الآية ٢٦٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦٤ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌۭ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌۭ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًۭا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 147 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى ، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى .

ثم قال تعالى : ( كالذي ينفق ماله رئاء الناس ) أي : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس ، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ، ليشكر بين الناس ، أو يقال : إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية ، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ; ولهذا قال : ( ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه قال الضحاك : والذي يتبع نفقته منا أو أذى فقال : ( فمثله كمثل صفوان ) وهو جمع صفوانة ، ومنهم من يقول : الصفوان يستعمل مفردا أيضا ، وهو الصفا ، وهو الصخر الأملس ( عليه تراب فأصابه وابل ) وهو المطر الشديد ( فتركه صلدا ) أي : فترك الوابل ذلك الصفوان صلدا ، أي : أملس يابسا ، أي : لا شيء عليه من ذلك التراب ، بل قد ذهب كله ، أي : وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب ; ولهذا قال : ( لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ( يا أيها الذين آمنوا )، صدّقوا الله ورسوله =( لا تبطلوا صدقاتكم ), يقول: لا تبطلوا أجورَ صدَقاتكم بالمنّ والأذى, كما أبطل كفر الذي ينفق ماله =( رئاء الناس ), وهو مراءاته إياهم بعمله، وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناسُ في الظاهر أنه يريد الله تعالى ذكره فيحمدونه عليه، وهو غيرُ مريدٍ به الله ولا طالب منه الثواب، (84) .

وإنما ينفقه كذلك ظاهرًا &; 5-522 &; ليحمده الناس عليه فيقولوا: " هو سخيّ كريم, وهو رجل صالحٌ" فيحسنوا عليه به الثناء، وهم لا يعلمون ما هو مستبطن من النية في إنفاقه ما أنفق, فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله تعالى ذكره واليوم الآخر.

* * * وأما قوله: ( ولا يؤمن بالله واليوم الآخر )، فإن معناه: ولا يصدق بوحدانية الله ورُبوبيته, ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمجازًى على عمله, فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده.

وهذه صفة المنافق; وإنما قلنا إنه منافق, لأن المظهرَ كفرَه والمعلنَ شركه، معلوم أنه لا يكون بشيء من أعماله مرائيًا.

لأن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله، وفي الباطن مريبة سريرةُ عامله، مرادٌه به حمد الناس عليه.

(85) .

والكافر لا يُخِيلُ على أحدٍ أمرُه أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان (86) - إذا كان معلنًا كفرَه - لا لله.

ومن كان كذلك، فغير كائن مرائيًا بأعماله.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 6039 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال أبو هانئ الخولاني, عن عمرو بن حريث, قال: إن الرجل يغزو, لا يسرق ولا يزني ولا يَغُلّ, لا يرجع بالكفاف!

فقيل له: لم ذاك؟

قال: إن الرجل ليخرج، (87) .

فإذا أصابه من &; 5-523 &; بلاءِ الله الذي قد حكم عليه، سبَّ ولعَن إمامَه ولعَن ساعة غزا, وقال: لا أعود لغزوة معه أبدًا!

فهذا عليه, وليس له = مثلُ النفقة في سبيل الله يتبعها منٌّ وأذى.

فقد ضرب الله مثلها في القرآن: ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صَدقاتكم بالمنّ والأذى )، حتى ختم الآية.

(88) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فمثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس, ولا يؤمن بالله واليوم الآخر = و " الهاء " في قوله: ( فمثله ) عائدة على " الذي" =( كمثل صفوان )، و " الصفوان " واحدٌ وجمعٌ, فمن جعله جمعًا فالواحدة " صفوانة "، (89) .

بمنـزلة " تمرة وتمر " و " نخلة ونخل ".

ومن جعله واحدًا، جمعه " صِفْوان، وصُفِيّ، وصِفِيّ", (90) .

كما قال الشاعر: (91) .

* مَوَاقعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ * (92) &; 5-524 &; و " الصفوان " هو " الصفا ", وهي الحجارة الملس.

* * * وقوله: ( عليه تراب )، يعني: على الصفوان ترابٌ =( فأصابه ) يعني: أصاب الصفوان =( وابل )، وهو المطر الشديد العظيم, كما قال امرؤ القيس: سَـــاعَةً ثُــمَّ انْتَحَاهَــا وَابِــلٌ سَـــاقِطُ الأكْنَــافِ وَاهٍ مُنْهَمِــرُ (93) يقال منه: " وَبلت السماء فهي تَبِل وَبْلا ", وقد: " وُبلت الأرض فهي تُوبَل ".

* * * وقوله: ( فتركه صلدًا ) يقول: فترك الوابلُ الصفوانَ صَلدًا.

و " الصلد " من الحجارة: الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره, وهو من الأرَضين ما لا ينبت فيه شيء, وكذلك من الرؤوس, (94) .

كما قال رؤبة: لَمَّـــا رَأَتْنِــي خَــلَقَ المُمَــوَّهِ بَــرَّاقَ أَصْــلادِ الجَــبِينِ الأجْلَـهِ (95) &; 5-525 &; ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي: " قِدْرٌ صَلود "," وقد صَلدت تصْلُدُ صُلودًا " , ومنه قول تأبط شرًّا: وَلَسْـتُ بِجِـلْبٍ جِـلْبِ رَعْـدٍ وَقِـرَّةٍ وَلا بِصَفًـا صَلْـدٍ عَـنِ الخَـيْرِ أعْزَلِ (96) * * * ثم رجع تعالى ذكره إلى ذكر المنافقين الذين ضرب المثلَ لأعمالهم, فقال: فكذلك أعمالهم بمنـزلة الصَّفوان الذي كان عليه تراب, (97) .

فأصابه الوابلُ من المطر, فذهب بما عليه من التراب, فتركه نقيًّا لا تراب عليه ولا شيء = يراهُم المسلمون في الظاهر أنّ لهم أعمالا - كما يُرى التراب على هذا الصفوان - بما يراؤونهم به, فإذا كان يوم القيامة وصاروا إلى الله، اضمحلّ ذلك كله, لأنه لم يكن لله، &; 5-526 &; كما ذهب الوابل من المطر بما كانَ على الصفوان من التراب, فتركه أملسَ لا شيء عليه = فذلك قوله: ( لا يقدرون ), يعني به: الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس, ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر, يقول: لا يقدرون يوم القيامة على ثواب شيء مما كسبوا في الدنيا, لأنهم لم يعملوا لمعادهم، ولا لطلب ما عند الله في الآخرة, ولكنهم عملوه رئاء الناس وطلبَ حمدهم.

وإنما حظهم من أعمالهم، ما أرادوه وطلبوه بها.

* * * ثم أخبر تعالى ذكره أنه ( لا يهدي القوم الكافرين ), يقول: لا يسدّدهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها، فيوفقهم لها, وهم للباطل عليها مؤثرون, ولكنه يتركهم في ضلالتهم يعمهون (98) .

فقال تعالى ذكره للمؤمنين: لا تكونوا كالمنافقين الذين هذا المثل صفةُ أعمالهم, فتبطلوا أجور صدقاتكم بمنِّكم على من تصدقتم بها عليه وأذاكم لهم, كما أبطل أجر نفقة المنافق الذي أنفق ماله رئاء الناس, وهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر، عند الله.

(99) .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 6040 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى فقرأ حتى بلغ: (عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا)، فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ, كما ترك هذا المطر الصفاةَ الحجرَ ليس &; 5-527 &; عليه شيء، أنقى ما كان عليه.

(100) .

6041 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ إلى قوله: ( والله لا يهدي القوم الكافرين )، هذا مثل ضربه الله لأعمال الكافرين يوم القيامة, يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ, كما ترك هذا المطر الصفا نقيًّا لا شيء عليه.

6042 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى إلى قوله: ( على شيء مما كسبوا ) أما الصفوان الذي عليه تراب، فأصابه المطر فذهب ترابه فتركه صلدًا.

فكذلك هذا الذي ينفق ماله رياء الناس، (101) .

ذهب الرياءُ بنفقته, كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيًّا, فكذلك تركه الرياء لا يقدر على شيء مما قدم.

فقال للمؤمنين: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى فتبطل كما بطلت صَدقة الرياء.

6043 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك, قال: أن لا ينفق الرجل ماله, خير من أن ينفقه ثم يتبعه منًّا وأذى.

فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر, فضرب الله مثلهما جميعًا: ( كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا ) فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه منًّا وأذى.

6044 - حدثني محمد بن سعد, قال: حدثنى أبي, قال: حدثني عمي, قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى إلى ( كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا ) ليس عليه شيء, وكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب.

6045 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, قال: &; 5-528 &; قال ابن جريج في قوله: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى قال: يمنّ بصدقته ويؤذيه فيها حتى يبطلها.

6046 - حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى ، فقرأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى حتى بلغ: ( لا يقدرون على شيء مما كسبوا ) ثم قال: أترى الوابل يدع من التراب على الصفوان شيئًا؟

فكذلك منُّك وأذاك لم يدع مما أنفقت شيئًا.

وقرأ قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى ، وقرأ: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ، فقرأ حتى بلغ: وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ .

[البقرة: 270-272].

(102) .

* * * القول في تأويل قوله عز وجل : صَفْوَانٍ قد بينا معنى " الصفوان " بما فيه الكفاية, (103) .

غير أنا أردنا ذكر من قال مثل قولنا في ذلك من أهل التأويل.

6047 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( كمثل صفوان ) كمثل الصفاة.

6048 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: ( كمثل صفوان ) والصفوان: الصفا.

6049 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, مثله.

&; 5-529 &; 6050 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما( صفوان ), فهو الحجر الذي يسمى " الصَّفاة ".

6051 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, مثله.

6052 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: ( صفوان ) يعني الحجر.

* * * القول في تأويل قوله عز وجل : فَأَصَابَهُ وَابِلٌ قد مضى البيان عنه.

(104) .

وهذا ذكر من قال قولنا فيه: 6053 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما وابل: فمطر شديد.

6054 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: ( فأصابه وابل ) والوابل: المطر الشديد.

6055 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, مثله.

6056 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, مثله.

* * * القول في تأويل قوله عز وجل : فَتَرَكَهُ صَلْدًا * ذكر من قال نحو ما قلنا في ذلك: 6057 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن &; 5-530 &; السدي: ( فتركه صلدًا ) يقول نقيًّا.

6058 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي, قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( فتركه صلدًا ) قال: تركها نقية ليس عليها شيء.

6059- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, قال: قال ابن جريج, قال ابن عباس قوله: ( فتركه صلدًا ) قال: ليس عليه شيء.

6060 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق, قال حدثنا، أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: ( صلدًا) فتركه جردًا.

6061 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال: خبرنا معمر, عن قتادة: (، فتركه صلدًا ) ليس عليه شيء.

6062 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: ( فتركه صلدًا ) ليس عليه شيء.

* * * ------------------------ الهوامش : (84) في المخطوطة والمطبوعة : "وهو مريد به غير الله" ، وهو سهو من الناسخ ، والسياق يقتضي أن تقدم"غير" ، وهو نص المعنى .

(85) في المطبوعة : "وفي الباطن عامله مراده به حمد الناس عليه" ، وهو تصرف من الطابع ، وفي المخطوطة : "وفي الباطن مربيه عامله مراد به حمد الناس عليه" ، وهي غير مفهومة المعنى ، وبين أنه قد سقط منها"سريرة" من قوله"مربية سريرة عامله" ، وهو إشارة إلى ما مر في تفسيره قبل من قوله : "فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله تعالى ذكره واليوم الآخر" .

فاستظهرت أن الصواب زيادة"سريرة" ، لتتفق مع معاني ما قال أبو جعفر رحمه الله .

(86) أخال عليه الأمر يخيل : أشكل عليه واستبهم .

وسياق الجملة بعد ذلك : "إنما هي للشيطان لا لله" .

(87) في المطبوعة : "قال : فإن الرجل" ، وفي المخطوطة : "فإن إن الرجل" تصحيف والصواب ما أثبت .

(88) الأثر : 6039 -"أبو هانئ الخولاني" : هو : حميد بن هانئ المصري من ثفات التابعين ، روى عن عمرو بن حريث وغيره .

وروى عنه الليث وابن لهيعة وابن وهب وغيرهم من أهل مصر مات سنة 142 .

و"عمرو بن حريث" ، هو الذي يروي عنه أهل الشام ، وهو غير"عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي الكوفي .

وانظر ترجمته في التهذيب 8 : 18 .

(89) في المطبوعة : "واحد وجمع ، فمن جعله جمعا" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(90) انظر ما سلف في تفسير"الصفا" 3 : 224 ، 225 ، وقوله : جمعه صفوان" يعنى : بكسر الصاد وسكون الفاء ، وهو قول الكسائي ، وقد تعقبوه وخطئوه في شاذ مذهبه .

انظر القرطبي 3 : 313 ، وتفسير أبي حيان 2 : 302 ، ومن أجل ذلك أسقطه أصحاب اللغة من كتبهم .

(91) هو الأخيل الطائي .

(92) سلف شرح هذا البيت وتخريجه 3 : 224 ، وسقط ذكر هذا الموضع في التخريج السالف فأثبته هناك .

(93) ديوانه : 90 ، وطبقات فحول الشعراء : 79 ، وغيرهما كثير .

وهو من أبيات روائع ، في صفة المطر والسيل أولها : دِيَمــةٌ هَطْــلاَءُ فِيهَــا وَطَــفٌ طَبَــقَ الأَرْضِ تَحَــرَّي, وَتَــدِرّْ ثم قال بعد قليل : "ساعة" أي فعلت ذلك ساعة ، "ثم انتحاها" أي قصدها ، والضمير فيه إلى"الشجراء" في بيت سباق .

و"ساقط الأكناف" ، قد دنا من الأرض دنوًّا شديدًا ، كأن نواحيه تتهدم على الشجراء .

"منهمر" : متتابع متدفق .

واقرأ تمام ذلك في شرح الطبقات .

(94) هذا البيان عن معاني"صلد" ، لا تصيبه في كثير من كتب اللغة .

(95) ديوانه : 165 من قصيدة مضى الاستشهاد بأبيات منها في 1 : 123 ، 309 ، 310 /2 : 222 ، والضمير في"رأتني" إلى صحابته التي ذكرها في أول الشعر و"خلق" : بال .

و"المموه" يقال : : وجه مموه" أي مزين بماء الشباب ، ترقرق شبابه وحسنه .

وقوله"خلق المموه" ، بحذف"الوجه" الموصوف بذلك .

يقول : قد بلي شبابي وأخلق .

"أصلاد الجبين" ، يعني أن جبينه قد زال شعره ، فهو يبرق كأنه صفاة ملساء لا نبات عليها .

و"الأجله" .

الأنزع الذي انحسر شعره عن جانبي جبهته ومقدم جبينه ، وذلك كله بعد أن كان كما وصف نفسه : * بَعْــدَ غُـدَانِيِّ الشَّـبَابِ الأَبْلَـهِ * فاستنكرته صاحبته ، بعد ما كان بينه وبينها في شبابه ما كان ، وليت شعري ماذا كان يبغي رؤبة منها ، وقد صار إلى المصير الذي وصف نفسه!

!

.

(96) اللسان (جلب) (عزل) ، وغيرهما .

ولم أجد القصيدة ، ولكني وجدت منها أبياتًا متفرقة ورواية اللسان والمطبوعة وغيرهما : وَلَسْـتُ بِجِـلْبٍ جِـلْبِ رِيـحٍ وَقِـرَّةٍ وَلاَ بِصَفًـا صَلْـدٍ عَـنِ الخَـيْرِ مَعْزِلِ ولكنه في المطبوعة واللسان أيضًا"جلب ليل" ، والظاهر أن المطبوعة نقلت البيت من اللسان (جلب) دون إشارة إلى ما كان في المخطوطة ، ولكنى أثبت رواية المخطوطة ، فإنها لا تغير وهي سليمة المعاني .

الجلب (بكسر الجيم أو ضمها وسكون اللام) : هو السحاب المعترض تراه كأنه جبل ، ويقال أيضًا : هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه .

ورواية الطبري في المخطوطة تقتضي المعنى الأول : والقرة (بكسر القاف) والقر (بضمها) : البرد الشديد ، يقول : لست امرءًا خاليا من الخير ، بل مطيفًا بالأذى ، كهذا السحاب المخيل المتراكم ، مخيف برعده ، ويلذغ ببرده ، ولا غيث معه .

أما رواية اللسان وغيره ، فشرحها على معنى السحاب الرقيق جيد .

وقوله : "أعزل" من"عزل الشيء يعزله" إذا نحاه جانبًا وأبعده ، كما سموا الزمل المنقطع المنفرد المنعزل"أعزل" ، فهو من صميم مادة اللغة ، وإن لم يأتوا عليه في كتب اللغة بشاهد .

وهذا شاهده بلا شك .

أما قوله في الرواية الأخرى"معزل" فهو بمعنى ذلك أيضًا : معتزل عن الخير ، أو معزول عنه .

وهو مصدر ميمي من ذلك ، جاء صفة ، كما قالوا : "رجل عدل" ، وكما قالوا"فلان شاهد مقنع" أي رضا يقنع به ، مصدر ميمي من"قنع" ، وهذا بيان لا تجده في كتب اللغة فقيده واحفظه .

(97) في المخطوطة : "عليه ثواب" ، وهو تصحيف غث ، ولكنه دليل على شدة إهمال الناسخ وعجلته .

(98) في المخطوطة : "ولكنه تركهم" ، والصواب ما في المخطوطة .

(99) في المخطوطة : "واليوم عند الله" سقط منه "الآخر" ، وهو دليل على ما أسلفت من عجلته .

(100) في المطبوعة : "أنقى ما كان" ، حذف"عليه" ، كأنه استنكرها ، وهي معرقة في الصواب .

أي : أنقى ما كان عليه من النقاء .

(101) في المطبوعة : "فكذا هذا الذي ينفق" ، لا أدرى لم غير ما في المخطوطة .

(102) ما في المخطوطة والمطبوعة : "وما أنفقتم من خير فلأنفسكم" ، وهو خطأ ظاهر ، والصواب أنه يعني آيات سورة البقرة التي بينتها كما أثبتها .

(103) انظر ما سلف قريبًا ص : 523 ، 524 والمراجع في التعليق عليه .

(104) انظر ما سلف قريبا ص : 524 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرينفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : بالمن والأذى قد تقدم معناه وعبر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال ، والمراد الصدقة التي يمن بها ويؤذي ، لا غيرها .

والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات ولا تحبطها ، فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها .قال جمهور العلماء في هذه الآية : إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن أو يؤذي بها فإنها لا تقبل .

وقيل : بل قد جعل الله للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها ، وهذا حسن .

والعرب تقول لما يمن به : يد سوداء .

ولما يعطى عن غير مسألة : يد بيضاء .

ولما يعطى عن مسألة : يد خضراء .

وقال بعض البلغاء : من من بمعروفه سقط شكره ، ومن أعجب بعمله حبط أجره .

وقال بعض الشعراء :وصاحب سلفت منه إلي يد أبطأ عليه مكافاتي فعاداني لما تيقن أن الدهر حاربنيأبدى الندامة فيما كان أولانيوقال آخر :أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ليس الكريم إذا أسدى بمنانوقال أبو بكر الوراق فأحسن :أحسن من كل حسن في كل وقت وزمنصنيعة مربوبة خالية من المنن[ ص: 284 ] وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل : فعلت إليك وفعلت فقال له : اسكت فلا خير في المعروف إذا أحصي .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر - ثم تلا - لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى .الثانية : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : كره مالك لهذه الآية أن يعطي الرجل صدقته الواجبة أقاربه لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء ، ويظهر منته عليهم ويكافئوه عليها فلا تخلص لوجه الله تعالى .

واستحب أن يعطيها الأجانب ، واستحب أيضا أن يولي غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا ، لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى .

وهذا بخلاف صدقة التطوع السر ؛ لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد وصار في حكم من لم يفعل ، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه لكونه في حكم من لم يفعل .الثالثة : قوله تعالى : كالذي ينفق ماله رئاء الناس الكاف في موضع نصب ، أي إبطال " كالذي " فهي نعت للمصدر المحذوف .

ويجوز أن تكون موضع الحال .

مثل الله تعالى الذي يمن ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى ، وبالكافر الذي ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء .

ثم مثل هذا المنفق أيضا بصفوان عليه تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة ، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا ، فكذلك هذا المرائي .

فالمن والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة فتبطل الصدقة كما يكشف الوابل عن الصفوان ، وهو الحجر الكبير الأملس .

وقيل : المراد بالآية إبطال الفضل دون الثواب ، فالقاصد بنفقته الرياء غير مثاب كالكافر ؛ لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى فيستحق الثواب .

وخالف صاحب المن والأذى القاصد وجه الله المستحق ثوابه - وإن كرر عطاءه - وأبطل فضله .

وقد قيل : إنما يبطل من ثواب صدقته من وقت منه وإيذائه ، وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف ، فإذا من وآذى انقطع التضعيف ؛ لأن الصدقة تربى لصاحبها حتى تكون أعظم من الجبل ، فإذا خرجت من يد صاحبها خالصة على الوجه المشروع ضوعفت ، فإذا جاء المن بها والأذى وقف بها هناك وانقطع زيادة التضعيف عنها ، والقول الأول أظهر والله أعلم .

والصفوان جمع واحده صفوانة ، قاله الأخفش .

قال : وقال بعضهم : صفوان واحد ، مثل حجر .

وقال الكسائي : صفوان واحد وجمعه صفوان وصفي وصفي ، وأنكره المبرد وقال : إنما صفي جمع صفا كقفا وقفي ، ومن هذا المعنى الصفواء والصفا ، وقد تقدم .

وقرأ سعيد بن المسيب والزهري " صفوان " بتحريك الفاء ، وهي لغة .

وحكى قطرب ( صفوان ) .

قال النحاس : صفوان وصفوان يجوز أن يكون جمعا ويجوز أن يكون واحدا ، إلا أن الأولى به أن يكون واحدا لقوله عز وجل : [ ص: 285 ] عليه تراب فأصابه وابل وإن كان يجوز تذكير الجمع إلا أن الشيء لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع ، فأما ما حكاه الكسائي في الجمع فليس بصحيح على حقيقة النظر ، ولكن ( صفوان ) جمع صفا ، وصفا بمعنى صفوان ، ونظيره ورل وورلان وأخ وإخوان وكرا وكروان ، كما قال الشاعر :لنا يوم وللكروان يوم تطير البائسات ولا نطيروالضعيف في العربية ( كروان ) جمع ( كروان ) ، وصفي وصفي جمع صفا مثل عصا .

والوابل : المطر الشديد .

وقد وبلت السماء تبل ، والأرض موبولة .

قال الأخفش : ومنه قوله تعالى : أخذناه أخذا وبيلا ؛ أي شديدا .

وضرب وبيل ، وعذاب وبيل أي شديد .

والصلد : الأملس من الحجارة .

قال الكسائي : صلد يصلد صلدا بتحريك اللام فهو صلد بالإسكان ، وهو كل ما لا ينبت شيئا ، ومنه جبين أصلد ، وأنشد الأصمعي لرؤبة :براق أصلاد الجبين الأجلهقال النقاش : الأصلد الأجرد بلغة هذيل .ومعنى لا يقدرون يعني المرائي والكافر والمان على شيء أي على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم عند حاجتهم إليه ، إذا كان لغير الله فعبر عن النفقة بالكسب ؛ لأنهم قصدوا بها الكسب .

وقيل : ضرب هذا مثلا للمرائي في إبطال ثوابه ولصاحب المن والأذى في إبطال فضله ، ذكره الماوردي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ينهى عباده تعالى لطفا بهم ورحمة عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى ففيه أن المن والأذى يبطل الصدقة، ويستدل بهذا على أن الأعمال السيئة تبطل الأعمال الحسنة، كما قال تعالى: { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فالسيئات تبطل ما قابلها من الحسنات، وفي هذه الآية مع قوله تعالى { ولا تبطلوا أعمالكم } حث على تكميل الأعمال وحفظها من كل ما يفسدها لئلا يضيع العمل سدى، وقوله: { كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر } أي: أنتم وإن قصدتم بذلك وجه الله في ابتداء الأمر، فإن المنة والأذى مبطلان لأعمالكم، فتصير أعمالكم بمنزلة الذي يعمل لمراءاة الناس ولا يريد به الله والدار الآخرة، فهذا لا شك أن عمله من أصله مردود، لأن شرط العمل أن يكون لله وحده وهذا في الحقيقة عمل للناس لا لله، فأعماله باطلة وسعيه غير مشكور، فمثله المطابق لحاله { كمثل صفوان } وهو الحجر الأملس الشديد { عليه تراب فأصابه وابل } أي: مطر غزير { فتركه صلدا } أي: ليس عليه شيء من التراب، فكذلك حال هذا المرائي، قلبه غليظ قاس بمنزلة الصفوان، وصدقته ونحوها من أعماله بمنزلة التراب الذي على الصفوان، إذا رآه الجاهل بحاله ظن أنه أرض زكية قابلة للنبات، فإذا انكشفت حقيقة حاله زال ذلك التراب وتبين أن عمله بمنزلة السراب، وأن قلبه غير صالح لنبات الزرع وزكائه عليه، بل الرياء الذي فيه والإرادات الخبيثة تمنع من انتفاعه بشيء من عمله، فلهذا { لا يقدرون على شيء } من أعمالهم التي اكتسبوها، لأنهم وضعوها في غير موضعها وجعلوها لمخلوق مثلهم، لا يملك لهم ضررا ولا نفعا وانصرفوا عن عبادة من تنفعهم عبادته، فصرف الله قلوبهم عن الهداية، فلهذا قال: { والله لا يهدي القوم الكافرين }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ) أي أجور صدقاتكم ( بالمن ) على السائل وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بالمن على الله تعالى ( والأذى ) لصاحبها ثم ضرب لذلك مثلا فقال ( كالذي ينفق ماله ) أي كإبطال الذي ينفق ماله ( رئاء الناس ) أي مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقولوا إنه كريم سخي ( ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) يريد أن الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين وهذا للمنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير مراء ( فمثله ) أي مثل هذا المرائي ( كمثل صفوان ) الحجر الأملس وهو واحد وجمع فمن جعله جمعا فواحده صفوانة ومن جعله واحدا فجمعه صفي ( عليه ) أي على الصفوان ( تراب فأصابه وابل ) المطر الشديد العظيم القطر ( فتركه صلدا ) أي أملس والصلد الحجر الصلب الأملس الذي لا شيء عليه فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن بصدقته ويؤذي ويري الناس في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان فإذا كان يوم القيامة بطل كله واضمحل لأنه لم يكن لله عز وجل كما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب فتركه صلدا ( لا يقدرون على شيء مما كسبوا ) أي على ثواب شيء مما كسبوا وعملوا في الدنيا ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ، أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، أخبرنا عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا : يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟

قال " الرياء يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد الحارثي أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمد بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح ، أخبرني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدائني أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا الأصبحي حدثه أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس فقال من هذا؟

قالوا : أبو هريرة ، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس فلما سكت وخلا قلت له : أنشدك الله بحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعو به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله للقارئ : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟

فقال : بلى يا رب قال : فماذا عملت فيما علمت؟

قال : كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول الله له : كذبت وتقول له الملائكة : كذبت ويقول الله تعالى : بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له : ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟

قال : بلى يا رب قال : فما عملت فيما آتيتك؟

قال : كنت أصل الرحم وأتصدق .

فيقول الله له : كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله تعالى : بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذلك ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول له : فبماذا قتلت؟

فيقول : يا رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله : كذبت وتقول الملائكة : كذبت ويقول الله تعالى : بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال : يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم» أي أجورها «بالمن والأذى» إبطالا «كالذي» أي كإبطال نفقة الذي «ينفق ماله رئاء الناس» مرائيا لهم «ولا يؤمن بالله واليوم الآخر» هو المنافق «فمثله كمثل صفوان» حجر أملس «عليه تراب فأصابه وابل» مطر شديد «فتركه صلدا» صلبا أملس لا شيء عليه «لا يقدرون» استئناف لبيان مثل المنافق المنفق رئاء الناس وجمع الضمير باعتبار معنى الذي «على شيء مما كسبوا» عملوا أي لا يجدون له ثوابا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شئ من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له «والله لا يهدى القوم الكافرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تُذْهِبُوا ثواب ما تتصدقون به بالمنِّ والأذى، فهذا شبيه بالذي يخرج ماله ليراه الناس، فيُثنوا عليه، وهو لا يؤمن بالله ولا يوقن باليوم الآخر، فمثل ذلك مثل حجر أملس عليه تراب هطل عليه مطر غزير فأزاح عنه التراب، فتركه أملس لا شيء عليه، فكذلك هؤلاء المراؤون تضمحلُّ أعمالهم عند الله، ولا يجدون شيئًا من الثواب على ما أنفقوه.

والله لا يوفق الكافرين لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى ) نداء منه - سبحانه - للمؤمنين يكرر فيه نهيهم عن المن والأذى ، لأنهما يؤديان إلى ذهاب الأجر من الله - تعالى - وإلى عدم الشكر من الناس ولذا جاء في الحديث الشريف : " إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويحق الأجر " .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - لا تبطلوا صدقاتكم بأن تحبطوا أجرها ، وتمحقوا ثمارها ، بسبب المن والأذى ، فيكون مثلكم في هذا الإِبطال لصدقاتكم بسبب ما ارتكبتم من آثام ، كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل أن يرى الناس منه ذلك ولا يبغي به رضاء الله ولا ثواب الآخرة ، لأنه كفر بالله ، وكفر بحساب الآخرة .وفي هذا التشبيه تنفير شديد من المن والأذى لأنه - سبحانه - شبه حال المتصدق المتصف بهما في إبطال علمه بسببها بحال هذا المنافق المرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر .وقوله : ( كالذي ) الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف أي : لا تبطلوها إبطالا كابطال الذي ينفق ماله رئاء الناس .

.

.

أو في محل نصب على الحال من فاعل ( تُبْطِلُواْ ) أي لا تبطلوا مشابهين الذي ينفق ماله رئاء الناس .وقوله : ( رِئَآءَ ) منصوب على أنه مفعول لأجله أي : كالذي ينفق ماله من أجل رئاء الناس .وأما المثال الثاني فقال - سبحانه - : ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ) .( صَفْوَانٍ ) اسم جنس جمعي واحد صفوانه كشجر وشجرة وهو الحجر الكبير الأملس ، مأخوذ من الصفاء وهو خلوص الشء مما يشوبه .

يقال : يوم صفوان أي صافي الشمس .

وقيل هو مفرد كحجر .

و ( الوابل ) المطر الشديد .

يقال : وبلت السماء تبل وبلا ووبولا .

اشتد مطرها ( الصلد ) هو الشيء الأجرد النقي من التراب الذي كان عليه .

ومنه رأس أصلد إذا كان لا ينبت شعراً ، والأصلد الأجرد الذي لا ينبت شيئاً مأخوذ من صلد يصلد صلدا فهو صلد .والمعنى : يأيها المؤمنون لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل الرياء لا من أجل رضا الله ، وإن مثل هذا المنافق في انكشاف أمره وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء وحباً للهور مثل حجر أملس لا ينبت شيئاً ولكن عليه قليل من التراب الموهم للناظر إليه أنه منتج فنزل المطر الشديد فأزال ما عليه من تراب ، فانكشف حقيقته وتبين للناظر إليه أنه حجر أملس صلد لا يصلح لإِنبات أي شيء عليه .فالتشبيه في الجملة الكريمة بين الذي ينفق ماله رياء وبين الحجر الكبير الأملس الذي عليه قد رقيقه من التراب ستر حاله ، ثم ينزل المطر فيزيل التراب وتنكشف حقيقته ويراه الرائي عارياً من أي شيء يستره .

وكذلك المنافق المرائي في إنفاقه يتظاهر بمظهر السخاء أمام الناس ثم لا يلبث أن ينكشف أمره لأن ثوب الرياء يشف دائماً عما تحته ، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه .ومن المفسرين من يرى أن التشبيه في الجملة الكريمة بين المنفق الذي يبطل صدقته بالمن والأذى وبين الحجر الأملس ، وأن الضمير في قوله : ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ) يعود إلى هذا المبطل لصدقته بالمن والأذى .

فيكون المعنى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والّى فيكون مثلكم كمثل الحجر الأملس الذي عليه تراب كان يرجى أن يكون منبتاً للزرع فنزل المطر فأزال التراب فبطل إنتاجه ، فالمن والأذى يبطلان الصدقات ويزيلان أثرها النافع ، كما يزيل المطر التراب الذي يؤمل منه الإِنبات من فوق الحجر الأملس .والذي نراه أن عودة الضمير في قوله : ( فَمَثَلُهُ ) على الذي ينفق ماله رثاء الناس أظهر لأنه أقرب مذكور ، ولأن التشبيه في قوله : ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ) قد جاء بلفظ المفرد وهو المناسب للذي ينفق ماله رئاء الناس لأنه مفرد مثله ، بخلاف قوله : ( لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى ) فإن الضمير فيه بلفظ الجمع ، فمن الأولى أن يعود الضمير في قوله : ( فَمَثَلُهُ ) إلى المرائي لتوافقهما في الأفراد .ثم قال - تعالى - : ( لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ) أي أن الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى ، والذين يتصدقون رياء ومفاخرة لا يقدرون على تحصيل شيء من ثواب ما عملوا لأن ما صاحب أعمالهم من رياء ومن أذى محق بركتها ، وأذهب ثمرتها ، وأزال ثوابها .أو المعنى : أو أولئك المنانين والمرائين ليس عندهم قدرة على شيء من المال الذي أنعم به عليهم ، فعليهم أن يشكروه على هذه النعمة ، وأن ينفقوه بدون من أو أذى أو مراءاة ، حتى يظفروا بحسن المثوبة منه - سبحانه - .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ) أي لا يهديهم إلى ما ينفعهم لأنهم آثروا الكفر على الإِيمان .والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، وفيها إشارة إلى أن الإِنفاق المصحوب بالمن والأذى والرياء ليس من صفات المؤمنين وإنما هو من صفات الكافرين ، فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذه الصفات التي لا يليق بهم .والذي ينظر في هذه الآيات الكريمة يرى أن الله - تعالى - قد حذر المنفقين من المن والأذى في ثلاث آيات متواليات ، كما حذرهم من الرياء ، وساق أكثر من تشبيه لتقبيح الصدقات التي لا تكون خالصة لوجه الله فلماذا كل هذا التشديد في النهي؟والجواب عن ذلك : أن المن والأذى في الإِنفاق كثيراً ما يحصلان بسبب استعلاء كاذب ، أو رغبة في إذلال المحتاج وإظهاره بمظهر الضعيف : وكلا الأمرين لا يليق بالنفس المؤمنة المخلصة ، ولا يتلاقى مطلقا مع الحكم التي من أجلها شرعت الصدقات بل إنه ليتنافر معها تننافراً تاماً لأن الصدقات شرعها الله لتهذيب النفوس وتطهير القلوب ولتربط بين الأغنياء والفقراء برباط المحبة والمودة والإخاء ، فإذا ما صاحبها المن والأذى أثمرت نقيض ما شرعت له ، لأنها تثير في نفس المعطى بسبب ذلك الكبر والخيلاء وغير ذلك من الصفات الذميمة ، وتثير في نفس الآخذ شعوراً بالحقد والانتقام ممن أعطاه ثم آذاه وبذلك تنقطع الروابط ، ويتمزق المجتمع ، ويتحول المحبة إلى عداوة .ولقد تحدث الإِمام الرازي عن الآثار السيئة للمن والأذى فقال ما ملخصه :وإنما كان المن مذموماً لوجوه :الأول : أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة ، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار الإِنعام زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه .والثاني : أن إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريق ذلك .الثالث : أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله - تعالى - عليه - وأن يعتقد أن لله عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ومتى كان الأمر كذلك امتنع عن أن يجعل ما ينفقه منه على الغير .الرابع : أن المعطي في الحقيقة هو الله ، ومتى اعتقد العبد ذلك استنار قلبه ، أما إذا اعتقد غير ذلك فإنه يكون في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول ، وعن الآثار إلى المؤثر .

.

.

وأما الأذى فيتناول كل ذلك وغيره مما يسيئ إلى الفقير بأن يقول له : فرج الله عني منك ، وأنت أبدا تأتي بما يؤلم .

إلخ .هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير عدداً من الأحاديث الشريفة التي نهت عن المن والأذى ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : المنان بما أعطى ، والمسبل إزاره ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يدخل الجنة مدمن خمر ، ولا عاق لوالديه ، ولا منّان " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما القول المعروف، فهو القول الذي تقبله القلوب ولا تنكره، والمراد منه هاهنا أن يرد السائل بطريق جميل حسن، وقال عطاء: عدة حسنة، أما المغفرة ففيه وجوه: أحدها: أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير والصفح عن إساءته.

وثانيها: أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل.

وثالثها: أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره، والمراد من القول المعروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله.

ورابعها: أن قوله: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ خطاب مع المسؤول بأن يرد السائل بأحسن الطرق، وقوله: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرد، فربما لم يقدر على ذلك الشيء في تلك الحالة، ثم بيّن تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء، فهناك جمع بين الانفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب الانفاع بعقاب الإضرار، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار، فكان هذا خيراً من الأول.

واعلم أن من الناس من قال: إن الآية واردة في التطوع، لأن الواجب لا يحل منعه، ولا رد السائل منه، وقد يحتمل أن يراد به الواجب، وقد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير.

ثم قال: ﴿ والله غَنِىٌّ ﴾ عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها ﴿ حَلِيمٌ ﴾ إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته، وهذا سخط منه ووعيد له ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق أحدهما: الذي يتبعه المن والأذى والثاني: الذي لا يتبعه المن والأذى، فشرح حال كل واحد منهما، وضرب مثلاً لكل واحد منهما.

فقال في القسم الأول: الذي يتبعه المن والأذى ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر ﴾ وفي الآية مسائل؛ المسألة الأولى: قال القاضي: إنه تعالى آكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بيّن أن المراد أن المن والأذى يبطلان الصدقة، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها وثوابها، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى.

واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين، فمثله أولاً: بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن والأذى، ثم مثله ثانياً: بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار، ثم أصابه المطر القوي، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلاً، فالكافر كالصفوان، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق، قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الانفاق بعد حصوله، وذلك صريح في القول بالاحباط والتفكير، قال الجبائي: وكما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضاً، وذلك لأن من أطاع وعصى، فلو استحق ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال، ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم، وهذا العقاب عدل، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلاً من حيث إنه حقه، وأن يكون ظلماً من حيث إنه منع الإثابة، فيكون ظالماً بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال، فصح بهذا قولنا في الإحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل، هذا كلام المعتزلة.

وأما أصحابنا فإنهم قالوا: ليس المراد بقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ ﴾ النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلاً، وذلك لأنه إذا قصد به غير وجه الله تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان، واحتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل: أولها: أن النافي والطارئ إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان الطارئ زوال النافي، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع الطارئ أولى من زوال النافي، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من الرفع.

ثانيها: أن الطارئ لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي وهو محال لأن الماضي انقضى ولم يبق في الحال وإعدام المعدوم محال وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضاً محال لأن الموجود في الحال لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال وإعدام ما لم يوجد بعد محال.

وثالثها: أن شرط طريان الطارئ زوال النافي فلو جعلنا زوال النافي معللاً بطريان الطارئ لزم الدور وهو محال.

ورابعها: أن الطارئ إذا طرأ وأعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن يعدم من هذا الطارئ شيئاً أو لا يعدم منه شيئاً، والأول هو الموازنة وهو قول أبي هاشم وهو باطل، وذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو حصل العدمان معاً اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجوداً حال كون كل واحد منهما معدوماً وهو محال.

وأما الثاني: وهو قول أبي علي الجُبّائي فهو أيضاً باطل لأن العقاب الطارئ لما أزال الثواب السابق، وذلك الثواب السابق ليس له أثر ألبتة في إزالة الشيء من هذا العقاب الطارئ، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلاً لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب وذلك على مضادة النص الصريح في قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  ﴾ ولأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة، ولم يظهر له منها أثر لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة.

وخامسها: وهو أنكم تقولون: الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض، وذلك محال من القول، لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية، فالصغيرة الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكل في الماهية كان ذلك ترجيحاً للممكن من غير مرجح وهو محال، فلم يبق إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك الاستحقاقات وهو باطل بالاتفاق، أو لا نزيل شيئاً منها وهو المطلوب.

وسادسها: وهو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم، فإما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارئ أو كلها والأول: باطل لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للممكن من غير مرجح وهو محال، والقسم الثاني باطل، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين مستقل بإيطال ذلك الثواب، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال، لأنه يستغني بكل واحد منهما فيكون غنياً عنهما معاً حال كونه محتاجاً إليهما معاً وهو محال.

وسابعها: وهو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال لعبده: احفظ المتاع لئلا يسرقه السارق، ثم في ذلك الوقت جاء العدو وقصد قتل السيد، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو وقتله فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح والتعظيم حيث دفع القتل عن سيده، ويوجب استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة، وكل واحد من الاستحقاقين ثابت، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة، فأما أن يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداهة العقول.

وثامنها: أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارئ إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون، والأول: محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجوداً في الزمان الماضي، فلو كان لهذا الطارئ أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعاً للتأثير في الزمان الماضي وهو محال، وإن لم يكن للطارئ أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وأن لا يزول ولا يقال لم لا يجوز أن يكون هذا الطارئ مانعاً من ظهور الأثر على ذلك السابق، لأنا نقول: إذا كان هذا الطارئ لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق أصلاً وألبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال، واندفاع أثر هذا الطارئ ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي بدفع هذا الحادث أولى من العكس.

وتاسعها: أن هؤلاء المعتزلة يقولون: إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص، وذلك محال.

لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة، والأعظم لا يحيط بالأقل، قال الجبائي: إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كل طاعة، لأن معصية الله تعظم على قدر كثرة نعمه وإحسانه، كما أن استحقاق قيام الربانية وقد رباه وملكه وبلغه إلى النهاية العظيمة أعظم من قيامه بحقه لكثرة نعمه، فإذا كانت نعم الله على عباده بحيث لا تضبط عظماً وكثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ثواب جملة الطاعات، واعلم أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسر رأس قلم ذلك الملك قصداً، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه وينسبه إلى ترك الانصاف والقسوة، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال الله تعالى أقل من كسر رأس القلم، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس العقول.

وعاشرها: أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة، فالإيمان سبعين سنة كيف يهدم بفسق ساعة، وهذا مما لا يقبله العقل والله أعلم، فهذه جملة الدلائل العقلية على فساد القول بالمحابطة، في تمسك المعتزلة بهذه الآية فنقول: قوله تعالى: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ يحتمل أمرين أحدهما: لا تأتوا به باطلاً، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء والسمعة، فتكون هذه الصدقة حين وجدت حصلت باطلة، وهذا التأويل لا يضرنا ألبتة.

الوجه الثاني: أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتي بها على وجه يوجب الثواب، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن والأذى صار عقاب المن والأذى مزيلاً لثواب تلك الصدقة، وعلى هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية، فلم كان حمل اللفظ على هذا الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول واعلم أن الله تعالى ذكر لذلك مثلين أحدهما: يطابق الاحتمال الأول، وهو قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله ﴾ إذ من المعلوم أن المراد من كونه عمل هذا باطلاً أنه دخل في الوجود باطلاً، لا أنه دخل صحيحاً، ثم يزول، لأن المانع من صحة هذا العمل هو الكفر، والكفر مقارن له، فيمتنع دخوله صحيحاً في الوجود، فهذا المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل، وأما المثل الثاني وهو الصفوان الذي وقع عليه غبار وتراب ثم أصابه وابل، فهذا يشهد لتأويلهم، لأنه تعالى جعل الوابل مزيلاً لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على الصفوان فكذا هاهنا يجب أن يكون المن والأذى مزيلين للأجر والثواب بعد حصول استحقاق الأجر، إلا أن لنا أن نقول: لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على الصفوان حصول الأجر للكافر، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لولا كونه مقروناً بالنية الفاسدة لكان موجباً لحصول الأجر والثواب، فالمشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه، وحمل الكلام على ما ذكرناه أولى، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقاً به ولا غائصاً فيه ألبتة، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال، فهو في مرأى العين متصل، وفي الحقيقة غير متصل، فكذا الانفاق المقرون بالمن والأذى، يرى في الظاهر أنه عمل من أعمال البر، وفي الحقيقة ليس كذلك، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ضعيف، وأما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في الجمع بين الاستحقاقين، وأن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح وإما المهايأة.

المسألة الثانية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن على الله بسبب صدقتكم، وبالأذى لذلك السائل، وقال الباقون: بالمن على الفقير، وبالأذى للفقير.

وقول ابن عباس رضي الله عنهما محتمل، لأن الإنسان إذا أنفق متبجحاً بفعله، ولم يسلك طريقة التواضع والانقطاع إلى الله، والاعتراف بأن ذلك من فضله وتوفيقه وإحسانه فكان كالمان على الله تعالى وإن كان القول الثاني أظهر له.

أما قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ الناس ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الكاف في قوله: ﴿ كالذى ﴾ فيه قولان الأول: أنه متعلق بمحذوف والتقدير لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس، فبيّن تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة، كما أن النفاق والرياء يبطلانها، وتحقيق القول فيه أن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه الله تعالى، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى، فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه الله أيضاً إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما من على الفقير ولا آذاه، فثبت اشتراك الصورتين في كون تلك الصدقة ما أتى بها لوجه الله تعالى، وهذا يحقق ما قلنا أن المقصود من الابطال الإتيان به باطلاً، لا أن المقصود الإتيان به صحيحاً، ثم إزالته وإحباطه بسبب المن والأذى.

والقول الثاني: أن يكون الكاف في محل النصب على الحال، أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق ماله رئاء الناس.

المسألة الثانية: الرياء مصدر، كالمراءاة يقال: راأيته رياء ومراءاة، مثل: راعيته مراعاة ورعاء، وهو أن ترائي بعملك غيرك، وتحقيق الكلام في الرياء قد تقدم، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا المثل أتبعه بالمثل الثاني، فقال: ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ وفي هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى المنافق، فيكون المعنى أن الله تعالى شبه المان والمؤذي بالمنافق، ثم شبه المنافق بالحجر، ثم قال: ﴿ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ﴾ وهو الحجر الأملس، وحكى أبو عبيد عن الأصمعي أن الصفوان والصفا والصفوا واحد، وكل ذلك مقصور، وقال بعضهم: الصفوان جمع صفوانه، كمرجان ومرجانة، وسعدان وسعدانة، ثم قال: ﴿ أَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾ الوابل المطر الشديد، يقال: وبلت السماء تبل وبلا، وأرض موبولة، أي أصابها وابل، ثم قال: ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ الصلد الأمس اليابس، يقال: حجر صلد، وجبل صلد إذا كان براقاً أملس وأرض صلدة، أي لا تنبت شيئاً كالحجر الصلد وصلد الزند إذا لم يور ناراً.

واعلم أن هذا مثل ضربة الله تعالى لعمل المان المؤذي، ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً، كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، وأما المعتزلة فقالوا: إن المعنى أن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المن والأذى أزالا ذلك الأجر، كما يزيل الوابل التراب عن وجه الصفوان، واعلم أن في كيفية هذا التشبيه وجهين: الأول: ما ذكرنا أن العمل الظاهر كالتراب، والمان والأذى والمنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل هذا على قولنا، وأما على قول المعتزلة فالمن والأذى كالوابل.

الوجه الثاني: في التشبيه، قال القفال رحمه الله تعالى، وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض فهو يضاعف له وينمو حتى يحصده في وقته، ويجده وقت حاجته، والصفوان محل بذر المنافق، ومعلوم أنه لا ينمو فيه شيء ولا يكون فيه قبول للبذر، والمعنى أن عمل المان والمؤذي والمنافق يشبه إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودعاً بذره خالياً لا شيء فيه، ألا ترى أنه تعالى ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة، والجنة ما يكون فيه أشجار ونخيل، فمن أخلص لله تعالى كان كمن غرس بستاناً في ربوة من الأرض، فهو يجني ثمر غراسه في أوجات الحاجة وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها متضاعفة زائدة، وأما عمل المان والمؤذي والمنافق، فهو كمن بذر في الصفوان الذي عليه تراب، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً، ومن الملحدة من طعن في التشبيه، فقال: إن الوابل إذا أصاب الصفوان جعله طاهراً نقياً نظيفاً عن الغبار والتراب فكيف يجوز أن يشبه الله به عمل المنافق، والجواب أن وجه التشبيه ما ذكرناه، فلا يعتبر باختلافها فيما وراءه، قال القاضي: وأيضاً فوقع التراب على الصفوان يفيد منافع من وجوه: أحدها: أنه أصلح في الاستقرار عليه.

وثانيها: الانتفاع بها في التيمم.

وثالثها: الانتفاع به فيما يتصل بالنبات، وهذا الوجه الذي ذكره القاضي حسن إلا أن الاعتماد على الأول.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيء مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ فاعلم أن الضمير في قوله: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ ﴾ إلى ماذا يرجع؟

فيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان، لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر، وهذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال رحمه الله تعالى، وكذا المان والمؤذي والمنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة والثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ ﴾ وخرج على هذا المعنى، لأن قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ ﴾ إنما أشير به إلى الجنس، والجنس في حكم العام، قال القفال رحمه الله: وفيه وجه ثالث، وهو أن يكون ذلك مردوداً على قوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فرجع عن الخطاب إلى الغائب، كقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وجرين بِهِمُ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ﴾ ومعناه على قولهم: سلب الإيمان، وعلى قول المعتزلة: إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتَ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ والله بِمَا تعملون بصير ﴾ .

اعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون ماناً ومؤذياً ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك، وهو هذه الآية، وبيّن تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما: طلب مرضاة الله تعالى، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت، وسواء قولك: بغيت وابتغيت.

والغرض الثاني: هو تثبيت النفس، وفيه وجوه: أحدها: أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها، ومن جملة ذلك ترك إتباعها بالمن والأذى، وهذا قول القاضي.

وثانيها: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وَتَثْبِيتًا مّنْ بَعْضُ أَنفُسِهِمْ ﴾ .

وثالثها: أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة، ومعشوقها أمران: الحياة العاجلة والمال، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت، فلهذا دخل فيه ﴿ مِنْ ﴾ التي هي التبعيض، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها، وهو المراد من قوله: ﴿ وتجاهدون فِي سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ  ﴾ وهذا الوجه ذكره صاحب الكشاف، وهو كلام حسن وتفسير لطيف.

ورابعها: وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع: أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً  ﴾ ووصف إنفاق أبي بكر فقال: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ  إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ  ﴾ فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض.

فهناك اطمأن قلبه، واستقرت نفسه، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه، ولهذا قال أولاً في هذا الانفاق إنه لطلب مراضاة الله، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ .

وخامسها: أنه ثبت في العلوم العقلية، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات.

إذا عرفت هذا فنقول: إن من يواظب على الانفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما: حصول هذا المعنى والثاني: صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح، فإتيان العبد بالطاعة لله، ولابتغاء مرضاة الله، يفيد هذه الملكة المستقرة، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس، وهو المراد أيضاً بقوله: ﴿ يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية، فصار العبد كما قاله بعض المحققين: غائباً حاضراً، ظاعناً مقيماً.

وسادسها: قال الزجاج: المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم، ولا يخيب رجاءهم، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق، فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعاً، لأنه لا يؤمن بالثواب، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت.

وسابعها: قال الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف، قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإذا كان لله أعطى، وإن خالطه أمسك، قال الواحدي: وإنما جاز أن يكون التثبيت، بمعنى التثبيت، لأنهم ثبتوا أنفسهم في طلب المستحق، وصرف المال في وجهه، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم من الانفاق هذان الأمران ضرب لإنفاقهم مثلاً، فقال: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وابن عامر ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾ بفتح الراء وفي المؤمنين ﴿ إلى رَبْوَةٍ ﴾ وهو لغة تميم، والباقون بضم الراء فيهما، وهو أن أشهر اللغات ولغة قريش، وفيه سبع لغات ﴿ رَبْوَةٍ ﴾ بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و(رباوة) بالألف بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و(ربو) والربوة المكان المرتفع، قال الأخفش: والذي اختاره ﴿ رَبْوَةٍ ﴾ بالضم، لأن جمعها الربى، وأصلها من قولهم: ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع، ومنه الرابية، لأن أجزاءها ارتفعت، ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد، ومنه الربا، لأنه يأخذ الزيادة.

واعلم أن المفسرين قالوا: البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر ريعاً.

ولي فيه إشكال: وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء ولا ترتفع إليه أنهار وتضربه الرياح كثيراً فلا يحسن ريعه، وإذا كان في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار، ولا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن أيضاً ريعه، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ولا وهدة، فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طيناً حراً، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما، فإن الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها، وهذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين أحدهما: قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ  ﴾ والمراد من ربوها ما ذكرنا فكذا هاهنا والثاني: أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، ولا يربو، ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه، فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو وتنمو، فهذا ما خطر ببالي والله أعلم بمراده.

ثم قال تعالى: ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿ أُكُلُهَا ﴾ بالتخفيف، والباقون بالتثقيل، وهو الأصل، والأكل بالضم الطعام لأن من شأنه أن يؤكل قال الله تعالى: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا  ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها، فالأكل في المعنى مثل الطعمة، وأنشد الأخفش: فما أكلة إن نلتها بغنيمة *** ولا جوعة إن جعتها بقرام وقال أبو زيد: يقال إنه لذو أُكُل إذا كان له حظ من الدنيا.

المسألة الثانية: قال الزجاج: ﴿ آتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ يعني مثلين لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه، وقيل ضعف الشيء مثلاه قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين، وقال الأصم: ضعف ما يكون في غيرها، وقال أبو مسلم: مثلي ما كان يعهد منها.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ الطل: مطر صغير الفطر، ثم في المعنى وجوه: الأول: المعنى أن هذه الجنّة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل، إلا أن ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر وذلك بسبب كرم المنبت الثاني: معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها فلابد وأن يصيبها طل يعطي ثمراً دون ثمر الوابل، فهي على جميع الأحوال لا تخلوا من أن تثمر، فكذلك من أخرج صدقة لوجه الله تعالى لا يضيع كسبه قليلاً كان أو كثيراً.

ثم قال: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ والمراد من البصير العليم، أي هو تعالى عالم بكمية النفقات وكيفيتها، والأمور الباعثة عليها، وأنه تعالى مجاز بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ردّ جميل ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤل أو: ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل، أو: وعفو من جهة السائل لأنه إذا ردّه ردّا جميلاً عذره ﴿ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًىً ﴾ وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة لاختصاصه بالصفة ﴿ والله غَنِىٌّ ﴾ لا حاجة به إلى منفق يمنُّ ويؤذي ﴿ حَلِيمٌ ﴾ عن معاجلته بالعقوبة، وهذا سخط منه ووعيد له.

ثم بالغ في ذلك بما أتبعه ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ ﴾ أي لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كإبطال المنافق الذي ينفق ماله ﴿ رِئَاءَ الناس ﴾ لا يريد بإنفاقه رضاء الله ولا ثواب الآخرة ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ﴾ مثله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بصفوان بحجر أملس عليه تراب.

وقرأ سعيد بن المسيب: ﴿ صفوان ﴾ بوزن كروان ﴿ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾ مطر عظيم القطر ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه.

ومنه: صلد جبين الأصلع إذا برق ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْء مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾ [الفرقان: 23] ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال: أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ ﴾ بعد قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ ﴾ ؟

قلت: أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق، ولأن (من) و (الذي) يتعاقبان فكأنه قيل: كمن ينفق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى ﴾ لا تُحْبِطُوا أجْرَها بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

﴿ كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ كَإبْطالِ المُنافِقِ الَّذِي يُرائِي بِإنْفاقِهِ ولا يُرِيدُ بِهِ رِضا اللَّهِ تَعالى ولا ثَوابَ الآخِرَةِ، أوْ مُماثِلِينَ الَّذِي يُنْفِقُ رِئاءَ النّاسِ، والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ أوِ الحالِ، و ﴿ رِئاءَ ﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ لَهُ أوِ الحالِ بِمَعْنى مُرائِيًا أوِ المَصْدَرِ أيْ إنْفاقٌ ﴿ رِئاءَ ﴾ .

﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ أيْ فَمَثَلُ المُرائِي في إنْفاقِهِ.

﴿ كَمَثَلِ صَفْوانٍ ﴾ كَمَثَلِ حَجَرٍ أمْلَسَ.

﴿ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ ﴾ مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ.

﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ أمْلَسَ نَقْيًا مِنَ التُّرابِ.

﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا ﴾ لا يَنْتَفِعُونَ بِما فَعَلُوا رِئاءً ولا يَجِدُونَ لَهُ ثَوابًا، والضَّمِيرُ لِلَّذِي يُنْفِقُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، أوِ الجَمْعُ كَما في قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم...

هُمُ القَوْمُ كُلَّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ إلى الخَيْرِ والرَّشادِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الرِّئاءَ والمَنَّ والأذى عَلى الإنْفاقِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم أكد ذلك بقوله {يا أيها الذين آمنوا لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذى} الكاف نصب صفة مصدر محذوف والتقدير بطلا مثل إبطال الذي {يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر} أي لا تبطلوا ثواب صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يريد بإنفاقه رضا الله ولا ثواب الآخرة ورئاء مفعول له {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} مثّله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بحجر أملس عليه تراب {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} مطر عظيم القطر {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه {لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ} لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا أو الكاف في محل النصب على الحال

البقرة (٢٦٤ _ ٢٦٦)

أى لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق وإنما قال لا يقدرون بعد قوله كالذي ينفق لأنه أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق {والله لا يهدي القوم الكافرين} ماداموا مختارين الكفر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ إثْرَ بَيانِ ما بَيَّنَ بِطْرِيقِ الغَيْبَةِ البالِغَةِ في إيجابِ العَمَلِ بِمُوجِبِ النَّهْيِ ولِذَلِكَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ ﴿ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى ﴾ أيْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِأنَّ النَّفْيَ أحَقُّ بِالعُمُومِ وأدَلُّ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالمَنِّ المَنُّ عَلى الفَقِيرِ كَما تَقَدَّمَ وهو المَشْهُورُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُرادُ بِهِ المَنُّ عَلى اللَّهِ تَعالى، وبِالأذى الأذى لِلْفَقِيرِ، واسْتَشْكَلَ اِبْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ ظاهِرَها يَسْتَدْعِي أنَّ أجْرَ الصَّدَقَةِ يَبْطُلُ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ ولا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ الإبْطالِ بِذَلِكَ إلى نَفْسِ الصَّدَقَةِ لِأنَّها قَدْ ثَبَتَتْ في الواقِعِ فَلا يُعْقَلُ إبْطالُها؛ ومِنَ العَقِيدَةِ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، والآيَةُ أحَدُ مُتَمَسَّكاتِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّ الصَّدَقَةَ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى مِن صاحِبُها أنَّهُ يَمُنُّ ويُؤْذِي لا تُقْبَلُ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُ لِلْمَلَكِ عَلامَةً فَلا يَكْتُبُها، والإبْطالُ المُتَنازَعُ فِيهِ إنَّما هو في عَمَلٍ صَحِيحٍ وقَعَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في حَيِّزِ القَبُولِ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَمَعْنى ﴿ لا تُبْطِلُوا ﴾ حِينَئِذٍ لا تَأْتُوا بِهَذا العَمَلِ باطِلًا كَذا قالُوا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ﴾ فِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لَهُ بِناءً عَلى أنَّ ﴿ كالَّذِي ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ إمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ لا تُبْطِلُوها إبْطالًا كَإبْطالِ الَّذِي الخ، وإمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ لا تُبْطِلُوا ﴾ أيْ لا تُبْطِلُوها مُشابِهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ أيِ الَّذِي يُبْطِلُ إنْفاقَهُ بِالرِّياءِ، ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ المُرائِيَ بِالإجْماعِ لَمْ يَأْتِ بِالعَمَلِ مَقْبُولًا صَحِيحًا، وإنَّما أتى بِهِ باطِلًا مَرْدُودًا، وقَدْ وقَعَ التَّشْبِيهُ في البَيِّنِ فَتَدَبَّرْ.

وانْتِصابُ (رِياءَ) إمّا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِ (يُنْفِقُ) أيْ لِأجْلِ رِيائِهِمْ؛ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ يُنْفِقُ مالَهُ مُرائِيًا، وجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْفاقًا رِياءَ النّاسِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ جَعْلُ الجارِّ حالًا مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ لِأنَّهُ لا يَتَمَشّى إلّا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، وأصْلُ رِياءٍ رِئاءٌ فالهَمْزَةُ الأُولى عَيْنُ الكَلِمَةِ والثّانِيَةُ بَدَلٌ مِن ياءٍ هي لامٌ لِأنَّها وقَعَتْ طَرَفًا بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، ويَجُوزُ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ الأُولى بِأنْ تُقْلَبَ ياءً فِرارًا مِن ثِقَلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، وقَدْ قَرَأ بِهِ الخُزاعِيُّ والشُّمُونِيُّ وغَيْرُهُما، والمُفاعَلَةُ في فِعْلِهِ عِنْدَ السَّمِينِ عَلى بابِها لِأنَّ المُرائِيَ يُرِي النّاسَ أعْمالَهُ والنّاسَ يُرُونَهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ والتَّعْظِيمَ لَهُ؛ والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَشْمَلُ المُؤْمِنَ والكافِرَ كَما قِيلَ، وغالِبُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ المُنافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ حَتّى يَرْجُوَ ثَوابًا أوْ يَخْشى عِقابًا.

﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ أيِ المُرائِي في الإنْفاقِ، والفاءُ لِرَبْطِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها ﴿ كَمَثَلِ صَفْوانٍ ﴾ أيْ حَجَرٍ كَبِيرٍ أمْلَسَ وهو جَمْعُ صَفْوانَةٍ أوْ صَفاءٍ أوِ اِسْمُ جِنْسٍ ورُجِّحَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ مُفْرَدًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلَيْهِ تُرابٌ ﴾ أيْ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنهُ ﴿ فَأصابَهُ وابِلٌ ﴾ أيْ مَطَرٌ شَدِيدُ الوَقْعِ، والضَّمِيرُ لِلصَّفْوانِ وقِيلَ: لِلتُّرابِ.

﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ أيْ أمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الغُبارِ أصْلًا، وهَذا التَّشْبِيهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا فالنّافِقُ المُنافِقُ كالحَجَرِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ ونَفَقَتِهِ كالتُّرابِ لِرَجاءِ النَّفْعِ مِنهُما بِالأجْرِ والإنْباتِ، ورِياؤُهُ كالوابِلِ المُذْهَبِ لَهُ سَرِيعًا الضّارِّ مِن حَيْثُ يُظَنُّ النَّفْعُ ولَوْ جُعِلَ مُرَكَّبًا لَصَحَّ، وقِيلَ: إنَّهُ هو الوَجْهُ، والأوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا ﴾ أيْ لا يَجِدُونَ ثَوابَ شَيْءٍ مِمّا أنْفَقُوا رِياءً ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ قَطْعًا، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ أوِ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ فَقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ، وجَعْلُها حالًا مِنَ (اَلَّذِي) كَما قالَ السَّمِينُ مَهْزُولٌ مِنَ القَوْلِ كَما لا يَخْفى، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ المَعْنى بَعْدَ ما رُوعِيَ لَفْظُهُ إذْ هو صِفَةٌ لِمُفْرَدٍ لَفْظًا مَجْمُوعٍ مَعْنًى كالجَمْعِ والفَرِيقِ، أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ لِلْجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا ﴾ عَلى رَأْيٍ، وقَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجِ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ وقِيلَ: إنَّ مَن واَلَّذِي يَتَعاقَبانِ فَعُومِلَ هُنا مُعامَلَتَهُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى (اَلَّذِينَ آمَنُوا) مِن قِبَلِ الِالتِفاتِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ  ﴾ إلى ما يَنْفَعُهُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الرِّياءِ والمَنِّ والأذى عَلى الإنْفاقِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَجْتَنِبُوها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى فالله تعالى أمر عباده برأفته أن لا يمنوا بصدقاتهم، لكي لا يذهب أجرهم، ثم ضرب لذلك مثلاً فقال تعالى: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

يعني المشرك إذا تصدق، فأبطل الشرك صدقته، كما أبطل المن والأذى صدقة المؤمن، ثم ضرب لهما مثلاً جميعاً لصدقة المؤمن الذي يمن وبصدقة المشرك.

فقال تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ.

قال القتبي: الصفوان الحجر الذي لا ينبت عليه شيء، يعني كمثل حجر صلب عليه تراب.

فَأَصابَهُ وابِلٌ يعني المطر الشديد فَتَرَكَهُ صَلْداً يعني المطر ترك الصفا نقياً أجرد أملس ليس عليه شيء من تراب فكذلك نفقة صاحب الرياء، ونفقة المشرك لم يبق لهما ثواب.

ثم قال تعالى: لاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا والله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين.

أي لا يجدون للصدقة ثواباً في الآخرة، وهذا كما قال في آية أخرى: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ [إبراهيم: 18] .

وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ يعني لا يرشدهم إلى الإسلام والإخلاص، ولا يوفقهم الله بل يخذلهم مجازاة لكفرهم، ثم ضرب مثلاً لنفقة المؤمن الذي يريد بنفقته وجه الله تعالى، ولا يمن بها فقال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قتادة: صُرْهُنَّ: فَصِّلْهن «١» ، وقال عطاء بن أبي رَبَاح «٢» : صُرْهُنَّ: اضممهن «٣» ، وقال ابن زيد: معناه: اجمعهن «٤» ، وعن ابن عباس أيضاً: أوْثِقْهُن «٥» .

وقرأ قومٌ: «فَصُرَّهُنَّ» بضم الصاد، وشدِّ الراء كأنه يقول: فشدّهنّ ومنه: صرّة الدّنانير.

قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ في الآية بيانُ شرفِ النفقة في سبيلِ اللَّه، وتحسينها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآيةُ في نفقة التطوُّع، وسبلُ اللَّهِ كثيرةٌ، وهي جميعُ ما هو طاعةٌ، وعائدٌ بمنفعةٍ على المسلمين، وعلى الملَّة وأشهرها وأعظمها غَنَاءُ الجهَاد لتكون كَلمةُ اللَّه هي العليا، والحبَّة: اسم جنْسٍ لكلِّ ما يزرعه ابن آدم، وأشهر ذلك البُرُّ، وقد يوجد في سنبل القمحِ/ ما فيه مائة حبّة، وأما في ٦٧ ب سائر الحبوب، فأكثر، وقد ورد القُرآن بأن الحسنة بعَشْر أمثالها واقتضت الآية أنَّ نفقة

الجهَادِ حسنتها بِسَبْعِمِائَةِ ضعفٍ، وبيَّن ذلك الحديث الصحيحُ، واختلف في معنى قوله سبحانه: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، فقيل: هي مبينة، ومؤكِّدة لما تقدَّم من ذكْر السَّبْعمائَةِ، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إِعلام من اللَّه تعالى بأنه يضاعف لِمَنْ يشاء أكْثَر من سبْعمائة ضعْفٍ.

ت: وأرجحُ الأقوالِ عنْدِي قولُ هذه الطائفة، وفي الحديثِ الصحيحِ عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عن ربِّه تبارَكَ وتعالى، قال: «إِنَّ اللَّهَ تعالى كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ...

» الحديثَ، رواه مسلمٌ والبخاريُّ بهذه الحروفِ «١» .

انتهى.

وقال ابن عمر: لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ:

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ...

[البقرة: ٢٤٥] الآية، فَقَالَ: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ...

«٢» [الزمر: ١٠] .

وفي الآية حذفُ مضافٍ، تقديره مَثَلُ إِنفاقِ الذين، وَكَمَثَلِ ذِي حَبَّة، وقوله تعالى:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، لَمَّا تقدَّم في الآية التي قَبْلَها ذِكْرُ فَضْلِ الإِنفاقِ في سبيلِ اللَّهِ علَى العُمُوم، بيَّن أنَّ ذلك إِنما هو لِمَنْ لم يُتْبِعْ إِنفاقَهُ منًّا ولا أذًى، وذلك أنَّ المنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، إنما يريد وجه اللَّه تعالى، ورجاء ثوابه، وأمَّا من أراد من المُنْفِقِ علَيْه جزاءً بوَجْهٍ من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجْهَ اللَّهِ تعالى، وهذا هو الذي متى أخلفه طنه، مَنَّ بالإِنفاق وآذى، إِذ لم يكُنْ إِنفاقه مخلصاً لوجه اللَّه، فالمَنُّ والأذى مُبْطِلانِ للصَّدقة، وهما كاشفان لمقاصد المُنْفِقينَ، والمَنُّ: ذِكْرُ النِّعمة على معنى التعديدِ لها، والتقْريعِ بها، والأَذَى: السَّبُّ والتشكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ، لأن المَنَّ جزء من الأذى، ولكنَّه نصَّ عليه لكثرة وقوعه، وقال زيدُ بْنُ أسْلَم: لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ على من أنفقْتَ علَيْه، تريدُ وجْهَ اللَّه، فلا تسلِّم علَيْه «٣» ، وقالَتْ له امرأةٌ: «يا أبا أُسَامَة، دُلَّنِي على رجل يخرج

في سَبِيلِ اللَّهِ حقًّا فإِنهم إِنما يخرجُون ليأْكُلُوا الفواكه، فإِنَّ عندي أَسْهُماً وجَعْبَةً «١» ، فقالَ لَهَا: لاَ بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمِكِ وَجَعْبَتِكِ، فَقَدْ آذيتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ» .

وتضمَّن اللَّه الأَجْرَ للمُنْفِقِ في سبيلِ اللَّه، والأجْرُ: الجَنَّة، ونفى عنه الخوْفَ لما يستقبلُ، والحُزْنَ على ما سَلَف من دنْياه لأنه يغتبط بآخِرَتِهِ.

ت: وممَّا جاء من صحيح الآثار في هذا البابِ ما رواه مالِك في «الموطَّإ» ، عن ابن شِهَابٍ، عن حُمَيْد بن عَبْد الرحمنِ بْن عَوْف «٢» ، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ/، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهل الجهاد، دعي من باب ٦٨ أالجهاد، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا على مَنْ يدعى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يدعى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟

قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» «٣» ، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد» «٤» : في هذا الحديثِ من الفقْه: [والفضائل] الحضُّ على الإِنفاقِ في سبل الخير، ومعنى زوجَيْنِ، أي: شيئين من نوعٍ واحدٍ نحو درهمَيْن، أو دينارَيْن، أو فرسَيْن، أو قميصَيْن، هكذا قال أهل العلْمِ، وفيه: أَنَّ من أكثر مِنْ شيء، عُرِفَ به، ونُسِبَ إِلَيْه ألا ترى إِلى قوله: «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ» ، يريد: من أكثر

منها، فنُسِبَ إِلَيْها لأن الجميع من أهل الصلاة وكذلك: مَنْ أكثر من الجهادِ، ومِنَ الصيامِ على هذا المعنى، والرَّيَّانُ: فَعْلاَن من الرِّيِّ، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب:

إِعطاؤه ثوابَ العامِلِينَ تلْكَ الأعمال، ونَيْلُه ذلك، واللَّه أعلم، وفيه: أنّ للجنّة أبواب، يعني: متعدِّدة بحَسَب الأعمال.

انتهى.

وروى ابن أبي شيبة في «مسنده» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أنَّ لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابَاً مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُدْعَوْنَ فِيهِ بِذَلِكَ العَمَلِ» «١» .

هذا لفظه على ما نقله صاحب «الكوكب الدري» .

انتهى.

قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً: هذا إِخبارٌ، جزم من اللَّه تعالى أنَّ القول المعروفَ وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند اللَّه- خير من صدقة، هي في ظاهرِهَا صدَقَةٌ، وفي باطنها لا شَيْء لأن ذلك القوْلَ المعروفَ فيه أجْر، وهذه لا أجْر فيها، والمَغْفِرَة: السَّتْر للخَلَّة، وسوءِ حالة المُحْتَاجِ ومِنْ هذا قولُ الأعرابيِّ، وقد سأل قوماً بكلامٍ فصيحٍ، فقال له قائلٌ: مِمَّنِ الرجُل؟

فَقَالَ: «اللَّهُمَّ غَفْراً، سُوءُ الاِكْتِسَابِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِسَابِ» .

وقال النَّقَّاشُ يقال: معناه: ومغفرةٌ للسائلِ إِنْ أغلظ أو جفا، إِذا حُرِم.

ثم أخبر تعالى بغنَاهُ عن صدَقَةِ مَنْ هذه حالُهُ، وحلْمِهِ عَمَّن يقع منه هذا وإِمهالِهِ.

وحدَّث [ابن] الجَوْزِيِّ «٢» في «صَفْوة الصَّفْوَة» بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النّعمان «٣»

الصحابيِّ- رضي اللَّه عنه- قال، لَمَّا كُفَّ بصره، جعل خيطاً في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلاً فيه تَمْرٌ وغير ذلك، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر، ثم أخذ من ذلك الخَيْط حتى يأخذ إِلى باب الحُجْرة، فيناوله المِسْكِين، فكان أهله يقولُونَ:

نَحْنُ نَكْفِيكَ، فيقولُ: سَمِعْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ» انتهى «١» .

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ...

الآية.

العقيدةُ أنَّ السيئات لا تبطل الحسنَاتِ، فقال جُمْهُورُ العلماء في هذه الآية: إِن الصدقة التي يعلم اللَّه من صاحبها أنه يمنُّ بها أو يؤذِي فإنها لا تُتقبَّلُ صدَقَةً، وقيل: بل يجعل اللَّه للمَلَكِ علَيْها أمارةً، فهو لا يكتبها، قال ع «٢» : وهذا حسنٌ لأن المانَّ المُؤْذِيَ لم تكُنْ نيَّته خالصةً للَّه سبحانه، فلم تترتَّب له صدقةٌ، فهذا هو البطلانُ بالمَنِّ والأذى، وهما لا يبطلان صدَقَةً غيرها سالمةَ النية.

ثم مثَّل اللَّه سبحانه هذا الَّذي يَمُنُّ ويؤذي بحَسَب مقدِّمه نيته بالذي ينفقُ رياءً، لا لوجْه اللَّه/، والرِّيَاءُ: مصدرٌ من «فَاعَلَ» من الرؤية: كأنّ الرياءَ تظاهر، وتفاخر بين من لا ٦٨ ب خير فيه من الناس.

قال المَهْدَوِيُّ: والتقدير: كإِبطال الذي ينفقُ ريَاءً.

وقوله تعالى: وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يحتمل أنْ يريد الكافر أو المنافق إِذْ كلٌّ منهما ينفق ليقال: جَوَاد، ثم مثَّل سبحانه هذا المُنْفِقَ رياءً بِصَفْوَانٍ عليه ترابٌ، فيظنه الظانُّ أرضاً منْبِتَةً طيِّبةً كما يظنُّ قومٌ أنَّ صدقة هذا المرائي لها قَدْر، أو معنًى، فإِذا أصاب الصَّفْوَانَ وابلٌ من المَطَر، انكشف ذلك التُّرَاب، وبقي صَلْداً، فكذلك هذا المرائي، إِذا كان يوم القيامة، وحضرت الأعمال، انكشَفَ سرُّه، وظهر أنه لا قَدْر لصدَقَاته، ولا مَعْنَى، والصَّفْوَانُ: الحَجَر الكبيرُ الأملَسُ، والوَابِلُ: الكثير القَوِيُّ من المَطَر وهو الذي يُسَيِّلُ وجْهَ الأرْضِ، والصَّلْدُ من الحجارة: الأملَسُ الصُّلْب الذي لا شيْء فيه، ويستعار للرأسِ الذي لا شَعْرَ فيه.

وقوله تعالى: لاَّ يَقْدِرُونَ يريد: الذين يتفقُونَ رياءً، أي لا يقدرون على الاِنتفاع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ ﴾ أيْ: لا تُبْطِلُوا ثَوابَها، كَما تُبْطَلُ ثَوابُ صَدَقَةِ المُرائِي الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وهو المُنافِقُ ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ أيْ: مِثْلُ نَفَقَتِهِ، كَمَثَلِ صَفْوانٍ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّفْوانُ: الحَجَرُ، والوابِلُ: أشَدُّ المَطَرِ، والصَّلْدُ: الأمْلَسُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الصَّفْوانُ: الحَجَرُ الأمْلَسُ، وكَذَلِكَ الصَّفا.

وقالَ ثَعْلَبٌ: الصَّلْدُ: النَّقِيُّ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ قالا: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُرائِي بِنَفَقَتِهِ، لا يَقْدِرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَوابِ شَيْءٍ مِمّا أنْفَقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ الناسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ هَذا إخْبارُ جَزْمٍ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّ القَوْلَ المَعْرُوفَ وهو الدُعاءُ والتَأْنِيسُ والتَرْجِيَةُ بِما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ هي في ظاهِرِها صَدَقَةٌ، وفي باطِنِها لا شَيْءَ، لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المَعْرُوفَ فِيهِ أجْرٌ، وهَذِهِ لا أجْرَ فِيها.

قالَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ: التَقْدِيرُ في إعْرابِهِ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أولى، ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا ذَهابٌ بِرَوْنَقِ المَعْنى، وإنَّما يَكُونُ المُقَدَّرُ كالظاهِرِ، والمَغْفِرَةُ السَتْرَ لِلْخَلَّةِ وسُوءِ حالَةِ المُحْتاجِ، ومِن هَذا قَوْلُ الأعْرابِيِّ - وقَدْ سَألَ قَوْمًا بِكَلامٍ فَصِيحٍ، فَقالَ لَهُ قائِلٌ: مِمَّنِ الرَجُلُ؟

فَقالَ: "اللهُمَّ غَفْرًا، سُوءُ الِاكْتِسابِ يَمْنَعُ مِنَ الِانْتِسابِ"، وقالَ النَقّاشُ: يُقالُ: مَعْناهُ ومَغْفِرَةٌ لِلسّائِلِ إنْ أغْلَظَ أو جَفا إذا حُرِمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِغِناهُ عن صَدَقَةِ مَن هَذِهِ حالُهُ، وعاقِبَةِ أمْرِهِ، وعن حِلْمِهِ عَمَّنْ يُمْكِنُ أنْ يُوقِعَ هَذا مِن عَبِيدِهِ وإمْهالِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى ﴾ الآيَةُ.

العَقِيدَةُ أنَّ السَيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ الصَدَقَةَ الَّتِي يَعْلَمُ اللهُ في صاحِبِها أنَّهُ يَمُنُّ أو يُؤْذِي فَإنَّهُ لا يَتَقَبَّلُ صَدَقَتَهُ، وقِيلَ: بَلْ جَعَلَ اللهُ لِلْمَلَكِ عَلَيْها أمارَةً فَلا يَكْتُبُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أحْسَنُ لِأنَّ ما نَتَلَقّى نَحْنُ عَنِ المَعْقُولِ مِن بَنِي آدَمَ فَهو أنَّ المانَّ المُؤْذِيَ يَنُصُّ عَلى نَفْسِهِ أنَّ نِيَّتَهُ لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ، فَلَمْ تَتَرَتَّبْ لَهُ صَدَقَةٌ، فَهَذا هو بُطْلانُ الصَدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى، والمَنُّ والأذى في صَدَقَةٍ لا يُبْطِلُ صَدَقَةً غَيْرَها، إذْ لَمْ يَكْشِفْ ذَلِكَ عَلى النِيَّةِ في السَلِيمَةِ، ولا قَدَحَ فِيها.

ثُمَّ مَثَّلَ اللهُ هَذا الَّذِي يَمُنُّ ويُؤْذِي بِحَسَبِ مُقَدِّمَةِ نِيَّتِهِ بِالَّذِي يُنْفِقُ رِياءً لا لِوَجْهِ اللهِ، والرِياءُ مَصْدَرٌ مِن فاعِلٍ مِنَ الرُؤْيَةِ، كَأنَّ الرِياءَ تَظاهُرٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَ مَن لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الناسِ.

قالَ المَهْدَوِيُّ والتَقْدِيرُ: كَإبْطالِ الَّذِي يُنْفِقُ رِئاءً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكافِرَ الظاهِرَ الكُفْرِ، إذْ قَدْ يُنْفِقُ لِيُقالَ جَوادٌ، ولِيُثْنى عَلَيْهِ بِأنْواعِ الثَناءِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُنافِقَ الَّذِي يُظْهِرُ الإيمانَ.

ثُمَّ مَثَّلَ هَذا الَّذِي يُنْفِقُ رِياءً بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ، فَيَظُنُّهُ الظانُّ أرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، كَما يَظُنُّ قَوْمٌ أنَّ صَدَقَةَ هَذا المُرائِي لَها قَدْرٌ أو مَعْنىً، فَإذا أصابَ الصَفْوانَ وابِلٌ مِنَ المَطَرِ انْكَشَفَ ذَلِكَ التُرابُ، وبَقِيَ صَلْدًا، فَكَذَلِكَ هَذا المُرائِي إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، وحَضَرَتِ الأعْمالُ،وَ انْكَشَفَ سِرُّهُ، وظَهَرَ أنَّهُ لا قَدْرَ لِصَدَقَتِهِ ولا مَعْنى.

فالمَنُّ والأذى والرِياءُ يَكْشِفُ عَنِ النِيَّةِ، فَيُبْطِلُ الصَدَقَةَ، كَما يَكْشِفُ الوابِلُ الصَفا فَيُذْهِبُ ما ظُنَّ أرْضًا.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "رِياءَ الناسِ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ.

والصَفْوانُ: الحَجَرُ الكَبِيرُ الأمْلَسُ، قِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدَتُهُ صَفْوانَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: واحِدَتُهُ صَفْواةٌ، وقِيلَ: هو إفْرادٌ، وجَمْعُهُ صَفِي، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ، وقالَ: إنَّما هو جَمْعُ صَفا، ومِن هَذا المَعْنى الصَفْواءُ والصَفا.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِبْدُ عن حالِ مَتْنِهِ ∗∗∗ كَما زَلَّتِ الصَفْواءُ بِالمُتَنَزِّلِ وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: حَتّى كَأنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِصَفا المَشَقَّرِ كُلَّ حِينٍ تُقْرَعُ وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ: "صَفَوانٍ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ.

والوابِلُ الكَثِيرُ القَوِيُّ مِنَ المَطَرِ وهو الَّذِي يَسِيلُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.

والصَلْدُ مِنَ الحِجارَةِ الأمْلَسُ الصَلْبُ الَّذِي لا شَيْءَ فِيهِ، ويُسْتَعارُ لِلرَّأْسِ الَّذِي لا شَعْرَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: .....................

∗∗∗ بَرّاقَ أصْلادِ الجَبِينِ الأجْلَهِ قالَ النَقّاشُ: الصَلْدُ: الأجْرَدُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَقْدِرُونَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ رِئاءً، أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْتِفاعِ بِثَوابِ شَيْءٍ مِن إنْفاقِهِمْ ذَلِكَ، وهو كَسْبُهم - وجاءَتِ العِبارَةُ بِيَقْدِرُونَ عَلى مَعْنى الَّذِي، وقَدِ انْحَمَلَ الكَلامُ قَبْلُ عَلى لَفْظِ الَّذِي، وهَذا هو مَهْيَعُ كَلامِ العَرَبِ، ولَوِ انْحَمَلَ أوَّلًا عَلى المَعْنى لَقَبُحَ بَعْدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى اللَفْظِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ إمّا عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في المُوافِي عَلى الكُفْرِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَهْدِهِمْ في كُفْرِهِمْ، بَلْ هو ضَلالٌ مَحْضٌ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ في صَدَقاتِهِمْ وأعْمالِهِمْ وهم عَلى الكُفْرِ.

وما ذَكَرْتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَفْسِيرِ لُغَةٍ، وتَقْوِيمِ مَعْنىً، فَإنَّهُ مُسْنَدٌ عَنِ المُفَسِّرِينَ، وإنْ لَمْ تَجِئْ ألْفاظُهم مُلَخَّصَةً في تَفْسِيرِ إبْطالِ المَنِّ والأذى لِلصَّدَقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تخلُّص من غرض التنويه بالإنفاق في سبيل الله إلى التنويه بضرب آخر من الإنفاق وهو الإنفاق على المحاويج من الناس، وهو الصدقات.

ولم يتقدم ذكر للصدقة إلاّ أنّها تخطر بالبال عند ذكر الإنفاق في سبيل الله، فلما وصف الإنفاق في سبيل الله بصفة الإخلاص لله فيه بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا ﴾ [البقرة: 262] الآية انتقل بمناسبة ذلك إلى طرد ذلك الوصف في الإنفاق على المحتاجين؛ فإنّ المنّ والأذى في الصدقة أكثر حُصولاً لكون الصدقة متعلّقة بأشخاص معيّنين، بخلاف الإنفاق في سبيل الله فإن أكثر من تنالهم النفقة لا يعلمهم المنفِق.

فالمنّ على المتصدّق عليه هو تذكيره بالنعمة كما تقدم آنفاً.

ومن فقرات الزمخشري في «الكَلِم النَّوابغ»: «طَعْمُ الآلاء أحْلى من المنّ.

وهوَ أمَرُّ من الآلاء عند المنّ» الآلاء الأول النعم والآلاء الثاني شَجر مُر الورق، والمنّ الأول شيء شِبْه العسل يقع كالنَّدَى على بعض شجر بادية سِينا وهو الذي في قوله تعالى: ﴿ وأنزلنا عليكم المن والسلوى ﴾ [البقرة: 57]، والمنّ الثاني تذكير المنَعم عليه بالنعمة.

والأذى الإساءة والضرّ القليل للمنعم عليه قال تعالى: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ [آل عمران: 111]، والمراد به الأذى الصريح من المنعِم للمنعم عليه كالتطاول عليه بأنّه أعطاه، أو أن يتكبّر عليه لأجل العطاء، بله تعيِيره بالفقر، وهو غير الأذى الذي يحصل عند المن.

وأشار أبو حامد الغزالي في كتاب الزكاة من «الإحياء» إلى أنّ المنّ له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته، ثم تتفرّع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح.

ومنبع الأذى أمران: كراهية المعطي إعطاءَ ماله وشدّةُ ذلك على نفسه ورؤيتُه أنّه خير من الفقير، وكلاهما منشؤهُ الجهل؛ فإنّ كراهية تسليم المال حمق لأنّ من بذل المال لطلب رضا الله والثواب فقد علم أنّ ما حصل له من بذل المال أشرف ممّا بذله، وظنَه أنّه خير من الفقير جهل بِخطر الغنَى، أي أنّ مراتب الناس بما تتفاوت به نفوسهم من التزكية لا بعوارض الغنى والفقر التي لا تنشأ عن درجات الكمال النفساني.

ولما حذّر الله المتصدّق من أن يؤذي المتصدّق عليه عُلِم أنّ التحذير من الإضرار به كشتمه وضربه حاصلٌ بفحوى الخطاب لأنّه أوْلى بالنهي.

أوْسع اللَّهُ تعالى هذا المقام بيَاناً وترغيباً وزجراً بأساليب مختلفة وتفنّنات بديعة فنّبهنا بذلك إلى شدّة عناية الإسلام بالإنفاق في وجوه البرّ والمعُونة.

وكيف لا تكون كذلك وقوام الأمة دوران أموالها بينها، وإنّ من أكبر مقاصد الشريعة الانتفاع بالثروة العامة بين أفراد الأمة على وجوه جامعة بين رعْي المنفعة العامة ورعي الوجدان الخاص، وذلك بمراعاة العدل مع الذي كدّ لجمع المال وكسبه، ومراعاةِ الإحسان للذي بطَّأ به جُهده، وهذا المقصد من أشرف المقاصد التشريعية.

ولقد كان مقدار الإصابة والخطإ فيه هو ميزان ارتقاء الأمم وتدهورها، ولا تجد شريعة ظهرت ولا دعاة خير دعَوا إلاّ وهم يجعلون لتنويل أفراد الأمة حَظاً من الأموال التي بين أيدي أهل الثروة وموضعاً عظيماً من تشريعهم أو دعوتهم، إلاّ أنّهم في ذلك متفاوتون بين مقارب ومقصِّر أو آمِل ومُدَبِّر، غير أنّك لا تجد شريعة سدّدت السهم لهذا الغرض.

وعرفت كيف تفرق بين المستحبّ فيه والمفتَرض.

ومثل هذه الشريعة المباركة، فإنّها قد تصرّفت في نظام الثروة العامة تصرّفاً عجيباً أقامته على قاعدة توزيع الثروة بين أفراد الأمة، وذلك بكفاية المحتاج من الأمة مؤونة حاجته، على وجوه لا تحرم المكتسب للمال فائدة اكتسابه وانتفاعه به قبل كل أحد.

فأول ما ابتدأت به تأمين ثقة المكتسب بالأمن على ماله من أن ينتزعه منه مُنتزع إذ قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [النساء: 29] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: «إن دماءَكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» سمع ذلك منه مائة ألف نفس أو يزيدون وتناقلوه في آفاق الإسلام حتى بلغ مبلغ التواتر، فكان من قواعد التشريع العامة قاعدة حفظ الأموال لا يستطيع مسلم إبطالها.

وقد أتْبعت إعلان هذه الثقةِ بحفظ الأموال بتفاريع الأحكام المتعلّقة بالمعاملات والتوثيقات، كمشروعية الرهن في السلف والتوثّق بالإشهاد كما تُصرّح به الآيات الآتية وما سوى ذلك من نصوص الشريعة تنصيصاً واستنباطاً.

ثم أشارت إلى أنّ من مقاصدها ألاّ تبقى الأموال متنقّلة في جهة واحدة أو عائلة أو قبيلة من الأمة بل المقصد دورانها بقوله تعالى في آية الفيء: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَيْلا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم ﴾ [الحشر: 7]، فضمير يكون عائد إلى ما أفاء الله باعتبار كونه مالاً أي كيلا يكون المال دُولة.

والدُّولة ما يتداوله الناس من المال، أي شرْعنا صرفه لمن سمّيناهم دون أن يكون لأهل الجيش حق فيه، لينال الفقراءُ منه حظوظهم فيصبحوا أغنياء فلا يكون مُدالاً بين طائفة الأغنياء كما كانوا في الجاهلية يأخذ قادتهم المِرْبَاع ويأخذ الغزاة ثلاثة الأرباع فيبقى المال كله لطائفة خاصة.

ثم عمدت إلى الانتزاع من هذا المال انتزاعاً منظّماً فجعلت منه انتزاعاً جبرياً بعضه في حياة صاحب المال وبعضه بعد موته.

فأما الذي في حياته فهو الصدقات الواجبة، ومنها الزكاة، وهي في غالب الأحوال عشر المملوكات أو نصف عشرها أو ربع عشرها.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم وجه تشريعها بقوله لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن «إن الله فرض عليهم زكاة تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم» وجعل توزيع ما يتحصّل من هذا المال لإقامة مصالح الناس وكفاية مؤن الضعفاء منهم، فصاروا بذلك ذوي حق في أموال الأغنياء، غير مهينين ولا مهددّين بالمنع والقساوة.

والتفت إلى الأغنياء فوعدهم على هذا العطاء بأفضل ما وُعد به المحسنون، من تسميته قرضاً لله تعالى، ومن توفير ثوابه، كما جاءت به الآيات التي نحن بصدد تفسيرها.

ويلحق بهذا النوع أخذ الخمس من الغنيمة مع أنّها حق المحاربين، فانتزع منهم ذلك وقال لهم: ﴿ واعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فإنّ للَّه خمسه وللرسول ﴾ إلى قوله ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ [الأنفال: 41] فحَرضهم على الرضا بذلك، ولا شك أنّه انتزعه من أيدي الذين اكتسبوه بسيوفهم ورماحهم.

وكذلك يلحق به النفقات الواجبة غير نفقة الزوجة لأنّها غير منظور فيها إلى الانتزاع إذ هي في مقابلة تألُّف العائلة، ولا نفقةِ الأولاد كذلك لأنّ الداعي إليها جبلِيّ.

أما نفقة غير البنين عند من يوجب نفقة القرابة فهي من قسم الانتزاع الواجب، ومن الانتزاع الواجب الكفارات في حنث اليمين، وفطر رمضان، والظهار، والإيلاء، وجزاء الصيد.

فهذا توزيع بعض مال الحي في حياته.

وأما توزيع المال بعد وفاة صاحبه فذلك ببيان فرائض الإرث على وجه لا يقبل الزيادة والنقصان.

وقد كان العرب يعطون أموالهم لمن يحبّون من أجنبي أو قريب كما قدمنا بيانه في قوله: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ (180)، وكان بعض الأمم يجعل الإرث للأكبر.

وجعل توزيع هذه الفرائض على وجه الرحمة بالناس أصحاب الأموال، فلم تعط أموالهم إلاّ لأقرب الناس إليهم، وكان توزيعه بحسب القرب كما هو معروف في مسائل الحجب من الفرائض، وبحسب الأحوجية إلى المال، كتفضيل الذكر على الأنثى لأنّه يعول غيره والأنثى يعولها غيرها.

والتفت في هذا الباب إلى أصحاب الأموال فترك لهم حقّ التصرّف في ثلث أموالهم يعينون من يأخذه بعد موتهم على شرط ألاّ يكون وارثاً، حتى لا يتوسلوا بذلك إلى تنفيل وارث على غيره.

وجعلت الشريعة من الانتزاع انتزاعاً مندوباً إليه غير واجب، وذلك أنواع المواساة بالصدقات والعطايا والهدايا والوصايا وإسلاف المعسر بدون مراباة وليس في الشريعة انتزاع أعيان المملوكات من الأصول فالانتزاع لا يعدو انتزاع الفوائد بالعدالة والمساواة.

وجملة ﴿ قول معروف ﴾ إلى آخرها مستأنفة استئنافاً بيانياً.

وتنكير ﴿ قول معروف ﴾ للتقليل، أي أقَلُّ قول معروف خير من صدقة يتبعها أذى.

والمعروف هو الذي يعرفه الناس، أي لا ينكرونه.

فالمرَاد به القول الحسن وهو ضدّ الأذى.

والمغفرة هنا يراد بها التجاوز عن الإساءة أي تجاوز المتصدق عن الملحّ أو الجافي في سؤاله إلحاحَهُ أو جفاءهُ مثل الذي يسأل فيقول: أعطني حقّ الله الذي عندك أو نحو ذلك، ويراد بها أيضاً تجاوز الله تعالى عن الذنوب بسبب تلك الصدقة إذا كان معها قول معروف، وفي هذا تعْريض بأنّ الأذى يوشك أنْ يبطل ثواب الصدقة.

وقوله: ﴿ والله غني حليم ﴾ تذييل للتذكير بصفتين من صفات الله تعالى ليتخلّق بهما المؤمنون وهما: الغِنَى الراجع إليه الترفّع عن مقابلة العطية بما يبرد غليل شحّ نفس المعطي، والحلمُ الراجع إليه العفو والصفح عن رعونة بعض العُفاة.

والإبطال جعل الشيء باطلاً أي زائلاً غير نافع لما أُريدَ منه.

فمعنى بطلان العمل عدم ترتّب أثره الشرعي عليه سواء كان العمل واجباً أم كان متطوّعاً به، فإن كان العمل واجباً فبطلانه عدم إِجزائه بحيث لا تبرأ ذمة المكلّف من تكليفه بذلك العمل وذلك إذا اختلّ ركن أو شرط من العمل.

وإن كان العمل متطوّعاً به رجع البطلان إلى عدم الثواب على العمل لمانع شرعي من اعتبار ثوابه وهو المراد هنا جمعاً بين أدلة الشريعة.

وقوله: ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ﴾ الكاف ظرف مستقر هو حال من ضمير تبطلوا، أي لا تكونوا في إتْبَاع صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس وهو كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وإنّما يعطي ليراه الناس وذلك عطاء أهل الجاهلية.

فالموصول من قوله: ﴿ كالذي ينفق ماله ﴾ مراد به جنس وليس مراد به جنس وليس مراد به معَيّناً ولا واحداً، والغرض من هذا التشبيه تفظيع المشبّه به وليس المراد المماثلة في الحكم الشرعي، جمعاً بين الأدلة الشرعية.

والرئاء بهمزتين فِعال مِن رأى، وهو أن يُكثر من إظهار أعماله الحسنة للناس، فصيغة الفعال فيه للمبالغة والكثرة، وأَولى الهمزتين أصلية والأخيرة مبدلة عن الياء بعد الألف الزائدة، ويقال رياء بياء بعد الراء على إبدال الهمزة ياء بعد الكسرة.

والمعنى تشبيه بعض المتصدّقين المسلمين الذين يتصدّقون طلباً للثواب ويعقبون صدقاتهم بالمَنّ والأذى، بالمنفقين الكافرين الذين ينفقون أموالهم لا يطلبون من إنفاقها إلاّ الرئاء والمدحة إذ هم لا يتطلّبون أجر الآخرة.

ووجه الشبه عدم الانتفاع مِمَّا أعطوا بأزيدَ من شفاء ما في صدورهم من حبّ التطاول على الضعفاء وشفاء خُلق الأذى المتطبعين عليه دون نفع في الآخرة.

ومُثّل حال الذي ينفق ماله رئاء الناس المشبِه به تمثيلاً يسري إلى الذين يُتبعون صدقاتهم بالمنّ والأذى بقوله: ﴿ فمثله كمثل صفوان ﴾ إلخ وضمير مثله عائد إلى الذي ينفق ماله رئاء للناس، لأنّه لما كان تمثيلاً لحال المشبّه به كان لا محالة تمثيلاً لحال المشبّه، ففي الكلام ثلاثة تشبيهات.

مثَّل حال الكافر الذي ينفق ماله رئاء الناس بحال صفوان عليه تراب يغشيه، يعني يَخاله الناظر تربة كريمة صالحة للبذر، فتقدير الكلام عليه تراب صالحٌ للزرع فحذفت صفة التراب إيجازاً اعتماداً على أنّ التراب الذي يرقب الناس أن يصيبه الوابل هو التراب الذي يبذرون فيه، فإذا زرعه الزارع وأصابه وابل وطمع الزارع في زكاء زرعه، جرفه الماء من وجه الصفوان فلم يترك منه شيئاً وبقي مكانُه صلداً أملس فخاب أمل زارعه.

وهذا أحسن وأدّق من أن نجعل المعنى تمثيل إنفاق الكافر بحال تراب على صفوان أصابه وابل فجرفه، وأنّ وجه الشبه هو سرعة الزوال وعدم القرار كقوله تعالى: ﴿ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف ﴾ [إبراهيم: 18] فإنّ مورد تلك الآية مقام آخر.

ولك أن تجعل كاف التشبيه في قوله تعالى: ﴿ كالذي ينفق ماله ﴾ صفة لمصدر محذوف دل عليه ما في لفظ صدقاتهم من معنى الإنفاق وحذف مضاف بين الكاف وبين اسم الموصول، والتقدير إنفاقاً كإنفاق الذي ينفق ماله رئاء الناس.

وقد روعي في هذا التمثيل عكس التمثيل لمن ينفق مالَه في سبيل الله بحبّة أغَلَّتْ سبعمائة حَبَّة.

فالتشبيه تشبيه مركب معقول بمركب محسوس.

ووجه الشبه الأمل في حالة تغر بالنفع ثم لا تلبث ألاّ تأتي لآملها بما أمَّله فخاب أمله.

ذلك أنّ المؤمنين لا يخلون من رجاء حصول الثواب لهم من صدقاتهم، ويكثر أن تعرض الغفلة للمتصدّق فيُتبع صدقته بالمنّ والأذى اندفاعاً مع خواطر خبيثة.

وقوله: ﴿ لا يقدرون على شيء مما كسبوا ﴾ أوقع موقعاً بديعاً من نظم الكلام تنهال به معاننٍ كثيرة فهو بموقعه كان صالحاً لأن يكون حالاً من الذي ينفق ماله رئاء الناس فيكون مندرجاً في الحالة المشبّهة، وإجراء ضمير كسبوا ضمير جمع لتأويل الذي ينفق بالجماعة، وصالحاً لأن يكون حالاً من مثل صفوان باعتبار أنّه مثل على نحو ما جوّز في قوله تعالى: ﴿ أوكصيب من السماء ﴾ [البقرة: 19] إذ تقديره فيه كمثل ذوي صيّب فلذلك جاء ضميره بصيغة الجمع رعياً للمعنى وإن كان لفظ المعاد مفرداً، وصالحاً لأن يجعل استينافاً بيانياً لأنّ الكلام الذي قبله يثير سؤال سائل عن مغبة أمر المشبّه، وصالحاً لأن يجعل تذييلاً وفذلكة لضرب المثل فهو عود عن بدء قوله: ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ [البقرة: 264] إلى آخر الكلام.

وصالحاً لأن يجعل حالاً من صفوان أي لا يقدرون على شيء ممّا كسبوا منه وحذف عائد الصلة لأنّه ضمير مجرور بما جرّ به اسم الموصول.

ومعنى ﴿ لا يقدرون ﴾ لا يستطيعون أن يسترجعوه ولا انتفعوا بثوابه فلم يبق لهم منه شيء.

ويجوز أن يكون المعنى لا يحسنون وضع شيء ممّا كسبوا موضعه، فهم يبذلون ما لهم لغير فائدة تعود عليهم في آجلهم، بدليل قوله: ﴿ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ .

والمعنى فتركه صلداً لا يحصدون منه زرعاً كما في قوله: ﴿ فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ﴾ [الكهف: 42].

وجملة ﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ تذييل والواو اعتراضية وهذا التذييل مسوق لتحذير المؤمنين من تسرّب أحوال الكافرين إلى أعمالهم فإنّ من أحوالهم المنّ على من ينفقون وأذاه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى ﴾ المَنُّ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ ونَعَّشْتُكَ، والأذى أنْ يَقُولَ: أنْتَ أبَدًا فَقِيرٌ، ومَن أبْلانِي بِكَ، مِمّا يُؤْذِي قَلْبَ المُعْطى.

﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي ما اسْتَحَقُّوهُ فِيما وعَدَهم بِهِ عَلى نَفَقَتِهِمْ.

﴿ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في فَواتِ الأجْرِ.

والثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في أهْوالِ الآخِرَةِ.

﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما أنْفَقُوهُ.

والثّانِي: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوهُ.

وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما أنْفَقَهُ عَلى جَيْشِ العُسْرَةِ في غَزاةِ تَبُوكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ يَعْنِي قَوْلًا حَسَنًا بَدَلًا مِنَ المَنِّ والأذى ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُدْنِيَ إنْ أعْطى.

والثّانِي: يَدْعُو إنْ مَنَعَ.

( ومَغْفِرَةٌ ) فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي العَفْوَ عَنْ أذى السّائِلِ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ السَّلامَةَ مِنَ المَعْصِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَرْكُ الصَّدَقَةِ والمَنعُ مِنها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والرّابِعُ: هو يَسْتُرُ عَلَيْهِ فَقْرَهُ ولا يَفْضَحُهُ بِهِ.

﴿ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى ﴾ يَحْتَمِلُ الأذى هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَنُّ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّعْيِيرُ بِالفَقْرِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: خَيْرٌ مِنها عَلى العَطاءِ.

والثّانِي: خَيْرٌ مِنها عِنْدَ اللَّهِ.

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (المَنّانُ بِما يُعْطِي لا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ ولا يُزَكِّيهِ ولَهُ عَذابٌ ألِيمٌ)» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى ﴾ يُرِيدُ إبْطالَ الفَضْلِ دُونَ الثَّوابِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: إبْطالَ مَوْقِعِها في نَفْسِ المُعْطى.

﴿ كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ القاصِدُ بِنَفَقَتِهِ الرِّياءَ غَيْرُ مُثابٍ، لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وجْهَ اللَّهِ، فَيَسْتَحِقُّ ثَوابَهُ، وخالَفَ صاحِبُ المَنِّ والأذى القاصِدَ وجْهَ اللَّهِ المُسْتَحِقَّ ثَوابَهُ، وإنْ كَرَّرَ عَطاءَهُ وأبْطَلَ فَضْلَهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ ﴾ الصَّفْوانُ: جَمْعُ صَفْوانَةٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَجَرُ الأمْلَسُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَفائِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ألْيَنُ مِنَ الحِجارَةِ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.

﴿ فَأصابَهُ وابِلٌ ﴾ وهو المَطَرُ العَظِيمُ القَطْرِ، العَظِيمُ الوَقْعِ.

﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ الصَّلْدُ مِنَ الحِجارَةِ ما صَلُبَ، ومِنَ الأرْضِ ما لَمْ يُنْبِتْ، تَشْبِيهًا بِالحَجَرِ الَّذِي لا يُنْبِتُ.

﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا ﴾ يَعْنِي مِمّا أنْفَقُوا، فَعَبَّرَ عَنِ النَّفَقَةِ بِالكَسْبِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِها الكَسْبَ، فَضَرَبَ هَذا مَثَلًا لِلْمُرائِي في إبْطالِ ثَوابِهِ، ولِصاحِبِ المَنِّ والأذى في إبْطالِ فَضْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: من أنفق نفقة ثم منَّ بها أو آذى الذي أعطاه النفقة حبط أجره، فضرب الله مثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فلم يدع من التراب شيئاً، فكذلك يمحق الله أجر الذي يعطي صدقته ثم يمنّ بها كما يمحق المطر ذلك التراب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال الله للمؤمنين: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فتبطل كما بطلت صدقة الرياء، وكذلك هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس ذهب الرياء بنفقته كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا.

وأخرج أحمد في الزهد عن عبدالله بن أبي زكريا قال: بلغني أن الرجل إذا راءى بشيء من عمله أحبط ما كان قبل ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا كاهن» .

وأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى.

وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لا يدخل الجنة منان.

فشق ذلك علي حتى وجدت في كتاب الله في المنان ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن حريث قال: إن الرجل يغزو، ولا يسرق ولا يزني ولا يغل لا يرجع بالكفاف.

قيل له: لماذا؟

فقال: إن الرجل ليخرج فإذا أصابه من بلاء الله الذي قد حكم عليه لعن وسب إمامه ولعن ساعة غزا، وقال: لا أعود لغزوة معه أبداً.

فهذا عليه وليس له، مثل النفقة في سبيل الله يتبعها مناً وأذى، فقد ضرب الله مثلها في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ حتى ختم الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ صفوان ﴾ يقول: الحجر.

﴿ فتركه صلداً ﴾ ليس عليه شيء.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ كمثل صفوان ﴾ الصفاة ﴿ فتركه صلداً ﴾ قال: تركها نقية ليس عليها شيء، فكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الوابل.

المطر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: الوابل.

المطر الشديد، وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة، يقول ﴿ لا يقدرون على شيء مما كسبوا ﴾ يومئذ كما ترك هذا المطر هذا الحجر ليس عليه شيء أنقى ما كان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فتركه صلداً ﴾ قال: يابساً خاسئاً لا ينبت شيئاً.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع ابن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ صفوان ﴾ قال: الحجر الأملس.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أوس بن حجر: على ظهر صفوان كأن متونه ** عللن بدهن يزلق المتنزلا قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ صلداً ﴾ قال: أملس.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أبي طالب: وإني لقرم وابن قرم لهاشم ** لآباء صدق مجدهم معقل صلد <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ ﴾ أراد: ثواب صدقاتكم وأجرها (١) ﴿ بِالْمَنِّ ﴾ هو أن تمن بما أعطيت وتعتد به، كأنك إنما تقصد به الاعتداد، وقال ابن عباس: ﴿ بِالْمَنِّ ﴾ على الله عز وجل (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ أخبر الله تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة، كما تبطل نفقة المنافق الذي إنما أعطى وهو لا يريد بذلك العطاء ما عند الله، إنما يريد (٤) (٥) والرياء مصدر المُرَاءاة، يقال: رياء ومراءاة، مثل: راعيته رِعَاءً ومُرَاعَاةً، وهو أن ترائي غيرك بعملك (٦) قال ابن عباس: يريد كالذي يتصدق لا يرجو لها ثوابًا، ولا يخاف من منعها عقابًا (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ أي: مثل هذا المنافق المرائي {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} (٨) (٩) (١٠) والوابل: المطر الشديد، يقال: وَبَلَتِ السماءُ تَبِلُ وَبْلًا، وأرض مَوْبُولَةٌ: أصابها وابل (١١) والصَّلْد: الأملسُ اليابس، يقال: حَجَرٌ صلْدُ، وجبين صلْدٌ: إذا كان براقًا أملس، وأرض صلد: لا تنبت شيئًا كالحجر الصلد، قال تأبط شرًا (١٢) ولَسْتُ بِجُلْبٍ جُلْبِ ريحٍ وقِرةٍ ...

ولا بصَفًا صلْدٍ عَن الخَيْرِ مَعْزِل (١٣) وقال رؤبة في الجبين: برّاق أصلادِ الجبينِ الأَجْلَهِ (١٤) وقال بعض بني أسد في الأرض الصلدة: وإنِّي لأرجو الوَصْلَ منكِ كَما رَجَا ...

صَدَى الجَوْفِ (١٥) (١٦) جمعُ صَلْد، وأصله من قولهم: صَلَدَ الزَّنْدُ وأصلد (١٧) (١٨) وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق وعمل المنّان الموذي، يعنى: أن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالًا كما يُرى التُرابُ على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل؛ لأنه لم يكن لله، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، فلا يقدر أحد (من الخلق) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ قال أبو إسحاق: أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين، وقيل: لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم (٢٢) (١) "تفسير الثعلبي" 2/ 1575.

(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1575، والبغوي في "تفسيره" 1/ 326، والرازي 7/ 57.

(٣) سقطت من (ي).

(٤) في (ي) و (ش): (يعطي).

(٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1575.

(٦) ينظر في الرياء: "تهذيب اللغة" 2/ 1326 (مادة: رأى)، "المفردات" 190، "اللسان" 3/ 1544 (مادة: رأى)، "عمدة الحفاظ" 2/ 62.

(٧) لعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.

(٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 1575.

(٩) كتبت في (م): (الصفو والصفوان)، وفي بقية النسخ (الصفوا والصفوان).

(١٠) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 2022 (مادة: صفا)، وينظر في المادة نفسها: "المفردات" 286 - 287، "اللسان" 4/ 2468 - 2469.

(١١) ينظر في وبل: "تهذيب اللغة" 4/ 3829، "المفردات" 526، "اللسان" 8/ 4755 (مادة: وبل).

(١٢) ثابت بن جابر بن سفيان الفهمي أبو زهير، من شعراء الصعاليك، وأحد لصوص العرب المغيرين، اشتهر بسرعة العدو حتى إن الخيل لا تلحقه، وسمي تأبط شرًّا؛ لأنه تأبط سيفا وخرج، فقيل لأمه: أين هو؟

فقالت: تأبط شرا وخرج، وقيل غير ذلك.

ينظر "الشعر والشعراء" 1/ 93، "وسمط اللالي" 1/ 158.

(١٣) البيت في "ديوانه" 174، وفي "تفسير الطبري" 3/ 66، "تفسير الثعلبي" 2/ 1577، "لسان العرب" 5/ 2930 (عزل) والجلب: هو السحاب المعترض، تراه كأنه جبل، والمعنى: لست برجل لا نفع فيه، ومع ذلك فيه أذى كالسحاب الذي فيه ريح وقِرٌّ، ولا مطر فيه.

ينظر "لسان العرب" 2/ 649 (جلب).

(١٤) الرجز لرؤبة، وقبله كما في "الأراجيز" ص 165: لما رأتني خلق المُمَوهِ.

وذكره في "تهذيب اللغة" 12/ 142، "اللسان" 4/ 2481 مادة: صلد، وخلق المموه: يعنىِ: قد بلي شبابي وأخلق، وأصلاد الجبين: يعني: أن جبينه قد زال شعره، والأجله: الأنزع الذي انحسر شعره عن جانبي جهته.

"حاشية تفسير الطبري" 3/ 66.

(١٥) في (ش): (الخوف).

(١٦) ورد البيت غير منسوب في "ديوان الحماسة" 2/ 165.

(١٧) سقطت من (ي).

(١٨) ينظر في صلد: "تهذيب اللغة" 2/ 2042، "المفردات" 289، "اللسان" 4/ 2481.

(١٩) سقطت من (ي).

(٢٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 1578.

(٢١) المصدر السابق.

(٢٢) "معاني القرآن" 1/ 347.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ هو ردّ السائل بجميل من القول: كالدعاء له والتأنيس ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه جفاء، وقيل: مغفرة من الله لسبب الردّ الجميل، والمعنى: تفضيل عدم العطاء إذا كان بقول معروف ومغفرة، على العطاء الذي يتبعه أذى ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم ﴾ عقيدة أهل السنة أن السيئات لا تبطل الحسنات؛ فقالوا في هذه الآية: إنّ الصدقة التي يعلم من صاحبها أنه يمن أو يؤذي لا تقبل منه، وقيل: إنّ المن والأذى دليل على أن نيته لم تكن خالصة، فلذلك بطلت صدقته ﴿ كالذي يُنْفِقُ ﴾ تمثيل لمن يمنّ ويؤذي بالذي ينفق رياء وهو غير مؤمن ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ أي مثل المرائي في نفقته كحجر عليه تراب؛ يظنه من يراه أرضاً منبتة طيبة، فإذا أنزل عليها المطر انكشف التراب، فيبقى الحجر لا منفعه فيه، فكذلك المرائي يظن أن له أجراً، فإذا كان يوم القيامة انكشف سره ولم تنفعه نفقته ﴿ صَفْوَانٍ ﴾ حجر كبير ﴿ وَابِلٌ ﴾ مطر كثير ﴿ صَلْداً ﴾ أملس ﴿ يَقْدِرُونَ ﴾ أي لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ أي تيقناً وتحقيقاً للثواب لأن أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم؛ يثبتون أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم؛ يثبتون أنفسهم على الإيمان باحتمال المشقة في بذلك المال، وانتصاب ﴿ ابتغآء ﴾ على المصدر في موضع الحال وعطف عليه ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ ، ولا يصح في تثبيتاً أن يكون مفعولاً من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت فامتنع ذلك في المعطوف عليه وهو ابتغاء ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ ﴾ تقديره: كمثل صاحب حبة أو يقدر ولا مثل نفقة الذي ينفقون ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾ لأن ارتفاع موضع الجنة أطيب لتربتها وهوائها ﴿ فَطَلٌّ ﴾ الطل الرقيق الخفيف، فالمعنى يكفي هذه الجنة لكرم أرضها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أنبتت سبع ﴾ وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ يضعف ﴾ وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعف ﴾ ﴿ رياء الناس ﴾ غير مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف.

الباقون بالهمزة.

﴿ الكافرين ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن ﴿ بربوة ﴾ بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم.

الباقون بضمها ﴿ أكلها ﴾ وبابه ساكنة الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف ﴿ بما يعملون بصير ﴾ بالياء التحتانية: أبو/ عون عن قنبل.

الباقون بالتاء للخطاب.

الوقوف: ﴿ مائة حبة ﴾ ط، ﴿ لمن يشاء ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج لعطف المختلفتين، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ أذى ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه، ﴿ والأذى ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالاً مثل إبطال الذي، ﴿ الآخر ﴾ ط، ﴿ صلدا ﴾ ط، ﴿ كسبوا ﴾ ط، ﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ ضعفين ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب واتحاد الكلام، ﴿ فطل ﴾ ط، ﴿ بصير ﴾ ه، ﴿ الأنهار ﴾ (لا) لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً، ﴿ الثمرات ﴾ (لا) لأن الواو وللحال، ﴿ ضعفاء ﴾ ص والوصل أولى والوقف على ﴿ فاحترقت ﴾ ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها كذا في حال كذا؟

﴿ تتفكرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان التكاليف والأحكام.

قال القاضي في كيفية النظم: إنه  لما أجمل في قوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة  ﴾ ، فصّل بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثاً كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأصول داعياً إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً وهو من الواحد إلى سبعمائة.

وعن الأصم أنه  ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي  ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته.

وقيل: إنه  لما بين أنه وليّ المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بيّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.

قلت: لما بين صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها العباد بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال ﴿ مثل الذين ﴾ ولا بد من إضمار ليصح التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة.

وسبيل الله دينه.

فقيل الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير.

والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.

ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة.

وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد في الجاورس والذرة وغيرهما مثل ذلك.

وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة.

﴿ والله يضاعف ﴾ أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها/ لمن يستحق ذلك في مشيئته.

﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه غير متناه ﴿ عليم ﴾ بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده.

ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، والمنّ قد يراد به الإنعام قال تعالى ﴿ ولا تمنن تستكثر  ﴾ وقد يراد به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل: صنوان مٌَّن مُنِحَ سائله ومَنٌّ منع نائله وضنّ.

وذلك لما فيه من انكسار قلب الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله.

وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا يترقى نظرهن من المسحوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات.

وأما الأذى فمهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدل إليه ويقول له: ألست إلا مبرماً وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي ﴿ لهم أجرهم ﴾ وقال فيما يجيء ﴿ فلهم أجرهم  ﴾ لأن الموصول ههنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو أن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب استحقاق الأجر وطرحها عارٍ عن تلك الدلالة.

ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب.

﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق.

ولا يحزنون بالفوات كقوله ﴿ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً  ﴾ والمراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر.

ويعلم من قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ أن قوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله ﴿ ثم لا يتبعون ﴾ أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن الاعتداد بها.

احتجت المعتزلة بالآية من وجهين: الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل.

الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ثواب له أصلاً، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟

﴿ قول معروف ﴾ تقبله القلوب ولا تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة ﴿ ومغفرة ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من جهة السائل بأن يعذر المسؤول إذا رده رداً جميلاً ﴿ خير من صدقة يتبعها أذى ﴾ لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر.

وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا إضرار، فكان الأولى ﴿ ومن الناس ﴾ الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا يحل منعه ولا رد السائل فيه.

ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير ﴿ والله غني ﴾ عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟

﴿ حليم ﴾ عن معاجلته بالعقوبة إذا مَنّ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد.

ثم إنه  ضرب لكل واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلاً فقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، ﴿ كالذي ﴾ أي كإبطال المنافق الذي ﴿ ينفق ماله رئاء الناس ﴾ وهو أن يرائي بعمله غيره ولا يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائداً إلى المنافق على أنه  شبه المانّ بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق بالحجر.

وإما أن يعود إلى المانِّ المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه بالحجر.

والصفوان الحجر الأملس، الوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق.

وهذا المثل ضربه الله لعمل المانِّ المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله  ولم يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب.

وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المنَّ والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير.

فعلى مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل.

وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل، وعن القفال: ان عمل المانِّ مشبه بما إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودع بذره خالياً لا شيء فيه.

ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة؟

وعلى هذا فقوله ﴿ لا يقدرون على شيء ﴾ الضمير فيه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المانُّ والمؤذي والمنافق لا ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المانِّ والمنافق ملزوزين في قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن "من" و "الذي" متعاقبان فكأنه قيل: كمّن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، وإما لأنه أشير/ بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام.

وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  ﴾ .

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ معناه - على قولنا - سلب الإيمان عنهم، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ﴾ طلباً لمرضاته ﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ قيل: أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى.

وقيل: تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وتبييناً ﴾ من البيان.

وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال، فإذا بذل ماله وروحه معاً فقد ثبت نفسه كلها ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  ﴾ وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، فعلى هذا "من" للتبعيض ذكره في الكشاف، قال الزجاج: تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله  لا يضيع ثوابهم فـ "من" على هذا للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت.

وعن الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتاً في طلب المستحق وصرف المال في وجهه.

قال الحسن: كان الرجل إذا هَمَّ بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك.

وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت.

ويحتمل أن يكو ن المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها.

والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان.

وقرىء ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو لزيادة التنفس، والربا في المال.

قيل: وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً.

واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله  ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت  ﴾ ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا/ يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو ﴿ فآتت أكلها ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها ﴿ ضعفين ﴾ مثلي ما كان يعهد منها.

وقيل: مثلي ما يكون في غيرها ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ مطر صغير القطر يصيبها ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفّر أم نزر.

ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن الكل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم ﴿ والله بما تعملون ﴾ من وجوه الإنفاق وكيفيتها والأمور الباعثة عليها ﴿ بصير ﴾ فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات.

ثم إنه  رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب مثالاً آخر فقال ﴿ أيود أحدكم ﴾ والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود.

قرىء ﴿ له جنات ﴾ وقد وصف الله  الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن الجنة إنما تكوّنت منهما لكثرتهما فيها.

الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها.

والثالث: فيها من كل الثمرات، وإنما خص النخيل والأعناب أولاً بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع.

قال في الشكاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله ﴿ وكان له ثمر  ﴾ بعد قوله ﴿ جنتين من أعناب وحففناهما بنخل  ﴾ .

ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال ﴿ وأصابه الكبر ﴾ أي والحال أنه قد أصابه الكبر.

وقال الفراء: إنه معطوف على ﴿ يود ﴾ واستقام نظر المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء.

وقرىء ﴿ ضعاف ﴾ أي صبيان وأطفال ﴿ فأصابها إعصار ﴾ ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود ﴿ فيه نار فاحترقت ﴾ أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى المال - وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال - فإذا أصبح وشاهد تلك الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟

فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ويورثه الخيبة والندامة.

التأويل: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، "ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي/ أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل" .

فمن أعطى قلبه إلى الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوماً بذلوا المال لله، وقوماً بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ ﴿ ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ﴾ على الله بأن يقول: عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر ﴿ ولا أذى ﴾ بأن يطلب من الله غير الله.

رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ينزلهم في مرتبة العندية ﴿ عند مليك مقتدر  ﴾ لا عند الجنة ولا عند النار.

﴿ قول معروف ﴾ يصدر عن العارف بالله في طلب المعروف ﴿ ومغفرة ﴾ له وأن لم يكن عنده ما يتصدق ﴿ خير ﴾ له عند ربه ﴿ من صدقة يتبعها ﴾ من الجهل ﴿ أذى ﴾ طلب غير الحق من الحق ﴿ والله غني ﴾ عن غيره ﴿ حليم ﴾ لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فالمعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال  ﴾ .

ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا قال  " لولا الفقراء لهلك الأغنياء" " أي لم يجدوا سبيلاً إلى الحق.

وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد السفلى بيد الغني.

لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأنه لو كان مؤمناً بالله لكان ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي ﴿ كمثل صفوان عليه تراب ﴾ هو عمله ﴿ فأصابه وابل ﴾ وهو وابل الرد.

" "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك " ﴿ فتركه صلداً ﴾ مفلساً خائباً.

﴿ لا يقدرون عل شيء مما كسبوا ﴾ ليتوسلوا به إلى الله.

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة وصاله.

﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ وتخليصاً لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط أنفسهم ﴿ كمثل جنة ﴾ / هي قلب المخلص ﴿ بربوة ﴾ في رتبة عالية عند الحق ﴿ أصابها وابل ﴾ الواردت الربانية ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ الإلهامات ﴿ فآتت أكلها ضعفين ﴾ ضعف من نعيم الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ، فإن الله  كما يعطي أهل الآخرة نصيباً من الدنيا بالتبعية ولا يعطي أهل الدنيا نصيباً من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيباً من الآخرة بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات واستبقاء الحياة.

ثم ضرب مثلاً لروح الإنسان وقلبه بجنةٍ له فيها من كل الثمرات إذا خلق في أحسن تقويم، مستعداً لجميع الكرامات، مشرفاً بعلم السمات، منوراً بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحداً بحمل الأمانة، متفرداً برتبة الخلافة.

جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، ﴿ وله ذرية ضعفاء ﴾ من متولدات القوى البشرية في غاية الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها ﴿ فأصابها إعصار ﴾ من أعمال البر ﴿ فيه نار ﴾ من الرياء والنفاق ﴿ فاحترقت ﴾ جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلك تتفكرون ﴾ في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله المستعان وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

المن والأذى: ما ذكرنا.

ثم جهة البطلان - والله أعلم - أن الله عز وجل وعد لمن تصدق الثواب عليها، بقوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ...

﴾ الآية [التوبة: 111].

وإن كانت تلك الأموال في الحقيقة له أعطاهم الثواب على ذلك، فأخبر أن من أعطى آخر شيئاً ببدل لا يمن عليه، كالمبادلات التي تجري بين الناس، ألا يكون لبعض على بعض جهة المنّ، إذا أخذ بدل ما أعطاه، وأن يقال: إن الأموال كلها لله  ، فإنما أعطى ماله، كل من أعطى ماله آخر لا يستوجب ذلك حمداً ولا مَنّاً.

ثم اختلف في قوله  : ﴿ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ ﴾ : قال بعضهم: هم المنافقون، كانوا ينفقون أموالهم رياء.

دليله قوله  : ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ، شبه الصدقة التي فيها (مَنٌّ) و(أذىً) بالصدقة التي فيها رياء.

وذلك - والله أعلم - أن الصدقة التي فيها (من) و(أذى) لم يبتغ بها وجه الله، فكان كالصدقة التي ينفقها للزيادة لا يبتغي بها وجه الله  [وقال آخرون: كل صدقة فيها رياء فلذلك، كافراً كان منفقها أو مسلماً؛ لأنها لم يُبتغَ فيها وجه الله  ] والدار الآخرة.

ثم ضرب المثل للصدقة المبتغي بها الرياء، والصدقة التي فيها المن والأذى بالصفوان الذي عليه التراب: وهو الحجر الأملس، فقال: ﴿ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ﴾ .

قيل: (الوابل) هو المطر الشديد عظيم القدر.

وفي ضرب الأمثال تعريف ما غاب عن الأبصار بما هو محسوس؛ وذلك أن الصفوان الذي به ضرب المثل، والتراب محسوس، ومن التراب جعل الأغذية للخلق والدواب.

ثم الثواب الذي وعد للصدقة ليس بمحسوس، بل هو غائب، فعرف الغائب بالمحسوس.

فقال: لما كان التراب الذي به تكون الأغذية يذهب بالمطر الشديد حتى لا يبقى له أثر، فكذلك الثواب الذي يكون للصدقة يذهب ويتلاشى حتى لا يُظفر بها بالمن والأذى والرياء، كما أذهب المطر التراب الذي على الصفوان، فصار صلداً، لا شيء عليه من التراب.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

قالت المعتزلة: لا يهدي القوم الكافرين بكفرهم الذي اختاروا.

وقلنا نحن: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ويهديهم وقت اختيارهم الإيمان.

وفي قوله: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ﴾ ، وجه آخر، هو أن يحتمل قوله: ﴿ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، هذه التسبيحات والثناء والحمد، ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ ، ستر ما ارتكب من المأثم.

وقوله: ﴿ خَيْرٌ ﴾ ، أي أحب على البذل من صدقة يتبعها أذى.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

في الأمثال التي ضربها الله  وذكرها في القرآن وجوه: أحدها: جواز قياس ما غاب من الحكم عن المنصوص بالمنصوص إذا جمعهما معنى واحد.

والثاني: أن علوم المحسوسات والمشاهدات هي علوم الحقائق، وهي الأصول التي بها يستدل ويوصل إلى معرفة الغائب.

والثالث: فيها إثبات رسالة محمد، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، وذلك أن العرب كانت لا تضرب الأمثال، ولا كانت تعرفها في أمر التوحيد وتعريف ما غاب عن حواسهم من أمر القيامة ونحو ذلك.

ثم بعث الله  محمداً  ، وأنزل عليه القرآن، وذكر فيه الأمثال؛ ليذكرهم تلك الأمثال ليعلموا أنه إنما عرفها بالله عز وجل، لا أنه أنشأ هذا القرآن من تلقاء نفسه.

وذلك من آيات نبوته ورسالته.

وعلى ذلك جعل عدم الكتابة وإنشاء الشعر من آيات نبوته ورسالته؛ لأن من عادة العرب إنشاء الشعر والكتابة، ويفضلون أربابها على غيرهم؛ لئلا يعرف هو بها، ويقولون: إنه أخذ من الكتب، أو اختلق من نفسه، كقوله  : ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ  ﴾ .

والرابع: فيها دلالة أن الله - جل وعلا - خالق الدنيا وما فيها من المحاسن والخبائث، والأعالي والخسائس، حيث ضرب مثل الرفيع وبالرفيع والخسيس بالخسيس؛ فدل أن خالق هذه الأشياء كلها هو الله  ، لا شريك له ولا شبيه.

ثم شبه الصدقة التي هي لله - عز وجل - مرة بالربوة من الأرض: وهي المرتفعة منها، ومرة بالحبة التي تنبت كذا كذا سنبلة، وفي كل سنبلة كذا كذا حبة، ومرة بالأضعاف المضاعفة؛ كقوله: ﴿ فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً  ﴾ .

فهو - والله أعلم - لما علم عز وجل رغبة الناس مرة في العدد في الدنيا، ومرة في البساتين المرتفعة أرضها وتربتها ليشرفوا على غيرهم من الخلائق والبقاع، ومرة في الكثير من الأشياء والعظيم منها رغبهم عز وجل في الصدقة بما ذكرنا من الأشياء لعلمه برغبتهم فيها، ليرغبوا في ذلك.

والله أعلم.

وعلى ذلك حرم الله  الصدقات على رسول الله  ؛ لأنه كان يرغب الناس في الصدقة؛ لئلا يظنوا فيه ظن السوء ويقولون: إنه إنما يرغبهم فيها لينتفع هو بها.

وقوله  : ﴿ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ اخلتف فيه: قيل: ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ : تصديقا، كقوله  : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ .

وقيل: ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ ، أي: تيقينا بالإسلام.

وقيل: يثبتون في مواضع الصدقة.

وقيل: ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ في الصدقة، إذا كانت لله أمضى وتصدق بها، وإن خالطه شيء أمسك.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ .

قيل: الربوة: المرتفع من الأرض.

وقيل: الربوة: الظاهر المستوي من المكان.

وقوله  : ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ .

والوابل: قد ذكرنا أنه المطر الشديد العظيم القطر.

وقوله  : ﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ ، يعني الحجة أضعفت في ثمرها في الحمل ضعفين حين أصابها وابل.

كذلك الذي ينفق ماله لله في غير منه يمن بها يضاعف نفقتها، كثرت النفقة أو قلت.

وقيل: يضاعف الله للمنفق الأجر مرتين.

وقوله  : ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ .

والطل، هو المطر الضعيف.

وقيل: هو الطش من المطر.

وقيل: هو الرذاذ من المطر مثل الندى، لا تزال الحبة خضراء دائماً ثمرها، قل أو كثر.

وقوله: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

ليس لهذا الخطاب جواب؛ لأن جوابه أن يقول: يود، أو لا يود.

لكن الخطاب من الله  يخرج على وجوه ثلاثة: خطاب يفهم مراده وقت قرعه السمع.

وخطاب لا يفهم مراده إلا بعد النظر فيه والتفكر والتدبر، وهو كقوله: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ ، وكقوله عز وجل: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ  ﴾ .

وخطاب لا يفهم مراده إلا بالسؤال عنه رسول الله  ، أو من له علم في ذلك؛ كقوله  : ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً  ﴾ ، وكقوله  : ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

فإذا كان ما ذكرنا، فيحتمل أن ما ترك من الجواب للخطاب إنما ترك للطلب والبحث عنه والتفحص.

ثم إن هذا الخطاب يحتمل أن يكون في أهل النفاق؛ وذلك أن المنافق يرى من نفسه الموافقة لأهل الإسلام في الظاهر، وهو مخالف لهم في السر، وعنده أنه يستحق الثواب بذلك وقت الثواب، كان كصاحب الضيعة التي ذكرت في الآية: أن صاحبها يغرس فيها الغرس، وينبت فيها النبات في حال شبابه وقوته؛ رجاء أن يصل إلى الانتفاع بها في وقت الحاجة والضعف، فإذا بلغ ذلك واحتاج - حيل بينه وبين الانتفاع فيها.

فكذلك المنافق الذي كان دينه لمنافع في الدنيا وسعة لها، إذا بلغ إلى وقت الحاجة حرم ذلك.

وكذلك هذا في الكافر؛ لأنه رأى لنفسه النفع بعمله لوقت تأمله كصاحب الضيعة، ثم عند بلوغه الحاجة حرم عنه ذلك لا عتراض ما اعترض من الآفة، وهو كقوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً  ﴾ ؛ لأن الكافر بما يدين من الدين إنما يدين لنفع يتأمله في الدنيا، والمؤمن إنما يدين بما يدين لنفع يتأمله ويطمع في الآخرة.

فرجاء الكافر في غير موضعه؛ لذلك كان ما ذكر.

والله أعلم.

ثم الأمثال التي ضربت ينتفع بها المؤمنون؛ لأن نظرهم ما في الأمثال من المعنى المدرج والمودع فيها، لم ينظروا إلى أعينها.

وأما الكفار إنما ينظرون إلى أعين الأمثال، لا إلى ما فيها، فاستحقروها واستبعدت عقولهم ذلك؛ لذلك قال الله - عز وجل -: ﴿ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ  ﴾ .

ووجه ضرب هذا المثل: هو أن الكافر يحرم أجره عند أفقر وأحوج ما كان إليه، كما حرم هذا نفع بستانه عند أفقر وأحوج ما كان إليه حين كبرت سنه وضعفت قوته، ولا حيلة له يومئذ.

وقوله  : ﴿ إِعْصَارٌ ﴾ .

قال ابن عباس: الإعصار: ريح فيها سموم.

وقيل: الإعصار: ريح فيها نار تحرق الأشجار.

وقيل: هي الريح تسطع إلى السماء، وهي أشد.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ...

﴾ الآية: فمعناه - والله أعلم - أن يكون ألا يود أحد أن تكون له جنة ينال منافعها في وقت قوته وغناه بقوته عنها وبغيرها من وجوه المعاش، ثم يحرم نفعها لوقت الحاجة إليها بضعف بدنه وارتكاب مؤن الذرية، فكذلك لا ترضوا من أنفسكم في وقت قوتها وغناها الغفلة عنها لوقت حاجتها إلى الأعمال والاضطرار إلى ثوابها.

والله أعلم.

وأن يكون المعنى من ذلك أي: لا تغتروا بظاهر أحوالكم في الدنيا، وبما تنالون من النافع بالذي أظهرتم من موافقة المؤمنين، كاغترار من ذكرت بجنسه في خاص ما عليه حاله إلى أن صار إلى ما أراه الله من عاقبته أنه يود عنه نهاية ذلك، أن لم يكن منه الاغترار في ذلك، ولكن كان قيامه على ما لا يضيع عنه ذلك بتلك الحال؛ فيخرج ذا على ضرب المثل للمنافق.

ويحتمل: أن يكون ذلك مثلاً لمن كفر بمحمد  ممن يؤمن بالبعث، أن الذي ينال بالكفر به من الرياسة والعز، كالذي ذكر من صاحب الجنة أنه لا يود ذلك الابتداء بما يعلم تلك العاقبة؛ فكذا ما ينبغي لهم إذ بين لهم عواقب الكفر بمحمد  أن يؤثروا الذي نالوا بعد علمهم بشدة تلك العاقبة.

والله أعلم.

والمثل خرج على غير ذلك الجواب فيه؛ لما قد جرى له البيان لعلمه بالمبعوث مبيناً أو بما في الحال التي لها نزول الآية دليل التعريف، أو بما أراد الله امتحان السامعين بالتأمل في الآية لينال كل ذي عقل فضله، وليكرم به أهل التدبر في أياته في صرف وجوه من دونهم إليهم في الصدور عن آرائهم والاعتماد على إشارتهم.

والله أعلم.

وجملة ذلك: أن أفعال ذوي الاختيار تكون للعواقب، وما إليه مرجع الفاعل مقصود في الابتداء، فبين لمن غفل عنه بالذي عرف من حيرة المسرور بجنته لما انكشفت له عاقبتها حتى لعله يود أن لم يكن له تلك، ليكون سروره بما يحمد عاقبته.

فعلى هذا الأمر: الأفعال التي يغفل عن عواقبها إذا صار إليها صاحبها.

والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تفسدوا ثواب صدقاتكم بالمَنِّ على المتصدَّق عليه وإيذائه، فإن مَثلَ من يفعل ذلك مَثلُ الذي يبذل أمواله بقصد أن يراه الناس ويمدحوه، وهو كافر لا يؤمن بالله ولا بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب، فمَثَلُ هذا مَثَلُ حجر أملس فوقه تراب، فأصاب ذلك الحجر مطر غزير، فأزاح الترابَ عن الحجر وتركه أملس لا شيء عليه، فكذلك المُراؤون يذهب ثواب أعمالهم ونفقاتهم ولا يبقى منها عند الله شيء، والله لا يهدي الكافرين إلى ما يرضيه تعالى وينفعهم في أعمالهم ونفقاتهم.

من فوائد الآيات مراتب الإيمان بالله ومنازل اليقين به متفاوتة لا حد لها، وكلما ازداد العبد نظرًا في آيات الله الشرعية والكونية زاد إيمانًا ويقينًا.

بَعْثُ الله تعالى للخلق بعد موتهم دليل ظاهر على كمال قدرته وتمام عظمته سبحانه.

فضل الإنفاق في سبيل الله وعظم ثوابه، إذا صاحبته النية الصالحة، ولم يلحقه أذى ولا مِنّة محبطة للعمل.

من أحسن ما يقدمه المرء للناس حُسن الخلق من قول وفعل حَسَن، وعفو عن مسيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.lMdJm"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قلنا إن من سنة القرآن الحكيم مزج آيات الأحكام بآيات المواعظ والعبر والتوحيد ليقرر أمر الحكم وينصر النفوس على القيام به ولقد قلنا مرارًا إن أمر الإنفاق في سبيل الله أشق الأمور على النفوس لا سيما إذا اتسعت دائرة المنفعة فيما ينفق فيه، وبعدت نسبة من ينفق عليه عن المنفق، فإن كل إنسان يسهل عليه الإنفاق على نفسه وأهله وولده إلا أفرادًا من أهل الشح المطاع، وهذا النوع من الإنفاق لا يوصف صاحبه بالسخاء، ومن كان له نصيب من السخاء سهل عليه الإنفاق بقدر هذا النصيب، فمن كان له أدنى نصيب فإنه يرتاح إلى الإنفاق على ذوي القربى والجيران، فإن زاد أنفق على أهل بلده فأمته فالناس كلهم، وذلك منتهى الجود والسخاء.

وإنما يصعب على المرء الإنفاق على منفعة من يبعد عنه لأنه فطر على أن لا يعمل عملًا لا يتصور لنفسه فائدة منه، وأكثر النفوس جاهلة باتصال منافعها ومصالحها بالبعداء عنها فلا تشعر بأن الإنفاق في وجوه البر العامة كإزالة الجهل بنشر العلم ومساعدة العجزة والضعفاء وترقية الصنائع وإنشاء المستشفيات والملاجئ وخدمة الدين المهذب للنفوس هو الذي تقوم به المصالح العامة حتى تكون كلها سعيدة عزيزة، فعلمهم الله تعالى أن ما ينفقونه في المصالح يضاعف لهم أضعافًا كثيرة فهو مفيد لهم في دنياهم، وحثهم على أن يجعلوا الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته ليكون مفيدًا لهم في آخرتهم أيضًا، فذكر أولًا أن الإنفاق في سبيل الله بمنزلة إقراضه تعالى، ووعد بمضاعفته أضعافًا كثيرة، ثم ضرب الأمثال وذكر قصص الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيله، ثم ذكر البعث وإحياء الموتى وانتهاءهم إلى الدار التي يوفون فيها أجورهم في يوم لا تنفع فيه فدية ولا خلة ولا شفاعة وإنما تنفعهم أعمالهم التي أهمها الإنفاق في سبيله ثم ضرب المثل للمضاعفة.

أي بعد أن قرر البعث بالدلائل والأمثال إذ كان الإيمان به أقوى البواعث على بذل المال.

والمراد بالإنفاق الإنفاق في خدمة الدين، ولكن كلمة في سبيل الله تشمل جميع المصالح العامة، وهو ما جرينا عليه آنفًا.

ثم قال تعالى ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى  ﴾ الآية إن هذه الآية لبيان ثواب الإنفاق في الآخرة بعد التنويه بمنفعته في الدنيا.

وقد شرط لهذا الثواب ترك المن والأذى، فأما المن فهو أن يذكر المحسن إحسانه لمن أحسن هو إليه، يظهر به تفضله عليه، وأما الأذى فهو أعم ومنه أن يذكر المحسن إحسانه لغير من أحسن عليه بما ربما يكون أشد عليه مما لو ذكره له.

قد يشكل على بعض الناس التعبير بثم التي تفيد التراخي مع العلم بأن المن أو الأذى العاجل أضر، وأجدر بأن يجعل تركه شرطًا لتحصيل الأجر، وجوابه أن من يقرن النفقة بالمن أو الأذى أو يتبعها أحدهما أو كليهما عاجلًا لا يستحق أن يدخل في الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أو يوصف بالسخاء المحمود عند الله.

وإذا كان من يمن أو يؤذي بعد الإنفاق بزمن بعيد لا يعتد الله بإنفاقه ولا يؤجره عليه ولا يقيه الخوف والحزن أفلا يكون المتعجل به أجدر بذلك؟

بلى وإنما الكلام في السخي الذي ينفق في سبيل الله مخلصًا متحريًا للمصلحة والمنفعة لا باغيًا جزاء مما ينفق عليه ولا مكافأة ولكنه قد يعرض له بعد ذلك ما يحمله على المن والأذى المحبطين للأجر كأن يرى ممن كان أنفق عليه غمطًا لحقه أو إعراضًا عنه وتركًا لما كان من احترامه إياه فيثير ذلك غضبه حتى يمن أو يؤذي ومثل هذا قد يقع من المخلصين فحذرهم الله تعالى منه.

ثم قال تعالى ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى  ﴾ : القول المعروف يتوجه تارة إلى السائل إن كانت الصدقة عليه وتارةً يتوجه إلى المصلحة العامة كما إذا هاجم البلد عدو وأرادوا جمع المال للاستعانة على دفعه فمن لم يكن له مال يمكنه أن يساعد بالقول المعروف الذي يحث على العمل وينشط العامل، ويبعث عزيمة الباذل، والمغفرة أن تغضى عن نسبة التقصير في الإنفاق إليك وأن تظهر في هيئة لا ينفر منها المحتاج ولا يتألم من فقره أمامك.

والمعنى أن مقابلة المحتاج بكلام يسر وهيئة ترضي خير من الصدقة مع الإيذاء بسوء القول أو سوء المقابلة، ولا فرق في المحتاج بين أن يكون فردًا أو جماعة فإن مساعدة الأمة ببعض المال مع سوء القول في العمل الذي ساعدها عليه وإظهار استهجانه وبيان التقصير فيه أو تشكيك الناس في فائدته لا توازي هذه المساعدة إحسان القول في ذلك العمل الذي تطلب له المساعدة والإغضاء عن التقصير الذي ربما يكون من العاملين فيه فكونك مع الأمة بقلبك ولسانك خير من شيء من المال ترضخ به مع قول السوء وفعل الأذى.

ومعنى هذه الخيرية أنه أنفع وأكثر فائدة لا أنه يقوم مقام البذل ويغني عنه فمن آذى فقد بغض نفسه إلى الناس بظهوره في مظهر البغضاء لهم.

ولا شك أن السلم والولاء، خير من العداوة والبغضاء، وأن أضمن شيء لمصلحة الأمة وأقوى معزز لها هو أن يكون واحد من أفرادها في عين الآخر وقلبه في مقام المعين له وإن لم يعنه بالفعل.

﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ  ﴾ : يطلق الحلم ويراد به هذا اللازم من لوازمه أي الإمهال وعدم المعالجة بالمؤاخذة وقد يراد به لازم آخر وهو الإغضاء والعفو وليس بمراد هنا، لأنه لو أريد لكان تحريضًا على الأذى، ولكل مقال مقام يعينه، فالأول يطلق في مقابل العجول الطائش والثاني في مقابل الغضوب المنتقم وفي الاسمين الكريمين تنفيس لكرب الفقراء وتعزية لهم وتعليق لقلوبهم بحبل الرجاء بالله الغني المغني وتهديد للأغنياء وإنذار لهم أن لا يغتروا بحلم الله وإمهاله إياهم وعدم معاجلتهم بالعقاب على كفرهم بنعمته عليهم بالمال فإنه يوشك أن يسلبها منهم في يوم من الأيام.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى  ﴾ استدل المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصالحة كأنها لم تعمل...

وأجيب عن الآية بأن المراد بها: لا تبطلوا ثواب صدقاتكم، وبغير ذلك من التكلف الذي لا يحتاج إليه، لأن الكلام في إحباط المن والأذى للفائدة المقصودة من الصدقة، وهي التخفيف من بؤس المحتاجين وكشف أذى الفقر عنهم، إذا كانت الصدقة على الأفراد، وتنشيط القائمين بخدمة الأمة ومساعدتهم إذا كانت الصدقة في مصلحة عامة.

فإذا أتبعت الصدقة بالمن والأذى كان ذلك هدمًا لما بنته وإبطالًا لما عملته، وكل عمل لا يؤدي إلى الغاية المقصودة منه فقد حبط وبطل وكأنه لم يكن، فكيف إذا أتبع بضد الغاية ونقيضها؟!

كذلك تكون صلاة المرائي باطلة، لأن الغرض منها لم يحصل، وهو توجه القلب إلى الله تعالى واستشعار سلطانه والإذعان لعظمته والشكر لإحسانه، وقلب المرائي إنما يتوجه إلى من يرائيه.

هذا هو معنى إبطال المن والأذى للصدقة، والذي يزعمه المعتزلة هو أن ارتكاب أي كبيرة من الكبائر يبطل جميع الأعمال الصالحة السابقة ويوجب الخلود في النار، فاستدلالهم بالآية على هذا إنما يدل على أنهم لم يفهموا هدى الله تعالى في كتابه ولم يعرفوا فطرة البشر التي جاء الدين لتأديبها، وقد رأيت كلام من أيد مذهبه بهدم مذهبهم، هكذا يتجاذب القرآن أهل المذاهب، كل يجذبه إلى مذهبه الذي رضيه لنفسه، فتراهم عندما يشاغب بعضهم بعضًا يتعلقون بالكلمة المفردة إذا كانت تحتمل ما قالوا ويجعلونها حجة للمذهب ويؤولون ما عداها بالتمحل.

وأهل الخلاف ليسوا من أهل القرآن، فلا يعول على أقوالهم في بيان معانيه.

ثم شبه تعالى أصحاب المن والأذى بالمرائي أو إبطال عملهم للصدقة بإبطال ريائه لها فقال: ﴿ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ  ﴾ أي لأجل ريائهم أو مرائيًا لهم أي لأجل أن يروه فيحمدوه لا ابتغاء مرضاة الله تعالى بتحري ما حث عليه من رحمة عباده الضعفاء والمعوزين وترقية شأن الملة بالقيام بمصالح الأمة، فهو إنما يحاول إرضاء الناس ﴿ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ  ﴾ فيتقرب إليه تعالى بالإنفاق خشية عقابه ورجاء ثوابه في ذلك اليوم ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا  ﴾ ، أي صفته وحاله في عدم انتفاعه بما ينفق كالحجر الأملس إذا كان عليه شيء من ذلك التراب ووجه الشبه بين المانّ والمؤذي بصدقته وبين المرائي بنفقته أن كلًا منهما غش نفسه فألبسها ثوب زور يوهم رائيه ما لا حقيقة له، كمن يلبس لبوس العلماء أو الجند وليس منهم فلا يلبث أن يظهر أمره ويفتضح سره فيكون ما تلبس به كالتراب على الصفوان يذهب به الوابل.

كذلك تكشف الحوادث وما يبتلى به المؤمنون والمنافقون حقيقة هؤلاء وتفضح سرائرهم، فهم ﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا  ﴾ أي لا ينتفعون بشيء من صدقاتهم ونفقاتهم ولا يجنون ثمراتها في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فلأن المن والأذى مما ينافي غاية الصدقة كما تقدم، ومن فعلهما كان أبغض إلى الناس من البخيل الممسك، والرياء لا يخفى على الناس، فهو كما قال الشاعر: ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اكتسيت به فإنك عار فلا تكاد تجد منانًا ولا مرائيًا غير مذموم ممقوت.

وأما الآخرة فلأن المن أو الأذى كالرياء في منافاة الإخلاص، ولا ثواب في الآخرة إلا للمخلصين في أعمالهم الذين يتحرون بها سنن الله تعالى في تزكية نفوسهم وإصلاح حال الناس ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ  ﴾ أي مضت سنته بأن الإيمان هو الذي يهدي قلب صاحبه إلى الإخلاص ووضع النفقات في مواضعها، والاحتراس من الإتيان بما يذهب بفائدتها بعد وجودها، فكان الكافر بمقتضى هذه السنة محرومًا من هذه الهداية التي تجمع لصاحبها بين صلاح القلب والعمل وسعادة الدنيا والآخرة.

بعد هذا ضرب الله المثل للمخلصين في الإنفاق، لأجل المقابلة بينهم وبين أولئك المرائين والمؤذين، وعقبه بمثل آخر يتبين به حال الفريقين فقال: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر