةُ أعْلى أفْرادِهِ، لا الجَمِيعُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (مُطَهَّراتٌ) بِناءً عَلى طُهِّرْنَ، لا طَهُرَتْ، كَما في الأُولى، ولَعَلَّها أوْلى اسْتِعْمالًا، وإنْ كانَ الكُلُّ فَصِيحًا، لِأنَّهم قالُوا: جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ إمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ قِلَّةٍ، أوْ كَثْرَةٍ، فَإنْ كانَ جَمْعَ كَثْرَةٍ فَمَجِيءُ الضَّمِيرِ عَلى حَدِّ ضَمِيرِ الواحِدَةِ أوْلى مِن مَجِيئِهِ عَلى حَدِّ ضَمِيرِ الغائِباتِ، وإنْ كانَ جَمْعَ قِلَّةٍ فالعَكْسُ، وكَذَلِكَ إذا كانَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى جَمْعِ العاقِلاتِ الأوْلى فِيهِ النُّونُ دُونَ التّاءِ، ”كَبَلَغْنَ أجْلَهُنَّ“، ”ويُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ“ ولَمْ يُفَرِّقُوا في هَذا بَيْنَ جَمْعِ القِلَّةِ، والكَثْرَةِ، ومَجِيءُ هَذِهِ الصِّفَةِ مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ، ولَمْ تَأْتِ طاهِرَةً وصْفٌ مِن طَهَرَ بِالفَتْحِ عَلى الأفْصَحِ، أوْ طَهُرَ بِالضَّمِّ، وعَلى الأوَّلِ قِياسٌ وعَلى الثّانِي شاذٌّ لِلتَّفْخِيمِ، لِأنَّهُ أفْهَمَ أنَّ لَها مُطَهِّرًا، ولَيْسَ سِوى اللَّهِ تَعالى، وكَيْفَ يَصِفُ الواصِفُونَ مَن طَهَّرَهُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ!

وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (مُطَّهِّرَةٌ) وأصْلُهُ مُتَطَهِّرَةٌ، فَأُدْغِمَ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مَسْكَنَ المُؤْمِنِينَ، ومَطْعَمَهُمْ، ومَنكَحَهُمْ، وكانَتْ هَذِهِ المَلاذُّ لا تَبْلُغُ دَرَجَةَ الكَمالِ مَعَ خَوْفِ الزَّوالِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا أعْقَبَ ذَلِكَ بِما يُزِيلُ ما يُنَغِّصُ إنْعامَهُ مِن ذِكْرِ الخُلُودِ في دارِ الكَرامَةِ، والخُلُودُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ البَقاءُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، وعِنْدَنا البَقاءُ الطَّوِيلُ انْقَطَعَ أوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، واسْتِعْمالُهُ في المُكْثِ الدّائِمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُكْثٌ طَوِيلٌ لا مِن حَيْثُ خُصُوصُهُ حَقِيقَةً، وهو المُرادُ هُنا، وقَدْ شَهِدَتْ لَهُ الآياتُ والسُّنَنُ، والجَهْمِيَّةُ يَزْعُمُونَ أنَّ الجَنَّةَ وأهْلَها يَفْنَيانِ، وكَذا النّارُ وأصْحابُها، والَّذِي دَعاهم إلى هَذا أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ الأوَّلُ والآخِرُ، والأوَّلِيَّةُ تَقَدُّمُهُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، والآخِرِيَّةُ تَأخُّرُهُ، ولا يَكُونُ إلّا بِفِناءِ السِّوى، ولَوْ بَقِيَتِ الجَنَّةُ وأهْلُها كانَ فِيهِ تَشْبِيهٌ لِمَن لا شَبِيهَ لَهُ سُبْحانَهُ، وهو مُحالٌ، ولِأنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أنْفاسَ أهْلِ الجَنَّةِ كانَ جاهِلًا تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وإنْ عَلِمَ لَزِمَ الِانْتِهاءُ، وهو بَعْدُ الفَناءُ، ولَنا النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى التَّأْيِيدِ، والعَقْلُ مَعَها، لِأنَّها دارُ سَلامٍ وقُدْسٍ لا خَوْفٍ ولا حُزْنٍ، والمَرْءُ لا يَهْنَأُ بِعَيْشٍ يَخافُ زَوالَهُ، بَلْ قِيلَ: البُؤْسُ خَيْرٌ مِن نَعِيمٍ زائِلٍ، والكُفْرُ جَرِيمَةٌ خالِصَةٌ فَجَزاؤُها عُقُوبَةٌ خالِصَةٌ لا يَشُوبُها نَقْصٌ، ومَعْنى الأوَّلِ والآخِرِ لَيْسَ كَما في الشّاهِدِ، بَلْ بِمَعْنى لا ابْتِداءَ ولا انْتِهاءَ لَهُ في ذاتِهِ مِن غَيْرِ اسْتِنادٍ لِغَيْرِهِ، فَهو الواجِبُ القِدَمِ المُسْتَحِيلُ العَدَمِ، والخَلْقُ لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَأيْنَ الشَّبَهُ، والعِلْمُ لا يَتَناهى، فَيَتَعَلَّقُ بِما لا يَتَناهى، وما أنْفاسُ أهْلِ الجَنَّةِ إلّا كَمَراتِبِ الأعْدادِ !

أفَيُقالُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُها، أوْ يُقالُ إنَّها مُتَناهِيَةٌ، تَبًّا لِلْجَهْمِيَّةِ ما أجْهَلَهُمْ، وأجْهَلُ مِنهم مَن قالَ: إنَّ الأبْدانَ مُؤَلَّفَةٌ مِنَ الأجْزاءِ المُتَضادَّةِ في الكَيْفِيَّةِ، مُعَرَّضَةٌ لِلِاسْتِحالاتِ المُؤَدِّيَةِ إلى الِانْحِلالِ والِانْفِكاكِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّأْبِيدُ؟

وذَلِكَ لِأنَّ مَدارَ هَذا عَلى قِياسِ هاتِيكَ النَّشْأةِ عَلى هَذِهِ النَّشْأةِ، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ، كَيْفَ يُقاسُ ذَلِكَ العالَمُ الكامِلُ عَلى عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ!

عَلى أنَّهُ إذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا مُخْتارًا، ولا فاعِلَ في الوُجُودِ إلّا هُوَ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُعِيدَ الأبْدانَ بِحَيْثُ لا تَتَحَلَّلُ، أوْ إنْ تَحَلَّلَتْ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ بَدَلَ ما تَحَلَّلَ دائِمًا أبَدًا، وسُبْحانَ القادِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، فقد ذكر في أول الآية إثبات الصانع وذكر حجته، ثم ذكر إثبات الكتاب والنبوة، ثم ذكر الوعيد للكفار، لمن لم يؤمن بالله، ثم ذكر الثواب للمؤمنين وهكذا في جميع القرآن في كل موضع ذكر عقوبة الكفار، ثم ذكر على أثره ثواب المؤمنين لتسكن قلوبهم إلى ذلك، وتزول عنهم الوحشة لكي يثبتوا على إيمانهم ولكي يرغبوا في ثوابه، فقال وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا، أي فرِّح قلوب الذين آمنوا، يعني صدَّقوا بوحدانية الله تعالى، وبمحمد  وبما جاء به جبريل-  - وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم أَنَّ لَهُمْ أي بأن لهم جَنَّاتٍ وهي البساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت شجرها ومساكنها وغرفها الأنهار، يعني أنهار الخمر واللبن والماء والعسل كُلَّما رُزِقُوا مِنْها، أي أطعموا من الجنة مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً أي طعاماً.

قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ أي أطعمنا من الجنة من قبل.

قال بعضهم: معناه إذا أتي بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم إذا أتُي بها في آخر النهار، قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ، يعني الذي أطعمنا في أول النهار، لأن لونه يشبه لون ذلك، فإذا أكلوا منه وجدوا لها طعماً غير طعم الأول.

قال بعضهم: معناه كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ أي في الدنيا، لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمها غير ذلك.

ثم قال تَعَالَيْ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً قال بعضهم: معناه، متشابهاً في المنظر مختلفاً في الطعم.

وقال بعضهم: متشابهاً، يعني يشبه بعضها بعضاً في الجودة، ولا يكون فيها رديء.

حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس-  ما- قال: ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء يعني أسماء الثمار.

ثم قال تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ أي مهذبة في الخلق ويقال: مطهرة في الخلق والخلق، فأما الخلق فإنهن لا يحضن ولا يبلنَ ولا يتمخطن ولا يأتين الخلاء.

وأما الخلق، فهن لا يحسدن ولا يغرن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن.

قوله تعالى: وَهُمْ فِيها خالِدُونَ أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ...

الآية.

بَشِّرِ: مأخوذ من البَشَرَةِ لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثرٌ في بَشَرة الوجه، والأغلب استعمال البِشَارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيَّدة به كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة: ٣٤] ومتى أطلق لفظ البِشَارة، فإِنما يحمل على الخير، وفي قوله تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ردٌّ على من يقول: إِن لفظة الإِيمان بمجرَّدها تقتضي الطاعاتِ لأنه لو كان كذلك، ما أعادها، وجَنَّاتٍ جمع جَنَّة، وهي بستان الشجرِ والنخلِ، وبستانُ الكَرْم، يقال له الفِرْدَوسُ، وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أَنَّ ثِيَابَ الجَنَّةِ تَشَقَّقُ عَنْهَا ثَمَرُ الجَنَّةِ» «١» ، وروى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هريرةَ عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَا فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلاَّ وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن «٢» .

انتهى من «التَّذْكِرَةِ» «٣» .

ت: وفي الباب عن ابن عبَّاس، وجرِيرِ بن عبد اللَّهِ، وغيرهما: وسمِّيتِ الجنةُ جنَّةً لأنها تجنُّ من دخلها «٤» أي: تستره، ومنه المِجَنُّ، وَالْجَنَنُ، وجنّة اللّيل.

ومِنْ تَحْتِهَا معناه من تحت الأشجار التي يتضمَّنها ذِكْر الجنة.

ت: ومن أعظم البِشَارات أنَّ هذه الأمة هم ثلثا أهْلِ الجنَّة، وقد خرَّج أبو بكر بن أبي شيبة «٥» عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ثُلُثَا أهل الجنّة، إنّ أهل

الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، وَإِنَّ أُمَّتِي مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا» «١» ، وخرَّج ابن ماجه والترمذيُّ عن بُرَيْدة بن حُصَيْب «٢» قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ» ، قال أبو عيسى:

هذا حديث حسن «٣» .

انتهى من «التذْكرة» «١» للقرطبيِّ.

والْأَنْهارُ: المياه في مجاريها المتطاولة الواسعَةِ مأخوذةٌ من أنْهَرْتُ، أي:

وسّعت ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسم اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ» «٢» .

ومعناه: ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهْرِ، ونسب الجري إِلى النهر، وإِنما يجري الماء تجوّزا كما قال سبحانه: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد إِنما تجري على سطْح أرض الجنة منضبطةً.

وقولهم: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ: إِشارة إِلى الجنس، أي: هذا من الجنس الذي ١٣ أرزقنا منه من قبل، والكلام يحتمل/ أن يكون تعجباً منهم، وهو قولُ ابنِ عَبَّاس «٣» ، ويحتمل أن يكون خَبَراً من بعضهم لبعْضٍ قاله جماعة من المفسِّرين، وقال الحسنُ، ومجاهدٌ: يرزقُونَ الثمرةَ، ثم يرزقُونَ بعْدَها مثْلَ صورتها، والطَّعْم مختلفٌ، فهم يتعجَّبون لذلك، ويخبر بعضهم بعضاً «٤» ، وقال ابن عبَّاس: ليس في الجنة شيْءٌ ممّا في الدنيا سوى

الأسماءِ، وأما الذوات فمتباينة «١» ، وقال بعض المتأوِّلين: المعنى أنهم يرون الثمر، فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: هذا الذي رزقْنَا مِنْ قبل في الدنيا، وقال قومٌ: إن ثمر الجنة إِذا قطف منه شيء، خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إِشارة إِلى الخارج في موضع المجني.

وقوله تعالى: مُتَشابِهاً قال ابن عباس وغيره: معناه يشبه بعضه بعضاً في المنظر، ويختلف في الطعم «٢» ، وأَزْواجٌ: جمع زوج، ويقال في المرأة: زوجة، والأول أشهر، ومُطَهَّرَةٌ: أبلغ من طَاهِرَة، أي: مُطَهَّرة من الحَيْض، والبُزَاق، وسائر أقذار الآدميَّات، والخلودُ: الدوامُ، وخرَّج ابن ماجة عن أسامة بن زيد «٣» قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم، ذَاتَ يَوْمٍ لأَِصْحَابِهِ: «أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟

فَإِنَّ الجَنَّةَ لاَ خَطَرَ «٤» لَهَا هِيَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، نور

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

البِشارَةُ: أوَّلُ خَبَرٍ يَرِدُ عَلى الإنْسانِ، وسُمِّيَ بِشارَةً، لِأنَّهُ يُؤَثِّرُ في بَشْرَتِهِ، فَإنْ كانَ خَيْرًا، أثَرُ المَسَرَّةِ والِانْبِساطِ، وإنَّ شَرًّا، أثَرُ الانْجِماعِ والغَمِّ، والأغْلَبُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ بِالخَيْرِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا  ﴾ .

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ .

يَشْمَلُ كُلَّ عَمَلٍ صالِحٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قالَ: أخْلِصُوا الأعْمالَ.

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أقامُوا الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ.

فَأمّا الجَنّاتُ، فَجَمْعُ جَنَّةٍ.

وسَمِّيَتِ الجَنَّةُ جَنَّةً، لِاسْتِتارِ أرْضِها بِأشْجارِها، وسُمِّيَ الجِنُّ جِنًّا، لِاسْتِتارِهِمْ، والجَنِينُ مِن ذَلِكَ، والدِّرْعُ جَنَّةٌ، وجَنَّ اللَّيْلُ: إذا سَتَرَ، وذَكَرَ عَنِ المُفَضَّلِ أنَّ الجَنَّةَ: كُلُّ بُسْتانٍ فِيهِ نَخْلٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نَبْتٍ كَثَفَ وكَثُرَ وسَتَرَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَهو جَنَّةٌ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها لا مِن تَحْتِ أرْضِها.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: هَذا الَّذِي طُعِمْنا مِن قَبْلُ، فَرِزْقُ الغَداةِ كَرِزْقِ العَشِيِّ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ ثَمَرَ الجَنَّةِ إذا جُنِيَ خَلَفَهُ مِثْلُهُ، فَإذا رَأوْا ما خَلَفَ الجَنى، اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿ هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ ﴾ قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ﴾ .

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مُتَشابِهٌ في المَنظَرِ واللَّوْنِ، مُخْتَلِفٌ في الطَّعْمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَشابِهٌ في جَوْدَتِهِ، لا رُدِئَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يُشْبِهُ ثِمارَ الدُّنْيا في الخِلْقَةِ والِاسْمِ، غَيْرَ أنَّهُ أحْسَنُ في المَنظَرِ والطَّعْمِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما وجْهُ الِامْتِنانِ بِمُتَشابِهِهِ، وكُلَّما تَنَوَّعَتِ المَطاعِمُ واخْتَلَفَتْ ألْوانُهُا كانَ أحْسَنَ؟!

فالجَوابُ: أنّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَشابِهُ المَنظَرِ مُخْتَلِفُ الطَّعْمِ، كانَ أغْرَبَ عِنْدَ الخُلُقِ وأحْسَنَ، فَإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ تُفّاحَةً فِيها طَعْمُ سائِرِ الفاكِهَةِ، كانَ نِهايَةً في العَجَبِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَشابِهٌ في الجَوْدَةِ؛ جازَ اخْتِلافُهُ في الألْوانِ والطُّعُومِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ يُشْبِهُ صُورَةَ ثِمارِ الدُّنْيا مَعَ اخْتِلافِ المَعانِي؛ كانَ أطْرَفَ وأعْجَبَ وكُلُّ هَذِهِ مَطالِبٌ مُؤَثِّرَةٌ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ أيْ: في الخُلُقِ، فَإنَّهُنَّ لا يَحِضْنَ ولا يَبُلْنَ، ولا يَأْتِينَ الخَلاءَ.

وفي الخُلُقِ، فَإنَّهُنَّ لا يَحْسُدْنَ، ويَغِرْنَ، ولا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَقِيَّةٌ عَنِ القَذى والأذى.

قالَ الزَّجّاجُ: و"مُطَهَّرَةٌ" أبْلَغُ مِن طاهِرَةٍ، لِأنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ.

والخُلُودُ: البَقاءُ الدّائِمُ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ ﴾ "بَشِّرِ" مَأْخُوذٌ مِنَ البُشْرَةِ، لِأنَّ ما يُبَشِّرُ بِهِ الإنْسانَ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَظْهَرُ عنهُ أثَرٌ في بَشْرَةِ الوَجْهِ، والأغْلَبُ اسْتِعْمالُ البِشارَةِ في الخَيْرِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في الشَرِّ مُقَيَّدَةٌ بِهِ، مَنصُوصًا عَلى الشَرِّ المُبَشِّرِ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ  ﴾ ، ومَتى أُطْلِقَ لَفْظُ البِشارَةِ فَإنَّما يُحْمَلُ عَلى الخَيْرِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ إنَّ لَفْظَةَ الإيمانِ بِمُجَرَّدِها تَقْتَضِي الطاعاتِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ ما أعادَها.

"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "بَشِّرِ"، وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ.

و"جَنّاتٍ" جَمْعُ جَنَّةٍ، وهي بُسْتانُ الشَجَرِ والنَخِيلِ، وبُسْتانُ الكَرْمِ يُقالُ لَهُ: الفِرْدَوْسُ، وسُمِّيَتْ جَنَّةً لِأنَّها تُجِنُّ مَن دَخَلَها أيْ: تَسْتُرُهُ، ومِنهُ المِجَنُّ والجَنَنُ وجِنُّ اللَيْلِ.

و ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ مَعْناهُ: مِن تَحْتِ الأشْجارِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها ذِكْرُ الجَنَّةِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ مَعْناهُ: بِإزائِها كَما تَقُولُ: دارِي تَحْتَ دارِ فُلانٍ.

وهَذا ضَعِيفٌ، و"الأنْهارُ" المِياهُ في مَجارِيها المُتَطاوِلَةِ الواسِعَةِ، لِأنَّها لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن أنَهَرَتْ أيْ وسَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «ما أُنْهِرَ الدَمُ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ» مَعْناهُ ما وسِعَ الذَبْحُ حَتّى جَرى الدَمُ كالنَهْرِ، ونَسَبَ الجَرْيَ إلى النَهْرِ وإنَّما يَجْرِي الماءُ وحْدَهُ تَجَوُّزًا، كَما قالَ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ ، وكَما قالَ الشاعِرُ: نُبِّئْتُ أنَّ النارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ ∗∗∗ واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ ورُوِيَ أنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ لَيْسَتْ في أخادِيدَ، إنَّما تَجْرِي عَلى سَطْحِ أرْضِ الجَنَّةِ مُنْضَبِطَةً.

وقَوْلُهُ: "كُلَّما": ظَرْفٌ يَقْتَضِي الحَصْرَ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّ الرِزْقَ مِن شُرُوطِهِ التَمَلُّكُ، ذَكَرَ هَذا بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ، ولَيْسَ عِنْدِي بِبَيْنٍ.

وَقَوْلُهم "هَذا" إشارَةٌ إلى الجِنْسِ، أيْ: هَذا مِنَ الجِنْسِ الَّذِي رُزِقْنا مِنهُ مِن قَبْلُ، والكَلامُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَعَجُّبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: يُرْزَقُونَ الثَمَرَةَ، ثُمَّ يُرْزَقُونَ بَعْدَها مِثْلَ صُورَتِها.

والطَعْمُ مُخْتَلِفٌ، فَهم يَتَعَجَّبُونَ لِذَلِكَ، ويُخْبِرُ بَعْضُهم بَعْضًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ مِمّا في الدُنْيا سِوى الأسْماءِ، وأمّا الذَواتُ فَمُتَبايِنَةٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى أنَّهم يَرَوْنَ الثَمَرَ فَيُمَيِّزُونَ أجْناسَهُ، حِينَ أشْبَهَ مَنظَرَهُ ما كانَ في الدُنْيا، فَيَقُولُونَ: هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ في الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي قُبِلَ هَذا يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ بَعْضَ الرَدِّ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى هَذا الَّذِي وُعِدْنا بِهِ في الدُنْيا، فَكَأنَّهم قَدْ رُزِقُوهُ في الدُنْيا إذْ وعْدُ اللهِ مُنْتَجِزٌ.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ ثَمَرَ الجَنَّةِ إذا قُطِفَ مِنهُ شَيْءٌ خَرَجَ في الحِينِ في مَوْضِعِهِ مِثْلِهِ، فَهَذا إشارَةٌ إلى الخارِجِ في مَوْضِعِ المَجْنِيِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "وَأُتُوا" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وضَمِّ التاءِ، وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ: "وَأتَوْا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والتاءِ، والفاعِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ الوِلْدانُ والخُدّامُ، و"أُتُوا" عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ أصْلُهُ أُتِيُوا نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى التاءِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِلِالتِقاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَشابِهًا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وغَيْرُهُمْ، مَعْناهُ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في المَنظَرِ، ويَخْتَلِفُ في الطَعْمِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُنْيا في المَنظَرِ، ويُبايِنُهُ في جُلِّ الصِفاتِ، وقالَ قَتادَةُ: "مُتَشابِهًا": مَعْناهُ خِيارًا لا رَذْلَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ يُرِيدُ مُتَناسِبًا في أنَّ كُلَّ صِنْفٍ هو أعْلى جِنْسِهِ، فَهَذا تَشابُهٌ ما، وقِيلَ "مُتَشابِهًا" أيْ مَعَ ثَمَرِ الدُنْيا في الأسْماءِ، لا في غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَيْئَةٍ وطَعْمٍ، و"أزْواجٌ" جَمْعُ زَوْجٍ، والمَرْأةُ زَوْجُ الرَجُلِ، والرَجُلُ زَوْجُ المَرْأةِ، ويُقالُ في المَرْأةِ: زَوْجَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ∗∗∗ كَساعٍ إلى أسَدِ الشَرى يَسْتَبِيلُها وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ في شَأْنِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: واللهِ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّها زَوْجَتُهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّ اللهَ ابْتَلاكم.

ذَكَرَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ الحَدِيثَ بِطُولِهِ.

و"مُطَهَّرَةٌ" أبْلَغُ مِن طاهِرَةٍ، ومَعْنى هَذِهِ الطَهارَةِ مِنَ الحَيْضِ والبُزاقِ، وسائِرِ أقْذارِ الآدَمِيّاتِ، وقِيلَ مِنَ الآثامِ، و"الخُلُودُ": الدَوامُ في الحَياةِ، أوِ المِلْكِ ونَحْوِهِ، وخَلَدَ بِالمَكانِ إذا اسْتَمَرَّتْ إقامَتُهُ فِيهِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الخُلُودُ مَجازًا فِيما يَطُولُ، وأمّا هَذا الَّذِي في الآيَةِ فَهو أبَدِيٌّ حَقِيقَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَبَشِّرِ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ .

في «الكشاف» من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط لاكتساب ما يزلف والتثبيط عن اقتراف ما يتلف فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة ا ه.

وجعل جملة: ﴿ وبشر ﴾ معطوفة على مجموع الجمل المسوقة لبيان وصف عقاب الكافرين يعني جميع الذي فصل في قوله تعالى: ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ [البقرة: 23] إلى قوله: ﴿ أُعدت للكافرين ﴾ [البقرة: 24] فعَطف مجموع أخبار عن ثواب المؤمنين على مجموع أخبار عن عقاب الكافرين والمناسبة واضحة مسوغة لعطف المجموع على المجموع، وليس هو عطفاً لجملة معينة على جملة معينة الذي يطلب معه التناسب بين الجملتين في الخبرية والإنشائية، ونظّره بقولك: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمراً بالعفو والإطلاق.

وجعل السيد الجرجاني لهذا النوع من العطف لقَبَ عطف القصة على القصة لأن المعطوف ليس جملة على جملة بل طائفة من الجمل على طائفة أخرى، ونظيره في المفردات ما قيل إن الواو الأولى والواو الثالثة في قوله تعالى: ﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴾ [الحديد: 3] ليستا مثل الواو الثانية لأن كل واحدة منهما لإفادة الجمع بين الصفتين المتقابلتين وأما الثانية فلعطف مجموع الصفتين المتقابلتين اللتين بعدها على مجموع الصفتين المتقابلتين اللتين قبلها ولو اعتبر عطف الظاهر وحده على إحدى السابقتين لم يكن هناك تناسب، هذا حاصله، وهو يريد أن الواو عاطفة جملة ذات مبتدأ محذوف وخبرين على جملة ذات مبتدأ ملفوظ به وخبرين، فالتقدير وهو الظاهر والباطن وليس المراد أن المبتدأ فيها مقدر لإغناء حرف العطف عنه بل هو محذوف للقرينة أو المناسبة في عطف جملة (الظاهر والباطن) على جملة (الأول والآخر).

أنهما صفتان متقابلتان ثبتتا لموصوف واحد هو الذي ثبتت له صفتان متقابلتان أخريان.

قال السيد ولم يذكر صاحب «المفتاح» عطف القصة على القصة فتحير الجامدون على كلامه في هذا المقام وتوهموا أن مراد صاحب «الكشاف» هنا عطف الجملة على الجملة وأن الخبر المتقدم مضمن معنى الطلب أو بالعكس لتتناسب الجملتان مع أن عبارة «الكشاف» صريحة في غير ذلك وقصد السيد من ذلك إبطال فهم فهمه سعد الدين من كلام «الكشاف» وأودعه في شرحه «المطول» على «التخليص».

وجوز صاحب «الكشاف» أن يكون قوله: ﴿ وبشر ﴾ معطوفاً على قوله: ﴿ فاتقوا ﴾ [البقرة: 24] الذي هو جواب الشرط فيكون له حكم الجواب أيضاً وذلك لأن الشرط وهو ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ [البقرة: 24] سبب لهما لأنهم إذا عجزوا عن المعارضة فقد ظهر صدق النبيء فحق اتقاء النار وهو الإنذار لمن دام على كفره وحقت البشارة للذين آمنوا.

وإنما كان المعطوف على الجواب مخالفاً له لأن الآية سيقت مساق خطاب للكافرين على لسان النبيء فلما أريد ترتب الإنذار لهم والبشارة للمؤمنين جعل الجواب خطاباً لهم مباشرة لأنهم المبتدأ بخطابهم وخطاباً للنبيء ليخاطب المؤمنين إذ ليس للمؤمنين ذكر في هذا الخطاب فلم يكن طريق لخطابهم إلا الإرسال إليهم.

وقد استضعف هذا الوجه بأن علماء النحو قرروا امتناع عطف أمر مخاطب على أمر مخاطب إلا إذا اقترن بالنداء نحو قم يا زيدُ واكتب يا عمرو، وهذا لا نداء فيه.

وجوز صاحب «المفتاح» أن ﴿ بشر ﴾ معطوف على قُلْ مقدَّراً قبل ﴿ يأيها الناس اعبدوا ﴾ [البقرة: 21] وقال القزويني في «الإيضاح» إنه معطوف على مقدر بعد قوله: ﴿ أُعدت للكافرين ﴾ [البقرة: 24] أي فأنذر الذين كفروا وكل ذلك تكلف لا داعي إليه إلا الوقوف عند ظاهر كلام النحاة مع أن صاحب «الكشاف» لم يعبأ به قال عبد الحكيم لأن منع النحاة إذا انتفت قرينة تدل على تغاير المخاطبين والنداء ضرب من القرينة نحو: ﴿ يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ﴾ [يوسف: 29] ا ه.

يريد أن كل ما يدل على المراد بالخطاب فهو كاف وإنما خص النحاة النداء لأنه أظهر قرينة واختلاف الأمرين هنا بعلامة الجمع والإفراد دال على المراد، وأيًّا ما كان فقد روعي في الجمل المعطوفة ما يقابل ما في الجمل المعطوف عليها فقوبل الإنذار الذي في قوله: ﴿ فاتقوا النار ﴾ [البقرة: 24] بالتبشير وقوبل ﴿ الناس ﴾ [البقرة: 21] المراد به المشركون بالذين آمنوا وقوبل (النار) بالجنة فحصل ثلاثة طباقات.

والتبشير الإخبار بالأمر المحبوب فهو أخص من الخبر.

وقيد بعض العلماء معنى التبشير بأن يكون المخبر (بالفتح) غير عالم بذلك الخبر والحق أنه يكفي عدم تحقق المخبر (بالكسر) عِلْم المخبر (بالفتح) فإن المخبر (بالكسر) لا يلزمه البحث عن علم المخاطب فإذا تحقق المخبر علم المخاطب لم يصح الإخبار إلا إذا استعمل الخبر في لازم الفائدة أو في توبيخ ونحوه.

والصالحات جمع صالحة وهي الفعلة الحسنة فأصلها صفة جرت مجرى الأسماء لأنهم يقولون صالحة وحسنة ولا يقدرون موصوفاً محذوفاً قال الحطيئة: كيفَ الهجاءُ وما تنفَكُّ صَالحةٌ *** من آل لأْممٍ بظهر الغيببِ تأتينا وكأنَّ ذلك هو وجه تأنيثها للنقل من الوصفية للاسمية.

والتعريف هنا للاستغراق وهو استغراق عرفي يحدد مقداره بالتكليف والاستطاعة والأدلة الشرعية مثل كون اجتناب الكبائر يغفر الصغائر فيجعلها كالعدم.

فإن قلت: إذا لم يقل وعملوا الصالحة بالإفراد فقد قالوا إن استغراق المفرد أشْمَلُ من استغراق المجموع، قلت تلك عبارة سرت إليهم من كلام صاحب «الكشاف» في هذا الموضع من تفسيره إذ قال: «إذا دخلت لام الجنس على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه ا ه.

فاعتمدها صاحب «المفتاح» وتناقلها العلماء ولم يفصِّلوا بيانها.

ولعل سائلاً يسأل عن وجه إتيان العرب بالجموع بعد أل الاستغراقية إذا كان المفرد مغنياً غناءها فأقول: إن أل المُعَرِّفة تأتي للعهد وتأتي للجنس مراداً به الماهية وللجنس مراداً به جميع أفراده التي لا قرار له في غيرها فإذا أرادوا منها الاستغراق نظروا فإن وجدوا قرينة الاستغراق ظاهرة من لفظ أو سياق نحو: ﴿ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ﴾ [العصر: 2، 3] ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ [آل عمران: 119] ﴿ والمَلَكُ على أرجائها ﴾ [الحاقة: 17] اقتنعوا بصيغة المفرد لأنه الأصل الأحَفُّ وإن رأوا قرينة الاستغراق خفية أو مفقودة عدلوا إلى صيغة الجمع لدلالة الصيغة على عدة أفراد لا على فرد واحد.

ولما كان تعريف العهد لا يتوجه إلى عدد من الأفراد غالباً تعين أن تعريفها للاستغراق نحو: ﴿ واللَّهُ يحب المحسنين ﴾ [آل عمران: 134] لئلا يتوهم أن الحديث على مُحسن خاص نحو قولها: ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ [يوسف: 52] لئلا يتوهم أن الحديث عن خائن معين تعني نفسها فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق.

وانتصب الصالحات على المفعول به لعملوا على المعروف من كلام أئمة العربية وزعم ابن هشام في الباب السادس من «مغني اللبيب» أن مفعول الفعل إذا كان لا يوجد إلا بوجود فعله كان مفعولاً مطلقاً لا مفعولاً به فنحو: ﴿ عملوا الصالحات ﴾ مفعول مطلق ونحو: ﴿ خلق الله السماوات ﴾ [العنكبوت: 44] كذلك، واعتضد لذلك بأنّ ابن الحاجب في «شرح المفصل» زعم أن المفعول المطلق يكون جملة نحو قال زيد عمرو منطلق وكلام ابن هشام خطأ وكلام ابن الحاجب مثله، وقد رده ابن هشام نفسه.

والصواب أن المفعول المطلق هو مصدر فعله أو ما يجري مجراه.

والجنات جمع جنة، والجنة في الأصل فعلة من جنه إذا ستره نقلوه للمكان الذي تكاثرت أشجاره والتف بعضها ببعض حتى كثر ظلها وذلك من وسائل التنعم والترفه عند البشر قاطبة لا سيما في بلد تغلب عليه الحرارة كبلاد العرب قال تعالى: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ [النبأ: 16].

والجري حقيقته سرعة شديدة في المشي، ويطلق مجازاً على سَيْل الماء سَيْلاً متكرراً متعاقباً وأحسن الماء ما كان جارياً غير قار لأنه يكون بذلك جديداً كلما اغترف منه شارب أو اغتسل مغتسل.

والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح والنهر الأُخدود الجاري فيه الماء على الأرض وهو مشتق من مادة نَهَر الدالة على الانشقاق والاتساع ويكون كبيراً وصغيراً.

وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة ولأن الناظر يرى منظراً بديعاً وشيئاً لذيذاً.

وأودع في النفوس حب ذلك فإما لأن الله تعالى أعد نعيم الصالحين في الجنة على نحو ما ألفته أرواحهم في هذا العالم فإن للإلف تمكناً من النفوس والأرواح بمرورها على هذا العالم عالم المادة اكتسبت معارف ومألوفات لم تزل تحن إليها وتعدها غاية المنى ولذا أعد الله لها النعيم الدائم في تلك الصور، وإما لأن الله تعالى حبب إلى الأرواح هاته الأشياء في الدنيا لأنها على نحو ما ألفته في العوالم العليا قبل نزولها للأبدان لإلفها بذلك في عالم المثال، وسبب نفرتها من أشكال منحرفة وذوات بشعة عدم إلفها بأمثالها في عوالمها.

والوجه الأول الذي ظهر لي أراه أقوى في تعليل مجيء لذات الجنة على صور اللذات المعروفة في الدنيا وسينفعنا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وأتوا به متشابهاً ﴾ .

ومعنى ﴿ من تحتها ﴾ من أسفلها والضمير عائد إلى الجنات باعتبار مجموعها المشتمل على الأشجار والأرض النابتة فيها ويجوز عود الضمير إلى الجنات باعتبار الأشجار لأنها أهم ما في الجنات، وهذا القيد لمجرد الكشف فإن الأنهار لا تكون إلا كذلك ويفيد هذا القيد تصوير حال الأنهار لزيادة تحسين وصف الجنات كقول كعب بن زهير: شُجَّت بذِي شبَممٍ من ماء مَحنية *** صاففٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمولُ البيتين.

وقد أورد صاحب «الكشاف» توجيهاً لتعريف الأنهار ومخالفتها لتنكير (جنات) إما بأن يراد تعريف الجنس فيكون كالنكرة وإما بأن يراد من التعريف العهد إلا أنه عهد تقديري لأن الجنات لما ذكرت استحضر لذهن السامع لوازمها ومقارناتها فساغ للمتكلم أن يشير إلى ذلك المعهود فجيء باللام، وهذا معنى قوله أو يراد أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة، يريد أن المتكلم في مثل هذا المقام في حيرة بين أن يأتي بالأنهار معرفة بالإضافة للجنات وبين أن يعرفها بأل العهدية عهداً تقديرياً واختير الثاني تفادياً من كلفة الإضافة وتنبيهاً على أن الأنهار نعمة مستقلة جديرة بأن لا يكون التنعم بها تبعاً للتنعم بالجنات وليس مراده أن أل عوض عن المضاف إليه على طريقة نحاة الكوفة لأنه قد أباه في تفسير قوله تعالى: ﴿ فإن الجحيم هي المأوى ﴾ [النازعات: 39] وإنما أراد أن الإضافة واللام متعاقبتان هنا وليس ذلك صالحاً في كل موضع على أني أرى مذهب الكوفيين مقبولاً وأنهم ما أرادوا إلا بيان حاصل المعنى من ذلك التعريف فإن تقدير المضاف إليه هو الذي جعل المضاف المذكور كالمعهود فأدخلت عليه لام التعريف العهدي.

وعندي أن الداعي إلى التعريف هو التفنن لئلا يعاد التنكير مرة ثانية فخولف بينهما في اللفظ اقتناعاً بسورة التعريف.

وقوله: ﴿ من تحتها ﴾ يظهر أنه قيد كاشف قصد منه زيادة إحضار حالة جري الأنهار إذ الأنهار لا تكون في بعض الأحوال تجري من فوق فهذا الوصف جيء به لتصوير الحالة للسامع لقصد الترغيب وهذا من مقاصد البلغاء إذ ليس البليغ يقتصر على مجرد الإفهام، وقريب من هذا قول النابغة يصف فرس الصائد وكلابه: من حس أطلس تسعى تحته شرع *** كأن أحناكها السفلى مآشير والتحت اسم لجهة المكان الأسفل وهو ضد الأعلى، ولكل مكان علوٌّ وسفلٌ ولا يقتضي ذلك ارتفاعَ ما أضيف إليه التحت على التحت بل غاية مدلوله أنه بجهة سفله قال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾ [الزحرف: 51] فلا حاجة إلى تأويل الجنة هنا بالأشجار لتصحيح التحت ولا إلى غيره من التكلفات.

﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ متشابها وَلَهُمْ فِيهَآ أزواج مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .

جملة: ﴿ كلما رزقوا ﴾ يجوز أن تكون صفة ثانية لجنات، ويجوز أن تكون خبراً عن مبتدأ محذوف وهو ضمير ﴿ الذين آمنوا ﴾ فتكون جملة ابتدائية الغرض منها بيان شأن آخر من شؤون الذين آمنوا، ولكمال الاتصال بينها وبين جملة ﴿ أن لهم جنات ﴾ فصلت عنها كما تفصل الأخبار المتعددة.

و (كلما) ظرف زمان لأن كلا أضيفت إلى ما الظرفية المصدرية فصارت لاستغراق الأزمان المقيدة بصلة ما المصدرية وقد أشربت معنى الشرط لذلك فإن الشرط ليس إلا تعليقاً على الأزمان المقيدة بمدلول فعل الشرط ولذلك خرجت كثير من كلمات العموم إلى معنى الشرط عند اقترانها بما الظرفية نحو كيفما وحيثما وأنما وأينما ومتى وما مهما.

والناصب لكلما الجواب لأن الشرطية طارئة عليها طرياناً غير مطرد بخلاف مهما وأخواتها.

وإذ كانت كلما نصاً في عموم الأزمان تعين أن قوله ﴿ من قبل ﴾ المبني على الضم هو على تقدير مضاف ظاهر التقدير أي من قبل هذه المرة فيقتضي أن ذلك ديدن صفات ثمراتهم أن تأتيهم في صور ما قدم إليهم في المرة السابقة.

وهذا إما أن يكون حكاية لصفة ثمار الجنة وليس فيه قصد امتنان خاص فيكون المعنى أن ثمار الجنة متحدة الصورة مختلفة الطعوم.

ووجه ذلك والله أعلم أن اختلاف الأشكال في الدنيا نشأ من اختلاف الأمزجة والتراكيب فأما موجودات الآخرة فإنها عناصر الأشياء فلا يعتورها الشكل وإنما يجيء في شكل واحد وهو الشكل العنصري.

ويحتمل أن في ذلك تعجيباً لهم والشيء العجيب لذيذ الوقع عند النفوس ولذلك يرغب الناس في مشاهدة العجائب والنوادر.

وهذا الاحتمال هو الأظهر من السياق.

ويحتمل أن كلما لعموم غير الزمن الأول فهو عام مراد به الخصوص بالقرينة، ومعنى (من قبل) في المرة الأولى من دخول الجنة.

ومن المفسرين من حمل قوله ﴿ من قبل ﴾ على تقدير من قبل دخول الجنة أي هذا الذي رزقناه في الدنيا، ووجهه في «الكشاف»: «بأن الإنسان بالمألوف آنس» وهو بعيد لاقتضائه أن يكون عموم كلما مراداً به خصوص الإتيان به في المرة الأولى في الجنة ولأنه يقتضي اختلاف الطعم واختلاف الأشكال وهذا أضعف في التعجب، ولأن من أهل الجنة من لا يعرف جميع أصناف الثمار فيقتضي تحديد الأصناف بالنسبة إليه.

وقوله: ﴿ وأتوا به متشابهاً ﴾ ظاهر في أن التشابه بين المأتي به لا بينه وبين ثمار الدنيا.

ثم مَنّ الله عليهم بنعمة التأنس بالأزواج ونزه النساء عن عوارض نساء الدنيا مما تشمئز منه النفس لولا النسيان فجمع لهم سبحانه اللذات على نحو ما ألفوه فكانت نعمة على نعمة.

والأزواج جمع زوج يقال للذكر والأنثى لأنه جعل الآخر بعد أن كان مفرداً زوجاً وقد يقال للأنثى زوجة بالتاء وورد ذلك في حديث عمار بن ياسر في البخاري: «إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة» يعني عائشة وقال الفرزدق: وإنّ الذي يَسعى ليفسد زَوجتي *** كساععٍ إلى أُسد الشَّرى يستمليها وقوله: ﴿ وهم فيها خالدون ﴾ احتراس مِن تَوَهُّم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه كما قال أبو طيب: أشدُّ الغم عندي في سرور *** تحقَّقَ عنه صاحبُه انتقالا وقوله: ﴿ مطهرة ﴾ هو بزنة الإفراد وكان الظاهر أن يقال مطهرات كما قرئ بذلك ولكن العرب تعدل عن الجمع مع التأنيث كثيراً لثقلهما لأن التأنيث خلاف المألوف والجمع كذلك، فإذا اجتمعا تفادوا عن الجمع بالإفراد وهو كثير شائع في كلامهم لا يحتاج للاستشهاد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ بَشِّرْ مِنَ البِشارَةِ، أوْ خَبَرٌ يَرِدُ عَلَيْكَ بِما يَسُرُّ، وقِيلَ: بِما يُسِرُّ ويُغِمُّ، وإنَّما كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيما يَسُرُّ، حَتّى عُدِلَ بِهِ عَمّا يُغِمُّ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ وهي ظاهِرُ الجِلْدِ لِتَغَيُّرِها بِأوَّلِ خَبَرٍ [يَرِدُ عَلَيْهِ] .

والجَنّاتُ جَمْعُ جَنَّةٍ، وهي البُسْتانُ ذُو الشَّجَرِ، وسُمِّيَ جَنَّةً لِأنَّ ما فِيهِ مِنَ الشَّجَرِ يَسْتُرُهُ، وقالَ المُفَضَّلُ: الجَنَّةُ كُلُّ بُسْتانٍ فِيهِ نَخْلٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَجَرٌ غَيْرُهُ، فَإنْ كانَ فِيهِ كَرْمٌ فَهو فِرْدَوْسٌ، كانَ فِيهِ شَجَرٌ غَيْرُ الكَرْمِ أوْ لَمْ يَكُنْ.

﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ يَعْنِي مِن تَحْتِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: إنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ تَجْرِي مِن غَيْرِ أُخْدُودٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا ﴾ أيْ مِن ثِمارِ شَجَرِها.

﴿ قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: أنَّ هَذا الَّذِي رُزِقْناهُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، مِثْلُ الَّذِي رُزِقْناهُ مِن ثِمارِ الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ ثِمارَ الجَنَّةِ إذا جَنَيْتَ مِن أشْجارِها، اسْتَخْلَفَ مَكانَها مِثْلُها، فَإذا رَأوْا ما اسْتَخْلَفَ بَعْدَ الَّذِي جُنِيَ، اشْتُبِهَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿ هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ ﴾ ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدٍ ويَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى التَّشابُهِ أنَّ كُلَّهُ خِيارٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ولَيْسَ كَثِمارِ الدُّنْيا، الَّتِي لا تَتَشابَهُ لِأنَّ فِيها خِيارًا وغَيْرَ خِيارٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّ التَّشابُهَ في اللَّوْنِ دُونَ الطَّعْمِ فَكَأنَّ ثِمارَ الجَنَّةِ في ألْوانِ ثِمارِ الدُّنْيا، وإنْ خالَفَتْها في الطَّعْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّشابُهَ في الأسْماءِ دُونَ الألْوانِ والطُّعُومِ، فَلا تُشْبِهُ ثِمارَ الجَنَّةِ شَيْئًا مِن ثِمارِ الدُّنْيا في لَوْنٍ ولا طَعْمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ الأشْجَعِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ في الأبْدانِ، والأخْلاقِ، والأفْعالِ، فَلا يَحِضْنَ، ولا يَلِدْنَ، ولا يَذْهَبْنَ إلى غائِطٍ ولا بَوْلٍ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ التَّفْسِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان وابن أبي داود والبيهقي كلاهما في البعث وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن اسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تزهر، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في فاكهة دار سليمة، وفاكهة خضرة وخيرة ونعمة، في محلة عالية بهية قالوا: نعم يا رسول الله قال: قولوا إن شاء الله قال القوم: إن شاء الله...» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وابن حبان في صحيحه والبيهقي في البهث عن أبي هريرة قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟

قال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وحصاؤها اللؤلؤ والياقوت، وملاطها المسك، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا ييأس، ويخلد لا يموت.

لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه عن ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة كيف هي؟

قال: «من يدخل الجنة يحيا لا يموت، وينعم لا ييأس.

لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه.

قيل يا رسول الله كيف بناؤها؟

قال: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها مسك أذفر، وحصاؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران» .

وأخرج البزار والبيهقي في البعث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن حائط الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، ومجامرهم الالوّة، وأمشاطهم الذهب، ترابها زعفران، وطيبها مسك» .

وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن أبي هريرة قال: حائط الجنة لبنة ذهب، ولبنة فضة، ودرمها اللؤلؤ والياقوت، ورضاضها اللؤلؤ، وترابها الزعفران.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أرض الجنة بيضاء، عرصتها صخور الكافور وقد أحاط به المسك مثل كثبان الرمل، فيها أنهار مطردة.

فيجتمع أهل الجنة أولهم وآخرهم، يتعارفون فيبعث الله عليهم ريح الرحمة، فتهيج عليهم المسك، فيرجع الرجل إلى زوجه وقد ازداد حسناً وطيباً فتقول: لقد خرجت من عندي وأنا بك معجبة، وأنا بك الآن أشد إعجاباً» .

وأخرج أبو نعيم عن سعيد بن جبير قال: أرض الجنة فضة.

وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، ثم شقق فيها الأنهار، وغرس فيها الأشجار، فلما نظرت الملائكة إلى حسنها وزهرتها قالت: طوباك منزل الملوك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن أبي سعيد.

أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله ابن صائد عن تربة الجنة فقال: «درمكة بيضاء مسك خالص» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبو الشيخ في العظمة عن أبي زميل.

أنه سأل ابن عباس ما أرض الجنة؟

قال: مرمرة بيضاء من فضة كأنها مرآة قال: ما نورها؟

قال: ما رأيت الساعة التي يكون فيها طلوع الشمس فذلك نورها، إلا أنه ليس فيها شمس، ولا زمهرير قال: فما أنهارها أفي أخدود؟

قال: لا ولكنها تفيض على وجه الأرض، لا تفيض هاهنا ولا هاهنا قال: فما حللها؟

قال: فيها الشّجر فيها الثمر كأنه الرمان، فإذا أراد ولي الله منها كسوة انحدرت إليه من أغصانها فانفلقت له من سبعين حلة، ألواناً بعد ألوان ثم لتطبق فترجع كما كانت.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله جنة عدن بيده وذلل فيها ثمارها وشق فيها أنهارها ثم نظر إليها فقال لها تكلمي فقالت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ [ المؤمنون: 1] فقال وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» .

وأخرج البزار عن ابن عباس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق جنة عدن بيضاء» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهنا بن السري في الزهد وابن ماجة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها» .

وأخرج الترمذي وابن أبي الدنيا عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم «لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدا أساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم» .

وأخرج البخاري عن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله قد علمت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة صبرت، وإن يكن غير ذلك ترى ما أصنع؟

فقال: «إنها ليست بجنة واحدة، إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى» .

وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خاف ادلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية» .

وأخرج الحاكم عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: والذي أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم إن أهل الجنة ليزدادون حسناً وجمالاً كما يزدادون في الدنيا قباحة وهرماً.

أما قوله تعالى: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ تجري من تحتها ﴾ أي يعني المساكن، تجري أسفلها أنهارها.

أخرج ابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنهار الجنة تفجر من تجت جبال مسك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حبان في التفسير والبيهقي في البعث وصححه عن ابن مسعود قال: إن أنهار الجنة تفجر من جبل مسك.

وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، كل من أنهار الجنة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس قال: إن في الجنة نهراً يقال له البيدخ، عليه قباب من ياقوت، تحته جوار نابتات يقول: أهل الجنة انطلقوا بنا إلى البيدخ، فيجيئون فيتصفحون تلك الجواري، فإذا أعجب رجل منهم بجارية مس معصمها، فتبعته وتنبت مكانها آخرى.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والنسائي وأبو يعلى والبيهقي في الدلائل والضياء المقدسي في صفة الجنة وصححه عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا الحسنة، فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت في المنام كأني أخرجت فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة التجّت لها الجنة، فإذا أنا بفلان وفلان حتى عدت اثني عشر رجلاً، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل ذلك، فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ، فغمسوا فيه، فخرجوا وجوههم كالقمر ليلة البدر، وأتوا بكراسي من ذهب فقعدوا عليها، وجيء بصحفة من ذهب فيها بسرة، فأكلوا من بسره ما شاؤوا، فما يقلبونها لوجهة إلا أكلوا من فاكهة ما شاؤوا، فجاء البشير فقال: يا رسول الله كان كذا وكذا...

وأصيب فلان وفلان، حتى عدَّ اثني عشر رجلاً فقال: «عليّ بالمرأة» فجاءت فقال: «قصي رؤياك على هذا» فقال الرجل: هو كما قالت أصيب فلان وفلان.

وأخرج البيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: إن في الجنة نهراً طول الجنة، حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأحسن أصوات، يسمعها الخلائق حتى ما يرون أن في الجنة لذة مثلها.

قلنا يا أبا هريرة وما ذاك الغناء؟

قال: إن شاء الله التسبيح، والتحميد، والتقديس، وثناء على الرب.

وأخرج أحمد بن حنبل في الزهد والدارقطني في المديح عن المعتمر بن سليمان قال: إن في الجنة نهراً ينبت الحواري الابكار.

وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس مرفوعاً: «في الجنة نهر يقال له الريان، عليه مدينة من مرجان، لها سبعون ألف باب من ذهب وفضة، لحامل القرآن» .

وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن مسروق قال: أنهار الجنة يجري في غير أخدود، ونخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها.

وثمرها أمثال القلال كلّما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعاً.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض لا...

والله أنها لسائحة على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر.

قلت: يا رسول الله ما الأذفر؟

قال: الذي لا خلط معه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه والضياء عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أنهار الجنة تشخب من جنة عدن في حوبة ثم تصدع بعد أنهاراً» .

وأما قوله تعالى: ﴿ كلما رزقوا منها ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً ﴾ قال: أتوا بالثمرة في الجنة فينظروا إليها فقالوا ﴿ هذا الذي رزقنا من قبل ﴾ في الدنيا، وأتوا به متشابهاً اللون، والمرأى وليس يشبه الطعم.

وأخرج عبد بن حميد عن علي بن زيد ﴿ كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ﴾ يعني به ما رزقوا به من فاكهة الدنيا قبل الجنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن قتادة في قوله: ﴿ هذا الذي رزقنا من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ وأتوا به متشابهاً ﴾ قال: يشبه ثمار الدنيا غير أن ثمر الجنة أطيب.

وأخرج مسدد وهناد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء.

وأخرج الديلمي عن عمر «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في طعام العرس مثقال من ريح الجنة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ هذا الذي رزقنا من قبل ﴾ قال: يقولون ما أشبهه به.

يقول من كل صنف مثل.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ هذا الذي رزقنا من قبل ﴾ قال: قولهم من قبل معناه.

مثل الذي كان بالأمس.

وأخرج ابن جرير عن يحيى بن كثير قال: يؤتى أحدهم بالصفحة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل فيقول الملك: كل اللون واحد والطعم مختلف.

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وأتوا به متشابهاً ﴾ قال: متشابهاً في اللون مختلفاً في الطعم.

مثل الخيار من القثاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وأتوا به متشابهاً ﴾ قال: خياراً كله لا رذل فيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ وأتوا به متشابهاً ﴾ قال: خيار كله يشبه بعضه بعضاً لا رذل فيه.

ألم تر إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه.

وأخرج البزار والطبراني عن ثوبان.

أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ينزع رجل من أهل الجنة من ثمرة إلا أعيد في مكانها مثلاها» .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق ابن حيوة عن خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان قال: بينا أسير في أرض الجزيرة إذ مررت برهبان، وقسيسين، واساقفة، فسلمت فردوا السلام فقلت: أين تريدون؟

فقالوا: نريد راهباً في هذا الدير، نأتيه في كل عام، فيخبرنا بما يكون في ذلك العام لمثله من قابل فقلت: لآتين هذا الراهب فلأنظرن ما عنده وكنت معنياً بالكتب فأتيته وهو على باب ديره، فسلمت فرد السلام ثم قال: ممن أنت؟

فقلت: من المسلمين قال: أمن أمة محمد؟

فقلت: نعم.

فقال: من علمائهم أنت أم من جهالهم؟

قلت: ما أنا من علمائهم، ولا أنا من جهالهم قال: فانكم تزعمون أنكم تدخلون الجنة فتأكلون من طعامها، وتشربون من شرابها، ولا تبولون ولا تتغوطون قلت: نحن نقول ذلك وهو كذلك قال: فإن له مثلاً في الدنيا فأخبرني ما هو؟

قلت: مثله كمثل الجنين في بطن أمه أنه يأتيه رزق الله في بطنها ولا يبول، ولا يتغوّط.

قال: فتربد وجهه ثم قال لي: أما أخبرتني أنك لست من علمائهم!

قلت: ما كذبتك قال: فإنكم تزعمون أنكم تدخلون الجنة فتأكلون من طعامها، وتشربون من شرابها، ولا ينقص ذلك منها شيئاً قلت: نحن نقول ذلك وهو كذلك قال: فإن له مثلاً في الدنيا فاخبرني ما هو؟

قلت: مثله في الدنيا كمثل الحكمة، لو تعلم منها الخلق أجمعون لم ينقص ذلك منها شيئاً، فتريد وجهه ثم قال: أما أخبرتني أنك لست من علمائهم!

قلت: ما كذبتك ما أنا من علمائهم، ولا من جهالهم.

وأخرج الحاكم وابن مردويه وصححه عن أبي سعيد الخدري «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة ﴾ قال: من الحيض، والغائط، والنخامة، والبزاق» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة ﴾ قال من القذر، والأذى.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة ﴾ قال: لا يحضن، ولا يحدثن، ولا يتنخمن.

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وهناد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة ﴾ قال: من الحيض، والغائط، والبول، والمخاط، والنخامة، والبزاق، والمني، والولد.

وأخرج وكيع وهناد عن عطاء في قوله: ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة ﴾ قال: لا يحضن، ولا يمنين، ولا يلدن، ولا يتغوّطن، ولا يبلن، ولا يبزقن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة ﴾ قال: طهرهن الله من كل بول، وغائط، وقذر، ومآثم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوّطون، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوّة، ورضخهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا» وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول زمرة تدخل الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر.

والزمرة الثانية أحسن كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقهن من وراء الحلل» .

وأخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، وإثنتان وسبعون زوجة، ومنصب له قبة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، كما بين الجابية وصنعاء» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في النعت عن أبي هريرة أنهم تذاكروا الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟

فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما في الجنة أحد إلا له زوجتان.

إنه ليرى مخ ساقهما من وراء سبعين حلة، ما فيها عزب» .

وأخرج الترمذي وصححه والبزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يزوّج العبد في الجنة سبعين زوجة فقيل: يا رسول الله يطيقها قال: يعطى قوّة مائة» .

وأخرج ابن السكن في المعرفة وابن عساكر في تاريخه عن حاطب بن أبي بلتعة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يزوّج المؤمن في الجنة اثنتين وسبعين زوجة سبعين من نساء الآخرة، واثنتين من نساء الدنيا» .

وأخرج ابن ماجة وابن عدي في الكامل والبيهقي في البعث عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوّجه اثنتين وسبعين زوجة.

اثنتين من الحور العين، وسبعين من ميراثه من أهل الجنة، ما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي، وله ذكر لا يثني» .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من له سبع درجات وهو على السادسة، وفوقه السابعة، وإن له لثلثمائة خادم، ويغدى عليه كل يوم ويراح بثلثمائة صفحة من ذهب، في كل صفحة لون ليس في الأخرة، وأنه ليلذ أوّله كما يلذ آخره، وانه ليقول: يا رب لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم ينقص مما عندي شيء، وأن له من الحور العين لإِثنتين وسبعين زوجة، وأن الواحدة منهن لتأخذ مقعدتها قدر ميل من الأرض» .

وأخرج البيهقي في البعث عن أبي عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يزوّج كل رجل من أهل الجنة بأربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف أيم، ومائة حوراء.

فيجتمعن في كل سبعة أيام فيقلن بأصوات حسان لم يسمع الخلائق بمثلهن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، طوبى لمن كان لنا وكنا له» .

وأخرج أحمد والبخاري عن أنس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها على رأسها يعني الخمار خير من الدنيا وما فيها» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس.

لو أن امرأة من أهل الجنة بصقت في سبعة أبحر كانت تلك الأبحر أحلى من العسل.

وأخرج أحمد في الزهد عن عمر بن الخطاب.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت الأرض ريح مسك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري عن كعب قال: لو أن امرأة من أهل الجنة أطلعت كفها لأضاء ما بين السماء والأرض.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وهناد بن السري في الزهد والنسائي وعبد بن حميد في مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟

فقال: والذي نفسي بيده إن الرجل منهم ليؤتى قوّة مائة رجل منكم، في الأكل، والشرب والجماع، والشهوة، قال: فإن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة، والجنة طاهرة ليس فيها قذر ولا أذى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حاجتهم عرق يفيض مثل ريح مسك، فإذا كان ذلك ضمر له بطنه» .

وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن عدي في الكامل والبيهقي في البعث عن أبي أمامة «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تتناكح أهل الجنة؟

فقال: دحاماً دحاماً...

لا مني ولا منية» .

وأخرج البزار والطبراني والخطيب والبغدادي في تاريخه عن أبي هريرة قال: «قيل يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟

فقال: إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء» .

وأخرج أبو يعلى والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: «قيل يا رسول الله أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما نفضي إليهن في الدنيا؟

قال: والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء» .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم تتناكح أهل الجنة؟

فقال: نعم.

بفرج لا يمل وذكر لاينثني، وشهوة لا تنقطع، دحماً دحماً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا والبزار عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تمس أهل الجنة أزواجهم؟

قال: نعم بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع» .

وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم عن سليم بن عامر والهيثم الطائي «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البضع في الجنة؟

قال: نعم بقبل شهي، وذكر لا يمل، وأن الرجل ليتكئ فيها المتكأ مقدار أربعين سنة، لا يتحوّل عنه، ولا يمله، يأتيه فيه ما اشتهته نفسه، ولذت عينه» .

وأخرج البيهقي في البعث وابن عساكر في تاريخه عن خارجه العذري قال: سمعت رجلاً بتبوك قال: «يا رسول الله أيباضع أهل الجنة؟

قال: يعطي الرجل منهم من القوّة في اليوم الواحد أفضل من سبعين منكم» .

وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن البول والجنابة عرق يسيل من تحت ذوائبهم إلى أقدامهم مسك» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والأصبهاني في الترغيب عن أبي الدرداء قال: ليس في الجنة مني ولا منية، إنما يدحمونهن دحماً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس قال: أهل الجنة ينكحون النساء ولا يلدن، ليس فيها مني ولا منية.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء الخراساني.

مثله.

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وهناد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن إبراهيم النخعي قال: في الجنة جماع ما شئت، ولا ولد قال: فيلتفت فينظر النظرة فتنشأ له الشهوة، ثم ينظر النظرة فتنشأ له شهوة أخرى.

وأخرج الضياء المقدسي في صفة الجنة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه سئل انطأ في الجنة؟

قال: نعم.

والذي نفسي بيده دحماً دحماً...

فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكراً» .

وأخرج البزار والطبراني في الصغير وأبو الشيخ في العظمة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا ابكاراً» .

وأخرج عبد بن حميد وأحمد بن حنبل في زوائد الزهد وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو قال: إن المؤمن كلما أراد زوجتة وجدها بكراً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: طول الرجل من أهل الجنة تسعون ميلاً.

وطول المرأة ثلاثون ميلاً.

ومقعدتها جريب، وأن شهوته لتجري في جسدها سبعين عاماً تجد اللذة.

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي داود في البعث عن معاذ بن حنبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا» .

أما قوله تعالى: ﴿ وهم فيها خالدون ﴾ .

أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهم فيها خالدون ﴾ أي خالدون أبداً.

يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله لا انقطاع له.

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهم فيها خالدون ﴾ يعني لا يموتون.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل وهم فيها خالدون؟

قال: ماكثون لا يخرجون منها أبداً قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول عدي بن زيد: فهل من خالد إما هلكنا ** وهل بالموت يا للناس عار وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل أهل الجنة، الجنة وأهل النار النار.

ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، كل خالد فيما هو فيه» .

وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «يقال لأهل الجنة خلود ولا موت، ولأهل النار خلود ولا موت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن ماجة والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالموت في هيئة كبش أملح، فيوقف على الصراط فيقال: يا أهل الجنة.

فيطلعون خائفين وجلين مخافة أن يخرجوا مما هم فيه.

فيقال: تعرفون هذا؟

فيقولون: نعم هذا الموت فيقال: يا أهل النار.

فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا مما هم فيه.

فيقال: أتعرفون هذا؟

فيقولون: نعم.

هذا الموت.

فيؤمر به، فيذبح على الصرط، فيقال للفريقين: خلود فيما تجدون، لا موت فيها أبداً» .

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فلما قدم عليهم قال: «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم إن المردّ إلى الله، إلى جنة أو نار، خلود بلا موت، وإقامة بلا ظعن، في أجساد لا تموت» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا بها، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا.

ولكن جعل لهم الأبد» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ الآية.

و (التبشير) إيراد الخبر السارّ الذي يظهر (١) ﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ (٢) (٣) (٤) بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنِ في النَّدى ...

بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلاَمَتِي وِعِتَابِي (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ أي: الفعلات أو الأعمال، فالموصوف بها محذوف.

قال ابن عباس: عملوا الطاعات فيما بينهم وبين ربهم (٩) وقوله تعالى: ﴿ أنَّ لَهُمْ ﴾ موضع (أن) نصب، معناه: بشرهم بأن لهم فلما سقطت (الباء) وصل الفعل إلى (أن) فنصب (١٠) وقوله تعالى: ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ .

(جنات) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وَجْنَّ الخَازِبازِ بِه جُنُونَا (١٥) جعل بعضهم (الخَازِبَازِ) نبتاً، وجنونه التفافه (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها (١٨) (١٩) (٢٠) وجاء في الحديث: "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" (٢١) وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا ﴾ .

(كل) (٢٢) (٢٣) ﴿ رُزِقوُاْ ﴾ أي: أطعموا (٢٤) ﴿ مِن ثَمَرَةٍ ﴾ (من) صلة (٢٥) (٢٦) ويجوز أن يكون للتبعيض، لأنهم إنما يرزقون بعض ثمار الجنة (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ قَالُواْ هَذَا اَلَّذِى رُزِقنَا مِن قَبل ﴾ .

(٢٨) (٢٩) (٣٠) و (قبل) يبنى على الضم في مثل هذا الموضع، لأنها تضمنت معنيين، أحدهما: معناها في ذاتها، وهو السبق (٣١) والآخر: معنى ما بعدها، لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة (٣٢) (٣٣) ﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ  ﴾ ، تأويله: من قبل كل شيء وبعده (٣٤) وهذا مذهب الفراء (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ﴾ .

أي بعضها يشبه بعضاً في اللون والصورة مختلفاً في الطعم، وذلك أبلغ في باب الإعجاب وأدل على الحكمة، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة (٤٦) وقال الحسن وقتادة وابن جريج: متشابها في الفضل، خيار كله لا رذال (٤٧) (٤٨) كما يؤتى الرجل بأثواب ليختار منها، فإذا قلبها (٤٩) (٥٠) مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تقل (٥١) (٥٢) أي هم متشابهون في الفضل (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ .

(الأزواج) جمع زوج وزوجة، وشكل كل شيء: زوجه (٥٧) ﴿ مُطَهَّرُةٌ ﴾ أي: من كل أذى وقذر ممّا (٥٨) (٥٩) وقيل: عن مساوئ الأخلاق (٦٠) ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37)  ﴾ .

وقيل: من آفات الشيب والهرم (٦١) ويقال: إنه أراد زوجاتهم من الآدميات، ويقال: أراد من الحور العين (٦٢) ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء فيها، كما أن التنغيص (٦٣) (٦٤) (١) في (ب) (يظهر أثر السرور).

(٢) طرف من آية في آل عمران: 21، والتوبة: 34، والانشقاق: 24.

(٣) (إلا أنه) ساقط من (ب).

(٤) انظر "تفسير الطبري" 1/ 169، "الزاهر" 2/ 135، "تهذيب اللغة" (بشر) 1/ 338، "تفسير ابن عطية" 1/ 206، "زاد المسير" 1/ 52، "القرطبي" 1/ 204، "مفردات الراغب": ص 47 - 48.

(٥) البيت لضَمْرة بن ضَمْرة مع أبيات أخرى قالها يخاطب امرأته لما لامته على البذل، بكرت: عجلت، بعد وهن: بعد النوم، الندى: السخاء، بسل عليك: حرام عليك.

ورد البيت في "النوادر" لأبي زيد: ص 143، "أمالي القالي" 2/ 279، "الزاهر" == 1/ 452، "أضداد ابن الأنباري": ص 63، "أضداد السجستاني": ص104، والشاهد فيه هنا: (بكر) أصله من البكور بالصباح ثم استعمل في كل من عجل، كذلك (البشارة)، توسع فيه واستعمل في نقيض الخبر السار.

(٦) (إذا) كذا ورد في جميع النسخ، ولعل الأولى (إذ).

(٧) (قد) ساقطة من (ب).

(٨) انظر "الزاهر" 2/ 135.

وقال ابن فارس: وربما حمل عليه غيره من الشر، وأظن ذلك جنسا من التبكيت، فأما إذا أطلق الكلام إطلاقا فالبشارة بالخير والنذارة بغيره، "مقاييس اللغة" (بشر) 1/ 251.

وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 206.

وانظر "الكشاف" 1/ 254، وقال أبو حيان: (وظاهر كلام الزمخشري أنه لا يكون إلا في الخير ...

وهو محجوج بالنقل)، "البحر" 1/ 109.

(٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" وذكر أقوالا أخرى عن عثمان وعلي ومعاذ بن جبل وسهل ابن عبد الله 1/ 57 ب، 58 أ، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 103.

(١٠) ذكر الزجاج في "معاني القرآن"1/ 68.

وفيه (فنصبت) وذكر قولا آخر وهو أنه يجوز أن، تكون (أن) في موضع خفض، إن سقطت الباء.

انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 207، "القرطبي" 1/ 205، "البحر" 1/ 112.

(١١) (جنات) ساقطة من (ب).

(١٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 207، "القرطبي" 1/ 205.

(١٣) "تهذيب اللغة" (جن) 1/ 673، وانظر "الصحاح" (جنن) 5/ 2093، "اللسان" (جنن) 2/ 701.

(١٤) (وقال) مكانها بياض في (أ) وساقط من (ج).

(١٥) البيت لابن أحمر وصدره: تَفَقَّأ فَوْقَه القَلَعُ السَّوَارِي ويروى (تَفَقَّع) و (تكسر فوقها) وهو يصف روضة، و (القلع): السحاب، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (خزب) 1/ 1020، و (فقأ) 3/ 2811، و (جن) 1/ 673، (الآن) 1/ 98، وفي "الصحاح" (جن) 5/ 2093، وفي "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 438، وفي "اللسان" (جنن) 2/ 705، و (قلع) 6/ 3724.

(١٦) وقال بعضهم: هو (ذباب) وجنونه كثرة ترنمه في طيرانه.

انظر: "تهذيب اللغة" (جن) 1/ 673، "الصحاح" (جنن) 5/ 2093.

(١٧) (الجَنَان): روعُ القلب، و (الجنين): الولد في الرحم، و (الجنَنُ): القبر، انظر "تهذيب اللغة" (جن) 1/ 673.

(١٨) انظر: "الطبري" 1/ 170، والثعلبي1/ 58 أ، وابن عطية 1/ 207، "زاد المسير" 1/ 52.

(١٩) في (أ)، (ب): (تجري).

(٢٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ، وابن عطية 1/ 207 - 208، "القرطبي" 1/ 205.

(٢١) بهذا اللفظ ذكره الثعلبي قال: جاء في الحديث: "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" موقوفاً على مسروق ولفظه.

"أنهار الجنة في غير أخدود ..

"، مصنف ابن أبي شيبة، كتاب "الجنة" 7/ 53 - 54، وكذا أخرجه "الطبري" موقوفاً على مسروق ولفظه: (...

وماؤها يجري في غير أخدود) 1/ 170، وذكره.

"القرطبي" قال: (روي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد) "تفسير القرطبي" 1/ 206.

وقال ابن كثير 1/ 67: جاء في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود.

وذكره السيوطي في "الدر" عن مسروق، وعزاه لابن المبارك، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في "البعث"، "الدر" 1/ 82.

(٢٢) (كل) ساقط من (ب).

(٢٣) أنظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 151، "إملاء ما من به الرحمن": ص 23، "البيان في غريب إعراب القرآن": ص 62، "الدر المصون" 1/ 179.

(٢٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ.

(٢٥) في (ب): (طلة).

(٢٦) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ.

(٢٧) المشهور أن (من) في هذا، وفي قوله: (من قبل) لابتداء الغاية، وقيل: للبيان.

انظر: "الكشاف" 1/ 260، "البحر" 1/ 114، "الدر المصون" 1/ 215.

(٢٨) (قالوا) ساقط (ب).

(٢٩) ذكر ابن جرير في قوله: (هذا الذي رزقنا من قبل) قولين: أحدهما: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا.

ورجح هذا القول، لأن أول رزق في الجنة لم يسبقه شيء.

الثاني: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا.

انظر "تفسير الطبري" 1/ 171 - 172، وانظر "القرطبي" 1/ 206، "البحر" 1/ 114.

(٣٠) ذكره "الطبري" في جواب سؤال أورده وهو قوله: فإن سألنا سائل، فقال: وكيف قال القوم: هذا الذي رزقنا من قبل، والذي رزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه؟

وكيت يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له؟

ثم أجاب عنه بنحو ما ذكر الواحدي هنا، "الطبري" 1/ 172.

(٣١) بنيت على الضم لأنها غاية، انظر "معاني القرآن" للفراء 2/ 320، والزجاج 4/ 176، "تهذيب اللغة" (قبل) 3/ 2875، "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 151، "البحر" 1/ 114.

(٣٢) انظر المراجع السابقة.

(٣٣) وهي الضمة، وقال الزجاج: وإنما بنيتا على الضم -أي قبل وبعد- لأن إعرابهما في الإضافة النصب والخفض ...

فلما عدلا عن بابهما حركا بغير الحركتين اللتين كانتا تدخلان عليهما بحق الإعراب، "معاني القرآن" 4/ 176.

(٣٤) انظر.

"معاني القرآن" للفراء 2/ 319، والزجاج 4/ 176، "القرطبي" 1/ 206.

(٣٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 319، 320.

(٣٦) انظر: "المقتضب" 3/ 174، 175.

(٣٧) في (ب): (كقوله).

(٣٨) انظر ما سبق عن (نحن) في قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  ﴾ : 2/ 158 - 159.

(٣٩) في (أ) و (ج): (أوتاتي).

(٤٠) أحد شيوخ الواحدي في النحو، وقد تقدمت ترجمته في الكلام عن شيوخه.

(٤١) في (ب): (أعرف).

(٤٢) وهو قول الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 176، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 151.

(٤٣) (يكن) سقط من (ب).

(٤٤) في (ب) و (ج): (تبنى).

(٤٥) انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 176، نقله الواحدي بمعناه.

(٤٦) أخرجه "الطبري" بسنده عن طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن أبن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي  وعن الثوري، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد 1/ 173، وذكر ابن أبي حاتم نحوه عن أبي العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي 1/ 67، وذكره الثعلبي عن ابن عباس ومجاهد والسدي 1/ 58 ب، وانظر: "الدر" 1/ 83، ابن كثير 1/ 67، "زاد المسير" 1/ 53، وأخرج ابن جرير عن مجاهد: (متشابهاً) في اللون والطعم 1/ 173.

(٤٧) عند "الطبري" (لا رذل) 1/ 172.

(٤٨) أخرجه "الطبري" بسنده عن الحسن وقتادة وابن جريج، 1/ 172 - 173.

وابن أبي حاتم عن قتادة 1/ 67، والثعلبي عن الحسن وقتادة 1/ 58 ب، وانظر (الدر) 1/ 83، "زاد المسير" 1/ 53، والبغوي 1/ 74.

(٤٩) في (ب): (قبلها).

(٥٠) ذكره ابن الأنباري مع البيت في "الأضداد": ص 387.

(٥١) في (ب) (تقول).

(٥٢) ذكره المبرد في "الكامل" مع أبيات أخرى، ونسبه لعبيد بن العرندس يصف قوما نزل بهم ضيفاً، "الكامل" 1/ 78، 79.

وأنشده ابن الأنباري في "الأضداد": ص 387، وهو في شواهد "الكشاف"، ونسبه لعبيد بن الأبرص قال: وقيل: العرندس: ص 57، والصحيح: العرندس كما قال المبرد، وليس في ديوان عبيد بن الأبرص.

(٥٣) "الأضداد" لابن الأنباري: ص 387.

(٥٤) في (ب): (من).

(٥٥) (الأضداد) لابن الأنباري.

ص 386، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 68، "زاد المسير" 1/ 53.

(٥٦) لم أجد من قال به فيما اطلعت عليه.

(٥٧) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 175، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 69، (الأضداد) لابن الأنباري: ص 374، "تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1574.

(٥٨) من (ب)، وفي غيرها: (مما).

(٥٩) ذكر ابن جرير عن عدد من الصحابة ومن بعدهم 1/ 175 - 176.

وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 69، (تفسير أبي الليث) 1/ 104، "تفسير الثعلبي" 1/ 58 ب، وابن عطية 1/ 210.

(٦٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 69، "تفسير أبي الليث" 1/ 104، والثعلبي 1/ 58 ب، "الكشاف" 1/ 262.

(٦١) والأولى أن يراد بها ما يعم كل طهارة، كما قال الزجاج: إن (مطهرة) أبلغ من (طاهرة) لأن (مطهرة) للتكثير 1/ 69.

وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 210.

(٦٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 ب.

(٦٣) في (ب): (التبعيض).

(٦٤) انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 68.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَبَشِّرِ ﴾ يحتمل أن تكون خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، أو خطاباً لكل أحد، ورجّح الزمخشري هذا لأنه أفخم ﴿ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ دليل على أن الإيمان خلاف العمل لعطفه عليه، خلافاً لمن قال: الإيمان اعتقاد، وقول، وعمل، وفيه دليل على أن السعادة بالإيمان مع الأعمال، خلافاً للمرجئة ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ أي تحت أشجارها وتحت مبانيها، وهي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل وهكذا تفسيره وقع، وروي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود ﴿ هذا الذي رُزِقْنَا ﴾ منْ الأولى: للغاية أو للتبعيض أو لبيان الجنس، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أي في الدنيا، بدليل قولهم: ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ في أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ [الطور: 26] في الدنيا، فإن ثمر الجنة أجناس ثمر الدنيا، وإن كانت خيراً منها في المطعم والمنظر ﴿ وَأُتُواْ بِهِ متشابها ﴾ أي يشبه ثمر الدنيا في جنسه، وقيل: يشبه بعضه بعضاً في المنظر ويختلف في المطعم، والضمير المجرور يعود على المرزوق الذي يدل عليه المعنى ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من الحيض وسائر الأقذار، ويحتمل أن يريد طهارة الطيب وطيب الأخلاق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: "الأنهار" (ط) "رزقاً" (لا) لأن "قالوا" جواب "كلما".

"متشابهاً" (ط) "مطهرة" (ج) "خالدون" (ه).

التفسير: إنه  لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة وانجر الكلام إلى ذكر عقاب الكافرين، شفع ذلك بذكر ثواب المؤمنين جرياً على سننه المعهود من ذكر الترغيب مع الترهيب، وضم البشارة إلى الإنذار والجمع بين الوعد والوعيد والجنة والنار.

وهل هما الآن مخلوقتان أم لا؟

ظاهر الآية من نحو قوله ﴿ أعدت للمتقين ﴾ ﴿ أعدت للكافرين ﴾ والأحاديث كقوله  في حديث صلاة الخسوف "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط يدل على وجودهما" وكذا سكنى آدم وحواء الجنة، وقد جمع الله في الآية جوامع اللذات من المسكن وهو الجنات، ومن المطعم وهو الثمرات، ومن المنكح وهو الأزواج المطهرات، ثم زال عنهم نقص الزوال بقوله ﴿ وهم فيها خالدون ﴾ إتماماً للنعمة والحبور وتكميلاً للبهجة والسرور.

والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، ولهذا قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى، عتق أوّلهم لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره ولو قال: مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعاً لأنهم جميعاً أخبروه.

ومنه البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه.

فأما قوله ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ فمن باب التهكم والاستهزاء، فإن قيل: علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟

قلنا: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي، إنما المتعمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين على جملة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق، ولك أن تقول معطوف على ﴿ فاتقوا ﴾ كقولك: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم.

وقال بعض المحققين: إنه معطوف على قل مقدراً قبل ﴿ يا أيها الناس ﴾ فإن تقدير القول في القرآن مع وجود القرينة غير عزيز كقوله  ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا ﴾ أي يقولان: ربنا.

ثم المأمور في قوله ﴿ وبشر ﴾ إما الرسول، وإما كل من له استئهال أن يبشر.

والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم.

قال الحطيئة: كيف الهجاء وما تنفك صالحة *** من آل لأم بظهر الغيب تأتيني واللام للجنس.

والمراد بالصالحات جملة الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف.

واستدل بهذه الآية من قال: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، وإلا لزم التكرار، ولمن زعم أن الإيمان هو المجموع أن يقول عطف بعض الأجزاء على الكل جائز لغرض من الأغراض كقوله  ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل  ﴾ ثم ههنا مذاهب: منهم من قال: إن العبد لا يستحق على الطاعة ثواباً ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجباً وهو قول أهل السنة ولا يرد عليه إشكال.

ومنهم من زعم أنه يستحق الثواب بالإيمان والعمل الصالح بشرط أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر، وبالندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية بدليل قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ .

وإنما طوي ذكر هذا الشرط في الآية للعلم به فإنه قد ركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه، وهذا قول المعتزلة ومن يجري مجراهم.

ومنهم من أحال القول بالإحباط، لأن من آمن وعمل صالحاً استحق الثواب الدائم فلو فرض إحباط بكفره لاستحق العقاب الدائم والجميع بينهما محال، ولا يخفى ضعف هذا المذهب، فإن الأمور بخواتيمها قال  : "إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار" وإنما الأعمال بالخواتيم.

والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر كأنها فعلة من جنة إذا ستره.

وسميت دار الثواب كلها جنة فيها من الجنان على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان، فلهذا نكرت.

والنهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر.

يقال لبردى نهر دمشق، وللنيل نهر مصر.

واللغة العالية الغالبة النهر بفتح الهاء ومدار التركيب على السعة.

وإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد المجازي، لأن الجاري هو الماء وكذا من تحتها أي من تحت أشجارها.

وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجارها مظللة والأنهار في خلالها مطردة، ولولاها كانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها.

وإنما عرفت الأنهار لأن المراد بها الجنس كما تقول لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يراد بها أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة مثل ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن  ﴾ الآية.

و ﴿ كلما رزقوا ﴾ إما صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف أي هم كلما رزقوا، أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس، فقيل: إن ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله.

و "من" في ﴿ منها ﴾ وفي ﴿ من ثمرة ﴾ لابتداء الغاية كما لو قلت: رزقني فلان فيقال: من أين؟

فتقول: من بستانه.

فيقال: من أي ثمرة؟

فتقول: من الرمان.

فالرزق قد ابتدئ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة والرمانة الفذة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار، ووجه اخر وهو أن يكون ﴿ من ثمرة ﴾ بياناً على منهاج قولك "رأيت منك أسداً" تريد أنت أسد.

وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار والجناة الواحدة، لأن التفاحة الواحدة مثلاً يصدق عليها أنها رزق، كما أن نوع التفاح يصدق عليه ذلك، بخلاف ابتداء الرزق من الجنات فإن ذلك إنما يكون بنوع التفاح أولاً، وبالذات وبشخصه ثانياً، وبالعرص لأن التشخص أمر زائد على حقيقة الشيء فاعلم.

وانتصاب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ ﴿ رزقوا ﴾ ومعنى ﴿ هذا الذي ﴾ أي هذا مثل الذي رزقنا من قبل نحو "أبو يوسف أبو حنيفة" لأن ذات الذي رزقوه في الجنة لا تكون هي ذات الذي رزقوه في الدنيا.

والضمير في قوله ﴿ وأتوا به ﴾ يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً، لأن قوله ﴿ هذا الذي رزقنا من قبل ﴾ انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين.

والغرض في تشابه ثمر الدنيا وثمر الآخرة أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد، ورأى فيه مزية ظاهرة أفرط ابتهاجه وطال استعجابه وتبين كنه النعمة فيه.

فإذا أبصروا الرمانة والنبقة في الدنيا وحجمها، ثم أبصروا رمانة الجنة تشبع السكن، والنبقة كقلال هجر، كما يرون الشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين للفضل وأزيد في التعجب من أن يفاجؤا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما.

وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهي الأمر في ظهور المزية وكمال الاستغراب في كل أوان.

عن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وأنهارها تجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعاً.

ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ أتوا به ﴾ إلى الرزق، كما أن هذا إشارة إليه.

ويكون المعنى: إن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه، إما لتساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص، وإما لأن الإنسان إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق نفسه إلا بمثله فإذا جاءوه بما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة.

وعن الحسن أن الاشتباه في اللون فقط قال: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل.

فيقول الملك: كل، فاللون واحد والطعم مختلف.

وعن النبي  "والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها، فإذا أبصروها والهيئة هيئتها الأولى قالوا ذلك" ويحتمل أن يقال: إن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات الله  وصفاته وأفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات الأرواح وعالم السموات، بحيث يصير روح الإنسان كالمرآة المحاذية لعالم القدس، ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا، ولكن لا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج لمكان العلائق البدنية، وإذا زال العائق بعد الموت وشاهد تلك المعارف قال: هذه هي التي كانت حاصلة لي في الدنيا، ووجد كمال اللذة والسرور.

وقال أهل التحقيق: الجنة جنة الوصول، وأشجارها هي الملكات الحميدة والأخلاق الفاضلة، والثمرات ثمرات المكاشفات والمشاهدات والأسرار والإشارات والإلهامات وغيرها من المواهب، وإنهم يشاهدون أحوالاً شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهداتهم، فيقول بعض المتوسطين منهم: إن هذا المشهد هو الذي شاهدته قبل هذا، فتكون الصورة تلك الصورة ولكن المعنى حقيقة أخرى، كما أن موسى شاهد نور الهداية في صورة نار فتكون تارة تلك النار نار صفة غضبية كما كان لموسى، إذا اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته ناراً، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فتحرق عليهم بيت وجودهم فافهم.

وأيضاً، كل شيء له صورة في الدنيا فله في الآخرة معنى آخر غيبي كقوله  في دماء الشهداء "اللون لون الدم والريح ريح المسك" فاعلم.

وقوله ﴿ وأتوا به متشابهاً ﴾ جملة معترضة تفيد زيادة التقرير كقولك "فلان أحسن إلى فلان ونعم ما فعل" والمراد بتطهير الأزواج تطهيرهن من الأقذار والأدناس لا سيما التي تختص بالنساء، وكذا من الأخلاق الذميمة وعادات السوء.

وهما لغتان فصيحتان "النساء فعلن" و "هن فاعلات" و "النساء فعلت" و "هي فاعلة" والمعنى: ولهم جماعة أزواج مطهرة.

وفي ﴿ مطهرة ﴾ فخامة لصفتهن ليست فيما لو قيل طاهرة وهي الإشعار بأن مطهراً طهرهن وليس ذلك إلا الله عز وجل المريد لعباده أن يخولهم كل مزية فيما أعد لهم.

وههنا نكتة وهي، أن المرأة إذا حاضت فالله  يمنع من مباشرتها قال: ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض  ﴾ مع أنها معذورة في تنجسها.

فإذا كانت اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن، إذا كانت نجساً بالمعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى.

وأيضاً من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع من الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون؟

وكفى دليلاً على ذلك بإخراج آدم منها بسبب الزلة الصادرة عنه.

وأيضاً من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تجوز صلاته أو تستكره، فكيف بمن صلى وعلى قلبه جبال من نجاسات الذنوب والمعاصي؟

والخلد عند المعتزلة الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع بدليل قوله تعالى ﴿ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد  ﴾ نفى الخلد عن البشر مع تعمير بعضهم ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر  ﴾ وعند الأشاعرة: الخلد هو الثبات الطويل، دام أو لم يدم.

ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد كان قوله ﴿ خالدين فيها أبداً ﴾ تكراراً.

ويقال في العرف: حبسه حبساً مخلداً، أو وقف وقفاً مخلداً.

والحق أن خوف الانقطاع ينغص النعمة وذلك لا يليق بأكرم الأكرمين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾ .

فالخطاب يحتمل الخصوص والعموم.

وقوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ : وحدوا ربكم.

جعل العبادة عبارةً عن التوحيد؛ لأَن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص له إلا بالتوحيد.

ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أي: أَطيعوا له؛ اجعلوا عبادتكم لله، لا تعبدوا غيره، في كلا التأْويلين يرجع إلى الكفرة.

ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أَي: أَطيعوا له.

والعبادة جعل العبد كُلِّيته لله قولاً، وعملاً، وعقداً، وكذلك التوحيد، والإسلام.

والطاعة ترجع إلى الائتمار؛ لأَنه يجوز أن يطاع غير الله، ولا يجوز أَن يعبد غير الله؛ لأن كل من عمل بأَمرِ آخر فقد أطاعه؛ كقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ  ﴾ ولا كل من عمل بأمر آخر فهو عابدٌ له، وبالله نستعين.

ثم بين الذي أَمر بالتوحيد إياه وبالعبادة له خالصاً، فقال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ .

والذين تعبدونهم لم يخلقوكم، ولا خلقوا الذين من قبلكم، فكيف تعبدونهم دون الذي خلقكم؟!

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: تتقون المعاصي، والمناهي، والمحارم التي حرم الله عليكم.

فإذا كان هذا هو المراد فذلك راجع إلى المؤمنين.

ويحتمل قوله: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ الشرك وعبادة غير الله، فذلك راجع إلى الكفرة.

قال الشيخ: الأَحسن في الأَمر بالتقوى والتوحيد أَن يجعل عامّاً، وفي الخبر عن التقوى خاصّاً.

﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ أي: كي تتقوا.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .

بَيَّنَ اتقاء الذي أَمر بالتوحيد له، وتوجيه العبادة إليه، وإخلاص النية له؛ فقال: الذي فرش لكم الأَرض لتنتفعوا بها، وتقضوا حوائِجكم فيها، من أنواع المنافع عليها، واتخاذ المستقر والمسكن فيها.

﴿ وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ أي: رفع السماء بناء.

والسماء: كل ما علا وارتفع، كما يقال لسقف البيت: سماء؛ لارتفاعه.

وسمى السماء بناء - وإن كان لا يشبه بناء الخلق - حتى يعلم أَن البناء ليس اسم ما يبني الناس خاصة.

ثم بين بقوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .

أي: وجهوا العبادة إلى الذي ينزل لكم من السماء ماء عند حوائِجكم، ولا تعبدوا من تعلمون أنه لم يخلقكم، ولا أَنزل لكم من السماء ماء، ولا أخرج لكم من ذلك الماءِ ثمرات تكون رزقاً لكم.

بل هو الله الواحد الذي لا شريك له؛ ولأَنه يخلقكم، ويرزقكم، ويخرج لكم من ذلك الماء المنزل من السماء رزقاً تأْكلونه، وماء عذباً تشربونه.

وفي الآية دلالة أن المقصود في خلق السماءِ والأَرض، وإنزال الماءِ منها، وإخراج هذه الثمرات وأَنواع المنافع - بنو آدم، وهم الممتحنون فيها؛ بدلالة قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ وما ذكر من المخرج والمنزل منها، وما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ، ومنه: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ  ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ  ﴾ مما يكثر من الآيات.

أضاف ذلك كلَّه إلينا، ثم جعل - عز وجل - بلطفه مَنافع السماءِ متصلة بمنافع الأرض على بُعْدِ ما بينهما من المسافة، حتى لا تخرج الأَرض شيئاً إلا بما ينزل من السماء من الماء؛ ليعمل أَن منشىء السماءِ هو منشىء الأَرض؛ لأَنه لو كان منشىء هذا غير منشىء الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر على بُعْدِ ما بينهما، ولتوهم كون الاختلاف من أَحدهما للآخر.

فإذا كان كذلك دل على أَن منشئهما واحد، لا شريك له ولا ند.

ثم زعم قوم: أَن الأَشياء كلها حِلٌّ لنا، طلق، غير محظور علينا، حتى يجىء ما يحْظر، فاستدلوا بظاهر هذه الآية بقوله: ﴿ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً  ﴾ .

وقال آخرون: لا يدل ذلك على الإباحة؛ وذلك أَن الأَشياء لم تَصِرْ لنا من كل الوجوه، فهو على الحظْر حتى تجيء الإباحة، ولأَن الأَشياء لا تحل إلا بأَسباب تتقدم؛ فظهر الحظْر قبل وجود الأَسباب، فهو على ذلك حتى يجيء ما يُحل ويُبيح.

أَو أَن يقال: خلق هذه الأَشياء لنا محنة امتحنا بها، أَو فتنة فتنا بها؛ كقوله: ﴿ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ  ﴾ فُتنَّا بها؛ وكقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...

﴾ الآية [البقرة: 155]، ولأَن في العقل ما يدفع حمل الأَشياء كلها على الإِباحة، لما في ذلك فساد الخلق، وتفانيهم.

فبين لِكل منه مِلْكاً على حدة بسبب يكتسب به؛ لئلا يحملهم على التفاني والفساد، وبالله نستعين.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً ﴾ .

أي: أَعدالاً، وأَشكالاً في العبادة، وكله واحد.

ند الشيء: هو عِدْلُهُ، وشكلُه: هو مثلُه.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

الأَول: أَن لا نِدَّ، ولا عِدْل، ولا شكل؛ لما أَراكم من إِنشاءِ هذه الأَشياء ولم تروا من ذلك ممن تعبدونه شيئاً.

والثاني: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لما أَنشأَ فيكم من الأَشياءِ ما لو تدبرتم وتفكرتم وتأَملتم، علمتم أنه لا نِدَّ له ولا شكل له؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ .

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ .

من القرآن أنه مُخْتَلَق مفترى، وأنه ليس منه؛ كقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ .

أي: ائْتوا أَنتم بمثل ما أَتى هو؛ إذ أَنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان، ليس هو أَولى بذلك منكم؛ أَعني: في الاختلاق.

وقوله: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ .

أي: استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون الله، حتى تعين لكم على إتيان مثله إن كنتم صادقين في مقالتكم أنه مختلق مفترى.

ويقال: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم ﴾ .

يعني شعراءَكم وخطباءَكم ليعينوكم على إتيان مثله.

ويقال: ادعوا شهداءَكم من التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائِر الكتب المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق مفترى.

وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل أنهم أَقروا على أَثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا اشتغال كان منهم لما دفع عز وجل عن أطماعهم إتيان مثله نظماً، ولا اجتهدوا كل جهدهم، وتكلفوا كل طاقتهم على إطفاءِ النور ليخرج قولهم على الصدق بأَنه مُختلقٌ مفترى، ويظهر كذب الرسول  : أَنه كلام رب العالمين.

فدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله، وترك اشتغالهم بذلك: أَنه كلام رب العاليمن، مُنَزَّل على نبيه ورسوله  .

وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ .

الوَقود بالنصب هو الحَطب، وبالرفع هو النَّار.

أَخبر عز وجل أن حَطبها الناس كلما احترقوا أُعيدوا وبُدِّلوا؛ كقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا  ﴾ .

والحجارة فيه وجهان: قيل: هي الكبريت.

وقيل: الحجارة بعينها لصلابتها، وشدتها أشد احتراقاً، وأكثر إحماءً.

وقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

في الآية دلالة أنها لم تعدّ لغير الكافرين.

وهي تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولم يطلقوا له اسم الكفر، وفي زعمهم أَنها أُعدت للكافرين أيضاً، وإن كان تعذيب المؤمن بمعاصيَ يرتكبها، وأَوزار حملها، وفواحش تعاطاها؛ وذلك أَن الله يعذب من يشاء بما شاءَ، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك؛ لقوله: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً  ﴾ .

فإن قالوا: إن أَطفال المشركين في الجنة، والجنة لم تُعدَّ لهم، وإنما أُعدت للمؤمنين، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم.

وكذلك النَّار وإن كانت معدة للكافرين، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها، كقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 106] شرط الكفر بعد الإيمان.

ثم من ينشأ على الكفر، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد، فكذلك مرتكب الكبيرة، والكافر، سواء في التخليد.

فيقال لهم: إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه؛ فإذا ترك النظر في نفسه، واختار الاعتناد فصار كَكُفْرٍ بعد الإيمان؛ لأَنه لم يكن مؤمناً ثم كفر.

وأَما قولهم في الأَطفال؛ فإنهم إنما خُلِّدوا الجنة جزاء لهم من ربهم، ولله أَن يعطي الجزاءَ من شاءَ بلا فعل، ولا صنع كان منه؛ فضلاً وكرامة، وذلك في العقل جائِز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام.

وأَما التعذيب فإنه غير جائِز في العقل بلا ذنب يرتكبه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ ﴾ .

الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيماناً؛ لما أثبت لهم اسم الإيمان، دون الأَعمال الصالحات، غير أَن البشارة لهم، وذهاب الخوف عنهم إنما أُثبت بالأَعمال الصالحات.

ويحتمل: الأَعمال الصالحات: عمل القلب، وهو أن يأْتي بإيمان خالص لله، لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب.

وقوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ .

يعني بساتين.

وقوله: ﴿ مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: إن البساتين ليست هي اسم الأَرض والبقعة خاصة، ولكن ما يجمع من الأشجار، وما ينبت فيها من أَلوان الغروس المثمرة فعند ذلك يسمى بستاناً.

وقوله: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ أي: من تحت أشجارها، وأغراسها الأَنهار.

وقيل: من تحتها: مما يقع البصر عليها، وذلك أَنزه عند الناس، وأَجلى، وأَنبل.

وقيل أَيضاً: من تحتها أَي: من تحت ما علا منها [من القصور والغرف]، لا تحت الأَرض مما يكون في الدنيا في بعض المواضع يكون الماء تحت الأَرض.

دليله [قوله  ]: "تحت كل شعرة جنابة" ؛ أي: تحت ما علا، لا تحت الجلد؛ فكذلك الأَول من تحت ما علا منها من القصور، والغرف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

قيل فيه وجوه: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ في الدنيا.

وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ أَي: هذا الذي وعدنا في الدنيا أَنَّ في الجنة هذا.

وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، في الجنة قبل هذا.

وقوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في المنظر، مختلفاً في الطعم.

وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الطعم مختلفاً في رأْي العين والأَلوان؛ لأَن من الفواكه ما يستلذ بالنظر إليها دون التناول منها.

وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الحسن والبهاءِ.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من سوءِ الخلق والدناءَة، ليس كنساءِ الدنيا لا يسلمن عن ذلك.

وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من الأَمراض، والأَسقام، وأَنواع ما يبلى به في الدنيا من الدرن، والوسخ والحيض.

وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ لصفاءِ جوهرها؛ كما يقال: يرى مخَّ ساقيها من كذا وكذا.

وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ مختارة مهذبة.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

أي: يقيمون أَبدا.

فالآية ترد على الجهمية قولهم؛ لأَنهم يقولون بفناءِ الجنة، وفناءِ ما فيها؛ يذهبون إلى أَن الله  هو الأَول، والآخر، والباقي، ولو كانت الجنة باقية غير فانية لكان ذلك تشبيهاً.

لكن ذلك وهمٌ عندنا؛ لأَن الله  هو الأَول بذاته، والآخر بذاته، والباقي بذاته، والجنةُ وما فيها باقيةٌ بغيرها.

ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم، والسميع، والبصير تشبيه، ولكان في الخلق أيضاً في حال البقاءِ تشبيه، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن فيما تقدم تشبيه.

وأيضاً: فإن الله  جعل الجنة داراً مطهرة من المعايب كلها؛ لما سماها دار قدس، ودار سلام.

ولو كان آخرها للفناءِ كان فيها أَعظم المعايب؛ إذ المرء لا يهنأُ بعيش إذا نغص عليه بزواله؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أَهلها؛ فلما نزه عن العيوب كلها - وهذا أَعظم العيوب - لذلك كان التخليد لأَهلها أَولى بها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا كان الوعيد السابق للكافرين؛ فبشِّر -أيها النبي- المؤمنين بالله الذين يعملون الصالحات؛ بما يسرُّهم من جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، كلما أُطعموا من ثمارها الطيبة رزقًا؛ قالوا من شدة الشّبَهِ بثمار الدنيا: هذا مثل الثمار التي رزقنا من قبل، وقُدمت لهم ثمار متشابهة في شكلها واسمها حتَّى يُقْبلُوا عليها بحكم المعرفة بها، ولكنها مختلفة في طَعمها ومذاقها، ولهم في الجنّة أزواج مبرَّأة من كل ما تنفر منه النفس، ويُسْتَقْذَر طبعًا مما يُتَصَوَّر في أهل الدنيا، وهم في نعيم دائم لا ينقطع، بخلاف نعيم الدنيا المنقطع.

<div class="verse-tafsir" id="91.ozAxV"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

لما بين تعالى في الآية السابقة ما أعده للكافرين الذين قامت عليهم الحجة فجحدوا بها، أراد أن يبين في هذه الآية نصيب مقابل هؤلاء وهم الذين ظهر لهم الدليل فآمنوا، ولاح لهم نور الهداية فاهتدوا، فالكلام متصل بعضه ببعض ولذلك عطف الجملة على ما قبلها، لأنها متممة لفائدتها، إذ لا بد بعد بيان جزاء الكافرين، من بيان جزاء المؤمنين، والإرشاد ترهيب وترغيب، والخطاب يصح أن يكون للنبي  خاصة، وأن يكون عامًا لكل من يسمع الأمر من أهله، وقالوا إن الأخير هو المعروف في لسان العربوالمفهوم عندهم من أمثال هذا الخطاب كقوله تعالى ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي  ﴾ وقوله ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً  ﴾ فهو في عمومه جار مجرى الأمثال، والمخاطب الأول به هو الرسول على كل حال.

قال تعالى ﴿ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ولم يذكر بماذا آمنوا لأن متعلق الإيمان كان معروفًا عند المخاطبين وهو الله تعالى وصفاته التي ورد بها النقل الصريح، وأثبتها العقل الصحيح، والوحي ومن جاء به، والبعث والجزاء.

فهذه هي الأصول التي كان يدعو إليها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن صدقهم فيها كان مؤمنًا ويصدق بما يتبع ذلك من التفصيل...

ولا بد في تحقق الإيمان من اليقين، ولا يقين إلا ببرهان قطعي لا يقبل الشك والارتياب، ولا بد أن يكون البرهان على الألوهية والنبوة عقليًا، وإن كان الإرشاد إليها سمعيًا، ولكن لا ينحصر البرهان العقلي المؤدي إلى اليقين في تلك الدلة التي وضعها المتكلمون، وسبقهم إلى كثير منها الفلاسفة الأقدمون، وقلما تخلص مقدماتها من خلل، أو تصح طرقها من علل، بل قد يبلغ أمي علم اليقين بنظرة صادقة في ذلك الكون الذي بين يديه، أو في نفسه إذا تجلت بغرائبها عليه، وقد رأينا من أولئك الأميين، ما لا يلحقه في يقينه آلاف من أولئك المتفننين، الذين أفنوا أوقاتهم في تنقيح المقدمات وبناء البراهين، وهو أسوأ حالًا من أدنى المقلدين.

فإطلاق الإيمان، وذكر المؤمنين وما أعدَّ لهم، من غير وصله بذكر المُؤمَن به، معهود في القرآن، لأن المتعلق معلوم للسامعين كما قلنا، وهو بالنسبة لمن لم يؤمنوا بما دعاهم إليه النبي  إجمالًا من الأصول، وأما المؤمنون فقد عرفوه مفصلًا تفصيلًا.

ثم وصف المؤمنين الذين يستحقون البشارة بقوله ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  ﴾ وأطلق في هذا أيضًا كما أطلق في كثير من الآيات لأن العمل الصالح معروف عند الناس بالإجمال، وذلك كاف في الترغيب فيه وجعله تابعًا للإيمان متصلًا به، ولازمًا من لوازمه، وبيَّن الأعمال الصالحة بالتفصيل في آيات كثيرة كقوله تعالى ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ  ﴾ إلخ وكالآيات في أول سورة ﴿ الْمُؤْمِنُونَ  ﴾ وآخرها وآخر سورة الفرقان وأوائل سورة المعارج وغير ذلك.

كأن الله تعالى يقول عن العمل الصالح معروف عند الناس لأنه أودع في نفوسهم ما يميزون به بين الخير والشر،ولكن بعضهم يضل بانحراف يطرأ على نفسه فيخرجها عن الاعتدال الفطري، ثم يضل بضلاله آخرون فتكون التقاليد والعادات الناشئة عن هذا الضلال هي الميزان عند الضالين في معرفة الصلاح والفساد والخير والشر لا أصل الهداية الفطرية، ولذلك قال  "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" يعني أن الإنسان لو ترك ونفسه لاهتدى إلى الحق ما دام بعيدًا عن التقاليد والعادات.

وقد بلغ فساد الطباع وانحراف الفطرة في بعض الأمم مبلغًا كادوا يخرجون به عن طور البشر كمتنطعي البراهمة إذ ذهبوا إلى أن كمال الأرواح وسعادتها إنما هو في تعذيب الأبدان وحرمانها من لذاتها، ولذلك جدوا في البعد عن اللذات الجسمانية بأنواعها فمالوا عن سنن الاعتدال، ومنوا أبدانهم وعقولهم بالفساد والاعتلال، وكبعض كفرة العرب وطائفة من البراهمة إذ زعموا أنه لا خير إلا في اللذة البدنية ولا شر إلا في الألم الجسداني، فالسعادة والكمال عندهم في البعد عن الآلام البدنية، والتمتع بالشهوات الحسية، فمثل هؤلاء المرضى النفوس المحرومين من الكمال الروحي والعقلي كمثل من غلبت عليه الصفراء فصار يذوق الحلو مرًا، وإن من المرضى من يشتهي في طور النقه ما لا يشتهي في حال الصحة والاعتدال، وكذلك الحبالى في مدة الوحم.

سرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك الخديعة الطبع اللئيم فالخير والرذيلة والصلاح والفساد والحق والباطل والفضيلة والرذيلة كل ذلك معروف في الجملة حتى عند الأشرار ولذلك يدعون الخير والصلاح وينكرون ما هم عليه فإطلاق القول بذكر الأعمال الصالحات ليس مبهمًا عندهم، ولا خطابًا بغير مفهوم، وإنما يحتاج معتل الفطرة إلى التفصيل في ذلك، وذكر الأمارات والدلائل التي تميز بين الصالحين والفاسقين، والمحقين والمبطلين، ولهذا نزلت آيات البيان والتفصيل التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، وبها ينقطع تلبيس الأغبياء، واعتذار الجهلاء، وحق القول بأن الذي يستحق هذه البشارة هو من جمع بين الإيمان والعمل الصالح الذي ترشد إليه الفطرة السليمة، ويهدي إلى تحديده الكتاب العزيز وسنة الرسول المتبعة.

بشرهم ﴿ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ  ﴾ ورد لفظ الجنة والجنات كثيرًا في مقابلة النار، والجنة في اللغة البستان والجنات جمعها، وليس المراد بهما مفهومهما اللغوي فقط وإنما هما دار الخلود في النشأة الآخرة، فالجنة دار الأبرار والمتقين، والنار دار الفجار والفاسقين، فنؤمن بهما بالغيب ولا نبحث في حقيقة أمرهما، ولا نزيد على النصوص القطعية فيهما شيئًا لأن عالم الغيب لا يجري فيه القياس.

ومما وصف الله تعالى به الجنات قوله ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  ﴾ والمناسبة ظاهرة فإن البساتين حياتها بالأنهار..

وهل سميت دار النعيم جنة وجنات على سبيل التشبيه وذكرت الأنهار ترشيحًا له أم سميت بذلك لأنها مشتملة على الجنات تسمية للكل باسم البعض؟

الله أعلم بمراده.

ألمْ تر إلى ربك كيف ذكر من شأن أهل تلك الجنات فيها أنهم ﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا  ﴾ كلمة "من" الأولى للابتداء والثانية للتبعيض، أي رزقوا من الجنات رزقًا من بعض ثمارها ﴿ قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ  ﴾ أي هذا الذي وعدنا به في الدنيا جزاء على الإيمان والعمل الصالح، فهو كقوله تعالى ﴿ وقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وعْدَهُ وأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ  ﴾ وذهب "الجلال" وغيره إلى اختيار أن معناه تشبيه ثمرات الآخرة بثمرات الدنيا لأنها مثلها في اللون والشكل والرائحة وإن كانت تفضلها في الطعم واللذة فقوله تعالى ﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا  ﴾ بيان لسبب القول على هذا التفسير، أي أتوا بما ذكر من الرزق في الدنيا والآخرة متشابهًا بعضه يشبه بعضًا، ومحصلة أنهم عندما يؤتون برزق الجنة يبادرون إلى الحكم بأنه غير ما وعدوا به وأنه عين رزق الدنيا، لأن التشابه يكون سبب الاشتباه عليهم، ولكنهم يعرفون الفرق بعد ذلك بالطعم لأن فرقًا عظيمًا بين لذة رزق الدنيا ورزق الجنة.

والتعبير بكلما ينافي هذا التفسير لأن الاشتباه إنما يكون في المرة الأولى، ثم يعرفون التفاوت معرفة تذهب به وتمنع من الحكم بأن هذا عين ذاك، أما بالنسبة لأفراد النوع الواحد من الثمار فبالاختبار، وأما بالنسبة لما بعد النوع الأول من الأنواع فبالقياس عليه.

وما ذهب إليه "الجلال" مناف للبلاغة في المعنى أيضًا لأن تشابه رزقي الدنيا والآخرة في الألوان والروائح واختلافه في الطعم فقط ليس فيه كبير تشويق لأن اللذة في التنقل، ثم إن أطوار الجنة مخالفة لأطوار الدنيا، والتشويق للناس إنما يكون بحسب ما عهدوا واعتادوا وألفوا.

وإننا نعلم أن الأمل في الدنيا لأجل حفظ البنية من الانحلال، ولا انحلال في دار الخلد والبقاء، فلا بد أن يكون الأكل والشرب هناك على ما ورد لحكمة أخرى، أو هو لتحصيل لذة لا نعرفها لأنها من أحوال عالم الغيب، وإنما نؤمن بما ورد ونفوض أمر حقيقته وحكمته إلى الله تعالى، وما ورد أنه لذة أعلى من لذات الدنيا.

وذهب بعض المفسرين إلى ما قلناه أولًا من أن ذلك الرزق هو عين ما وعدوا به جزاء على أعمالهم فكلما رزقوا ثمرة منه يذكرون الوعد الإلهي شكرًا لله على توفيقهم لذلك العمل الذي له أعد هذا الجزاء كما تفيده آية ﴿ وقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ  ﴾ التي ذكرناها آنفًا، فهو من قبيل ارتباط الموعود به بالموعود عليه كأن الأعمال عين الجزاء ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ  ﴾ وقوله تعالى بعد ذلك ﴿ وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا  ﴾ تأكيد وتقرير لما تضمنه قولهم وهذا هو الراجح، وهنالك قول ثالث وهو أن رزق الجنة وثمرها يتشابه على أهلها في صورته، ويختلف في طعمه ولذته، وهو المتبادر من اللفظ.

ثم قال ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ  ﴾ أي مبالغ في تطهيرهن وتزكيتهن فليس فيهن ما يعاب من خبث جسدي، حتى ما هو في الدنيا طبيعي كالحيض والنفاس، ولا نفسي كالمكر والكيد وسائر مساوئ الأخلاق، لأنهن طهرن كل نوع من أنواع الطهور.

ونساء الجنات من المؤمنات الصالحات وهن المعروفات في القرآن بالحور العين، وصحبة الأزواج في الآخرة كسائر شؤونها الغيبية نؤمن بما أخبر به الله تعالى منها لا نزيد فيه ولا ننقص منه، ولا نبحث في كيفيته، وإنما نعرف بالإجمال أن أطوار الحياة الآخرة أعلى وأكمل من أطوار الحياة الدنيا كما تقدم، ونحن نعلم أن الحكمة في لذة الأزواج بالمصاحبة الزوجية المخصوصة هي التناسل وإنما النوع، ولم يرد أن في الآخرة تناسلًا، فلا بد أن تكون لذة المصاحبة الزوجية هناك أعلى، وحكمتها أسمى.

وإننا نؤمن بها ولا نبحث في حقيقتها كما تقدم في بحث رزق الجنة.

ثم قال ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ الخلود في اللغة طول المكث ومن كلامهم خلد في السجن كما في الأساس، وفي الشرع الدوام الأبدي أي لا يخرجون منها ولا هي تفنى بهم فيزولوا بزوالها وإنما هي حياة أبدية لا نهاية لها، وفقنا الله لما يجعلنا من خيار أهلها من العلوم الصحيحة، والأعمال الصالحة، التي ترتقي بها الأرواح، وتستعد لذلك الفلاح.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله