الآية ٢٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦ من سورة البقرة

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ ٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 235 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة عن ابن مسعود - وعن ناس من الصحابة : لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين ، يعني قوله : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) [ البقرة : 17 ] وقوله أو كصيب من السماء ) [ البقرة : 19 ] الآيات الثلاث ، قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله : ( هم الخاسرون ) وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : لما ذكر الله العنكبوت والذباب ، قال المشركون : ما بال العنكبوت والذباب يذكران ؟

فأنزل الله [ تعالى هذه الآية ] إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) .

وقال سعيد ، عن قتادة : أي : إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئا ما ، قل أو كثر ، وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة : ما أراد الله من ذكر هذا ؟

فأنزل الله : ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) قلت : العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية ، وليس كذلك ، وعبارة رواية سعيد ، عن قتادة أقرب والله أعلم .

وروى ابن جريج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة .

وقال ابن أبي حاتم : روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة .

وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال : هذا مثل ضربه الله للدنيا ؛ إذ البعوضة تحيا ما جاعت ، فإذا سمنت ماتت .

وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن ، إذا امتلؤوا من الدنيا ريا أخذهم الله تعالى عند ذلك ، ثم تلا فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) [ الأنعام : 44 ] .

هكذا رواه ابن جرير ، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، بنحوه ، فالله أعلم .

فهذا اختلافهم في سبب النزول ، وقد اختار ابن جرير ما حكاه السدي ؛ لأنه أمس بالسورة ، وهو مناسب ، ومعنى الآية : أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي ، أي : لا يستنكف ، وقيل : لا يخشى أن يضرب مثلا ما ، أي : أي مثل كان ، بأي شيء كان ، صغيرا كان أو كبيرا .

و " ما " هاهنا للتقليل وتكون بعوضة ) منصوبة على البدل ، كما تقول : لأضربن ضربا ما ، فيصدق بأدنى شيء [ أو تكون " ما " نكرة موصوفة ببعوضة ] .

واختار ابن جرير أن " ما " موصولة ، وبعوضة معربة بإعرابها ، قال : وذلك سائغ في كلام العرب ، أنهم يعربون صلة " ما " و " من " بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة تارة ، ونكرة أخرى ، كما قال حسان بن ثابت : وكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا قال : ويجوز أن تكون " بعوضة " منصوبة بحذف الجار ، وتقدير الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها .

[ وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء .

وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورويت " بعوضة " بالرفع ، قال ابن جني : وتكون صلة ل " ما " ، وحذف العائد كما في قوله : ( تماما على الذي أحسن ) [ الأنعام : 154 ] أي : على الذي أحسن هو أحسن ، وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا ، أي : يعني بالذي هو قائل لك شيئا ] .

وقوله : ( فما فوقها ) فيه قولان : أحدهما : فما دونها في الصغر ، والحقارة ، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح ، فيقول السامع : نعم ، وهو فوق ذلك ، يعني فيما وصفت .

وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة ، قال الرازي : وأكثر المحققين ، وفي الحديث : لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء .

والثاني : فما فوقها : فما هو أكبر منها ؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة .

وهذا [ قول قتادة بن دعامة و ] اختيار ابن جرير .

[ ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة ، رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة ] .

فأخبر أنه لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة ، كما [ لم يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من ] ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله : ( ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ) [ الحج : 73 ] ، وقال : ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) [ العنكبوت : 41 ] وقال تعالى : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) [ إبراهيم : 24 - 27 ] ، وقال تعالى : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) الآية [ النحل : 75 ] ، ثم قال : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ) الآية [ النحل : 76 ] ، كما قال : ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ) الآية [ الروم : 28 ] .

وقال : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل ) الآية [ الزمر : 29 ] ، وقد قال تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) [ العنكبوت : 43 ] وفي القرآن أمثال كثيرة .

قال بعض السلف : إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي ؛ لأن الله تعالى يقول : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) وقال مجاهد قوله : ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم ، ويهديهم الله بها .

وقال قتادة : ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) أي : يعلمون أنه كلام الرحمن ، وأنه من عند الله .

وروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أنس نحو ذلك .

وقال أبو العالية : ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) يعني : هذا المثل : ( وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) كما قال في سورة المدثر : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو ) [ المدثر : 31 ] ، وكذلك قال هاهنا : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ) قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : ( يضل به كثيرا ) يعني : المنافقين ، ويهدي به كثيرا ) يعني المؤمنين ، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالهم لتكذيبهم بما قد علموه حقا يقينا ، من المثل الذي ضربه الله بما ضربه لهم ، وأنه لما ضربه له موافق ، فذلك إضلال الله إياهم به ويهدي به ) يعني بالمثل كثيرا من أهل الإيمان والتصديق ، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم ، لتصديقهم بما قد علموه حقا يقينا أنه موافق ما ضربه الله له مثلا وإقرارهم به ، وذلك هداية من الله لهم به وما يضل به إلا الفاسقين ) قال : هم المنافقون .

وقال أبو العالية : ( وما يضل به إلا الفاسقين ) قال : هم أهل النفاق .

وكذا قال الربيع بن أنس .

وقال ابن جريج عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( وما يضل به إلا الفاسقين ) يقول : يعرفه الكافرون فيكفرون به .

وقال قتادة : ( وما يضل به إلا الفاسقين ) فسقوا ، فأضلهم الله على فسقهم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثت عن إسحاق بن سليمان ، عن أبي سنان ، عن عمرو بن مرة ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد يضل به كثيرا ) يعني الخوارج .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أنـزل الله جل ثناؤه فيه هذه الآية وفي تأويلها.

فقال بعضهم بما: 554- حدثني به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السدّي، في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لَما ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا وقوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ، الآيات الثلاث - قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال، فأنـزل الله: " إن الله لا يستحي أنْ يضرب مثَلا ما بعوضةً" إلى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .

وقال آخرون بما: 555- حدثني به أحمد بن إبراهيم, قال: حدثنا قُرَاد، عن أبي جعفر الرازي, عن الرّبيع بن أنس, في قوله تعالى: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها ".

قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا, إن البعوضة تحيا ما جاعتْ, فإذا سمنت ماتتْ.

وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك.

قال: ثم تلا فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [سورة الأنعام: 44] (29) .

556- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس بنحوه - إلا أنه قال: فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم (30) ، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَويت، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله فأهلكهم.

فذلك قوله: حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [سورة الأنعام: 44].

وقال آخرون بما: 557- حدثنا به بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد عن سعيد, عن قتادة، قوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها "، أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكرَ منه شيئًا ما قل منه أو كثر (31) .

إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟

فأنـزل الله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ".

558- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب, قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟

فأنـزل الله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " (32) .

وقد ذهب كلّ قائل ممن ذكرنا قوله في هذه الآية، وفي المعنى الذي نـزلت فيه، مذهبًا؛ غير أنّ أولى ذلك بالصواب وأشبهه بالحقّ، ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس.

وذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة، ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها.

فلأن يكون هذا القول - أعني قوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما " - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور.

فإن قال قائل: إنما أوْجبَ أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرَب من الأمثال في سائر السور، لأن الأمثال التي ضربها الله لهم ولآلهتهم في سائر السور أمثالٌ موافقة المعنى لما أخبر عنه: أنه لا يستحي أن يضربه مثلا إذ كان بعضها تمثيلا لآلهتهم بالعنكبوت، وبعضها تشبيهًا لها في الضّعف والمهانة بالذباب.

وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في هذه السورة، فيجوزَ أنْ يقال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا (33) .

فإن ذلك بخلاف ما ظنّ.

وذلك أنّ قول الله جلّ ثناؤه: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها "، إنما هو خبرٌ منه جلّ ذكره أنه لا يستحي أن يضرب في الحقّ من الأمثال صغيرِها وكبيرِها، ابتلاءً بذلك عبادَه واختبارًا منه لهم، ليميز به أهل الإيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به, إضلالا منه به لقوم، وهدايةً منه به لآخرين.

559- كما حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " مثلا ما بعوضة "، يعني الأمثال صغيرَها وكبيرَها, يؤمن بها المؤمنون, ويعلمون أنها الحق من ربهم, ويهديهم الله بها ويُضل بها الفاسقين.

يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به, ويعرفه الفاسقون فيكفرون به.

560- حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حُذيفة, قال: حدثنا شِبْل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بمثله.

561- حدثني القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج عن مجاهد، مثله (34) .

قال أبو جعفر:- لا أنه جلّ ذكره قصَد الخبرَ عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرْب المثل بها, ولكن البعوضة لما كانت أضعف الخلق - 562- كما حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, قال: البعوضة أضعفُ ما خلق الله.

563- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج، بنحوه (35) .

- (36) خصها الله بالذكر في القِلة, فأخبر أنه لا يستحي أن يضرب أقلّ الأمثال في الحق وأحقرَها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع، جوابًا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرَب لهم من المثل بمُوقِد النار والصيِّب من السماء، على ما نَعَتهما به من نَعْتهما.

فإن قال لنا قائل: وأين ذكر نكير المنافقين الأمثالَ التي وصفتَ، الذي هذا الخبر جوابه, فنعلم أنّ القول في ذلك ما قلت؟

قيل: الدلالة على ذلك بينة في قول الله تعالى ذكره (37) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا .

وإن القوم الذين ضرَب لهم الأمثال في الآيتين المقدَّمتين - اللتين مثَّل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما (38) ، بمُوقِد النار وبالصيِّب من السماء (39) ، على ما وصف من ذلك قبل قوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " - قد أنكروا المثل وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟

فأوضح لهم تعالى ذكره خطأ قِيلهم ذلك, وقبّح لهم ما نطقوا به، وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه, وأنه ضلال وفسوق, وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه.

وأما تأويل قوله: " إن الله لا يستحيي"، فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى " إن الله لا يستحيي": إن الله لا يخشى أن يضرب مثلا ويستشهدُ على ذلك من قوله بقول الله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [سورة الأحزاب: 37]، ويزعم أن معنى ذلك: وتستحي الناسَ والله أحقُّ أن تستحيه - فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية, والخشية بمعنى الاستحياء (40) .

وأما معنى قوله: " أن يضرب مثلا "، فهو أن يبيِّن ويصف, كما قال جل ثناؤه: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [سورة الروم: 28]، بمعنى وصف لكم, وكما قال الكُمَيْت: وَذَلِــكَ ضَــرْبُ أَخْمَـاسٍ أُرِيـدَتْ لأَسْــدَاسٍ, عَسَــى أَنْ لا تَكُونَــا (41) بمعنى: وصف أخماس.

والمثَل: الشبه, يقال: هذا مَثَل هذا ومِثْله, كما يقال: شبَهُه وشِبْهه, ومنه قول كعب بن زهير: كَـانَتْ مَوَاعِيـدُ عُرْقُـوبٍ لَهَـا مَثَلا وَمَـــا مَوَاعِيدُهَــا إِلا الأَبَــاطِيلُ (42) يعني شَبَهًا، فمعنى قوله إذًا: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " : إن الله لا يخشى أن يصف شبهًا لما شبّه به (43) .

وأما " ما " التي مع " مثل "، فإنها بمعنى " الذي", لأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضةً في الصغر والقِلة فما فوقها - مثلا.

فإن قال لنا قائل: فإن كان القول في ذلك ما قلت (44) ، فما وجه نصب البعوضة, وقد علمتَ أنّ تأويل الكلام على ما تأولت (45) : أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا الذي هو بعوضة؛ فالبعوضةُ على قولك في محل الرفع؟

فأنى أتاها النصب؟

قيل: أتاها النصب من وجهين: أحدُهما، أن " ما " لما كانت في محل نصْب بقوله " يضرب "، وكانت البعوضة لها صلة، عُرِّبت بتعريبها (46) فألزمت إعرابها، كما قال حسان بن ثابت: وَكَـفَى بِنَـا فَضْـلا عَـلَى مَنْ غَيْرِنَا حُـــبُّ النَّبِــيِّ مُحَــمَّدٍ إِيَّانَــا (47) فعُرِّبت " غيرُ" بإعراب " من ".

والعرب تفعل ذلك خاصة في" من " و " ما " (48) ، تعرب صِلاتهما بإعرابهما، لأنهما يكونان معرفة أحيانًا، ونكرة أحيانًا.

وأما الوجه الآخر, فأن يكون معنى الكلام: إن الله لا يستحْيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها, ثم حذف ذكر " بين " و " إلى ", إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في" ما " الثانية، دلالة عليهما, كما قالت العرب: " مُطِرنا ما زُبالة فالثَعْلَبِيَّة " و " له عشرون ما ناقة فجملا "، و " هي أحسنُ الناس ما قرنًا فقدمًا "، يعنون: ما بين قرنها إلى قدمها (49) .

وكذلك يقولون في كل ما حسُن فيه من الكلام دخول: " ما بين كذا إلى كذا ", ينصبون الأول والثاني، ليدلّ النصبُ فيهما على المحذوف من الكلام (50) .

فكذلك ذلك في قوله: " ما بعوضة فما فوقها " (51) .

وقد زعم بعضُ أهل العربية أنّ " ما " التي مع المثَل صلةٌ في الكلام بمعنى التطوُّل (52) وأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضربَ بعوضةً مثلا فما فوقها.

فعلى هذا التأويل، يجب أن تكون " بعوضةً" منصوبةً بـ " يضرب ", وأن تكون " ما " الثانية التي في" فما فوقها " معطوفة على البعوضة لا على " ما ".

وأما تأويل قوله " فما فوقها ": فما هو أعظم منها (53) -عندي- لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جُريج: أن البعوضة أضعف خلق الله, فإذْ كانت أضعف خلق الله فهي نهايةٌ في القلة والضعف.

وإذ كانت كذلك، فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء، لا يكون إلا أقوى منه.

فقد يجب أن يكون المعنى &; 1-406 &; -على ما قالاه- فما فوقها في العظم والكبر, إذ كانت البعوضة نهايةً في الضعف والقلة.

وقيل في تأويل قوله " فما فوقها "، في الصغر والقلة.

كما يقال في الرجل يذكرُه الذاكرُ فيصفه باللؤم والشحّ, فيقول السامع: " نعم, وفوقَ ذاك ", يعني فوقَ الذي وصف في الشحّ واللؤم (54) ، وهذا قولٌ خلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتهم بتأويل القرآن.

فقد تبين إذًا، بما وصفنا، أن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يصف شبَهًا لما شبَّه به الذي هو ما بين بعوضةٍ إلى ما فوق البعوضة.

فأما تأويل الكلام لو رفعت البعوضة، فغير جائز في" ما "، إلا ما قلنا من أن تكون اسما، لا صلة بمعنى التطول (55) .

القول في تأويل قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فأما الذين آمنوا "، فأما الذين صدّقوا الله ورسوله.

وقوله: " فيعلمون أنه الحق من ربهم ".

يعني: فيعرفون أن المثَل الذي ضرَبه الله، لِما ضرَبه له، مثَل.

564- كما حدثني به المثنى, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس: " فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم "، أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم، وأنه كلامُ الله ومن عنده (56) .

565- وكما حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُريع, عن سعيد, عن قتادة, قوله " فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم "، أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن، وأنه الحق من الله (57) .

" وأما الذين كفروا فيقولونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا ".

قال أبو جعفر: وقوله " وأما الذين كفرُوا "، يعني الذين جحدوا آيات الله، وأنكرُوا ما عرفوا، وستروا ما علموا أنه حق، وذلك صفةُ المنافقين, وإياهم عَنَى الله جلّ وعز - ومن كان من نظرائهم وشركائهم من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم - بهذه الآية, فيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلا كما قد ذكرنا قبل من الخبر الذي رويناه عن مجاهد الذي:- 566- حدثنا به محمد عن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فأما الذين آمنوا فيعلمونَ أنه الحقّ من ربهم " الآية, قال: يؤمن بها المؤمنون, ويعلمون أنها الحق من ربهم, ويهديهم الله بها، ويَضلّ بها الفاسقون.

يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به, ويعرفه الفاسقون فيكفرون به (58) .

وتأويل قوله: " ماذا أراد الله بهذا مثلا "، ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا." فذا "، الذي مع " ما "، في معنى " الذي"، وأراد صلته, وهذا إشارةٌ إلى المثل (59) .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل وعز: " يضلّ به كثيرًا "، يضلّ الله به كثيرًا من خلقه.

والهاء في" به " من ذكر المثل.

وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدَأٌ, ومعنى الكلام: أن الله يُضلّ بالمثل الذي يضربه كثيرًا من أهل النفاق والكفر:- 567- كما حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السدّي، في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " يضلّ به كثيرًا " يعني المنافقين," ويهدي به كثيرًا "، يعني المؤمنين (60) .

- فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضرَبه له، وأنه لما ضرَبه له موافق.

فذلك إضْلال الله إياهم به.

و " يهدي به "، يعني بالمثل، كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق, فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم.

لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضرَبه الله له مثلا وإقرارُهم به.

وذلك هدايةٌ من الله لهم به.

وقد زعم بعضهم أنّ ذلك خبرٌ عن المنافقين, كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضلّ به هذا ويهدي به هذا.

ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله، فقال الله: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ .

وفيما في سورة المدثر - من قول الله: وليقولَ الذينَ في قلوبهمْ مَرَضٌ والكافرونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا.

كذلك يُضلّ اللهُ مَن يشاءُ ويهدي من يشاء - ما ينبئ عن أنه في سورة البقرة كذلك، مبتدأٌ - أعني قوله: " يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا ".

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (26) وتأويل ذلك ما:- 568- حدثني به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " وما يُضلّ به إلا الفاسقين "، هم المنافقون (61) .

569- وحدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: " وما يُضِلّ به إلا الفاسقين "، فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم (62) .

570- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس: " وما يضل به إلا الفاسقين "، هم أهل النفاق (63) .

قال أبو جعفر: وأصلُ الفسق في كلام العرب: الخروجُ عن الشيء.

يقال منه: فسقت الرُّطَبة إذا خرجت من قشرها.

ومن ذلك سُمّيت الفأرةُ فُوَيْسِقة, لخروجها عن جُحرها (64) ، فكذلك المنافق والكافر سُمّيا فاسقيْن، لخروجهما عن طاعة ربهما.

ولذلك قال جل ذكره في صفة إبليس: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [سورة الكهف: 50]، يعني به خرج عن طاعته واتباع أمره.

571- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة, قال: حدثني ابن إسحاق، عن داود بن الحُصين, عن عكرمة مولى ابن عباس, عن ابن عباس في قوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [سورة البقرة: 59]، أي بما بعُدوا عن أمري (65) .

فمعنى قوله: " وما يُضلّ به إلا الفاسقين "، وما يضلّ الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضّلال من أهل النفاق.

-------------------- الهوامش : (29) الأثر 555-"قراد" بضم القاف وفتح الراء مخففة : لقب له ، واسمه"عبد الرحمن بن غزوان بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي ، الخزاعي" ، وهو ثقة ، وقال أحمد : "كان عاقلا من الرجال" .

وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/2/274 .

(30) في المطبوعة : "خلى آجالهم" ، وفي المخطوطة"خلا" ، والصواب ما أثبته .

وخلا العمر يخلو خلوا : مضى وانقضى .

(31) في المخطوطة : "شيئًا قل منه أو كثر" بحذف"ما" ، وفي ابن كثير"مما قل أو كثر" وكلها متقاربة .

(32) الآثار : 554 - 558 أكثرها في ابن كثير 1 : 117 ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 41 ، والشوكاني 1 : 45 .

(33) في المطبوعة : "أن يضرب مثلا ما" ، وليست بشيء .

(34) الآثار : 559 - 561 ، وهي واحد كلها ، في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 ، وسيأتي برقم : 566 .

(35) الأثر : 562 في الدر المنثور 1 : 41 .

(36) قوله : "خصها .

.

" جواب قوله آنفًا : " .

.

لما كانت أضعف الخلق" .

(37) في المطبوعة : "الدلالة على ذلك بينها جل ذكره في قوله" .

(38) قوله : "فيهما" متعلق بقوله"مثل" ، أي : اللتين مثل فيهما -ما عليه المنافقون مقيمون- بموقد النار .

.

(39) في المطبوعة : "وبالصيب من السماء" .

(40) لم أعرف قائل هذا القول من المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب ، ولكني رأيت أبا حيان يقول في تفسيره 1 : 121 ، يزعم أن هذا المعنى هو الذي رجحه الطبري ، ومن البين أنه أخطأ فيما توهمه ، فإن لفظ الطبري دال على أنه لم يحقق معناه ، ولم يرضه ، ولم ينصره .

هذا على أني أظن أن مجاز اللفظ يجيز مثل هذا الذي قاله المنسوب إلى المعرفة بلغة العرب ، وإن كنت أكره أن أحمل هذه الآية على هذا المعنى .

(41) هذا بيت استرقه الكميت استراقًا ، على أنه مثل اجتلبه .

وأصله : أن شيخًا كان في إبله ، ومعه أولاده رحالا يرعونها ، قد طالت غربتهم عن أهلهم .

فقال لهم ذات يوم : "ارعوا إبلكم ربعا" (بكسر فسكون : وهو أن تحبس عن الماء ثلاثًا ، وترد في اليوم الرابع) ، فرعوا ربعًا نحو طريق أهلهم .

فقالوا : لو رعيناها خمسًا!

(بكسر فسكون : أن تحبس أربعًا وترد في الخامس) فزادوا يومًا قبل أهلهم .

فقالوا : لو رعيناها سدسًا!

(أن تحبس خمسًا وترد في السادس) .

ففطن الشيخ لما يريدون ، فقال : ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس ، ما همتكم رعيها ، إنما همتكم أهلكم!

وأنشأ يقول : وَذَلِـــكَ ضَــرْبُ أَخْمَــاسٍ أُرَاهُ, لأَسْــدَاسٍ, عَسَــى أَنْ لا تَكُونَــا فصار قولهم : "ضرب أخماس لأسداس" مثلا مضروبًا للذي يراوغ ويظهر أمرًا وهو يريد غيره .

وحقيقة قوله"ضرب : بمعنى وصف" ، أنه من ضرب البعير أو الدابة ليصرف وجهها إلى الوجه الذي يريد ، يسوقها إليه لتسلكه .

فقولهم : ضرب له مثلا ، أي ساقه إليه ، وهو يشعر بمعنى الإبانة بالمثل المسوق .

وهذا بين .

(42) ديوانه : 8 ، وفي المخطوطة : "وما مواعيده" ، وعرقوب -فيما يزعمون- : هو عرقوب ابن نصر ، رجل من العمالقة ، نزل المدينة قبل أن تنزلها يهود بعد عيسى ابن مريم عليه السلام .

وكان يحتال في إخلاف المواعيد بالمماطلة ، كما هو معروف في قصته .

(43) هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال إن الاستحياء بمعنى الخشية ، لا ما أخذ به الطبري ، وتفسير الطبري صريح بين في آخر تفسير الآية .

(44) في المطبوعة : "كما قلت" .

(45) في المطبوعة : "على ما تأولت" ، وليست بجيدة .

(46) في المطبوعة"أعربت بتعريبها" .

وقوله"عربت" : أي أجريت مجراها في الإعراب ، وهذا هو معنى"التعريب" في اصطلاح قدماء النحاة ، وستمر بك كثيرًا فاحفظها ، وهي أوجز مما اصطلح عليه المحدثون منهم .

(47) ليس في ديوانه ، ويأتي في الطبري 4 : 99 غير منسوب ، وفي الخزانة : 2 : 545 - 546 أنه لكعب بن مالك ، ونسب إلى حسان بن ثابت ولم يوجد في شعره .

ونسب لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، ونسب أيضًا لعبد الله بن رواحة .

وذكره السيوطي في شرح شواهد المغني : 116 ، 252 ، وأثبت بيتا قبله : نَصَــرُوا نَبِيَّهُــمُ بِنَصْــرِ وَلِيِّـهِ فاللــه, عَــزَّ, بِنَصْــرِهِ سَــمَّانَا قال : يعني أن الله عز وجل سماهم"الأنصار" ، لأنهم نصروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن والاه .

والباء في"بنصر وليه" ، بمعنى"مع" .

(48) في المطبوعة : "فالعرب تفعل .

.

.

" .

(49) في المخطوطة : "يعنون بذلك من قرنها .

.

" .

(50) في المخطوطة : "ليدل النصب في الأسماء على المحذوف .

.

.

" ، وهما سواء (51) أكثر هذا من كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 21 - 22 ، وذكر الوجهين السالفين جميعًا ، وكلامه أبسط من كلام الطبري وأبين .

(52) قد مضى قديمًا شرح معنى التطول (انظر : 18 ، 224 وما يأتي ص : 406 ، 154 من بولاق) ، وهو الزيادة في الكلام .

وهذا الذي قال عنه : "زعم بعض أهل العربية" ، هو الفراء نفسه ، فقد ذكر هذا أول وجه من ثلاثة وجوه في الآية في معاني القرآن 1 : 21 ، وقال : "أولها : أن توقع الضرب على البعوضة ، وتجعل ما صلة ، كقوله : "عما قليل ليصبحن نادمين" ، يريد : عن قليل .

المعنى -والله أعلم- : إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة فما فوقها مثلا" .

والذي يسميه الطبري البغدادي المذهب في النحو"تطولا" ، يسميه الفراء الكوفي المذهب في النحو"صلة" ، وهي الزيادة في الكلام .

(53) في المخطوطة : "فهو ما قد عظم منها" ، وهو خطأ بلا معنى .

(54) في المطبوعة : "فوق الذي وصف" .

وهذا التأويل الذي ذكره الطبري ، قد اقترحه الفراء في معاني القرآن 1 : 20 - 21 وأبان عنه ، وقال : "ولو جعلت في مثله من الكلام"فما فوقها" ، تريد أصغر منها ، لجاز ذلك .

ولست أستحبه" ، يعني : أنه لا يستحبه في هذا الموضع من تفسير كتاب الله .

(55) قد شرحنا معنى"صلة" و"تطول" فيما مضى ص : 405 .

(56) الأثر : 564- هو عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ، كما مر كثيرًا ، وكذلك جاء في الدر المنثور 1 : 43 .

(57) الأثر 565- في ابن كثير 1 : 118 .

(58) الأثر 566- قد مضى برقم : 559 .

(59) في المطبوعة : "فذا مع ما في معنى .

.

" (60) الخبر : 567- في ابن كثير 1 : 119 ، والدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 ، وهو فيها تام متصل ، وتمامه الأثر الذي يليه : 568 .

ولكن ابن كثير أخطأ ، فوصل هذا الخير بكلام الطبري الذي يليه ، كأنه كله من تفسير ابن عباس وابن مسعود ، وهو خطأ محض .

فقول الطبري بعد"فيزيد هؤلاء ضلالا .

.

" هو من تمام قوله قبل هذا"أن الله يضل بالمثل الذي يضربه كثيرا من أهل النفاق والكفر" .

(61) الخبر 568- تمام الأثر السالف ، وقد ذكرنا موضعه .

(62) الأثر : 569- في ابن كثير 1 : 119 ، وفي الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 ، وفيهما مكان"على فسقهم" ، "بفسقهم" .

(63) الأثر : 570- في ابن كثير 1 : 119 .

(64) انظر الطبري 15 : 170 (بولاق) .

وقوله : "يحكى عن العرب سماعًا : فسقت الرطبة من قشرها ، إذا خرجت .

وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها" ، وسائر ما قال هناك .

(65) الخبر : 571- لم أجده في مكانه من تفسير آية البقرة ، ولا في أية آية ذكر فيها هذا الحرف .

ولم يخرجه أحد ممن اعتمدنا ذكره .

وفي المخطوطة : "من أمري" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا قال ابن عباس في رواية أبي صالح : لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين : يعني مثلهم كمثل الذي استوقد نارا وقوله : أو كصيب من السماء قالوا : الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية .

وفي رواية عطاء عن ابن عباس قال : لما ذكر الله آلهة المشركين فقال : وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت ، قالوا : أرأيت حيث [ ص: 231 ] ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد ، أي شيء يصنع ؟

فأنزل الله الآية .

وقال الحسن وقتادة : لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ، ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله ، فأنزل الله الآية .و " يستحيي " أصله يستحيي ، عينه ولامه حرفا علة ، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت .

واسم الفاعل على هذا : مستحي ، والجمع مستحيون ومستحيين .

وقرأ ابن محيصن " يستحي " بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة ، وروي عن ابن كثير ، وهي لغة تميم وبكر بن وائل ، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت ، فحذفت إحداهما للالتقاء ، واسم الفاعل مستح ، والجمع مستحون ومستحين .

قاله الجوهري .

واختلف المتأولون في معنى يستحيي في هذه الآية فقيل : لا يخشى ، ورجحه الطبري ، وفي التنزيل : وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه بمعنى تستحي .

وقال غيره : لا يترك .

وقيل : لا يمتنع .

وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح ، وهذا محال على الله تعالى .

وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحيي من الحق .

المعنى لا يأمر بالحياء فيه ، ولا يمتنع من ذكره .قوله تعالى : أن يضرب مثلا ما يضرب معناه يبين ، وأن مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف من .

( مثلا ) منصوب ب " يضرب " .

( بعوضة ) في نصبها أربعة أوجه : الأول : تكون ( ما ) زائدة ، و ( بعوضة ) بدلا من مثلا .

الثاني : تكون ( ما ) نكرة في موضع نصب على البدل من قوله : ( مثلا ) و ( بعوضة ) نعت لما ، فوصفت ما بالجنس المنكر لإبهامها لأنها بمعنى قليل ، قاله الفراء والزجاج وثعلب .

الثالث : نصبت على تقدير إسقاط الجار ، المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة ، [ ص: 232 ] فحذفت " بين " وأعربت بعوضة بإعرابها ، والفاء بمعنى إلى ، أي إلى ما فوقها .

وهذا قول الكسائي والفراء أيضا ، وأنشد أبو العباس :يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم ولا حبال محب واصل تصلأراد ما بين قرن ، فلما أسقط " بين " نصب .الرابع : أن يكون يضرب بمعنى يجعل ، فتكون بعوضة المفعول الثاني .

وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج " بعوضة " بالرفع ، وهي لغة تميم .

قال أبو الفتح : ووجه ذلك أن ما اسم بمنزلة الذي ، وبعوضة رفع على إضمار المبتدأ ، التقدير : لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا ، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ .

ومثله قراءة بعضهم : تماما على الذي أحسن ، أي على الذي هو أحسن .

وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا ، أي هو قائل .

قال النحاس : والحذف في " ما " أقبح منه في الذي ; لأن الذي إنما له وجه واحد والاسم معه أطول .

ويقال : إن معنى ضربت له مثلا ، مثلت له مثلا .

وهذه الأبنية على ضرب واحد ، وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع .

والبعوضة : فعولة من بعض إذا قطع اللحم ، يقال : بضع وبعض بمعنى ، وقد بعضته تبعيضا ، أي جزأته فتبعض .

والبعوض : البق ، الواحدة بعوضة ، سميت بذلك لصغرها .

قاله الجوهري وغيره .قوله تعالى : فما فوقها قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى ، ومن جعل ما الأولى صلة زائدة ف ( ما ) الثانية عطف عليها .

وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما : معنى فما فوقها - والله أعلم - ما دونها ، أي إنها فوقها في الصغر .

قال الكسائي : وهذا كقولك في الكلام : أتراه قصيرا ؟

فيقول القائل : أو فوق ذلك ، أي هو أقصر مما ترى .

وقال قتادة وابن جريج : المعنى في الكبر .والضمير في " أنه " عائد على المثل أي إن المثل حق .

والحق خلاف الباطل .

والحق : واحد الحقوق .

والحقة ( بفتح الحاء ) أخص منه ، يقال : هذه حقتي ، أي حقي .قوله تعالى : وأما الذين كفروا لغة بني تميم وبني عامر في : ( أما ) أيما ، يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف ، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة :رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت فيضحى وأيما بالعشي فيخصرقوله تعالى : فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا اختلف النحويون في ماذا ، فقيل : هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شيء أراد الله ، فيكون في موضع نصب ب " أراد " .

قال ابن كيسان : وهو الجيد .

وقيل : " ما " اسم تام في موضع رفع بالابتداء ، و " ذا " بمعنى الذي وهو خبر الابتداء ، ويكون التقدير : ما الذي أراده الله بهذا مثلا ، ومعنى كلامهم هذا : الإنكار بلفظ الاستفهام .

و " مثلا " منصوب على القطع ، التقدير : أراد مثلا ، قاله ثعلب .

وقال ابن كيسان : هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال .قوله تعالى : يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا قيل : هو من قول الكافرين ، أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى .

وقيل : بل هو خبر من الله عز وجل ، وهو أشبه ; لأنهم يقرون بالهدى أنه من عنده ، فالمعنى : قل يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا ، أي يوفق ويخذل ، وعليه فيكون فيه رد على من تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم : إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى .

قالوا : ومعنى يضل به كثيرا - التسمية هنا ، أي يسميه ضالا ، كما يقال : فسقت فلانا ، يعني سميته فاسقا ، لأن الله تعالى لا يضل أحدا .

هذا طريقهم في الإضلال ، وهو خلاف أقاويل المفسرين ، وهو غير محتمل في اللغة ; لأنه يقال : ضلله إذا سماه ضالا ، ولا يقال : أضله إذا سماه ضالا ، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم .ولا خلاف أن قوله : وما يضل به إلا الفاسقين أنه من قول الله تعالى .

والفاسقين نصب بوقوع الفعل عليهم ، والتقدير : وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم .

ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء ; لأن الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام .

وقال نوف البكالي : قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل : إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء .

قال فقيل : يا عزير أعرض عن هذا لتعرضن عن هذا أو لأمحونك من النبوة ، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون .

والضلال أصله الهلاك ، يقال منه : ضل الماء في اللبن إذا استهلك ، ومنه قوله تعالى : أئذا ضللنا في الأرض وقد تقدم في الفاتحة .

والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشيء ، يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ، والفأرة من جحرها .

والفويسقة : الفأرة ، وفي الحديث : خمس فواسق يقتلن في الحل [ ص: 234 ] والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا .

روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أخرجه مسلم .

وفي رواية ( العقرب ) مكان ( الحية ) .

فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها اسم الفسق لأذيتها ، على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .

وفسق الرجل يفسق ويفسق أيضا - فسقا وفسوقا ، أي فجر .

فأما قوله تعالى : ففسق عن أمر ربه فمعناه خرج .

وزعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ، ولا في شعرهم فاسق .

قال : وهذا عجب ، وهو كلام عربي حكاه عنه ابن فارس والجوهري .قلت : قد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب " الزاهر " له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر :يذهبن في نجد وغورا غائرا فواسقا عن قصدها جوائراوالفسيق : الدائم الفسق ويقال في النداء : يا فسق ويا خبث ، يريد : يا أيها الفاسق ، ويا أيها الخبيث .

والفسق في عرف الاستعمال الشرعي : الخروج من طاعة الله عز وجل ، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى { إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا } أي: أيَّ مثل كان { بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } لاشتمال الأمثال على الحكمة, وإيضاح الحق, والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا, جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك.

فليس في ذلك محل اعتراض.

بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم.

فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر.

ولهذا قال: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } فيتفهمونها، ويتفكرون فيها.

فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة.

{ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا } فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال: { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية.

قال تعالى: { وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ } فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال.

ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى فقال: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ } أي: الخارجين عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق وصفهم; فلا يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.

والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان; كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } [الآية].

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت فقال: {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له} [73-الحج]، وقال: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} [41-العنكبوت]، قالت اليهود: "ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟" وقيل: قال المشركون: "إنا لا نعبد إلهاً يذكر مثل هذه الأشياء"، فأنزل الله تعالى: {إن الله لا يستحيي} أي لا يترك ولا يمنعه الحياء {أن يضرب مثلاً} يذكر شبهاً، {ما بعوضة} ما: صلة، أي مثلاً بالبعوضة، وبعوضة نصب بدل عن المثل.

والبعوض صغار البق سميت بعوضة كأنها بعض البق.

{فما فوقها} يعنى الذباب والعنكبوت، وقال أبو عبيدة: "أي فما دونها كما يقال وفوق ذلك أي وأجهل".

{فأما الذين آمنوا} بمحمد والقرآن.

{فيعلمون أنه} يعني: المثل هو {الحق} الصدق.

{من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً} أي بهذا المثل فلما حذف الألف واللام نصبه على الحال والقطع.

ثم أجابهم فقال: {يضل به} أي بهذا المثل.

{كثيراً} من الكفار وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون ضلالاً.

والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل.

وقيل: هو الهلاك يقال ضل الماء في اللبن إذا هلك.

{ويهدي به} أي بهذا المثل> {كثيراً} من المؤمنين فيصدقونه.

{وما يضل به إلا الفاسقين} الكافرين، وأصل الفسق الخروج؛ يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها.

قال الله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} [50-الكهف] أي خرج.

ثم وصفهم فقال:

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الله لا يستحيي أن يضرب» يجعل «مثلا» مفعول أول «ما» نكرة موصوفة بما بعدها مفعول ثان أيَّ مثل كان أو زائدة لتأكيد الخسة فما بعدها المفعول الثاني «بعوضة» مفرد البعوض وهو صغار البق «فما فوقها» أي أكبر منها أي لا يترك بيانه لما فيه من الحكم «فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه» أي المثل «الحق» الثابت الواقع موقعه «من ربِّهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً» تمييز أي بهذا المثل، وما استفهام إنكار مبتدأ، وذا بمعنى الذي بصلته خبره أي: أيّ فائدة فيه قال الله تعالى في جوابهم «يضل به» أي بهذا المثل «كثيراً» عن الحق لكفرهم به «ويهدي به كثيراً» من المؤمنين لتصديقهم به «وما يضل به إلا الفاسقين» الخارجين عن طاعته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الله تعالى لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئًا ما، قلَّ أو كثر، ولو كان تمثيلا بأصغر شيء، كالبعوضة والذباب ونحو ذلك، مما ضربه الله مثلا لِعَجْز كل ما يُعْبَد من دون الله.

فأما المؤمنون فيعلمون حكمة الله في التمثيل بالصغير والكبير من خلقه، وأما الكفار فَيَسْخرون ويقولون: ما مراد الله مِن ضَرْب المثل بهذه الحشرات الحقيرة؟

ويجيبهم الله بأن المراد هو الاختبار، وتمييز المؤمن من الكافر؛ لذلك يصرف الله بهذا المثل ناسًا كثيرين عن الحق لسخريتهم منه، ويوفق به غيرهم إلى مزيد من الإيمان والهداية.

والله تعالى لا يظلم أحدًا؛ لأنه لا يَصْرِف عن الحق إلا الخارجين عن طاعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

روى الواحدى في أسباب النزول عن ابن عباس أن الله - تعالى - لما أنزل قوله - تعالى - ( إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ ) وقوله - تعالى - : ( مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً ) لما نزل قال المشركون : أرأيتم أي شيء يصنع بهذا؟!

فأنزل الله ( إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا .

.

.

) .وروى عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب بهما المثل ضحك اليهود وقالوا : ما يشبه أن يكون هذا من كلام الله!

فأنزل الله هذه الآية ( إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى ) .

إلخ .وقال السدى : لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين ، يعني قوله تعالى : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً .

.

.

) وقوله تعالى : ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء ) قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال!

فأنزل الله هذه الآية :ويبدوا أن الآية الكريمة قد نزلت للرد على جميع تلك الفرق الضالة ، فقد قرر العلماء أن لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات .والاستحياء والحياد واحد ، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأجر واستجاب .

وهو في أصل اللغة انقباض النفس وانكسارها من خوف ما يعاب به ويذم .

وهذا المعنى غير لائق بجلال الله ، لذا ذهب جمع من المفسرين إلى تأويله بإرادة لازمة ، وهو ترك ضرب الأمثال بها .والمعنى : إن الله لا يترك أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ، وإطلاق الفعل كالاستحياء على ما يترتب عليه كترك الفعل ، مألوف فى الكلام البليغ حيث يكون المراد واضحاً .ومذهب السلف : إمرار هذا وأمثاله على ما ورد ، وتفويض علم كنهه وكيفيته إلى الله - تعالى - مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحدثات .أي : ليس الحياء بمانع لله - تعالى - من ضرب الأمثال بهذه المخلوقات الصغيرة في نظركم؛ كالبعوض والذباب والعنكبوت ، فإن فيها من دلائل القدرة ، وبدائع الصنعة ما تحار فيه العقول ، ويشهد بحكمة الخالق .والمثل فى اللغة : الشبيه .

وهو فى عرف القرآن : الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع ، كالمثلين السابقين اللذين ضربهما الله في حال المنافقين؛ أو وصف غريب نحو قوله تعالى : ( ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ ) وضرب المثل : إيراده ، وعبر عن إيرادة بالضرب ، لشدة ما يحدث عنه من التأثير في نفس السامع .و ( ما ) فى قوله ( مَثَلاً مَّا ) هي ما الإِبهامية ، تجيء بعد النكرة فتزيدها شيوعاً وعموماً ، كقولك : أعطني كتاباً ما ، أي كتاب كان .والبعوضة واحدة البعوض وهى حشرة صغيرة تطلق على الناموس وهى بدل أو بيان من قوله ( مَثَلاً ) .وقوله : ( فَمَا فَوْقَهَا ) عطف على بعوضة ، والمراد فما فوقها فى الحجم كالذباب والعنكبوت ، والكلب والحمار ، أو فما فوقها في المعنى الذي وقع التمثيل فيه ، وهو الصغر والحقارة كجناحها أو كالذرة .قال صاحب الكشاف : سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروباً بها المثل ، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب ، من جهة أن التمثيل إنما يصار إليه ملا فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب ، وإدناء المتوهم من المشاهد .

.

وأن لله - تعالى - أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل ، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ أو بما لا يدركه لتناهيه فى صغره إلا هو وحده .

.

وقوله : ( فَمَا فَوْقَهَا ) فيه معنيان :أحدهما : فما تجاوزهما وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو القلة والحقارة نحو قولك لمن يقول : فلان أسفل الناس وأنذلهم ، هو فوق ذلك ، تريد هو أعرق فيما وصف من السفالة والنذالة .والثاني : فيما زاد عليها في الحجم كأنه قصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موقف الناس أمام هذه الأمثال فقال :( فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ ) .أما حرف مفيد للشرط والتفصيل والتأكيد ، أما الشرط فلوقوع الفاء في جوابها ، وأما التفصيل فلوقوعها بعد مجمل مذكور أو مقدر ، وأما التأكيد فلأنك إذا قلت : زيد ذاهب ، ثم قصدت تأكيد ذلك وإفادة أن ذهابه واقع لا محالة قلت : أما زيد فذاهب .والضمير فى قوله ( أَنَّهُ ) يعود على المثل ، أو على ضربه المفهوم من قوله : ( أَن يَضْرِبَ مَثَلاً ) .والحق : خلاف الباطن ، وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره .ووجه كون المثل أو ضربه حقاً ، أنه يوضح المبهم ، ويفصل المجمل ، فهو وسيلة إلى تقرير الحقائق وبيانها .ووجه تفصيل الناس في هذه الآية إلى قسمين ، أنهم بالنسبة إلى التشريع والتنزيل كذلك ، فهم مؤمن أو كافر .والمقصود من ذكر المؤمنين هنا الثناء عليهم بثبات إيمانهم ، وتيئيس الذين أرادوا تشكيكلهم ببيان أن إيمانهم يحول بينهم وبين الشك .وعبر فى جانب المؤمنين بيعلمون تعريضاً بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا عناداً ومكابرة ، وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز .وقال : ( أَنَّهُ الحق ) معرفاً بأل ، ولم يقل : أنه حق للمبالغة في حقية المثل .ومن المعروف في علم البيان أن الخبر قد يؤتى به معرفاً بأل ، للدلالة على أن المخبر عنه بالغ في الوصف الذي أخبر به عنه مرتبة الكمال .وقوله : ( مِن رَّبِّهِمْ ) حال من الحق ، ومن ابتدائية ، أي : إنه هذا الكلام وارد من الله ، لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب ، فهو مؤذن بأنه من كلام الخالق الذي لا يقع منه الخطأ .ثم بين - سبحانه - موقف الكافرين من هذه الأمثال عندما تتلى عليهم فقال :( وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) .كلمة ( مَاذَآ ) مركبة من ما الاستفهامية وذا اسم الإِشارة ، غير أن العرب توسعوا فيها فاستعملوها اسم استفهام مركباً من كلمتين ، وذلك حيث يكون المشار إليه معبراً عنه بلفظ آخر غير الإشارة ، حتى تصير الإِشارة إليه مع التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد نحو : ماذا التواني؟

أو حيث لا يكون للإِشارة موقع كقوله تعالى : ( وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بالله واليوم الآخر ) وقد يتوسعون فيها توسعاً أٌوى فيجعلون ذا اسم موصول ، وذلك حين يكون المسئول عنه معروفاً للمخاطب بشيء من أحواله ، فلذلك يجرون عليه جملة أو نحوها هي صلة ويجعلون ذا موصولا نحو ( مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ) ونحو ( مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) أي : ما الذي أراده الله بهذا المثل .والإِرادة فى أصل اللغة : نزوع النفس إلى الفعل ، وإذا أسندت إلى الله دلت على صفة له تتعلق بالممكنات ، فيترجح بها أحد وجهي المقدور ، وقد كان جائز الوقوع وعدم الوقوع .وقوله : ( مَثَلاً ) واقع في موقع التمييز لاسم الإِشارة " هذا " كقولك لمن أجاب بجواب غير مقبول .

ماذا أردت بهذا جواباً؟والاستفهام الذي حكاه القرآن على ألسنة هؤلاء الكافرين ، المقصود به الإِنكار والتحقير لهذه الأمثال ، ولأن يكون الله - تعالى - قد ضربها للناس .والمعنى : فأما المؤمنون الذين من عادتهم الإِنصاف ، والنظر في الأمور بنظر العقل واليقين ، فإنهم إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمر الشبهة بساحته ، وأما الكافرون فإنهم لانطماس بصيرتهم ، وتغلب الأحقاد على قلوبهم فإنهم إذا سمعوا ذلك عاندوا وكابروا وقابلوه بالإِنكار .ثم ساق - سبحانه - جملتين بين فيهما الحكمة من ضرب الأمثال فقال : ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) .فقد دلت هاتان الجملتان على أن العلم بكون المثل حقاً ، مما يزداد به المؤمنون رشداً على رشدهم ، وأن إنكاره ضلال يزداد به الكافرون تخبطاً في ظلمات جهلهم .ووصف كلا من فريقي المؤمنين والمنكرين له بالكثرة مع أن المهتديين وصفوا بالقلة كثيرا كما في قوله : ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور ) وذلك لأن أهل الهدى كثيرون في أنفسهم ، وإذا وصفوا بالقلة فبالقياس إلى أهل الضلال ، وأيضاً فإن القليل من أهل الهدى كثير في الحقيقة ، وإن قلوا في الصورة ، فوصفوا بالكثرة ذهاباً إلى هذه الحقيقة .وقدم الإِضلال على الهداية ، ليكون أول ما يقرع أسماع المبطلين عن الجواب أمراً فظيعاً يسوءهم ويفت في أعضادهم .ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين ) .الفاسقون : جمع فاسق ، من الفسق ، وهو في أصل اللغة : الخروج .يقال : فسقت الرطبة من قشرها .

أي : خرجت منه ، وشرعاً ، الخروج عن طاعة الله ، فيشمل الخروج من حدود الإِيمان ، وهو الكفر ، ثم ما دون الكفر من الكبائر والصغائر ، ولكنه اختص فى العرف بارتكاب الكبيرة ، ولم يسمع الفسق فى كلام الجاهلية ، بمعنى الخروج عن الطاعة فهو بهذا المعنى من الألفاظ الإِسلامية .وقصر الإِضلال بالمثل على الفاسقين ، إيذان بأن الفسق هو الذي أعدهم لأن يضلوا به ، حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى أنكروه وقالوا : ماذا أراد الله بهذا مثلا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزاً أورد هاهنا شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلاً عن كونه معجزاً، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها ثم في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: عن ابن عباس أنه لما نزل: ﴿ يأَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ  ﴾ فطعن في أصنامهم ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما فنزلت هذه الآية.

والقول الثاني: أن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق في قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً  ﴾ والقول الثالث: أن هذا الطعن كان من المشركين قال القفال: الكل محتمل هاهنا، أما اليهود فلأنه قيل في آخر الآية: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه ﴾ وهذا صفة اليهود، لأن الخطاب بالوفاء وبالعهد فيما بعد إنما هو لبني إسرائيل وأما الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة المدثر ﴿ وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء  ﴾ الآية فأما الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين لأن السورة مكية فقد جمع الفريقان هاهنا.

إذا ثبت هذا فنقول: احتمال الكل هاهنا قائم لأن الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر اليهود، وذكر المنافقين، وذكر المشركين.

وكلهم من الذين كفروا ثم قال القفال: وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب لأن معناه في نفسه مفيد.

المسألة الثانية: اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء.

جعل الحيي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء، وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن، وذلك لا يعقل إلا في حق الجسم، ولكنه وارد في الأحاديث.

روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً».

وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان: الأول: وهو القانون في أمثال هذه الأشياء؛ أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضب له، علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب، بل المراد تلك النهاية وهو أنزل العقاب، فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب.

الثاني: يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت، فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال، وهذا فن بديع من الكلام، ثم قال القاضي ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتاً فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضاً عليه، وإنما يقال إنه لا يوصف به فأما أن يقال لا يستحي ويطلق عليه ذلك فمحال، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره الله تعالى من كتابه في قوله: ﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ  ﴾ وقوله: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  ﴾ فهو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة وكذلك قوله: ﴿ مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ  ﴾ وكذلك قولك: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ  ﴾ وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائزاً أن يطلق في المخاطبة فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال، ولقائل أن يقول: لا شك في أن هذه الصفات منفية عن الله سبحانه فكان الإخبار عن انتفائها صدقاً فوجب أن يجوز.

بقي أن يقال إن الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها عليه فنقول: هذه الدلالة ممنوعة وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر لا يدل على ثبوت غيره بل لو قرن باللفظ ما يدل على انتفاء الصحة أيضاً كان ذلك أحسن من حيث أنه يكون مبالغة في البيان وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً.

المسألة الثالثة: اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ويدل عليه وجوه: أحدها: إطباق العرب والعجم على ذلك أما العرب فذلك مشهور عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذرة: أجمع من ذرة، وأضبط من ذرة، وأخفى من الذرة وفي التمثيل بالذباب: أجرأ من الذباب، وأخطأ من الذباب، وأطيش من الذباب، وأشبه من الذباب بالذباب، وألح من الذباب.

وفي التمثيل بالقراد، أسمع من قراد، وأصغر من قراد.

وأعلق من قراد.

وأغم من قراد، وأدب من قراد، وقالوا في الجراد: أطير من جرادة، وأحطم من جرادة، وأفسد من جرادة.

وأصفى من لعاب الجراد، وفي الفراشة: أضعف من فراشة، وأطيش من فراشة، وأجهل من فراشة، وفي البعوضة.

أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوضة، وكلفني مخ البعوضة، في مثل تكليف ما لا يطاق: وأما العجم فيدل عليه كتاب كليلة ودمنة وأمثاله، وفي بعضها: قالت البعوضة، وقد وقعت على نخلة عالية وأرادت أن تطير عنها؛ يا هذه استمسكي فإني أريد أن أطير، فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك فكيف أشعر بطيرانك.

وثانيها: أنه ضرب الأمثال في إنجيل عيسى عليه السلام بالأشياء المستحقرة، قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع وأثمر العشب غلب عليه الزوان، فقال عبيد الزراع؛ يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟

قال: بلى، قالوا: فمن أين هذا الزوان؟

قال: لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان فتقلعوا معه الحنطة فدعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزماً ثم يحرقوه بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن.

وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة هو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذي يعملون بطاعة الله تعالى، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان هو المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار كذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين، وجميع عمّال الأثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنا لك البكاء، وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع، وأضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء: لو أن رجلاً أخذ حبة من خردل وهي أصغر الحبوب وزرعها في قريته، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول وجاء طير من السماء فعشش في فروعها فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره، ونجى من اقتدى به، وقال: لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، وكذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الرياح، وقال لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص ولكن ادخروا ذخائركم عند الله وقال: نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يزرعن ولا يحصدن ومنهن من هو في جوف الحجر الأصم أو في جوف العود، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله؟

أفلا تعقلون، وقال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم ولا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم، فظهر أن الله تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة وأما العقل فلأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبه فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل وأيضاً فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبيناً مكشوفاً، وإن كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يراد منه إلا الإيضاح والبيان، أما قولهم: ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى، قلنا هذا جهل، لأنه تعالى هو الذي خلق الصغير والكبير وحكمه في كل ما خلق وبرأ عام لأنه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخف عليه من الكبير والعظيم أصعب من الصغير، وإذا كان الكل بمنزلة واحدة لم يكن الكبير أولى أن يضربه مثلاً لعباده من الصغير بل المعتبر فيه ما يليق بالقصة، فإذا كان الأليق بها الذباب والعنكبوت يضرب المثل بهما لا بالفيل والجمل، فإذا أراد تعالى أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدولهم عن عبادة الرحمن صلح أن يضرب المثل بالذباب، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل لبيت العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن وأضعف من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح.

المسألة الرابعة: قال الأصم: ما في قوله مثلاً ماصلة زائدة كقوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله  ﴾ وقال أبو مسلم معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ولغو والأصح قول أبي مسلم لأن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبياناً وكونه لغواً ينافي ذلك، وفي بعوضة قراءتان: إحداهما: النصب وفي لفظة ما على هذه القراءة وجهان: الأول: أنها مبنية وهي التي إذا قرنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شيوعاً وبعداً عن الخصوصية.

بيانه أن الرجل إذا قال لصاحبه أعطني كتاباً أنظر فيه فأعطاه بعض الكتب صح له أن يقول أردت كتاباً آخر ولم أرد هذا ولو قاله مع ما لم يصح له ذلك لأن تقدير الكلام أعطني كتاباً أي كتاب كان.

الثاني: أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة، أما على قراءة الرفع ففيها وجهان: الأول: أنها موصولة صلتها الجملة لأن التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في ﴿ تماماً على الذي أحسن  ﴾ .

الثاني: أن تكون استفهامية فإنه لما قال: ﴿ إِنَّ للَّهِ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً ﴾ كأنه قال بعده ما بعوضة فما فوقها حتى يضرب المثل به، بل له أن يمثل بما هو أقل من ذلك كثيراً كما يقال فلان لا يبالي بما وهب، ما دينار وديناران، أي يهب ما هو أكثر من ذلك بكثير.

المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: ضرب المثل اعتماده وتكوينه من ضرب اللبن وضرب الخاتم.

المسألة السادسة: انتصب بعوضة بأنه عطف بيان لمثلاً أو مفعول ليضرب ومثلاً حال من النكرة مقدم عليه أو ثاني مفعولين ليضرب مضمناً معنى يجعل، وهذا إذا كانت ما صلة أو إبهامية، فإن كانت مفسرة ببعوضة فهي تابعة لما هي تفسير له، والمفسر والمفسر معاً لمجموعهما عطف بيان أو مفعو <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

سيقت هذه الآية لبيان أنَّ ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقّرات من الأشياء مضروباً بها المثل، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من قبل أنّ التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهّم من المشاهد.

فإن كان المتمثل له عظيمًا كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك.

فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذاً إلاَّ أمراً تستدعيه حال المتمثل له وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية.

ألا ترى إلى الحق لما كان واضحاً جلياً أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور؟

وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟

ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله تعالى لا حال أحقر منها وأقلّ، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن، وجعلت أقلّ من الذباب وأخس قدراً، وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا لم يستنكر ولم يستبدع، ولم يقل للمتمثل: استحى من تمثيلها بالبعوضة، لأنه مصيب في تمثيله، محق في قوله.

سائق للمثل على قضية مضربه، محتذ على مثال ما يحتكمه ويستدعيه، ولبيان أنّ المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والعمل على العدل والتسوية والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمرّ الشبهة بساحته، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله.

وأن الكفّار الذين غلبهم الجهل على عقولهم، وغصبهم على بصائرهم فلا يتفطنون ولا يلقون أذهانهم، أوعرفوا أنه الحق إلا أنّ حبّ الرّياسة وهوى الألف والعادة لا يخليهم أن ينصفوا، فإذا سمعوه عاندوا وكابروا وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار، وأن ذلك سبب زيادة هدى المؤمنين وانهماك الفاسقين في غيّهم وضلالهم.

والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثّلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: أجمع من ذرّة، وأجرأ من الذباب، وأسمع من قراد.

وأصرد من جرادة، وأضغف من فراشة.

وآكل من السوس.

وقالوا في البعوضة: أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوض وكلفتني مخ البعوض.

ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة، كالزوان والنخالة وحبة الخردل، والحصاة، والأرضة، والدود، والزنابير.

والتمثيل بهذه الأشياء وبأحقر منها مما لا تغني استقامته وصحته على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا إقناع، أن يرمي لفرط الحيرة والعجز عن إعمال الحيلة بدفع الواضح وإنكار المستقيم والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معوّلاً.

وعن الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله.

فأنزل الله عز وجل هذه الآية.

والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم.

واشتقاقه من الحياة.

يقال: حيي الرجل، كما يقال: نسي وحشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعتريه من الانكسار والتغير، منتكس القوّة منتقص الحياة، كما قالوا: هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدّة الحياء.

وذاب حياء، وجمد في مكانه خجلاً.

فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم، وذلك في حديث سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً» قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفراً من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه.

وكذلك معنى قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ ﴾ أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها.

ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال.

وهو فنّ من كلامهم بديع، وطراز عجيب، منه قول أبي تمام: مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّها ** أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ وشهد رجل عند شريح.

فقال: إنك لسبط الشهادة.

فقال الرجل: إنها لم تجعد عني.

فقال: لله بلادك، وقبل شهادته.

فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة.

ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار.

وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها.

ولله درّ أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها، لا تكاد تستغرب منها فناً إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسدّ مدارجه.

وقد استعير الحياء فيما لا يصحّ فيه: إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ ** كرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ وقرأ ابن كثير في رواية شبل: ﴿ يستحي ﴾ بياء واحدة.

وفيه لغتان: التعدّي بالجارّ والتعدي بنفسه.

يقولون: استحييت منه واستحييته، وهما محتملتان هاهنا.

وضرب المثل: اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم.

وفي الحديث: «اضطرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب» و ﴿ مَّا ﴾ هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شياعاً وعموماً، كقولك: أعطني كتاباً مّا، تريد أيّ كتاب كان.

أو صلة للتأكيد، كالتي في قوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ [النساء: 155] كأنه قيل: لا يستحيي أن يضرب مثلاً حقاً أو البتة، هذا إذا نصبت ﴿ بَعُوضَةً ﴾ فإن رفعتها فهي موصولة، صلتها الجملة؛ لأن التقدير: هو بعوضة، فحذف صدر الجملة كما حذف في ﴿ تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ ﴾ [الأنعام: 154] ووجه آخر حسن جميل، وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمحقرات قال: إنّ الله لا يستحيي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقّرة مثلاً، بله البعوضة فما فوقها، كما يقال فلان لا يبالي بما وهب ما دينار وديناران.

والمعنى: أن لله أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ وبما لا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده بلطفه، أو بالمعدوم، كما تقول العرب: فلان أقل من لا شيء في العدد.

ولقد ألم به قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْء ﴾ [العنكبوت: 42] وهذه القراءة تعزى إلى رؤبة بن العجاج، وهو أمضغ العرب للشيح والقيصوم والمشهود له بالفصاحة.

وكانوا يشبّهون به الحسن، وما أظنه ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه، وهو المطابق لفصاحته.

وانتصب ﴿ بَعُوضَةً ﴾ بأنها عطف بيان لمثلا.

أو مفعول ليضرب، و ﴿ مَثَلاً ﴾ حال عن النكرة مقدمة عليه.

أو انتصبا مفعولين فجرى (ضرب) مجرى (جعل).

واشتقاق البعوض من البعض وهو كالقطع كالبضع والعضب.

يقال: بعضه البعوض.

وأنشد: لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبي دِثارٍ ** إذَا مَا خافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضَا ومنه: بعض الشيء لأنه قطعة منه.

والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت، وكذلك الخموش ﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾ فيه معنيان: أحدهما: فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلاً، وهو القلّة والحقارة، نحو قولك لمن يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم: هو فوق ذاك، تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة.

والثاني: فما زاد عليها في الحجم، كأنه قصد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، لأنهما أكبر من البعوضة.

كما تقول لصاحبك وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء فقال: فلان بخل بالدرهم والدرهمين،: هو لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان كأنك قلت: فضلاً عن الدرهم والدرهمين.

ونحوه في الاحتمالين ما سمعناه في صحيح مسلم عن إبراهيم عن الأسود قال: دخل شباب من قريش على عائشة رضي الله عنها وهي بمنى وهم يضحكون.

فقالت: ما يضحككم؟

قالوا: فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب.

فقالت: لا تضحكوا.

إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة» يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة» وهي عضتها.

ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط.

فإن قلت: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟

قلت: ليس كذلك، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن جناحها، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحادّ إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحتَ لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر ﴿ سبحان الذى خَلَق الازواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [يس: 36] وأنشدت لبعضهم: يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها ** في ظُلْمَة اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ وَيَرى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحرِها ** والمُخَّ في تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ اغْفِرْ لِعَبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِه ** ما كانَ مِنْهُ في الزَّمانِ الاوَّلِ ﴿ وَأَمَّا ﴾ حرف فيه معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء.

وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد.

تقول: زيد ذاهب.

فإذا قصدت توكيد ذاك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أمّا زيد فذاهب.

ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب: وهذا التفسير مدل لفائدتين: بيان كونه توكيداً، وأنه في معنى الشرط.

ففي إيراد الجملتين مصدّرتين به وإن لم يقل: فالذين آمنوا يعلمون، والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين، واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء.

و ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره.

يقال: حقّ الأمر، إذا ثبت ووجب.

وحقّت كلمة ربك، وثوب محقق: محكم النسج: و ﴿ مَاذَآ ﴾ فيه وجهان: أن يكون ذا اسماً موصولاً بمعنى الذي، فيكون كلمتين.

وأن يكون (ذا) مركبة مع (ما) مجعولتين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته.

وعلى الثاني منصوب المحل في حكم ﴿ مَّا ﴾ مجعولتين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته.

وعلى الثاني منصوب المحل في حكم ﴿ مَّا ﴾ وحده لو قلت: ما أراد الله.

والأصوب في جوابه أن يجيء على الأوّل مرفوعاً، وعلى الثاني منصوباً، ليطابق الجواب السؤال.

وقد جوّزوا عكس ذلك تقول في جواب من قال: ما رأيت؟

خير، أي المرئي خير.

وفي جواب ما الذي رأيت؟

خيراً، أي رأيت خيراً.

وقرئ قوله تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ العفو ﴾ [البقرة: 219] بالرفع والنصب على التقديرين.

والإرادة نقيض الكراهة، وهي مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك.

وفي حدود المتكلمين: الإرادة معنى يوجب للحيّ حالاً لأجلها يقع منه الفعل على وجه دون وجه.

وقد اختلفوا في إرادة الله، فبعضهم على أنّ للباري مثل صفة المريد منا التي هي القصد، وهو أمر زائد على كونه عالماً غير ساه.

وبعضهم على أن معنى إرادته لأفعاله هو أنه فعلها وهو غير ساه ولا مكره.

ومعنى إرادته لأفعال غيره أنه أمر بها.

والضمير في ﴿ أَنَّهُ الحق ﴾ للمثل، أو لأن يضرب.

وفي قولهم: ﴿ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ﴾ استرذال واستحقار كما قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله بن عمرو بن العاص: يا عجباً لابن عمرو هذا؟

﴿ مَثَلاً ﴾ نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث: ماذا أردت بهذا جواباً.

ولمن حمل سلاحاً ردياً: كيف تنتفع بهذا سلاحاً؟

أو على الحال، كقوله: ﴿ هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً ﴾ [الأعراف: 73] .

وقوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدّرتين بأما، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأنّ العلم بكونه حقاً من باب الهدى الذي ازداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم، وأنّ الجهل بحسن مورده من باب الضلالة التي زادت الجهلة خبطاً في ظلماتهم.

فإن قلت: لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم، ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور ﴾ [سبأ: 13] ، ﴿ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾ [ص: 24] .

«الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» ، (وجدت الناس أخبر تقله)؟

قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال.

وأيضاً فإنّ القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلّوا في الصورة، فسمّوا ذهاباً إلى الحقيقة كثيراً: إنَّ الكِرَام كثيرٌ في البِلادِ وإن ** قَلُّوا كَمَ غَيْرُهُمْ قَلٌّ وإنّ كَثُروا وإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب: لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم وهداهم.

وعن مالك بن دينار رحمه الله أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيد، فقال: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من القيود؟

فرفع مالك رأسه فرأى سلّة.

فقال: لمن هذه السلّة؟

فقال: لي، فأمر بها تنزل، فإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك: هذه وضعت القيود على رجلك.

وقرأ زيد بن علي: (يُضَلُّ بِهِ كَثِيرٌ) وكذلك: (وَمَا يُضَلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقون).

والفسق: الخروج عن القصد.

قال رؤبة: فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِها جَوَائرَا والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلة المؤمن والكافر، وقالوا: إن أوّل من حدّ له هذا الحدّ أبو حذيفة واصل بن عطاء رضي الله عنه وعن أشياعه.

وكونه بين بين: أنّ حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.

وهو كالكافر في الذمّ واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته، وأن لا تقبل له شهادة.

ومذهب مالك بن أنس والزيدية: أنّ الصلاة لا تجزئ خلفه.

ويقال للخلفاء المردة من الكفار: الفسقة.

وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله.

﴿ بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الايمان ﴾ [الحجرات: 11] .

يريد اللمز والتنابز ﴿ إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون ﴾ [التوبة: 67] .

النقض: الفسخ وفك التركيب.

فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟

قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين.

ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة: يا رسول الله، إنّ بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها.

فنخشى إن اللهُ عز وجل أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينّبهوا بتلك الرمزة على مكانه.

ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، وإذا تزوّجت امرأة فاستوثرها.

لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش.

والعهد: الموثق.

وعهد إليه في كذا: إذا وصاه به ووثقه عليه.

واستعهد منه: إذا اشترط عليه واستوثق منه: والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله: أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار جميعًا.

فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟

قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى ﴾ [الأعراف: 112] أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذابُعِثَ إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه، ولم يكتموا ذكره فيما تقدمه من الكتب المنزلة عليهم، كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ [البقرة: 40] .

وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه: (سأنزل عليك كتاباً فيه نبأ بني إسرائيل، وما أريته أياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم) وحسن صنعه للذين قاموا بمثياق الله تعالى وأوفوا بعهده، ونصره إياهم، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده، لأنّ اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد صلى الله عليه وسلم من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وقيلا هو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يبغي بعضهم على بعض، ولا يقطعوا أرحامهم.

وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأوّل الذي أخذه على جميع ذرية آدم، الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى: ﴿ وإذ أخذ ربك ﴾ [الأعراف: 172] ، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ ﴾ [الأحزاب: 7] ، وعهد خصّ به العلماء وهو قوله: ﴿ وَإِذ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه ﴾ [آل عمران: 187] .

والضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم.

ويجوز أن يكون بمعنى توثقته، كما أنّ الميعاد والميلاد، بمعنى الوعد والولادة.

ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، أي من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار رسله.

ومعنى قطعهم ما أمر الله به أو يوصل: قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، وقيل: قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض.

فإن قلت: ما الأمر؟

قلت: طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه.

وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور؛ لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر، تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له شأن.

والشأن: الطلب والقصد.

يقال: شأنت شأنه، أي قصدت قصده ﴿ هُمُ الخاسرون ﴾ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً ﴾ لَمّا كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ مُتَضَمِّنَةً لِأنْواعٍ مِنَ التَّمْثِيلِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ حُسْنِهِ، وما هو الحَقُّ لَهُ والشَّرْطُ فِيهِ، وهو أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ المُمَثِّلِ لَهُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تُعَلِّقُ بِها التَّمْثِيلَ في العِظَمِ والصِّغَرِ والخِسَّةِ والشَّرَفِ دُونَ المُمَثِّلِ، فَإنَّ التَّمْثِيلَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِكَشْفِ المَعْنى المُمَثِّلِ لَهُ ورَفْعِ الحِجابِ عَنْهُ وإبْرازِهِ في صُورَةِ المُشاهَدِ المَحْسُوسِ، لِيُساعِدَ فِيهِ الوَهْمُ العَقْلَ ويُصالِحُهُ عَلَيْهِ فَإنَّ المَعْنى الصِّرْفَ إنَّما يُدْرِكُهُ العَقْلُ مَعَ مُنازَعَةٍ مِنَ الوَهْمِ، لِأنَّ مِن طَبْعِهِ المَيْلَ إلى الحِسِّ وحُبِّ المُحاكاةِ، ولِذَلِكَ شاعَتِ الأمْثالُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وفَشَتْ في عِباراتِ البُلَغاءِ، وإشاراتِ الحُكَماءِ، فَيُمَثَّلُ الحَقِيرُ بِالحَقِيرِ كَما يُمَثَّلُ العَظِيمُ بِالعَظِيمِ، وإنْ كانَ المَثَلُ أعْظَمَ مِن كُلِّ عَظِيمٍ، كَما مَثَّلَ في الإنْجِيلِ غِلَّ الصُّدُورِ بِالنُّخالَةِ، والقُلُوبَ القاسِيَةَ بِالحَصاةِ.

ومُخاطَبَةَ السُّفَهاءِ بِإثارَةِ الزَّنابِيرِ.

وجاءَ في كَلامِ العَرَبِ: أسْمَعُ مِن قُرادٍ وأطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، وأعَزُّ مِن مُخِّ البَعُوضِ.

لا ما قالَتِ الجَهَلَةُ، مِنَ الكُفّارِ: لَمّا مَثَّلَ اللَّهُ حالَ المُنافِقِينَ بِحالِ المُسْتَوْقِدِينَ؟

وَأصْحابِ الصَّيِّبِ وعِبادَةِ الأصْنامِ في الوَهَنِ والضَّعْفِ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ؟

وجَعَلَها أقَلَّ مِنَ الذُّبابِ وأخَسَّ قَدْرًا مِنهُ؟

اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلى وأجَلَّ مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ ويَذْكُرَ الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ.

وأيْضًا، لَمّا أرْشَدَهم إلى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَحَدِّيَ بِهِ وحْيٌ مُنَزَّلٌ؟

ورَتَّبَ عَلَيْهِ وعِيدَ مَن كَفَرَ بِهِ ووَعْدَ مَن آمَنَ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ أمْرِهِ؟

شَرَعَ في جَوابِ ما طَعَنُوا بِهِ فِيهِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي ﴾ أيْ لا يَتْرُكُ ضَرْبَ المَثَلِ بِالبَعُوضَةِ تَرْكَ مَن يَسْتَحْيِي أنْ يُمَثِّلَ بِها لِحَقارَتِها.

والحَياءُ: انْقِباضُ النَّفْسِ عَنِ القَبِيحِ مَخافَةَ الذَّمِّ، وهو الوَسَطُ بَيْنَ الوَقاحَةِ: الَّتِي هي الجَراءَةُ عَلى القَبائِحِ وعَدَمُ المُبالاةِ بِها، والخَجَلُ: الَّذِي هو انْحِصارُ النَّفْسِ عَنِ الفِعْلِ مُطْلَقًا.

واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَياةِ فَإنَّهُ انْكِسارٌ يَعْتَرِي القُوَّةَ الحَيَوانِيَّةَ فَيَرُدُّها عَنْ أفْعالِها فَقِيلَ: حَيِيَ الرَّجُلُ كَما يُقالُ نَسِيَ وحَشِيَ، إذا اعْتَلَّتْ نَساهُ وحَشاهُ.

وإذا وُصِفَ بِهِ البارِي تَعالى كَما جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي مِن ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ أنْ يُعَذِّبَهُ» .

«إنَّ اللَّهَ حَيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ أنْ يَرُدَّهُما صِفْرًا حَتّى يَضَعَ فِيهِما خَيْرًا» فالمُرادُ بِهِ التَّرْكُ اللّازِمُ لِلِانْقِباضِ، كَما أنَّ المُرادَ مِن رَحْمَتِهِ وغَضَبِهِ إصابَةُ المَعْرُوفِ والمَكْرُوهِ اللّازِمَيْنِ لِمَعْنَيَيْهِما، ونَظِيرُهُ قَوْلُ مَن يَصِفُ إبِلًا: إذا ما اسْتَحْيَنَ الماءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ...

كَرَعْنَ بِسَبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ وَإنَّما عَدَلَ بِهِ عَنِ التَّرْكِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّمْثِيلِ والمُبالَغَةِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةَ خاصَّةً أنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ عَلى المُقابَلَةِ لِما وقَعَ في كَلامِ الكَفَرَةِ.

وضَرْبُ المَثَلِ اعْتِمالُهُ مِن ضَرْبِ الخاتَمِ، وأصْلُهُ وقْعُ شَيْءٍ عَلى آخَرَ، وأنْ بِصِلَتِها مَخْفُوضُ المَحَلِّ عِنْدَ الخَلِيلِ بِإضْمارِ مَن، مَنصُوبٌ بِإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ بَعْدَ حَذْفِها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ.

وما إبْهامِيَّةٌ تَزِيدُ النَّكِرَةَ إبْهامًا وشِياعًا وتَسُدُّ عَنْها طُرُقَ التَّقْيِيدِ، كَقَوْلِكَ أعْطِنِي كِتابًا ما، أيْ: أيَّ كِتابٍ كانَ.

أوْ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ ولا نَعْنِي بِالمَزِيدِ اللَّغْوَ الضّائِعَ، فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ هُدًى وبَيانٌ، بَلْ ما لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنى يُرادُ مِنهُ، وإنَّما وُضِعَتْ لِأنْ تُذْكَرَ مَعَ غَيْرِها فَتُفِيدَ لَهُ وثاقَةً وقُوَّةً وهو زِيادَةٌ في الهُدى غَيْرُ قادِحٍ فِيهِ.

وبَعُوضَةٌ عَطْفُ بَيانٍ لَمَثَلًا.

أوْ مَفْعُولٌ لِيَضْرِبَ، ومَثَلًا حالٌ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ.

أوْ هُما مَفْعُولاهُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الجَعْلِ.

وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ ما وُجُوهًا أُخَرَ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ ﴾ ومَوْصُوفَةً بِصِفَةٍ كَذَلِكَ، ومَحَلُّها النَّصْبُ بِالبَدَلِيَّةِ عَلى الوَجْهَيْنِ.

واسْتِفْهامِيَّةً هي المُبْتَدَأُ، كَأنَّهُ لَمّا رَدَّ اسْتِبْعادَهم ضَرَبَ اللَّهُ الأمْثالَ، قالَ بَعْدَهُ: ما البَعُوضَةُ فَما فَوْقَها حَتّى لا يَضْرِبَ بِهِ المَثَلَ، بَلْ لَهُ أنْ يُمَثِّلَ بِما هو أحْقَرُ مِن ذَلِكَ.

ونَظِيرُهُ فُلانٌ لا يُبالِي مِمّا يَهَبُ ما دِينارٌ ودِينارانِ.

والبَعُوضُ: فَعُولٌ مِنَ البَعْضِ، وهو القَطْعُ كالبَضْعِ والعَضْبِ، غَلَبَ عَلى هَذا النَّوْعِ كالخُمُوشِ.

﴿ فَما فَوْقَها ﴾ عُطِفَ عَلى بَعُوضَةٍ، أوْ (ما) إنْ جُعِلَ اسْمًا، ومَعْناهُ ما زادَ عَلَيْها في الجُثَّةِ كالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، كَأنَّهُ قَصَدَ بِهِ رَدَّ ما اسْتَنْكَرُوهُ.

والمَعْنى: أنَّهُ لا يَسْتَحْيِي ضَرْبَ المَثَلِ بِالبَعُوضِ فَضْلًا عَمّا هو أكْبَرُ مِنهُ، أوْ في المَعْنى الَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ مَثَلًا، وهو الصِّغَرُ والحَقارَةُ كَجَناحِها فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضَرَبَهُ مَثَلًا لِلدُّنْيا، ونَظِيرُهُ في الِاحْتِمالَيْنِ ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا بِمِنًى خَرَّ عَلى طُنُبِ فُسْطاطٍ فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «ما مِن مُسْلِمٍ يُشاكُ شَوْكَةً فَما فَوْقَها، إلّا كُتِبَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ، ومُحِيَتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ» .

فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ما تَجاوَزَ الشَّوْكَةَ في الألَمِ كالخُرُورِ وما زادَ عَلَيْها في القِلَّةِ كَنُخْبَةِ النَّمْلَةِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما أصابَ المُؤْمِنَ مِن مَكْرُوهٍ فَهو كَفّارَةٌ لِخَطاياهُ حَتّى نُخْبَةِ النَّمْلَةِ» .

﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ (أمّا) حَرْفُ تَفْصِيلٍ يُفَصِّلُ ما أُجْمِلَ ويُؤَكِّدُ ما بِهِ صُدِّرَ ويَتَضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ يُجابُ بِالفاءِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: أمّا زَيْدٌ فَذاهِبٌ مَعْناهُ، مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَزَيْدٌ ذاهِبٌ، أيْ هو ذاهِبٌ لا مَحالَةَ وأنَّهُ مِنهُ عَزِيمَةٌ، وكانَ الأصْلُ دُخُولَ الفاءِ عَلى الجُمْلَةِ لِأنَّها الجَزاءُ، لَكِنْ كَرِهُوا إيلاءَها حَرْفَ الشَّرْطِ فَأدْخَلُوها عَلى الخَبَرِ، وعَوَّضُوا المُبْتَدَأ عَنِ الشَّرْطِ لَفْظًا، وفي تَصْدِيرِهِ الجُمْلَتَيْنِ بِهِ إحْمادٌ لِأمْرِ المُؤْمِنِينَ واعْتِدادٌ بِعِلْمِهِمْ، وذَمٌّ بَلِيغٌ لِلْكافِرِينَ عَلى قَوْلِهِمْ، والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) لِلْمَثَلِ، أوْ لِأنْ يُضْرَبَ.

و ﴿ الحَقُّ ﴾ الثّابِتُ الَّذِي لا يَسُوغُ إنْكارُهُ، يَعُمُّ الأعْيانَ الثّابِتَةَ والأفْعالَ الصّائِبَةَ والأقْوالَ الصّادِقَةَ، مِن قَوْلِهِمْ حَقَّ الأمْرُ، إذا ثَبَتَ ومِنهُ: ثَوْبٌ مُحَقَّقٌ أيْ: مُحْكَمُ النَّسْجِ.

﴿ وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ﴾ كانَ مِن حَقِّهِ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَعْلَمُونَ، لِيُطابِقَ قَرِينَهُ ويُقابِلَ قَسِيمَهُ، لَكِنْ لَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا دَلِيلًا واضِحًا عَلى كَمالِ جَهْلِهِمْ عَدَلَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلَيْهِ.

﴿ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أنْ تَكُونَ « ما» اسْتِفْهامِيَّةً و « ذا» بِمَعْنى الَّذِي وما بَعْدَهُ صِلَتَهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ما.

وأنْ تَكُونَ « ما» مَعَ « ذا» اسْمًا واحِدًا بِمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ، مَنصُوبُ المَحَلِّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مِثْلَ ما أرادَ اللَّهُ، والأحْسَنُ في جَوابِهِ الرَّفْعُ عَلى الأوَّلِ، والنَّصْبُ عَلى الثّانِي، لِيُطابِقَ الجَوابُ السُّؤالَ.

والإرادَةُ: نُزُوعُ النَّفْسِ ومَيْلُها إلى الفِعْلِ بِحَيْثُ يَحْمِلُها عَلَيْهِ، وتُقالُ لِلْقُوَّةِ الَّتِي هي مَبْدَأُ النُّزُوعِ، والأوَّلُ مَعَ الفِعْلِ والثّانِي قَبْلَهُ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ اتِّصافُ البارِي تَعالى بِهِ، ولِذَلِكَ اخْتُلِفَ في مَعْنى إرادَتِهِ فَقِيلَ: إرادَتُهُ لِأفْعالِهِ أنَّهُ غَيْرُ ساهٍ ولا مُكْرَهٍ، ولِأفْعالِ غَيْرِهِ أمَرَهُ بِها.

فَعَلى هَذا لَمْ تَكُنِ المَعاصِي بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِاشْتِمالِ الأمْرِ عَلى النِّظامِ الأكْمَلِ والوَجْهِ الأصْلَحِ فَإنَّهُ يَدْعُو القادِرَ إلى تَحْصِيلِهِ، والحَقُّ: أنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ مَقْدُورَيْهِ عَلى الآخَرِ وتَخْصِيصُهُ بِوَجْهٍ دُونَ وجْهٍ، أوْ مَعْنًى يُوجِبُ هَذا التَّرْجِيحَ، وهي أعَمُّ مِنَ الِاخْتِيارِ فَإنَّهُ مَيْلٌ مَعَ تَفْضِيلٍ وفي هَذا اسْتِحْقارٌ واسْتِرْذالٌ.

و ﴿ مَثَلا ﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، أوِ الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً ﴾ .

﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ جَوابُ ماذا، أيْ: إضْلالَ كَثِيرٍ وإهْداءَ كَثِيرٍ، وُضِعَ الفِعْلُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ لِلْإشْعارِ بِالحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، أوْ بَيانٍ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِإمّا، وتَسْجِيلٍ بِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ حَقًّا هُدًى وبَيانٌ، وأنَّ الجُعْلَ بِوَجْهِ إيرادِهِ والإنْكارَ لِحُسْنِ مُورِدِهِ ضَلالٌ وفُسُوقٌ، وكَثْرَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ بِالنَّظَرِ إلى أنْفُسِهِمْ لا بِالقِياسِ إلى مُقابَلِيهِمْ، فَإنَّ المَهْدِيِّينَ قَلِيلُونَ بِالإضافَةِ إلى أهْلِ الضَّلالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ﴾ ، ﴿ وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَثْرَةُ الضّالِّينَ مِن حَيْثُ العَدَدِ، وكَثْرَةُ المَهْدِيِّينَ بِاعْتِبارِ الفَضْلِ والشَّرَفِ كَما قالَ: قَلِيلٌ إذا عُدُّوا كَثِيرٌ إذا شَدُّوا وَقالَ: إنَّ الكِرامَ كَثِيرٌ في البِلادِ وإنْ...

∗∗∗ قَلُّوا كَما غَيْرُهم قَلَّ وإنْ كَثُرُوا ﴿ وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ ﴾ أيِ الخارِجِينَ عَنْ حَدِّ الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عَنْ قِشْرِها إذا خَرَجَتْ.

وأصْلُ الفِسْقِ: الخُرُوجُ عَنِ القَصْدِ قالَ رُؤْبَةُ: فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرًا والفاسِقُ في الشَّرْعِ: الخارِجُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ، ولَهُ دَرَجاتٌ ثَلاثٌ: الأُولى: التَّغابِي وهو أنْ يَرْتَكِبَها أحْيانًا مُسْتَقْبِحًا إيّاها.

الثّانِيَةُ: الِانْهِماكُ وهو أنْ يَعْتادَ ارْتِكابَها غَيْرَ مُبالٍ بِها.

الثّالِثَةُ: الجُحُودُ وهو أنْ يَرْتَكِبَها مُسْتَصْوِبًا إيّاها، فَإذا شارَفَ هَذا المَقامَ وتَخَطّى خُطَطَهُ خَلَعَ رِبْقَةَ الإيمانِ مِن عُنُقِهِ، ولابَسَ الكُفْرَ.

وما دامَ هو في دَرَجَةِ التَّغابِي أوِ الِانْهِماكِ فَلا يُسْلَبُ عَنْهُ اسْمُ المُؤْمِنِ لِاتِّصافِهِ بِالتَّصْدِيقِ الَّذِي هو مُسَمّى الإيمانِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ والمُعْتَزِلَةُ لَمّا قالُوا: الإيمانُ: عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ والإقْرارِ والعَمَلِ، والكُفْرُ تَكْذِيبُ الحَقِّ وجُحُودُهُ.

جَعَلُوهُ قِسْمًا ثالِثًا نازِلًا بَيْنَ مَنزِلَتَيِ المُؤْمِنِ والكافِرِ لِمُشارَكَتِهِ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في بَعْضِ الأحْكامِ، وتَخْصِيصُ الإضْلالِ بِهِمْ مُرَتَّبًا عَلى صِفَةِ الفِسْقِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الَّذِي أعَدَّهم لِلْإضْلالِ، وأدّى بِهِمْ إلى الضَّلالِ.

وذَلِكَ لِأنَّ كُفْرَهم وعُدُولَهم عَنِ الحَقِّ وإصْرارَهم بِالباطِلِ صَرَفَتْ وُجُوهَ أفْكارِهِمْ عَنْ حِكْمَةِ المَثَلِ إلى حَقارَةِ المُمَثَّلِ بِهِ، حَتّى رَسَخَتْ بِهِ جَهالَتُهم وازْدادَتْ ضَلالَتُهم فَأنْكَرُوهُ واسْتَهْزَءُوا بِهِ.

وقُرِئَ ﴿ يُضِلُّ ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و « الفاسِقُونَ» بِالرَّفْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)

لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب به مثلاً ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذاكلام الله فنزل {إن الله لا يستحيي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يتمثل بها لحقارتها وأصل الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم ولا يجوز على القديم التغير وخوف الذم ولكن الترك لما كان من لوازمه عبر عنه به ويجوز أن تقع هذه العبارة فى كلام الكفرة

فقالوا اما يستحيى رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال وهو فن من كلامهم بديع وفيه لغتان التعدي بنفسه وبالجار يقال اسحييته واستحييت منه وهما محتملتان هنا وضرب المثل صنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم وما هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهامها وزادته عموماً كقولك أعطني كتاباً ما تريد أي كتاب كان أوصلة للتأكيد كالتي في قوله تعالى فيما نقضهم ميثاقهم كأنه قال لا يستحيى أن يضرب مثلاً ألبتة وبعوضة عطف بيان لمثلا أو مفعول ليضرب ومثلا حال من النكرة مقدمة عليه أو انتصبا مفعولين على أن ضرب بمعنى جعل واشتاقها من البعض وهو القطع كالبضع والعضب يقال بعضه البعوض ومنه بعض الشئ لأنه قطعة منه والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت {فَمَا فَوْقَهَا} فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلاً وهو القلة والحقارة أو فما زاد عليه في الحجم كأنه أراد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة ولا يقال كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر لأن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا للدنيا {فأما الذين آمنوا فَيَعْلَمُونَ أَنَهُ الحق} الضمير للمثل أو لأن يضرب والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يقال حق الأمر إذا ثبت ووجب {مّن رَّبِّهِمْ} في موضع النصب على الحال والعامل معنى الحق وذو الحال الضمير المستتر فيه {وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مثلا} يوقف عليه إذ لو وصل لصار ما بعده

البقرة (٢٦)

صفة له وليس كذلك وفي قولهم ماذا أراد الله بهذا مثلاً استحقار كما قالت عائشة رضى الله عنها فى عبد الله

بن عمرو يا عجبا لابن عمر وهذا محقرة له ومثلا نصب على التمييز أو على الحال كقوله هذه ناقة الله لكم آية وأما حرف فيه معنى الشرط ولذا يجاب بالفاء وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد تقول زيد ذاهب فإذا قصدت توكيده وأنه لا محالة ذاهب قلت أما زيد فذاهب ولذا قال سيبويه في تفسيره مهما يكن من شيء فزيد ذاهب وهذا التفسير يفيد كونه تأكيداً وأنه في معنى الشرط وفي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بليغ بعلمهم أنه الحق ونعي على الكافرين إغفالهم حظهم ورميهم بالكلمة الحمقاء وماذا فيه وجهان أن يكون ذا اسماً موصولاً بمعنى الذى وما استفهاماً فيكون كلمتين وأن تكون ذا مركبة مع ما مجعولتين اسماً واحداً للاستفهام فيكون كلمة واحدة فما على الأول رفع بالابتداء وخبره ذا مع صلته أي أراد والعائد محذوف وعلى الثاني منصوب المحل بأراد والتقدير أي شيء أراد الله والإرادة مصدر أردت الشئ إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك وهي عند المتكلمين معنى يقتضي تخصيص المفعولات بوجه دون وجه والله تعالى موصوف بالإرادة على الحقيقة عند أهل السنة وقال معتزلة بغداد إنه تعالى لا يوصف بالإرادة على الحقيقة فإذا قيل أراد الله كذا فإن كان فعله فمعناه أنه فعل وهو غير ساهٍ ولا مكره عليه وإن كان فعل غيره فمعناه أنه أمر به {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بأما وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة وأن العلم بكونه حقاً من باب الهدى وأن الجهل بحسن موروده من باب الضلالة وأهل الهدى كثير في أنفسهم وإنما يوصفون بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال ولأن القليل من المهتدين كثير في الحقيقة وإن قالوا في الصورة ...

إن الكرام كثير في البلاد وإن ...

قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا ...

والإضلال خلق فعل الضلال في العبد والهداية خلق فعل الاهتداء

هذا هو الحقيقة عند أهل السنة وسياق الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروباً بها المثل ليس بموضع الاستنكار والاستغراب لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى وإدناء المتوهم من المشاهد فإن كان المتمثل له عظيماً كان المتمثل به كذلك وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك ألا ترى أن الحق لما كان واضحاً جلياً تمثل له بالضياء والنور وأن الباطل لما كان بضد صفته تمثل له بالظلمة ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله لا حال أحقر منها وأقل ولذلك تجعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن وجعلت أقل من الذباب وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلاً لم يستنكر ولم يستبدع ولم يقل للمتمثل

البقرة (٢٦ _ ٢٧)

استحى من تمثيلها بالبعوضة لأنه مصيب في تمثيله محق في قوله سائق للمثل على قضية مضربه ولبيان أن المؤمنين الذين عادتهم الانصاف والنظر فى الأمور بناظر العقل إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أنه الحق وأن الكفار الذين غلب الجهل على عقولهم إذا سمعوه كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار وأن ذلك سبب هدى المؤمنين وضلال الفاسقين والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وخشاش الأرض فقالوا أجمع من ذرة وأجرأ من الذباب وأسمع من قراد وأضعف من فراشة وآكل من السوس وأضعف من البعوضة وأعز من مخ البعوض ولكن ديدن المحجوج والمبهوت أن يرضى لفرط الحيرة بدفع الواضح وإنكار اللائح {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} هو مفعول يضل وليس بمنصوب على الاستثناء لأن يضل لم يستوف مفعوله والفسق الخروج عن القصد والفاسق في الشريعة الخارج عن الأمر بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلة المؤمن والكافر عند المعتزلة وسيمر عليك ما يبطله إن شاء الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى الأمْثالَ في كِتابِهِ بِالعَنْكَبُوتِ والذُّبابِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَحْقَرُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أعَزُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ بِمِثْلِ هَذِهِ المُحَقَّراتِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ رَبْطِها بِما تَقَدَّمَ عَلى هَذا، وكانَ المُناسِبُ عَلَيْهِ أنْ تُوضَعَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ مَثَلًا، أنَّها جَوابٌ عَنْ شُبْهَةٍ تُورَدُ عَلى إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى حَقِّيَّةِ القُرْآنِ بِأنَّهُ مُعْجِزٌ، فَهي مِنَ الرَّيْبِ الَّذِي هو في غايَةِ الِاضْمِحْلالِ، فَكانَ ذِكْرُها هُنا أنْسَبَ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، قالُوا لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المَثَلَ بِالمُسْتَوْقِدِ والصَّيِّبِ: اللَّهُ تَعالى أعْلى وأعْظَمُ مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ بِمِثْلِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي لا بالَ لَها، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، ووَجْهُ الرَّبْطِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، فَإنَّها لِلذَّبِّ عَنِ التَّمْثِيلاتِ السّابِقَةِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، وأبْلَغِهِ، وقِيلَ: إنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ أيْ ﴿ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ﴾ لِهَذِهِ الأنْدادِ، وقِيلَ: هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلدُّنْيا وأهْلِها، فَإنَّ البَعُوضَةَ تَحْيا ما جاعَتْ، وإذا شَبِعَتْ ماتَتْ، كَذَلِكَ أهْلُ الدُّنْيا، إذا امْتَلَؤُوا مِنها هَلَكُوا، أوْ مَثَلٌ لِأعْمالِ العِبادِ، وأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَذْكُرَ مِنها ما قَلَّ أوْ كَثُرَ، لِيُجازِيَ عَلَيْهِ ثَوابًا وعِقابًا، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا ارْتِباطَ لِلْآيَةِ بِما قَبْلَها، بَلْ هي ابْتِداءُ كَلامٍ: وهَذا وإنْ جازَ لا أقُولُ بِهِ، إذِ المُناسِبُ بِكُلِّ آيَةٍ أنْ تَرْتَبِطَ بِما قَبْلَها، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى حُسْنِ التَّمْثِيلِ، كَيْفَ واللَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ عَظَمَتِهِ، وبالِغِ حِكْمَتِهِ لَمْ يَتْرُكْهُ، ولَمْ يَسْتَحِ مِنهُ.

وما انْفَكَّتِ الأمْثالُ في النّاسِ سائِرَةً.

والحَياءُ كَما قالَ الرّاغِبُ: انْقِباضُ النَّفْسِ عَنِ القَبائِحِ، وهو مُرَكَّبٌ مِن جُبْنٍ وعِفَّةٍ، ولَيْسَ هو الخَجَلُ، بَلْ ذاكَ حَيْرَةُ النَّفْسِ لِفَرْطِ الحَياءِ، فَهُما مُتَغايِرانِ، وإنْ تَلازَما، وقالَ بَعْضُهُمُ: الخَجَلُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ صُدُورِ أمْرٍ زائِدٍ، لا يُرِيدُهُ القائِمُ بِهِ، بِخِلافِ الحَياءِ، فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمّا لَمْ يَقَعْ فَيُتْرَكُ لِأجْلِهِ، وما في القامُوسِ خَجِلَ اسْتَحْيى تَسامَحَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الحَياةِ، لِأنَّهُ يُؤَثِّرُ في القُوَّةِ المُخْتَصَّةِ بِالحَيَوانِ، وهي قُوَّةُ الحِسِّ والحَرَكَةِ، والآيَةُ تُشْعِرُ بِصِحَّةِ نِسْبَةِ الحَياءِ إلَيْهِ تَعالى، لِأنَّهُ في العُرْفِ لا يُسْلَبُ الحَياءُ إلّا عَمَّنْ هو شَأْنُهُ، عَلى أنَّ النَّفْيَ داخِلٌ عَلى كَلامٍ فِيهِ قَيْدٌ، فَيَرْجِعُ إلى القَيْدِ، فَيُفِيدُ ثُبُوتَ أصْلِ الفِعْلِ، أوْ إمْكانَهُ، لا أقَلَّ، وأمّا في الأحادِيثِ فَقَدْ صُرِّحَ بِالنِّسْبَةِ، ولِلنّاسِ في ذَلِكَ مَذْهَبانِ، فَبَعْضٌ يَقُولُ بِالتَّأْوِيلِ، إذِ الِانْقِباضِ النَّفْسانِيِّ مِمّا لا يَحُومُ حَوْلَ حَظائِرِ قُدْسِهِ سُبْحانَهُ، فالمُرادُ بِالحَياءِ عِنْدَهُ التَّرْكُ اللّازِمُ لِلِانْقِباضِ، وجُوِّزَ جَعْلُ (ما) هُنا بِخُصُوصِهِ، مِن بابِ المُقابَلَةِ لِما وقَعَ في كَلامِ الكَفَرَةِ، بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهم قالُوا: ما يَسْتَحْيِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، وبَعْضٌ، وأنا والحَمْدُ لِلَّهِ مِنهُمْ، لا يَقُولُ بِالتَّأْوِيلِ، بَلْ يُمِرُّ هَذا وأمْثالَهُ مِمّا جاءَ عَنْهُ سُبْحانَهُ في الآياتِ والأحادِيثِ عَلى ما جاءَتْ، ويَكِلُ عِلْمَها بَعْدَ التَّنْزِيهِ عَمّا في الشّاهِدِ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَسْتَحْيِي)، بِياءَيْنِ، والماضِي اسْتَحْيا، وجاءَ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلْإغْناءِ عَنِ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ كاسْتَأْثَرَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ وقَلِيلُونَ بِياءٍ واحِدَةٍ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وهَلِ المَحْذُوفُ اللّامُ، فالوَزْنُ يَسْتَفْعُ، أوِ العَيْنُ، فالوَزْنُ يَسْتَفِلُ، قَوْلانِ: أشْهَرُهُما الثّانِي، وهَذا الفِعْلُ مِمّا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، وبِالحَرْفِ فَيُقالُ: اسْتَحْيَيْتُهُ، واسْتَحَيْتُ مِنهُ، والآيَةُ تَحْتَمِلُهُما، والضَّرْبُ إيقاعُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، وضَرْبُ المَثَلِ مِن ضَرْبِ الدَّراهِمِ، وهو ذِكْرُ شَيْءٍ يَظْهَرُ أثَرُهُ في غَيْرِهِ، فَمَعْنى يَضْرِبُ هُنا، يَذْكُرُ، وقِيلَ: يُبَيِّنُ، وقِيلَ: يَضَعُ، مِن ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ (وما) اسْمٌ بِمَعْنى شَيْءٍ، يُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ لِمَزِيدِ الإبْهامِ، ويَسُدُّ طُرُقَ التَّقْيِيدِ، وقَدْ يُفِيدُ التَّحْقِيرَ أيْضًا، كَأعْطِهِ شَيْئًا ما، والتَّعْظِيمَ، كَــ: الأمْرُ ما جُدِعَ قَصِيرٌ أنْفُهُ، والتَّنْوِيعَ، كَــ: اضْرِبْهُ ضَرْبًا ما، وقَدْ تُجْعَلُ سَيْفَ خَطِيبٍ، والقُرْآنُ أجَلُّ مِن أنْ يُلْغى فِيهِ شَيْءٌ، وبَعُوضَةٌ، إمّا صِفَةٌ لِما، أوْ بَدَلٌ مِنها، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، إنْ قِيلَ بِجَوازِهِ في النَّكِراتِ، أوْ بَدَلٌ مِن مَثَلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، إنْ قِيلَ ما زائِدَةٌ، أوْ مَفْعُولٌ ومَثَلًا حالٌ، وهي المَقْصُودَةُ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: ما مِن بَعُوضَةٍ فَما فَوْقَها، كَما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ، والفاءُ بِمَعْنى إلى، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ أوَّلُ، بِناءً عَلى تَضَمُّنِ الضَّرْبِ مَعْنى الجَعْلِ، ولا يَرُدُّ عَلى إرادَةِ العُمُومِ أنَّ مِثالَ المَعْنى عَلى المَشْهُورِ أنَّ اللَّهَ لا يَتْرُكُ أيَّ مَثَلٍ كانَ، فَيَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ الأمْثالِ مَضْرُوبَةٌ في كَلامِهِ، فَأيْنَ هِيَ، لِأنَّ المَنفِيَّ لَيْسَ مُطْلَقَ التَّرْكِ، بَلِ التَّرْكُ لِأجْلِ الِاسْتِحْياءِ، فالمَعْنى: لا يَتْرُكُ مَثَلًا ما اسْتِحْياءً، وإنْ تَرَكَهُ لِأمْرٍ آخَرَ أرادَهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وجَماعَةٌ: (بَعُوضَةٌ) بِالرَّفْعِ، والشّائِعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ، واخْتَلَفُوا فِيما يَكُونُ عَنْهُ خَبَرًا، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، أيْ هِيَ، أوْ هو بَعُوضَةٌ، والجُمْلَةُ صِلَةُ ما، عَلى جَعْلِها مَوْصُولَةً، وهو تَخْرِيجٌ كُوفِيٌّ لِحَذْفِ صَدْرِ الصِّلَةِ مِن غَيْرِ طُولٍ، وقِيلَ: (ما) بِناءً عَلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، واخْتارَ في البَحْرِ أنْ تَكُونَ (ما) صِلَةً، أوْ صِفَةً، (وهِيَ بَعُوضَةٌ) جُمْلَةً، كالتَّفْسِيرِ لِما انْطَوى عَلَيْهِ الكَلامُ، وقِيلَ: بَعُوضَةٌ مُبْتَدَأٌ، (وما) نافِيَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ مَتْرُوكَةٌ لِدِلالَةِ ﴿ لا يَسْتَحْيِي ﴾ عَلَيْهِ.

والبَعُوضَةُ واحِدُ البَعُوضِ، وهو طائِرٌ مَعْرُوفٌ، وفِيهِ مِن دَقِيقِ الصُّنْعِ وعَجِيبِ الإبْداعِ ما يَعْجَزُ الإنْسانُ أنْ يُحِيطَ بِوَصْفِهِ، ولا يُنْكِرَ ذَلِكَ إلّا نُمْرُودٌ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ عَلى فَعُولٍ، كالقَطُوعِ، ولِذا سُمِّيَ في لُغَةِ هُذَيْلٍ خَمُوشٌ، فَغَلَبَتْ، واشْتِقاقُهُ مِنَ البَعْضِ بِمَعْنى القَطْعِ، ﴿ فَما فَوْقَها ﴾ الفاءُ عاطِفَةٌ تَرْتِيبِيَّةٌ (وما) عَطْفٌ عَلى بَعُوضَةٍ، أوْ (ما) إنْ جُعِلَ اسْمًا، والتَّفْصِيلُ وما فِيهِ غَيْرُ خَفِيٍّ، والمُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ، إمّا الزِّيادَةُ في حَجْمِ المُمَثَّلِ بِهِ، فَهو تَرَقٍّ مِنَ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الزِّيادَةُ في المَعْنى الَّذِي وقَعَ التَّمْثِيلُ فِيهِ، وهو الصِّغَرُ، والحَقارَةُ، فَهو تَنَزُّلٌ مِنَ الحَقِيرِ لِلْأحْقَرِ، وهَذانِ الوَجْهانِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَقَدْ قالُوا: إنْ جُعِلَتْ (ما) مَوْصُولَةً فَفِيهِ الوَجْهانِ، وإنْ جُعِلَتِ اسْتِفْهامِيَّةً تَعَيَّنَ الأوَّلُ، لِأنَّ العِظَمَ مُبْتَدَأٌ مِنَ البَعُوضَةِ إذْ ذاكَ، وقِيلَ: أرادَ ما فَوْقَها، وما دُونَها، فاكْتَفى بِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَنِ الآخَرِ، عَلى حَدِّ: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ فافْهَمْ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ تَفْصِيلٌ لِما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي ﴾ إلَخْ، مِن أنَّهُ وقَعَ فِيهِ ارْتِيابٌ بَيْنَ التَّحْقِيقِ، والِارْتِيابِ، أوْ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ضَرْبِ المَثَلِ مِنَ الحُكْمِ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ صُدُورِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ ما قَبْلَها، وكَأنَّهُ قِيلَ كَما قِيلَ، فَيَضْرِبُهُ (فَأمّا الَّذِينَ) إلَخْ، وتَقْدِيمُ بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِشَرَفِهِ، وأمّا عَلى ما عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ حَرْفٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ، ولِذا لَزِمَتْها الفاءُ غالِبًا، وتُفِيدُ مَعَ هَذا تَأْكِيدَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُكْمِ، وتَكُونُ لِتَفْصِيلٍ مُجْمَلٍ تَقَدَّمَها صَرِيحًا، أوْ دِلالَةً، أوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ، لَكِنَّهُ حاضِرٌ في الذِّهْنِ، ولَوْ تَقْدِيرًا، ولَمّا كانَ هَذا خِلافَ الظّاهِرِ في كَثِيرٍ مِن مَوارِدِ اسْتِعْمالِها جَعَلَهُ الرَّضِيُّ والمُرْتَضى مِنَ المُحَقِّقِينَ أغْلَبِيًّا، وفَسَّرَ سِيبَوَيْهِ: أمّا زَيْدٌ فَذاهِبٌ مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، فَزَيْدٌ ذاهِبٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ أنَّها مُرادِفَةٌ لِذَلِكَ الِاسْمِ، والفِعْلِ، إذْ لا نَظِيرَ لَهُ، بَلِ المُرادُ أنَّها لَمّا أفادَتِ التَّأْكِيدَ وتَحَتُّمَ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ كانَ مَآلُ المَعْنى ذَلِكَ، ولَمّا أشْعَرَتْ بِالشَّرْطِيَّةِ قُدِّرَ شَرْطٌ يَدُلُّ عَلى تَحَتُّمِ الوُقُوعِ، وهو وُجُودُ شَيْءٍ ما في الدُّنْيا، إذْ لا تَخْلُو عَنْهُ، فَما عُلِّقَ عَلَيْهِ مُحَقَّقٌ، وحَيْثُ كانَ المَعْنى ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، ومَهْما مُبْتَدَأٌ والِاسْمِيَّةُ لازِمَةٌ لَهُ، ويَكُنْ فِعْلُ شَرْطٍ والفاءُ لازِمَةٌ تَلِيهِ غالِبًا، وقامَتْ أمّا ذَلِكَ المَقامُ لَزِمَها الفاءُ، ولُصُوقُ الِاسْمِ إقامَةٌ لِللّازِمِ مَقامَ المَلْزُومِ وإبْقاءً لِأثَرِهِ في الجُمْلَةِ، وكانَ الأصْلُ دُخُولَ الفاءِ عَلى الجُمْلَةِ فِيما ذُكِرَ، لِأنَّها الجَزاءُ، لَكِنْ كَرِهُوا إيلاءَها حَرْفَ الشَّرْطِ، فَأدْخَلُوا الخَبَرَ وعَوَّضُوا المُبْتَدَأ عَنِ الشَّرْطِ لَفْظًا، وقَدْ يُقَدَّمُ عَلى الفاءِ، كَما في الرَّضِيِّ مِن أجْزاءِ الجَزاءِ المَفْعُولُ بِهِ، والظَّرْفُ والحالُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا عَدُّوهُ عَلى ما فِيهِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَتَيْنِ بِها مِنَ الإحْمادِ والذَّمِّ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ المَعْهُودِينَ كَما أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الآتِيَ فَرِيقُ الكَفَرَةِ الطّاغِينَ، لا مَن يُؤْمِنُ بِضَرْبِ المَثَلِ، ومَن يَكْفُرُ بِهِ، لِاخْتِلالِ المَعْنى، والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) لِلْمَثَلِ، وهو أقْرَبُ أوْ لِضَرْبِهِ المَفْهُومِ مِن أنْ يَضْرِبَ، وقِيلَ: لِتَرْكِ الِاسْتِحْياءِ المُنْقَدِحِ مِمّا مَرَّ، وقِيلَ: لِلْقُرْآنِ، والحَقُّ خِلافُ الباطِلِ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ حَقَّ يَحِقُّ مِن بابَيْ ضَرَبَ وقَتَلَ إذا وجَبَ أوْ ثَبَتَ، وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُهُ المُطابَقَةُ والمُوافَقَةُ، ويَكُونُ بِمَعْنى المُوجَدِ بِحَسَبِ الحِكْمَةِ، والمُوجَدِ عَلى وفْقِها، والِاعْتِقادِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحُكْمُ المُطابِقُ، ويُطْلَقُ عَلى الأقْوالِ، والعَقائِدِ والأدْيانِ والمَذاهِبِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يُفَرَّقْ في المَشْهُورِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّدْقِ، إلّا أنَّهُ شاعَ في العَقْدِ المُطابِقُ، والصِّدْقُ في القَوْلِ كَذَلِكَ، وقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ المُطابَقَةَ تُعْتَبَرُ في الحَقِّ مِن جانِبِ الواقِعِ، وفي الصِّدْقِ مِن جانِبِ الحُكْمِ، وتَعْرِيفُهُ هُنا إمّا لِلْقَصْرِ الِادِّعائِيِّ كَما يُقالُ: هَذا هو الحَقُّ، أوْ لِدَعْوى الِاتِّحادِ، ويَكُونُ المَحْكُومُ عَلَيْهِ مُسَلَّمَ الِاتِّصافِ، (ومِن رَبِّهِمْ) إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الحَقِّ، (ومِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ المَجازِيَّةِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وبِما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي مِن أجْلِها نُزُولُ هَذا الكِتابِ، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ﴾ وأمّا الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِجَلالِهِ المُتَّخِذُونَ غَيْرَهُ مِنَ الأرْبابِ فاللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ هو المُناسِبُ لِحالِهِمْ، ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ وقِيلَ: في ذَلِكَ مَعَ الإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ تَشْرِيفٌ وإيذانٌ بِأنَّ ضَرْبَ المَثَلِ تَرْبِيَةٌ لَهُمْ، وإرْشادٌ إلى ما يُوصِلُهم إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ بِهِمْ، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ يَعْلَمُونَ عِنْدَ الجُمْهُورِ، ومَسَدَّ الأوَّلِ، والثّانِي مَحْذُوفٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، أيْ فَيَعْلَمُونَ حَقِّيَّتَهُ ثابِتَةً.

﴿ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا ﴾ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَعْلَمُونَ لِيُقابِلَ سابِقَهُ لِما في هَذا مِنَ المُبالَغَةِ في ذَمِّهِمْ، والتَّنْبِيهِ بِأحْسَنِ وجْهٍ عَلى كَمالِ جَهْلِهِمْ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ إمّا لِعَدَمِ العِلْمِ أوْ لِلْإنْكارِ، وكُلٌّ مِنهُما يَدُلُّ عَلى الجَهْلِ دِلالَةً واضِحَةً ومَن قالَ لِلَمْسِكِ أيْنَ الشَّذا يُكَذِّبُهُ رِيحُهُ الطَّيِّبُ قِيلَ: ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ هُناكَ: وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَقُولُونَ إلَخْ، إشارَةً إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ اكْتَفَوْا بِالخُضُوعِ والطّاعَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّكَلُّمِ، والكافِرُونَ لِخُبْثِهِمْ وعِنادِهِمْ لا يُطِيقُونَ الأسْرارَ، لِأنَّهُ كَإخْفاءِ الجَمْرِ في الحَلْفاءِ، وقِيلَ: إنَّ - يَقُولُونَ - لا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلى العِلْمِ، وهو المَقْصُودُ، والكافِرُونَ مِنهُمُ الجاهِلُ والمُعانِدُ فَيَقُولُونَ إلَخْ، أشْمَلُ وأجْمَعُ، (وماذا) لَها سِتَّةُ أوْجُهٍ في اسْتِعْمالِهِمُ الأوَّلُ، أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وذا بِمَعْنى الَّذِي خَبَرُهُ، وأُخْبِرَ عَنِ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ هُنا بِناءً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في جَوازِهِ في أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ، وغَيْرُهُ يَجْعَلُ النَّكِرَةَ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، الثّانِي أنْ تَكُونَ ماذا كُلُّها اسْتِفْهامًا مَفْعُولًا لِأرادَ، وهَذانِ الوَجْهانِ فَصِيحانِ، اعْتَبَرَهُما سائِرُ المُفَسِّرِينَ والمُعْرِبِينَ في الآيَةِ، والِاسْتِفْهامُ يَحْتَمِلُ الِاسْتِغْرابَ والِاسْتِبْعادَ والِاسْتِهْزاءَ، ﴿ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ الثّالِثُ أنْ يُجْعَلَ ما اسْتِفْهامِيَّةً، وذا صِلَةً لا إشارَةً ولا مَوْصُولَةً، الرّابِعُ أنْ يُجْعَلا مَعًا مَوْصُولًا كَقَوْلِهِ: دَعِي ماذا عَلِمْتِ سَأتَّقِيهِ، الخامِسُ أنْ يُجْعَلا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وقَدْ جُوِّزَ في المِثالِ السّادِسِ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً، وذا اسْمَ إشارَةٍ، خَبَرٌ لَهُ.

(والإرادَةُ)، كَما قالَهُ الرّاغِبُ: مَنقُولَةٌ مِن رادَ يَرُودُ إذا سَعى في طَلَبِ شَيْءٍ، وهي في الأصْلِ قُوَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن شَهْوَةٍ وخاطِرٍ وأمَلٍ، وجُعِلَ اسْمًا لِنُزُوغِ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ مَعَ الحُكْمِ فِيهِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ أوْ لا يُفْعَلَ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ مَرَّةً في المَبْدَإ، وهو نُزُوغُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ، وتارَةً في المُنْتَهى، وهو الحُكْمُ فِيهِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي إلَخْ، وإرادَةُ المَعْنى مِنَ اللَّفْظِ مُجَرَّدُ القَصْدِ، وهو اسْتِعْمالٌ آخَرُ، ولَسْنا بِصَدَدِهِ، وبَيْنَ الإرادَةِ والشَّهْوَةِ عُمُومٌ مِن وجْهٍ، لِأنَّها قَدْ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِها بِخِلافِ الشَّهْوَةِ، فَإنَّها إنَّما تَتَعَلَّقُ بِاللَّذّاتِ، والإنْسانُ قَدْ يُرِيدُ الدَّواءَ البَشِعَ ولا يَشْتَهِيهِ ويَشْتَهِي اللَّذِيذَ ولا يُرِيدُهُ إذا عَلِمَ فِيهِ هَلاكَهُ، وقَدْ يَشْتَهِي ويُرِيدُ، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ أهْلِ الحَقِّ وغَيْرِهِمْ في تَفْسِيرِها مَذاهِبُ، فالكَلْبِيُّ والنَّجّارُ وغَيْرُهُما عَلى أنَّ إرادَتَهُ سُبْحانَهُ لِأفْعالِهِ أنَّهُ يَفْعَلُها عالِمًا بِها، وبِما فِيها مِنَ المَصْلَحَةِ، ولِأفْعالِ غَيْرِهِ أنَّهُ أمَرَ بِها، وطَلَبَها، فالمَعاصِي إذًا لَيْسَتْ بِإرادَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ونَحْوَ ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وارِدٌ عَلَيْهِمْ، والجاحِظُ وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ والحُكَماءِ عَلى أنَّ إرادَتَهُ تَعالى شَأْنُهُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، وبِأنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ نِظامُ الوُجُودِ حَتّى يَكُونَ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، ويَكْفِيهِ صُدُورُهُ عَنْهُ، حَتّى يَكُونَ المَوْجُودُ عَلى وفْقِ المَعْلُومِ عَلى أحْسَنِ النِّظامِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ وطَلَبٍ شَوْقِيٍّ، ويُسَمُّونَ هَذا العِلْمَ عِنايَةً، وذَهَبَ الكَرامِيَّةُ وأبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ إلى أنَّها صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، إلّا أنَّها حادِثَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ عِنْدَ الكَرامِيَّةِ، ومَوْجُودَةٌ لا في مَحَلٍّ عِنْدَ الأبَوَيْنِ، والمَذْهَبُ الحَقُّ أنَّها ذاتِيَّةٌ قَدِيمَةٌ وُجُودِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، ومُغايِرَةٌ لَهُ، ولِلْقُدْرَةِ، مُخَصِّصَةٌ لِأحَدِ طَرَفَيِ المَقْدُورِ بِالوُقُوعِ، وكَوْنُها نَفْسَ التَّرْجِيحِ الَّذِي هو مِن صِفاتِ الأفْعالِ كَما قالَ البَيْضاوِيُّ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، وفي كَلِمَةِ هَذا اسْتِحْقارٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ، مِثْلُها في ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا ﴾ وقَدْ تَكُونُ لِلتَّعْظِيمِ بِحَسَبِ اقْتِضاءِ المَقامِ، (ومَثَلًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ نِسْبَةِ الِاسْتِغْرابِ، ونَحْوِهِ إلى المُشارِ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ الرَّضِيُّ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ أنَّ الضَّمِيرَ واسْمَ الإشارَةِ إذا كانا مُبْهَمَيْنِ يَجِيءُ التَّمْيِيزُ عَنْهُما، والعامِلُ هُما، لِتَمامَيْهِما بِنَفْسِهِما، حَيْثُ يَمْتَنِعُ إضافَتُهُما، وإذا كانَ مَعْلُومَيْنِ فالتَّمْيِيزُ عَنِ النِّسْبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن هَذا، أيْ مُمَثِّلًا، أوْ مُمَثَّلًا بِهِ، أوْ بِضَرْبِهِ.

﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ جُمْلَتانِ جارِيَتانِ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ (بِأمّا)، إذْ يَشْتَمِلانِ عَلى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَوْصُوفٌ بِالكَثْرَةِ، وعَلى أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ حَقًّا مِنَ الهُدى الَّذِي يَزْدادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ نُورًا إلى نُورِهِمْ، والجَهْلُ بِمَوْقِعِهِ مِنَ الضَّلالَةِ الَّتِي يَزْدادُ بِها الجُهّالُ خَبْطًا في ظُلْمَتِهِمْ، وهاتانِ يَزِيدانِ ما تَضَمَّنَتاهُ وُضُوحًا، أوْ أنَّهُما جَوابٌ لِدَفْعِ ما يَزْعُمُونَهُ مِن عَدَمِ الفائِدَةِ في ضَرْبِ الأمْثالِ بِالمُحَقَّراتِ، بِبَيانِ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى حِكْمَةٍ جَلِيلَةٍ وغايَةٍ جَمِيلَةٍ، هي كَوْنُهُ وسِيلَةً إلى هِدايَةِ المُسْتَعِدِّينَ لِلْهِدايَةِ، وإضْلالِ المُنْهَمِكِينَ في الغَوايَةِ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّهُما جَوابٌ لِماذا، ووُضِعَ الفِعْلانِ مَوْضِعَ المَصْدَرِ لِلْإشْعارِ بِالِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، والمُضارِعُ يُسْتَعْمَلُ لَهُ كَثِيرًا، فَفي التَّعْبِيرِ بِهِ هُنا إشارَةٌ إلى أنَّ الإضْلالَ والهِدايَةَ لا يَزالانِ يَتَجَدَّدانِ ما تَجَدَّدَ الزَّمانُ، قِيلَ: ووَضْعُهُما مَوْضِعَ الفِعْلِ الواقِعِ في الِاسْتِفْهامِ مُبالَغَةٌ في الدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِما، فَإنَّ إرادَتَهُما دُونَ وُقُوعِهِما بِالفِعْلِ، وتَجافِيًا عَنْ نَظْمِ الإضْلالِ مَعَ الهِدايَةِ في سِلْكِ الإرادَةِ لِإيهامِهِ تَساوِيَهُما في التَّعَلُّقِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المُرادَ بِالذّاتِ مِن ضَرْبِ المَثَلِ هو التَّذْكِيرُ، والِاهْتِداءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وأمّا الإضْلالُ فَعارِضٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى سُوءِ الِاخْتِيارِ، وقُدِّمَ في النَّظْمِ الإضْلالُ عَلى الهِدايَةِ مَعَ سَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ، وتَقَدُّمُها بِالرُّتْبَةِ والشَّرَفِ لِأنَّ قَوْلَهم ناشِئٌ مِنَ الضَّلالِ مَعَ أنَّ كَوْنَ ما في القُرْآنِ سَبَبًا لَهُ أحْوَجُ لِلْبَيانِ، لِأنَّ سَبَبِيَّتَهُ لِلْهُدى في غايَةِ الظُّهُورِ، فالِاهْتِمامُ بِبَيانِهِ أوْلى، ووُصِفَ كُلٌّ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ بِالكَثْرَةِ بِالنَّظَرِ إلى أنْفُسِهِمْ، وإلّا فالمُهْتَدُونَ قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الضَّلالِ، وبَعِيدٌ حَمْلُ كَثْرَةِ المُهْتَدِينَ عَلى الكَثْرَةِ المَعْنَوِيَّةِ بِجَعْلِ كَثْرَةِ الخَصائِصِ اللَّطِيفَةِ بِمَنزِلَةِ كَثْرَةِ الذَّواتِ الشَّرِيفَةِ كَما قِيلَ: ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَفاوَتَتْ ∗∗∗ لَدى المُجِدِّ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ مَعَها الكَثْرَةُ الحَقِيقِيَّةُ، هَذا وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَثَلٍ، فَهو مِن كَلامِ الكَفّارِ، ولَعَلَّهُ مِن بابِ المُماشاةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، إذْ هم لَيْسُوا بِمُعْتَرِفِينَ بِأنَّ هَذا المَثَلَ يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وأغْرَبُ مِن هَذا تَجْوِيزُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ﴾ مِن كَلامِ الكُفّارِ، وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وهو إلْباسٌ في التَّرْكِيبِ، وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وإسْنادُ الإضْلالِ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُهُ فَلا التِفاتَ إلى ما في الكَشّافِ لِأنَّهُ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِلْمَثَلِ، أوْ لِضَرْبِهِ في المَوْضِعَيْنِ، وقِيلَ في الأوَّلِ لِلتَّكْذِيبِ، وفي الثّانِي لِلتَّصْدِيقِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قُوَّةُ الكَلامِ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يُضَلُّ) هُنا، وفِيما يَأْتِي، (ويُهْدى)، بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ في الثَّلاثَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، ورَفَعا الفاسِقِينَ خَفَضَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ﴿ وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ ﴾ تَذْيِيلٌ أوْ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ بِناءً عَلى قَوْلِ مَن جَوَّزَهُ، وقِيلَ: حالٌ، ومَنَعَ السّالِيكُوتِيُّ عَطْفَهُ عَلى ما قَبْلَهُ قائِلًا: لِأنَّهُ لا يَصِحُّ كَوْنُهُ جَوابًا وبَيانًا، وأجازَهُ بَعْضُهم تَكْمِلَةً لِلْجَوابِ وزِيادَةَ تَعْيِينٍ لِمَن أُرِيدَ إضْلالُهم بِبَيانِ صِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لَهُ، وإشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إضْلالًا ابْتِدائِيًّا، بَلْ هو تَثْبِيتٌ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن فُنُونِ الضَّلالِ، وزِيادَةٌ فِيهِ، (والفاسِقِينَ) جَمْعُ فاسِقٍ مِنَ الفِسْقِ وهو شَرْعًا خُرُوجُ العُقَلاءِ عَنِ الطّاعَةِ، فَيَشْمَلُ الكُفْرَ ودُونَهُ مِنَ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ، واخْتَصَّ في العُرْفِ والِاسْتِعْمالِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ، فَلا يُطْلَقُ عَلى ارْتِكابِ الآخَرَيْنِ إلّا نادِرًا بِقَرِينَةٍ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: فَسَقَ الرُّطَبُ إذا خَرَجَ مِن قِشْرِهِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ولَمْ يُسْمَعِ الفِسْقُ وصْفًا لِلْإنْسانِ في كَلامِ العَرَبِ، ولَعَلَّهُ أرادَ في كَلامِ الجاهِلِيَّةِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وإلّا فَقَدْ قالَ رُؤْبَةُ وهو شاعِرٌ إسْلامِيٌّ يُسْتَدَلُّ بِكَلامِهِ يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ أغائِرًا ∗∗∗ فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمْ يَخْرُجِ الفِسْقُ في البَيْتِ عَنِ الوَضْعِ لِأنَّهُ وضْعًا خُرُوجُ الأجْرامُ وبُرُوزُ الأجْسامِ مِن غَيْرِ العُقَلاءِ، وما فِيهِ خُرُوجُ الإبِلِ، وهي لا تَعْقِلُ، والمُرادُ بِالفاسِقِينَ هُنا الخارِجُونَ عَنْ حُدُودِ الإيمانِ، وتَخْصِيصُ الإضْلالِ بِهِمْ مُرَتَّبًا عَلى صِفَةِ الفِسْقِ، وما أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَبائِحِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي أعَدَّهم لِلْإضْلالِ، وأدّى بِهِمْ إلى الضَّلالِ، فَإنَّ كُفْرَهم وعُدُولَهم عَنِ الحَقِّ وإصْرارَهم عَلى الباطِلِ صَرَفَتْ وُجُوهَ أنْظارِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ، والتَّأمُّلِ حَتّى رَسَخَتْ جَهالَتُهُمْ، وازْدادَتْ ضَلالَتُهُمْ، فَأنْكَرُوا، وقالُوا ما قالُوا، ونَصْبُ الفاسِقِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (يُضِلُّ)، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ أحَدًا، ولا تَفْرِيغَ، كَما في قَوْلِهِ: نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشِدَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنُ سَيْفٍ ومِئْزَرا ومَنَعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، ولَعَلَّهُ مَحْجُوجٌ بِالبَيْتِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا وذلك أنه لما نزل قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً [الحج: 73] وقال في آية أخرى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت: 41] ، قالت اليهود والمشركون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت فنزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، أي لا يمتنع من ضرب المثل وبيان الحق بذكر البعوضة وبما فوقها.

ويقال: لا يمنعه الحياء أن يضرب المثل ويبيّن ويصف للحق شبهاً مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، يعني بالذباب والعنكبوت.

وقال بعضهم: فما فوقها أي بما دونها في الصغر، وهذا من أسماء الأضداد يذكر الفوق، ويراد به دونه، كما يذكر الوراء ويراد به الأمام مثل قوله: وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا [الإنسان: 27] أي أمامهم، فكذلك الفوق يذكر ويراد به ما دونه، أي يضرب المثل بالبعوضة وبما دونها، بعد أن يكون فيه إظهار الحق، وإرشاد إلى الهدى، فكيف يمتنع من ضرب المثل بالبعوضة، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا بعوضة لا يقدرون عليه.

ويقال: إنما ذكر المثل بالبعوضة، لأن خلقة البعوضة أعجب، لأن خلقتها خلقة الفيل.

ويقال: لأن البعوضة ما دامت جائعة عاشت فإذا شبعت ماتت، فكذلك الآدمي إذا استغنى، فإنه يطغى.

فضرب الله المثل للآدمي.

ثم قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا، أي صدقوا وأقروا بتوحيد الله تعالى: فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، يعني المثل بالذباب والعنكبوت، فيؤمنون به.

وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني اليهود والمشركين فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، أي بذكر البعوضة والذباب.

قال الله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً، أي إنما ضرب المثل ليضل به كثيراً من الناس، يعني يخذلهم ولا يوفقهم وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، يعني يوفق به على معرفة ذلك المثل كثيراً من الناس وهم المؤمنون.

وقال بعضهم: معنى قوله يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً، أي يسميه ضالاً، كما يقال: فسّقت فلاناً، أي سميته فاسقاً، لأن الله تعالى لا يضل به أحداً، وهذا طريق المعتزلة، وهو خلاف جميع أقاويل المفسرين، وهو غير مستعمل في اللغة أيضاً، لأنه يقال: ضلله إذا سمَّاه ضالاً ولا يقال: أضله إذا سماه ضالاً، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أنه يخذل به كثيراً من الناس مجازاة لكفرهم.

ثم قال تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ أي وما يهلك به وأصل الضلالة الهلاك.

يقال: ضلّ الماء في اللبن إذا صار مستهلكاً.

وما يهلك، وما يخذل به، يعني بالمثل إلا الفاسقين، وأصل الفسق في اللغة هو: الخروج عن الطاعة والعرب تقول: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ويقال للفأرة: فويسقة، لأنها تخرج من الحُجْر وقال الله تعالى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: 50] أي خرج عن طاعة ربه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامِ أَبَدٍ فِي حَبْرةٍ «١» وَنَضْرَةٍ، فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ» ، قَالُوا:

نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ» «٢» انتهى من «التذْكرَةِ» «٣» .

وقوله: لا خَطَرَ لها بفتح الطاء: قيل: معناه: لا عِوَضَ لها.

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها: لما كان الجليلُ القدْرِ في الشاهد لا يمنعه من الخَوْضِ في نازل القوْلِ إِلا الحَيَاء من ذلكَ، رَدَّ اللَّه بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا على القائلين كيف يضرب الله مثلا

بالذُّبَابِ ونحوه.

واختلف في قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، هل هو من قول الكافرين أو خبرٌ من اللَّه تعالى؟

ولا خلاف أن قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من قول اللَّه تعالى، والفسْقُ: الخروجُ عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ، إِذا خرجَتْ من جحرها، والرُّطَبَةُ، إِذا خرجَتْ من قِشْرها، والفِسْقُ في عرف استعمال الشرْعِ: الخروجُ من طاعة اللَّه عزَّ وجلَّ بكُفْر أو عصيان.

قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ: النَّقْضُ: ردُّ ما أبرم على أوله غير مبرمٍ، والعهدُ: في هذه الآية: التقدُّم في الشيء، والوَصَاةُ به، وظاهرٌ مما قبل وبعد أنه في جميع الكُفَّار.

ع «١» : وكل عهد جائزٌ بيْنَ المسلمين، فنقضه لا يحلُّ بهذه الآية، والخاسر الذي نَقَصَ نفسه حظَّها من الفلاحِ والفوزِ، والخسرانُ النقْصُ، كان في ميزانٍ أو غيره.

قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ: هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي: كيف تَكْفُرون، ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله: وَكُنْتُمْ واو الحال.

واختلف في قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ...

الآية.

فقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، ومجاهد: المعنى: كنتم أمواتاً معدومِينَ قبل أن تخلقوا دارسين كما يقال للشيء الدَّارِسِ: ميِّت، ثم خلقكم وأخرجكم إِلى الدنيا، فأحياكم، ثم يميتكم/ الموتَ المعهُودَ، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة «٢» ، وهذا التأويل هو ١٣ ب أولى ما قيل لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإِقرار به، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائد على اللَّه تعالى، أي: إلى ثوابه أو عقابه، وخَلَقَ: معناه: اخترع، وأوجد بعد العدم، ولَكُمْ: معناه: لِلاِعتبار ويَدُلُّ عليه ما قبله وما بعده من نَصْب العِبَرِ: الإِحياء والإِماتة والاستواء إلى السماء وتسويتِها.

وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: «ثُمَّ» هنا: لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ﴾ .

فِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ الحَجُّ ٧٣ ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا  ﴾ .

قالَتِ اليَهُودَ: وما هَذا مِنَ الأمْثالِ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ  ﴾ قالَ المُنافِقُونَ: اللَّهُ أجْلُّ وأعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الأمْثالَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ نَحْوُهُ.

والحَياءُ بِالمَدِّ: الِانْقِباضُ والِاحْتِشامُ، غَيْرَ أنَّ صِفاتِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ لا يَطَّلِعُ لَها عَلى ماهِيَةٍ، وإنَّما تَمُرُّ كَما جاءَتْ.

وقَدْ قالَ النَّبِيُّ  : « "إنَّ رَبَّكم حَيِيٌّ كَرِيمٌ"» وقِيلَ: مَعْنى لا يَسْتَحْيِي: لا يَتْرُكُ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ مَعْنى لا يَسْتَحْيِي: لا يَخْشى.

ومَثَلُهُ: ﴿ وَتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ  ﴾ أيْ: تَسْتَحْيِي مِنهُ.

فالِاسْتِحْياءُ والخَشْيَةُ يَنُوبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآَخَرِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: لا يَسْتَحِي بِياءٍ واحِدَةٍ وهي لُغَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ يَذْكُرَ شَبَهًا، واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ المَثَلِ أنْ يَبِينَ لِلْمَضْرُوبِ لَهُ الأمْرُ الَّذِي ضَرَبَ لِأجَلِهِ، فَيَنْجَلِي غامِضُهُ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما بَعُوضَةً ﴾ .

ما زائِدَةٌ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ والبَصْرِيِّينَ.

وأنْشَدُوا لِلنّابِغَةِ: [قالَتْ ]: ألا لَيْتَما هَذا الحَمامُ لَنا [إلى حَمامَتِنا أوْ نِصْفِهِ فَقَدَ ] وَذَكَر أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ المَعْنى ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ إلى ما فَوْقَها، ثُمَّ حَذَفَ ذِكْرَ "بَيْنَ" و"إلى" إذْ كانَ في نَصْبِ البَعُوضَةِ، ودُخُولِ الفاءِ في "ما" الثّانِيَةِ؛ دَلالَةٌ عَلَيْهِما، كَما قالَتْ العَرَبُ: مُطِرْنا مازِبالَةَ فالثَّعْلَبِيَّةُ، ولَهُ عِشْرُونَ ما ناقَةً فَجَمَلًا، وهي أحْسَنُ النّاسِ ما قَرَنا فَقَدَّما [يَعْنُونَ: ما بَيْنَ قَرْنِها إلى قَدَمِها ] .

وقالَ غَيْرُهُ: نَصَبَ البَعُوضَةَ عَلى البَدَلِ مِنَ المَثَلِ.

وَرَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: "بَعُوضَةٌ" بِالرَّفْعِ، عَلى إضْمارِ هو.

والبَعُوضَةُ: صَفِيرَةُ البَقِّ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما فَوْقَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: فَما فَوْقَها في الكِبَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: فَما فَوْقَها في الصِّغَرِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: فَما دُونَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَدْ يَكُونُ الفَوْقُ بِمَعْنى: دُونَ، وهو مِنَ الأضْدادِ، ومِثْلُهُ: الجَوْنُ؛ يُقالُ: لِلْأسْوَدِ والأبْيَضِ.

والصَّرِيمِ: الصُّبْحُ، واللَّيْلُ.

والسُّدْفَةُ: الظُّلْمَةُ، والضَّوْءُ.

والحُلَلُ: الصَّغِيرُ، والكَبِيرُ.

والنّاهِلُ: العَطْشانُ، والرَّيّانُ.

والماثِلُ: القائِمُ، واللّاطِئُ بِالأرْضِ والصّارِخُ: المُغِيثُ، والمُسْتَغِيثُ.

والهاجِدُ: المُصَلِّي بِاللَّيْلِ، والنّائِمُ.

والرَّهْوَةُ: الِارْتِفاعُ، والِانْحِدارُ.

والتَّلْعَةُ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، وما انْهَبَطَ مِنَ الأرْضِ.

والظَّنُّ: يَقِينٌ، وشَكٌّ.

والأقْراءُ: الحَيْضُ، والِاطِّهارُ.

والمُفَرَّعُ في الجَبَلِ: المِصْعَدُ، والمُنْحَدَرُ.

والوَراءُ: خَلْفًا، وقَدّامًا.

وأسْرَرْتُ الشَّيْءَ: أخْفَيْتُهُ، وأعْلَنْتُهُ.

وأخْفَيْتُ الشَّيْءَ: أظْهَرْتُهُ وكَتَمَتْهُ.

ورَتَوْتُ الشَّيْءَ: شَدَدْتُهُ، وأرْخَيْتُهُ.

وشَعَّبْتُ الشَّيْءَ: جَمَعْتُهُ، وفَرَّقْتُهُ.

وبِعْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: بِعْتُهُ، واشْتَرَيْتُهُ.

وشَرَيْتُ الشَّيْءَ: اشْتَرَيْتُهُ، وبِعْتُهُ.

والحَيُّ خُلُوفٌ: غُيَّبٌ، ومُخْتَلِفُونَ.

*** واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ هَلْ هو مِن تَمامِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا  ﴾ أوْ هو مُبْتَدَأٌ مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ تَمامُ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهم قالُوا: ماذا أرادَ اللَّهُ بِمَثَلٍ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، يَضِلُّ بِهِ هَذا، ويَهْدِي بِهِ هَذا؟!

[ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ والخَبَرُ عَنِ اللَّهِ ] فَقالَ اللَّهُ: ﴿ وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.

فَأمّا الفِسْقُ؛ فَهو في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ، يُقالُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ: إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها.

فالفاسِقُ: الخارِجُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.

وَفِي المُرادِ بِالفاسِقِينَ هاهُنا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: المُنافِقُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللهَ بِهَذا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ لَمّا ضَرَبَ اللهُ تَعالى المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في هَذِهِ السُورَةِ قالَ الكُفّارُ: ما هَذِهِ الأمْثالُ؟

اللهُ أجْلُّ مَن أنْ يَضْرِبَ هَذِهِ أمْثالًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "إنَّما نَزَلَتْ لِأنَّ الكُفّارَ أنْكَرُوا ضَرْبَ المَثَلِ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِالذُبابِ والعنكَبُوتِ، وقالَ قَوْمٌ هَذِهِ الآيَةُ مَثَلٌ لِلدُّنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ يَأْباهُ رَصْفُ الكَلامِ واتِّساقُ المَعْنى.

و"يَسْتَحْيِي" أصْلُهُ يَسْتَحْيِيُ.

عَيْنُهُ ولامُهُ حَرْفا عِلَّةٍ، أُعِلَّتِ اللامُ مِنهُ بِأنِ اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ الطُرُقِ عنهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وغَيْرُهُما: "يَسْتَحِي" بِكَسْرِ الحاءِ، وهي لُغَةٌ لِتَمِيمٍ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ الأُولى إلى الحاءِ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ الثانِيَةِ فَسَكَنَتْ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِلِالتِقاءِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى: "يَسْتَحْيِي" في هَذِهِ الآيَةِ.

فَرَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَعْناهُ: يَخْشى، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ يَتْرُكُ، وهَذا هو الأولى، ومَن قالَ يَمْتَنِعُ أو يَمْنَعُهُ الحَياءُ فَهو يَتْرُكُ، أو قَرِيبٌ مِنهُ.

ولَمّا كانَ الجَلِيلُ القَدْرِ في الشاهِدِ لا يَمْنَعُهُ مِنَ الخَوْضِ في نازِلِ القَوْلِ إلّا الحَياءُ مِن ذَلِكَ، رَدَّ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي ﴾ عَلى القائِلِينَ: كَيْفَ يَضْرِبُ اللهُ مَثَلًا بِالذُبابِ ونَحْوِهِ؟

أيْ: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ مِن نازِلِ القَوْلِ، إذْ هي مِنَ الفَصِيحِ في المَعْنى المُبَلَّغِ أغْراضِ المُتَكَلِّمِ إلى نَفْسِ السامِعِ، فَلَيْسَتْ مِمّا يُسْتَحْيى مِنهُ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ الِاسْتِحْياءَ في هَذِهِ الآيَةِ راجِعٌ إلى الناسِ، وهَذا غَيْرُ مَرْضِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَضْرِبَ ﴾ : "أنَّ" مَعَ الفِعْلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ كَأنَّها مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ومَعْنى ﴿ يَضْرِبَ مَثَلا ﴾ : يُبَيِّنُ ضَرْبًا مِنَ الأمْثالِ، أيْ نَوْعًا، كَما تَقُولُ: هَذا مِن ضَرْبِ هَذا، والضَرِيبُ المَثِيلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ ضَرْبِ البَعْثِ، وضَرْبِ الذِلَّةِ، فَيَجِيءُ المَعْنى أنْ يُلْزِمَ الحُجَّةَ بِمَثَلٍ وَ"مَثَلًا" مَفْعُولٌ، فَقِيلَ: هو الأوَّلُ، وقِيلَ: هو الثانِي قُدِّمَ وهو في نِيَّةِ التَأْخِيرِ، لِأنَّ "ضَرَبَ" في هَذا المَعْنى يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ.

واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ ما بَعُوضَةً ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: "ما" صِلَةٌ زائِدَةٌ لا تُفِيدُ إلّا شَيْئًا مِن تَأْكِيدٍ، وقِيلَ: "ما" نَكِرَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ لِإبْهامِها.

حَكى المَهْدَوِيُّ هَذا القَوْلَ عَنِ الفَرّاءِ، والزَجّاجِ، وثَعْلَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو تَخْلِيطٌ دَعا إلَيْهِ الظَنُّ أنْ "يَضْرِبَ" إنَّما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: نَصْبُ "بَعُوضَةً" عَلى تَقْدِيرِ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، والمَعْنى: أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما مِن بَعُوضَةٍ.

وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: (لَهُ عِشْرُونَ ما ناقَةً فَجَمَلًا)، وأنْكَرَ أبُو العَبّاسِ هَذا الوَجْهَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ "ما" صِفَةٌ مُخَصَّصَةٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُكَ في أمْرٍ ما، فَتُفِيدُ النَكِرَةَ تَخْصِيصًا وتَقْرِيبًا، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: سَلَعٌ ما ومِثْلُهُ عُشَرٌ ما عائِلٌ ما وعالَتِ البَيْقُورا وَ"بَعُوضَةً" عَلى هَذا مَفْعُولٌ ثانٍ، وقالَ قَوْمٌ: "ما" نَكِرَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: شَيْئًا، والآيَةُ في هَذا يُشْبِهُها قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: فَكَفى بِنا فَضْلًا عَلى مَن غَيْرِنا ∗∗∗ حُبُّ النَبِيِّ مُحَمَّدٍ إيّانا وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا القَوْلِ، والشَبَهُ بِالبَيْتِ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدِي.

والبَعُوضَةُ فَعُولَةٌ مِن بَعْضٍ إذا قَطَعَ اللَحْمَ، يُقالُ بِضْعٌ وبَعْضٌ بِمَعْنى، وعَلى هَذا حَمَلُوا قَوْلَ الشاعِرِ: لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أبِي دِثارٍ ∗∗∗ إذا ما خافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضًا وقَرَأ الضَحّاكُ، وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ، ورُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ "بَعُوضَةٌ" بِالرَفْعِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ "ما" اسْمٌ بِمَنزِلَةِ "الَّذِي"، أيْ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ الَّذِي هو بَعُوضَةٌ مَثَلًا.

فَحُذِفَ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، وهو مُبْتَدَأٌ، ومِثْلُهُ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ: "تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ"، أيْ: عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ.

وحَكى سِيبَوَيْهِ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا، أيْ هو قائِلٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما فَوْقَها ﴾ مَن جَعَلَ "ما" الأُولى صِلَةٌ زائِدَةٌ، فَ "ما" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى "بَعُوضَةٍ"، ومَن جَعَلَ "ما" اسْمًا فـَ "ما" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلَيْها.

وقالَ الكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُما: المَعْنى فَما فَوْقَها في الصِغَرِ.

وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُما: المَعْنى في الكِبَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكُلُّ مُحْتَمَلٌ، والضَمِيرُ في "أنَّهُ"، عائِدٌ عَلى المَثَلِ.

واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "ماذا" فَقِيلَ: هي بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللهَ؟

وقِيلَ: "ما" اسْمٌ و"ذا" اسْمٌ آخَرُ بِمَعْنى الَّذِي، فـَ "ما" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"ذا" خَبَرُهُ، ومَعْنى كَلامِهِمْ هَذا، الإنْكارُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: "مَثَلًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ مِن "ذا" في "بِهَذا"، والعامِلُ فِيهِ الإشارَةُ والتَنْبِيهُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ فَقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الكافِرِينَ، أيْ: ما مُرادُ اللهِ بِهَذا المَثَلِ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ الناسَ إلى ضَلالَةٍ، وإلى هُدًى؟

وقِيلَ: بَلْ هو خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَضِلُّ بِالمَثَلِ الكُفّارَ الَّذِينَ يَعْمُونَ بِهِ، ويَهْدِي بِهِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ، وفي هَذا رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ الضَلالَ.

وَلا خِلافَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ ﴾ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ رَدًّا مِنَ اللهِ تَعالى عَلى قَوْلِ الكُفّارِ: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ﴾ .

والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ الشَيْءِ، يُقالُ: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ إذا خَرَجَتْ مِن جُحْرِها، والرُطَبَةُ إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، والفِسْقُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ الشَرْعِيِّ: الخُرُوجُ مِن طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ يَقَعُ عَلى مَن خَرَجَ بِكُفْرٍ، وعَلى مَن خَرَجَ بِعِصْيانٍ، وقِراءَةُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ: "يَضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ فِيهِما، ورُوِيَ عن إبْراهِيمَ بْنِ أبِي عَبْلَةَ أنَّهُ قَرَأ "يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ "كَثِيرٌ" بِالرَفْعِ "وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرٌ، وما يَضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقُونَ" بِالرَفْعِ.

قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: هَذِهِ قِراءَةُ القَدَرِيَّةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ مِن ثِقاتِ الشامِيِّينَ، ومِن أهْلِ السُنَّةِ، ولا تَصِحُّ هَذِهِ القِراءَةُ عنهُ مَعَ أنَّها مُخالَفَةُ خَطِّ المُصْحَفِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ في الأُولى: "يُضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ، وفي الثانِي "وَما يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ "بِهِ إلّا الفاسِقُونَ"، وهَذِهِ قِراءَةٌ مُتَّجِهَةٌ لَوْلا مُخالَفَتُها خَطَّ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .

قد يبدو في بادئ النظر عدم التناسب بين مساق الآيات السالفة ومساق هاته الآية، فبينما كانت الآية السابقة ثناء على هذا الكتاب المبين، ووصف حالي المهتدين بهديه والناكبين عن صراطه وبيان إعجازه والتحدي به مع ما تخلل وأعقب ذلك من المواعظ والزواجر النافعة والبيانات البالغة والتمثيلات الرائعة، إذا بالكلام قد جاء يخبر بأن الله تعالى لا يعبأ أن يضرب مثلاً بشيء حقير أو غير حقير، فحقيق بالناظر عند التأمل أن تظهر له المناسبة لهذا الانتقال، ذلك أن الآيات السابقة اشتملت على تحدي البلغاء بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، فلما عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريقة الطعن في المعاني فلبسوا على الناس بأن في القرآن من سخيف المعنى ما ينزه عنه كلام الله ليصلوا بذلك إلى إبطال أن يكون القرآن من عند الله بإلقاء الشك في نفوس المؤمنين وبذر الخصيب في تنفير المشركين والمنافقين.

روى الواحدي في «أسباب النزول» عن ابن عباس أن الله تعالى لما أنزل قوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ﴾ [الحج: 73] وقوله: ﴿ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ﴾ [العنكبوت: 41] قال المشركون أرأيتم أي شيء يصنع بهذا فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ﴾ وروي عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب بها المثل ضحك اليهود وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحي ﴾ الآية.

والوجه أن نجمع بين الروايتين ونبين ما انطوتا عليه بأن المشركين كانوا يفزعون إلى يهود يثرب في التشاور في شأن نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وخاصة بعد أن هاجر النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فيتلقون منهم صوراً من الكيد والتشغيب فيكون قد تظاهر الفريقان على الطعن في بلاغة ضرب المثل بالعنكبوت والذباب فلما أنزل الله تعالى تمثيل المنافقين بالذي استوقد ناراً وكان معظمهم من اليهود هاجت أحناقهم وضاف خناقهم فاختلقوا هذه المطاعن فقال كل فريق ما نسب إليه في إحدى الروايتين ونزلت الآية للرد على الفريقين ووضح الصبح لذي عينين.

فيحتمل أن ذلك قاله علماء اليهود الذين لا حظ لهم في البلاغة، أو قد قالوه مع علمهم بفنون ضرب الأمثال مكابرة وتجاهلاً.

وكون القائلين هم اليهود هو الموافق لكون السورة نزلت بالمدينة، وكان أشد المعاندين فيها هم اليهود، ولأنه الأوفق بقوله تعالى: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله ﴾ وهذه صفة اليهود، ولأن اليهود قد شاع بينهم التشاؤم والغلو في الحذر من مدلولات الألفاظ حتى اشتهروا باستعمال الكلام الموجه بالشتم والذم كقولهم ﴿ رَاعنا ﴾ [البقرة: 104]، قال تعالى: ﴿ فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم ﴾ [البقرة: 59] كما ورد تفسيره في «الصحيح» ولم يكن ذلك من شأن العرب.

وإما أن يكون قائله المشركون من أهل مكة مع علمهم بوقوع مثلِه في كلام بلغائهم كقولهم أَجرأُ من ذُبابة، وأسْمَع من قُرادٍ، وأطْيَشُ من فَراشة، وأضعف من بَعُوضَة.

وهذا الاحتمال أدَلُّ، على أنهم ما قالوا هذا التمثيل إلا مكابرة ومعاندة فإنهم لما غُلبوا بالتحدي وعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله تعلقوا في معاذيرهم بهاته السفاسف، والمكابرُ يقول ما لا يعتقد، والمحجوج المبهوت يستعوج المستقيم ويخفي الواضح، وإلى هذا الثاني ينزع كلام صاحب «الكشاف» وهو أوفق بالسياق.

والسورة وإن كانت مدنية فإن المشركين لم يزالوا يُلقون الشبه في صحة الرسالة ويشيعون ذلك بعد الهجرة بواسطة المنافقين.

وقد دل على هذا المعنى قوله بعده: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا ﴾ إلى قوله: ﴿ ويهدي به كثيراً ﴾ .

فإن قيل: لم يكن الرد عقب نزول الآيات الواقع فيها التمثيل الذي أنكروه فإن البدار بالرد على من في مقاله شبهة رائجة يكون أقطع لشبهته من تأخيره زماناً.

قلنا: الوجه في تأخير نزولها أن يقع الرد بعد الإتيان بأمثال معجبة اقتضاها مقام تشبيه الهيآت، فذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه الممنوع بلمز البخل، أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة فيظنه ناس جبناً فيسرها الأول في نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا، والثاني حتى يكر كرة تكون القاضية على قرنه.

فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها وهي قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ﴾ [البقرة: 17] ﴿ أو كصيب ﴾ [البقرة: 19] الآيات وقوله: ﴿ صم بكم عمي ﴾ [البقرة: 18] أتى إثر ذلك بالرد عليهم فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي قبلها وقد غفل عن بيانه المفسرون.

والمراد بالمثل هنا الشبه مطلقاً لا خصوص المركب من هيئة، بخلاف قوله فيما سبق ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ لأن المعنىَّ هنا ما طعنوا به في تشابيه القرآن مثل قوله: ﴿ لن يخلقوا ذباباً ﴾ [الحج: 73] وقوله: ﴿ كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ﴾ [العنكبوت: 41].

وموقع (إنّ) هنا بيِّن.

وأما الإتيان بالمسند إليه علماً دون غيره من الصفات فلأن هذا العلم جامع لجميع صفات الكمال فذكره أوقع في الإقناع بأن كلامه هو أعلى كلام في مراعاة ما هو حقيق بالمراعاة وفي ذلك أيضاً إبطال لتمويههم بأن اشتمال القرآن على مثل هذا المثل دليل على أنه ليس من عند الله فليس من معنى الآية أن غير الله ينبغي له أن يستحي أن يضرب مثلاً من هذا القبيل.

ولهذا أيضاً اختير أن يكون المسند خصوص فعل الاستحياء زيادة في الرد عليهم لأنهم أنكروا التمثيل بهاته الأشياء لمراعاة كراهة الناس ومثل هذا ضرب من الاستحياء كما سنبينه فنبهوا على أن الخالق لا يستحي من ذلك إذ ليس مما يستحي منه، ولأن المخلوقات متساوية في الضعف بالنسبة إلى خالقها والمتصرف فيها، وقد يكون ذكر الاستحياء هنا محاكاة لقولهم أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت.

فإن قلت: إذا كان استعمال هذه الألفاظ الدالة على معان حقيرة غير مخل بالبلاغة فما بالُنا نرى كثيراً من أهل النقد قد نقدوا من كلام البلغاء ما اشتمل على مثل هذا كقول الفرزدق: من عِزّهم حجرَتْ كليبٌ بيتها *** زَرباً كأنهمُ لديهِ القُمَّل وقول أبي الطيب: أماتكمُ من قبل موتِكم الجهلُ *** وجركمُ من خفة بكمُ النمل وقول الطرمّاح: ولو أن بُرغوثاً على ظهر قملة *** يكرُّ على ضَبْعَيْ تميم لولَّت قلت أصول الانتقاد الأدبي تؤول إلى بيان ما لا يحسن أن يشتمل عليه كلام الأديب من جانب صناعة الكلام، ومن جانب صور المعاني، ومن جانب المستحسن منها والمكروه وهذا النوع الثالث يختلف باختلاف العوائد ومدارك العقول وأصالة الأفهام بحسب الغالب من أحوال أهل صناعة الأدب، ألا ترى أنه قد يكون اللفظ مقبولاً عند قوم غير مقبول عند آخرين، ومقبولاً في عصر مرفوضاً في غيره، ألا ترى إلى قول النابغة يخاطب الملك النعمان: :فإنكَ كالليل الذي هو مُدْركي *** وإن خِلْتُ أن المُنْتَأَى عنك واسع فإن تشبيه الملك بالليل لو وقع في زمان المولدين لعُدَّ من الجفاء أو العجرفة، وكذلك تشبيههم بالحية في الإقدام وإهلاك العدو في قول ذي الإصبع: عَذير الحي من عَدوَا *** نَ كانُوا حَيَّةَ الأرض وقول النابغة في رثاء الحارث الغسّاني: ماذا رُزِئْنا به من حيَّةٍ ذَكَرٍ *** نَضْنَاضَةٍ بالرزايا صِلّ أَصلاَلِ وقد زعم بعض أهل الأدب أن عليًّا بن الجهم مدح الخليفة المتوكل بقوله: أنت كالكلب في وفائك بالعه *** د وكالتيْس في قراع الخطوب وأنه لما سكن بغداد وعلقت نضارة الناس بخياله قال في أول ما قاله: عيون المها بين الرصافة والجسر *** جلبن الهوى من حيث أَدري ولا أدري وقد انتقد بشارٌ على كُثيِّر قوله: ألا إنما ليلى عصا خيزُرانة *** إذا لمسوها بالأكُف تلينُ فقال لو جعلها عصا مخ أو عصا زبد لما تجاوز من أن تكون عصا، على أن بشاراً هو القائل: إذا قامت لجارتها تثنت *** كأن عظامها من خيزران وشبَّه بشار عبدة بالحيَّة في قوله: وكأنها لما مشت *** أَيْمٌ تأود في كثيبْ والاستحياء والحياء واحد، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأخر واستجاب، وهو انقباض النفس من صدور فعل أو تلقيه لاستشعار أنه لا يليق أو لا يحسن في متعارف أمثاله، فهو هيئة تعرض للنفس هي من قبيل الانفعال يظهر أثرها على الوجه وفي الإمساك عن ما من شأنه أن يُفعل.

والاستحياء هنا منفي عن أن يكون وصفاً لله تعالى فلا يحتاج إلى تأويل في صحة إسناده إلى الله، والتعللُ لذلك بأن نفي الوصف يستلزم صحة الاتصاف تعللٌ غير مسلم.

والضرب في قوله: ﴿ أن يضرب مثلاً ﴾ مستعمل مجازاً في الوضع والجعل من قولهم ضربَ خيمة وضرب بيتاً قال عبدة بن الطبيب: إنَّ التي ضربتْ بيتاً مُهاجِرَةً *** بكوفةِ الجُندِ غالت ودَّها غُولُ وقول الفرزدق: ضربت عليك العنكبوت بنسجها *** وقضى عليك به الكتابُ المُنْزَلُ أي جعل شيئاً مثلاً أي شبهاً، قال تعالى: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ [النحل: 74] أي لا تجعلوا له مماثلاً من خلقه فانتصاب ﴿ مثلاً ﴾ على المفعول به.

وجوز بعض أئمة اللغة أن يكون فعل ضرب مشتقاً من الضرب بمعنى المماثل فانتصاب ﴿ مثلاً ﴾ على المفعولية المطلقة للتوكيد لأن مثلاً مرادف مصدر فعله على هذا التقدير، والمعنى لا يستحي أن يشبِّه بشيء ما.

والمثل المثيل والمشابه وغلب على مماثلة هيئة بهيئة وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ [البقرة: 17] وتقدم هناك معنى ضرب المثل بالمعنى الآخر وتنكير ﴿ مثلاً ﴾ للتنويع بقرينة بيانه بقوله ﴿ بعوضة فما فوقها ﴾ .

وما إبهامية تتصل بالنكرة فتؤكد معناها من تنويع أو تفخيم أو تحقير، نحو لأمر ما وأعطاه شيئاً ما.

والأظهر أنها مزيدة لتكون دلالتها على التأكيد أشد.

وقيل اسم بمعنى النكرة المبهمة.

و ﴿ بعوضة ﴾ بدل أو بيان من قوله: ﴿ مثلاً ﴾ .

والبعوضة واحدة البعوض وهي حشرة صغيرة طائرة ذات خرطوم دقيق تحوم على الإنسان لتمتص بخرطومها من دمه غذاء لها، وتعرف في لغة هذيل بالخموش، وأهل تونس يسمونه الناموس واحدته الناموسة وقد جعلت هنا مثلاً لشدة الضعف والحقارة.

وقوله: ﴿ فما فوقها ﴾ عطف على ﴿ بعوضة ﴾ ، وأصل فوق اسم للمكان المعتلي على غيره فهو اسم مبهم فلذلك كان ملازماً للإضافة لأنه تتميز جهته بالاسم الذي يضاف هو إليه فهو من أسماء الجهات الملازمة للإضافة لفظاً أو تقديراً ويستعمل مجازاً في المتجاوز غيره في صفة تجاوزاً ظاهراً تشبيهاً بظهور الشيء المعتلي على غيره على ما هو معتل عليه، ففوق في مثله يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة سواء كانت من المحامد أو من المذام يقال: فلان خسيس وفوق الخسيس وفلان شجاع وفوق الشجاع، وتقول: أعطى فلان فوق حقه أي زائداً على حقه.

وهو في هذه الآية صالح للمعنيين أي ما هو أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر حجماً.

ونظيره قول النبيء صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» رواه مسلم، يحتمل أقل من الشوكة في الأذى مثل نَخْبة النملة كما جاءَ في حديث آخر، أو ما هو أشد من الشوكة مثل الوخز بسكين وهذا من تصاريف لفظ فوق في الكلام ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ أقل ودون لفظ أقوى مثلاً موقع من بليغ الإيجاز.

والفاء عاطفة (ما فوقها) على (بعوضة) أفادت تشريكهما في ضرب المثل بهما، وحقها أن تفيد الترتيب والتعقيب ولكنها هنا لا تفيد التعقيب وإنما استعملت في معنى التدرج في الرتب بين مفاعيل ﴿ أن يضرب ﴾ ولا تفيد أن ضرب المثل يكون بالبعوضة ويعقبه ضربه بما فوقها بل المراد بيان المثل بأنه البعوضة وما يتدرج في مراتب القوة زائداً عليها درجة تلي درجة فالفاء في مثل هذا مجاز مرسل علاقته الإطلاق عن القيد لأن الفاء موضوعة للتعقيب الذي هو اتصال خاص، فاستعملت في مطلق الاتصال، أو هي مستعارة للتدرج لأنه شبيه بالتعقيب في التأخر في التعقل كما أن التعقيب تأخر في الحصول ومنه: «رحم الله المحلقين فالمقصرين».

والمعنى أن يضرب البعوضة مثلاً فيضرب ما فوقها أي ما هو درجة أخرى أي أحقر من البعوضة مثل الذرة وأعظم منها مثل العنكبوت والحمار.

﴿ فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ﴾ .

الفاء للتعقيب الذكري دون الحصولي أي لتعقيب الكلام المفصل على الكلام المجمل عطفت المقدر في قوله: ﴿ لا يستحي ﴾ لأن تقديره لا يستحي من الناس كما تقدم، ولما كان في الناس مؤمنون وكافرون وكلا الفريقين تلقى ذلك المثل واختلفت حالهم في الانتفاع به، نشأ في الكلام إجمال مقدر اقتضى تفصيل حالهم.

وإنما عطف بالفاء لأن التفصيل حاصل عقب الإجمال.

و (أما) حرف موضوع لتفصيل مجمل ملفوظ أو مقدر.

ولما كان الإجمال يقتضي استشراف السامع لتفصيله كان التصدي لتفصيله بمنزلة سؤال مفروض كأن المتكلم يقول إن شئت تفصيله فتفصيله كيث وكيت، فلذلك كانت أما متضمنة معنى الشرط ولذلك لزمتها الفاء في الجملة التي بعدها لأنها كجواب شرط، وقد تخلو عن معنى التفصيل في خصوص قول العرب أما بعد فتتمحض للشرط وذلك في التحقيق لخفاء معنى التفصيل لأنه مبني على ترقب السامع كلاماً بعد كلامه الأول.

وقدرها سيبويه بمعنى مهما يكن من شيء، وتلقفه أهل العربية بعده وهو عندي تقدير معنى لتصحيح دخول الفاء في جوابها وفي النفس منه شيء لأن دعوى قصد عموم الشرط غير بينة، فإذا جيء بأداة التفصيل المتضمنة معنى الشرط دل ذلك على مزيد اهتمام المتكلم بذلك التفصيل فأفاد تقوية الكلام التي سماها الزمخشري توكيداً وما هو إلا دلالة الاهتمام بالكلام، على أن مضمونه محقق ولولا ذلك لما اهتم به وبهذا يظهر فضل قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون ﴾ الخ على أن يقال فالذين آمنوا يعلمون بدون أما والفاء.

وجعل تفصيل الناس في هذه الآية قسمين لأن الناس بالنسبة إلى التشريع والتنزيل قسمان ابتداء مؤمن وكافر، والمقصود من ذكر المؤمنين هنا الثناء عليهم بثبات إيمانهم وتأييس الذين أرادوا إلقاء الشك عليهم فيعلمون أن قلوبهم لا مدخل فيها لذلك الشك.

والمراد بالذين كفروا هنا إما خصوص المشركين كما هو مصطلح القرآن غالباً، وإما ما يشملهم ويشمل اليهود بناء على ما سلف في سبب نزول الآية.

وإنما عبر في جانب المؤمنين بيعلمون تعريضاً بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا عناداً ومكابرة وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز، كيف وهم أهل اللسان وفرسان البيان، ولكن شأن المعاند المكابر أن يقول ما لا يعتقد حسداً وعناداً.

وضمير (أنه) عائد إلى المثل.

و (الحق) ترجع معانيه إلى موافقة الشيء لما يحق أن يقع وهو هنا الموافق لإصابة الكلام وبلاغته.

و(من ربهم) حال من (الحق) و(من) ابتدائية أي وارد من الله لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب فهو مؤذن بأنه من كلام من يقع منه الخطأ.

وأصل (ماذا) كلمة مركبة من ما الاستفهامية وذا اسممِ الإشارة ولذلك كان أصلها أن يسأل بها عن شيء مشار إليه كقول القائل ماذا مشيراً إلى شيء حاضر بمنزلة قوله ما هذا.

غير أن العرب توسعوا فيه فاستعملوه اسم استفهام مركباً من كلمتين وذلك حيث يكون المشار إليه معبراً عنه بلفظ آخر غير الإشارة حتى تصير الإشارة إليه مع التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد، نحو ماذا التواني، أو حيث لا يكون للإشارة موقع نحو: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله ﴾ [النساء: 39] ولذلك يقول النحاة إن ذا ملغاة في مثل هذا التركيب.

وقد يتوسعون فيها توسعاً أقوى فيجعلون ذا اسم موصول وذلك حين يكون المسؤول عنه معروفاً للمخاطب بشيء من أحواله فلذلك يُجرون عليه جملة أو نحوَها هي صلة ويجعلون ذا موصولاً نحو: ﴿ ماذا أنزل ربكم ﴾ [النحل: 24] وعلى هذين الاحتمالين يصح إعرابه مبتدأ ويصح إعرابه مفعولاً مقدماً إذا وقع بعده فِعل.

والاستفهام هنا إنكاري أي جعل الكلام في صورة الاستفهام كناية به عن الإنكار لأن الشيء المنكر يستفهم عن حصوله فاستعمال الاستفهام في الإنكار من قبيل الكناية، ومثله لا يجاب بشيء غالباً لأنه غير مقصود به الاستعلام.

وقد يلاحظ فيه معناه الأصلي فيجاب بجواب لأن الاستعمال الكنائي لا يمنع من إرادة المعنى الأصلي كقوله تعالى: ﴿ عم يتساءلون عن النبأ العظيم ﴾ [النبأ: 1، 2].

والإشارة بقوله: ﴿ بهذا ﴾ مفيدة للتحقير بقرينة المقام كقوله: ﴿ أَهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ [الأنبياء: 36].

وانتصب قوله: ﴿ مثلاً ﴾ على التمييز من (هذا) لأنه مبهم فحقَّ له التمييز وهو نظير التمييز للضمير في قولهم «رُبَّهُ رَجُلاً».

﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين * الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الارض أولاائك هُمُ الخاسرون ﴾ .

بيان وتفسير للجملتين المصدرتين بأَما على طريقة النشر المعكوس لأن معنى هاتين الجملتين قد اشتمل عليهما معنى الجملتين السالفتين إجمالاً فإنَّ علم المؤمنين أنه الحق من ربهم هُدى، وقولَ الكافرين ﴿ ماذا أراد الله ﴾ الخ ضلال، والأظهر أن لا يكون قوله: ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ جواباً للاستفهام في قول الذين كفروا ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ لأن ذلك ليس استفهاماً حقيقياً كما تقدم.

ويجوز أن يجعل جواباً عن استفهامهم تخريجاً للكلام على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على ظاهره تنبيهاً على أن اللائق بهم أن يسألوا عن حكمة ما أراد الله بتلك الأمثال فيكون قوله: ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ جواباً لهم وردا عليهم وبياناً لحال المؤمنين، وهذا لا ينافي كون الاستفهام الذي قبله مكنى به عن الإنكار كما علمته آنفاً من عدم المانع من جمع المعنيين الكنائي والأصلي.

وكونُ كلا الفريقين من المضلَّل والمهدى كثيراً في نفسه، لا ينافي نحو قوله: ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ [سبأ: 13] لأن قوة الشكر التي اقتضاها صيغة المبالغة، أخصُّ في الاهتداء.

والفاسق لفظ من منقولات الشريعة أصله اسم فاعل من الفِسق بكسر الفاء، وحقيقة الفسق خروج الثمرة من قشرها وهو عاهة أو رداءة في الثمر فهو خروج مذموم يعد من الأدواء مثل ما قال النابغة: صِغار النوى مكنوزة ليس قِشْرُها *** إذا طار قِشْر التمر عنها بطائر قالوا ولم يسمع في كلامهم في غير هذا المعنى حتى نقله القرآن للخروج عن أمر الله تعالى الجازم بارتكاب المعاصي الكبائر، فوقع بعد ذلك في كلام المسلمين، قال رؤبة يصف إبلاً: فواسَقاً عن قَصْدهَا جوائراً *** يَهوين في نجد وغورٍ غائراً والفسق مراتب كثيرة تبلغ بعضها إلى الكفر.

وقد أطلق الفسق في الكتاب والسنة على جميعها لكن الذي يستخلص من الجمع بين الأدلة هو ما اصطلح عليه أهل السنة من المتكلمين والفقهاء وهو أن الفسق غيرُ الكفر وأن المعاصي وإن كثرت لا تزيل الإيمان وهو الحق، وقد لقب الله اليهود في مواضع كثيرة من القرآن بالفاسقين وأحسب أنه المراد هنا وعزاه ابن كثير لجمهور من المفسرين.

وإسناد الإضلال إلى الله تعالى مراعى فيه أنه الذي مكن الضالين من الكسب والاختيار بما خلق لهم من العقول وما فصل لهم من أسباب الخير وضده.

وفي اختيار إسناده إلى الله تعالى مع صحة إسناده لفعل الضال إشارة إلى أنه ضلال متمكن من نفوسهم حتى صار كالجِبلة فيهم فهم مأيوس من اهتدائهم كما قال تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ [البقرة: 7].

فإسناد الإضلال إلى الله تعالى منظور فيه إلى خَلق أسبابه القريبة والبعيدةِ وإلا فإنَّ الله أمَر الناس كلهم بالهدى وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام.

وقوله: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ إما مسوق لبيان أن للفسق تأثيراً في زيادة الضلال لأن الفسق يرين على القلوب ويكسب النفوس ظلمة فتتساقط في الضلال المرة بعد الأخرى على التعاقب، حتى يصير لها دربة.

وهذا الذي يؤذن به التعليق على الوصف المشتق إن كان المراد به هنا المعنى الاشتقاقي، فكأنه قيل هؤلاء فاسقون وما من فاسق إلا وهو ضال فما ثبت الضلال إلا بثبوت الفسق على نحو طريقة القياس الاقتراني، وإما مسوق لبيان أن الضلال والفسق أخوان فحيثما تحقق أحدهما أنبأ بتحقق الآخر على نحو قياس المساواة إذا أريد من الفاسقين المعنى اللقبي المشهور فلا يكون له إيذان بتعليل، وإما لبيان أن الإضلال المتكيف في إنكار الأمثال إضلال مع غباوة فلا يصدر إلا من اليهود وقد عرفوا بهذا الوصف.

والقول في مذاهب علماء الإسلام في الفسق وتأثيره في الإيمان ليس هذا مقام بيانه إذ ليس هو المقصود من الآية.

فإن كان محمل الفاسقين على ما يشمل المشركين واليهود الذين طعنوا في ضرب المثل كان القصر في قوله: ﴿ وما يضل به ﴾ الخ بالإضافة إلى المؤمنين ليحصل تمييز المراد من المضلل والمهتدى، وإن كان محمل الفاسقين على اليهود كان القصر حقيقياً ادعائياً أي يضل به كثيراً وهم الطاعنون فيه وأشدهم ضلالاً هم الفاسقون، ووجه ذلك أن المشركين أبعد عن الاهتداء بالكتاب لأنهم في شركهم، وأما اليهود فهم أهل كتاب وشأنهم أن يعلموا أفانين الكتب السماوية وضرب الأمثال فإنكارهم إياها غاية الضلال فكأنه لا ضلال سواه.

وجملة ﴿ الذين ينقضون ﴾ إلى آخره صفة للفاسقين لتقرير اتصافهم بالفسق لأن هاته الخلال من أكبر أنواع الفسوق بمعنى الخروج عن أمر الله تعالى.

وجوز أن تكون مقطوعة مستأنفة على أن (الذين) مبتدأ وقوله: ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ خبر وهي مع ذلك لا تخرج عن معنى توصيف الفاسقين بتلك الخلال إذ الاستئناف لما ورد إثر حكاية حال عن الفاسقين تعين في حكم البلاغة أن تكون هاته الصلة من صفاتهم وأحوالهم للزوم الاتحاد في الجامع الخيالي وإلا لصار الكلام مقطعاً منتوفاً فليس بين الاعتبارين إلا اختلاف الإعراب وأما المعنى فواحد فلذلك كان إعرابه صفة أرجح أو متعيناً إذ لا داعي إلى اعتبار القطع.

ومجيء الموصول هنا للتعريف بالمراد من الفاسقين أي الفاسقين الذين عرفوا بهذه الخلال الثلاث فالأظهر أن المراد من الفاسقين اليهود وقد أطلق عليهم هذا الوصف في مواضع من القرآن وهم قد عرفوا بما دلت عليه صلة الموصول كما سنبينه هنا بل هم قد شهدت عليهم كتب أنبيائهم بأنهم نقضوا عهد الله غير مرة وهم قد اعترفوا على أنفسهم بذلك فناسب أن يجعل النقض صلة لاشتهارهم بها، ووجه تخصيصهم بذلك أن الطعن في هذا المثل جرهم إلى زيادة الطعن في الإسلام فازدادوا بذلك ضلالاً على ضلالهم السابق في تغيير دينهم وفي كفرهم بعيسى، فأما المشركون فضلالهم لا يقبل الزيادة، على أن سورة البقرة نزلت بالمدينة وأكثر الرد في الآيات المدنية متوجه إلى أهل الكتاب.

والنقض في اللغة حقيقة في فسخ وحل ما ركب ووصل، بفعل يعاكس الفعل الذي كان به التركيب، وإنما زدت قولي بفعل الخ ليخرج القطع والحرق فيقال نقض الحبل إذا حل ما كان أبرمه، ونقض الغزل ونقض البناء.

وقد استعمل النقض هنا مجازاً في إبطال العهد بقرينة إضافته إلى (عهد الله) وهي استعارة من مخترعات القرآن بنيت على ما شاع في كلام العرب في تشبيه العهد وكل ما فيه وصل بالحبل وهو تشبيه شائع في كلامهم، ومنه قول مالك بن التيهان الأنصاري للنبيء صلى الله عليه وسلم يوم بيعة العقبة: «يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها فنخشى إن أعزك الله وأظهرك أن ترجع إلى قومك» (يريد العهود التي كانت في الجاهلية بين قريش وبين الأوس والخزرج).

وكان الشائع في الكلام إطلاق لفظ القطع والصرم وما في معناهما على إبطال العهد أيضاً في كلامهم.

قال امرؤ القيس: وإن كنتتِ قد أزمعتتِ صرمي فأجملي *** وقال لبيد: أوَ لم تكن تدري نوارِ بأنَّني *** وَصَّالُ عَقد حبائل جَذّامها وقال: بل ما تَذكّر من نَوار وقد نَأَتْ *** وتقطَّعَتْ أَسبابُها ورِمَامُها وقال: فاقْطع لُبانة من تعرَّض وصلُه *** فلَشَرُّ واصِل خُلَّةٍ صَرَّامُها ووجه اختيار استعارة النقض الذي هو حل طَيَّات الحبل إلى إبطال العهد أنها تمثيل لإبطال العهد رويداً رويداً وفي أزمنة متكررة ومعالجة.

والنقض أبلغ في الدلالة على الإبطال من القطع والصرم ونحوهما لأن في النقض إفساداً لهيأة الحبل وزوال رجاء عودها وأما القطع فهو تجزئة.

وفي النقض رمز إلى استعارة مكنية لأن النقض من روادف الحبل فاجتمع هنا استعارتان مكنية وتصريحية وهذه الأخيرة تمثيلية وقد تقرر في علم البيان أن ما يرمز به للمشبه به المطروح في المكنية قد يكون مستعملاً في معنى حقيقي على طريقة التخييل وذلك حيث لا يكون للمشبه المذكور في صورة المكنية رديف يمكن تشبيهه برديف المشبه به المطروح مثل إثباتتِ الأظفار للمنية في قولهم أظفارُ المنية وإثباتتِ المخالببِ والناب للكُماة في قول أبي فِراس الحمداني: فلما اشتدت الهيجاءُ كنَّا *** أَشَدَّ مخالِباً وأَحَدَّ نابا وإثباتتِ اليد للشمال في قول لَبيد: وغداة ريححٍ قد كشفتُ وقِرَّةٍ *** إذْ أصبحت بِيَد الشَّمال زِمامُها وقد يكون مستعملاً في معنى مجازي إذا كان للمشبه في المكنية رديف يمكن تشبيهه برديف المشبه به المضمر نحو ﴿ ينقضون عهد الله ﴾ ، وقد زدنا أنها تمثيلية أيضاً والبليغ لا يفلت هاته الاستعارة مهما تأت له ولا يتكلف لها مهما عسرت فليس الجواز المذكور في قرينة المكنية إلا جوازاً في الجملة أي بالنظر إلى اختلاف الأحوال.

وهذا الذي هو من روادف المشبه به في صورة المكنية وغيرها قد يقطع عن الربط بالمكنية فيكون استعارة مستقلة (وذلك حيث لا تذكر معه لفظاً يراد تشبيهه بمشبه به مضمر) نحو أن تقول فلان ينقض ما أبرم.

وقد يربط بالمكنية وذلك حيث يذكر معه شيء أريد تشبيهه بمشبه به مضمر كما في الآية حيث ذكر النقض مع العهد.

وقد يربط بمصرحة وذلك حيث يذكر مع لفظ المشبه به الذي الرادف من توابعه نحو قوله: «إن بيننا وبين القوم حبالاً نحن قاطعوها» وحينئذٍ يكون ترشيحاً للمجاز وهذه الاعتبارات متداخلة لامتضادة إذ قد يصح في الموضع اعتباران منها أو جميعها وإنما التقسيم بالنظر إلى ما ينظر إليه البليغ أول النظر.

واعلم أن رديف المشبه به في المكنية إذا اعتبر استعارة في ذاته قد يتوهم أن اعتباره ذلك ينافي كونه رمزاً للمشبه به المضمر كالنقض فإنه لما أريد به إبطال العهد لم يكن من روادف الحبل، لكن لما كان إيذانه بالحبل سابقاً عند سماع لفظه لسبق المعنى الحقيقي إلى ذهن السامع حتى يتأمل في القرينة كفى ذلك السبق دليلاً ورمزاً على المشبه به المضمر فإذا حصل ذلك الرمز لم يضر فهمَ الاستعارة في ذلك اللفظ، وأجاب عبد الحكيم بأن كونه رادفاً بعد كونه استعارة بناء على أنه لما شبه به الرادف وسمي به صار رادفاً ادعائياً وفيه تكلف.

و (عهد الله) هو ما عهد به أي ما أوصى برعيه وحفاظه، ومعاني العهد في كلام العرب كثيرة وتصريفه عرفي.

قال الزجاج: «قال بعضهم ما أدري ما العهد» ومرجع معانيه إلى المعاودة والمحافظة والمراجعة والافتقاد ولا أدري أي معانيه أصل لبقيتها وغالب ظني أنها متفرع بعضها عن بعض والأقرب أن أصلها هو العهد مصدر عهده عهداً إذا تذكره وراجع إليه نفسه يقولون عهدتك كذا أي أتذكر فيك كذا وعهدي بك كذا، وفي حديث أم زرع «ولا يسأل عما عهد أي عما عهد وترك في البيت ومنه قولهم في عهد فلان أي زمانه لأنه يقال للزمان الذي فيه خير وشر لا ينساه الناس، وتعهد المكان أو فلاناً وتعاهده إذا افتقده وأحدث الرجوع إليه بعد ترك العهد والوصية ومنه ولي العهد.

والعهد اليمين والعهد الالتزام بشيء، يقال عهد إليه وتعهد إليه لأنها أمور لا يزال صاحبها يتذكرها ويراعيها في مواقع الاحتراز عن خفرها.

وسمي الموضع الذي يتراجعه الناس بعد البعد عنه معهداً.

والعهد في الآية الذي أخذه الله على بني آدم أن لا يعبدوا غيره: ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ﴾ [يس: 60] الآية، فنقضه يشمل الشرك وقد وصف الله المشركين بنقض العهد في قوله: ﴿ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ الآية في سورة الرعد.

(25) وفسر بالعهد الذي أخذه الله على الأمم على ألسنة رسلهم أنهم إذا بعث بعدهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ﴾ [آل عمران: 81] الآيات لأن المقصود من ذلك أخذ العهد على أممهم.

وفسر بالعهد الذي أخذه الله على أهل الكتاب ليبننه للناس: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ﴾ [آل عمران: 187] الآية في تفاسير أخرى بعيدة.

والصحيح عندي أن المراد بالعهد هو العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل غير مرة من إقامة الدين وتأييد الرسل وأن لا يسفك بعضهم دماء بعض وأن يؤمنوا بالدين كله، وقد ذكرهم القرآن بعهود الله تعالى ونقضهم إياها في غير ما آية من ذلك قوله تعالى: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ [البقرة: 40].

﴿ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً إلى قوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ﴾ [المائدة: 12 13] الخ وقوله: ﴿ لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ [المائدة: 70] إلى قوله: ﴿ فعموا وصموا ﴾ [المائدة: 70، 71].

﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ [البقرة: 80 84] إلى قوله: ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ [البقرة: 85] بل إن كتبهم قد صرحت بعهود الله تعالى لهم وأنحت عليهم نقضهم لها وجعلت ذلك إنذاراً بما يحل بهم من المصائب كما في كتاب أرميا ومراثي أرميا وغير ذلك، بل قد صار لفظ العهد عندهم لقباً للشريعة التي جاء بها موسى.

ولما كان قوله: ﴿ الذين ينقضون عهد الله ﴾ الآية وصفاً للفاسقين وكان المراد من الفاسقين اليهود كما علمت كان ذكر العهد إيماء إلى أن الفاسقين هنا هم، وتسجيلاً على اليهود بأنهم قد حق عليهم هذا الوصف من قبل اليوم بشهادة كتبهم وعلى ألسنة أنبيائهم فكان لاختيار لفظ العهد هنا وقع عظيم يتنزل منزلة المفتاح الذي يوضع في حل اللغز ليشير للمقصود فهو العهد الذي سيأتي ذكره في قوله تعالى: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ [البقرة: 40].

والميثاق مفعال وهو يكون للآلة كثيراً كمرقاة ومرآة ومحراث، قال الخفاجي كأنه إشباع للمِفْعَل، وللمصدر أيضاً نحو الميلاد والميعاد وهو الأظهر هنا.

والضمير للعهد أي من بعد توكيد العهد وتوثيقه.

ولما كان المراد بالعهد عهداً غير معيّننٍ، بل كل ما عاهدوا عليه كان توكيد كل ما يفرضه المخاطب بما تقدمه من العهود وما تأخر عنه فهو على حد: ﴿ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيده ﴾ [النحل: 91] فالميثاق إذن عهد آخر اعتبر مؤكداً لعهد سبقه أو لحقه.

وقوله: ﴿ ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ قيل ما أمر الله به أن يوصل هو قرابة الأرحام يعني وحيث ترجح أن المراد به بعض عمل اليهود فذلك إذ تقاتلوا وأخرجوا كثيراً منهم من ديارهم ولم تزل التوراة توصي بني إسرائيل بحسن معاملة بعضهم لبعض.

وقيل الإعراض عن قطع ما أمر الله به أن يوصل هو موالاة المؤمنين.

وقيل اقتران القول بالعمل.

وقيل التفرقة بين الأنبياء في الإيمان ببعض والكفر ببعض.

وقال البغوي يعني بما أمر الله به أن يوصل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل.

وأقول تكميلاً لهذا إن مراد الله تعالى مما شرع للناس منذ النشأة إلى ختم الرسالة واحد وهو إبلاغ البشر إلى الغاية التي خلقوا لها وحفظ نظام عالمهم وضبط تصرفاتهم فيه على وجه لا يعتوره خلل، وإنما اختلفت الشرائع على حسب مبلغ تهييء البشر لتلقي مراد الله تعالى ولذلك قلما اختلفت الأصول الأساسية للشرائع الإلهية قال تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ﴾ [الشورى: 13] الآية.

وإنما اختلفت الشرائع في تفاريع أصولها اختلافاً مراعى فيه مبلغ طاقة البشر لطفاً من الله تعالى بالناس ورحمة منه بهم حتى في حملهم على مصالحهم ليكون تلقيهم لذلك أسهلَ، وعملُهم به أدوم، إلى أن جاءت الشريعة الإسلامية في وقت راهَقَ فيه البشرُ مَبلغَ غاية الكمال العقلي وجاءهم دين تناسب أحكامه وأصوله استعدادهم الفكري وإن تخالفت الأعصار وتباعدت الأقطار فكان ديناً عاماً لجميع البشر، فلا جرم أن كانت الشرائع السابقة تمهيداً له لتهييء البشر لقبول تعاليمه وتفاريعها التي هي غاية مراد الله تعالى من الناس ولذا قال تعالى: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19].

فما من شريعة سلفت إلا وهي حلقة من سلسلة جعلت وِصلة للعُروة الوثقى التي لا انفصام لها وهي عروة الإسلام فمتى بلغها الناس فقد فَصوا ما قبلها من الحلق وبلغوا المراد، ومتى انقطعوا في أثناء بعض الحلق فقد قطعوا ما أراد الله وصله، فاليهود لما زعموا أنهم لا يحل لهم العدول عن شريعة التوارة قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل ففرقوا مجتمعه.

والفساد في الأرض تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ﴾ [البقرة: 12] ومن الفساد في الأرض عكوف قوم على دين قد اضمحل وقت العمل به وأصبح غير صالح لما أراد الله من البشر فإن الله ما جعل شريعة من الشرائع خاصة وقابلة للنسخ إلا وقد أراد منها إصلاح طائفة من البشر معينة في مدة معينة في علمه، وما نسخ ديناً إلا لتمام وقت صلوحيته للعمل به فالتصميم على عدم تلقي الناسخ وعلى ملازمة المنسوخ هو عمل بما لم يبق فيه صلاح للبشر فيصير ذلك فساداً في الأرض لأنه كمداواة المريض بدواء كان وصف له في حالة تبدلت من أحوال مرضه حتى أتى دين الإسلام عاماً دائماً لأنه صالح للكل.

وقوله: ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ قصر قلب لأنهم ظنوا أنفسهم رابحين وهو استعارة مكنية تمثيلية تقدمت في قوله تعالى: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ [البقرة: 16].

وذكر الخسران تخييل مراد منه الاستعارة في ذاته على نحو ما قرر في ﴿ ينقضون عهد الله ﴾ فهذه الآية ظاهرة في أنها موجهة إلى اليهود لما علمت عند قوله: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ ولما علمت من كثرة إطلاق وصف الفاسقين على اليهود، وإن كان الذين طعنوا في أمثال القرآن فريقين: المشركين واليهود، كما تقدم، وكان القرآن قد وصف المشركين في سورة الرعد (25) وهي مكية بهذه الصفات الثلاث في قوله: ﴿ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ﴾ فالمراد بهم المشركون لا محالة فذلك كله لا يُناكد جعل آية سورة البقرة موجهة إلى اليهود إذ ليس يلزم المفسر حمله آي القرآن على معنى واحد كما يوهمه صنيع كثير من المفسرين حتى كان آي القرآن عندهم قوالب تفرغ فيها معان متحدة.

واعلم أن الله قد وصف المؤمنين بضد هذه الصفات في قوله تعالى: ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ الآية في سورة الرعد (25).

واعلم أن نزول هذه الآيات ونحوها في بعض أهل الكتاب أو المشركين هو وعيد وتوبيخ للمشركين وأهل الكتاب وهو أيضاً موعظة وذكرى للمؤمنين ليعلم سامعوه أن كل من شارك هؤلاء المذمومين فيما أوجب ذمهم وسبب وعيدهم هو آخذ بحظ مما نالهم من ذلك على حسب مقدار المشاركة في الموجب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ لا يَسْتَحْيِي ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لا يَتْرُكُ.

والثّانِي: [يُرِيدُ] لا يَخْشى.

والثّالِثُ: لا يَمْتَنِعُ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.

وَأصْلُ الِاسْتِحْياءِ الِانْقِباضُ عَنِ الشَّيْءِ والِامْتِناعُ مِنهُ خَوْفًا مِن مُواقَعَةِ القُبْحِ.

والبَعُوضَةُ: مِن صِغارِ البَقِّ سُمِّيَتْ بَعُوضَةً، لِأنَّها كَبَعْضِ البَقَّةِ لِصِغَرِها.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ ما بَعُوضَةً ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ (ما) بِمَعْنى الَّذِي، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي هو بَعُوضَةٌ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ إلى ما فَوْقَها.

والثّالِثُ: أنَّ (ما) صِلَةٌ زائِدَةٌ، كَما قالَ النّابِغَةُ: قالَتْ ألا لَيْتَما هَذا الحَمامُ لَنا إلى حَمامَتِنا ونِصْفُهُ فَقَدِ ﴿ فَما فَوْقَها ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَما فَوْقَها في الكِبَرِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: فَما فَوْقَها في الصِّغَرِ، لِأنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ هو الصِّغَرُ.

وَفِي المَثَلِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وارِدٌ في المُنافِقِينَ، حَيْثُ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ﴾ فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ أعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الأمْثالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ هَذا مَثَلٌ مُبْتَدَأٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِلدُّنْيا وأهْلِها، وهو أنَّ البَعُوضَةَ تَحْيا ما جاعَتْ، وإذا شَبِعَتْ ماتَتْ، كَذَلِكَ مَثَلُ أهْلِ الدُّنْيا، إذا امْتَلَأُوا مِنَ الدُّنْيا، أخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حِينَ ذَكَرَ في كِتابِهِ العَنْكَبُوتَ والذُّبابَ وضَرَبَهُما مَثَلًا، قالَ أهْلُ الضَّلالَةِ: ما بالُ العَنْكَبُوتِ والذُّبابِ يُذْكَرانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وتَأْوِيلُ الرَّبِيعِ أحْسَنُ، والأوَّلُ أشْبَهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بِالتَّكْذِيبِ بِأمْثالِهِ، الَّتِي ضَرَبَها لَهم كَثِيرًا، ويَهْدِي بِالتَّصْدِيقِ بِها كَثِيرًا.

والثّانِي: أنَّهُ امْتَحَنَهم بِأمْثالِهِ، فَضَلَّ قَوْمٌ فَجَعَلَ ذَلِكَ إضْلالًا لَهُمْ، واهْتَدى قَوْمٌ فَجَعَلَهُ هِدايَةً لَهم.

والثّالِثُ: أنَّهُ إخْبارٌ عَمَّنْ ضَلَّ ومَنِ اهْتَدى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ أمّا النَّقْضُ، فَهو ضِدُّ الإبْرامِ، وفي العَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الوَصِيَّةُ.

والثّانِي: المَوْثِقُ.

والمِيثاقُ ما وقَعَ التَّوَثُّقُ بِهِ.

وَفِيما تَضَمَّنَهُ عَهْدُهُ ومِيثاقُهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَهْدَ وصِيَّةُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وأمْرُهُ إيّاهم بِما أمَرَهم بِهِ مِن طاعَةٍ، ونَهْيُهُ إيّاهم عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِن مَعْصِيَةٍ في كُتُبِهِ، وعَلى لِسانِ رُسُلِهِ، ونَقْضُهم ذَلِكَ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ عَهْدَهُ ما خَلَقَهُ في عُقُولِهِمْ مِنَ الحُجَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ بِالمُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّ عَهْدَهُ ما أنْزَلَهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ [مَن]، عَلى صِفَةِ النَّبِيِّ  ، والوَصِيَّةُ المُؤَكَّدَةُ بِاتِّباعِهِ، فَذَلِكَ العَهْدُ الَّذِي نَقَضُوهُ بِجُحُودِهِمْ لَهُ بَعْدَ إعْطائِهِمُ اللَّهَ تَعالى المِيثاقَ مِن أنْفُسِهِمْ، لِيُبَيِّنَهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ، أنَّهم نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

والرّابِعُ: أنَّ العَهْدَ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ، الَّذِي وصَفَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا  ﴾ .

وفي هَذِهِ الكِتابَةِ الَّتِي في مِيثاقِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ مِيثاقِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّها كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى العَهْدِ وتَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ مِيثاقِ العَهْدِ.

وَفِيمَن عَناهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُنافِقُونَ.

والثّانِي: أهْلُ الكِتابِ.

والثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أنْ يُوصَلَ هو رَسُولُهُ، فَقَطَعُوهُ بِالتَّكْذِيبِ والعِصْيانِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الرَّحِمُ والقَرابَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أنْ يُوصَلَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ وفي إفْسادِهِمْ في الأرْضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو اسْتِدْعاؤُهم إلى الكُفْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ إخافَتُهُمُ السُّبُلَ وقَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخُسْرانَ هو النُّقْصانُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: إنَّ سَلِيطًا في الخَسارِ إنَّهْ ∗∗∗ أوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أقِنَّهْ يَعْنِي بِالخَسارِ، ما يَنْقُصُ حُظُوظَهم وشَرَفَهم.

والثّانِي: أنَّ الخُسْرانَ هَهُنا الهَلاكُ، ومَعْناهُ: أُولَئِكَ هُمُ الهالِكُونَ.

وَمِنهم مَن قالَ: كُلُّ ما نَسَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخُسْرانِ إلى غَيْرِ المُسْلِمِينَ فَإنَّما يَعْنِي الكُفْرَ، وما نَسَبَهُ إلى المُسْلِمِينَ، فَإنَّما يَعْنِي بِهِ الذَّنْبَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين قوله: ﴿ كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ وقوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال.

فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ﴾ إلى قوله أولئك ﴿ هم الخاسرون ﴾ .

وأخرج عبد الغني الثقفي في تفسيره والواحدي عن ابن عباس قال: إن الله ذكر آلهة المشركين فقال: ﴿ وإن يسلبهم الذباب شيئاً ﴾ وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد.

أي شيء كان يصنع بهذا؟

فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟

فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أنزلت ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل ﴾ قال المشركون: ما هذا من الأمثال فيضرب، أو ما يشبه هذا الأمثال.

فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ﴾ لم يرد البعوضة إنما أراد المثل.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ﴿ البعوضة ﴾ أضعف ما خلق الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس لا تغتروا بالله، فإن الله لو كان مغفلاً شيئاً لأغفل البعوضة، والذرة، والخردلة» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق ﴾ أي أن هذا المثل الحق ﴿ من ربهم ﴾ وأنه كلام الله ومن عنده.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق ﴾ قال: يؤمن به المؤمنون، ويعلمون أنه الحق من ربهم، ويهديهم الله به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ يضل به كثيراً ﴾ يعني المنافقين ﴿ ويهدي به كثيراً ﴾ يعني المؤمنين ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ قال: هم المنافقون.

وفي قوله: ﴿ الذين ينقضون عهد الله ﴾ فأقروا به، ثم كفروا فنقضوه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ قال: فسقوا فأضلهم الله بفسقهم.

وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص قال: الحرورية هم ﴿ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ قال: إياكم ونقض هذا الميثاق.

وكان يسميهم الفاسقين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ قال: إياكم ونقض هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضه، وأوعد فيه، وقدم فيه في آي من القرآن تقدمة، ونصيحة، وموعظة، وحجة.

ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق.

فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليوف به.

وأخرج أحمد والبزار وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» .

وأخرج الطبراني في الكبير من حديث عبادة بن الصامت وأبي أمامة.

مثله.

وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر.

مثله.

وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسن العهد من الإِيمان» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ قال: الرحم والقرابة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويفسدون في الأرض ﴾ قال: يعلمون فيها بالمعصية.

وأخرج ابن المنذر عن مقاتل في قوله تعالى ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ يقول هم أهل النار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإِسلام من اسم.

مثل خاسر، ومسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإِسلام فإنما يعني به الذنب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي ﴾ الآية.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين قالوا: الله أجل وأعلى من (١) (٢) وقال (٣) (٤) قال أهل المعاني: قوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي ﴾ خرج على لفظهم (٥) (٦) (٧) ﴿ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ  ﴾ لما قالوا: إنه سحر مفترى (٨) وقال بعضهم: معنى (٩) ﴿ لَا يَسْتَحْيِي ﴾ هو أن الذي يستحيا منه ما يكون قبيحا في نفسه، ويكون لفعله عيب في فعله فأخبر الله سبحانه أن ضرب المثل منه ببعوضة فما فوقها ليس بقبيح ولا نقص ولا عيب، حتى يستحيا منه، فوضع: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَستَحِى أَن يَضرِبَ مَثَلاً ﴾ موضع ذلك، كأنه قيل: إن ما يضربه الله من المثل بالبعوض (١٠) (١١) (١٢) وقيل: معنى: ﴿ لَا يَسْتَحْيِي ﴾ : لا يترك، لأن أحدنا إذا استحيا من شيء تركه (١٣) (١٤) ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ  ﴾ ، أي تستحي (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) قال أهل اللغة: أصل الاستحياء من الحياة (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ﴾ الضرب في المثل مستعار، ومعناه (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ الآية [البقرة:17]، انظر: ص 186 - 188.]].

وقوله تعالى: ﴿ مَا بَعُوضَةً ﴾ .

النصب في بعوضة من جهتين (٢٩) ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ  ﴾ فـ (ما) في التوكيد بمنزلة (حق) إلا أنه لا إعراب لها.

والخافض والناصب يتعداها إلى ما بعدها، ومعناها التوكيد فقط (٣٠) فإذا جعلت (ما) زائدة نصبت بعوضة على أنها المفعول الثاني (ليضرب) (٣١) (٣٢) الوجه الثاني: أن تكون (ما)] (٣٣) (٣٤) (٣٥) ﴿ بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ وهذا (٣٦) (٣٧) وقال الكسائي: معناه: أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ثم حذف (بين) و (إلى) ونصب بعوضة بإسقاط الخافض.

وفي (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) وأنكر المبرد هذين القولين فقال: أما قول الفراء: إنه يجعل (ما) اسما تاما، وينصب بعوضة بدلا منه (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) ﴿ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ  ﴾ يجوز أن يكون (ما) نكرة، أي هذا شيء لدي عتيد، ويجوز أن يكون في معنى (الذي) (٥٠) وأما قول الكسائي: (ما بين كذا إلى كذا) (٥١) (٥٢) و (البعوض) صغار البق، الواحدة بعوضة، وذلك لأنها كبعض البق في الصغر (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾ يعني ما هو أكبر منها، لأن البعوض نهاية في الصغر (٥٤) قال ابن عباس: يعني الذباب والعنكبوت (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقال بعضهم: فما فوقها، يعني في الصغر، يريد فما هو أصغر منها (٥٨) (٥٩) فإن قيل: إذا كانت البعوضة هي النهاية في الصغر، فلا معنى في (٦٠) ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65)  ﴾ [الصافات: 65] فالمشبه به معقول وإن لم ير، وكما قال الشاعر: وَمَسْنُونةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ (٦١) ولم ير ناب الغول.

ويؤكد هذا التأويل قول أبي عبيدة في هذه الآية وهو أنه (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) وقد استشهد على استحسان ضرب المثل بالحقير [في] (٦٨) ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبوُتُ بِنَسْجِهَا ...

وَقَضَى (٦٩) (٧٠) وبقوله أيضاً: وَهَل شَيءٌ يَكُوُن أذَل بَيتَاً (٧١) (٧٢) وقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ ﴾ .

مدحهم الله بعلمهم أن المثل وقع في (٧٣) (٧٤) وقوله تعالى: ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾ .

قال أبو إسحاق: (ماذا) يجوز أن يكون (ما) و (ذا) اسماً واحداً، ويكون موضعها نصباً، المعنى: أي شيء أراد الله بهذا مثلًا؟

ويجوز أن يكون (ذا) مع (ما) بمنزلة (الذي) فيكون المعنى: ما الذي أراده (٧٥) (٧٦) وفائدة الوجهين يتبين في الجواب، فإنك إن جعلته اسمًا واحداً كان جوابه منصوبًا، وإن جعلت (ما) ابتداء و (ذا) خبره كان الجواب مرفوعا، مثاله أنَّ قائلا لو (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨٠) ﴿ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا  ﴾ ، و ﴿ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ  ﴾ فعلى النصب كأنه قيل: أي شيء أنزل ربكم (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) ألا تسألانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ ...

أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أمْ ضَلالٌ وَبَاطِلُ (٨٦) وبقولهم: (عَمَّاذَا تَسْأَل) على أنهما بمنزلة اسم واحد ولو لم يكن كذلك لقالوا: (عم ذا تسأل) (٨٧) ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ  ﴾ .

وفي نصب قوله: ﴿ مَثَلًا ﴾ وجوه، أحدها: الحال (٨٨) (٨٩) (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ (٩٤) (٩٥) (٩٦) قال (٩٧) (٩٨) (٩٩) (١٠٠) قال لبيد هذا في الجاهلية، فوافق قوله التنزيل: ﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾ .

قال الليث: (الفسق) الترك لأمر الله، ومثله (الفسوق) (١٠٦) (١٠٧) فواسِقًا عَنْ قَصْدِهِ (١٠٨) (١٠٩) وقال الفراء (الفسق) (١١٠) (١١١) (١١٢) (١١٣) (١١٤) (١١٥) (١) (من) ساقط من (ب).

(٢) ذكره الواحدي في "أسباب النزول": ص 26، وأخرجه "الطبري" بسنده عن ابن عباس == ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي  1/ 177، وأخرجه أبن أبي حاتم عن السدي 1/ 68، وذكره ابن كثير 1/ 68، وذكره السيوطي في "الدر" عن ابن مسعود وناس من الصحابة 1/ 88.

(٣) (الواو) ساقطة من (ب).

(٤) ذكره الواحدي في "أسباب النزول": ص 26 - 27، وذكره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن": ص 44 ولم ينسبه، وكذا الثعلبي بنحوه 1/ 59 أ.

وأخرج ابن جرير عن قتادة وفيه: قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران ...

إلخ، 1/ 177 - 178، ونحوه عند ابن أبي حاتم، وقال: روي نحوه عن الحسن 1/ 69.

قال السيوطي في "لباب النقول" بعد أن ذكر قول قتادة: (وذكر المشركين لا يلائم كون الآية مدنية، وما أوردناه عن قتادة والحسن حكاه عنهما الواحدي بلا إسناد بلفظ: (قالت اليهود) وهو أنسب، "لباب النقول": ص 13، وانظر: ابن كثير 1/ 68، "زاد المسير" 1/ 54، "الكشاف" 1/ 236، "البحر" 1/ 120.

(٥) أي: لفظ اليهود أو المشركين الذين قالوا ذلك.

(٦) في (ب): (لا يستحيي).

(٧) ذكره الزمخشري في "الكشاف"، وجعله من باب (القابلة) "الكشاف" 1/ 236، " البحر" 1/ 121، 122.

(٨) ورد هذا فيما حكاه الله من رد قوم موسى في قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى  ﴾ .

(٩) (معنى) ساقط من (ب).

(١٠) في (أ) و (ج): (بالتعرض) وما في (ب) هو الصحيح.

(١١) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 أ.

(١٢) ومن أجل هذا أول معنى الآية، وجميع الوجوه التي أوردها في تفسير الآية تأويل، وهذا وافق نهج المتكلمين في باب الصفات، الذين يستعملون تلك المقدمات العقلية لنفي بعض الصفات.

أما السلف فإنهم يعتصمون بالنص في الإثبات والنفي، فما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله أثبتوه وما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله نفوه.

انظر: "شرح العقيدة الطحاوية": ص 178، "الرسالة التدمرية".

ص 70، والأولى في معنى الآية ما ذكره "الطبري" قال: (..

معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين البعوضة إلى ما فوق البعوضة).

"الطبري" 1/ 178 - 179، وقد نقل الواحدي عن "الطبري" قولاً آخر وادعى أن اختاره والأمر بخلاف ذلك كما سيأتي.

(١٣) ذكره ابن عطية 1/ 212، "القرطبي" 1/ 242، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 54، والزمخشري (الكشاف) 1/ 263.

(١٤) في (ب) (حجه).

(١٥) (تستحي) يتعدى بنفسه وبالجار وعداه الواحدي بنفسه، وهي عبارة "الطبري": (وتستحي الناس، والله أحق أن تستحيه ..) 1/ 179، انظر "البحر" 1/ 121.

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٧) في (ب): (يستحيا منه).

(١٨) لقد وهم الواحدي في زعمه أن هذا اختيار "الطبري"، وتبعه على هذا الوهم أبو حيان في "البحر" 1/ 121.

قال "الطبري": (وأما تأويل قوله: (إن الله لا يستحي) فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى (إن الله لا يستحي): أن الله لا يخشى أن يضرب مثلاً ...

فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء ...).

قال محمود شاكر: (...

إن لفظ "الطبري" دال على أنه لم يحقق معناه ولم يرضه، ولم ينصره ...) 1/ 402، 403 (ط.

شاكر).

ثم قال محمود شاكر في موضع آخر: (هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال: إن الاستحياء بمعنى الخشية، لا ما أخذ به "الطبري"، "تفسير الطبري" صريح، بيّن في آخر الآية) 1/ 404.

ونجد "الطبري" يقول في آخر الآية: (فقد تبين إذا بما وصفنا، أن معنى الكلام: إن الله لا يستحي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين بعوضة إلى ما فوق البعوضة) 1/ 179.

فلم نر "الطبري" يؤول (الاستحياء) بـ (الخشية) والله أعلم.

(١٩) في (أ)، (ب): (الحيوة).

(٢٠) في (ب): (واستحيا الرجل لقلة الحياة، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه ...).

(٢١) في (ب): (الغيب).

(٢٢) في (ب): (ولفظه).

(٢٣) في (أ): (الحيوة).

(٢٤) قال ابن فارس: (الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة) "مقاييس اللغة" (حي) 2/ 122، وانظر "تهذيب اللغة" (حي) 1/ 954، "الصحاح" (حيا) 6/ 2324، "اللسان" 2/ 1080، "مفردات الراغب": ص140، "التاج" (حي) 19/ 359، "الكشاف" 1/ 263.

(٢٥) في (ب): (ومعناه السير للمثل).

(٢٦) كذا ورد في جميع النسخ ولعل الصواب (له).

(٢٧) قال "الطبري": (يبين ويصف)، 1/ 179، وذكر ابن الجوزي عن ابن عباس: أن يذكر شبها.

"زاد المسير" 1/ 54، وقيل ومعنى يضرب: يذكر، أو يصير.

انظر.

"تفسير ابن عطية" 1/ 212 - 213، "القرطبي" 1/ 208، "البحر" 1/ 122.

(٢٨) في (ب): (مما).

(٢٩) ذكره الزجاج قال: (فأما إعراب (بعوضة) فالنصب من جهتين في قولنا وذكر بعض النحويين جهة ثالثة، فأما أجود هذِه الجهات فأن تكون (ما) زائدة مؤكدة ..) "معاني القرآن" 1/ 70.

(٣٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 70، وقد ذكره الفراء و"الطبري" واختارا غيره كما سيأتي، انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 21، و"الطبري" 1/ 179 - 180، وانظر الثعلبي 1/ 59 أ، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 65، "الإملاء" 1/ 16، "الكشاف" 1/ 264.

(٣١) في (ب): (كيضرب).

(٣٢) انظر: "الطبري" 1/ 180، "معاني القرآن" للفراء 1/ 21.

وفيه وجه آخر: وهو أن (بعوضة) بدل من (المثل)، انظر الثعلبي 1/ 59 أ، "الإملاء" 1/ 26، "البيان" 1/ 65، "الكشاف" 1/ 264، "تفسير ابن عطية" 1/ 152، قاله الزجاج 1/ 71.

(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٤) في (ب): (ذكره).

(٣٥) في (أ)، (ج): (شيئاً).

(٣٦) في (ب): (فهذا).

(٣٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 22، والقول الذي اختاره الفراء القول الآتي الذي نسبه الواحدي للكسائي، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 70، و"الطبري" 1/ 180، والثعلبي 1/ 59 أ.

(٣٨) (والواو) ساقطة من (ب).

(٣٩) (زبالة) و (الثعلبية) موضوعان معروفان من المنازل في الطريق بين الكوفة ومكة.

انظر: "معجم ما استعجم" 1/ 341،2/ 693، "معجم البلدان" 2/ 78، 3/ 129.

(٤٠) في "معاني القرآن" للفراء (وهي) 1/ 22، وكذا في "الطبري" 1/ 180.

(٤١) المعنى: ما بين القرن والقدم.

ورد الكلام في "معاني القرآن" للفراء ولم ينسبه للكسائي 1/ 22، وذكره "الطبري" ولم يعزه، وعزاه محمود شاكر في حاشية "الطبري" للفراء 1/ 405، وفي الآية وجه آخر ذكره بعض المفسرين: وهو أن تكون (ما) بمعنى (الذي) و (بعوضة) مرفوع، لأنه خبر مبتدأ مقدر، أي: الذي هو بعوضة، وأنكر الزجاج هذا الوجه، لأنه لم يثبت قراءة، وإن كان صحيحاً في الإعراب.

انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 71.

أما "الطبري" فاختار هذا الوجه، ولكن على نصب (بعوضة) وذكر لنصبها وجهين ...

انظر "تفسير الطبري" 1/ 179، وانظر: "البيان" 1/ 66، وابن عطية 1/ 213.

(٤٢) الفراء لم يرجح هذا القول، وإنما رجح القول الذي نسبه الواحدي للكسائي حيث قال: (الوجه الثالث: -وهو أحبها إليَّ- فأن تجعل المعنى على: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين البعوضة إلى ما فوقها ..)، "معاني القرآن" 1/ 22.

(٤٣) (يكونان) ساقطة من (ج).

(٤٤) في (ب): (الصفة).

(٤٥) في (أ)، (ج): (يقول).

(٤٦) في (أ)، (ج): (يكونان) بسقوط (لا).

(٤٧) انظر: "الكتاب" 2/ 105 - 107.

(٤٨) الفراء اختار غير هذا القول كما سبق، وانظر: "معاني القرآن" 1/ 22.

(٤٩) (سيبويه) ساقط من (ب).

(٥٠) انظر: "الكتاب" 2/ 106.

(٥١) هذا الكلام في "معاني القرآن" ولم يعزه للكسائي، عزا إليه كلاما بمعناه قال: (قال الكسائي سمعت أعرابيًّا ورأى الهلال فقال: الحمد لله ما إهلالك إلى سَرارِك، يريد ما بين إهلالك إلى سرارك ...

وحكا الكسائي عن بعض العرب: الشَّنَقُ ما خمسا إلى خمس وعشرين، يريد ما بين خمس إلى خمس وعشرين.

والشَّنَقُ: ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل ..)، "معاني القرآن" للفراء 1/ 22، 23.

(٥٢) في (ب) (فيكون) (الكلام مثل ما زبالة).

(٥٣) انظر: "الصحاح" (بعض) 3/ 1066، "زاد المسير" 1/ 55، "القرطبي" 1/ 209، ورجح الدميري: أن البعوض غير البق، انظر: "حياة الحيوان" 1/ 179.

(٥٤) ذكره الفراء ورجحه، انظر "معاني القرآن" 1/ 20.

"معاني القرآن" للزجاج 1/ 71، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 215، "تفسير الطبري" 1/ 180، أبي الليث 1/ 104، والثعلبي 1/ 59 أ، "الكاشف" 1/ 265.

(٥٥) ذكر الثعلبي 1/ 59 أ، وأبو الليث 1/ 104، وابن قتيبة في "غريب القرآن" ولم يعزه لابن عباس: ص 27.

(٥٦) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).

(٥٧) في (ب): (الفيل).

(٥٨) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 20، والزجاج في "المعاني" 1/ 71، والأخفش في "المعاني" 1/ 215، و"الطبري" 1/ 180، وضعفه، وذكره أبو الليث 1/ 104، وأبو عبيده في "المجاز" 1/ 35، وابن قتيبة في "المشكل": ص 27، وابن الأنباري في "الأضداد": ص 250، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 265.

(٥٩) كأبي عبيدة في "المجاز" 1/ 35، وابن قتيبة في "المشكل": ص 27.

(٦٠) في (ب): (فلا معنى فيما).

(٦١) عجز بيت لامرئ القيس وصدره: أيقْتُلُنِي والمشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي المشرفي: السيف، (مسنونة زرق): سهام محددة الأزجه صافية، شبهها بأنياب الأغوال، تشنيعا ومبالغة في الوصف، والأغوال: الشياطين، وقيل: الحيات.

انظر "ديوان امرئ القيس": ص 125، "تهذيب اللغة" (غال) 8/ 193، "المخصص" 8/ 11، "اللسان" (غول) 6/ 3318، "البحر المحيط" 2/ 304.

(٦٢) في (ب): (أن).

(٦٣) "مجاز القرآن" 1/ 35.

(٦٤) في (ب): (لا فرق).

(٦٥) في (ب): (فوق الصلح).

(٦٦) (فوق) ساقط من (ب).

(٦٧) انظر: "الأضداد" لأبي حاتم: ص101، ولابن الأنباري: ص 250، وقد ذكر عن قطرب: (أن فوق تكن بمعنى: (دون) مع الوصف، كقول العرب: إنه لقليل وفوق القليل، ولا تكون بمعنى: (دون) مع الأسماء، كقول العرب: هذِه نملة وفوق النملة ...) ورد أقوال المفسرين الذين قالوا: إن (فوقا) في الآية بمعنى (دون)، وغلّطه ابن الأنباري في هذا ورد عليه.

والأقرب أن (فوق) في الآية تكون بمعنى: أعظم، وبمعنى: دون، وهذا هو اختيار ابن الأنباري، وانظر: "المشكل" لابن قتيبة: ص 27، "البحر" 1/ 123، وابن كثير 1/ 69.

(٦٨) (في) إضافة من "الوسيط" للواحدي 1/ 66، لاستقامة السياق.

(٦٩) في (ب): (ومعن).

(٧٠) استشهد الواحدي بالبيت في "الوسيط" 1/ 66، وهو في "ديوان الفرزدق" 2/ 155، من قصيدة طويلة ضمن نقائضه مع جرير.

(٧١) (بيتا) ساقط من (ب).

(٧٢) استشهد الواحدي بالبيت في "الوسيط" 1/ 66، وهو في "ديوان الفرزدق" 1/ 103.

(٧٣) (في) ساقط من (ب).

(٧٤) قال "الطبري": يعرفون أن المثل الذي ضربه الله، لما ضربه له مثل، ثم ذكر عن الربيع وقتادة أن هذا المثل الحق من ربهم، وأنه كلام الله 1/ 181، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 71/ "تفسير الثعلبي" 1/ 59 أ.

(٧٥) في (ب): (أرا د).

(٧٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 42، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 32، "البيان" 1/ 66، "الإملاء" 1/ 26 ، وقد ذكر النحويون أن (ماذا) تأتي في ستة أوجه، لكن يجوز في الآية وجهان ذكرهما المؤلف ، انظر مغنى اللبيب 1/ 300 "البحر" 1/ 124، و"الدر المصون" 1/ 223.

(٧٧) (لو) ساقطة من (ب).

(٧٨) في (أ)، (ج): (الحال) أتنبت ما في (ب) لمناسبته للسياق.

(٧٩) انظر: "الكتاب" 2/ 417، 418، "الكشاف" 1/ 266، "البحر" 1/ 124،.

(٨٠) في (ب): (التقدير).

(٨١) وعليه جاءت الآية الأولى: (قالوا خيرا).

(٨٢) وعليه جاءت الآية الثانية: (قالوا أساطير الأولين) انظر "الكتاب" 2/ 417.

(٨٣) (الذي) ساقط من (ب).

(٨٤) في (ج): (أنزل).

(٨٥) "الكتاب" 1/ 417.

(٨٦) البيت مطلع قصيدة للبيد بن ربيعة، يرثي بها النعمان بن المنذر.

النحب: النذر، يقول: ألا تسألان رجلًا مجتهداً في أمر الدنيا والسعي خلفها، كأنه أوجب على نفسه نذرا في ذلك، فهو يجري لقضاء ذلك النذر، أم هو ضلال وباطل من أمره.

ورد البيت عند سيبوبه 2/ 417، "معاني القرآن" للفراء1/ 139، (المعاني الكبير) 3/ 1201، "جمل الزجاجي" ص 349، "المخصص" 14/ 103، "مغني اللبيب" 1/ 300، "شرح المفصل" 3/ 149، 4/ 23، "الخزانة" 2/ 252، 6/ 145، "الدر المصون" 1/ 229 (ديوان لبيد) ص 254، والشاهد (أنحب) حيث جاء مرفوعًا فدل على أن (ذا) في معني (الذي).

(٨٧) (عم ذا تسأل) بحذف ألف (ما) لأن (ما) إذا كانت استفهاما ودخل عليها حرف الجر حذفت ألفها، فلما ثبتت الألف دل على أنها مركبة مع (ذا)، انظر: "الكتاب" 2/ 418، "شرح المفصل" 3/ 150.

(٨٨) اختلف في صاحب الحال، فقيل: اسم الإشارة، وقيل لفظ الجلالة (الله)، انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 418، "المشكل" لمكي 1/ 231، وبن عطية 1/ 213، "البيان" 1/ 67، "البحر" 1/ 125، "الدر المصون" 1/ 231.

(٨٩) في (ب) (للمتهم).

(٩٠) انظر: "المشكل" لمكي1/ 33، وابن عطية 1/ 213، "البيان" 1/ 67، "الإملاء" 1/ 26، "البحر" 1/ 125، "الدر المصون" 1/ 231.

(٩١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 154، والثعلبي 1/ 95 أ، "البحر" 1/ 125، وقال أبو حيان: إن هذا مذهب الكوفيين، والمراد بالقطع: أنه يجوز أن يعرب بإعراب الاسم الذي قبله، فإذا لم تتبعه في الإعراب وقطعته عنه نصب على القطع، وقال: وهذا كله عند البصريين منصوب على الحال، ولم يثبت البصريون النصب على القطع، انظر: "الدر المصون" 1/ 231.

(٩٢) في (ب): (ذكره).

(٩٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 154، "البحر" 1/ 125.

(٩٤) قوله: (يهدي به كثيرا) ساقط من (أ)، (ج).

(٩٥) في (ب): (وكذلك).

(٩٦) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب.

(٩٧) في (ب): (كذلك قال الأزهري).

(٩٨) في (ب): (يقول).

(٩٩) قوله: (فلم ترشده) ليس في "تهذيب اللغة".

(١٠٠) البيت ورد في "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، "اللسان" (ضلل) 5/ 2601، "ديوان لبيد مع شرحه" ص 174، "الوسيط" للواحدي 1/ 67.

(١٠١) في (ب): (تضل وتهدي).

(١٠٢) جزء من آية في النحل: 93، وسورة فاطر آية: 8 (١٠٣) "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، وانظر: "اللسان" (ضلل) 5/ 2601.

(١٠٤) في (ب): (بضلال).

(١٠٥) يرد بهذا على المعتزلة الذين قالوا: إن الله لا يخلق الضلال، ومعناه الإضلال عندهم هنا: الحكم أو التسمية، أو أنه من إسناد الفعل إلى السبب كما قال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 267.

وعند أهل السنة: أن الله خالق العباد وخالق أفعالهم، انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 105، وابن عطية 1/ 216 - 217، "الإنصاف" فيما تضمنه "الكشاف" من الاعتزال حاشية على "الكشاف" 1/ 267، "القرطبي" 1/ 209 - 210.

قال ابن كثير: قال السدي في "تفسيره": عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: (يضل به كثيرا) يعني به المنافقين (ويهدي به كثيرا) يعني به المؤمنين فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم لتكذيبهم ..

ويهدي به بمعنى: المثل كثيرا من أهل الإيمان والتصديق فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم لتصديقهم ..) ابن كثير 1/ 69 - 70.

(١٠٦) "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788.

(١٠٧) "مجاز القرآن" 1/ 406، "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، والخص من "التهذيب".

(١٠٨) في (ب): (أمره) وهي رواية وردت في "اللسان" (فسق) 6/ 3414.

(١٠٩) البيت لرؤبة كما في "مجاز القرآن" وقبله: يهوِين في نَجد وغورًا غائرا يصف إبلا منعدلة عن قصد نجد ورد البيت في "مجاز القرآن" 1/ 406، وفيه (قصدها) بدل (قصده) ومثله عند "الطبري" 15/ 261، وبمثل رواية الواحدي ورد في "الزاهر" 1/ 218، "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "اللسان" 6/ 3414، "القرطبي" 1/ 210.

(١١٠) (الفسق) ساقط من (ب) (١١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 147، وفيه قوله: (ففسق عن أمر ربه) أي: خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: ..

ونحوه في "التهذيب" (فسق).

(١١٢) "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2778.

(١١٣) في "التهذيب" وقال أبو الهيثم: الفسوق يكون الشرك ويكون الإثم (فسق) 3/ 2789، وانظر: "اللسان" (فسق) 6/ 3414.

(١١٤) انظر: "الطبري" 1/ 182، و"ابن كثير" 1/ 70، "زاد المسير" 1/ 56، و"القرطبي" 1/ 210.

(١١٥) في (ب): (كقوله).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ يَسْتَحْى ﴾ تأوّل قوم: أن معناه لا يترك، لأنهم زعموا أنّ الحياء مستحيل على الله؛ لأنه عندهم انكسار يمنع من الوقوع في أمر، وليس كذلك؛ وإنما هو كرم وفضيلة تمنع من الوقوع فيما يعاب، ويردّ عليهم قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي كريم يستحي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفراً» ﴿ أَن يَضْرِبَ ﴾ سبب الآية أنه لما ذكر في القرآن الذباب والنمل والعنكبوت، عاب الكفار على ذلك، وقيل: المثلين المتقدّمين في المنافقين تكلموا في ذلك؛ فنزلت الآية رداً عليهم ﴿ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً ﴾ إعراب بعوضة مفعول بيضرب، ومثلاً حال، أو: مثلاً مفعول، وبعوضة بدل منه أو عطف بيان، أو هما مفعولان بيضرب؛ لأنها على هذا المعنى تتعدّى إلى مفعولين، وما صفة للنكرة أو زائدة ﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾ في الكبر، وقيل: في الصغر، والأول أصح ﴿ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق ﴾ لأنه لا يستحيل على الله أن يذكر ما شاء، ولأن ذكر تلك الأشياء فيه حكمة، وضرب أمثال، وبيان للناس، ولأنّ الصادق جاء بها من عند الله ﴿ مَاذَآ أَرَادَ الله ﴾ لفظه الاستفهام، ومعناه الاستبعاد والاستهزاء والتكذيب، وفي إعراب ماذا وجهان؛ أن تكون ما مبتدأ، وذا خبره وهي موصولة، وأن تكون كلمة مركبة في موضع نصب على المفعول بأراد، ومثلاً منصوب على الحال أو التمييز ﴿ يُضِلُّ بِهِ ﴾ من كلام الله جواباً للذين قالوا: ﴿ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ﴾ ، وهو أيضاً تفسير لما أراد الله بضرب المثل من الهدى والضلال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ فما فوقها ﴾ (ط) ﴿ من ربهم ﴾ (ج) لأن الجملتين وإن اتفقتا فكلمة "أما للتفصيل بين الجمل ﴿ مثلاً ﴾ (م) لأنه لو وصل صار ما بعده صفة له وليس بصفة إنما هو ابتداء إخبار من الله عز وجل جواباً لهم.

﴿ ويهدي به كثيراً ﴾ (ط) ﴿ الفاسقين ﴾ (لا) لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ ميثاقه ﴾ (ص) لعطف المتفقتين ﴿ في الأرض ﴾ (ص) ﴿ الخاسرون ﴾ (ه).

التفسير: لما بين كون القرآن معجزاً أورد شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها.

عن ابن عباس: لما ضرب الله  هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً  ﴾ وقوله ﴿ أو كصيب  ﴾ قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله هذه الآية.

وعن الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله فنزلت.

والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض؟

وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: "أجرأ من الذباب" و "أضعف من بعوضة" و "كلفتني مخ البعوض".

ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة كالزوان حب يخالط البر، وكحبة خردل، والمنخل والحصاة والأرضة والدود والزنابير.

قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع واشتد غلب عليه الزوان.

فقال عبيد الزارع: يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟

فقال: بلى قالوا: فمن أين هذا الزوان؟

قال: لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان تقلعوا معه حنطة، دعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد.

فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزماً ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الجرين، وأفسر لكم، ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة وهو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هي أبناء الملكوت الذين يعملون بطاعة الله، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنو آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية، وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار فكذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين وجميع عمال الإثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنالك البكاء وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع.

وأضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء، رجل آخر أخذ حبة الخردل وهي أصغر الحبوب فزرعها في قرية، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول، وجاء طير السماء فعشش في فروعها، فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله  أجره وعظمه ورفع ذكره ونجا به من اهتدى.

وقال: لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا ينسفها الرياح.

وقال: لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسد، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص، ولكن ادخروا ذخائركم عند الله.

وقال: نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يغزلن ولا يشخصن، ومنهن ما هو في جوف الحجر الأصم وفي جوف العود، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله أفلا تعقلون؟!

وقال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، كذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم.

هذا ونحن نرى أن الإنسان يذكر معنى فلا يلوح كما ينبغي، فإذا ذكر المثال اتضح وانكشف.

وذلك أن من طبع الخيال حب المحاكاة، فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل، وإذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح وجب ذكره في الكتاب الذي أنزل تبياناً لكل شيء.

ثم إن الله  هو الذي خلق الكبير والصغير، وحكمته في كل ما خلق وبرأ عامة بالغة، وليس الصغير أخف عليه من الكبير، ولا الكبير أصعب عليه من الصغير.

فالمعتبر إذن ما يليق بالقصة، فإذا كان اللائق بها الذباب والعنكبوت لخسة مضرب المثل ووهنه، فكيف يضرب بالفيل وبشيء مستحكم النسج والصفاقة؟

وهذا مما لا يخفى على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت دفع الواضح وإنكار المستقيم، وكم من عائب قولاً صحيحاً *** وآفته من الفهم السقيم والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به، ويذم واشتقاقه من الحياة، يقال: حيي الرجل كما يقال نسي وحشي إذا اشتكى النسا والحشا، وكأن الحيي صار منتقص القوة منتكس الحياة وقد عرفت في الأسماء الحسنى، أن أمثال هذه الصفات إنما يجوز أن تطلق على الله  بعد الإذن الشرعي باعتبار النهايات لا باعتبار المبادئ.

فحديث سلمان قال رسول الله  : "إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً" إنما جاء على سبيل التمثيل لأنه مثل تركه تخييب العبد بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه.

ومعنى قوله ﴿ إن الله لا يستحيي ﴾ أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها.

ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت؟

فجاءت على سبيل المقابلة والطباق، وهو فن بديع قال أبو تمام: من مبلغ أفناء يعرب كلها *** أني بنيت الجار قبل المنزل فلولا بناء الدار لم يصح بناء الجار، وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه: إذا ما استحين الماء يعرض نفسه *** كرعن بسبت في إناء من الورد فيصف كثرة مياه الأمطار في طريقه، وأنه أينما ذهب رأى الماء وكأنه يعرض نفسه على النوق فتستحيي فتكرع فيه مشافر كأنها السبت وهو الجلد المدبوغ بالقرظ، وشبه الأرض وفيها الماء وحواليه الأزهار بإناء من الورد.

وفيه لغتان: استحييت منه واستحييته وهما محتملتان ههنا.

وضرب المثل اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم، وفي الحديث: ضرب رسول الله  خاتماً من ذهب.

و "ما" هذه إبهامية، إذا اقترنت باسم نكرة زادته شياعاً وعموماً كقولك "أعطني كتاباً ما" تريد أي كتاب كان، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله ﴿ فبما نقضهم  ﴾ أي مثلاً حقاً أو ألبتة.

وانتصب ﴿ بعوضة ﴾ بأنها عطف بيان و ﴿ مثلاً ﴾ وذلك أن ما يضرب به المثل قد يسمى مثلاً كما يقال: حاتم مثل في الجود.

أو مفعول لـ ﴿ يضرب ﴾ و ﴿ مثلاً ﴾ حال عن النكرة مقدمة عليها، أو انتصبا مفعولين فجرى "ضرب" مجرى "جعل".

والبعوض في أصله صفة على فعول من البعض القطع فغلبت، ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه وفي معناه البضع والعضب.

ومن غرائب خلقه أنه مع صغره أعطي كل ما أعطي الفيل مع كبره، ففيه إشارة إلى أن خلق أحدهما ليس أصعب من خلق الآخر، وإشارة إلى حالة الإنسان وكمال استعداده كما قال  : "إن الله خلق آدم على صورته" أي على صفته فأعطاه على ضعفه من كل صفة من صفات جماله وجلاله أنموذجاً ليشاهد في مرآة نفسه جمال صفات ربه.

ومن العجائب أن خرطومه في غاية الصغر، ومع ذلك مجوف.

ومع فرط صغره وكونه مجوفاً يغوص في جلد الجاموس والفيل على ثخانته كما يضرب الرجل أصبعه في الخبيص، وذلك لما ركب الله  في رأس خرطومه من السم.

وقوله ﴿ فما فوقها ﴾ أي فالذي هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله بكل هذه الأشياء، أو أراد فما فوقها في الصغر كجناح البعوضة حيث ضربه  مثلاً للدنيا، وهذا أولى لأن الآية نزلت في بيان أن الله  لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، فيجب أن يكون المذكور ثانياً أحقر من الأول.

والفاء ههنا تفيد الترتيب في الذكر لأنه يذكر في هذا المقام الأخس فالأخس كقوله: "يا دار مية بالعلياء فالسند" *** لأنه يذكر في تعريف الأمكنة الأخص بعد الأعم، فكأن العلياء موضع وسيع يشتمل على مواضيع منها السند.

﴿ وأما ﴾ حرف فيه معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء، وفائدته التوكيد.

تقول: زيد ذاهب.

فإذا قصدت التوكيد وأن الذهاب منه عزيمة قلت: أما زيد فذاهب ولذلك قال سيبويه في تفسيره.

"مهما يكن من شيء فزيد ذاهب" وليس مراده من هذا التفسير أن "أما" بمعنى "مهما" "كيف" - وهذه حرف ومهما اسم - بل قصده إلى المعنى البحث أي أن يكن في الدنيا شيء يوجد ذهاب زيد فهذا، جزم بوقوع ذهابه لأنك جعلت حصول ذهابه لازماً لحصول أي شيء في الدنيا، وما دامت الدنيا باقية فلا بد من حصول شيء فيها.

ففي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعي على الكافرين ورميهم بالكلمة الحمقاء.

والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وحق الأمر ثبت ووجب.

والضمير في ﴿ أنه الحق ﴾ للمثل، أو لـ ﴿ أن يضرب ﴾ و ﴿ ماذا ﴾ فيه وجهان: أن يكون "ذا" اسماً موصولاً بمعنى الذي، فيكون كلمتين: "ما" مبتدأ وخبره "ذا" مع صلته، وأن تكون "ذا" مركبة مع "ما" مجعولتين اسماً واحداً، فيكون منصوب المحل في حكم "ما" وحده لو قلت: ما أراد الله، وجوابه على الأول مرفوع وعلى الثاني منصوب.

وقد يجيء على العكس كما تقول في جواب من قال: ما رأيت خير "أي المرئي خير".

وفي جواب: ما الذي رأيت خيراً "أي رأيت خيراً".

والإرادة نقيض الكراهة، قال الإمام الرازي: الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته.

والمتكلمون أنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع بل في الإيقاع.

واحترز بهذا القيد الأخير عن القدرة.

واختلفوا في كونه  مريداً مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله  .

فزعم النجار أنه معنى سلبي ومعناه أنه غير ساهٍ ولا مكره.

ومنهم من قال: إنه أمر ثبوتي.

ثم اختلفوا فالجاحظ والكعبي وأبو الحسين البصري: معناه علمه  باشتمال الفعل على المصلحة أو المفسدة، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف.

والأشاعرة وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهم: أنه صفة زائدة على العلم.

ثم القسمة في تلك الصفة أنها إما أن تكون ذاتية وهو القول الآخر للنجار، وإما أن تكون معنوية، وذلك المعنى إما أن يكون قديماً وهو قول الأشعري، أو محدثاً وذلك المحدث إما أن يكون قائماً بالله  وهو قول الكرّامية، أو قائماً بجسمٍ آخر ولم يقل به أحد، أو موجوداً لا في محل وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما.

وفي قوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ استرذال واستحقار كما قالت عائشة في عبد الله بن عمرو بن العاص حين أفتى بنقض ذوائب النساء في الاغتسال "يا عجباً لابن عمرو هذا" محقرة له.

و ﴿ مثلاً ﴾ نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث "ماذا أردت بهذا جواباً" ولمن حمل سلاحاً رديئاً "كيف تنتفع بهذا سلاحاً" أو على الحال نحو ﴿ هذه ناقة الله لكم آية  ﴾ وقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بـ ﴿ أما ﴾ وأهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ وقليل ما هم  ﴾ إنما يوصفون به بالقياس إلى أهل الضلال.

وأيضاً فإن المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة.

إن الكرام كثير في البلاد وإن *** قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا وإسناد الإضلال إلى الله  إسناد الفعل إلى السبب البعيد، لأنه لما ضرب المثل ازداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم فتسبب لهديهم، وازدادت الكفرة رجساً إلى رجسهم فتسبب لضلالهم عن الحق.

والفسق الخروج عن القصد قال رؤبة: فواسقاً عن قصدها جوائر *** يذهبن في نجد وغوراً غائراً والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو عند أهل السنة من أهل الإيمان إلا أنه عاصٍ، وعند الخوارج كافر، وعند المعتزلة نازل بين المنزلتين، لأن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وأن لا تقبل له شهادة.

ومذهب مالك بن أنس والزيدية أن الصلاة لا تجزئ خلفه.

ويقال للخلفاء المردة من الكفار الفسقة، وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله  ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان  ﴾ يعني اللمز والتنابز ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون  ﴾ والنقض: الفسخ وفك التركيب.

وإنما ساغ استعمال النقض في إبطال العهد من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا كقولك "عالم يغترف منه الناس" فتنبه بالاغتراف من العالم بأنه بحر، وتسكت عن المستعار لأنك رمزت إليه بذكر شيء من لوازمه.

والعهد: الموثق.

عهد إليه في كذا إذا أوصاه به ووثقه عليه.

والمراد بالناقضين إما كل من ضل وكفر لأنهم نقضوا عهداً أبرمه الله بإراءة آياته في الآفاق وفي أنفسهم وبما ركز في عقولهم من إقامة البينة على الصانع وعلى توحيده وعلى حقية شريعته بعد إزاحة العلات وإزالة الشبهات، وإما قوم من أهل الكتاب وقد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد  وبيّن لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته.

وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﴿ وإذ أخذ ربك  ﴾ الآية.

وعهد خص به النبيين أن يبلغو الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم  ﴾ وعهد خص به العلماء ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه  ﴾ والضمير في ﴿ ميثاقه ﴾ للعهد.

والميثاق إما مصدر بمعنى التوثقة كالميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة، أو اسم لما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله اي من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق الله  به عهده من آياته وكتبه ورسله.

ومعنى قطعهم ما أمر الله به أن يوصل، إما قطعهم ما بينهم وبين رسول الله  من القرابة والرحم، أو قطعهم موالاة المؤمنين إلى موالاة الكافرين، أو قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض.

والأمر طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور، لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به.

وللأمر حرف واحد وهو اللام الجازم نحو "ليفعل" وصيغ مخصوصة للمخاطب نحو "انزل" و "نزال" و "صه".

وقد يستعمل في الدعاء والالتماس بمعونة القرينة وظاهره للوجوب، وغيره من الندب أو الإباحة يتوقف على القرينة.

وقوله ﴿ أن يوصل ﴾ بدل الاشتمال من الضمير المجرور، والجار الذي ينبغي أن يعاد مقدر تقديره بأن يوصل أي بوصله.

والإفساد في الأرض إما إظهار المعاصي، وإما التنازع وإثارة الفتن.

﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والإفساد بالإصلاح، وعقاب هذه الأمور بثوابها ﴿ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .

كأن هذا - والله أعلم - يخرج جواباً على أثر قول قاله الكفرةُ لرسول الله  - على ما ذكره بعض أَهل التأْويل - فقالوا: ما يستحي ربك أَن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه، وملوكُ الأَرض لا يذكرون ذلك، ويستحيون؟

فقال عز وجل جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى...

﴾ الآية.

لأَن ملوك الأَرض إنما ينظرون إلى هذه الأَشياءِ بالاسحقار لها، والاستذلال؛ فيستحيون ذكرها على الإنكاف، والأَنَفَة.

والله - عز وجل - لا يستحيى عن ذلك؛ لأَن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله  وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم، أَكبر من الكبارِ منها والعظام؛ لأَن الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب، وتركيب ما يحتاج إليه من الفم والأَنف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قَدروا، ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأَجسام والكبار منها.

فأُولئك لم ينظروا إليها لما فيه من الأعجوبة واللطافة، ولكن نظروا للحقارة، والخساسة أنفاً منهم وإِنكافاً.

ثم اختلف أَهل الكلام في إضافة الحياءِ إِلى الله  : فقال قوم: يجوز ذلك بما رُوي في الخبر: "أَن الله يستحيى أَن يعذب من شاب فى الإسلام" ولأنه يجوز كالتكبر، والاستهزاءِ، والمخادعة، وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم.

وقال آخرون: لا يجوز إضافته إلى الله  ؛ لأَن تحته الإِنكاف والأَنفه، وذلك عن الله  مَنْفِيٌّ، ولكن الحياء هو الرضاء هاهنا، والحياء الترك؛ أَي: لا يترك ولا يدع.

وقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ .

أي: علموا أن ضرب المثل بما ذكر من صغار الأَجسام والجثة حق؛ لما نظروا إلى ما فيها من الأُعجوبة والحكمة واللطافة.

وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ .

لم ينظروا فيها لما فيها من الأُعجوبة والحكمة، ولكن نظروا للخساسة والحقارة.

وقوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ﴾ .

الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنه جواب قولهم: ﴿ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ فقال: أَرَاد أَن يضل بهذا المثل كثيراً، وأَراد أن يهدي به كثيراً، أَضل به من علم منه أَنه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أَنه يختار الهدى، أراد من كل ما علم منه أَنه يختار ويُؤثر، والله أَعلم.

وهم يقولون: بل أَراد أن يهدي به الكلَّ ولكنهم لم يهتدوا.

والثاني: يُضلُّ به كثيراً؛ أَي: خَلَقَ فِعْلَ الضلالة من الضال، وخلقَ فعل الاهتداءِ من المُهتدِي.

وقد ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾ .

أي: ما يُضِل بهذا المثَل إلا الفاسق الذي لا ينظر إلى ما فيها من الأُعجوبة واللطافة في الدلالة.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ ﴾ .

عهد الله يكون على وجهين: عهدُ خِلْقةٍ؛ لما يشهد خَلْقه كُلُّ أحدٍ على وحدانية الرب؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ...

﴾ الآية [الروم: 8].

إنه إن نظر في نفسه وتأَمل عرف أَن له صانعاً وأَنه واحد لا شريك له.

وعَهْدُ رسالةٍ على أَلْسِنة الأَنبياءِ والرسل عليهم السلام؛ كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [آل عمران: 187].

فنقضوا العهدين جميعاً؛ عهدَ الخلقة، وعهد الرسالة.

وقوله: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ .

يَحْتَمِل وجهين: يقطعون الإيمان ببعض الرسل وقد أُمروا بالوصل؛ كقوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ .

وقيل: يقطعون ما أمر الله أَن يوصل من صلة الأرحام.

وقوله: ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: يفسدون بما يأمرون في الأرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ .

وقيل: يفسدون، أي: يتعاطَوْن بِأنفسهم في الأَرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً  ﴾ .

وقوله: ﴿ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ .

يحتمل أَيضاً وجهين: خسروا لما فات عنهم، وذهب من المنى والأَماني في الدنيا.

ورُوي عن الحسن أَنه قال في قوله: ﴿ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ : أي: قذفوا أَنفسهم - باختيارهم الكفر - بين أَطباق النار؛ فذلك هو الخسران المبين.

وقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: "كيف": من أَين ظهرت لكم الحجةُ أَن تعبدوا من دون الله من الأَصنام وغيرها أَنه حق، ولم يظهر لكم منها الإنشاء بعد الموت، ولا الإِماتةُ بعد الإِحياءِ؟

وقيل: كيف تكفرون بالبعث بعد الموت ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ يعني نُطَفاً ﴿ فَأَحْيَٰكُمْ ﴾ ، وأَنتم لا تنكرون إنشاء الأَول فكيف تنكرون البعث والإِحياء بعد الموت؟

وقيل: كيف تكفرون بالإِحياءِ والبعث بعد الموت، وفي العقل أن خَلْقَ الخلْق للإِفناءِ والإماتة من غير قصد العاقبةِ عبثٌ ولعبٌ؛ لأَن كل بانٍ بنى للنقض فهو عابث، وكذلك كل ساع فيما لا عاقبة له فهو عابث هازل، فكيف تجعلون فعله عز وجل؛ إذ لو لم يجعل للخلق داراً للجزاءِ، والعقاب كان في خلقه إياهم عابثاً هازلاً خارجاً من الحكمة؟!

 عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

أَي: تعلمون أَنكم تُرجَعون إليه، وكذلك المصير والمآب.

والثاني: ترجعون إلى ما أعَدَّ لَكُم من العذاب.

احتج عليهم بما أَخبرهم الله أَنه أَنشأَهم بعد الموتة الأُولى، وأنه يبعثهم بعد الموتة الأُخرى ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ كأَنه يقول: ثم اعلموا أَنكم إليه ترجعون.

قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .

قيل: إنه صلة قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ أي: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض ما يدلكم على وحدانيته؛ لأَنه ليس شيء من الأرض إلا وفيه دلالة وحدانيته.

ويحتمل: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأَرض نعيماً من غير أَن كان وجب لكم عليه حق من ذلك لتشكروا لَهُ عليها، فكيف وجََّهتم أنتم الشكر فيها إلى غيره؟

ويحتمل ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : محنة يمتحنكم بها في الدنيا؛ كقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ثم لتجزون في دار أخرى فكيف أنكرتم البعث؟!

وفي بيان حكمةِ خلق الخلق في الدنيا للفناءِ، والإحياء للآخرة - حكمةٌ، وفي إنكارها ذهاب الحكمة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: استوى إلى الدخان؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ  ﴾ .

وقيل: استوى: تمَّ؛ كقوله: ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ  ﴾ أي: تَمَّ.

وقيل: استوى: أَي: استولى.

والأَصل عندنا في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ و ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ، وغيرها من الآيات من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ...

﴾ الآية [الفجر: 22]، وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [البقرة: 210] من الآيات التي ظنت المشبِّهةُ أَن فيها تحقيق وصف الله  بما يستحق كثيرٌ من الخلق الوصفَ به على التشابه.

في الحقيقة إنها تحتمل وجوهاً: أحدها: أَنْ نَصِفَهُ بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أَنه لا يشبه على ما ذُكر من الفعل فيه بغيره؛ لأنك بالجملة تعتقد أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يجوز أَن يكون له مثل في شيء؛ إذ لا يوجد حدثه فيه، أَو قدم ذلك الشيء من الوجه الذي أشبه الله.

وذلك مدفوع بالعقل والسمع جميعاً، مع ما لم يجز أَن يقدر الصانع عند الوصف بالفعل كغيره، وأنه حي، قدير، سميع، بصير، نفى ما عليه أمر الخلق لما يصير بذلك أَحد الخلائق.

وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أَمر السمع والتنزيل على ما أَراد الله.

وبالله التوفيق.

والثاني: أَن يمكن فيه معان تُخرِج الكلام مَخْرج الاختصار والاكتفاءِ بمواضع إفهام في تلك المواضع على إتمام البيان، وذلك نحو قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ  ﴾ أَي: بالملك.

وذلك كقوله: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ...

 ﴾ أَي: بربك ﴿ فَقَاتِلاۤ ﴾ ؛ إذ معلوم أَنّه يقاتل بربه؛ ففهم منه ذلك.

وكذلك معلم أَن الملائكة يأتُون، فكأنه بين ذلك.

يدل عليه قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وكذلك ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية: [البقرة: 210].

ومما يوضح أَنه لم يكن أَحدٌ اعتقد أَو تصوَّر في وهْمِه النظرُ لإتيان الربِّ ومجيئه، ولا كان بنزوله وعد بنظر.

وكان بِنزولِ الملائِكة؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ...

﴾ الآية [الفرقان: 22]، وقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ  ﴾ .

فيما ذكرنا عظيمُ أَمرهم، وجليلُ شأْنهم، ومثله في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ  ﴾ مع ما له وجهان: أَحدهما: أَن يكون معنى العرش الْملك والاستواءُ التام الذي لا يوصف بنقصان في ملك، أَو الاستيلاءُ عليه، وألا سلطان لغيره، ولا تدبير لأَحد فيه.

والثاني: أَن يكون العرش أَعلى الخلق وأَرفعه.

وكذلك تقدرُه الأَوهام؛ فيكون موصوفاً بعلوه على التعالي عن الأمكنة، وأَنه على ما كان قبل كون الأَمكنة، وهو فوق كل شيءٍ؛ أي بالغلبة، والقدرة، والجلال عن الأَمكنة، ولا قوة إلا بالله.

وأَصله ما ذكرنا: ألا نُقَدِّرَ فعلَه بفعل الخلق، ولا وصفه بوصف الخلق؛ لأَنه أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

مرة قال: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ الآية [فصلت: 12]، ومرة قال: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

وكله يرجع إلى واحد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الله سبحانه وتعالى: لا يستحي من ضرب الأمثال بما شاء، فيضرب المثل بالبعوضة، فما فوقها في الكِبَر أو دونها في الصِّغَر، والناس أمام هذا نوعان: مؤمنون وكافرون، فأما المؤمنون فيصدقون ويعلمون أن من وراء ضرب المثل بها حكمة، وأما الكافرون فيتساءلون على سبيل الاستهزاء عن سبب ضرب الله الأمثال بهذه المخلوقات الحقيرة؛ كالبعوض، والذباب، والعنكبوت، وغيرها، فيأتي الجواب من الله: إن في هذه الأمثال هداياتٍ وتوجيهاتٍ واختبارًا للناس، فمنهم من يضلُّهم الله بهذه الأمثال لإعراضهم عن تدبرها، وهم كثير، ومنهم من يهديهم بسبب اتعاظهم بها، وهم كثير، ولا يضل إلا من كان مستحقًّا للضلال، وهم الخارجون عن طاعته؛ كالمنافقين.

<div class="verse-tafsir" id="91.bJn9X"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الآيات متصلة بما قبلها لم يختلف النظم ولم يخرج الكلام عن الموضوع الأصلي وهو الكتاب الذي لا ريب فيه، وحال الناس في الإيمان به وعدم الإيمان، ولا فصل في صحة هذا الوصل بين أن يكون الكلام ردًا على اليهود الذين أنكروا ضرب الأمثال بالمحقرات كالذباب والعنكبوت كما يروى عن ابن عباس، أو ردًا على المنافقين الذي أنكروا الأمثال في الآيات السابقة بمستوقد النار والصيب من السماء زاعمين أنه لا يليق بالله ضرب الأمثال، أو يكون المراد بالمثل القدوة تقريرًا لنبوة النبي  .

أما على الأول فيقال إنه إنما نص هنا على نفي الاستحياء من ضرب أي مثل، ولم يذكر ذلك هناك عند تمثيل الأولياء الذين اتخذوهم من دون الله بالذبابات والعنكبوت لأن المقام هنا مقام ذكر الاعتراض الموجه على القرآن، فيكون هذا مقام رد شبه المكابرين عنه، وأما على الثاني والثالث فهو أظهر، على أنه لا حاجة في فهم الآية إلى ما قالوه في سببها، فإن لم تكن ردًا لما قيل فهي رد لما قد يقال، أو يجول في خواطر أهل المكابرة والجدال، والمجاحدة والمحال.

والاستحياء قال صاحب الكشاف إنه من الحياء وهو انكسار وتغير في النفس يلم بها إذا نسب إليها أو عرض لها فعل تعتقد قبحه، وفي الحالة الثانية يكون مانعًا من الفعل الذي يعرض، يقال فلان يستحي أن يفعل كذا، أي أن نفسه تنكسر فتنقبض عن فعله، ويقال إنه استحيا من عمل كذا، أي إن نفسه انفعلت وتألمت عندما عرض عليه عمله فرآه سيئًا أو نقصًا.

ويقال حيي بهذا المعنى كأنه أصيب في حياته، كما يقال نسي إذ أصيب في نَساه- هو عرق يسمونه عرق النسا بفتح النون- وحشي إذا أصيب في حشاه.

وقالوا إن الحياء ضعف في الحياة بما يصيب موضعها وهو النفس، فمعنى عدم استحياء الله تعالى لأنه لا يعرض له ذلك الانكسار والانفعال، ولا يعتريه ذلك التأثر والضعف فيمتنع من ضرب المثل، بل هو يضرب من الأمثال الهادية والمطابقة لحال الممثل به ما يعلم أنه يجلي الحقائق ويؤثر في القلوب.

ولكن صاحب الكشاف وغيره أرادوا أن يجعلوا الآية دليلًا على اتصاف الله تعالى بالحياء، فقالوا إن النفي خاص، ومثله إذا ورد على شيء يدل على أن ذلك الشيء قابل للاتصاف بالمنفى، فمن لا قدرة له على شيء ينفى عنه، لا تقول إن عيني لا تسمع وأذني لا ترى، وقالوا إن معنى نفي الاستحياء هو أن الله تعالى لا يرى من النقص أن يضرب مثلًا بعوضةً فما دونها لأنه خالق كل شيء، وقد ورد في الحديث نسبة الحياء إلى الله تعالى، والنافون له يؤولون ما ورد بأثره وغايته.

والمثل في اللغة الشبه والشبيه وضربه عبارة عن إيقاعه وبيانه، وهو في الكلام أن يذكر الحال من الأحوال ما يناسبها ويشابهها ويظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفيًا، ولما كان المراد به بيان الأحوال كان قصة وحكاية، واختير له لفظ الضرب لأنه يأتي عند إرادة التأثير وهيج الانفعال، كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعًا ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهي إلى أعماق نفسه، ولكن في الكلام قلبًا حيث جعل المثل هو المضروب وإنما هو مضروب به.

وإذا كان الغرض التأثير فالبلاغة تقضي بأن تضرب الأمثال لما يراد تحقيره والتنفير عنه بحال الأشياء التي جرى العرف بتحقيرها، واعتادت النفوس النفور منها، ومثل هذا لا يخفى على بليغ، ولا على عاقل أيضًا، ولذلك قال بعضهم: إن المنكرين لم يروا في القرآن شيئًا يعاب فتحملوا بقولهم هذا: كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدًا وبغضًا إنه لدميم وجروا في ذلك على عادة المتحذلقين المتكيسين إذ يتحامون ذكر الألفاظ التي مدلولاتها حقيرة في العرف، وإذا اضطروا لذكرها شفعوها بما يشفع لها كقولهم "أجلكم الله"، وإذا كان شأن المثل ما ذكرنا وكان ذكر الأشياء التي ينفر منها من ذكرنا في الأمثال التي يراد منها التنفير، هو الأبلغ في التأثير الذي هو روح البلاغة وسرها، وكان قوله تعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا  ﴾ مبينًا لشأن من شؤون كماله  في كتابه العزيز، وقاضيًا على الذين يتحامون ذكر البعوضة وأمثالها بنقص العقل، وخسران ميزان الفضل، والمراد بما فوق البعوضة ما علاها وفاقها في مرتبة الصغر ومنها جنة النسم (الميكروبات) التي لا ترى إلا بالنظارات المكبرة (ميكرسكوب) وكانوا يضربون المثل بمخ النملة، وفي كلام بلغائهم: أسمع من قراد، وأطيش من فراشة، وأعز من مخ البعوضة.

والمعنى إن الله تعالى لا يترك ضرب مثل ما من الأمثال حياء منه سواء كن بعوضة أو أصغر منها حجمًا، وأقل عند الناس شأنًا.

ثم ذكر تعالى أن الناس في ذلك فريقان ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ  ﴾ لأنه ليس نقصًا في حد ذاته، وقد جاء في كلامه تعالى، فهو ليس نقصًا في جانبه، وإنما هو حق لأنه مبين للحق ومقرر له، وسائق إلى الأخذ به، بما له من التأثير في النفس وذلك أن المعاني الكلية للذهن مجملة مبهمة فيصعب عليه أن يحيط بها وينفذ فيها فيستخرج سرها والمثل هو الذي يفصل إجمالها، ويوضح إبهامها، فهو ميزان البلاغة وقسطاسها، مشكاة الهداية ونبراسها، ورحم الله تعالى عبد القاهر الجرجاني إمام البلاغة والواضع الأول لعلمي المعاني والبيان، ومؤلف (أسرار البلاغة) و(دلائل الإعجاز) لتحقيق إعجاز القرآن، حيث قال في كتابه الأول: "واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفًا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفًا".

"فإن كان مدحًا كان أبهى وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف، وأسرع للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغرر المواهب والمنائح، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر".

"وإن كان ذمًا كان مسه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشد، وحده أحد".

"وإن كان حجاجًا كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر".

"وإن كان افتخارًا كان شأوه أبعد، وشرفه أحد، ولسانه ألد".

"وإن كان اعتذارًا كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم أسل، ولغَرْب الغضبأقل، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث".

"وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغيابة، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل..."إلخ.

﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ فيجادلون في الحق بعد ما تبين، ويمارون بالبرهان وقد تعين، فيخرجون من الموضوع، ويُعْرِضون عن الحجة، ويتتبعون الكلم المفردة، حتى إذا ظفروا بكلمة لا يستعذبها ذوق المتطرفين، ولا تدور على ألسنة المتكلفين، أظهروا العجب منها، وطفقوا يتساءلون عنها ﴿ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً  ﴾ ولو أنصفوا لعرفوا، ولكنهم ارتابوا في الحق فانصرفوا، ﴿ وكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً  ﴾ يذهب به جدله إلى قياس رب العالمين، بمتنطعي المتأدبين، وينكر على ربه المثل والقياس، ولا ينكره على نفسه وعلى الناس.

قال تعالى في جوابهم ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا  ﴾ أي يضل بالمثل أو بالكلام المضروب فيه المثل أولئك الذين يجعلونه شبهة على الإنكار والريب، ويهدي به الذين يقررون الأشياء بغاياتها، ويحكمون عليها بحسب فائدتها.

وأنفع الكلام ما جلى الحقائق، وهدى إلى أقصد الطرائق، وساق النفوس، بقوة التأثير، إلى حسن المصير ﴿ وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ومَا يَعْقِلُهَا إلاَّ العَالِمُونَ  ﴾ فهؤلاء العالمون هم المؤمنون الذين يعلمون أنه الحق من ربهم وهم المهديون به، وأما الذين قالوا ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ  ﴾ إلخ، أي الذين ينكرون المثل لكفرهم فهم الضالون به، وقد بين شأنهم بقوله تعالى ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِينَ  ﴾ فعرفت علة ضلالهم وهي الفسوق، أي الخروج عن هداية الله تعالى في سننه في خلقه، التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وبكتابه بالنسبة إلي الذين أُوتوه، وليس المراد بالفاسقين ما هو معروف في الاصطلاحات الشرعية وهم العصاة بما دون الكفر من المعاصي فإنه لا يصح هنا، وتلك الاصطلاحات حادثة بعد التنزيل، وقد كان التعبير مشعرًا بأن المثل هو منشأ الإضلال والهداية بذاته، فنفى ذلك بهذه الجملة ليبين أن منشأ الضلال راسخ فيهم وفي أعمالهم وأحوالهم.

ثم إن الآية تشعر بأن المهتدين في الكثرة كالضالين، مع أن هؤلاء أكثر، وكأن الحكمة في التسوية إفادة أن المؤمنين المهديين على قلتهم أجل فائدة وأكثر نفعًا وأعظم آثارًا من أولئك الكفار الفاسقين الضالين على كثرتهم لأن المؤمنين كما قيل: "قليل إذا عدوا كثير إذا شدوا" ولذلك جعل الواحد في القتال بعشرة في حال القوة والعزيمة، وباثنين في حال الضعف، قيل هو ضعف البدن، وقيل بل ضعف البصيرة، ولقد كان من أثر ذلك العدد القليل، من المؤمنين الأولين، أن سادوا جميع العالمين.

لم أر أمثال الرجال تفاوتًا إلى المجد حتى عد ألف بواحد إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا وأما وجه تقديم الإضلال على الهداية فلأن سببه ومنشأه من الفكر متقدم في الوجود، وإنما جاءت الآيات المبينة بالأمثال لإخراجهم مما كانوا فيه من ظلمات الباطل إلى نور الحق، فزادت الفاسقين رجسًا على رجسهم، لأن نور الفطرة قد انطفأ من أنفسهم، بتماديهم في نقض العهد، وقطع الوصل والإفساد في الأرض، كما في الآية التالية لهذه- ﴿ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ  ﴾ إلخ.

وقد علم بما ذكرنا أن في الآية لفًا ونشرًا غير مرتب، فإن الضلال ذكر أولًا وهو للفريق الثاني، والهدى ذكر آخرًا وهو للفريق الأول.

هذا وإن ما تقدم في ضرب المثل وضلال قوم به وهداية آخرين، هو مبني على أن المراد به المثل الكلامي كما عليه الجمهور، أخذًا مما ورد في سبب النزول، وتقدم عن بعضهم أن المراد بالمثل في الآية القدوة الذي يؤتم به ويهتدى بهديه، وهذا المعنى للمثل معروف، وقد نطق به القرآن في قوله تعالى ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا ومَثَلاً لِّلآخِرِينَ  ﴾ وقوله تعالى ﴿ ولَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ  ﴾ وقال فيه ﴿ إنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إسْرَائِيلَ  ﴾ فهذه الآية تهدينا إلى فهم قوله تعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا  ﴾ وأن المراد به دحض شبهة الذين أنكروا نبوة النبي  و للَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ صلاحيته لأن يكون مثلًا يقتدى به، وهي أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وهم المشركون، والذين أنكروا أن يكون من العرب، وهم اليهود.

وقد حكى هذه الشبهة عنهم في آيات كثيرة كأنهم يقولون: إذا كان بشرًا مثلنا فكيف يدعي أنه رسول من الله يجب اتباعه، ومثل كامل ضرب للاقتداء به؟

﴿ أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا  ﴾ ولأي شيء لم يرسل الله مَلَكًا؟

ومنهم من قال ﴿ لَوْلا أُنزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا  ﴾ ، وقد أقام الله الحجة على هؤلاء بقوله ﴿ وَإن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا  ﴾ إلخ، وأتبعها بوعيد من أعرض عن الإيمان بعد قيام البرهان وهم الكافرون، وبشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم المؤمنون، وبعد تقرير الحجة وهي تحديهم بسورة من مثله كر على شبهتهم بالنقض وهي استبعاد أن يكون بشر رسولًا من عنده، ومحصله أن الله تعالى خالق كل شيء فيجعل ما شاء من المنفعة والفائدة فيما شاء ومن شاء من خلقه، ويضربه مثلًا للناس يهتدون به، وليس هذا نقصًا في جانب الألوهية، فيستحيي من ضربها مثلًا، بل من الكمال والفضل أن يجعل من المخلوقات الضعيفة والمحتقرة في العرف كالبعوض فوائد ومنافع، فكيف يستنكر أن يجعل من الإنسان الكامل الذي كرمه وخلقه في أحسن تقويم مثلًا وإمامًا يقتدي به قومه ويهتدون بهديه؟

وبقية الكلام في الآية على هذا الوجه في معنى المثل هو نحو ما تقدم تقريره، أو ظاهر منه أتم الظهور، فإن الذين آمنوا يعلمون أن هذا الإمام الذي نصبه للناس، مهما يكن ضعيفًا قبل أن يقويه ببرهانه، هو الحق الذي ثبت تأييده من ربهم، والكافرون يقولون لمَ لمْ يبعث إلى الناس من هو خير منه في نظرهم؟

وماذا يريد بأن يجعل لهم قدوة في أضعفهم وأهونهم؟

وهكذا تقول في قوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا  ﴾ إلخ.

وقد عهد من أهل البصيرة الاقتداء بالحيوانات والاستفادة من خصالها وأعمالها، ويحكى عن بعض كبار الصوفية أنه قال: تعلمت المراقبة من القط، وعن بعض حكماء المسلمين أنه قرأ كتابًا نحوًا من ثلاثين مرة فلم يفهمه فيئس منه وتركه فرأى خنفسة تتسلق جدارًا وتقع فعد عليها الوقوع فزاد على ثلاثين مرة ولم تيأس حتى تمكنت بعد ذلك من تسلقه والانتهاء إلى حيث أرادت، فقال: لن أرضى أن تكون هذه الخنفساء أثبت مني وأقوى عزيمة، فرجع إلى الكتاب فقرأه حتى فهمه.

ويقال إن" تيمورلنك" كانت تحدثه نفسه بالملك من أول نشأته، على ما كان من فقره ومهانته، فسرق مرة غنمًا-"وكان لصًا"- ففطن له الراعي فرماه بسهمين أصابا كتفه ورجله فعطلاهما، فأوى إلى خربة وجعل يفكر في مهانته ويوبخ نفسه على طعمها في الملك، ولكنه رأى نملة تحمل تبنة وتصعد إلى السقف وعندما تبلغه تقع ثم تعود وظلت على ذلك عامة الليل حتى نجحت في الصباح، فقال في نفسه والله لا أرضى بأن أكون أضعف عزيمة وأقل ثباتًا من هذه النملة، وأصر على عزمه حتى صار ملكًا وكان من أمره ما كان.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد