الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 168 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقال شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن مصعب بن سعد ، قال : سألت أبي فقلت : قوله تعالى : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) إلى آخر الآية ، فقال : هم الحرورية .
وهذا الإسناد إن صح عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - فهو تفسير على المعنى ، لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج ، الذين خرجوا على علي بالنهروان ، فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية ، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل ؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم على طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام .
والفاسق في اللغة : هو الخارج عن الطاعة أيضا .
وتقول العرب : فسقت الرطبة : إذا خرجت من قشرتها ؛ ولهذا يقال للفأرة : فويسقة ، لخروجها عن جحرها للفساد .
وثبت في الصحيحين ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور .
فالفاسق يشمل الكافر والعاصي ، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش ، والمراد من الآية الفاسق الكافر ، والله أعلم ، بدليل أنه وصفهم بقوله : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ) وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين ، كما قال تعالى في سورة الرعد : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) الآيات ، إلى أن قال : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ الرعد : 19 - 25 ] .
وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه ، فقال بعضهم : هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه ، وعلى لسان رسله ، ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به .
وقال آخرون : بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم ، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث والتصديق به ، وبما جاء به من عند ربهم ، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك ، وكتمانهم علم ذلك [ عن ] الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا .
وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله وقول مقاتل بن حيان .
وقال آخرون : بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق .
وعهده إلى جميعهم في توحيده : ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته ، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم ، قالوا : ونقضهم ذلك : تركهم الإقرار بما ثبتت لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق ، وروي أيضا عن مقاتل بن حيان نحو هذا ، وهو حسن ، [ وإليه مال الزمخشري ، فإنه قال : فإن قلت : فما المراد بعهد الله ؟
قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد ، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم وهو معنى قوله : ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) [ الأعراف : 172 ] إذ أخذ الميثاق عليهم في الكتب المنزلة عليهم لقوله : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) [ البقرة : 40 ] .
وقال آخرون : العهد الذي ذكره [ الله ] تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) الآيتين [ الأعراف : 172 ، 173 ] ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به .
وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضا ، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره .
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) إلى قوله : ( الخاسرون ) قال : هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا ، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه ، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، وأفسدوا في الأرض ، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا .
وكذا قال الربيع بن أنس أيضا .
وقال السدي في تفسيره بإسناده ، قوله تعالى : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) قال : هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه .
وقوله : ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) قيل : المراد به صلة الأرحام والقرابات ، كما فسره قتادة كقوله تعالى : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) [ محمد : 22 ] ورجحه ابن جرير .
وقيل : المراد أعم من ذلك فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه .
وقال مقاتل بن حيان في قوله : ( أولئك هم الخاسرون ) قال في الآخرة ، وهذا كما قال تعالى : ( أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ الرعد : 25 ] .
وقال الضحاك عن ابن عباس : كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر ، فإنما يعني به الكفر ، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب .
وقال ابن جرير في قوله : ( أولئك هم الخاسرون ) الخاسرون : جمع خاسر ، وهم الناقصون أنفسهم [ و ] حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته ، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه ، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته ، يقال منه : خسر الرجل يخسر خسرا وخسرانا وخسارا ، كما قال جرير بن عطية : إن سليطا في الخسار إنه أولاد قوم خلقوا أقنه
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ قال أبو جعفر: وهذا وصف من الله جل ذكره الفاسقين الذين أخبر أنه لا يُضلّ بالمثَل الذي ضربه لأهل النفاق غيرَهم, فقال: وما يُضِلّ الله بالمثل الذي يضربه - على ما وصف قبلُ في الآيات المتقدمة - إلا الفاسقين الذين ينقُضُون عهد الله من بعد ميثاقه.
ثم اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه:- فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه, وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته, ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به.
وقال آخرون: إنما نـزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم, وإياهم عَنى الله جل ذكره بقوله: إنّ الذين كفرُوا سواءٌ عليهم أأنذرتهم ، وبقوله: ومن الناس مَنْ يَقول آمنَّا بالله وباليوم الآخر .
فكل ما في هذه الآيات، فعَذْل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قَصَصهم.
قالوا: فعهدُ الله الذي &; 1-411 &; نقضوه بعدَ ميثاقه، هو ما أخذه الله عليهم في التوراة - منَ العمل بما فيها, واتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذا بُعث, والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم.
ونقضُهم ذلك، هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته, وإنكارهم ذلك, وكتمانهم علمَ ذلك الناسَ (66) ، بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه.
فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه ورَاء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا.
وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميعَ أهل الشرك والكفر والنفاق.
وعهدُه إلى جميعهم في توحيده: ما وضعَ لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته.
وعهدُه إليهم في أمره ونهيه: ما احتجّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدرُ أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها، الشاهدةِ لهم على صدقهم.
قالوا: ونقضهم ذلك، تركهم الإقرارَ بما قد تبيَّنت لهم صحته بالأدلة, وتكذيبُهم الرسلَ والكُتُب, مع علمهم أن ما أتوا به حقّ.
وقال آخرون: العهدُ الذي ذكره الله جل ذكره, هو العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم, الذي وصفه في قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [سورة الأعراف: 172-173].
ونقضُهم ذلك, تركهم الوفاء به.
وأولى الأقوال عندي بالصواب في ذلك قولُ من قال: إن هذه الآيات نـزلت في كفّار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظَهْرَانَيْ مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم, &; 1-412 &; وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيل, ومن كان على شِركه من أهل النفاق الذين قد بينا قصَصهم فيما مضى من كتابنا هذا.
وقد دللنا على أن قول الله جل ثناؤه: إنّ الذين كفروا سواء عليهم ، وقوله: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ، فيهم أنـزِلت, وفيمن كان على مثل الذي هم عليه من الشرك بالله.
غيرَ أن هذه الآيات عندي، وإن كانت فيهم نـزلتْ, فإنه معنيٌّ بها كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الضّلال، ومعنيٌّ بما وافق منها صفة المنافقين خاصّةً، جميعُ المنافقين (67) ؛ وبما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود، جميعُ من كان لهم نظيرًا في كفرهم.
وذلك أن الله جلّ ثناؤه يعم أحيانًا جميعَهم بالصّفة، لتقديمه ذكر جميعهم في أول الآيات التي ذكرتْ قَصَصهم, ويخصّ أحيانا بالصفة بعضَهم، لتفصيله في أول الآيات بين فريقيْهم, أعني: فريقَ المنافقين من عبدة الأوثان وأهل الشرك بالله, وفريقَ كفار أحبار اليهود.
فالذين ينقضون عهدَ الله، هم التاركون ما عهد الله إليهم من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وتبيين نبوته للناس، الكاتمون بيان ذلك بعدَ علمهم به، وبما قد أخذَ الله عليهم في ذلك, كما قال الله جل ذكره: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ [سورة آل عمران: 187]، ونبذُهم ذلك وراء ظهورهم، هو نقضُهم العهدَ الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه, وتركُهم العمل به.
وإنما قلت: إنه عنى بهذه الآيات من قلتُ إنه عنى بها, لأن الآيات - من مبتدأ الآيات الخمس والست من سورة البقرة (68) - فيهم نـزلتْ، إلى تمام قصصهم.
وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانِهِ في قوله (69) .
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [سورة البقرة: 40].
وخطابه إياهم جلّ ذكره بالوفاء في ذلك خاصّة دون سائر البشر (70) - ما يدل على أن قوله: " الذين ينقضُون عَهدَ الله من بعد ميثاقه " مقصودٌ به كفارهم ومنافقوهم, ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم.
غيرَ أنّ الخطاب - وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين - فداخلٌ في أحكامهم، وفيما أوجبَ الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ، كلّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي.
فمعنى الآية إذًا: وما يُضِلّ به إلا التاركين طاعةَ الله, الخارجين عن اتباع أمره ونهيه، الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم، في الكتب التي أنـزلها إلى رُسله وعلى ألسن أنبيائه، باتباع أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به, وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس, وإخبارِهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبًا عندهم أنه رسولٌ من عند الله مفترضةٌ طاعتُه، وترك كتمان ذلك لهم (71) .
ونكثُهم ذلك ونقضُهم إياه, هو مخالفتهم الله في عهده إليهم - فيما وصفتُ أنه عهد إليهم - بعد إعطائهم ربهم الميثاقَ بالوفاء بذلك.
كما وصفهم به ربنا تعالى ذكره بقوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ .
[سورة الأعراف: 169] .
وأما قوله: " من بعد ميثاقه "، فإنه يعني: من بعد توَثُّق الله فيه (72) ، بأخذ عهوده بالوفاء له، بما عهد إليهم في ذلك (73) .
غيرَ أن التوثق مصدر من قولك: توثقت من فلان تَوَثُّقًا, والميثاقُ اسمٌ منه.
والهاء في الميثاق عائدة على اسمِ الله.
وقد يدخل في حكم هذه الآية كلّ من كان بالصفة التي وصف الله بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفار، في نقض العهد وقطع الرّحم والإفساد في الأرض.
572- كما حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة، قوله: " الذين ينقضُون عهدَ الله من بعد ميثاقه "، فإياكم ونقضَ هذا الميثاق, فإن الله قد كره نقضَه وأوعدَ فيه، وقدّم فيه في آي القرآن حُجة وموعظة ونصيحة, وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعدَ في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق.
فمن أعطى عهدَ الله وميثاقه من ثمرَة قلبه فَلْيَفِ به لله (74) .
573- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويَقطعون ما أمرَ الله به أن يُوصَل ويفسدون في الأرض أولئك همُ الخاسرون "، فهي ستُّ خلال في أهل النفاق، إذا كانت لهم الظَّهَرَة، (75) أظهرُوا هذه الخلال الست &; 1-415 &; جميعًا: إذا حدّثوا كذبوا, وإذا وَعدوا أخلفوا, وإذا اؤتمنوا خانوا, ونقضُوا عهد الله من بعد ميثاقه, وقطعوا ما أمرَ اللهُ به أن يوصل, وأفسدُوا في الأرض.
وإذا كانت عليهم الظَّهَرَةُ، أظهروا الخلالَ الثلاثَ إذا حدّثوا كذَبوا, وإذا وعدوا أخلفوا, وإذا اؤتمنوا خانوا (76) .
القول في تأويل قوله تعالى: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ قال أبو جعفر: والذي رَغب اللهُ في وَصْله وذمّ على قطعه في هذه الآية: الرحم.
وقد بين ذلك في كتابه، فقال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [سورة محمد: 22].
وإنما عَنى بالرّحم، أهل الرّحم الذين جمعتهم وإياه رَحِمُ والدة واحدة.
وقطعُ ذلك: ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجبَ من بِرِّها.
وَوَصْلُها: أداءُ الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجبَ لها, والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها.
" وأن " التي مع " يوصل " في محل خفض، بمعنى رَدِّها على موضع الهاء التي في" به ": فكان معنى الكلام (77) : ويقطعون الذي أمرَ الله بأن يُوصَل.
والهاء التي في" به "، هي كناية عن ذكر " أن يوصل ".
وبما قلنا في تأويل قوله: " ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل "، وأنه الرّحم، كان قتادة يقول: 574- حدثنا بشر بن معاذ, قال حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: " ويقطعون ما أمر الله به أنْ يوصَل "، فقطع والله ما أمر الله به أن يوصل بقطيعة الرحم والقرابة (78) .
وقد تأول بعضهم ذلك: أن الله ذمهم بقطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به وأرحامَهم.
واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية, وأن لا دلالة على أنه معنيٌّ بها بعضُ ما أمر الله وصله دون بعض (79) .
قال أبو جعفر: وهذا مذهبٌ من تأويل الآية غيرُ بعيد من الصواب, ولكن الله جل ثناؤه قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه, فوصفهم بقطع الأرحام.
فهذه نظيرةُ تلك, غير أنها -وإن كانت كذلك- فهي دَالَّةٌ على ذمّ الله كلّ قاطعٍ قطعَ ما أمر الله بوصله، رَحمًا كانتْ أو غيرَها.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ قال أبو جعفر: وفسادُهم في الأرض: هو ما تقدم وَصَفْناه قبلُ من معصيتهم ربَّهم، وكفرهم به, وتكذيبهم رسوله, وجحدهم نبوته, وإنكارهم ما أتاهم به من عند الله أنه حقٌّ من عنده.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) قال أبو جعفر: والخاسرون جمع خاسر (80) ، والخاسرون: الناقصُون أنفسَهم حظوظَها -بمعصيتهم الله- من رحمته, كما يخسرُ الرجل في تجارته، بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه (81) .
فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته.
يقال منه: خَسِرَ الرجل يَخْسَرُ خَسْرًا وخُسْرَانا وخَسَارًا, كما قال جرير بن عطية: إِنَّ سَــلِيطًا فِــي الْخَسَــارِ إِنَّـهُ أَوْلادُ قَــــوْمٍ خُـــلِقُوا أَقِنَّـــهْ (82) يعني بقوله: " في الخسار "، أي فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم.
وقد قيل: إن معنى " أولئك هم الخاسرون ": أولئك هم الهالكون.
وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية، بحرمان الله إياه ما حرَمه من رحمته، بمعصيته إياه وكفره به.
فحمل تأويلَ الكلام على معناه، دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها, فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه.
وقال بعضهم في ذلك بما: 575- حُدِّثت به عن المنجاب, قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس, قال: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل " خاسر ", فإنما يعني به الكفر, وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب.
-------------- الهوامش : (66) في المطبوعة : "عن الناس" ، و"الناس" منصوب ، مفعول ثان ، للمصدر"كتمانهم" .
والفعل"كتم" يتعدى إلى مفعول ومفعولين ، تقول : كتمت فلانًا سرى ، وكتمت عن فلان سرى ، وهما سواء .
(67) سياق العبارة : "ومعنى جميع المنافقين ، بما وافق منها صفة المنافقين" وعبارة الطبري أعرب .
(68) في المطبوعة : "من ابتداء الآيات" ، وكأنه تغيير من المصححين .
(69) في المطبوعة"عن خلق آدم وأبنائه في قوله" ، وهو خطأ محض .
وقوله"وبيانه" ، مجرور معطوف على قوله : "وفي الآية التي بعد الخبر .
.
" أي ، "وفي بيانه في قوله : .
.
" .
(70) قوله : "وخطابه" مجرور معطوف على قوله : "وفي الآية .
.
" و"وبيانه .
.
" كما أسلفنا في التعليق قبله .
وفي المطبوعة : "في ذلك خاصة" .
ولست بشيء .
(71) هكذا في الأصول ، ولعل الأجود أن يقول : وترك كتمان ذلك عنهم .
(72) في المطبوعة : "منه" مكان"فيه" .
(73) في المطبوعة والمخطوطة"بما عهد إليه" ، وهو خطأ بين .
(74) الأثر : 572- في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 .
وقوله"من ثمرة قلبه" ، أي خالص قلبه ، مأخوذ من ثمرة الشجرة ، لأنها خلاصتها وأطيب ما فيها .
وفي حديث المبايعة : "فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه" ، أي خالص عهده وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، في المسند : 6501 ، 6503 ، 6793 .
ويقال : خصني فلان بثمرة قلبه : أي خالص مودته .
(75) الظهرة (بثلاث فتحات) : الكثرة ، وأراد بها ظهور الأمر والغلبة .
ولو أسكنت الهاء ، كان صوابًا ، من قولهم : ظهرت على فلان : إذا علوته وغلبته .
(76) الأثر : 573- في ابن كثير 1 : 120 - 121 عن أبي العالية ، ثم قال : "وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا" .
هذا ، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ، والشوكاني خبرًا خرجوه عن ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال : "الحرورية هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، قال : إياكم ونقض هذا الميثاق .
وكان يسميهم : الفاسقين" الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 .
أما ابن كثير فقد رواه في تفسيره 1 : 119 نقلا عن ابن أبي حاتم؛ بإسناده ، ولم ينسبه إلى الطبري .
وأخشى أن يكون وهمًا من السيوطي والشوكاني .
(77) في المطبوعة : "وكان معنى الكلام" بالواو .
(78) الأثر : 574- في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 46 مختصرًا ، ونصه هناك : "ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، قال : الرحم والقرابة" .
(79) في المخطوطة : "واستشهد على ذلك عموم ظاهر الآية ، ولا دلالة .
.
" .
(80) في المطبوعة : "جمع الخاسر" ، وليست بشيء .
(81) وضع في البيع يوضع (مبني للمجهول) وضيعة : إذا خسر خسارة من رأس المال .
(82) ديوانه : 598 ، والنقائض : 4 ، واللسان (قنن) ، وروايته : "أبناء قوم" .
وسليط : بطن من بني يربوع قوم جرير ، واسم سليط : كعب بن الحارث بن يربوع .
وكان غسان ابن ذهيل السليطي هجا بني الخطفي ، فهجاه جرير بهذا الرجز .
وأقنة جمع قن (بكسر القاف) ، والقن : العبد الذي ملك هو وأبواه .
والأنثى ، قن أيضًا بغير هاء .
قوله تعالى : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرونفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذين في موضع نصب على النعت للفاسقين ، وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف ، أي هم الذين .
وقد تقدم .الثانية : قوله تعالى : ينقضون النقض : إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد .
والنقاضة ما نقض من حبل الشعر .
والمناقضة في القول : أن تتكلم بما تناقض معناه .
والنقيضة في الشعر : ما ينقض به .
والنقض : المنقوض .
واختلف الناس في تعيين هذا العهد ، فقيل : هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره .
وقيل : هو وصية الله تعالى [ ص: 235 ] إلى خلقه ، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله ، ونقضهم ذلك ترك العمل به .
وقيل : بل نصب الأدلة على وحدانيته بالسماوات والأرض وسائر الصنعة - هو بمنزلة العهد ، ونقضهم ترك النظر في ذلك .
وقيل : هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره .
فالآية على هذا في أهل الكتاب .
قال أبو إسحاق الزجاج : عهده جل وعز ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم .
ودليل ذلك : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين إلى قوله تعالى : وأخذتم على ذلكم إصري أي عهدي .
قلت : وظاهر ما قبل وما بعد يدل على أنها في الكفار .
فهذه خمسة أقوال ، والقول الثاني يجمعها .الثالثة : قوله تعالى : من بعد ميثاقه الميثاق : العهد المؤكد باليمين ، مفعال من الوثاقة والمعاهدة ، وهي الشدة في العقد والربط ونحوه .
والجمع المواثيق على الأصل ; لأن أصل ميثاق موثاق ، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها - والمياثق والمياثيق أيضا ، وأنشد ابن الأعرابي :حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا ولا نسأل الأقوام عهد المياثقوالموثق : الميثاق .
والمواثقة : المعاهدة ، ومنه قوله تعالى : وميثاقه الذي واثقكم به .الرابعة : قوله تعالى : ويقطعون القطع معروف ، والمصدر - في الرحم - القطيعة ، يقال : قطع رحمه قطيعة فهو رجل قطع وقطعة ، مثال همزة .
وقطعت الحبل قطعا .
وقطعت النهر قطوعا .
وقطعت الطير قطوعا وقطاعا وقطاعا إذا خرجت من بلد إلى بلد .
وأصاب الناس قطعة : إذا قلت مياههم .
ورجل به قطع : أي انبهار .الخامسة : قوله تعالى : ما أمر الله به أن يوصل ما في موضع نصب ب " يقطعون " .
و " أن " إن شئت كانت بدلا من " ما " ، وإن شئت من الهاء في " به " وهو أحسن .ويجوز أن يكون لئلا يوصل ، أي كراهة أن يوصل .
واختلف ما الشيء الذي أمر بوصله ؟
فقيل : صلة الأرحام .
وقيل : أمر أن يوصل القول بالعمل ، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا .
وقيل : [ ص: 236 ] أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه ، فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم .
وقيل : الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض ، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده .
فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل .
هذا قول الجمهور ، والرحم جزء من هذا .السادسة : قوله تعالى : ويفسدون في الأرض أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون في الأفعال ; إذ هي بحسب شهواتهم ، وهذا غاية الفساد .أولئك هم الخاسرون ابتداء وخبر .
وهم زائدة ، ويجوز أن تكون هم ابتداء ثان ، الخاسرون خبره ، والثاني وخبره خبر الأول كما تقدم .
والخاسر : الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز .
والخسران : النقصان ، كان في ميزان أو غيره ، قال جرير :إن سليطا في الخسار إنه أولاد قوم خلقوا أقنهيعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم .
قال الجوهري : وخسرت الشيء ( بالفتح ) وأخسرته نقصته .
والخسار والخسارة والخيسرى : الضلال والهلاك .
فقيل للهالك : خاسر ; لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة .السابعة : في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره ، لذم الله تعالى من نقض عهده .
وقد قال : أوفوا بالعقود وقد قال لنبيه عليه السلام : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء فنهاه عن الغدر وذلك لا يكون إلا بنقض العهد على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى .
ثم وصف الفاسقين فقال: { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه والذي بينهم وبين عباده الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق.
{ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب; وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق التي أمر الله أن نصلها.
فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا بها أتم القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراء ظهورهم; معتاضين عنها بالفسق والقطيعة; والعمل بالمعاصي; وهو: الإفساد في الأرض.
فـ { فَأُولَئِكَ } أي: من هذه صفته { هُمُ الْخَاسِرُونَ } في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم; لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم; ليس لهم نوع من الربح؛ لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان; فمن لا إيمان له لا عمل له; وهذا الخسار هو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا; وقد يكون معصية; وقد يكون تفريطا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى: { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } فهذا عام لكل مخلوق; إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح; والتواصي بالحق; والتواصي بالصبر; وحقيقة فوات الخير; الذي [كان] العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه.
{الذين ينقضون} يخالفون ويتركون، وأصل النقض الكسر.
{عهد الله} أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله: {ألست بربكم قالوا بلى} [ 173-الأعراف].
وقيل: أراد به العهد الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} [81-آل عمران] الآية.
وقيل: أراد به العهد الذي عهد إليهم في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته.
{من بعد ميثاقه} توكيده.
والميثاق: العهد المؤكد.
{ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} يعنى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل عليهم السلام لأنهم قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، وقال المؤمنون: {لا نفرق بين أحد من رسله..} [285-البقرة] وقيل: أراد به الأرحام.
{ويفسدون في الأرض} بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن.
{أولئك هم الخاسرون} المغبونون.
ثم قال لمشركي العرب على وجه التعجب:
«الذين» نعت «ينقضون عهد الله» ما عهده إليهم في الكتب من الإيمان بمحمد * «من بعد ميثاقه» توكيده عليهم «ويقطعون ما أمر الله به أن يوُصل» من الإيمان بالنبي والرحم وغير ذلك وأن بدل من ضمير به «ويفسدون في الأرض» بالمعاصي والتعويق عن الإيمان «أولئك» الموصوفون بما ذكر «هم الخاسرون» لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.
الذين ينكثون عهد الله الذي أخذه عليهم بالتوحيد والطاعة، وقد أكَّده بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ويخالفون دين الله كقطع الأرحام ونشر الفساد في الأرض، أولئك هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.
ثم وصف الله - تعالى - هؤلاء الفاسقين بثلاث خصال ذميمة فقال : في بيان الخصلة الأولى : ( الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) .والنقض : فى اللغة حقيقة في فسخ وحل ما ركب ووصل ، بفعل يعاكس الفعل الذي كان به التركيب مثل نقض الحبل المفتول وقد استعمل هنا مجازاً في إبطال العهد بقرينة إضافته إلى عهد الله .وعبر عن إبطال العهد بالنقض ، لأنه أبلغ في الدلالة على الإِبطال من القطع والصرم ونحوهما ، لأن فى النقض إفساداً لهيئة الحبل .والعهد : اسم للموثق الذي يلزم مراعاته وحفظه ، يقال : عهد إليه في كذا ، إذا أوصاه به ووثقه عليه .وعهد الله : تارة يكون بما ركز في العقول من الحجة على التوحيد ، وتارة يكون بما أوجبه الله على الناس على لسان رسله - صلوات الله عليهم - وتارة بما يلتزمه المؤمن .
وليس بلازم له في أصل الشرع مما ليس بمعصية كالنذور وما يجري مجراها .والميثاق : التوثقة ، وهي التقوية والتثبيت ، والمراد به : ما قوى الله به عهده .وقوله : ( مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) متعلق بينقضون ، ومن لابتداء الغاية ، وميثاقه الضمير فيه يجوز أن يعود على العهد ، وأن يعود على اسم الله - فهو على الأولى مصدر مضاف إلى المفعول ، وعلى الثاني مضاف للفاعل .أما الصفة الثانية التي وصفهم الله بها فهى قوله : ( وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ) وهو عام في كل قطيعة لا يرضاها الله ، كقطع الرحم ، والإِعراض عن موالاة المؤمنين ، وترك الجماعات المفروضة ، وعدم وصل الأقوال الطيبة بالأعمال الصالحة ، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر .وأما الصفة الثانية التي وصفهم بها فهي قوله - تعالى - :( وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض ) .والفساد في الأرض يقع بعبادة غير الله ، وبالدعاية إلى الكفر به ، وبالاستهزاء بالحق ، وبالاعتداء على حقوق الغير ، وبغير ذلك من الأمور التي حرمها الله - تعالى - .وعبر بقوله ( فِي الأرض ) للإِشعار بأن فسادهم لا يقتصر عليهم ، وإنما هو يتعداهم إلى غيرهم .ثم بين - سبحانه - بعد أن دمغهم بتلك الصفات المرذولة - عاقبة أمرهم فقال : ( أولئك هُمُ الخاسرون ) .الخاسرون : جمع خاسر مأخوذ من الخسر والخسران وهو النقص ، ومن نقض عهد الله ، وقطع ما أمر الله بوصله ، وأفسد في الأرض ، لا شك أنه قد نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز ، وكانت عاقبته الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة .قال ابن جرير : " والخاسرون جمع خاسر ، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم من رحمة الله بسسبب معصيتهم له ، كما يخسر الرجل فى تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه ، وكذلك المنافق والكافر قد خسرا بحرمان الله لهما من رحمته التي خلقها لعباده .
.
.
"وبعد أن عدد القرآن مساوئ أولئك الضالين ، وبين سوء مصيرهم ، ومآلهم ، وجه إليهم الإِنكار والتوبيخ فخاطبهم بقوله :( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ .
.
.
)
اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزاً أورد هاهنا شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلاً عن كونه معجزاً، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها ثم في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: عن ابن عباس أنه لما نزل: ﴿ يأَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ ﴾ فطعن في أصنامهم ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما فنزلت هذه الآية.
والقول الثاني: أن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق في قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً ﴾ والقول الثالث: أن هذا الطعن كان من المشركين قال القفال: الكل محتمل هاهنا، أما اليهود فلأنه قيل في آخر الآية: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه ﴾ وهذا صفة اليهود، لأن الخطاب بالوفاء وبالعهد فيما بعد إنما هو لبني إسرائيل وأما الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة المدثر ﴿ وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ الآية فأما الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين لأن السورة مكية فقد جمع الفريقان هاهنا.
إذا ثبت هذا فنقول: احتمال الكل هاهنا قائم لأن الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر اليهود، وذكر المنافقين، وذكر المشركين.
وكلهم من الذين كفروا ثم قال القفال: وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب لأن معناه في نفسه مفيد.
المسألة الثانية: اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء.
جعل الحيي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء، وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن، وذلك لا يعقل إلا في حق الجسم، ولكنه وارد في الأحاديث.
روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً».
وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان: الأول: وهو القانون في أمثال هذه الأشياء؛ أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضب له، علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب، بل المراد تلك النهاية وهو أنزل العقاب، فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب.
الثاني: يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت، فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال، وهذا فن بديع من الكلام، ثم قال القاضي ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتاً فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضاً عليه، وإنما يقال إنه لا يوصف به فأما أن يقال لا يستحي ويطلق عليه ذلك فمحال، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره الله تعالى من كتابه في قوله: ﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ وقوله: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ فهو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة وكذلك قوله: ﴿ مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ ﴾ وكذلك قولك: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائزاً أن يطلق في المخاطبة فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال، ولقائل أن يقول: لا شك في أن هذه الصفات منفية عن الله سبحانه فكان الإخبار عن انتفائها صدقاً فوجب أن يجوز.
بقي أن يقال إن الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها عليه فنقول: هذه الدلالة ممنوعة وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر لا يدل على ثبوت غيره بل لو قرن باللفظ ما يدل على انتفاء الصحة أيضاً كان ذلك أحسن من حيث أنه يكون مبالغة في البيان وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً.
المسألة الثالثة: اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ويدل عليه وجوه: أحدها: إطباق العرب والعجم على ذلك أما العرب فذلك مشهور عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذرة: أجمع من ذرة، وأضبط من ذرة، وأخفى من الذرة وفي التمثيل بالذباب: أجرأ من الذباب، وأخطأ من الذباب، وأطيش من الذباب، وأشبه من الذباب بالذباب، وألح من الذباب.
وفي التمثيل بالقراد، أسمع من قراد، وأصغر من قراد.
وأعلق من قراد.
وأغم من قراد، وأدب من قراد، وقالوا في الجراد: أطير من جرادة، وأحطم من جرادة، وأفسد من جرادة.
وأصفى من لعاب الجراد، وفي الفراشة: أضعف من فراشة، وأطيش من فراشة، وأجهل من فراشة، وفي البعوضة.
أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوضة، وكلفني مخ البعوضة، في مثل تكليف ما لا يطاق: وأما العجم فيدل عليه كتاب كليلة ودمنة وأمثاله، وفي بعضها: قالت البعوضة، وقد وقعت على نخلة عالية وأرادت أن تطير عنها؛ يا هذه استمسكي فإني أريد أن أطير، فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك فكيف أشعر بطيرانك.
وثانيها: أنه ضرب الأمثال في إنجيل عيسى عليه السلام بالأشياء المستحقرة، قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع وأثمر العشب غلب عليه الزوان، فقال عبيد الزراع؛ يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟
قال: بلى، قالوا: فمن أين هذا الزوان؟
قال: لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان فتقلعوا معه الحنطة فدعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزماً ثم يحرقوه بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن.
وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة هو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذي يعملون بطاعة الله تعالى، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان هو المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار كذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين، وجميع عمّال الأثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنا لك البكاء، وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع، وأضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء: لو أن رجلاً أخذ حبة من خردل وهي أصغر الحبوب وزرعها في قريته، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول وجاء طير من السماء فعشش في فروعها فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره، ونجى من اقتدى به، وقال: لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، وكذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الرياح، وقال لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص ولكن ادخروا ذخائركم عند الله وقال: نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يزرعن ولا يحصدن ومنهن من هو في جوف الحجر الأصم أو في جوف العود، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله؟
أفلا تعقلون، وقال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم ولا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم، فظهر أن الله تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة وأما العقل فلأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبه فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل وأيضاً فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبيناً مكشوفاً، وإن كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يراد منه إلا الإيضاح والبيان، أما قولهم: ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى، قلنا هذا جهل، لأنه تعالى هو الذي خلق الصغير والكبير وحكمه في كل ما خلق وبرأ عام لأنه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخف عليه من الكبير والعظيم أصعب من الصغير، وإذا كان الكل بمنزلة واحدة لم يكن الكبير أولى أن يضربه مثلاً لعباده من الصغير بل المعتبر فيه ما يليق بالقصة، فإذا كان الأليق بها الذباب والعنكبوت يضرب المثل بهما لا بالفيل والجمل، فإذا أراد تعالى أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدولهم عن عبادة الرحمن صلح أن يضرب المثل بالذباب، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل لبيت العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن وأضعف من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح.
المسألة الرابعة: قال الأصم: ما في قوله مثلاً ماصلة زائدة كقوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله ﴾ وقال أبو مسلم معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ولغو والأصح قول أبي مسلم لأن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبياناً وكونه لغواً ينافي ذلك، وفي بعوضة قراءتان: إحداهما: النصب وفي لفظة ما على هذه القراءة وجهان: الأول: أنها مبنية وهي التي إذا قرنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شيوعاً وبعداً عن الخصوصية.
بيانه أن الرجل إذا قال لصاحبه أعطني كتاباً أنظر فيه فأعطاه بعض الكتب صح له أن يقول أردت كتاباً آخر ولم أرد هذا ولو قاله مع ما لم يصح له ذلك لأن تقدير الكلام أعطني كتاباً أي كتاب كان.
الثاني: أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة، أما على قراءة الرفع ففيها وجهان: الأول: أنها موصولة صلتها الجملة لأن التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ .
الثاني: أن تكون استفهامية فإنه لما قال: ﴿ إِنَّ للَّهِ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً ﴾ كأنه قال بعده ما بعوضة فما فوقها حتى يضرب المثل به، بل له أن يمثل بما هو أقل من ذلك كثيراً كما يقال فلان لا يبالي بما وهب، ما دينار وديناران، أي يهب ما هو أكثر من ذلك بكثير.
المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: ضرب المثل اعتماده وتكوينه من ضرب اللبن وضرب الخاتم.
المسألة السادسة: انتصب بعوضة بأنه عطف بيان لمثلاً أو مفعول ليضرب ومثلاً حال من النكرة مقدم عليه أو ثاني مفعولين ليضرب مضمناً معنى يجعل، وهذا إذا كانت ما صلة أو إبهامية، فإن كانت مفسرة ببعوضة فهي تابعة لما هي تفسير له، والمفسر والمفسر معاً لمجموعهما عطف بيان أو مفعو <div class="verse-tafsir"
سيقت هذه الآية لبيان أنَّ ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقّرات من الأشياء مضروباً بها المثل، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من قبل أنّ التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهّم من المشاهد.
فإن كان المتمثل له عظيمًا كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك.
فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذاً إلاَّ أمراً تستدعيه حال المتمثل له وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية.
ألا ترى إلى الحق لما كان واضحاً جلياً أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور؟
وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟
ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله تعالى لا حال أحقر منها وأقلّ، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن، وجعلت أقلّ من الذباب وأخس قدراً، وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا لم يستنكر ولم يستبدع، ولم يقل للمتمثل: استحى من تمثيلها بالبعوضة، لأنه مصيب في تمثيله، محق في قوله.
سائق للمثل على قضية مضربه، محتذ على مثال ما يحتكمه ويستدعيه، ولبيان أنّ المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والعمل على العدل والتسوية والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمرّ الشبهة بساحته، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله.
وأن الكفّار الذين غلبهم الجهل على عقولهم، وغصبهم على بصائرهم فلا يتفطنون ولا يلقون أذهانهم، أوعرفوا أنه الحق إلا أنّ حبّ الرّياسة وهوى الألف والعادة لا يخليهم أن ينصفوا، فإذا سمعوه عاندوا وكابروا وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار، وأن ذلك سبب زيادة هدى المؤمنين وانهماك الفاسقين في غيّهم وضلالهم.
والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثّلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: أجمع من ذرّة، وأجرأ من الذباب، وأسمع من قراد.
وأصرد من جرادة، وأضغف من فراشة.
وآكل من السوس.
وقالوا في البعوضة: أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوض وكلفتني مخ البعوض.
ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة، كالزوان والنخالة وحبة الخردل، والحصاة، والأرضة، والدود، والزنابير.
والتمثيل بهذه الأشياء وبأحقر منها مما لا تغني استقامته وصحته على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا إقناع، أن يرمي لفرط الحيرة والعجز عن إعمال الحيلة بدفع الواضح وإنكار المستقيم والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معوّلاً.
وعن الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله.
فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم.
واشتقاقه من الحياة.
يقال: حيي الرجل، كما يقال: نسي وحشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعتريه من الانكسار والتغير، منتكس القوّة منتقص الحياة، كما قالوا: هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدّة الحياء.
وذاب حياء، وجمد في مكانه خجلاً.
فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم، وذلك في حديث سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً» قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفراً من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه.
وكذلك معنى قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ ﴾ أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها.
ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال.
وهو فنّ من كلامهم بديع، وطراز عجيب، منه قول أبي تمام: مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّها ** أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ وشهد رجل عند شريح.
فقال: إنك لسبط الشهادة.
فقال الرجل: إنها لم تجعد عني.
فقال: لله بلادك، وقبل شهادته.
فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة.
ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار.
وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها.
ولله درّ أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها، لا تكاد تستغرب منها فناً إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسدّ مدارجه.
وقد استعير الحياء فيما لا يصحّ فيه: إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ ** كرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ وقرأ ابن كثير في رواية شبل: ﴿ يستحي ﴾ بياء واحدة.
وفيه لغتان: التعدّي بالجارّ والتعدي بنفسه.
يقولون: استحييت منه واستحييته، وهما محتملتان هاهنا.
وضرب المثل: اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم.
وفي الحديث: «اضطرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب» و ﴿ مَّا ﴾ هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شياعاً وعموماً، كقولك: أعطني كتاباً مّا، تريد أيّ كتاب كان.
أو صلة للتأكيد، كالتي في قوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ [النساء: 155] كأنه قيل: لا يستحيي أن يضرب مثلاً حقاً أو البتة، هذا إذا نصبت ﴿ بَعُوضَةً ﴾ فإن رفعتها فهي موصولة، صلتها الجملة؛ لأن التقدير: هو بعوضة، فحذف صدر الجملة كما حذف في ﴿ تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ ﴾ [الأنعام: 154] ووجه آخر حسن جميل، وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمحقرات قال: إنّ الله لا يستحيي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقّرة مثلاً، بله البعوضة فما فوقها، كما يقال فلان لا يبالي بما وهب ما دينار وديناران.
والمعنى: أن لله أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ وبما لا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده بلطفه، أو بالمعدوم، كما تقول العرب: فلان أقل من لا شيء في العدد.
ولقد ألم به قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْء ﴾ [العنكبوت: 42] وهذه القراءة تعزى إلى رؤبة بن العجاج، وهو أمضغ العرب للشيح والقيصوم والمشهود له بالفصاحة.
وكانوا يشبّهون به الحسن، وما أظنه ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه، وهو المطابق لفصاحته.
وانتصب ﴿ بَعُوضَةً ﴾ بأنها عطف بيان لمثلا.
أو مفعول ليضرب، و ﴿ مَثَلاً ﴾ حال عن النكرة مقدمة عليه.
أو انتصبا مفعولين فجرى (ضرب) مجرى (جعل).
واشتقاق البعوض من البعض وهو كالقطع كالبضع والعضب.
يقال: بعضه البعوض.
وأنشد: لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبي دِثارٍ ** إذَا مَا خافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضَا ومنه: بعض الشيء لأنه قطعة منه.
والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت، وكذلك الخموش ﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾ فيه معنيان: أحدهما: فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلاً، وهو القلّة والحقارة، نحو قولك لمن يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم: هو فوق ذاك، تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة.
والثاني: فما زاد عليها في الحجم، كأنه قصد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، لأنهما أكبر من البعوضة.
كما تقول لصاحبك وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء فقال: فلان بخل بالدرهم والدرهمين،: هو لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان كأنك قلت: فضلاً عن الدرهم والدرهمين.
ونحوه في الاحتمالين ما سمعناه في صحيح مسلم عن إبراهيم عن الأسود قال: دخل شباب من قريش على عائشة رضي الله عنها وهي بمنى وهم يضحكون.
فقالت: ما يضحككم؟
قالوا: فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب.
فقالت: لا تضحكوا.
إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة» يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة» وهي عضتها.
ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط.
فإن قلت: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟
قلت: ليس كذلك، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن جناحها، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحادّ إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحتَ لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر ﴿ سبحان الذى خَلَق الازواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [يس: 36] وأنشدت لبعضهم: يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها ** في ظُلْمَة اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ وَيَرى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحرِها ** والمُخَّ في تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ اغْفِرْ لِعَبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِه ** ما كانَ مِنْهُ في الزَّمانِ الاوَّلِ ﴿ وَأَمَّا ﴾ حرف فيه معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء.
وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد.
تقول: زيد ذاهب.
فإذا قصدت توكيد ذاك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أمّا زيد فذاهب.
ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب: وهذا التفسير مدل لفائدتين: بيان كونه توكيداً، وأنه في معنى الشرط.
ففي إيراد الجملتين مصدّرتين به وإن لم يقل: فالذين آمنوا يعلمون، والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين، واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء.
و ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره.
يقال: حقّ الأمر، إذا ثبت ووجب.
وحقّت كلمة ربك، وثوب محقق: محكم النسج: و ﴿ مَاذَآ ﴾ فيه وجهان: أن يكون ذا اسماً موصولاً بمعنى الذي، فيكون كلمتين.
وأن يكون (ذا) مركبة مع (ما) مجعولتين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته.
وعلى الثاني منصوب المحل في حكم ﴿ مَّا ﴾ مجعولتين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته.
وعلى الثاني منصوب المحل في حكم ﴿ مَّا ﴾ وحده لو قلت: ما أراد الله.
والأصوب في جوابه أن يجيء على الأوّل مرفوعاً، وعلى الثاني منصوباً، ليطابق الجواب السؤال.
وقد جوّزوا عكس ذلك تقول في جواب من قال: ما رأيت؟
خير، أي المرئي خير.
وفي جواب ما الذي رأيت؟
خيراً، أي رأيت خيراً.
وقرئ قوله تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ العفو ﴾ [البقرة: 219] بالرفع والنصب على التقديرين.
والإرادة نقيض الكراهة، وهي مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك.
وفي حدود المتكلمين: الإرادة معنى يوجب للحيّ حالاً لأجلها يقع منه الفعل على وجه دون وجه.
وقد اختلفوا في إرادة الله، فبعضهم على أنّ للباري مثل صفة المريد منا التي هي القصد، وهو أمر زائد على كونه عالماً غير ساه.
وبعضهم على أن معنى إرادته لأفعاله هو أنه فعلها وهو غير ساه ولا مكره.
ومعنى إرادته لأفعال غيره أنه أمر بها.
والضمير في ﴿ أَنَّهُ الحق ﴾ للمثل، أو لأن يضرب.
وفي قولهم: ﴿ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ﴾ استرذال واستحقار كما قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله بن عمرو بن العاص: يا عجباً لابن عمرو هذا؟
﴿ مَثَلاً ﴾ نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث: ماذا أردت بهذا جواباً.
ولمن حمل سلاحاً ردياً: كيف تنتفع بهذا سلاحاً؟
أو على الحال، كقوله: ﴿ هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً ﴾ [الأعراف: 73] .
وقوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدّرتين بأما، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأنّ العلم بكونه حقاً من باب الهدى الذي ازداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم، وأنّ الجهل بحسن مورده من باب الضلالة التي زادت الجهلة خبطاً في ظلماتهم.
فإن قلت: لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم، ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور ﴾ [سبأ: 13] ، ﴿ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾ [ص: 24] .
«الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» ، (وجدت الناس أخبر تقله)؟
قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال.
وأيضاً فإنّ القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلّوا في الصورة، فسمّوا ذهاباً إلى الحقيقة كثيراً: إنَّ الكِرَام كثيرٌ في البِلادِ وإن ** قَلُّوا كَمَ غَيْرُهُمْ قَلٌّ وإنّ كَثُروا وإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب: لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم وهداهم.
وعن مالك بن دينار رحمه الله أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيد، فقال: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من القيود؟
فرفع مالك رأسه فرأى سلّة.
فقال: لمن هذه السلّة؟
فقال: لي، فأمر بها تنزل، فإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك: هذه وضعت القيود على رجلك.
وقرأ زيد بن علي: (يُضَلُّ بِهِ كَثِيرٌ) وكذلك: (وَمَا يُضَلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقون).
والفسق: الخروج عن القصد.
قال رؤبة: فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِها جَوَائرَا والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلة المؤمن والكافر، وقالوا: إن أوّل من حدّ له هذا الحدّ أبو حذيفة واصل بن عطاء رضي الله عنه وعن أشياعه.
وكونه بين بين: أنّ حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
وهو كالكافر في الذمّ واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته، وأن لا تقبل له شهادة.
ومذهب مالك بن أنس والزيدية: أنّ الصلاة لا تجزئ خلفه.
ويقال للخلفاء المردة من الكفار: الفسقة.
وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله.
﴿ بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الايمان ﴾ [الحجرات: 11] .
يريد اللمز والتنابز ﴿ إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون ﴾ [التوبة: 67] .
النقض: الفسخ وفك التركيب.
فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟
قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين.
ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة: يا رسول الله، إنّ بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها.
فنخشى إن اللهُ عز وجل أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينّبهوا بتلك الرمزة على مكانه.
ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، وإذا تزوّجت امرأة فاستوثرها.
لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش.
والعهد: الموثق.
وعهد إليه في كذا: إذا وصاه به ووثقه عليه.
واستعهد منه: إذا اشترط عليه واستوثق منه: والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله: أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار جميعًا.
فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟
قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى ﴾ [الأعراف: 112] أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذابُعِثَ إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه، ولم يكتموا ذكره فيما تقدمه من الكتب المنزلة عليهم، كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ [البقرة: 40] .
وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه: (سأنزل عليك كتاباً فيه نبأ بني إسرائيل، وما أريته أياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم) وحسن صنعه للذين قاموا بمثياق الله تعالى وأوفوا بعهده، ونصره إياهم، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده، لأنّ اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد صلى الله عليه وسلم من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقيلا هو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يبغي بعضهم على بعض، ولا يقطعوا أرحامهم.
وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأوّل الذي أخذه على جميع ذرية آدم، الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى: ﴿ وإذ أخذ ربك ﴾ [الأعراف: 172] ، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ ﴾ [الأحزاب: 7] ، وعهد خصّ به العلماء وهو قوله: ﴿ وَإِذ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه ﴾ [آل عمران: 187] .
والضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم.
ويجوز أن يكون بمعنى توثقته، كما أنّ الميعاد والميلاد، بمعنى الوعد والولادة.
ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، أي من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار رسله.
ومعنى قطعهم ما أمر الله به أو يوصل: قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، وقيل: قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض.
فإن قلت: ما الأمر؟
قلت: طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه.
وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور؛ لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر، تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له شأن.
والشأن: الطلب والقصد.
يقال: شأنت شأنه، أي قصدت قصده ﴿ هُمُ الخاسرون ﴾ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِلْفاسِقِينَ لِلذَّمِّ وتَقْرِيرِ الفِسْقِ.
والنَّقْضُ: فَسْخُ التَّرْكِيبِ، وأصْلُهُ في طاقاتِ الحَبْلِ، واسْتِعْمالُهُ في إبْطالِ العَهْدِ مِن حَيْثُ إنَّ العَهْدَ يُسْتَعارُ لَهُ الحَبْلُ لِما فِيهِ مِن رَبْطِ أحَدِ المُتَعاهِدَيْنِ بِالآخَرِ، فَإنْ أُطْلِقَ مَعَ لَفْظِ الحَبْلِ كانَ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، وإنْ ذُكِرَ مَعَ العَهْدِ كانَ رَمْزًا إلى ما هو مِن رَوادِفِهِ وهو أنَّ العَهْدَ حَبْلٌ في ثَباتِ الوَصْلَةِ بَيْنَ المُتَعاهِدَيْنِ كَقَوْلِكَ شُجاعٌ يَفْتَرِسُ أقْرانَهُ وعالِمٌ يَفْتَرِقُ مِنهُ النّاسُ فَإنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أسَدٌ في شَجاعَتِهِ بَحْرٌ بِالنَّظَرِ إلى إفادَتِهِ.
والعَهْدُ: المُوَثَّقُ ووَضْعُهُ لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُراعِيَ ويَتَعَهَّدَ كالوَصِيَّةِ واليَمِينِ، ويُقالُ لِلدّارِ، مِن حَيْثُ إنَّها تُراعى بِالرُّجُوعِ إلَيْها.
والتّارِيخُ لِأنَّهُ يَحْفَظُ، وهَذا العَهْدُ: إمّا العَهْدُ المَأْخُوذُ بِالعَقْلِ، وهو الحُجَّةُ القائِمَةُ عَلى عِبادِهِ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِهِ ووُجُوبِ وجُودِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ، وعَلَيْهِ أوَّلَ قَوْلِهِ تَعالى: وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ.
أوِ: المَأْخُوذُ بِالرُّسُلِ عَلى الأُمَمِ، بِأنَّهم إذا بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ بِالمُعْجِزاتِ صَدَّقُوهُ واتَّبَعُوهُ، ولَمْ يَكْتُمُوا أمْرَهُ ولَمْ يُخالِفُوا حُكْمَهُ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ ونَظائِرَهُ.
وقِيلَ: عُهُودُ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةٌ: عَهْدٌ أخَذَهُ عَلى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِأنْ يُقِرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، وعَهْدٌ أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ بِأنْ يُقِيمُوا الدِّينَ ولا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ، وعَهْدٌ أخَذَهُ عَلى العُلَماءِ بِأنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ ولا يَكْتُمُوهُ.
﴿ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْعَهْدِ والمِيثاقِ: اسْمٌ لَمّا يَقَعُ بِهِ الوَثاقَةُ وهي الِاسْتِحْكامُ، والمُرادُ بِهِ ما وثَّقَ اللَّهُ بِهِ عَهْدَهُ مِنَ الآياتِ والكُتُبِ، أوْ ما وثَّقُوهُ بِهِ مِنَ الِالتِزامِ والقَبُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ.
و (مِن) لِلِابْتِداءِ فَإنَّ ابْتِداءَ النَّقْضِ بَعْدَ المِيثاقِ.
وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ يَحْتَمِلُ كُلَّ قَطِيعَةٍ لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى، كَقَطْعِ الرَّحِمِ، والإعْراضِ عَنْ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، والتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والكُتُبِ في التَّصْدِيقِ، وتَرْكِ الجَماعاتِ المَفْرُوضَةِ، وسائِرِ ما فِيهِ رَفْضُ خَيْرٍ.
أوْ تَعاطِي شَرٍّ فَإنَّهُ يَقْطَعُ الوَصْلَةَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ المَقْصُودَةَ بِالذّاتِ مِن كُلِّ وصْلٍ وفَصْلٍ، والأمْرُ هو لِلْقَوْلِ الطّالِبِ لِلْفِعْلِ، وقِيلَ: مَعَ العُلُوِّ، وقِيلَ: مَعَ الِاسْتِعْلاءِ، وبِهِ سُمِّيَ الأمْرُ الَّذِي هو واحِدُ الأُمُورِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ، فَإنَّهُ مِمّا يُؤْمَرُ بِهِ كَما قِيلَ: لَهُ شَأْنٌ وهو الطَّلَبُ والقَصْدُ يُقالُ: شَأنْتُ شَأْنَهُ، إذا قَصَدْتَ قَصْدَهُ.
و ﴿ أنْ يُوصَلَ ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والخَفْضَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما، أوْ ضَمِيرُهُ.
والثّانِي أحْسَنُ لَفْظًا ومَعْنًى.
وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ بِالمَنعِ عَنِ الإيمانِ والِاسْتِهْزاءِ بِالحَقِّ، وقَطَعَ الوَصْلَ الَّتِي بِها نِظامُ العالَمِ وصَلاحُهُ.
﴿ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا بِإهْمالِ العَقْلِ عَنِ النَّظَرِ واقْتِناصِ ما يُفِيدُهُمُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ، واسْتِبْدالِ الإنْكارِ والطَّعْنِ في الآياتِ بِالإيمانِ بِها، والنَّظَرِ في حَقائِقِها والِاقْتِباسِ مِن أنْوارِها، واشْتِراءِ النَّقْضِ بِالوَفاءِ، والفَسادِ بِالصَّلاحِ، والعِقابِ بِالثَّوابِ.
<div class="verse-tafsir"
{الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله} النقض الفسخ وفك التركيب والعهد الموثق والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله أحبار اليهود المتعنتون أو منافقوهم أو الكفار جميعاً وعهد الله ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه ولم يكتموا ذكره أو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم ولا يبغي بعضهم على بعض ولا يقطعوا أرحامهم وقيل عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم عليه السلام بأن يقروا بربوبيته وهو قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ ربك من بني آدم} الآية وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين وهو قوله تعالى {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} وعهد خص به العلماء وهو قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} {مِن بَعْدِ ميثاقه} أصله من الوثاقة وهي إحكام الشئ والضمير للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم ويجوز أن يكون بمعنى ثوثقته كما أن الميعاد بمعنى الوعد أو الله تعالى أى من بعد توثقته عليهم ومن لا بتداء الغاية {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ} هو قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين أو قطعهم ما بين الانيباء من الوصلة والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض والأمر طلب الفعل بقول مخصوص على سبيل الاستعلاء وما نكرة موصوفة أو بمعنى الذى وأن يوصل في موضع جر بدل من الهاء أى نوصله أو في موضع رفع أي هو أن يوصل {وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض} بقطع السبيل والتعويق عن الإيمان {أولئك} مبتدأ {هُمْ} فصل والخبر {الخاسرون} أى المغبونون حيث
البقرة (٢٨ _ ٢٩)
استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح والعقاب بالثواب
﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والرَّفْعَ، والأوَّلُ إمّا عَلى الإتْباعِ أوِ القَطْعِ، أيْ أذُمُّ، والثّانِي إمّا عَلى الثّانِي مِنِ احْتِمالَيِ الأوَّلِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ جُمْلَةُ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ الجُمْلَةُ كَأنَّها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، لا تَعَلُّقَ لَها إلّا عَلى بُعْدٍ، والنَّقْصُ فَسْخُ التَّرْكِيبِ، وأصْلُهُ يَكُونُ في الحَبْلِ، ونَقِيضُهُ الإبْرامُ، وفي الحائِطِ ونَحْوِهِ، ونَقِيضُهُ البِناءُ، وشاعَ اسْتِعْمالُ النَّقْضِ في إبْطالِ العَهْدِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن حَيْثُ تَسْمِيَتُهُمُ العَهْدَ بِالحَبْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِما فِيهِ مِن ثَباتِ الوَصْلَةِ بَيْنَ المُتَعاهِدَيْنِ، وهَذا مِن أسْرارِ البَلاغَةِ ولَطائِفِها، أنْ يَسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ المُسْتَعارِ، ثُمَّ يُرْمَزُ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن رَوادِفِهِ، فَيُنَبِّهُوا بِتِلْكَ الرَّمْزَةِ عَلى مَكانِهِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: عالِمٌ يَغْتَرِفُ مِنهُ النّاسُ، وشُجاعٌ يَفْتَرِسُ أقْرانَهُ.
والحاصِلُ أنَّ في الآيَةِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ، والنَّقْضُ اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ إبْطالَ العَهْدِ بِإبْطالِ تَأْلِيفِ الجِسْمِ، وأطْلَقَ اسْمَ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، لَكِنَّها إنَّما جازَتْ وحَسُنَتْ بَعْدَ اعْتِبارِ تَشْبِيهِ العَهْدِ بِالحَبْلِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ صارَتْ قَرِينَةً عَلى اسْتِعارَةِ الحَبْلِ لِلْعَهْدِ، ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ الِاسْتِعارَةَ المَكْنِيَّةَ قَدْ تُوجَدُ بِدُونِ التَّخْيِيلِيَّةِ، وأنَّ قَرِينَتَها قَدْ تَكُونُ تَحْقِيقِيَّةً، وتَحْقِيقُ البَحْثِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ، والعَهْدُ المَوْثِقُ، وعَهِدَ إلَيْهِ في كَذا، إذا أوْصاهُ، ووَثَّقَهُ عَلَيْهِ، واسْتَعْهَدَ مِنهُ إذا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ، واسْتَوْثَقَ مِنهُ، والمُرادُ بِالعَهْدِ ها هُنا إمّا العَهْدُ المَأْخُوذُ بِالعَقْلِ، وهو الحُجَّةُ القائِمَةُ عَلى عِبادِهِ تَعالى الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدَتِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، وفي نَقْضِها لَهم ما لا يَخْفى مِنَ الذَّمِّ، لِأنَّهم نَقَضُوا ما أبْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي كَرَّرَها عَلَيْهِمْ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وبَعَثَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْزَلَ الكُتُبَ مُؤَكِّدًا لَها، والنّاقِضُونَ عَلى هَذا جَمِيعُ الكُفّارِ، وأمّا المَأْخُوذُ مِن جِهَةِ الرُّسُلِ عَلى الأُمَمِ بِأنَّهم إذا بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ بِالمُعْجِزاتِ صَدَّقُوهُ، واتَّبَعُوهُ، ولَمْ يَكْتُمُوا أمْرَهُ، وذِكْرُهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ولَمْ يُخالِفُوا حُكْمَهُ، والنّاقِضُونَ حِينَئِذٍ أهْلُ الكِتابِ والمُنافِقُونَ مِنهُمْ، حَيْثُ نَبَذُوا كُلَّ ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وبَدَّلُوا تَبْدِيلًا، والنَّقْضُ عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضِهِمْ أشْنَعُ مِنهُ عَلى الأوَّلِ، وعَكَسَ بَعْضٌ، ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وقِيلَ: الأمانَةُ الَّتِي حَمَلَها الإنْسانُ بَعْدَ إباءِ السَّماواتِ والأرْضِ، عَنْ أنْ يَحْمِلْنَها، وقِيلَ: هو ما أُخِذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن أنْ لا يَسْفِكُوا دِماءَهُمْ، ولا يُخْرِجُوا أنْفُسَهم مِن دِيارِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الِاخْتِلافِ في سَبَبِ النُّزُولِ، والظّاهِرُ العُمُومُ، (ومِن) لِلِابْتِداءِ، وكَوْنُ المَجْرُورِ بِها مَوْضِعًا انْفَصَلَ عَنْهُ الشَّيْءُ، وخَرَجَ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ النَّقْضَ حَصَلَ عَقِيبَ تَوَثُّقِ العَهْدِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى عَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِالعَهْدِ، فَأثَرُ ما اسْتَوْثَقَ اللَّهُ تَعالى مِنهم نَقَضُوهُ، وقِيلَ: صِلَةٌ، وهو بَعِيدٌ، والمِيثاقُ مِفْعالٌ، وهو في الصِّفاتِ كَثِيرٌ كَمِنحارٍ، ويَكُونُ مَصْدَرًا عِنْدَ أبِي البَقاءِ، والزَّمَخْشَرِيِّ، كَمِيعادٍ، بِمَعْنى الوَعْدِ، وأنْكَرَهُ جَماعَةٌ، وقالُوا هو اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، كَما في قَوْلِهِ: أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا ويَكُونُ اسْمَ آلَةٍ كَمِحْراثٍ، ولَمْ يَشِعْ هَذا، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، والمُرادُ بِهِ ما وثَّقَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَهْدَهُ مِنَ الآياتِ والكُتُبِ، أوْ ما وثَّقُوهُ بِهِ مِنَ القَبُولِ والِالتِزامِ، والضَّمِيرُ لِلْعَهْدِ، لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، ويَجُوزُ عَوْدُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يُجَوِّزْهُ السّالِيكُوتِيُّ لِأنَّ المَعْنى لا يَتِمُّ بِدُونِ اعْتِبارِ العَهْدِ، فَهو أهَمُّ مِن ذِكْرِ الفاعِلِ، ولِأنَّ الرُّجُوعَ إلى المُضافِ خِلافُ الأصْلِ، وأفْهَمَ كَلامُ أبِي البَقاءِ أنَّ المِيثاقَ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّوْثِقَةِ، وفي الضَّمِيرِ الِاحْتِمالانِ، فَإنْ عادَ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى كانَ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ، وإنْ إلى العَهْدِ كانَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وحَدِيثُ الرُّجُوعِ إلى المُضافِ خَصَّهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في غَيْرِ الإضافَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وأمّا فِيها فَمُطَّرِدٌ كَثِيرٌ، وما نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ مُؤَوَّلٌ بِمُشْتَقٍّ، فَيَكُونُ كَقَوْلِكَ: أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ وهو قائِمٌ، والوَجْهُ أنَّها في نِيَّةِ الِانْفِصالِ، ﴿ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ (ما) المَقْطُوعَةُ مَوْصُولَةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ عِنْدَ أبِي البَقاءِ، وفي المُرادِ بِها أقْوالٌ، الأوَّلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قَطَعُوهُ بِالتَّكْذِيبِ والعِصْيانِ، قالَهُ الحَسَنُ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ (ما) لِمَن يَعْقِلُ، بَلْ سَيِّدِ العُقَلاءِ بَلِ العَقْلِ، الثّانِي القَوْلُ فَإنَّهُ تَعالى أمَرَ أنْ يُوصَلَ بِالعَمَلِ، فَلَمْ يَصِلُوهُ، ولَمْ يَعْمَلُوا، وظاهِرُ هَذا أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، الثّالِثُ التَّصْدِيقُ بِالأنْبِياءِ، أُمِرُوا بِوَصْلِهِ، فَقَطَعُوهُ، بِتَكْذِيبِ بَعْضٍ وتَصْدِيقِ بَعْضٍ، الرّابِعُ الرَّحِمُ والقَرابَةُ قالَهُ قَتادَةُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ أرادَ كُفّارَ قُرَيْشٍ وأشْباهَهُمُ، الخامِسُ الأمْرُ الشّامِلُ لِما ذُكِرَ مِمّا يُوجِبُ قَطْعُهُ قَطْعَ الوَصْلَةِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العَبْدِ المَقْصُودَةِ بِالذّاتِ مِن كُلِّ وصْلٍ وفَصْلٍ، ولَعَلَّ هَذا هو الأوْجَهُ، لِأنَّ فِيهِ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى مَدْلُولِهِ مِنَ العُمُومِ، ولا دَلِيلَ واضِحٌ عَلى الخُصُوصِ، ورَجَّحَ بَعْضُهم ما قَبْلَهُ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا تَوْصِيفٌ لِلْفاسِقِينَ بِأنَّهم يُضَيِّعُونَ حَقَّ الخَلْقِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِتَضْيِيعِ حَقِّ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وتَضْيِيعُ حَقِّهِ بِنَقْضِ عَهْدِهِ، وحَقِّ خَلْقِهِ بِتَقْطِيعِ أرْحامِهِمْ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، والأمْرُ القَوْلُ الطّالِبُ لِلْفِعْلِ، مَعَ عُلُوٍّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، أوِ اسْتِعْلاءٍ عِنْدَ أبِي الحُسَيْنِ، ويُفْسِدُهُما ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ ويُطْلَقُ عَلى التَّكَلُّمِ بِالصِّيغَةِ وعَلى نَفْسِها، وفي مُوجَبِها خِلافٌ، وهَذا هو الأمْرُ الطَّلَبِيُّ، وقَدْ نُقِلَ إلى الأمْرِ الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الشَّخْصِ لِأنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ داعِيَةٍ تُشْبِهُ الأمْرَ، فَكَأنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ، كَما سُمِّيَ الخَطْبُ والحالُ العَظِيمَةُ شَأْنًا، وهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ بِمَعْنى القَصْدِ، وسُمِّيَ بِهِ ذَلِكَ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْصَدَ، وذَهَبَ الفُقَهاءُ إلى أنَّ الأمْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِثْلَ ﴿ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ (وأنْ يُوصَلَ) يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والخَفْضَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (ما) أوْ مِن ضَمِيرِهِ، والثّانِي أوْلى لِلْقُرْبِ، ولِأنَّ قَطْعَ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِهِ أبْلَغُ مِن قَطْعِ وصْلِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَفْسُهُ، واحْتِمالُ الرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ هُوَ، أوِ النَّصْبِ بِالبَدَلِيَّةِ مِن مَحَلِّ المَجْرُورِ أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ لِأنَّ أوْ كَراهِيَةَ أنْ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، ﴿ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ إفْسادُهم بِاسْتِدْعائِهِمْ إلى الكُفْرِ، والتَّرْغِيبِ فِيهِ، وحَمْلِ النّاسِ عَلَيْهِ، أوْ بِإخافَتِهِمُ السُّبُلَ، وقَطْعِهِمُ الطُّرُقَ عَلى مَن يُرِيدُ الهِجْرَةَ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ بِأنَّهم يَرْتَكِبُونَ كُلَّ مَعْصِيَةٍ يَتَعَدّى ضَرَرُها ويَطِيرُ في الآفاقِ شَرَرُها، ولَعَلَّ هَذا أوْلى، وذُكِرَ في الأرْضِ إشارَةً إلى أنَّ المُرادَ فَسادٌ يَتَعَدّى دُونَ ما يَقِفُ عَلَيْهِمْ، (وأُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى الفاسِقِينَ بِاعْتِبارِ ما فَصَّلَ مِن صِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهم في المَرْتَبَةِ البَعِيدَةِ مِنَ الذَّمِّ، وحَصْرُ الخاسِرِينَ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ كَمالِهِمْ في الخُسْرانِ، حَيْثُ أهْمَلُوا العَقْلَ عَنِ النَّظَرِ، ولَمْ يَقْتَنِصُوا المَعْرِفَةَ المُفِيدَةَ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، والمَسَرَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ، واشْتَرَوُا النَّقْضَ بِالوَفاءِ، والفَسادَ بِالصَّلاحِ، والقَطِيعَةَ بِالصِّلَةِ، والثَّوابَ بِالعِقابِ، فَضاعَ مِنهُمُ الطَّلِبَتانِ، رَأْسُ المالُ والرِّبْحُ، وحَصَلَ لَهُمُ الضَّرَرُ الجَسِيمُ، وهَذا هو الخُسْرانُ العَظِيمُ، وفي الآيَةِ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ المُقَدَّرَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُها الآياتُ السّابِقَةُ، فافْهَمْ.
<div class="verse-tafsir"
ثم نعت الفاسقين فقال تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ، أي يتركون أمر الله ووصيته من بعد ميثاقه، أي من بعد تغليظه وتأكيده، وذلك أن الله تعالى أمر موسى في التوراة بأن يأمر قومه ليقروا بمحمد ويصدقوه إذا خرج.
وكان موسى عاهدهم على ذلك، فلما خرج رسول الله كذبوه ولم يصدقوه ونقضوا العهد.
ويقال: إنه أراد به العهد الذي أخذه من بني آدم من ظهورهم، حيث قال تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172] فنقضوا ذلك العهد والميثاق.
فإن قيل: كيف يجوز هذا واليهود كانوا مقرّين بالله تعالى؟
فكيف يكون نقض العهد وهم مقرون؟
قيل له: إنهم إذا لم يصدقوا بمحمد فقد أشركوا بالله، لأنهم لم يصدقوا بأن القرآن من عند الله، ومن زعم أن القرآن قول البشر فقد أشرك بالله تعالى، وصار ناقضاً للعهد.
ويقال: الميثاق الذي يعرف كل واحد ربه إذا تفكر في نفسه، فكان ذلك بمنزلة أخذ الميثاق عليه، وجميع ما في القرآن من ذكر الميثاق فهو على هذه الأوجه الثلاثة.
وقوله تعالى: وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، روى الضحاك وعطاء، عن ابن عباس أنه قال: إنهم أمروا أن يؤمنوا بجميع الأنبياء فآمنوا ببعضهم ولم يؤمنوا ببعضهم، فهذا معنى قوله: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ.
ويقال: أمروا بصلة القرابات فقطعوا الأرحام فيما بينهم.
ويقال: كانت بين اليهود والعرب قرابة من وجه، لأن العرب كانت من أولاد إسماعيل واليهود من أولاد إسحاق، فإذا لم يؤمنوا بالنبي فقد قطعوا ذلك الرحم الذي كان بينهم.
وقوله تعالى: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، لأنهم يكفرون ويأمرون غيرهم بالكفر، فذلك فسادهم في الأرض أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون في العقوبة.
وقال الكلبي: ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله منزل وأهل وخدم في الجنة، فإن أطاع الله أتى ومنزله وأهله وخدمه في الجنة، وإن عصى الله ورثه الله تعالى المؤمنين، فقد غبن أي بعد عن أهله وخدمه، كما قال في آية أخرى قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: 15] .
وقال بعضهم: هذا التفسير لا يصح لأنه لا يجوز أن يقال للكافر منزل في الجنة وخدم، إلا أن الكلبي لم يقل ذلك من ذات نفسه، وإنما رواه عن أبي صالح، عن ابن عباس- ما- <div class="verse-tafsir"
يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامِ أَبَدٍ فِي حَبْرةٍ «١» وَنَضْرَةٍ، فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ» ، قَالُوا:
نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ» «٢» انتهى من «التذْكرَةِ» «٣» .
وقوله: لا خَطَرَ لها بفتح الطاء: قيل: معناه: لا عِوَضَ لها.
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها: لما كان الجليلُ القدْرِ في الشاهد لا يمنعه من الخَوْضِ في نازل القوْلِ إِلا الحَيَاء من ذلكَ، رَدَّ اللَّه بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا على القائلين كيف يضرب الله مثلا
بالذُّبَابِ ونحوه.
واختلف في قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، هل هو من قول الكافرين أو خبرٌ من اللَّه تعالى؟
ولا خلاف أن قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من قول اللَّه تعالى، والفسْقُ: الخروجُ عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ، إِذا خرجَتْ من جحرها، والرُّطَبَةُ، إِذا خرجَتْ من قِشْرها، والفِسْقُ في عرف استعمال الشرْعِ: الخروجُ من طاعة اللَّه عزَّ وجلَّ بكُفْر أو عصيان.
قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ: النَّقْضُ: ردُّ ما أبرم على أوله غير مبرمٍ، والعهدُ: في هذه الآية: التقدُّم في الشيء، والوَصَاةُ به، وظاهرٌ مما قبل وبعد أنه في جميع الكُفَّار.
ع «١» : وكل عهد جائزٌ بيْنَ المسلمين، فنقضه لا يحلُّ بهذه الآية، والخاسر الذي نَقَصَ نفسه حظَّها من الفلاحِ والفوزِ، والخسرانُ النقْصُ، كان في ميزانٍ أو غيره.
قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ: هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي: كيف تَكْفُرون، ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله: وَكُنْتُمْ واو الحال.
واختلف في قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ...
الآية.
فقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، ومجاهد: المعنى: كنتم أمواتاً معدومِينَ قبل أن تخلقوا دارسين كما يقال للشيء الدَّارِسِ: ميِّت، ثم خلقكم وأخرجكم إِلى الدنيا، فأحياكم، ثم يميتكم/ الموتَ المعهُودَ، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة «٢» ، وهذا التأويل هو ١٣ ب أولى ما قيل لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإِقرار به، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائد على اللَّه تعالى، أي: إلى ثوابه أو عقابه، وخَلَقَ: معناه: اخترع، وأوجد بعد العدم، ولَكُمْ: معناه: لِلاِعتبار ويَدُلُّ عليه ما قبله وما بعده من نَصْب العِبَرِ: الإِحياء والإِماتة والاستواء إلى السماء وتسويتِها.
وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: «ثُمَّ» هنا: لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ .
هَذِهِ صِفَةٌ لِلْفاسِقِينَ، وقَدْ سَبَقَتْ فِيهِمُ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ.
والنَّقْضُ: ضِدُّ الإبْرامِ، ومَعْناهُ: حِلُّ الشَّيْءِ بَعْدَ عَقْدِهِ.
ويَنْصَرِفُ النَّقْضُ إلى كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ، فَنَقْضُ البِناءِ: تَفْرِيقُ جَمْعِهِ بَعْدَ إحْكامِهِ.
ونَقُضُ العَهْدِ: الإعْراضُ عَنِ المَقامِ عَلى أحْكامِهِ.
وَفِي هَذا العَهْدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ما عَهِدَ إلى أهْلِ الكِتابِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ والوَصِيَّةُ بِاتِّباعِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ ما عَهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآَنِ، فَأقَرُّوا بِهِ ثُمَّ كَفَرُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آَدَمَ مِن ظَهْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَنَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْ ذَلِكَ العَهْدَ فَقَدْ ثَبَتَ بِخَبَرِ الصّادِقِ، فَيَجِبُ الإيمانُ بِهِ.
وَفِي "مِن" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، .
والثّانِي: أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ابْتِداءُ نَقْضِ العَهْدِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ.
وفي هاءِ "مِيثاقِهِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، .
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَهْدِ، فَتَقْدِيرُهُ: بَعْدَ إحْكامِ التَّوْفِيقِ فِيهِ.
وَفِي: الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُوصِلَ ثَلاثَةَ أقْوالٍ.
أحَدُها: الرَّحِمُ والقَرابَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، قَطَعُوهُ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الإيمانُ بِاللَّهِ، وأنْ لا يُفَرَّقَ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ، فَآَمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي فَسادِهِمْ في الأرْضِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْتِدْعاؤُهُمُ النّاسَ إلى الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ بِالمَعاصِي، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ عَلى مَن جاءَ مُهاجِرًا إلى النَّبِيِّ ، لِيَمْنَعُوا النّاسَ مِنَ الإسْلامِ.
والخُسْرانُ في اللُّغَةِ: النُّقْصانُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهِ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ النَقْضُ: رَدُّ ما أُبْرِمَ عَلى أوَّلِهِ غَيْرُ مُبْرَمٍ.
والعَهْدُ في هَذِهِ الآيَةِ: التَقَدُّمُ في الشَيْءِ والوِصايَةُ بِهِ.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ هَذا العَهْدِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ كالذَرِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ: نَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ بِالسَماواتِ والأرْضِ وسائِرِ الصَنْعَةِ هو بِمَنزِلَةِ العَهْدِ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا العَهْدُ هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ: أنْ يُوَحِّدُوهُ، وألّا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا العَهْدُ هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى اتِّباعِ الرُسُلِ والكُتُبُ المُنَزَّلَةُ: أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ، وأنْ لا يَكْتُمُوا أمْرَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ عَلى هَذا في أهْلِ الكِتابِ، وظاهِرُ ما قَبْلُ وبَعْدُ أنَّهُ في جَمِيعِ الكُفّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ هي فِيمَن كانَ آمَنَ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ثُمَّ كَفَرَ بِهِ فَنَقَضَ العَهْدَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَمْ يَنْسِبِ الطَبَرِيُّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ.
وكُلُّ عَهْدٍ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَنَقْضُهُ لا يَحِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والضَمِيرُ في "مِيثاقِهِ" يَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى "العَهْدِ"، أو عَلى (اسْمِ اللهِ تَعالى)، و"مِيثاقُ" مِفْعالُ مِنَ الوَثاقَةِ، وهي الشَدُّ في العَقْدِ والرَبْطِ ونَحْوِهِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ شَبِيمٍ: أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِتاعا؟
أرادَ بَعْدَ إعْطائِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ .
"ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "يَقْطَعُونَ"، واخْتَلَفَ ما الشَيْءُ الَّذِي أمَرَ بِوَصْلِهِ، فَقالَ قَتادَةُ: الأرْحامُ عامَّةً في الناسِ، وقالَ غَيْرُهُ: خاصَّةً فِيمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، كَأنَّ الكُفّارَ يُقَطِّعُونَ أرْحامَهم.
وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: الإشارَةُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى دِينِ اللهِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، وإقامَةِ شَرائِعِهِ، وحِفْظِ حُدُودِهِ.
وهَذا هو الحَقُّ، والرَحِمُ جُزْءٌ مِن هَذا، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِن "ما"، أو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: "أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وهَذا مُتَّجَهٌ.
﴿ وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ، ويَجُورُونَ في الأفْعالِ إذْ هي بِحَسَبَ شَهَواتِهِمْ، و"الخاسِرُ": الَّذِي نَقَصَ نَفْسَهُ حَظَّها مِنَ الفَلاحِ والفَوْزِ.
والخُسْرانُ: النَقْصُ كانَ في مِيزانٍ أو غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ لَفْظُهُ الِاسْتِفْهامُ، ولَيْسَ بِهِ، بَلْ هو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ.
أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ ونِعَمِهِ عَلَيْكم وقُدْرَتِهِ هَذِهِ؟
و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها "تَكْفُرُونَ"، وتَقْدِيرُها: أجاحِدِينَ تَكْفُرُونَ؟
أمُنْكِرِينَ تَكْفُرُونَ؟
و"كَيْفَ" مَبْنِيَّةٌ، وخُصَّتْ بِالفَتْحِ لِخِفَّتِهِ.
ومَن قالَ: إنَّ "كَيْفَ" تَقْرِيرٌ وتَعَجُّبٌ، فَمَعْناهُ: إنَّ هَذا الأمْرَ إنْ عَنَّ فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَجَّبَ مِنهُ لِغَرابَتِهِ وبُعْدِهِ عَنِ المَأْلُوفِ مِن شُكْرِ المُنْعِمِ، و"الواوُ" في قَوْلِهِ: "وَكُنْتُمْ" واوُ الحالِ.
واخْتَلَفَ في تَرْتِيبِ هاتَيْنِ المَوْتَتَيْنِ والحَياتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ: فالمَعْنى كُنْتُمْ أمْواتًا مَعْدُومِينَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقُوا دارِسِينَ، كَما يُقالُ لِلشَّيْءِ الدارِسِ: مَيِّتٌ.
ثُمَّ خُلِقْتُمْ وأُخْرِجْتُمْ إلى الدُنْيا فَأحْياكُمْ، ثُمَّ أماتَكُمُ المَوْتُ المَعْهُودُ، ثُمَّ يُحْيِيكم لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقالَ آخَرُونَ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" بِكَوْنِ آدَمَ مِن طِينٍ مَيِّتًا قَبْلَ أنْ يَحْيا، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُوحَ فَأحْياكم بِحَياةِ آدَمَ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكم عَلى ما تَقَدَّمَ.
وقالَ قَتادَةُ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" في أصْلابِ آبائِكُمْ، فَأُخْرِجْتُمْ إلى الدُنْيا، فَأحْياكُمْ، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.
وقالَ غَيْرُهُ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" فِي الأرْحامِ قَبْلَ نَفْخِ الرُوحِ، ثُمَّ أحْياكم بِالخُرُوجِ إلى الدُنْيا، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ اللهَ تَعالى أخْرَجَ نِسَمَ بَنِي آدَمَ أمْثالَ الذَرِّ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ ، ثُمَّ أحْياهم بِالإخْراجِ إلى الدُنْيا، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" بِالمَوْتِ المَعْهُودِ، ثُمَّ أحْياكم لِلسُّؤالِ في القُبُورِ، ثُمَّ أماتَكم فِيها، ثُمَّ أحْياكم لِلْبَعْثِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: وكُنْتُمْ أمْواتًا بِالخُمُولِ، فَأحْياكم بِأنْ ذُكِرْتُمْ وشُرِّفْتُمْ بِهَذا الدِينِ والنَبِيِّ الَّذِي جاءَكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ هو أولى هَذِهِ الأقْوالِ، لِأنَّهُ الَّذِي لا مَحِيدَ لِلْكَفّارِ عَنِ الإقْرارِ بِهِ في أوَّلِ تَرْتِيبِهِ.
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ أوَّلًا: ( كُنْتُمْ أمْواتًا ) وإسْنادُهُ آخِرًا الإماتَةُ إلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى مِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ القَوْلَ، وإذا أذْعَنَتْ نُفُوسُ الكُفّارِ لِكَوْنِهِمْ أمْواتًا مَعْدُومِينَ، ثُمَّ لِلْإحْياءِ في الدُنْيا، ثُمَّ لِلْإماتَةِ فِيها قَوِيَ عَلَيْهِمْ لُزُومُ الإحْياءِ الآخَرِ، وجاءَ جَحْدُهم لَهُ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها.
والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ إلى ثَوابِهِ أو عِقابِهِ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأحْياءِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَرْجِعُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ يَعْمُرَ، وسَلامٌ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "يَرْجِعُونَ، وتَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والتاءِ حَيْثُ وقَعَ.
و"خَلَقَ" مَعْناهُ: اخْتَرَعَ وأوجَدَ بَعْدَ العَدَمِ، وقَدْ يُقالُ في الإنْسانِ خَلَقَ بَعْدَ إنْشائِهِ شَيْئًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ـضُ القَوْمِ يُخْلَقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقْوَ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةٌ و"لَكُمْ" مَعْناهُ: لِلِاعْتِبارِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلُهُ وما بَعْدَهُ مِن نَصْبٍ.
العِبَرُ: الإحْياءُ، والإماتَةُ والخَلْقُ، والِاسْتِواءُ إلى السَماءِ، وتَسْوِيَتُها.
وقالَ قَوْمٌ: بَلْ مَعْنى "لَكُمْ" إباحَةُ الأشْياءِ وتَمْلِيكُها، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الأشْياءَ قَبْلَ وُرُودِ السَمْعِ عَلى الإباحَةِ بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، وخالَفَهم في هَذا التَأْوِيلِ القائِلُونَ بِالحَظْرِ، والقائِلُونَ بِالوَقْفِ.
وأكْثَرُ القائِلِينَ بِالحَظْرِ اسْتَثْنَوْا أشْياءَ اقْتَضَتْ حالَها مَعَ وُجُودِ الإنْسانِ الإباحَةَ كالتَنَفُّسِ، والحَرَكَةِ، ويَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِالحَظْرِ: كُلُّ حَظْرٍ في القُرْآنِ، وعَلى القائِلِينَ بِالإباحَةِ: كُلُّ تَحْلِيلٍ في القُرْآنِ وإباحَةٍ.
ويَتَرَجَّحُ الوَقْفُ إذا قَدَّرْنا نازِلَةً لا يُوجَدُ فِيها سَمْعٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ، ومَعْنى الوَقْفِ: أنَّهُ اسْتِنْفادُ جُهْدِ الناظِرِ فِيما يَحْزُبُ مِنَ النَوازِلِ.
وحَكى ابْنُ فَوْرِكٍ عَنِ ابْنِ الصائِغِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَخْلُ العَقْلُ قَطُّ مِنَ السَمْعِ، ولا نازِلَةٍ إلّا وفِيها سَمْعٌ، أوَّلُها بِهِ تَعَلُّقٌ، أوَّلُها حالٌ تُسْتَصْحَبُ، قالَ: فَيَنْبَغِي أنْ يَعْتَمِدَ عَلى هَذا، ويُغْنِيَ عَنِ النَظَرِ في حَظْرٍ وإباحَةٍ ووَقْفٍ.
و"جَمِيعًا" نُصِبَ عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى ﴾ ، ثُمَّ هُنا: هي لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، وَ"اسْتَوى": قالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: عَلا دُونَ تَكْيِيفٍ ولا تَحْدِيدٍ، هَذا اخْتِيارُ الطَبَرِيِّ، والتَقْدِيرُ: عَلا أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ قُصِدَ إلى السَماءِ، أيْ بِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ كَمُلَ صُنْعُهُ فِيها، كَما تَقُولُ اسْتَوى الأمْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلَقٌ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ المَعْنى أقْبَلَ، وضَعَّفَهُ.
وحُكِيَ عن قَوْمٍ أنَّ المُسْتَوِيَ هو الدُخّانُ، وهَذا أيْضًا يَأْباهُ رَصْفُ الكَلامِ.
وقِيلَ المَعْنى: اسْتَوْلى، كَما قالَ الشاعِرُ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ وهَذا إنَّما يَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ والقاعِدَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مَنعُ النَقْلَةِ وحُلُولُ الحَوادِثِ، ويَبْقى اسْتِواءُ القُدْرَةِ والسُلْطانِ.
و"سَوّاهُنَّ"، قِيلَ: المَعْنى جَعَلَهُنَّ سَواءً، وقِيلَ: سَوّى سُطُوحَها بِالإمْلاسِ و"سَبْعَ" نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ، أو عَلى المَفْعُولِ بـ "سَوّى"، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ مِنَ الضَمِيرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَسَوّى مِنهُنَّ سَبْعًا.
وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقالَ: "سَوّاهُنَّ" إمّا عَلى أنَّ السَماءَ جَمْعٌ، وإمّا عَلى أنَّهُ مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ، فَهو دالٌّ عَلى الجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: بِالمَوْجُوداتِ، وتَحَقَّقَ عِلْمُهُ بِالمَعْدُوماتِ مِن آياتٍ أُخَرَ.
وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الأرْضَ وما فِيها خُلِقَ قَبْلَ السَماءِ، وذَلِكَ صَحِيحٌ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ بَعْدَ خَلْقِ السَماءِ، وبِهَذا تَتَّفِقُ مَعانِي الآياتِ هَذِهِ والَّتِي في سُورَةِ (المُؤْمِنِ) وفي (النازِعاتِ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .
قد يبدو في بادئ النظر عدم التناسب بين مساق الآيات السالفة ومساق هاته الآية، فبينما كانت الآية السابقة ثناء على هذا الكتاب المبين، ووصف حالي المهتدين بهديه والناكبين عن صراطه وبيان إعجازه والتحدي به مع ما تخلل وأعقب ذلك من المواعظ والزواجر النافعة والبيانات البالغة والتمثيلات الرائعة، إذا بالكلام قد جاء يخبر بأن الله تعالى لا يعبأ أن يضرب مثلاً بشيء حقير أو غير حقير، فحقيق بالناظر عند التأمل أن تظهر له المناسبة لهذا الانتقال، ذلك أن الآيات السابقة اشتملت على تحدي البلغاء بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، فلما عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريقة الطعن في المعاني فلبسوا على الناس بأن في القرآن من سخيف المعنى ما ينزه عنه كلام الله ليصلوا بذلك إلى إبطال أن يكون القرآن من عند الله بإلقاء الشك في نفوس المؤمنين وبذر الخصيب في تنفير المشركين والمنافقين.
روى الواحدي في «أسباب النزول» عن ابن عباس أن الله تعالى لما أنزل قوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ﴾ [الحج: 73] وقوله: ﴿ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ﴾ [العنكبوت: 41] قال المشركون أرأيتم أي شيء يصنع بهذا فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ﴾ وروي عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب بها المثل ضحك اليهود وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحي ﴾ الآية.
والوجه أن نجمع بين الروايتين ونبين ما انطوتا عليه بأن المشركين كانوا يفزعون إلى يهود يثرب في التشاور في شأن نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وخاصة بعد أن هاجر النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فيتلقون منهم صوراً من الكيد والتشغيب فيكون قد تظاهر الفريقان على الطعن في بلاغة ضرب المثل بالعنكبوت والذباب فلما أنزل الله تعالى تمثيل المنافقين بالذي استوقد ناراً وكان معظمهم من اليهود هاجت أحناقهم وضاف خناقهم فاختلقوا هذه المطاعن فقال كل فريق ما نسب إليه في إحدى الروايتين ونزلت الآية للرد على الفريقين ووضح الصبح لذي عينين.
فيحتمل أن ذلك قاله علماء اليهود الذين لا حظ لهم في البلاغة، أو قد قالوه مع علمهم بفنون ضرب الأمثال مكابرة وتجاهلاً.
وكون القائلين هم اليهود هو الموافق لكون السورة نزلت بالمدينة، وكان أشد المعاندين فيها هم اليهود، ولأنه الأوفق بقوله تعالى: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله ﴾ وهذه صفة اليهود، ولأن اليهود قد شاع بينهم التشاؤم والغلو في الحذر من مدلولات الألفاظ حتى اشتهروا باستعمال الكلام الموجه بالشتم والذم كقولهم ﴿ رَاعنا ﴾ [البقرة: 104]، قال تعالى: ﴿ فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم ﴾ [البقرة: 59] كما ورد تفسيره في «الصحيح» ولم يكن ذلك من شأن العرب.
وإما أن يكون قائله المشركون من أهل مكة مع علمهم بوقوع مثلِه في كلام بلغائهم كقولهم أَجرأُ من ذُبابة، وأسْمَع من قُرادٍ، وأطْيَشُ من فَراشة، وأضعف من بَعُوضَة.
وهذا الاحتمال أدَلُّ، على أنهم ما قالوا هذا التمثيل إلا مكابرة ومعاندة فإنهم لما غُلبوا بالتحدي وعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله تعلقوا في معاذيرهم بهاته السفاسف، والمكابرُ يقول ما لا يعتقد، والمحجوج المبهوت يستعوج المستقيم ويخفي الواضح، وإلى هذا الثاني ينزع كلام صاحب «الكشاف» وهو أوفق بالسياق.
والسورة وإن كانت مدنية فإن المشركين لم يزالوا يُلقون الشبه في صحة الرسالة ويشيعون ذلك بعد الهجرة بواسطة المنافقين.
وقد دل على هذا المعنى قوله بعده: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا ﴾ إلى قوله: ﴿ ويهدي به كثيراً ﴾ .
فإن قيل: لم يكن الرد عقب نزول الآيات الواقع فيها التمثيل الذي أنكروه فإن البدار بالرد على من في مقاله شبهة رائجة يكون أقطع لشبهته من تأخيره زماناً.
قلنا: الوجه في تأخير نزولها أن يقع الرد بعد الإتيان بأمثال معجبة اقتضاها مقام تشبيه الهيآت، فذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه الممنوع بلمز البخل، أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة فيظنه ناس جبناً فيسرها الأول في نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا، والثاني حتى يكر كرة تكون القاضية على قرنه.
فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها وهي قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ﴾ [البقرة: 17] ﴿ أو كصيب ﴾ [البقرة: 19] الآيات وقوله: ﴿ صم بكم عمي ﴾ [البقرة: 18] أتى إثر ذلك بالرد عليهم فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي قبلها وقد غفل عن بيانه المفسرون.
والمراد بالمثل هنا الشبه مطلقاً لا خصوص المركب من هيئة، بخلاف قوله فيما سبق ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ لأن المعنىَّ هنا ما طعنوا به في تشابيه القرآن مثل قوله: ﴿ لن يخلقوا ذباباً ﴾ [الحج: 73] وقوله: ﴿ كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ﴾ [العنكبوت: 41].
وموقع (إنّ) هنا بيِّن.
وأما الإتيان بالمسند إليه علماً دون غيره من الصفات فلأن هذا العلم جامع لجميع صفات الكمال فذكره أوقع في الإقناع بأن كلامه هو أعلى كلام في مراعاة ما هو حقيق بالمراعاة وفي ذلك أيضاً إبطال لتمويههم بأن اشتمال القرآن على مثل هذا المثل دليل على أنه ليس من عند الله فليس من معنى الآية أن غير الله ينبغي له أن يستحي أن يضرب مثلاً من هذا القبيل.
ولهذا أيضاً اختير أن يكون المسند خصوص فعل الاستحياء زيادة في الرد عليهم لأنهم أنكروا التمثيل بهاته الأشياء لمراعاة كراهة الناس ومثل هذا ضرب من الاستحياء كما سنبينه فنبهوا على أن الخالق لا يستحي من ذلك إذ ليس مما يستحي منه، ولأن المخلوقات متساوية في الضعف بالنسبة إلى خالقها والمتصرف فيها، وقد يكون ذكر الاستحياء هنا محاكاة لقولهم أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت.
فإن قلت: إذا كان استعمال هذه الألفاظ الدالة على معان حقيرة غير مخل بالبلاغة فما بالُنا نرى كثيراً من أهل النقد قد نقدوا من كلام البلغاء ما اشتمل على مثل هذا كقول الفرزدق: من عِزّهم حجرَتْ كليبٌ بيتها *** زَرباً كأنهمُ لديهِ القُمَّل وقول أبي الطيب: أماتكمُ من قبل موتِكم الجهلُ *** وجركمُ من خفة بكمُ النمل وقول الطرمّاح: ولو أن بُرغوثاً على ظهر قملة *** يكرُّ على ضَبْعَيْ تميم لولَّت قلت أصول الانتقاد الأدبي تؤول إلى بيان ما لا يحسن أن يشتمل عليه كلام الأديب من جانب صناعة الكلام، ومن جانب صور المعاني، ومن جانب المستحسن منها والمكروه وهذا النوع الثالث يختلف باختلاف العوائد ومدارك العقول وأصالة الأفهام بحسب الغالب من أحوال أهل صناعة الأدب، ألا ترى أنه قد يكون اللفظ مقبولاً عند قوم غير مقبول عند آخرين، ومقبولاً في عصر مرفوضاً في غيره، ألا ترى إلى قول النابغة يخاطب الملك النعمان: :فإنكَ كالليل الذي هو مُدْركي *** وإن خِلْتُ أن المُنْتَأَى عنك واسع فإن تشبيه الملك بالليل لو وقع في زمان المولدين لعُدَّ من الجفاء أو العجرفة، وكذلك تشبيههم بالحية في الإقدام وإهلاك العدو في قول ذي الإصبع: عَذير الحي من عَدوَا *** نَ كانُوا حَيَّةَ الأرض وقول النابغة في رثاء الحارث الغسّاني: ماذا رُزِئْنا به من حيَّةٍ ذَكَرٍ *** نَضْنَاضَةٍ بالرزايا صِلّ أَصلاَلِ وقد زعم بعض أهل الأدب أن عليًّا بن الجهم مدح الخليفة المتوكل بقوله: أنت كالكلب في وفائك بالعه *** د وكالتيْس في قراع الخطوب وأنه لما سكن بغداد وعلقت نضارة الناس بخياله قال في أول ما قاله: عيون المها بين الرصافة والجسر *** جلبن الهوى من حيث أَدري ولا أدري وقد انتقد بشارٌ على كُثيِّر قوله: ألا إنما ليلى عصا خيزُرانة *** إذا لمسوها بالأكُف تلينُ فقال لو جعلها عصا مخ أو عصا زبد لما تجاوز من أن تكون عصا، على أن بشاراً هو القائل: إذا قامت لجارتها تثنت *** كأن عظامها من خيزران وشبَّه بشار عبدة بالحيَّة في قوله: وكأنها لما مشت *** أَيْمٌ تأود في كثيبْ والاستحياء والحياء واحد، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأخر واستجاب، وهو انقباض النفس من صدور فعل أو تلقيه لاستشعار أنه لا يليق أو لا يحسن في متعارف أمثاله، فهو هيئة تعرض للنفس هي من قبيل الانفعال يظهر أثرها على الوجه وفي الإمساك عن ما من شأنه أن يُفعل.
والاستحياء هنا منفي عن أن يكون وصفاً لله تعالى فلا يحتاج إلى تأويل في صحة إسناده إلى الله، والتعللُ لذلك بأن نفي الوصف يستلزم صحة الاتصاف تعللٌ غير مسلم.
والضرب في قوله: ﴿ أن يضرب مثلاً ﴾ مستعمل مجازاً في الوضع والجعل من قولهم ضربَ خيمة وضرب بيتاً قال عبدة بن الطبيب: إنَّ التي ضربتْ بيتاً مُهاجِرَةً *** بكوفةِ الجُندِ غالت ودَّها غُولُ وقول الفرزدق: ضربت عليك العنكبوت بنسجها *** وقضى عليك به الكتابُ المُنْزَلُ أي جعل شيئاً مثلاً أي شبهاً، قال تعالى: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ [النحل: 74] أي لا تجعلوا له مماثلاً من خلقه فانتصاب ﴿ مثلاً ﴾ على المفعول به.
وجوز بعض أئمة اللغة أن يكون فعل ضرب مشتقاً من الضرب بمعنى المماثل فانتصاب ﴿ مثلاً ﴾ على المفعولية المطلقة للتوكيد لأن مثلاً مرادف مصدر فعله على هذا التقدير، والمعنى لا يستحي أن يشبِّه بشيء ما.
والمثل المثيل والمشابه وغلب على مماثلة هيئة بهيئة وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ [البقرة: 17] وتقدم هناك معنى ضرب المثل بالمعنى الآخر وتنكير ﴿ مثلاً ﴾ للتنويع بقرينة بيانه بقوله ﴿ بعوضة فما فوقها ﴾ .
وما إبهامية تتصل بالنكرة فتؤكد معناها من تنويع أو تفخيم أو تحقير، نحو لأمر ما وأعطاه شيئاً ما.
والأظهر أنها مزيدة لتكون دلالتها على التأكيد أشد.
وقيل اسم بمعنى النكرة المبهمة.
و ﴿ بعوضة ﴾ بدل أو بيان من قوله: ﴿ مثلاً ﴾ .
والبعوضة واحدة البعوض وهي حشرة صغيرة طائرة ذات خرطوم دقيق تحوم على الإنسان لتمتص بخرطومها من دمه غذاء لها، وتعرف في لغة هذيل بالخموش، وأهل تونس يسمونه الناموس واحدته الناموسة وقد جعلت هنا مثلاً لشدة الضعف والحقارة.
وقوله: ﴿ فما فوقها ﴾ عطف على ﴿ بعوضة ﴾ ، وأصل فوق اسم للمكان المعتلي على غيره فهو اسم مبهم فلذلك كان ملازماً للإضافة لأنه تتميز جهته بالاسم الذي يضاف هو إليه فهو من أسماء الجهات الملازمة للإضافة لفظاً أو تقديراً ويستعمل مجازاً في المتجاوز غيره في صفة تجاوزاً ظاهراً تشبيهاً بظهور الشيء المعتلي على غيره على ما هو معتل عليه، ففوق في مثله يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة سواء كانت من المحامد أو من المذام يقال: فلان خسيس وفوق الخسيس وفلان شجاع وفوق الشجاع، وتقول: أعطى فلان فوق حقه أي زائداً على حقه.
وهو في هذه الآية صالح للمعنيين أي ما هو أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر حجماً.
ونظيره قول النبيء صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» رواه مسلم، يحتمل أقل من الشوكة في الأذى مثل نَخْبة النملة كما جاءَ في حديث آخر، أو ما هو أشد من الشوكة مثل الوخز بسكين وهذا من تصاريف لفظ فوق في الكلام ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ أقل ودون لفظ أقوى مثلاً موقع من بليغ الإيجاز.
والفاء عاطفة (ما فوقها) على (بعوضة) أفادت تشريكهما في ضرب المثل بهما، وحقها أن تفيد الترتيب والتعقيب ولكنها هنا لا تفيد التعقيب وإنما استعملت في معنى التدرج في الرتب بين مفاعيل ﴿ أن يضرب ﴾ ولا تفيد أن ضرب المثل يكون بالبعوضة ويعقبه ضربه بما فوقها بل المراد بيان المثل بأنه البعوضة وما يتدرج في مراتب القوة زائداً عليها درجة تلي درجة فالفاء في مثل هذا مجاز مرسل علاقته الإطلاق عن القيد لأن الفاء موضوعة للتعقيب الذي هو اتصال خاص، فاستعملت في مطلق الاتصال، أو هي مستعارة للتدرج لأنه شبيه بالتعقيب في التأخر في التعقل كما أن التعقيب تأخر في الحصول ومنه: «رحم الله المحلقين فالمقصرين».
والمعنى أن يضرب البعوضة مثلاً فيضرب ما فوقها أي ما هو درجة أخرى أي أحقر من البعوضة مثل الذرة وأعظم منها مثل العنكبوت والحمار.
﴿ فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ﴾ .
الفاء للتعقيب الذكري دون الحصولي أي لتعقيب الكلام المفصل على الكلام المجمل عطفت المقدر في قوله: ﴿ لا يستحي ﴾ لأن تقديره لا يستحي من الناس كما تقدم، ولما كان في الناس مؤمنون وكافرون وكلا الفريقين تلقى ذلك المثل واختلفت حالهم في الانتفاع به، نشأ في الكلام إجمال مقدر اقتضى تفصيل حالهم.
وإنما عطف بالفاء لأن التفصيل حاصل عقب الإجمال.
و (أما) حرف موضوع لتفصيل مجمل ملفوظ أو مقدر.
ولما كان الإجمال يقتضي استشراف السامع لتفصيله كان التصدي لتفصيله بمنزلة سؤال مفروض كأن المتكلم يقول إن شئت تفصيله فتفصيله كيث وكيت، فلذلك كانت أما متضمنة معنى الشرط ولذلك لزمتها الفاء في الجملة التي بعدها لأنها كجواب شرط، وقد تخلو عن معنى التفصيل في خصوص قول العرب أما بعد فتتمحض للشرط وذلك في التحقيق لخفاء معنى التفصيل لأنه مبني على ترقب السامع كلاماً بعد كلامه الأول.
وقدرها سيبويه بمعنى مهما يكن من شيء، وتلقفه أهل العربية بعده وهو عندي تقدير معنى لتصحيح دخول الفاء في جوابها وفي النفس منه شيء لأن دعوى قصد عموم الشرط غير بينة، فإذا جيء بأداة التفصيل المتضمنة معنى الشرط دل ذلك على مزيد اهتمام المتكلم بذلك التفصيل فأفاد تقوية الكلام التي سماها الزمخشري توكيداً وما هو إلا دلالة الاهتمام بالكلام، على أن مضمونه محقق ولولا ذلك لما اهتم به وبهذا يظهر فضل قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون ﴾ الخ على أن يقال فالذين آمنوا يعلمون بدون أما والفاء.
وجعل تفصيل الناس في هذه الآية قسمين لأن الناس بالنسبة إلى التشريع والتنزيل قسمان ابتداء مؤمن وكافر، والمقصود من ذكر المؤمنين هنا الثناء عليهم بثبات إيمانهم وتأييس الذين أرادوا إلقاء الشك عليهم فيعلمون أن قلوبهم لا مدخل فيها لذلك الشك.
والمراد بالذين كفروا هنا إما خصوص المشركين كما هو مصطلح القرآن غالباً، وإما ما يشملهم ويشمل اليهود بناء على ما سلف في سبب نزول الآية.
وإنما عبر في جانب المؤمنين بيعلمون تعريضاً بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا عناداً ومكابرة وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز، كيف وهم أهل اللسان وفرسان البيان، ولكن شأن المعاند المكابر أن يقول ما لا يعتقد حسداً وعناداً.
وضمير (أنه) عائد إلى المثل.
و (الحق) ترجع معانيه إلى موافقة الشيء لما يحق أن يقع وهو هنا الموافق لإصابة الكلام وبلاغته.
و(من ربهم) حال من (الحق) و(من) ابتدائية أي وارد من الله لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب فهو مؤذن بأنه من كلام من يقع منه الخطأ.
وأصل (ماذا) كلمة مركبة من ما الاستفهامية وذا اسممِ الإشارة ولذلك كان أصلها أن يسأل بها عن شيء مشار إليه كقول القائل ماذا مشيراً إلى شيء حاضر بمنزلة قوله ما هذا.
غير أن العرب توسعوا فيه فاستعملوه اسم استفهام مركباً من كلمتين وذلك حيث يكون المشار إليه معبراً عنه بلفظ آخر غير الإشارة حتى تصير الإشارة إليه مع التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد، نحو ماذا التواني، أو حيث لا يكون للإشارة موقع نحو: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله ﴾ [النساء: 39] ولذلك يقول النحاة إن ذا ملغاة في مثل هذا التركيب.
وقد يتوسعون فيها توسعاً أقوى فيجعلون ذا اسم موصول وذلك حين يكون المسؤول عنه معروفاً للمخاطب بشيء من أحواله فلذلك يُجرون عليه جملة أو نحوَها هي صلة ويجعلون ذا موصولاً نحو: ﴿ ماذا أنزل ربكم ﴾ [النحل: 24] وعلى هذين الاحتمالين يصح إعرابه مبتدأ ويصح إعرابه مفعولاً مقدماً إذا وقع بعده فِعل.
والاستفهام هنا إنكاري أي جعل الكلام في صورة الاستفهام كناية به عن الإنكار لأن الشيء المنكر يستفهم عن حصوله فاستعمال الاستفهام في الإنكار من قبيل الكناية، ومثله لا يجاب بشيء غالباً لأنه غير مقصود به الاستعلام.
وقد يلاحظ فيه معناه الأصلي فيجاب بجواب لأن الاستعمال الكنائي لا يمنع من إرادة المعنى الأصلي كقوله تعالى: ﴿ عم يتساءلون عن النبأ العظيم ﴾ [النبأ: 1، 2].
والإشارة بقوله: ﴿ بهذا ﴾ مفيدة للتحقير بقرينة المقام كقوله: ﴿ أَهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ [الأنبياء: 36].
وانتصب قوله: ﴿ مثلاً ﴾ على التمييز من (هذا) لأنه مبهم فحقَّ له التمييز وهو نظير التمييز للضمير في قولهم «رُبَّهُ رَجُلاً».
﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين * الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الارض أولاائك هُمُ الخاسرون ﴾ .
بيان وتفسير للجملتين المصدرتين بأَما على طريقة النشر المعكوس لأن معنى هاتين الجملتين قد اشتمل عليهما معنى الجملتين السالفتين إجمالاً فإنَّ علم المؤمنين أنه الحق من ربهم هُدى، وقولَ الكافرين ﴿ ماذا أراد الله ﴾ الخ ضلال، والأظهر أن لا يكون قوله: ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ جواباً للاستفهام في قول الذين كفروا ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ لأن ذلك ليس استفهاماً حقيقياً كما تقدم.
ويجوز أن يجعل جواباً عن استفهامهم تخريجاً للكلام على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على ظاهره تنبيهاً على أن اللائق بهم أن يسألوا عن حكمة ما أراد الله بتلك الأمثال فيكون قوله: ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ جواباً لهم وردا عليهم وبياناً لحال المؤمنين، وهذا لا ينافي كون الاستفهام الذي قبله مكنى به عن الإنكار كما علمته آنفاً من عدم المانع من جمع المعنيين الكنائي والأصلي.
وكونُ كلا الفريقين من المضلَّل والمهدى كثيراً في نفسه، لا ينافي نحو قوله: ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ [سبأ: 13] لأن قوة الشكر التي اقتضاها صيغة المبالغة، أخصُّ في الاهتداء.
والفاسق لفظ من منقولات الشريعة أصله اسم فاعل من الفِسق بكسر الفاء، وحقيقة الفسق خروج الثمرة من قشرها وهو عاهة أو رداءة في الثمر فهو خروج مذموم يعد من الأدواء مثل ما قال النابغة: صِغار النوى مكنوزة ليس قِشْرُها *** إذا طار قِشْر التمر عنها بطائر قالوا ولم يسمع في كلامهم في غير هذا المعنى حتى نقله القرآن للخروج عن أمر الله تعالى الجازم بارتكاب المعاصي الكبائر، فوقع بعد ذلك في كلام المسلمين، قال رؤبة يصف إبلاً: فواسَقاً عن قَصْدهَا جوائراً *** يَهوين في نجد وغورٍ غائراً والفسق مراتب كثيرة تبلغ بعضها إلى الكفر.
وقد أطلق الفسق في الكتاب والسنة على جميعها لكن الذي يستخلص من الجمع بين الأدلة هو ما اصطلح عليه أهل السنة من المتكلمين والفقهاء وهو أن الفسق غيرُ الكفر وأن المعاصي وإن كثرت لا تزيل الإيمان وهو الحق، وقد لقب الله اليهود في مواضع كثيرة من القرآن بالفاسقين وأحسب أنه المراد هنا وعزاه ابن كثير لجمهور من المفسرين.
وإسناد الإضلال إلى الله تعالى مراعى فيه أنه الذي مكن الضالين من الكسب والاختيار بما خلق لهم من العقول وما فصل لهم من أسباب الخير وضده.
وفي اختيار إسناده إلى الله تعالى مع صحة إسناده لفعل الضال إشارة إلى أنه ضلال متمكن من نفوسهم حتى صار كالجِبلة فيهم فهم مأيوس من اهتدائهم كما قال تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ [البقرة: 7].
فإسناد الإضلال إلى الله تعالى منظور فيه إلى خَلق أسبابه القريبة والبعيدةِ وإلا فإنَّ الله أمَر الناس كلهم بالهدى وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام.
وقوله: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ إما مسوق لبيان أن للفسق تأثيراً في زيادة الضلال لأن الفسق يرين على القلوب ويكسب النفوس ظلمة فتتساقط في الضلال المرة بعد الأخرى على التعاقب، حتى يصير لها دربة.
وهذا الذي يؤذن به التعليق على الوصف المشتق إن كان المراد به هنا المعنى الاشتقاقي، فكأنه قيل هؤلاء فاسقون وما من فاسق إلا وهو ضال فما ثبت الضلال إلا بثبوت الفسق على نحو طريقة القياس الاقتراني، وإما مسوق لبيان أن الضلال والفسق أخوان فحيثما تحقق أحدهما أنبأ بتحقق الآخر على نحو قياس المساواة إذا أريد من الفاسقين المعنى اللقبي المشهور فلا يكون له إيذان بتعليل، وإما لبيان أن الإضلال المتكيف في إنكار الأمثال إضلال مع غباوة فلا يصدر إلا من اليهود وقد عرفوا بهذا الوصف.
والقول في مذاهب علماء الإسلام في الفسق وتأثيره في الإيمان ليس هذا مقام بيانه إذ ليس هو المقصود من الآية.
فإن كان محمل الفاسقين على ما يشمل المشركين واليهود الذين طعنوا في ضرب المثل كان القصر في قوله: ﴿ وما يضل به ﴾ الخ بالإضافة إلى المؤمنين ليحصل تمييز المراد من المضلل والمهتدى، وإن كان محمل الفاسقين على اليهود كان القصر حقيقياً ادعائياً أي يضل به كثيراً وهم الطاعنون فيه وأشدهم ضلالاً هم الفاسقون، ووجه ذلك أن المشركين أبعد عن الاهتداء بالكتاب لأنهم في شركهم، وأما اليهود فهم أهل كتاب وشأنهم أن يعلموا أفانين الكتب السماوية وضرب الأمثال فإنكارهم إياها غاية الضلال فكأنه لا ضلال سواه.
وجملة ﴿ الذين ينقضون ﴾ إلى آخره صفة للفاسقين لتقرير اتصافهم بالفسق لأن هاته الخلال من أكبر أنواع الفسوق بمعنى الخروج عن أمر الله تعالى.
وجوز أن تكون مقطوعة مستأنفة على أن (الذين) مبتدأ وقوله: ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ خبر وهي مع ذلك لا تخرج عن معنى توصيف الفاسقين بتلك الخلال إذ الاستئناف لما ورد إثر حكاية حال عن الفاسقين تعين في حكم البلاغة أن تكون هاته الصلة من صفاتهم وأحوالهم للزوم الاتحاد في الجامع الخيالي وإلا لصار الكلام مقطعاً منتوفاً فليس بين الاعتبارين إلا اختلاف الإعراب وأما المعنى فواحد فلذلك كان إعرابه صفة أرجح أو متعيناً إذ لا داعي إلى اعتبار القطع.
ومجيء الموصول هنا للتعريف بالمراد من الفاسقين أي الفاسقين الذين عرفوا بهذه الخلال الثلاث فالأظهر أن المراد من الفاسقين اليهود وقد أطلق عليهم هذا الوصف في مواضع من القرآن وهم قد عرفوا بما دلت عليه صلة الموصول كما سنبينه هنا بل هم قد شهدت عليهم كتب أنبيائهم بأنهم نقضوا عهد الله غير مرة وهم قد اعترفوا على أنفسهم بذلك فناسب أن يجعل النقض صلة لاشتهارهم بها، ووجه تخصيصهم بذلك أن الطعن في هذا المثل جرهم إلى زيادة الطعن في الإسلام فازدادوا بذلك ضلالاً على ضلالهم السابق في تغيير دينهم وفي كفرهم بعيسى، فأما المشركون فضلالهم لا يقبل الزيادة، على أن سورة البقرة نزلت بالمدينة وأكثر الرد في الآيات المدنية متوجه إلى أهل الكتاب.
والنقض في اللغة حقيقة في فسخ وحل ما ركب ووصل، بفعل يعاكس الفعل الذي كان به التركيب، وإنما زدت قولي بفعل الخ ليخرج القطع والحرق فيقال نقض الحبل إذا حل ما كان أبرمه، ونقض الغزل ونقض البناء.
وقد استعمل النقض هنا مجازاً في إبطال العهد بقرينة إضافته إلى (عهد الله) وهي استعارة من مخترعات القرآن بنيت على ما شاع في كلام العرب في تشبيه العهد وكل ما فيه وصل بالحبل وهو تشبيه شائع في كلامهم، ومنه قول مالك بن التيهان الأنصاري للنبيء صلى الله عليه وسلم يوم بيعة العقبة: «يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها فنخشى إن أعزك الله وأظهرك أن ترجع إلى قومك» (يريد العهود التي كانت في الجاهلية بين قريش وبين الأوس والخزرج).
وكان الشائع في الكلام إطلاق لفظ القطع والصرم وما في معناهما على إبطال العهد أيضاً في كلامهم.
قال امرؤ القيس: وإن كنتتِ قد أزمعتتِ صرمي فأجملي *** وقال لبيد: أوَ لم تكن تدري نوارِ بأنَّني *** وَصَّالُ عَقد حبائل جَذّامها وقال: بل ما تَذكّر من نَوار وقد نَأَتْ *** وتقطَّعَتْ أَسبابُها ورِمَامُها وقال: فاقْطع لُبانة من تعرَّض وصلُه *** فلَشَرُّ واصِل خُلَّةٍ صَرَّامُها ووجه اختيار استعارة النقض الذي هو حل طَيَّات الحبل إلى إبطال العهد أنها تمثيل لإبطال العهد رويداً رويداً وفي أزمنة متكررة ومعالجة.
والنقض أبلغ في الدلالة على الإبطال من القطع والصرم ونحوهما لأن في النقض إفساداً لهيأة الحبل وزوال رجاء عودها وأما القطع فهو تجزئة.
وفي النقض رمز إلى استعارة مكنية لأن النقض من روادف الحبل فاجتمع هنا استعارتان مكنية وتصريحية وهذه الأخيرة تمثيلية وقد تقرر في علم البيان أن ما يرمز به للمشبه به المطروح في المكنية قد يكون مستعملاً في معنى حقيقي على طريقة التخييل وذلك حيث لا يكون للمشبه المذكور في صورة المكنية رديف يمكن تشبيهه برديف المشبه به المطروح مثل إثباتتِ الأظفار للمنية في قولهم أظفارُ المنية وإثباتتِ المخالببِ والناب للكُماة في قول أبي فِراس الحمداني: فلما اشتدت الهيجاءُ كنَّا *** أَشَدَّ مخالِباً وأَحَدَّ نابا وإثباتتِ اليد للشمال في قول لَبيد: وغداة ريححٍ قد كشفتُ وقِرَّةٍ *** إذْ أصبحت بِيَد الشَّمال زِمامُها وقد يكون مستعملاً في معنى مجازي إذا كان للمشبه في المكنية رديف يمكن تشبيهه برديف المشبه به المضمر نحو ﴿ ينقضون عهد الله ﴾ ، وقد زدنا أنها تمثيلية أيضاً والبليغ لا يفلت هاته الاستعارة مهما تأت له ولا يتكلف لها مهما عسرت فليس الجواز المذكور في قرينة المكنية إلا جوازاً في الجملة أي بالنظر إلى اختلاف الأحوال.
وهذا الذي هو من روادف المشبه به في صورة المكنية وغيرها قد يقطع عن الربط بالمكنية فيكون استعارة مستقلة (وذلك حيث لا تذكر معه لفظاً يراد تشبيهه بمشبه به مضمر) نحو أن تقول فلان ينقض ما أبرم.
وقد يربط بالمكنية وذلك حيث يذكر معه شيء أريد تشبيهه بمشبه به مضمر كما في الآية حيث ذكر النقض مع العهد.
وقد يربط بمصرحة وذلك حيث يذكر مع لفظ المشبه به الذي الرادف من توابعه نحو قوله: «إن بيننا وبين القوم حبالاً نحن قاطعوها» وحينئذٍ يكون ترشيحاً للمجاز وهذه الاعتبارات متداخلة لامتضادة إذ قد يصح في الموضع اعتباران منها أو جميعها وإنما التقسيم بالنظر إلى ما ينظر إليه البليغ أول النظر.
واعلم أن رديف المشبه به في المكنية إذا اعتبر استعارة في ذاته قد يتوهم أن اعتباره ذلك ينافي كونه رمزاً للمشبه به المضمر كالنقض فإنه لما أريد به إبطال العهد لم يكن من روادف الحبل، لكن لما كان إيذانه بالحبل سابقاً عند سماع لفظه لسبق المعنى الحقيقي إلى ذهن السامع حتى يتأمل في القرينة كفى ذلك السبق دليلاً ورمزاً على المشبه به المضمر فإذا حصل ذلك الرمز لم يضر فهمَ الاستعارة في ذلك اللفظ، وأجاب عبد الحكيم بأن كونه رادفاً بعد كونه استعارة بناء على أنه لما شبه به الرادف وسمي به صار رادفاً ادعائياً وفيه تكلف.
و (عهد الله) هو ما عهد به أي ما أوصى برعيه وحفاظه، ومعاني العهد في كلام العرب كثيرة وتصريفه عرفي.
قال الزجاج: «قال بعضهم ما أدري ما العهد» ومرجع معانيه إلى المعاودة والمحافظة والمراجعة والافتقاد ولا أدري أي معانيه أصل لبقيتها وغالب ظني أنها متفرع بعضها عن بعض والأقرب أن أصلها هو العهد مصدر عهده عهداً إذا تذكره وراجع إليه نفسه يقولون عهدتك كذا أي أتذكر فيك كذا وعهدي بك كذا، وفي حديث أم زرع «ولا يسأل عما عهد أي عما عهد وترك في البيت ومنه قولهم في عهد فلان أي زمانه لأنه يقال للزمان الذي فيه خير وشر لا ينساه الناس، وتعهد المكان أو فلاناً وتعاهده إذا افتقده وأحدث الرجوع إليه بعد ترك العهد والوصية ومنه ولي العهد.
والعهد اليمين والعهد الالتزام بشيء، يقال عهد إليه وتعهد إليه لأنها أمور لا يزال صاحبها يتذكرها ويراعيها في مواقع الاحتراز عن خفرها.
وسمي الموضع الذي يتراجعه الناس بعد البعد عنه معهداً.
والعهد في الآية الذي أخذه الله على بني آدم أن لا يعبدوا غيره: ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ﴾ [يس: 60] الآية، فنقضه يشمل الشرك وقد وصف الله المشركين بنقض العهد في قوله: ﴿ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ الآية في سورة الرعد.
(25) وفسر بالعهد الذي أخذه الله على الأمم على ألسنة رسلهم أنهم إذا بعث بعدهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ﴾ [آل عمران: 81] الآيات لأن المقصود من ذلك أخذ العهد على أممهم.
وفسر بالعهد الذي أخذه الله على أهل الكتاب ليبننه للناس: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ﴾ [آل عمران: 187] الآية في تفاسير أخرى بعيدة.
والصحيح عندي أن المراد بالعهد هو العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل غير مرة من إقامة الدين وتأييد الرسل وأن لا يسفك بعضهم دماء بعض وأن يؤمنوا بالدين كله، وقد ذكرهم القرآن بعهود الله تعالى ونقضهم إياها في غير ما آية من ذلك قوله تعالى: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ [البقرة: 40].
﴿ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً إلى قوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ﴾ [المائدة: 12 13] الخ وقوله: ﴿ لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ [المائدة: 70] إلى قوله: ﴿ فعموا وصموا ﴾ [المائدة: 70، 71].
﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ [البقرة: 80 84] إلى قوله: ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ [البقرة: 85] بل إن كتبهم قد صرحت بعهود الله تعالى لهم وأنحت عليهم نقضهم لها وجعلت ذلك إنذاراً بما يحل بهم من المصائب كما في كتاب أرميا ومراثي أرميا وغير ذلك، بل قد صار لفظ العهد عندهم لقباً للشريعة التي جاء بها موسى.
ولما كان قوله: ﴿ الذين ينقضون عهد الله ﴾ الآية وصفاً للفاسقين وكان المراد من الفاسقين اليهود كما علمت كان ذكر العهد إيماء إلى أن الفاسقين هنا هم، وتسجيلاً على اليهود بأنهم قد حق عليهم هذا الوصف من قبل اليوم بشهادة كتبهم وعلى ألسنة أنبيائهم فكان لاختيار لفظ العهد هنا وقع عظيم يتنزل منزلة المفتاح الذي يوضع في حل اللغز ليشير للمقصود فهو العهد الذي سيأتي ذكره في قوله تعالى: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ [البقرة: 40].
والميثاق مفعال وهو يكون للآلة كثيراً كمرقاة ومرآة ومحراث، قال الخفاجي كأنه إشباع للمِفْعَل، وللمصدر أيضاً نحو الميلاد والميعاد وهو الأظهر هنا.
والضمير للعهد أي من بعد توكيد العهد وتوثيقه.
ولما كان المراد بالعهد عهداً غير معيّننٍ، بل كل ما عاهدوا عليه كان توكيد كل ما يفرضه المخاطب بما تقدمه من العهود وما تأخر عنه فهو على حد: ﴿ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيده ﴾ [النحل: 91] فالميثاق إذن عهد آخر اعتبر مؤكداً لعهد سبقه أو لحقه.
وقوله: ﴿ ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ قيل ما أمر الله به أن يوصل هو قرابة الأرحام يعني وحيث ترجح أن المراد به بعض عمل اليهود فذلك إذ تقاتلوا وأخرجوا كثيراً منهم من ديارهم ولم تزل التوراة توصي بني إسرائيل بحسن معاملة بعضهم لبعض.
وقيل الإعراض عن قطع ما أمر الله به أن يوصل هو موالاة المؤمنين.
وقيل اقتران القول بالعمل.
وقيل التفرقة بين الأنبياء في الإيمان ببعض والكفر ببعض.
وقال البغوي يعني بما أمر الله به أن يوصل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل.
وأقول تكميلاً لهذا إن مراد الله تعالى مما شرع للناس منذ النشأة إلى ختم الرسالة واحد وهو إبلاغ البشر إلى الغاية التي خلقوا لها وحفظ نظام عالمهم وضبط تصرفاتهم فيه على وجه لا يعتوره خلل، وإنما اختلفت الشرائع على حسب مبلغ تهييء البشر لتلقي مراد الله تعالى ولذلك قلما اختلفت الأصول الأساسية للشرائع الإلهية قال تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ﴾ [الشورى: 13] الآية.
وإنما اختلفت الشرائع في تفاريع أصولها اختلافاً مراعى فيه مبلغ طاقة البشر لطفاً من الله تعالى بالناس ورحمة منه بهم حتى في حملهم على مصالحهم ليكون تلقيهم لذلك أسهلَ، وعملُهم به أدوم، إلى أن جاءت الشريعة الإسلامية في وقت راهَقَ فيه البشرُ مَبلغَ غاية الكمال العقلي وجاءهم دين تناسب أحكامه وأصوله استعدادهم الفكري وإن تخالفت الأعصار وتباعدت الأقطار فكان ديناً عاماً لجميع البشر، فلا جرم أن كانت الشرائع السابقة تمهيداً له لتهييء البشر لقبول تعاليمه وتفاريعها التي هي غاية مراد الله تعالى من الناس ولذا قال تعالى: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19].
فما من شريعة سلفت إلا وهي حلقة من سلسلة جعلت وِصلة للعُروة الوثقى التي لا انفصام لها وهي عروة الإسلام فمتى بلغها الناس فقد فَصوا ما قبلها من الحلق وبلغوا المراد، ومتى انقطعوا في أثناء بعض الحلق فقد قطعوا ما أراد الله وصله، فاليهود لما زعموا أنهم لا يحل لهم العدول عن شريعة التوارة قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل ففرقوا مجتمعه.
والفساد في الأرض تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ﴾ [البقرة: 12] ومن الفساد في الأرض عكوف قوم على دين قد اضمحل وقت العمل به وأصبح غير صالح لما أراد الله من البشر فإن الله ما جعل شريعة من الشرائع خاصة وقابلة للنسخ إلا وقد أراد منها إصلاح طائفة من البشر معينة في مدة معينة في علمه، وما نسخ ديناً إلا لتمام وقت صلوحيته للعمل به فالتصميم على عدم تلقي الناسخ وعلى ملازمة المنسوخ هو عمل بما لم يبق فيه صلاح للبشر فيصير ذلك فساداً في الأرض لأنه كمداواة المريض بدواء كان وصف له في حالة تبدلت من أحوال مرضه حتى أتى دين الإسلام عاماً دائماً لأنه صالح للكل.
وقوله: ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ قصر قلب لأنهم ظنوا أنفسهم رابحين وهو استعارة مكنية تمثيلية تقدمت في قوله تعالى: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ [البقرة: 16].
وذكر الخسران تخييل مراد منه الاستعارة في ذاته على نحو ما قرر في ﴿ ينقضون عهد الله ﴾ فهذه الآية ظاهرة في أنها موجهة إلى اليهود لما علمت عند قوله: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ ولما علمت من كثرة إطلاق وصف الفاسقين على اليهود، وإن كان الذين طعنوا في أمثال القرآن فريقين: المشركين واليهود، كما تقدم، وكان القرآن قد وصف المشركين في سورة الرعد (25) وهي مكية بهذه الصفات الثلاث في قوله: ﴿ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ﴾ فالمراد بهم المشركون لا محالة فذلك كله لا يُناكد جعل آية سورة البقرة موجهة إلى اليهود إذ ليس يلزم المفسر حمله آي القرآن على معنى واحد كما يوهمه صنيع كثير من المفسرين حتى كان آي القرآن عندهم قوالب تفرغ فيها معان متحدة.
واعلم أن الله قد وصف المؤمنين بضد هذه الصفات في قوله تعالى: ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ الآية في سورة الرعد (25).
واعلم أن نزول هذه الآيات ونحوها في بعض أهل الكتاب أو المشركين هو وعيد وتوبيخ للمشركين وأهل الكتاب وهو أيضاً موعظة وذكرى للمؤمنين ليعلم سامعوه أن كل من شارك هؤلاء المذمومين فيما أوجب ذمهم وسبب وعيدهم هو آخذ بحظ مما نالهم من ذلك على حسب مقدار المشاركة في الموجب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ لا يَسْتَحْيِي ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لا يَتْرُكُ.
والثّانِي: [يُرِيدُ] لا يَخْشى.
والثّالِثُ: لا يَمْتَنِعُ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.
وَأصْلُ الِاسْتِحْياءِ الِانْقِباضُ عَنِ الشَّيْءِ والِامْتِناعُ مِنهُ خَوْفًا مِن مُواقَعَةِ القُبْحِ.
والبَعُوضَةُ: مِن صِغارِ البَقِّ سُمِّيَتْ بَعُوضَةً، لِأنَّها كَبَعْضِ البَقَّةِ لِصِغَرِها.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ ما بَعُوضَةً ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ (ما) بِمَعْنى الَّذِي، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي هو بَعُوضَةٌ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ إلى ما فَوْقَها.
والثّالِثُ: أنَّ (ما) صِلَةٌ زائِدَةٌ، كَما قالَ النّابِغَةُ: قالَتْ ألا لَيْتَما هَذا الحَمامُ لَنا إلى حَمامَتِنا ونِصْفُهُ فَقَدِ ﴿ فَما فَوْقَها ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَما فَوْقَها في الكِبَرِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: فَما فَوْقَها في الصِّغَرِ، لِأنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ هو الصِّغَرُ.
وَفِي المَثَلِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وارِدٌ في المُنافِقِينَ، حَيْثُ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ﴾ فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ أعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الأمْثالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ هَذا مَثَلٌ مُبْتَدَأٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِلدُّنْيا وأهْلِها، وهو أنَّ البَعُوضَةَ تَحْيا ما جاعَتْ، وإذا شَبِعَتْ ماتَتْ، كَذَلِكَ مَثَلُ أهْلِ الدُّنْيا، إذا امْتَلَأُوا مِنَ الدُّنْيا، أخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حِينَ ذَكَرَ في كِتابِهِ العَنْكَبُوتَ والذُّبابَ وضَرَبَهُما مَثَلًا، قالَ أهْلُ الضَّلالَةِ: ما بالُ العَنْكَبُوتِ والذُّبابِ يُذْكَرانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وتَأْوِيلُ الرَّبِيعِ أحْسَنُ، والأوَّلُ أشْبَهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بِالتَّكْذِيبِ بِأمْثالِهِ، الَّتِي ضَرَبَها لَهم كَثِيرًا، ويَهْدِي بِالتَّصْدِيقِ بِها كَثِيرًا.
والثّانِي: أنَّهُ امْتَحَنَهم بِأمْثالِهِ، فَضَلَّ قَوْمٌ فَجَعَلَ ذَلِكَ إضْلالًا لَهُمْ، واهْتَدى قَوْمٌ فَجَعَلَهُ هِدايَةً لَهم.
والثّالِثُ: أنَّهُ إخْبارٌ عَمَّنْ ضَلَّ ومَنِ اهْتَدى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ أمّا النَّقْضُ، فَهو ضِدُّ الإبْرامِ، وفي العَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الوَصِيَّةُ.
والثّانِي: المَوْثِقُ.
والمِيثاقُ ما وقَعَ التَّوَثُّقُ بِهِ.
وَفِيما تَضَمَّنَهُ عَهْدُهُ ومِيثاقُهُ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَهْدَ وصِيَّةُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وأمْرُهُ إيّاهم بِما أمَرَهم بِهِ مِن طاعَةٍ، ونَهْيُهُ إيّاهم عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِن مَعْصِيَةٍ في كُتُبِهِ، وعَلى لِسانِ رُسُلِهِ، ونَقْضُهم ذَلِكَ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ.
والثّانِي: أنَّ عَهْدَهُ ما خَلَقَهُ في عُقُولِهِمْ مِنَ الحُجَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ بِالمُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّ عَهْدَهُ ما أنْزَلَهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ [مَن]، عَلى صِفَةِ النَّبِيِّ ، والوَصِيَّةُ المُؤَكَّدَةُ بِاتِّباعِهِ، فَذَلِكَ العَهْدُ الَّذِي نَقَضُوهُ بِجُحُودِهِمْ لَهُ بَعْدَ إعْطائِهِمُ اللَّهَ تَعالى المِيثاقَ مِن أنْفُسِهِمْ، لِيُبَيِّنَهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ، أنَّهم نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.
والرّابِعُ: أنَّ العَهْدَ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ، الَّذِي وصَفَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا ﴾ .
وفي هَذِهِ الكِتابَةِ الَّتِي في مِيثاقِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ مِيثاقِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّها كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى العَهْدِ وتَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ مِيثاقِ العَهْدِ.
وَفِيمَن عَناهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُنافِقُونَ.
والثّانِي: أهْلُ الكِتابِ.
والثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أنْ يُوصَلَ هو رَسُولُهُ، فَقَطَعُوهُ بِالتَّكْذِيبِ والعِصْيانِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ الرَّحِمُ والقَرابَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أنْ يُوصَلَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ وفي إفْسادِهِمْ في الأرْضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو اسْتِدْعاؤُهم إلى الكُفْرِ.
والثّانِي: أنَّهُ إخافَتُهُمُ السُّبُلَ وقَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخُسْرانَ هو النُّقْصانُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: إنَّ سَلِيطًا في الخَسارِ إنَّهْ ∗∗∗ أوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أقِنَّهْ يَعْنِي بِالخَسارِ، ما يَنْقُصُ حُظُوظَهم وشَرَفَهم.
والثّانِي: أنَّ الخُسْرانَ هَهُنا الهَلاكُ، ومَعْناهُ: أُولَئِكَ هُمُ الهالِكُونَ.
وَمِنهم مَن قالَ: كُلُّ ما نَسَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخُسْرانِ إلى غَيْرِ المُسْلِمِينَ فَإنَّما يَعْنِي الكُفْرَ، وما نَسَبَهُ إلى المُسْلِمِينَ، فَإنَّما يَعْنِي بِهِ الذَّنْبَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين قوله: ﴿ كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ وقوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال.
فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ﴾ إلى قوله أولئك ﴿ هم الخاسرون ﴾ .
وأخرج عبد الغني الثقفي في تفسيره والواحدي عن ابن عباس قال: إن الله ذكر آلهة المشركين فقال: ﴿ وإن يسلبهم الذباب شيئاً ﴾ وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد.
أي شيء كان يصنع بهذا؟
فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟
فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أنزلت ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل ﴾ قال المشركون: ما هذا من الأمثال فيضرب، أو ما يشبه هذا الأمثال.
فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ﴾ لم يرد البعوضة إنما أراد المثل.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ﴿ البعوضة ﴾ أضعف ما خلق الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس لا تغتروا بالله، فإن الله لو كان مغفلاً شيئاً لأغفل البعوضة، والذرة، والخردلة» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق ﴾ أي أن هذا المثل الحق ﴿ من ربهم ﴾ وأنه كلام الله ومن عنده.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق ﴾ قال: يؤمن به المؤمنون، ويعلمون أنه الحق من ربهم، ويهديهم الله به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ يضل به كثيراً ﴾ يعني المنافقين ﴿ ويهدي به كثيراً ﴾ يعني المؤمنين ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ قال: هم المنافقون.
وفي قوله: ﴿ الذين ينقضون عهد الله ﴾ فأقروا به، ثم كفروا فنقضوه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ قال: فسقوا فأضلهم الله بفسقهم.
وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص قال: الحرورية هم ﴿ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ قال: إياكم ونقض هذا الميثاق.
وكان يسميهم الفاسقين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ قال: إياكم ونقض هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضه، وأوعد فيه، وقدم فيه في آي من القرآن تقدمة، ونصيحة، وموعظة، وحجة.
ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق.
فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليوف به.
وأخرج أحمد والبزار وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» .
وأخرج الطبراني في الكبير من حديث عبادة بن الصامت وأبي أمامة.
مثله.
وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر.
مثله.
وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسن العهد من الإِيمان» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ قال: الرحم والقرابة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويفسدون في الأرض ﴾ قال: يعلمون فيها بالمعصية.
وأخرج ابن المنذر عن مقاتل في قوله تعالى ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ يقول هم أهل النار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإِسلام من اسم.
مثل خاسر، ومسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإِسلام فإنما يعني به الذنب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ ينَقُضُونَ ﴾ .
(والذين) من صفة الفاسقين.
و (النقض) في اللغة: الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء (١) (٢) (٣) (٤) والمناقضة في الشعر أن (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ .
(العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة (٩) (١٠) (١١) ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ ﴾ أي ألم آمركم (١٢) (١٣) (١٤) وذكر أبو إسحاق للعهد (١٥) (١٦) ، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ ﴾ .
وقال (١٧) ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم.
والوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه.
والثاني مع هذه صحيح، لأنهم (١٨) (١٩) وهذا (٢٠) ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ في سورة الرعد، قال: يريد الذي (٢١) ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ .
(من) صلة لأجل التأكيد (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) و (الياء) في الميثاق منقلبة عن الواو (٢٨) وقال الفراء: يقال في جمع الميثاق: مياثق ومواثق، قال (٢٩) حِمىً لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلَّا بِإذْنِنَا ...
وَلَا نَسْأَلُ الأَقْواَمَ عَقْدَ المَيَاثِقِ (٣٠) والكناية في الميثاق يجوز أن تكون (٣١) (٣٢) (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾ يعني الأرحام (٣٤) بالمعاداة معه (٣٥) وقيل: هو الإيمان بجميع الرسل والكتب، وهو نوع من الصلة، لأنهم قالوا: ﴿ نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ ﴾ فقطعوا.
وهذا الوجه هو قول ابن عباس ذكره في الآية التي في (الرعد) (٣٦) (٣٧) قال الزجاج: وموضع ﴿ أَنْ يُوصَلَ ﴾ خفض على، (٣٨) (٣٩) ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ أُوْلئِكَ هُمُ الخاَسِرُونَ ﴾ .
أصل الخسران في التجارة أن يبتاع الرجل شيئًا فيوضع من رأس ماله (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (١) ذكر نحوه الأزهري عن الليث، "تهذيب اللغة" (نقض) 4/ 3648، وانظر "اللسان" (نقض) 8/ 4524.
(٢) في (أ): (نقيض).
(٣) في (أ) و (ج): (ما تنقضه) وما في (ب) أصح، وموافق لما في "الوسيط" 1/ 68.
(٤) النقض: لغة: هو الكسر، وفي الاصطلاح: بيان تخلف الحكم المدعي عليه ثبوته أو نفيه عن دليل المعلل الدال عليه في بعض الصور.
انظر "التعريفات" للجرجاني ص 245.
والتناقض: (اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي لذاته أن يكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة) انظر: "تيسير القواعد المنطقية شرح الرسالة الشمسية" 1/ 169.
(٥) في (ب): (الشعر أو يقول ...).
(٦) في (ب): (النقضة).
(٧) في (ب): (أنقاض).
(٨) ذكره الأزهري في "التهذيب" عن الليث (نقض) 8/ 364، انظر "اللسان" (نقض) 8/ 4524.
(٩) ذكر الأزهري عن أبي عبيد أن العهد يكون في أشياء مختلفة ثم ذكرها، انظر: "التهذيب" (عهد) 3/ 32607.
(١٠) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 217.
(١١) في (ب): (أدا).
(١٢) أنظر: "تهذيب اللغة" (عهد) 3/ 2607.
(١٣) في (ج): (أيضم).
(١٤) انظر: "التهذيب" (عهد) 3/ 2607، "مفردات الراغب" ص 350.
(١٥) في (ب): (العهد).
(١٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 73، 72، وقد ذكر ثلاثة أوجه، وجهان ذكرهما المؤلف هنا، والثالث حين قال: وقال قوم: إن عهد الله: هو الاستدلال على توحيده، وأن كل مميز يعلم أن الله خالق، فعليه الإيمان به، ثم قال: والقولان الأولان في القرآن ما يصدق تفسيرهما.
وذكر "الطبري" هذِه الوجوه وغيرها.
(١٧) هذا هو الوجه الثاني.
(١٨) في (أ)، (ج): (لأنه) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.
(١٩) وبهذا يستدرك الواحدي على كلامه السابق عن العهد الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرج ذرية آدم من ظهره، فهذا العهد ثابت بالخبر الصحيح، أخرجه "الطبري" في (تفسيره)، وجمع محمود شاكر طرقه وانتهى إلى الأخذ بما قرره == أحمد شاكر من تصحيح الحديث انظر: "الطبري" 13/ 223 ،222.
قال ابن الجوزي: (ونحن وإن لم نذكر ذلك العهد، فقد ثبت بخبر الصادق فيجب الإيمان به) "زاد المسير" 1/ 56.
ويبقى السؤال هل الميثاق المأخوذ عليهم هو العهد المراد بهذِه الآية أم لا؟
رجح ابن جرير: أن المراد بالعهد في هذِه الآية العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل في التوراة من الإقرار بمحمد بما جاء به وتبيين نبوته.
انظر: "الطبري" 1/ 182 - 183.
ورجح القرطبي وغيره.
أنها عامة والعهد هو وصية الله تعالى إلى خلقه وأمره إياهم بطاعته وطاعة رسله، ونقضهم للعهد ترك ذلك.
انظر: "القرطبي" 1/ 210، ابن كثير 1/ 70.
(٢٠) في (أ)، (ج): (هذِه) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.
(٢١) في (ب): (الذين).
(٢٢) سورة الأعراف: 172.
الأثر عن ابن عباس ذكره الواحدي في "الوسيط" قال (وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء) "الوسيط" 1/ 68.
ولم أجد الأثر عن ابن عباس في هذا المعنى في آية (البقرة) ولا في آية (الرعد) وقد وردت آثار عن ابن عباس من طريق عطاء في الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم أوردها "الطبري" في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ وليس في الآثار ذكر أنه هو العهد المراد بآية البقرة أو الرعد.
انظر: "تفسير الطبري" 9/ 110 - 118.
(٢٣) وقيل: لابتداء الغاية، انظر: "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 27، "زاد المسير" 1/ 56، "البحر" 1/ 127، قال أبو حيان: إن القول إنها زائدة بعيد.
(٢٤) في (ب): (للتوثيق).
(٢٥) في (ج): (من معاد).
(٢٦) في (ب): (الصداق).
(٢٧) انظر.
"الوسيط" 1/ 69، و"الطبري" 1/ 184، "تهذيب اللغة" (وثق) 4/ 3834، "الكشاف" 2/ 268، "البحر" 1/ 127، "القرطبي" 1/ 211.
(٢٨) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب، "القرطبي" 1/ 211.
(٢٩) قول الفراء أورده الأزهري في "تهذيب اللغة"، قال: وأنشد في لغة (الياء)، أي (مياثق) "التهذيب" (وثق) 4/ 3834، وانظر "اللسان" (وثق) 8/ 4764.
(٣٠) البيت لعياض بن درة الطائي، وقيل: عياض بن أم درة، يصف قومه بالمنعة والقوة يقول: لنا حمى لا يحله احد إلا بإذننا، ولا نسأل أحدا عقد ميثاق حماية.
ورد البيت في "تهذيب اللغة" (وثق) 4/ 3834، "إصلاح المنطق" ص 138، "الخصائص" 3/ 175، "اللسان" (وثق) 8/ 4764، "شرح المفصل" 5/ 221، وأورد أبو زيد البيت على رواية (المواثق) وقال عن راوية المياثق: إنها شاذة: انظر "النوادر" ص 271.
(٣١) في (أ)، (ج): (يكون) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.
(٣٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج) والزيادة في (ب) يقتضيها السياق وقد وردت في "الوسيط" 1/ 69.
(٣٣) انظر "الطبري" 1/ 184، وابن عطية 1/ 218، "زاد المسير" 1/ 56، "الإملاء" 1/ 27، "الكشاف" 1/ 268.
(٣٤) رجح "الطبري" هذا القول 1/ 185، وانظر الثعلبي 1/ 555 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 105، "زاد المسير" 1/ 57، وابن كثير 1/ 70.
(٣٥) وهي عامة لكل قاطع لما أمر الله بوصله، انظر: "الطبري" 1/ 185.
(٣٦) وهي قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ .
(٣٧) وصلوا بينهم الإيمان بجميع الرسل.
انظر: "الوسيط" 1/ 69.
والرواية عن ابن عباس ذكرها أبو الليث من طريق الضحاك وعطاء، في آية (البقرة) ولم أجد أحدًا - فيما اطلعت عليه- ذكرها في الرعد، الظر: "الطبري" 13/ 139 - 140، وقد ذكر الثعلبي1/ 59 ب، والبغوي 1/ 77، كلام ابن عباس بمعناه ولم ينسباه.
(٣٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٩) انتهي كلام الزجاج، "معاني القرآن" 1/ 73، وفيه (بأن يوصل).
(٤٠) انظر: "الطبري" 1/ 185، والثعلبي 1/ 59 ب.
(٤١) في (ب): (المال).
(٤٢) في (ب): (وصفقته).
(٤٣) انظر: "الطبري" 1/ 185، "التهذيب" (خسر) 1/ 1028، "مفردات الراغب" 147.
(٤٤) في (ب): (نقضوا).
(٤٥) انظر: "الطبري" 1/ 185، والثعلبي 1/ 59 ب، "القرطبي" 1/ 212.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَهْدَ الله ﴾ مطلق في العهود وكذلك ما بعده من القطع والفساد، ويحتمل أن يشار بنقض عهد الله إلى اليهود، لأنهم نقضوا العهد الذي أخذ الله عليهم في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويشار بقطع ﴿ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ إلى قريش؛ لأنهم قطعوا الأرحام التي بينهم وبين المؤمنين، ويشار بالفساد في الأرض إلى المنافقين؛ لأن الفساد من أفعالهم، حسبما تقدّم في وصفهم ﴿ مِيثَاقِهِ ﴾ الضمير للعهد أو لله تعالى ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ موضعها الاستفهام، ومعناها هنا: الإنكار والتوبيخ ﴿ وَكُنْتُمْ أمواتا ﴾ أي معدومين أي: في أصلاب الآباء، أو نطفاً في الأرحام ﴿ فأحياكم ﴾ أي أخرجكم إلى الدنيا ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ الموت المعروف ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ بالبعث ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ للجزاء، وقيل: الحياة الأولى حين أخرجهم من صلب آدم لأخذ العهد، وقيل: في الحياة الثانية إنها في القبور، والراجح القول الأول لتعينه في قوله: ﴿ وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ [الحج: 66].
فوائد ثلاثة: الأولى: هذه الآية في معرض الردّ على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان قولهم.
فإن قيل: إنما يصح الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتج عليهم بالبعث وهم منكرون له؟
فالجواب: أنه ألزموا من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت ثبوت البعث، لأن القدرة صالحة لذلك كله.
الثانية: قوله: ﴿ وكنتم أمواتاً ﴾ في موضع الحال، فإن قيل: كيف جاز ترك قد وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال فالجواب: أنه قد جاء بعد الماضي مستقبل، والمراد مجموع الكلام.
كأنه يقول: وحالهم هذه.
فلذلك لم تلزم قد.
الثالثة: عطف فأحياكم بالفاء؛ لأن الحياة إثر العدم ولا تراخي بينهما، وعطف ثم يميتكم وثم يحييكم بثم؛ للتراخي الذي بينهما.
<div class="verse-tafsir"
الوقوف: ﴿ فما فوقها ﴾ (ط) ﴿ من ربهم ﴾ (ج) لأن الجملتين وإن اتفقتا فكلمة "أما للتفصيل بين الجمل ﴿ مثلاً ﴾ (م) لأنه لو وصل صار ما بعده صفة له وليس بصفة إنما هو ابتداء إخبار من الله عز وجل جواباً لهم.
﴿ ويهدي به كثيراً ﴾ (ط) ﴿ الفاسقين ﴾ (لا) لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ ميثاقه ﴾ (ص) لعطف المتفقتين ﴿ في الأرض ﴾ (ص) ﴿ الخاسرون ﴾ (ه).
التفسير: لما بين كون القرآن معجزاً أورد شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها.
عن ابن عباس: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ وقوله ﴿ أو كصيب ﴾ قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله هذه الآية.
وعن الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله فنزلت.
والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض؟
وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: "أجرأ من الذباب" و "أضعف من بعوضة" و "كلفتني مخ البعوض".
ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة كالزوان حب يخالط البر، وكحبة خردل، والمنخل والحصاة والأرضة والدود والزنابير.
قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع واشتد غلب عليه الزوان.
فقال عبيد الزارع: يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟
فقال: بلى قالوا: فمن أين هذا الزوان؟
قال: لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان تقلعوا معه حنطة، دعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد.
فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزماً ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الجرين، وأفسر لكم، ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة وهو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هي أبناء الملكوت الذين يعملون بطاعة الله، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنو آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية، وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار فكذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين وجميع عمال الإثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنالك البكاء وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع.
وأضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء، رجل آخر أخذ حبة الخردل وهي أصغر الحبوب فزرعها في قرية، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول، وجاء طير السماء فعشش في فروعها، فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره ونجا به من اهتدى.
وقال: لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا ينسفها الرياح.
وقال: لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسد، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص، ولكن ادخروا ذخائركم عند الله.
وقال: نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يغزلن ولا يشخصن، ومنهن ما هو في جوف الحجر الأصم وفي جوف العود، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله أفلا تعقلون؟!
وقال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، كذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم.
هذا ونحن نرى أن الإنسان يذكر معنى فلا يلوح كما ينبغي، فإذا ذكر المثال اتضح وانكشف.
وذلك أن من طبع الخيال حب المحاكاة، فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل، وإذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح وجب ذكره في الكتاب الذي أنزل تبياناً لكل شيء.
ثم إن الله هو الذي خلق الكبير والصغير، وحكمته في كل ما خلق وبرأ عامة بالغة، وليس الصغير أخف عليه من الكبير، ولا الكبير أصعب عليه من الصغير.
فالمعتبر إذن ما يليق بالقصة، فإذا كان اللائق بها الذباب والعنكبوت لخسة مضرب المثل ووهنه، فكيف يضرب بالفيل وبشيء مستحكم النسج والصفاقة؟
وهذا مما لا يخفى على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت دفع الواضح وإنكار المستقيم، وكم من عائب قولاً صحيحاً *** وآفته من الفهم السقيم والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به، ويذم واشتقاقه من الحياة، يقال: حيي الرجل كما يقال نسي وحشي إذا اشتكى النسا والحشا، وكأن الحيي صار منتقص القوة منتكس الحياة وقد عرفت في الأسماء الحسنى، أن أمثال هذه الصفات إنما يجوز أن تطلق على الله بعد الإذن الشرعي باعتبار النهايات لا باعتبار المبادئ.
فحديث سلمان قال رسول الله : "إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً" إنما جاء على سبيل التمثيل لأنه مثل تركه تخييب العبد بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه.
ومعنى قوله ﴿ إن الله لا يستحيي ﴾ أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها.
ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت؟
فجاءت على سبيل المقابلة والطباق، وهو فن بديع قال أبو تمام: من مبلغ أفناء يعرب كلها *** أني بنيت الجار قبل المنزل فلولا بناء الدار لم يصح بناء الجار، وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه: إذا ما استحين الماء يعرض نفسه *** كرعن بسبت في إناء من الورد فيصف كثرة مياه الأمطار في طريقه، وأنه أينما ذهب رأى الماء وكأنه يعرض نفسه على النوق فتستحيي فتكرع فيه مشافر كأنها السبت وهو الجلد المدبوغ بالقرظ، وشبه الأرض وفيها الماء وحواليه الأزهار بإناء من الورد.
وفيه لغتان: استحييت منه واستحييته وهما محتملتان ههنا.
وضرب المثل اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم، وفي الحديث: ضرب رسول الله خاتماً من ذهب.
و "ما" هذه إبهامية، إذا اقترنت باسم نكرة زادته شياعاً وعموماً كقولك "أعطني كتاباً ما" تريد أي كتاب كان، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله ﴿ فبما نقضهم ﴾ أي مثلاً حقاً أو ألبتة.
وانتصب ﴿ بعوضة ﴾ بأنها عطف بيان و ﴿ مثلاً ﴾ وذلك أن ما يضرب به المثل قد يسمى مثلاً كما يقال: حاتم مثل في الجود.
أو مفعول لـ ﴿ يضرب ﴾ و ﴿ مثلاً ﴾ حال عن النكرة مقدمة عليها، أو انتصبا مفعولين فجرى "ضرب" مجرى "جعل".
والبعوض في أصله صفة على فعول من البعض القطع فغلبت، ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه وفي معناه البضع والعضب.
ومن غرائب خلقه أنه مع صغره أعطي كل ما أعطي الفيل مع كبره، ففيه إشارة إلى أن خلق أحدهما ليس أصعب من خلق الآخر، وإشارة إلى حالة الإنسان وكمال استعداده كما قال : "إن الله خلق آدم على صورته" أي على صفته فأعطاه على ضعفه من كل صفة من صفات جماله وجلاله أنموذجاً ليشاهد في مرآة نفسه جمال صفات ربه.
ومن العجائب أن خرطومه في غاية الصغر، ومع ذلك مجوف.
ومع فرط صغره وكونه مجوفاً يغوص في جلد الجاموس والفيل على ثخانته كما يضرب الرجل أصبعه في الخبيص، وذلك لما ركب الله في رأس خرطومه من السم.
وقوله ﴿ فما فوقها ﴾ أي فالذي هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله بكل هذه الأشياء، أو أراد فما فوقها في الصغر كجناح البعوضة حيث ضربه مثلاً للدنيا، وهذا أولى لأن الآية نزلت في بيان أن الله لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، فيجب أن يكون المذكور ثانياً أحقر من الأول.
والفاء ههنا تفيد الترتيب في الذكر لأنه يذكر في هذا المقام الأخس فالأخس كقوله: "يا دار مية بالعلياء فالسند" *** لأنه يذكر في تعريف الأمكنة الأخص بعد الأعم، فكأن العلياء موضع وسيع يشتمل على مواضيع منها السند.
﴿ وأما ﴾ حرف فيه معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء، وفائدته التوكيد.
تقول: زيد ذاهب.
فإذا قصدت التوكيد وأن الذهاب منه عزيمة قلت: أما زيد فذاهب ولذلك قال سيبويه في تفسيره.
"مهما يكن من شيء فزيد ذاهب" وليس مراده من هذا التفسير أن "أما" بمعنى "مهما" "كيف" - وهذه حرف ومهما اسم - بل قصده إلى المعنى البحث أي أن يكن في الدنيا شيء يوجد ذهاب زيد فهذا، جزم بوقوع ذهابه لأنك جعلت حصول ذهابه لازماً لحصول أي شيء في الدنيا، وما دامت الدنيا باقية فلا بد من حصول شيء فيها.
ففي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعي على الكافرين ورميهم بالكلمة الحمقاء.
والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وحق الأمر ثبت ووجب.
والضمير في ﴿ أنه الحق ﴾ للمثل، أو لـ ﴿ أن يضرب ﴾ و ﴿ ماذا ﴾ فيه وجهان: أن يكون "ذا" اسماً موصولاً بمعنى الذي، فيكون كلمتين: "ما" مبتدأ وخبره "ذا" مع صلته، وأن تكون "ذا" مركبة مع "ما" مجعولتين اسماً واحداً، فيكون منصوب المحل في حكم "ما" وحده لو قلت: ما أراد الله، وجوابه على الأول مرفوع وعلى الثاني منصوب.
وقد يجيء على العكس كما تقول في جواب من قال: ما رأيت خير "أي المرئي خير".
وفي جواب: ما الذي رأيت خيراً "أي رأيت خيراً".
والإرادة نقيض الكراهة، قال الإمام الرازي: الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته.
والمتكلمون أنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع بل في الإيقاع.
واحترز بهذا القيد الأخير عن القدرة.
واختلفوا في كونه مريداً مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله .
فزعم النجار أنه معنى سلبي ومعناه أنه غير ساهٍ ولا مكره.
ومنهم من قال: إنه أمر ثبوتي.
ثم اختلفوا فالجاحظ والكعبي وأبو الحسين البصري: معناه علمه باشتمال الفعل على المصلحة أو المفسدة، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف.
والأشاعرة وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهم: أنه صفة زائدة على العلم.
ثم القسمة في تلك الصفة أنها إما أن تكون ذاتية وهو القول الآخر للنجار، وإما أن تكون معنوية، وذلك المعنى إما أن يكون قديماً وهو قول الأشعري، أو محدثاً وذلك المحدث إما أن يكون قائماً بالله وهو قول الكرّامية، أو قائماً بجسمٍ آخر ولم يقل به أحد، أو موجوداً لا في محل وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما.
وفي قوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ استرذال واستحقار كما قالت عائشة في عبد الله بن عمرو بن العاص حين أفتى بنقض ذوائب النساء في الاغتسال "يا عجباً لابن عمرو هذا" محقرة له.
و ﴿ مثلاً ﴾ نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث "ماذا أردت بهذا جواباً" ولمن حمل سلاحاً رديئاً "كيف تنتفع بهذا سلاحاً" أو على الحال نحو ﴿ هذه ناقة الله لكم آية ﴾ وقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بـ ﴿ أما ﴾ وأهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ ﴿ وقليل ما هم ﴾ إنما يوصفون به بالقياس إلى أهل الضلال.
وأيضاً فإن المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة.
إن الكرام كثير في البلاد وإن *** قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا وإسناد الإضلال إلى الله إسناد الفعل إلى السبب البعيد، لأنه لما ضرب المثل ازداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم فتسبب لهديهم، وازدادت الكفرة رجساً إلى رجسهم فتسبب لضلالهم عن الحق.
والفسق الخروج عن القصد قال رؤبة: فواسقاً عن قصدها جوائر *** يذهبن في نجد وغوراً غائراً والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو عند أهل السنة من أهل الإيمان إلا أنه عاصٍ، وعند الخوارج كافر، وعند المعتزلة نازل بين المنزلتين، لأن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وأن لا تقبل له شهادة.
ومذهب مالك بن أنس والزيدية أن الصلاة لا تجزئ خلفه.
ويقال للخلفاء المردة من الكفار الفسقة، وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ يعني اللمز والتنابز ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ والنقض: الفسخ وفك التركيب.
وإنما ساغ استعمال النقض في إبطال العهد من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا كقولك "عالم يغترف منه الناس" فتنبه بالاغتراف من العالم بأنه بحر، وتسكت عن المستعار لأنك رمزت إليه بذكر شيء من لوازمه.
والعهد: الموثق.
عهد إليه في كذا إذا أوصاه به ووثقه عليه.
والمراد بالناقضين إما كل من ضل وكفر لأنهم نقضوا عهداً أبرمه الله بإراءة آياته في الآفاق وفي أنفسهم وبما ركز في عقولهم من إقامة البينة على الصانع وعلى توحيده وعلى حقية شريعته بعد إزاحة العلات وإزالة الشبهات، وإما قوم من أهل الكتاب وقد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد وبيّن لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته.
وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﴿ وإذ أخذ ربك ﴾ الآية.
وعهد خص به النبيين أن يبلغو الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ وعهد خص به العلماء ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ والضمير في ﴿ ميثاقه ﴾ للعهد.
والميثاق إما مصدر بمعنى التوثقة كالميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة، أو اسم لما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله اي من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق الله به عهده من آياته وكتبه ورسله.
ومعنى قطعهم ما أمر الله به أن يوصل، إما قطعهم ما بينهم وبين رسول الله من القرابة والرحم، أو قطعهم موالاة المؤمنين إلى موالاة الكافرين، أو قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض.
والأمر طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور، لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به.
وللأمر حرف واحد وهو اللام الجازم نحو "ليفعل" وصيغ مخصوصة للمخاطب نحو "انزل" و "نزال" و "صه".
وقد يستعمل في الدعاء والالتماس بمعونة القرينة وظاهره للوجوب، وغيره من الندب أو الإباحة يتوقف على القرينة.
وقوله ﴿ أن يوصل ﴾ بدل الاشتمال من الضمير المجرور، والجار الذي ينبغي أن يعاد مقدر تقديره بأن يوصل أي بوصله.
والإفساد في الأرض إما إظهار المعاصي، وإما التنازع وإثارة الفتن.
﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والإفساد بالإصلاح، وعقاب هذه الأمور بثوابها ﴿ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .
كأن هذا - والله أعلم - يخرج جواباً على أثر قول قاله الكفرةُ لرسول الله - على ما ذكره بعض أَهل التأْويل - فقالوا: ما يستحي ربك أَن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه، وملوكُ الأَرض لا يذكرون ذلك، ويستحيون؟
فقال عز وجل جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى...
﴾ الآية.
لأَن ملوك الأَرض إنما ينظرون إلى هذه الأَشياءِ بالاسحقار لها، والاستذلال؛ فيستحيون ذكرها على الإنكاف، والأَنَفَة.
والله - عز وجل - لا يستحيى عن ذلك؛ لأَن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم، أَكبر من الكبارِ منها والعظام؛ لأَن الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب، وتركيب ما يحتاج إليه من الفم والأَنف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قَدروا، ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأَجسام والكبار منها.
فأُولئك لم ينظروا إليها لما فيه من الأعجوبة واللطافة، ولكن نظروا للحقارة، والخساسة أنفاً منهم وإِنكافاً.
ثم اختلف أَهل الكلام في إضافة الحياءِ إِلى الله : فقال قوم: يجوز ذلك بما رُوي في الخبر: "أَن الله يستحيى أَن يعذب من شاب فى الإسلام" ولأنه يجوز كالتكبر، والاستهزاءِ، والمخادعة، وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم.
وقال آخرون: لا يجوز إضافته إلى الله ؛ لأَن تحته الإِنكاف والأَنفه، وذلك عن الله مَنْفِيٌّ، ولكن الحياء هو الرضاء هاهنا، والحياء الترك؛ أَي: لا يترك ولا يدع.
وقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ .
أي: علموا أن ضرب المثل بما ذكر من صغار الأَجسام والجثة حق؛ لما نظروا إلى ما فيها من الأُعجوبة والحكمة واللطافة.
وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ .
لم ينظروا فيها لما فيها من الأُعجوبة والحكمة، ولكن نظروا للخساسة والحقارة.
وقوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ﴾ .
الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنه جواب قولهم: ﴿ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ فقال: أَرَاد أَن يضل بهذا المثل كثيراً، وأَراد أن يهدي به كثيراً، أَضل به من علم منه أَنه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أَنه يختار الهدى، أراد من كل ما علم منه أَنه يختار ويُؤثر، والله أَعلم.
وهم يقولون: بل أَراد أن يهدي به الكلَّ ولكنهم لم يهتدوا.
والثاني: يُضلُّ به كثيراً؛ أَي: خَلَقَ فِعْلَ الضلالة من الضال، وخلقَ فعل الاهتداءِ من المُهتدِي.
وقد ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾ .
أي: ما يُضِل بهذا المثَل إلا الفاسق الذي لا ينظر إلى ما فيها من الأُعجوبة واللطافة في الدلالة.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ ﴾ .
عهد الله يكون على وجهين: عهدُ خِلْقةٍ؛ لما يشهد خَلْقه كُلُّ أحدٍ على وحدانية الرب؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ .
وكقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ...
﴾ الآية [الروم: 8].
إنه إن نظر في نفسه وتأَمل عرف أَن له صانعاً وأَنه واحد لا شريك له.
وعَهْدُ رسالةٍ على أَلْسِنة الأَنبياءِ والرسل عليهم السلام؛ كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...
﴾ الآية [المائدة: 12].
وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...
﴾ الآية [آل عمران: 187].
فنقضوا العهدين جميعاً؛ عهدَ الخلقة، وعهد الرسالة.
وقوله: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ .
يَحْتَمِل وجهين: يقطعون الإيمان ببعض الرسل وقد أُمروا بالوصل؛ كقوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ .
وقيل: يقطعون ما أمر الله أَن يوصل من صلة الأرحام.
وقوله: ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: يفسدون بما يأمرون في الأرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .
وقيل: يفسدون، أي: يتعاطَوْن بِأنفسهم في الأَرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ .
وقوله: ﴿ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ .
يحتمل أَيضاً وجهين: خسروا لما فات عنهم، وذهب من المنى والأَماني في الدنيا.
ورُوي عن الحسن أَنه قال في قوله: ﴿ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ : أي: قذفوا أَنفسهم - باختيارهم الكفر - بين أَطباق النار؛ فذلك هو الخسران المبين.
وقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: "كيف": من أَين ظهرت لكم الحجةُ أَن تعبدوا من دون الله من الأَصنام وغيرها أَنه حق، ولم يظهر لكم منها الإنشاء بعد الموت، ولا الإِماتةُ بعد الإِحياءِ؟
وقيل: كيف تكفرون بالبعث بعد الموت ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ يعني نُطَفاً ﴿ فَأَحْيَٰكُمْ ﴾ ، وأَنتم لا تنكرون إنشاء الأَول فكيف تنكرون البعث والإِحياء بعد الموت؟
وقيل: كيف تكفرون بالإِحياءِ والبعث بعد الموت، وفي العقل أن خَلْقَ الخلْق للإِفناءِ والإماتة من غير قصد العاقبةِ عبثٌ ولعبٌ؛ لأَن كل بانٍ بنى للنقض فهو عابث، وكذلك كل ساع فيما لا عاقبة له فهو عابث هازل، فكيف تجعلون فعله عز وجل؛ إذ لو لم يجعل للخلق داراً للجزاءِ، والعقاب كان في خلقه إياهم عابثاً هازلاً خارجاً من الحكمة؟!
عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .
أَي: تعلمون أَنكم تُرجَعون إليه، وكذلك المصير والمآب.
والثاني: ترجعون إلى ما أعَدَّ لَكُم من العذاب.
احتج عليهم بما أَخبرهم الله أَنه أَنشأَهم بعد الموتة الأُولى، وأنه يبعثهم بعد الموتة الأُخرى ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ كأَنه يقول: ثم اعلموا أَنكم إليه ترجعون.
قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .
قيل: إنه صلة قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ أي: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض ما يدلكم على وحدانيته؛ لأَنه ليس شيء من الأرض إلا وفيه دلالة وحدانيته.
ويحتمل: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأَرض نعيماً من غير أَن كان وجب لكم عليه حق من ذلك لتشكروا لَهُ عليها، فكيف وجََّهتم أنتم الشكر فيها إلى غيره؟
ويحتمل ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : محنة يمتحنكم بها في الدنيا؛ كقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ثم لتجزون في دار أخرى فكيف أنكرتم البعث؟!
وفي بيان حكمةِ خلق الخلق في الدنيا للفناءِ، والإحياء للآخرة - حكمةٌ، وفي إنكارها ذهاب الحكمة.
وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: استوى إلى الدخان؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ .
وقيل: استوى: تمَّ؛ كقوله: ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ ﴾ أي: تَمَّ.
وقيل: استوى: أَي: استولى.
والأَصل عندنا في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ و ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ، وغيرها من الآيات من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ...
﴾ الآية [الفجر: 22]، وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [البقرة: 210] من الآيات التي ظنت المشبِّهةُ أَن فيها تحقيق وصف الله بما يستحق كثيرٌ من الخلق الوصفَ به على التشابه.
في الحقيقة إنها تحتمل وجوهاً: أحدها: أَنْ نَصِفَهُ بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أَنه لا يشبه على ما ذُكر من الفعل فيه بغيره؛ لأنك بالجملة تعتقد أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يجوز أَن يكون له مثل في شيء؛ إذ لا يوجد حدثه فيه، أَو قدم ذلك الشيء من الوجه الذي أشبه الله.
وذلك مدفوع بالعقل والسمع جميعاً، مع ما لم يجز أَن يقدر الصانع عند الوصف بالفعل كغيره، وأنه حي، قدير، سميع، بصير، نفى ما عليه أمر الخلق لما يصير بذلك أَحد الخلائق.
وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أَمر السمع والتنزيل على ما أَراد الله.
وبالله التوفيق.
والثاني: أَن يمكن فيه معان تُخرِج الكلام مَخْرج الاختصار والاكتفاءِ بمواضع إفهام في تلك المواضع على إتمام البيان، وذلك نحو قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ ﴾ أَي: بالملك.
وذلك كقوله: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ...
﴾ أَي: بربك ﴿ فَقَاتِلاۤ ﴾ ؛ إذ معلوم أَنّه يقاتل بربه؛ ففهم منه ذلك.
وكذلك معلم أَن الملائكة يأتُون، فكأنه بين ذلك.
يدل عليه قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ، وكذلك ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية: [البقرة: 210].
ومما يوضح أَنه لم يكن أَحدٌ اعتقد أَو تصوَّر في وهْمِه النظرُ لإتيان الربِّ ومجيئه، ولا كان بنزوله وعد بنظر.
وكان بِنزولِ الملائِكة؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ...
﴾ الآية [الفرقان: 22]، وقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ ﴾ .
فيما ذكرنا عظيمُ أَمرهم، وجليلُ شأْنهم، ومثله في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ مع ما له وجهان: أَحدهما: أَن يكون معنى العرش الْملك والاستواءُ التام الذي لا يوصف بنقصان في ملك، أَو الاستيلاءُ عليه، وألا سلطان لغيره، ولا تدبير لأَحد فيه.
والثاني: أَن يكون العرش أَعلى الخلق وأَرفعه.
وكذلك تقدرُه الأَوهام؛ فيكون موصوفاً بعلوه على التعالي عن الأمكنة، وأَنه على ما كان قبل كون الأَمكنة، وهو فوق كل شيءٍ؛ أي بالغلبة، والقدرة، والجلال عن الأَمكنة، ولا قوة إلا بالله.
وأَصله ما ذكرنا: ألا نُقَدِّرَ فعلَه بفعل الخلق، ولا وصفه بوصف الخلق؛ لأَنه أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .
مرة قال: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ الآية [فصلت: 12]، ومرة قال: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
وكله يرجع إلى واحد.
<div class="verse-tafsir"
الذين ينقضون عهد الله الذي أخذه عليهم بعبادته وحده واتباع رسوله الَّذي أخبرت به الرسل قبله.
هؤلاء الذين يتنكرون لعهود الله يتصفون بأنهم يقطعون ما أمر الله بوصله كالأرحام، ويسعون لنشر الفساد في الأرض بالمعاصي، فهؤلاء هم الناقصة حظوظهم في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.4N437"
وصف الضالين بالفسوق ثم بين من حال فسوقهم نقض العهد الموثق، وقطع ما يجب أن يوصل، والإفساد في الأرض، وسجل بذلك عليهم الخسران وحصرهم في مضيقه، بحيث لا يسلم منه إلا من رجع عن فسوقه.
العهد هنا لفظ مجمل لم يتقدم الآيات ما يشعر به، ولم يتل فيما تلاها ما يبينه، وكذلك ما أمر الله به أن يوصل، ليس في سابق الآيات ولا في لاحقها ما يفسره ويبين المراد منه، فما المعنى الذي يتبادر منها إلى أفهام المخاطبين، ويصح أن يؤخذ من حال أولئك الفاسقين، الذين أنكروا على الله أن يضرب مثلًا يقتدى به من البشر أو من العرب، أو الذين أنكروا الوحي لمجيء الأمثال القولية فيه بما يعد حقيرًا من المخلوقات في عرف المتكبرين والمتطرفين منهم؟
دل ذكر العهد والسكوت عما يفسره، وإطلاق ما أمر الله به أن يوصل بدون بيان ما يفصله، على أن الله تعالى ما وصفهم إلا بما هم متصفون به، ولا حاجة إلى بيان المجمل بالقول إذا كان الوجود قد تكفل ببيانه، والواقع قد فسره بلسانه، يرشد إلى فهم العهد الإلهي هنا ما قلناه في معنى الفسوق فإن الفاسقين هم ﴿ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ ، فإذا كان معنى الفسوق الخروج عن سنن الله تعالى في خلقه التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وعن هداية الدين بالنسبة إلى الذين أوتوه خاصةً، فعهد الله تعالى هو ما أخذهم به يمنحهم ما يفهمون به هذه السنن المعهودة للناس بالنظر والاعتبار، والتجربة والاختبار، أو العقل والحواس المرشدة إليها، وهي عامة، والحجة بها قائمة على كل من وهب نعمة العقل وبلغ سن الرشد سليم الحواس، ونقضه عبارة عن عدم استعمال تلك المواهب استعمالًا صحيحًا حتى كأنهم فقدوها وخرجوا من حكمها، كما قال تعالى ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ولَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ ﴾ وكما قال فيهم أيضًا ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ .
هذا هو القسم الأول من العهد الإلهي، وهو العام الشامل، والأساس للقسم الثاني المكمل الذي هو الدين، فالعهد فطري خلقي، وديني شرعي، فالمشركون نقضوا الأول، وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقه نقضوا الأول والثاني جميعًا، وأعني بالناقضين من أنكر المثل من الفريقين.
والميثاق اسم لم يُوَثَّق به الشيء ويكون محكمًا يعسر نقضه، والله تعالى قد وثق العهد الفطري بجعل العقول بعد الرشد قابلة لإدراك السنن الإلهية في الخلق، ووثق العهد الديني بما أيد به الأنبياء من الآيات البينات، والأحكام المحكمات، وقد وثق العهد الأول بالعهد الثاني أيضًا، فمن أنكر بعثة الرسل ولم يهتد بهديهم فهو ناقض لعهد الله فاسق عن سننه في تقويم البنية البشرية وإنمائها، وإبلاغ قواها وملكاتها حد الكمال الإنساني الممكن لها.
وأما قوله ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ ففيه من الإجمال نحو ما في نقض العهد، وليس هو بمعناه على طريق التأكيد، وإنما هو وصف مستقل جاء متممًا لما سبقه.
وهذا الأمر نوعان: أمر تكوين وهو ما عليه الخلق من النظام والسنن المحكمة، وقد سمى الله تعالى التكوين أمرًا مما عبر عنه بقوله ﴿ كُن ﴾ .
وأمر تشريع وهو ما أوحاه إلى أنبيائه وأمر الناس بالأخذ به، ومن النوع الأول ترتيب النتائج على المقدمات، ووصل الأدلة بالمدلولات، وإفضاء الأسباب إلى المسببات، ومعرفة المنافع والمضار بالغايات، فمن أنكر نبوة النبي بعد ما قام الدليل على صدقه، أو أنكر سلطان الله على عباده بعد ما شهدت له بها آثاره في خلقه، فقد قطع ما أمر الله به أن يوصل بمقتضى التكوين الفطري- وكذلك من أنكر شيئًا مما علم أنه جاء به الرسول.
لأنه إن كان من الأصول الاعتقادية ففيه القطع بين الدليل والمدلول، وإن كان من الأحكام العملية ففيه القطع بين المبادئ والغايات، لأن كل ما أمر الدين به قطعًا فهو نافع ومنفعته تثبتها التجربة والدليل، وكل ما نهى عنه حتمًا فلا بد أن تكون عاقبته مضرة، فالذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه هم الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل غايته، أما بالنسبة إلى الإيمان بالله تعالى، وبالنبوة فيقطعون ما أمر به بمقتضى التكوين والنظام الفطري، وأما بالنسبة إلى الأحكام فيقطعون ما أمر به في كتبه أمر تشريع وتكليف، وصلة الأرحام تدخل في كل من القسمين.
إذا كان مشركو العرب قد نقضوا عهد الفطرة وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل بمقتضاها، بتكذيبهم النبي وإيذائه وهو ذو رحم بهم، فالمكذبون من أهل الكتابين قد قطعوا صلات الأمرين كما نقضوا العهدين.
فإن الله تعالى قد بشرهم في الكتب المنزلة على أنبيائهم بالنبي ، لأنه ذكر للمبشَّر به صفات وأعمالًا وأحوالًا تنطبق عليه أتم الانطباق، فحرفوا وأولوا واجتهدوا في صرفها عنه وهم معتمدون ﴿ وإنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ومنهم من يحمل تلك الصفات والعلامات على غيره، ومنهم ينتظر مبعوثًا آخر يجيء الزمان به.
التعبير بالقطع هنا أبلغ من التعبير بالنقض ولذلك جاء بعده متممًا له، كأن عهد الله تعالى إلى الناس حبل محكم الطاقات موثق الفتل، وكأن هذا الحبل قد وصل بحكمة أمر التكوين وحكم أمر التشريع بين جميع المنافع التي تنفع الناس، فلم يكتف أولئك الفاسقون المنكرون للمثل الذي ضربه الله لعباده بنقض حبل العهد الإلهي، وحل طاقاته ونكث فتله حتى قطعوه قطعًا، وأفسدوا بذلك نظام الفطرة ونظام الهداية الدينية أصلًا وفرعًا، ولذلك عقب هذا الوصف بقوله ﴿ ويُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ﴾ وأي إفساد أكبر من إفساد من أهمل هداية العقل وهداية الدين، وقطع الصلة بين المقدمات والنتائج، وبين المطالب والأدلة والبراهين؟!
من كان هذا شأنه فهو فاسد في نفسه، ووجوده في الأرض مفسد لأهلها، لأن شره يتعدى كالأجرب يعدي السليم.
ولذلك ورد في السنة النهي عن قرناء السوء، والمشاهدة والتجربة مؤيدة للسنة ومصدقة لها، خصوصًا إذا قعدوا في سبيل الله يصدون عنها ويبغونها عوجًا، فإن إفسادهم يكون أشد انتشارًا وأشمل خسارًا.
ولما كان إفساد هؤلاء عامًا للعقائد والأخلاق والأعمال لأن علته فقد الهدايتين- هداية الفطرة وهداية الدين- سجل عليهم الخسران وحصره فيهم بقوله ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ﴾ ، بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة: أما خسرانهم في الدنيا فهو ظاهر لأرباب البصائر الصافية، والفضائل السامية، ولكنه يخفى على الأكثرين، بالنسبة إلى الأغنياء من أولئك الخاسرين، يرونهم متمتعين بلذات الدنيا وشهواتها، فيحسبون أنهم مغبوطون سعداء بها، فيكون هذا الحسبان من آلات الإفساد، ولو سبروا أغوارهم، وبلوا أخبارهم، لأدركوا أن ما هم فيه من ظلمة النفس وضيق العطن وفساد الأخلاق ينغص عليهم أكثر لذاتهم، ويقذف بهم إلى الإفراط الذي ولد الأمراض الجسدية والنفسية، ويثير في نفوسهم كوامن الوساوس، ويجعل عقولهم كالكرة تتقاذفها صوالجة الأوهام، وأن حب الراحة يوقعهم في تعب لا نهاية له، وهو تعب البطالة الكسل أو العمل الاضطراري.
ومن لا يذوق لذة العمل الاختياري لا يذوق لذة الراحة الحقيقية، لأن الله تعالى لم يضع الراحة في غير العمل، وإنما سعادة الدنيا بصحة الجسم والعقل وأدب النفس الذي يرشد إليه الدين، فمن فقد هذه الأشياء فقد خسر الدنيا والآخرة و ﴿ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"