الآية ٢٦٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦٣ من سورة البقرة

۞ قَوْلٌۭ مَّعْرُوفٌۭ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌۭ مِّن صَدَقَةٍۢ يَتْبَعُهَآ أَذًۭى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌۭ ٢٦٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( قول معروف ) أي : من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ( ومغفرة ) أي : غفر عن ظلم قولي أو فعلي ( خير من صدقة يتبعها أذى ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل قال : قرأت على معقل بن عبيد الله ، عن عمرو بن دينار قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من صدقة أحب إلى الله من قول معروف ، ألم تسمع قوله : ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) " ) والله غني ) [ أي ] : عن خلقه .

( حليم ) أي : يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم .

وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة ، ففي صحيح مسلم ، من حديث شعبة ، عن الأعمش عن سليمان بن مسهر ، عن خرشة بن الحر ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم : المنان بما أعطى ، والمسبل إزاره ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " .

وقال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى ، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري ، أخبرنا هشيم بن خارجة ، أخبرنا سليمان بن عقبة ، عن يونس بن ميسرة ، عن أبي إدريس ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة عاق ، ولا منان ، ولا مدمن خمر ، ولا مكذب بقدر " وروى أحمد وابن ماجه ، من حديث يونس بن ميسرة نحوه .

ثم روى ابن مردويه ، وابن حبان ، والحاكم في مستدركه ، والنسائي من حديث عبد الله بن يسار الأعرج ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، ومدمن الخمر ، والمنان بما أعطى " .

وقد روى النسائي ، عن مالك بن سعد ، عن عمه روح بن عبادة ، عن عتاب بن بشير ، عن خصيف الجزري ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة مدمن خمر ، ولا عاق لوالديه ، ولا منان " .

وقد رواه ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن المنهال عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي ، عن عتاب ، عن خصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس .

ورواه النسائي من حديث ، عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن مجاهد ، قوله .

وقد روي عن مجاهد ، عن أبي سعيد وعن مجاهد ، عن أبي هريرة ، نحوه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ( قول معروف )، قولٌ جميل, ودعاءُ الرجل لأخيه المسلم (81) ..

=( ومغفرة )، يعني: وسترٌ منه عليه لما علم من خَلَّته وسوء حالته (82) .

=( خير ) عند الله =( من صدقة ) يتصدقها عليه =( يتبعها أذى ), يعني يشتكيه عليها، ويؤذيه بسببها، كما: - 6037 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن &; 5-521 &; جويبر, عن الضحاك: ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) يقول: أن يمسك ماله خير من أن ينفق ماله ثم يتبعه منًّا وأذى.

* * * وأما قوله: ( غنيّ حليم ) فإنه يعني: " والله غني" عما يتصدقون به =( حليم )، حين لا يعجل بالعقوبة على من يَمنُّ بصدقته منكم, ويؤذي فيها من يتصدق بها عليه.

(83) .

وروي عن ابن عباس في ذلك، ما: - 6038 - حدثنا به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح, قال: حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: ( الغني )، الذي كمل في غناه, و ( الحليم )، الذي قد كمل في حلمه.

----------------- الهوامش : (81) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف 3 : 371 ، 372 / ثم 4 : 547 ، 548 / 5 : 7 ، 44 ، 76 ، 93 ، 173 .

(82) انظر تفسير"المغفرة" 2 : 109 ، 110 ، وفهارس اللغة .

(83) انظر تفسير"حليم" فيما سلف 5 : 117 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( قول معروف ) ابتداء والخبر محذوف ، أي قول معروف أولى وأمثل ، ذكره النحاس والمهدوي .

قال النحاس : ويجوز أن يكون ( قول معروف ) خبر ابتداء محذوف ، أي الذي أمرتم به قول معروف .

والقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله ، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء ؛ لأن ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها .

قال صلى الله عليه وسلم : الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق أخرجه مسلم .

فيتلقى السائل بالبشر والترحيب ، ويقابله بالطلاقة والتقريب ، ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع .

وقد قال بعض الحكماء : الق صاحب الحاجة [ ص: 282 ] بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره .

وحكى ابن لنكك أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها وظهر له منه ضجر فقال :لا تدخلنك ضجرة من سائل فلخير دهرك أن ترى مسئولا لا تجبهن بالرد وجه مؤملفبقاء عزك أن ترى مأمولا تلقى الكريم فتستدل ببشرهوترى العبوس على اللئيم دليلا واعلم بأنك عن قليل صائرخبرا فكن خبرا يروق جميلاوروي من حديث عمر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار ولين أو ببذل يسير أو رد جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون صنيعكم فيما خولكم الله تعالى .قلت : دليله حديث أبرص وأقرع وأعمى ، خرجه مسلم وغيره .

وذلك أن ملكا تصور في صورة أبرص مرة وأقرع أخرى وأعمى أخرى امتحانا للمسئول .

وقال بشر بن الحارث : رأيت عليا في المنام فقلت : يا أمير المؤمنين قل لي شيئا ينفعني الله به ، قال : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله تعالى ، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود الله .

فقلت : يا أمير المؤمنين زدني ، فولى وهو يقول :قد كنت ميتا فصرت حيا وعن قليل تصير ميتا فاخرب بدار الفناء بيتا وابن بدار البقاء بيتاالثانية : قوله تعالى : ( ومغفرة ) المغفرة هنا : الستر للخلة وسوء حالة المحتاج ، ومن هذا قول الأعرابي - وقد سأل قوما بكلام فصيح - فقال له قائل : ممن الرجل ؟

فقال له : اللهم غفرا!

سوء الاكتساب يمنع من الانتساب .

وقيل : المعنى تجاوز عن السائل إذا ألح وأغلظ وجفى خير من التصدق عليه مع المن والأذى ، قال معناه النقاش .

وقال النحاس : هذا مشكل يبينه الإعراب .

( مغفرة ) رفع بالابتداء والخبر خير من صدقة .

والمعنى والله أعلم وفعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ، وتقديره في العربية وفعل مغفرة .

ويجوز أن [ ص: 283 ] يكون مثل قولك : تفضل الله عليك أكبر من الصدقة التي تمن بها ، أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنون بها .الثالثة : قوله تعالى : ( والله غني حليم ) أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العباد ، وإنما أمر بها ليثيبهم ، وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة من من وآذى بصدقته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قول معروف } أي: تعرفه القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كل قول كريم فيه إدخال السرور على قلب المسلم، ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء له { ومغفرة } لمن أساء إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه، ويدخل فيه العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي، فالقول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي يتبعها أذى، لأن القول المعروف إحسان قولي، والمغفرة إحسان أيضا بترك المؤاخذة، وكلاهما إحسان ما فيه مفسد، فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمنّ أو غيره، ومفهوم الآية أن الصدقة التي لا يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة، وإنما كان المنّ بالصدقة مفسدا لها محرما، لأن المنّة لله تعالى وحده، والإحسان كله لله، فالعبد لا يمنّ بنعمة الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه، وأيضا فإن المانّ مستعبِدٌ لمن يمنّ عليه، والذل والاستعباد لا ينبغي إلا لله، والله غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وكلها مفتقرة إليه بالذات في جميع الحالات والأوقات، فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم ونفعها إليكم، { والله غني } عنها، ومع هذا فهو { حليم } على من عصاه لا يعاجله بعقوبة مع قدرته عليه، ولكن رحمته وإحسانه وحلمه يمنعه من معاجلته للعاصين، بل يمهلهم ويصرّف لهم الآيات لعلهم يرجعون إليه وينيبون إليه، فإذا علم تعالى أنه لا خير فيهم ولا تغني عنهم الآيات ولا تفيد بهم المثلات أنزل بهم عقابه وحرمهم جزيل ثوابه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قول معروف ) أي كلام حسن ورد على السائل جميل وقيل : عدة حسنة .

وقال الكلبي : دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب وقال الضحاك : نزلت في إصلاح ذات البين ( ومغفرة ) أي تستر عليه خلته ولا تهتك عليه ستره وقال الكلبي والضحاك : بتجاوز عن ظالمه ، وقيل يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه عند رده ( خير من صدقة ) يدفعها إليه ( يتبعها أذى ) أي من وتعيير للسائل أو قول يؤذيه ( والله غني ) أي مستغن عن صدقة العباد ( حليم ) لا يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بالصدقة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قول معروف» كلام حسن ورد على السائل جميل «ومغفرة» له في إلحاحه «خير من صدقة يتبعها أذًى» بالمن وتعيير له بالسؤال «والله غني» عن صدقة العباد «حليم» بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كلام طيب وعفو عما بدر مِن السائل مِن إلحافٍ في السؤال، خير من صدقة يتبعها من المتصدق أذى وإساءة.

والله غني عن صدقات العباد، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم كرر - سبحانه - التحذير من المن والأذى ، مناديا المؤمنين بأن يجتنبوا في صدقاتهم هاتين الرذيلتين ، مبينا أن الكلمة الطيبة للفقير خير من إعطائه مع إيذائه ، استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه المعاني وغيرها بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول :( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن .

.

.

)المعنى : ( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ) بأن تقول للسائل كلاما جميلا طيبا تجبر به خاطره ، ويحفظ له كرامته " ومغفرة " لما وقع منه من إلحاف في السؤال ، وستر لحاله وصفح عنه ، ( خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ) أي خير من صدقة يتبعها المتصدق أذى للمتصدق عليه .لأن الكلمة الطيبة للسائل ، والعفو عنه فيما صدر منه ، كل ذلك يؤدي إلى رفع الدرجات عند الله ، وإلى تهذيب النفوس ، وتأليف القلوب وحفظ كرامة أولئك الذين مدوا أيديهم بالسؤال .

أما الصدقة التي يتبعها الأذى فإن إيتاءها بتلك الطريقة يؤدي إلى ذهاب ثوابها ، وإلى زيادة الآلام عند السائلين ولا سيما الذين يحرصون على حفظ كرامتهم ، وعلى صيانة ماء وجوههم ، فإن ألم الحرمان عند بعض الناس أقل أثرا في نفوسهم من آلام الصدقة المصحوبة بالأذى ، لأن ألم الحرمان يخففه الصبر الذي وراءه الفرج ، أما آلام الصدقة المصحوبة بالأذى لهم فإنها تصيب النفوس الكريمة بالجراح التي من العسير التئامها وشفاؤها .قال القرطبي : روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الكلمة الطيبة صدقة ، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " فعلى المسئول أن يتلقى السائل بالبشر والترحيب ، ويقابله بالطلاقة والتقريب ليكون مشكوراً إن أعطى ومعذوراً إن منع .

وقد قال بعض الحكماء : الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره .وقوله : ( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ) مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها وللعطف عليها .

وقوله : ( وَمَغْفِرَةٌ ) عطف عليه وسوغ الابتداء بها العطف أو الصفة المقدرة إذ التقدير ومغفرة للسائل أو من الله وقوله : ( خَيْرٌ ) خبر عنهما وقوله ( يَتْبَعُهَآ أَذًى ) في محل جر صفة لصدقة .ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله : ( والله غَنِيٌّ حَلِيم ) أي والله - تعالى - غني عن إنفاق المنفقين وصدقات المتصدقين .

وإنما أمرهم بهما لمصلحة تعود عليهم .

أو غنى عن الصدقة المصحوبة بالأذى ففلا يقبلها .

( حَلِيم ) فلا يعجل بالعقوبة على مستحقها ، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل .والجملة الكريمة تذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما القول المعروف، فهو القول الذي تقبله القلوب ولا تنكره، والمراد منه هاهنا أن يرد السائل بطريق جميل حسن، وقال عطاء: عدة حسنة، أما المغفرة ففيه وجوه: أحدها: أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير والصفح عن إساءته.

وثانيها: أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل.

وثالثها: أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره، والمراد من القول المعروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله.

ورابعها: أن قوله: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ خطاب مع المسؤول بأن يرد السائل بأحسن الطرق، وقوله: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرد، فربما لم يقدر على ذلك الشيء في تلك الحالة، ثم بيّن تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء، فهناك جمع بين الانفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب الانفاع بعقاب الإضرار، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار، فكان هذا خيراً من الأول.

واعلم أن من الناس من قال: إن الآية واردة في التطوع، لأن الواجب لا يحل منعه، ولا رد السائل منه، وقد يحتمل أن يراد به الواجب، وقد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير.

ثم قال: ﴿ والله غَنِىٌّ ﴾ عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها ﴿ حَلِيمٌ ﴾ إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته، وهذا سخط منه ووعيد له ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق أحدهما: الذي يتبعه المن والأذى والثاني: الذي لا يتبعه المن والأذى، فشرح حال كل واحد منهما، وضرب مثلاً لكل واحد منهما.

فقال في القسم الأول: الذي يتبعه المن والأذى ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر ﴾ وفي الآية مسائل؛ المسألة الأولى: قال القاضي: إنه تعالى آكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بيّن أن المراد أن المن والأذى يبطلان الصدقة، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها وثوابها، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى.

واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين، فمثله أولاً: بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن والأذى، ثم مثله ثانياً: بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار، ثم أصابه المطر القوي، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلاً، فالكافر كالصفوان، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق، قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الانفاق بعد حصوله، وذلك صريح في القول بالاحباط والتفكير، قال الجبائي: وكما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضاً، وذلك لأن من أطاع وعصى، فلو استحق ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال، ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم، وهذا العقاب عدل، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلاً من حيث إنه حقه، وأن يكون ظلماً من حيث إنه منع الإثابة، فيكون ظالماً بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال، فصح بهذا قولنا في الإحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل، هذا كلام المعتزلة.

وأما أصحابنا فإنهم قالوا: ليس المراد بقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ ﴾ النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلاً، وذلك لأنه إذا قصد به غير وجه الله تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان، واحتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل: أولها: أن النافي والطارئ إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان الطارئ زوال النافي، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع الطارئ أولى من زوال النافي، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من الرفع.

ثانيها: أن الطارئ لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي وهو محال لأن الماضي انقضى ولم يبق في الحال وإعدام المعدوم محال وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضاً محال لأن الموجود في الحال لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال وإعدام ما لم يوجد بعد محال.

وثالثها: أن شرط طريان الطارئ زوال النافي فلو جعلنا زوال النافي معللاً بطريان الطارئ لزم الدور وهو محال.

ورابعها: أن الطارئ إذا طرأ وأعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن يعدم من هذا الطارئ شيئاً أو لا يعدم منه شيئاً، والأول هو الموازنة وهو قول أبي هاشم وهو باطل، وذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو حصل العدمان معاً اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجوداً حال كون كل واحد منهما معدوماً وهو محال.

وأما الثاني: وهو قول أبي علي الجُبّائي فهو أيضاً باطل لأن العقاب الطارئ لما أزال الثواب السابق، وذلك الثواب السابق ليس له أثر ألبتة في إزالة الشيء من هذا العقاب الطارئ، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلاً لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب وذلك على مضادة النص الصريح في قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  ﴾ ولأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة، ولم يظهر له منها أثر لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة.

وخامسها: وهو أنكم تقولون: الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض، وذلك محال من القول، لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية، فالصغيرة الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكل في الماهية كان ذلك ترجيحاً للممكن من غير مرجح وهو محال، فلم يبق إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك الاستحقاقات وهو باطل بالاتفاق، أو لا نزيل شيئاً منها وهو المطلوب.

وسادسها: وهو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم، فإما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارئ أو كلها والأول: باطل لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للممكن من غير مرجح وهو محال، والقسم الثاني باطل، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين مستقل بإيطال ذلك الثواب، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال، لأنه يستغني بكل واحد منهما فيكون غنياً عنهما معاً حال كونه محتاجاً إليهما معاً وهو محال.

وسابعها: وهو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال لعبده: احفظ المتاع لئلا يسرقه السارق، ثم في ذلك الوقت جاء العدو وقصد قتل السيد، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو وقتله فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح والتعظيم حيث دفع القتل عن سيده، ويوجب استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة، وكل واحد من الاستحقاقين ثابت، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة، فأما أن يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداهة العقول.

وثامنها: أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارئ إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون، والأول: محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجوداً في الزمان الماضي، فلو كان لهذا الطارئ أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعاً للتأثير في الزمان الماضي وهو محال، وإن لم يكن للطارئ أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وأن لا يزول ولا يقال لم لا يجوز أن يكون هذا الطارئ مانعاً من ظهور الأثر على ذلك السابق، لأنا نقول: إذا كان هذا الطارئ لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق أصلاً وألبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال، واندفاع أثر هذا الطارئ ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي بدفع هذا الحادث أولى من العكس.

وتاسعها: أن هؤلاء المعتزلة يقولون: إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص، وذلك محال.

لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة، والأعظم لا يحيط بالأقل، قال الجبائي: إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كل طاعة، لأن معصية الله تعظم على قدر كثرة نعمه وإحسانه، كما أن استحقاق قيام الربانية وقد رباه وملكه وبلغه إلى النهاية العظيمة أعظم من قيامه بحقه لكثرة نعمه، فإذا كانت نعم الله على عباده بحيث لا تضبط عظماً وكثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ثواب جملة الطاعات، واعلم أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسر رأس قلم ذلك الملك قصداً، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه وينسبه إلى ترك الانصاف والقسوة، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال الله تعالى أقل من كسر رأس القلم، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس العقول.

وعاشرها: أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة، فالإيمان سبعين سنة كيف يهدم بفسق ساعة، وهذا مما لا يقبله العقل والله أعلم، فهذه جملة الدلائل العقلية على فساد القول بالمحابطة، في تمسك المعتزلة بهذه الآية فنقول: قوله تعالى: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ يحتمل أمرين أحدهما: لا تأتوا به باطلاً، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء والسمعة، فتكون هذه الصدقة حين وجدت حصلت باطلة، وهذا التأويل لا يضرنا ألبتة.

الوجه الثاني: أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتي بها على وجه يوجب الثواب، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن والأذى صار عقاب المن والأذى مزيلاً لثواب تلك الصدقة، وعلى هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية، فلم كان حمل اللفظ على هذا الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول واعلم أن الله تعالى ذكر لذلك مثلين أحدهما: يطابق الاحتمال الأول، وهو قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله ﴾ إذ من المعلوم أن المراد من كونه عمل هذا باطلاً أنه دخل في الوجود باطلاً، لا أنه دخل صحيحاً، ثم يزول، لأن المانع من صحة هذا العمل هو الكفر، والكفر مقارن له، فيمتنع دخوله صحيحاً في الوجود، فهذا المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل، وأما المثل الثاني وهو الصفوان الذي وقع عليه غبار وتراب ثم أصابه وابل، فهذا يشهد لتأويلهم، لأنه تعالى جعل الوابل مزيلاً لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على الصفوان فكذا هاهنا يجب أن يكون المن والأذى مزيلين للأجر والثواب بعد حصول استحقاق الأجر، إلا أن لنا أن نقول: لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على الصفوان حصول الأجر للكافر، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لولا كونه مقروناً بالنية الفاسدة لكان موجباً لحصول الأجر والثواب، فالمشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه، وحمل الكلام على ما ذكرناه أولى، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقاً به ولا غائصاً فيه ألبتة، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال، فهو في مرأى العين متصل، وفي الحقيقة غير متصل، فكذا الانفاق المقرون بالمن والأذى، يرى في الظاهر أنه عمل من أعمال البر، وفي الحقيقة ليس كذلك، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ضعيف، وأما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في الجمع بين الاستحقاقين، وأن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح وإما المهايأة.

المسألة الثانية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن على الله بسبب صدقتكم، وبالأذى لذلك السائل، وقال الباقون: بالمن على الفقير، وبالأذى للفقير.

وقول ابن عباس رضي الله عنهما محتمل، لأن الإنسان إذا أنفق متبجحاً بفعله، ولم يسلك طريقة التواضع والانقطاع إلى الله، والاعتراف بأن ذلك من فضله وتوفيقه وإحسانه فكان كالمان على الله تعالى وإن كان القول الثاني أظهر له.

أما قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ الناس ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الكاف في قوله: ﴿ كالذى ﴾ فيه قولان الأول: أنه متعلق بمحذوف والتقدير لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس، فبيّن تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة، كما أن النفاق والرياء يبطلانها، وتحقيق القول فيه أن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه الله تعالى، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى، فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه الله أيضاً إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما من على الفقير ولا آذاه، فثبت اشتراك الصورتين في كون تلك الصدقة ما أتى بها لوجه الله تعالى، وهذا يحقق ما قلنا أن المقصود من الابطال الإتيان به باطلاً، لا أن المقصود الإتيان به صحيحاً، ثم إزالته وإحباطه بسبب المن والأذى.

والقول الثاني: أن يكون الكاف في محل النصب على الحال، أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق ماله رئاء الناس.

المسألة الثانية: الرياء مصدر، كالمراءاة يقال: راأيته رياء ومراءاة، مثل: راعيته مراعاة ورعاء، وهو أن ترائي بعملك غيرك، وتحقيق الكلام في الرياء قد تقدم، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا المثل أتبعه بالمثل الثاني، فقال: ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ وفي هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى المنافق، فيكون المعنى أن الله تعالى شبه المان والمؤذي بالمنافق، ثم شبه المنافق بالحجر، ثم قال: ﴿ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ﴾ وهو الحجر الأملس، وحكى أبو عبيد عن الأصمعي أن الصفوان والصفا والصفوا واحد، وكل ذلك مقصور، وقال بعضهم: الصفوان جمع صفوانه، كمرجان ومرجانة، وسعدان وسعدانة، ثم قال: ﴿ أَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾ الوابل المطر الشديد، يقال: وبلت السماء تبل وبلا، وأرض موبولة، أي أصابها وابل، ثم قال: ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ الصلد الأمس اليابس، يقال: حجر صلد، وجبل صلد إذا كان براقاً أملس وأرض صلدة، أي لا تنبت شيئاً كالحجر الصلد وصلد الزند إذا لم يور ناراً.

واعلم أن هذا مثل ضربة الله تعالى لعمل المان المؤذي، ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً، كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، وأما المعتزلة فقالوا: إن المعنى أن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المن والأذى أزالا ذلك الأجر، كما يزيل الوابل التراب عن وجه الصفوان، واعلم أن في كيفية هذا التشبيه وجهين: الأول: ما ذكرنا أن العمل الظاهر كالتراب، والمان والأذى والمنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل هذا على قولنا، وأما على قول المعتزلة فالمن والأذى كالوابل.

الوجه الثاني: في التشبيه، قال القفال رحمه الله تعالى، وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض فهو يضاعف له وينمو حتى يحصده في وقته، ويجده وقت حاجته، والصفوان محل بذر المنافق، ومعلوم أنه لا ينمو فيه شيء ولا يكون فيه قبول للبذر، والمعنى أن عمل المان والمؤذي والمنافق يشبه إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودعاً بذره خالياً لا شيء فيه، ألا ترى أنه تعالى ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة، والجنة ما يكون فيه أشجار ونخيل، فمن أخلص لله تعالى كان كمن غرس بستاناً في ربوة من الأرض، فهو يجني ثمر غراسه في أوجات الحاجة وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها متضاعفة زائدة، وأما عمل المان والمؤذي والمنافق، فهو كمن بذر في الصفوان الذي عليه تراب، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً، ومن الملحدة من طعن في التشبيه، فقال: إن الوابل إذا أصاب الصفوان جعله طاهراً نقياً نظيفاً عن الغبار والتراب فكيف يجوز أن يشبه الله به عمل المنافق، والجواب أن وجه التشبيه ما ذكرناه، فلا يعتبر باختلافها فيما وراءه، قال القاضي: وأيضاً فوقع التراب على الصفوان يفيد منافع من وجوه: أحدها: أنه أصلح في الاستقرار عليه.

وثانيها: الانتفاع بها في التيمم.

وثالثها: الانتفاع به فيما يتصل بالنبات، وهذا الوجه الذي ذكره القاضي حسن إلا أن الاعتماد على الأول.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيء مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ فاعلم أن الضمير في قوله: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ ﴾ إلى ماذا يرجع؟

فيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان، لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر، وهذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال رحمه الله تعالى، وكذا المان والمؤذي والمنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة والثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ ﴾ وخرج على هذا المعنى، لأن قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ ﴾ إنما أشير به إلى الجنس، والجنس في حكم العام، قال القفال رحمه الله: وفيه وجه ثالث، وهو أن يكون ذلك مردوداً على قوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فرجع عن الخطاب إلى الغائب، كقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وجرين بِهِمُ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ﴾ ومعناه على قولهم: سلب الإيمان، وعلى قول المعتزلة: إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتَ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ والله بِمَا تعملون بصير ﴾ .

اعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون ماناً ومؤذياً ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك، وهو هذه الآية، وبيّن تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما: طلب مرضاة الله تعالى، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت، وسواء قولك: بغيت وابتغيت.

والغرض الثاني: هو تثبيت النفس، وفيه وجوه: أحدها: أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها، ومن جملة ذلك ترك إتباعها بالمن والأذى، وهذا قول القاضي.

وثانيها: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وَتَثْبِيتًا مّنْ بَعْضُ أَنفُسِهِمْ ﴾ .

وثالثها: أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة، ومعشوقها أمران: الحياة العاجلة والمال، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت، فلهذا دخل فيه ﴿ مِنْ ﴾ التي هي التبعيض، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها، وهو المراد من قوله: ﴿ وتجاهدون فِي سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ  ﴾ وهذا الوجه ذكره صاحب الكشاف، وهو كلام حسن وتفسير لطيف.

ورابعها: وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع: أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً  ﴾ ووصف إنفاق أبي بكر فقال: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ  إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ  ﴾ فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض.

فهناك اطمأن قلبه، واستقرت نفسه، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه، ولهذا قال أولاً في هذا الانفاق إنه لطلب مراضاة الله، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ .

وخامسها: أنه ثبت في العلوم العقلية، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات.

إذا عرفت هذا فنقول: إن من يواظب على الانفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما: حصول هذا المعنى والثاني: صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح، فإتيان العبد بالطاعة لله، ولابتغاء مرضاة الله، يفيد هذه الملكة المستقرة، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس، وهو المراد أيضاً بقوله: ﴿ يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية، فصار العبد كما قاله بعض المحققين: غائباً حاضراً، ظاعناً مقيماً.

وسادسها: قال الزجاج: المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم، ولا يخيب رجاءهم، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق، فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعاً، لأنه لا يؤمن بالثواب، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت.

وسابعها: قال الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف، قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإذا كان لله أعطى، وإن خالطه أمسك، قال الواحدي: وإنما جاز أن يكون التثبيت، بمعنى التثبيت، لأنهم ثبتوا أنفسهم في طلب المستحق، وصرف المال في وجهه، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم من الانفاق هذان الأمران ضرب لإنفاقهم مثلاً، فقال: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وابن عامر ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾ بفتح الراء وفي المؤمنين ﴿ إلى رَبْوَةٍ ﴾ وهو لغة تميم، والباقون بضم الراء فيهما، وهو أن أشهر اللغات ولغة قريش، وفيه سبع لغات ﴿ رَبْوَةٍ ﴾ بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و(رباوة) بالألف بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و(ربو) والربوة المكان المرتفع، قال الأخفش: والذي اختاره ﴿ رَبْوَةٍ ﴾ بالضم، لأن جمعها الربى، وأصلها من قولهم: ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع، ومنه الرابية، لأن أجزاءها ارتفعت، ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد، ومنه الربا، لأنه يأخذ الزيادة.

واعلم أن المفسرين قالوا: البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر ريعاً.

ولي فيه إشكال: وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء ولا ترتفع إليه أنهار وتضربه الرياح كثيراً فلا يحسن ريعه، وإذا كان في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار، ولا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن أيضاً ريعه، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ولا وهدة، فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طيناً حراً، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما، فإن الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها، وهذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين أحدهما: قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ  ﴾ والمراد من ربوها ما ذكرنا فكذا هاهنا والثاني: أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، ولا يربو، ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه، فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو وتنمو، فهذا ما خطر ببالي والله أعلم بمراده.

ثم قال تعالى: ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿ أُكُلُهَا ﴾ بالتخفيف، والباقون بالتثقيل، وهو الأصل، والأكل بالضم الطعام لأن من شأنه أن يؤكل قال الله تعالى: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا  ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها، فالأكل في المعنى مثل الطعمة، وأنشد الأخفش: فما أكلة إن نلتها بغنيمة *** ولا جوعة إن جعتها بقرام وقال أبو زيد: يقال إنه لذو أُكُل إذا كان له حظ من الدنيا.

المسألة الثانية: قال الزجاج: ﴿ آتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ يعني مثلين لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه، وقيل ضعف الشيء مثلاه قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين، وقال الأصم: ضعف ما يكون في غيرها، وقال أبو مسلم: مثلي ما كان يعهد منها.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ الطل: مطر صغير الفطر، ثم في المعنى وجوه: الأول: المعنى أن هذه الجنّة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل، إلا أن ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر وذلك بسبب كرم المنبت الثاني: معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها فلابد وأن يصيبها طل يعطي ثمراً دون ثمر الوابل، فهي على جميع الأحوال لا تخلوا من أن تثمر، فكذلك من أخرج صدقة لوجه الله تعالى لا يضيع كسبه قليلاً كان أو كثيراً.

ثم قال: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ والمراد من البصير العليم، أي هو تعالى عالم بكمية النفقات وكيفيتها، والأمور الباعثة عليها، وأنه تعالى مجاز بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ردّ جميل ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤل أو: ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل، أو: وعفو من جهة السائل لأنه إذا ردّه ردّا جميلاً عذره ﴿ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًىً ﴾ وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة لاختصاصه بالصفة ﴿ والله غَنِىٌّ ﴾ لا حاجة به إلى منفق يمنُّ ويؤذي ﴿ حَلِيمٌ ﴾ عن معاجلته بالعقوبة، وهذا سخط منه ووعيد له.

ثم بالغ في ذلك بما أتبعه ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ ﴾ أي لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كإبطال المنافق الذي ينفق ماله ﴿ رِئَاءَ الناس ﴾ لا يريد بإنفاقه رضاء الله ولا ثواب الآخرة ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ﴾ مثله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بصفوان بحجر أملس عليه تراب.

وقرأ سعيد بن المسيب: ﴿ صفوان ﴾ بوزن كروان ﴿ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾ مطر عظيم القطر ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه.

ومنه: صلد جبين الأصلع إذا برق ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْء مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾ [الفرقان: 23] ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال: أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ ﴾ بعد قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ ﴾ ؟

قلت: أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق، ولأن (من) و (الذي) يتعاقبان فكأنه قيل: كمن ينفق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى ﴾ نَزَلَتْ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها.

وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَإنَّهُ أتى النَّبِيَّ  بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً.

والمَنُّ أنْ يَعْتَدَّ بِإحْسانِهِ عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ.

والأذى أنْ يَتَطاوَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ، وثُمَّ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى.

﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لَعَلَّهُ لَمْ يُدْخِلِ الفاءَ فِيهِ وقَدْ تَضَمَّنَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ مَعْنى الشَّرْطِ إيهامًا بِأنَّهم أهْلٌ لِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَكَيْفَ بِهِمْ إذا فَعَلُوا.

﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ رَدٌّ جَمِيلٌ.

﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ وتَجاوُزٌ عَنِ السّائِلِ والحاجَةِ، أوْ نَيْلُ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ بِالرَّدِّ الجَمِيلِ، أوْ عَفْوٌ مِنَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ ويُغْتَفَرُ رَدُّهُ.

﴿ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى ﴾ خَبَرٌ عَنْهُما، وإنَّما صَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِاخْتِصاصِها بِالصِّفَةِ.

﴿ واللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ عَنْ إنْفاقٍ بِمَنٍّ وإيذاءٍ.

حَلِيمٌ عَنْ مُعاجَلَةِ مَن يَمُنِّ ويُؤْذِي بِالعُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} رد جميل {وَمَغْفِرَةٌ} وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسئول أو ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل {خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} وصح الاخبار على المبتدأ الكرة لاختصاصه بالصفة {والله غَنِىٌّ} لا حاجة له إلى منفق يمن ويؤذي {حَلِيمٌ} عن معاجلته بالعقوبة وهذ وعيد له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ أيْ كَلامٌ جَمِيلٌ يُرَدُّ بِهِ السّائِلُ مِثْلَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، يَرْزُقُكَ اللَّهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أُعْطِيكَ بَعْدَ هَذا ﴿ ومَغْفِرَةٌ ﴾ أيْ سَتْرٌ لِما وقَعَ مِنَ السّائِلِ مِنَ الإلْحافِ في المَسْألَةِ وغَيْرِهِ مِمّا يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ وصَفْحٌ عَنْهُ ﴿ خَيْرٌ ﴾ لِلسّائِلِ ﴿ مِن صَدَقَةٍ ﴾ عَلَيْهِ ﴿ يَتْبَعُها ﴾ مِنَ المُتَصَدِّقِ ﴿ أذًى ﴾ لَهُ لِكَوْنِها مَشُوبَةً بِضَرَرِ ما يَتْبَعُها، وخُلُوصِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الضَّرَرِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَغْفِرَةِ مَغْفِرَةُ اللَّهِ تَعالى لِلْمَسْؤُولِ بِسَبَبِ تَحَمُّلِهِ ما يَكْرَهُ مِنَ السّائِلِ، أوْ مَغْفِرَةُ السّائِلِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ مِن رَدِّ المَسْؤُولِ خَيْرٌ لِلْمَسْؤُولِ مِن تِلْكَ الصَّدَقَةِ، وفِيهِ أنَّ الأنْسَبَ أنْ يَكُونَ المُفَضِّلُ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ في هَذا المَقامِ كِلاهُما صِفَتَيْ شَخْصٍ واحِدٍ وعَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلى أنَّ اِعْتِبارَ الخَيْرِيَّةِ فِيهِما يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ في القِصَّةِ المَوْصُوفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خَيْرٌ في الجُمْلَةِ مَعَ بُطْلانِها بِالمَرَّةِ، وجَعْلُ الكَلامِ مِن بابِ هو خَيْرٌ مِن لا شَيْءَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِاعْتِبارِ تَرْكِ اِتِّباعِ المَنِّ والأذى، وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ المَنُّ لِأنَّ الأذى يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ، وذِكْرُهُ فِيما تَقَدَّمَ اِهْتِمامًا بِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ وعُسْرِ تَحَفُّظِهِمْ عَنْهُ، وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ في الأوَّلِ: لِاخْتِصاصِها بِالوَصْفِ، وفي الثّانِي: بِالعَطْفِ أوْ بِالصِّفَةِ المُقَدَّرَةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المَعْطُوفَ تابِعٌ لا يَفْتَقِرُ إلى مُسَوِّغٍ.

﴿ واللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ عَنْ صَدَقاتِ العِبادِ وإنَّما أمَرَهم بِها لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَيْهِمْ أوْ عَنِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى فَلا يَقْبَلُها، أوْ غَنِيٌّ لا يُحْوِجُ الفُقَراءَ إلى تَحَمُّلِ مَؤُونَةِ المَنِّ والأذى ويَرْزُقُهم مِن جِهَةٍ أُخْرى ﴿ حَلِيمٌ  ﴾ فَلا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ عَلى المَنِّ والإيذاءِ لا أنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَها بِسَبَبِهِما، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ مُقَرِّرَةٌ لِاعْتِبارِ الخَيْرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى السّائِلِ قَطْعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي دعاء الرجل لأخيه بظهر الغيب.

وَمَغْفِرَةٌ أي يعفو ويتجاوز عمن ظلمه خير من صدقة يعطيها، ثم يمن على من تصدق عليه.

ويقال: قول معروف للفقير، يعني إذا أتاه سائل سأله، ولم يكن عنده شيء يعطيه، فيدعو له بالجنة والمغفرة.

خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يعطيها له، ويَتْبَعُها أَذىً.

ويقال: وعد المعطي خير من صدقة يتبعها أذى.

ويقال: وعد الكريم خير من نقد اللئيم.

ويقال: دعاء الفقير إذا دعا لصاحب الصدقة، ومغفرة الله خير من الصدقة التي يتبعها أذى.

ويقال: قول معروف أن يتجاوز عمن أساء إليه، ويحسن له القول خير له من صدقة يتبعها أذى ويقال: الأمر بالمعروف، والصبر على ما أصابه، والتجاوز عن الذي أضرّ به، خير من صدقة يتبعها أذى.

ثم قال: وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ أي غني عما عندكم من الصدقة حليم، حيث لم يعجل العقوبة على من يمن بالصدقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قتادة: صُرْهُنَّ: فَصِّلْهن «١» ، وقال عطاء بن أبي رَبَاح «٢» : صُرْهُنَّ: اضممهن «٣» ، وقال ابن زيد: معناه: اجمعهن «٤» ، وعن ابن عباس أيضاً: أوْثِقْهُن «٥» .

وقرأ قومٌ: «فَصُرَّهُنَّ» بضم الصاد، وشدِّ الراء كأنه يقول: فشدّهنّ ومنه: صرّة الدّنانير.

قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ في الآية بيانُ شرفِ النفقة في سبيلِ اللَّه، وتحسينها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآيةُ في نفقة التطوُّع، وسبلُ اللَّهِ كثيرةٌ، وهي جميعُ ما هو طاعةٌ، وعائدٌ بمنفعةٍ على المسلمين، وعلى الملَّة وأشهرها وأعظمها غَنَاءُ الجهَاد لتكون كَلمةُ اللَّه هي العليا، والحبَّة: اسم جنْسٍ لكلِّ ما يزرعه ابن آدم، وأشهر ذلك البُرُّ، وقد يوجد في سنبل القمحِ/ ما فيه مائة حبّة، وأما في ٦٧ ب سائر الحبوب، فأكثر، وقد ورد القُرآن بأن الحسنة بعَشْر أمثالها واقتضت الآية أنَّ نفقة

الجهَادِ حسنتها بِسَبْعِمِائَةِ ضعفٍ، وبيَّن ذلك الحديث الصحيحُ، واختلف في معنى قوله سبحانه: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، فقيل: هي مبينة، ومؤكِّدة لما تقدَّم من ذكْر السَّبْعمائَةِ، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إِعلام من اللَّه تعالى بأنه يضاعف لِمَنْ يشاء أكْثَر من سبْعمائة ضعْفٍ.

ت: وأرجحُ الأقوالِ عنْدِي قولُ هذه الطائفة، وفي الحديثِ الصحيحِ عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عن ربِّه تبارَكَ وتعالى، قال: «إِنَّ اللَّهَ تعالى كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ...

» الحديثَ، رواه مسلمٌ والبخاريُّ بهذه الحروفِ «١» .

انتهى.

وقال ابن عمر: لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ:

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ...

[البقرة: ٢٤٥] الآية، فَقَالَ: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ...

«٢» [الزمر: ١٠] .

وفي الآية حذفُ مضافٍ، تقديره مَثَلُ إِنفاقِ الذين، وَكَمَثَلِ ذِي حَبَّة، وقوله تعالى:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، لَمَّا تقدَّم في الآية التي قَبْلَها ذِكْرُ فَضْلِ الإِنفاقِ في سبيلِ اللَّهِ علَى العُمُوم، بيَّن أنَّ ذلك إِنما هو لِمَنْ لم يُتْبِعْ إِنفاقَهُ منًّا ولا أذًى، وذلك أنَّ المنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، إنما يريد وجه اللَّه تعالى، ورجاء ثوابه، وأمَّا من أراد من المُنْفِقِ علَيْه جزاءً بوَجْهٍ من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجْهَ اللَّهِ تعالى، وهذا هو الذي متى أخلفه طنه، مَنَّ بالإِنفاق وآذى، إِذ لم يكُنْ إِنفاقه مخلصاً لوجه اللَّه، فالمَنُّ والأذى مُبْطِلانِ للصَّدقة، وهما كاشفان لمقاصد المُنْفِقينَ، والمَنُّ: ذِكْرُ النِّعمة على معنى التعديدِ لها، والتقْريعِ بها، والأَذَى: السَّبُّ والتشكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ، لأن المَنَّ جزء من الأذى، ولكنَّه نصَّ عليه لكثرة وقوعه، وقال زيدُ بْنُ أسْلَم: لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ على من أنفقْتَ علَيْه، تريدُ وجْهَ اللَّه، فلا تسلِّم علَيْه «٣» ، وقالَتْ له امرأةٌ: «يا أبا أُسَامَة، دُلَّنِي على رجل يخرج

في سَبِيلِ اللَّهِ حقًّا فإِنهم إِنما يخرجُون ليأْكُلُوا الفواكه، فإِنَّ عندي أَسْهُماً وجَعْبَةً «١» ، فقالَ لَهَا: لاَ بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمِكِ وَجَعْبَتِكِ، فَقَدْ آذيتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ» .

وتضمَّن اللَّه الأَجْرَ للمُنْفِقِ في سبيلِ اللَّه، والأجْرُ: الجَنَّة، ونفى عنه الخوْفَ لما يستقبلُ، والحُزْنَ على ما سَلَف من دنْياه لأنه يغتبط بآخِرَتِهِ.

ت: وممَّا جاء من صحيح الآثار في هذا البابِ ما رواه مالِك في «الموطَّإ» ، عن ابن شِهَابٍ، عن حُمَيْد بن عَبْد الرحمنِ بْن عَوْف «٢» ، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ/، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهل الجهاد، دعي من باب ٦٨ أالجهاد، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا على مَنْ يدعى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يدعى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟

قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» «٣» ، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد» «٤» : في هذا الحديثِ من الفقْه: [والفضائل] الحضُّ على الإِنفاقِ في سبل الخير، ومعنى زوجَيْنِ، أي: شيئين من نوعٍ واحدٍ نحو درهمَيْن، أو دينارَيْن، أو فرسَيْن، أو قميصَيْن، هكذا قال أهل العلْمِ، وفيه: أَنَّ من أكثر مِنْ شيء، عُرِفَ به، ونُسِبَ إِلَيْه ألا ترى إِلى قوله: «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ» ، يريد: من أكثر

منها، فنُسِبَ إِلَيْها لأن الجميع من أهل الصلاة وكذلك: مَنْ أكثر من الجهادِ، ومِنَ الصيامِ على هذا المعنى، والرَّيَّانُ: فَعْلاَن من الرِّيِّ، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب:

إِعطاؤه ثوابَ العامِلِينَ تلْكَ الأعمال، ونَيْلُه ذلك، واللَّه أعلم، وفيه: أنّ للجنّة أبواب، يعني: متعدِّدة بحَسَب الأعمال.

انتهى.

وروى ابن أبي شيبة في «مسنده» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أنَّ لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابَاً مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُدْعَوْنَ فِيهِ بِذَلِكَ العَمَلِ» «١» .

هذا لفظه على ما نقله صاحب «الكوكب الدري» .

انتهى.

قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً: هذا إِخبارٌ، جزم من اللَّه تعالى أنَّ القول المعروفَ وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند اللَّه- خير من صدقة، هي في ظاهرِهَا صدَقَةٌ، وفي باطنها لا شَيْء لأن ذلك القوْلَ المعروفَ فيه أجْر، وهذه لا أجْر فيها، والمَغْفِرَة: السَّتْر للخَلَّة، وسوءِ حالة المُحْتَاجِ ومِنْ هذا قولُ الأعرابيِّ، وقد سأل قوماً بكلامٍ فصيحٍ، فقال له قائلٌ: مِمَّنِ الرجُل؟

فَقَالَ: «اللَّهُمَّ غَفْراً، سُوءُ الاِكْتِسَابِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِسَابِ» .

وقال النَّقَّاشُ يقال: معناه: ومغفرةٌ للسائلِ إِنْ أغلظ أو جفا، إِذا حُرِم.

ثم أخبر تعالى بغنَاهُ عن صدَقَةِ مَنْ هذه حالُهُ، وحلْمِهِ عَمَّن يقع منه هذا وإِمهالِهِ.

وحدَّث [ابن] الجَوْزِيِّ «٢» في «صَفْوة الصَّفْوَة» بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النّعمان «٣»

الصحابيِّ- رضي اللَّه عنه- قال، لَمَّا كُفَّ بصره، جعل خيطاً في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلاً فيه تَمْرٌ وغير ذلك، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر، ثم أخذ من ذلك الخَيْط حتى يأخذ إِلى باب الحُجْرة، فيناوله المِسْكِين، فكان أهله يقولُونَ:

نَحْنُ نَكْفِيكَ، فيقولُ: سَمِعْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ» انتهى «١» .

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ...

الآية.

العقيدةُ أنَّ السيئات لا تبطل الحسنَاتِ، فقال جُمْهُورُ العلماء في هذه الآية: إِن الصدقة التي يعلم اللَّه من صاحبها أنه يمنُّ بها أو يؤذِي فإنها لا تُتقبَّلُ صدَقَةً، وقيل: بل يجعل اللَّه للمَلَكِ علَيْها أمارةً، فهو لا يكتبها، قال ع «٢» : وهذا حسنٌ لأن المانَّ المُؤْذِيَ لم تكُنْ نيَّته خالصةً للَّه سبحانه، فلم تترتَّب له صدقةٌ، فهذا هو البطلانُ بالمَنِّ والأذى، وهما لا يبطلان صدَقَةً غيرها سالمةَ النية.

ثم مثَّل اللَّه سبحانه هذا الَّذي يَمُنُّ ويؤذي بحَسَب مقدِّمه نيته بالذي ينفقُ رياءً، لا لوجْه اللَّه/، والرِّيَاءُ: مصدرٌ من «فَاعَلَ» من الرؤية: كأنّ الرياءَ تظاهر، وتفاخر بين من لا ٦٨ ب خير فيه من الناس.

قال المَهْدَوِيُّ: والتقدير: كإِبطال الذي ينفقُ ريَاءً.

وقوله تعالى: وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يحتمل أنْ يريد الكافر أو المنافق إِذْ كلٌّ منهما ينفق ليقال: جَوَاد، ثم مثَّل سبحانه هذا المُنْفِقَ رياءً بِصَفْوَانٍ عليه ترابٌ، فيظنه الظانُّ أرضاً منْبِتَةً طيِّبةً كما يظنُّ قومٌ أنَّ صدقة هذا المرائي لها قَدْر، أو معنًى، فإِذا أصاب الصَّفْوَانَ وابلٌ من المَطَر، انكشف ذلك التُّرَاب، وبقي صَلْداً، فكذلك هذا المرائي، إِذا كان يوم القيامة، وحضرت الأعمال، انكشَفَ سرُّه، وظهر أنه لا قَدْر لصدَقَاته، ولا مَعْنَى، والصَّفْوَانُ: الحَجَر الكبيرُ الأملَسُ، والوَابِلُ: الكثير القَوِيُّ من المَطَر وهو الذي يُسَيِّلُ وجْهَ الأرْضِ، والصَّلْدُ من الحجارة: الأملَسُ الصُّلْب الذي لا شيْء فيه، ويستعار للرأسِ الذي لا شَعْرَ فيه.

وقوله تعالى: لاَّ يَقْدِرُونَ يريد: الذين يتفقُونَ رياءً، أي لا يقدرون على الاِنتفاع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ أيْ: قَوْلٌ جَمِيلٌ لِلْفَقِيرِ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ لَهُ: يُوَسِّعُ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ أيْ: يَسْتُرُ عَلى المُسْلِمِ خُلَّتَهُ وفاقَتَهُ، وقِيلَ: أرادَ بِالمَغْفِرَةِ التَّجاوُزَ عَنِ السّائِلِ إنِ اسْتَطالَ عَلى المَسْؤُولِ وقْتَ رَدِّهِ ﴿ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ الناسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ هَذا إخْبارُ جَزْمٍ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّ القَوْلَ المَعْرُوفَ وهو الدُعاءُ والتَأْنِيسُ والتَرْجِيَةُ بِما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ هي في ظاهِرِها صَدَقَةٌ، وفي باطِنِها لا شَيْءَ، لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المَعْرُوفَ فِيهِ أجْرٌ، وهَذِهِ لا أجْرَ فِيها.

قالَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ: التَقْدِيرُ في إعْرابِهِ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أولى، ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا ذَهابٌ بِرَوْنَقِ المَعْنى، وإنَّما يَكُونُ المُقَدَّرُ كالظاهِرِ، والمَغْفِرَةُ السَتْرَ لِلْخَلَّةِ وسُوءِ حالَةِ المُحْتاجِ، ومِن هَذا قَوْلُ الأعْرابِيِّ - وقَدْ سَألَ قَوْمًا بِكَلامٍ فَصِيحٍ، فَقالَ لَهُ قائِلٌ: مِمَّنِ الرَجُلُ؟

فَقالَ: "اللهُمَّ غَفْرًا، سُوءُ الِاكْتِسابِ يَمْنَعُ مِنَ الِانْتِسابِ"، وقالَ النَقّاشُ: يُقالُ: مَعْناهُ ومَغْفِرَةٌ لِلسّائِلِ إنْ أغْلَظَ أو جَفا إذا حُرِمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِغِناهُ عن صَدَقَةِ مَن هَذِهِ حالُهُ، وعاقِبَةِ أمْرِهِ، وعن حِلْمِهِ عَمَّنْ يُمْكِنُ أنْ يُوقِعَ هَذا مِن عَبِيدِهِ وإمْهالِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى ﴾ الآيَةُ.

العَقِيدَةُ أنَّ السَيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ الصَدَقَةَ الَّتِي يَعْلَمُ اللهُ في صاحِبِها أنَّهُ يَمُنُّ أو يُؤْذِي فَإنَّهُ لا يَتَقَبَّلُ صَدَقَتَهُ، وقِيلَ: بَلْ جَعَلَ اللهُ لِلْمَلَكِ عَلَيْها أمارَةً فَلا يَكْتُبُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أحْسَنُ لِأنَّ ما نَتَلَقّى نَحْنُ عَنِ المَعْقُولِ مِن بَنِي آدَمَ فَهو أنَّ المانَّ المُؤْذِيَ يَنُصُّ عَلى نَفْسِهِ أنَّ نِيَّتَهُ لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ، فَلَمْ تَتَرَتَّبْ لَهُ صَدَقَةٌ، فَهَذا هو بُطْلانُ الصَدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى، والمَنُّ والأذى في صَدَقَةٍ لا يُبْطِلُ صَدَقَةً غَيْرَها، إذْ لَمْ يَكْشِفْ ذَلِكَ عَلى النِيَّةِ في السَلِيمَةِ، ولا قَدَحَ فِيها.

ثُمَّ مَثَّلَ اللهُ هَذا الَّذِي يَمُنُّ ويُؤْذِي بِحَسَبِ مُقَدِّمَةِ نِيَّتِهِ بِالَّذِي يُنْفِقُ رِياءً لا لِوَجْهِ اللهِ، والرِياءُ مَصْدَرٌ مِن فاعِلٍ مِنَ الرُؤْيَةِ، كَأنَّ الرِياءَ تَظاهُرٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَ مَن لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الناسِ.

قالَ المَهْدَوِيُّ والتَقْدِيرُ: كَإبْطالِ الَّذِي يُنْفِقُ رِئاءً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكافِرَ الظاهِرَ الكُفْرِ، إذْ قَدْ يُنْفِقُ لِيُقالَ جَوادٌ، ولِيُثْنى عَلَيْهِ بِأنْواعِ الثَناءِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُنافِقَ الَّذِي يُظْهِرُ الإيمانَ.

ثُمَّ مَثَّلَ هَذا الَّذِي يُنْفِقُ رِياءً بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ، فَيَظُنُّهُ الظانُّ أرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، كَما يَظُنُّ قَوْمٌ أنَّ صَدَقَةَ هَذا المُرائِي لَها قَدْرٌ أو مَعْنىً، فَإذا أصابَ الصَفْوانَ وابِلٌ مِنَ المَطَرِ انْكَشَفَ ذَلِكَ التُرابُ، وبَقِيَ صَلْدًا، فَكَذَلِكَ هَذا المُرائِي إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، وحَضَرَتِ الأعْمالُ،وَ انْكَشَفَ سِرُّهُ، وظَهَرَ أنَّهُ لا قَدْرَ لِصَدَقَتِهِ ولا مَعْنى.

فالمَنُّ والأذى والرِياءُ يَكْشِفُ عَنِ النِيَّةِ، فَيُبْطِلُ الصَدَقَةَ، كَما يَكْشِفُ الوابِلُ الصَفا فَيُذْهِبُ ما ظُنَّ أرْضًا.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "رِياءَ الناسِ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ.

والصَفْوانُ: الحَجَرُ الكَبِيرُ الأمْلَسُ، قِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدَتُهُ صَفْوانَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: واحِدَتُهُ صَفْواةٌ، وقِيلَ: هو إفْرادٌ، وجَمْعُهُ صَفِي، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ، وقالَ: إنَّما هو جَمْعُ صَفا، ومِن هَذا المَعْنى الصَفْواءُ والصَفا.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِبْدُ عن حالِ مَتْنِهِ ∗∗∗ كَما زَلَّتِ الصَفْواءُ بِالمُتَنَزِّلِ وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: حَتّى كَأنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِصَفا المَشَقَّرِ كُلَّ حِينٍ تُقْرَعُ وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ: "صَفَوانٍ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ.

والوابِلُ الكَثِيرُ القَوِيُّ مِنَ المَطَرِ وهو الَّذِي يَسِيلُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.

والصَلْدُ مِنَ الحِجارَةِ الأمْلَسُ الصَلْبُ الَّذِي لا شَيْءَ فِيهِ، ويُسْتَعارُ لِلرَّأْسِ الَّذِي لا شَعْرَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: .....................

∗∗∗ بَرّاقَ أصْلادِ الجَبِينِ الأجْلَهِ قالَ النَقّاشُ: الصَلْدُ: الأجْرَدُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَقْدِرُونَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ رِئاءً، أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْتِفاعِ بِثَوابِ شَيْءٍ مِن إنْفاقِهِمْ ذَلِكَ، وهو كَسْبُهم - وجاءَتِ العِبارَةُ بِيَقْدِرُونَ عَلى مَعْنى الَّذِي، وقَدِ انْحَمَلَ الكَلامُ قَبْلُ عَلى لَفْظِ الَّذِي، وهَذا هو مَهْيَعُ كَلامِ العَرَبِ، ولَوِ انْحَمَلَ أوَّلًا عَلى المَعْنى لَقَبُحَ بَعْدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى اللَفْظِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ إمّا عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في المُوافِي عَلى الكُفْرِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَهْدِهِمْ في كُفْرِهِمْ، بَلْ هو ضَلالٌ مَحْضٌ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ في صَدَقاتِهِمْ وأعْمالِهِمْ وهم عَلى الكُفْرِ.

وما ذَكَرْتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَفْسِيرِ لُغَةٍ، وتَقْوِيمِ مَعْنىً، فَإنَّهُ مُسْنَدٌ عَنِ المُفَسِّرِينَ، وإنْ لَمْ تَجِئْ ألْفاظُهم مُلَخَّصَةً في تَفْسِيرِ إبْطالِ المَنِّ والأذى لِلصَّدَقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تخلُّص من غرض التنويه بالإنفاق في سبيل الله إلى التنويه بضرب آخر من الإنفاق وهو الإنفاق على المحاويج من الناس، وهو الصدقات.

ولم يتقدم ذكر للصدقة إلاّ أنّها تخطر بالبال عند ذكر الإنفاق في سبيل الله، فلما وصف الإنفاق في سبيل الله بصفة الإخلاص لله فيه بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا ﴾ [البقرة: 262] الآية انتقل بمناسبة ذلك إلى طرد ذلك الوصف في الإنفاق على المحتاجين؛ فإنّ المنّ والأذى في الصدقة أكثر حُصولاً لكون الصدقة متعلّقة بأشخاص معيّنين، بخلاف الإنفاق في سبيل الله فإن أكثر من تنالهم النفقة لا يعلمهم المنفِق.

فالمنّ على المتصدّق عليه هو تذكيره بالنعمة كما تقدم آنفاً.

ومن فقرات الزمخشري في «الكَلِم النَّوابغ»: «طَعْمُ الآلاء أحْلى من المنّ.

وهوَ أمَرُّ من الآلاء عند المنّ» الآلاء الأول النعم والآلاء الثاني شَجر مُر الورق، والمنّ الأول شيء شِبْه العسل يقع كالنَّدَى على بعض شجر بادية سِينا وهو الذي في قوله تعالى: ﴿ وأنزلنا عليكم المن والسلوى ﴾ [البقرة: 57]، والمنّ الثاني تذكير المنَعم عليه بالنعمة.

والأذى الإساءة والضرّ القليل للمنعم عليه قال تعالى: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ [آل عمران: 111]، والمراد به الأذى الصريح من المنعِم للمنعم عليه كالتطاول عليه بأنّه أعطاه، أو أن يتكبّر عليه لأجل العطاء، بله تعيِيره بالفقر، وهو غير الأذى الذي يحصل عند المن.

وأشار أبو حامد الغزالي في كتاب الزكاة من «الإحياء» إلى أنّ المنّ له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته، ثم تتفرّع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح.

ومنبع الأذى أمران: كراهية المعطي إعطاءَ ماله وشدّةُ ذلك على نفسه ورؤيتُه أنّه خير من الفقير، وكلاهما منشؤهُ الجهل؛ فإنّ كراهية تسليم المال حمق لأنّ من بذل المال لطلب رضا الله والثواب فقد علم أنّ ما حصل له من بذل المال أشرف ممّا بذله، وظنَه أنّه خير من الفقير جهل بِخطر الغنَى، أي أنّ مراتب الناس بما تتفاوت به نفوسهم من التزكية لا بعوارض الغنى والفقر التي لا تنشأ عن درجات الكمال النفساني.

ولما حذّر الله المتصدّق من أن يؤذي المتصدّق عليه عُلِم أنّ التحذير من الإضرار به كشتمه وضربه حاصلٌ بفحوى الخطاب لأنّه أوْلى بالنهي.

أوْسع اللَّهُ تعالى هذا المقام بيَاناً وترغيباً وزجراً بأساليب مختلفة وتفنّنات بديعة فنّبهنا بذلك إلى شدّة عناية الإسلام بالإنفاق في وجوه البرّ والمعُونة.

وكيف لا تكون كذلك وقوام الأمة دوران أموالها بينها، وإنّ من أكبر مقاصد الشريعة الانتفاع بالثروة العامة بين أفراد الأمة على وجوه جامعة بين رعْي المنفعة العامة ورعي الوجدان الخاص، وذلك بمراعاة العدل مع الذي كدّ لجمع المال وكسبه، ومراعاةِ الإحسان للذي بطَّأ به جُهده، وهذا المقصد من أشرف المقاصد التشريعية.

ولقد كان مقدار الإصابة والخطإ فيه هو ميزان ارتقاء الأمم وتدهورها، ولا تجد شريعة ظهرت ولا دعاة خير دعَوا إلاّ وهم يجعلون لتنويل أفراد الأمة حَظاً من الأموال التي بين أيدي أهل الثروة وموضعاً عظيماً من تشريعهم أو دعوتهم، إلاّ أنّهم في ذلك متفاوتون بين مقارب ومقصِّر أو آمِل ومُدَبِّر، غير أنّك لا تجد شريعة سدّدت السهم لهذا الغرض.

وعرفت كيف تفرق بين المستحبّ فيه والمفتَرض.

ومثل هذه الشريعة المباركة، فإنّها قد تصرّفت في نظام الثروة العامة تصرّفاً عجيباً أقامته على قاعدة توزيع الثروة بين أفراد الأمة، وذلك بكفاية المحتاج من الأمة مؤونة حاجته، على وجوه لا تحرم المكتسب للمال فائدة اكتسابه وانتفاعه به قبل كل أحد.

فأول ما ابتدأت به تأمين ثقة المكتسب بالأمن على ماله من أن ينتزعه منه مُنتزع إذ قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [النساء: 29] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: «إن دماءَكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» سمع ذلك منه مائة ألف نفس أو يزيدون وتناقلوه في آفاق الإسلام حتى بلغ مبلغ التواتر، فكان من قواعد التشريع العامة قاعدة حفظ الأموال لا يستطيع مسلم إبطالها.

وقد أتْبعت إعلان هذه الثقةِ بحفظ الأموال بتفاريع الأحكام المتعلّقة بالمعاملات والتوثيقات، كمشروعية الرهن في السلف والتوثّق بالإشهاد كما تُصرّح به الآيات الآتية وما سوى ذلك من نصوص الشريعة تنصيصاً واستنباطاً.

ثم أشارت إلى أنّ من مقاصدها ألاّ تبقى الأموال متنقّلة في جهة واحدة أو عائلة أو قبيلة من الأمة بل المقصد دورانها بقوله تعالى في آية الفيء: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَيْلا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم ﴾ [الحشر: 7]، فضمير يكون عائد إلى ما أفاء الله باعتبار كونه مالاً أي كيلا يكون المال دُولة.

والدُّولة ما يتداوله الناس من المال، أي شرْعنا صرفه لمن سمّيناهم دون أن يكون لأهل الجيش حق فيه، لينال الفقراءُ منه حظوظهم فيصبحوا أغنياء فلا يكون مُدالاً بين طائفة الأغنياء كما كانوا في الجاهلية يأخذ قادتهم المِرْبَاع ويأخذ الغزاة ثلاثة الأرباع فيبقى المال كله لطائفة خاصة.

ثم عمدت إلى الانتزاع من هذا المال انتزاعاً منظّماً فجعلت منه انتزاعاً جبرياً بعضه في حياة صاحب المال وبعضه بعد موته.

فأما الذي في حياته فهو الصدقات الواجبة، ومنها الزكاة، وهي في غالب الأحوال عشر المملوكات أو نصف عشرها أو ربع عشرها.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم وجه تشريعها بقوله لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن «إن الله فرض عليهم زكاة تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم» وجعل توزيع ما يتحصّل من هذا المال لإقامة مصالح الناس وكفاية مؤن الضعفاء منهم، فصاروا بذلك ذوي حق في أموال الأغنياء، غير مهينين ولا مهددّين بالمنع والقساوة.

والتفت إلى الأغنياء فوعدهم على هذا العطاء بأفضل ما وُعد به المحسنون، من تسميته قرضاً لله تعالى، ومن توفير ثوابه، كما جاءت به الآيات التي نحن بصدد تفسيرها.

ويلحق بهذا النوع أخذ الخمس من الغنيمة مع أنّها حق المحاربين، فانتزع منهم ذلك وقال لهم: ﴿ واعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فإنّ للَّه خمسه وللرسول ﴾ إلى قوله ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ [الأنفال: 41] فحَرضهم على الرضا بذلك، ولا شك أنّه انتزعه من أيدي الذين اكتسبوه بسيوفهم ورماحهم.

وكذلك يلحق به النفقات الواجبة غير نفقة الزوجة لأنّها غير منظور فيها إلى الانتزاع إذ هي في مقابلة تألُّف العائلة، ولا نفقةِ الأولاد كذلك لأنّ الداعي إليها جبلِيّ.

أما نفقة غير البنين عند من يوجب نفقة القرابة فهي من قسم الانتزاع الواجب، ومن الانتزاع الواجب الكفارات في حنث اليمين، وفطر رمضان، والظهار، والإيلاء، وجزاء الصيد.

فهذا توزيع بعض مال الحي في حياته.

وأما توزيع المال بعد وفاة صاحبه فذلك ببيان فرائض الإرث على وجه لا يقبل الزيادة والنقصان.

وقد كان العرب يعطون أموالهم لمن يحبّون من أجنبي أو قريب كما قدمنا بيانه في قوله: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ (180)، وكان بعض الأمم يجعل الإرث للأكبر.

وجعل توزيع هذه الفرائض على وجه الرحمة بالناس أصحاب الأموال، فلم تعط أموالهم إلاّ لأقرب الناس إليهم، وكان توزيعه بحسب القرب كما هو معروف في مسائل الحجب من الفرائض، وبحسب الأحوجية إلى المال، كتفضيل الذكر على الأنثى لأنّه يعول غيره والأنثى يعولها غيرها.

والتفت في هذا الباب إلى أصحاب الأموال فترك لهم حقّ التصرّف في ثلث أموالهم يعينون من يأخذه بعد موتهم على شرط ألاّ يكون وارثاً، حتى لا يتوسلوا بذلك إلى تنفيل وارث على غيره.

وجعلت الشريعة من الانتزاع انتزاعاً مندوباً إليه غير واجب، وذلك أنواع المواساة بالصدقات والعطايا والهدايا والوصايا وإسلاف المعسر بدون مراباة وليس في الشريعة انتزاع أعيان المملوكات من الأصول فالانتزاع لا يعدو انتزاع الفوائد بالعدالة والمساواة.

وجملة ﴿ قول معروف ﴾ إلى آخرها مستأنفة استئنافاً بيانياً.

وتنكير ﴿ قول معروف ﴾ للتقليل، أي أقَلُّ قول معروف خير من صدقة يتبعها أذى.

والمعروف هو الذي يعرفه الناس، أي لا ينكرونه.

فالمرَاد به القول الحسن وهو ضدّ الأذى.

والمغفرة هنا يراد بها التجاوز عن الإساءة أي تجاوز المتصدق عن الملحّ أو الجافي في سؤاله إلحاحَهُ أو جفاءهُ مثل الذي يسأل فيقول: أعطني حقّ الله الذي عندك أو نحو ذلك، ويراد بها أيضاً تجاوز الله تعالى عن الذنوب بسبب تلك الصدقة إذا كان معها قول معروف، وفي هذا تعْريض بأنّ الأذى يوشك أنْ يبطل ثواب الصدقة.

وقوله: ﴿ والله غني حليم ﴾ تذييل للتذكير بصفتين من صفات الله تعالى ليتخلّق بهما المؤمنون وهما: الغِنَى الراجع إليه الترفّع عن مقابلة العطية بما يبرد غليل شحّ نفس المعطي، والحلمُ الراجع إليه العفو والصفح عن رعونة بعض العُفاة.

والإبطال جعل الشيء باطلاً أي زائلاً غير نافع لما أُريدَ منه.

فمعنى بطلان العمل عدم ترتّب أثره الشرعي عليه سواء كان العمل واجباً أم كان متطوّعاً به، فإن كان العمل واجباً فبطلانه عدم إِجزائه بحيث لا تبرأ ذمة المكلّف من تكليفه بذلك العمل وذلك إذا اختلّ ركن أو شرط من العمل.

وإن كان العمل متطوّعاً به رجع البطلان إلى عدم الثواب على العمل لمانع شرعي من اعتبار ثوابه وهو المراد هنا جمعاً بين أدلة الشريعة.

وقوله: ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ﴾ الكاف ظرف مستقر هو حال من ضمير تبطلوا، أي لا تكونوا في إتْبَاع صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس وهو كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وإنّما يعطي ليراه الناس وذلك عطاء أهل الجاهلية.

فالموصول من قوله: ﴿ كالذي ينفق ماله ﴾ مراد به جنس وليس مراد به جنس وليس مراد به معَيّناً ولا واحداً، والغرض من هذا التشبيه تفظيع المشبّه به وليس المراد المماثلة في الحكم الشرعي، جمعاً بين الأدلة الشرعية.

والرئاء بهمزتين فِعال مِن رأى، وهو أن يُكثر من إظهار أعماله الحسنة للناس، فصيغة الفعال فيه للمبالغة والكثرة، وأَولى الهمزتين أصلية والأخيرة مبدلة عن الياء بعد الألف الزائدة، ويقال رياء بياء بعد الراء على إبدال الهمزة ياء بعد الكسرة.

والمعنى تشبيه بعض المتصدّقين المسلمين الذين يتصدّقون طلباً للثواب ويعقبون صدقاتهم بالمَنّ والأذى، بالمنفقين الكافرين الذين ينفقون أموالهم لا يطلبون من إنفاقها إلاّ الرئاء والمدحة إذ هم لا يتطلّبون أجر الآخرة.

ووجه الشبه عدم الانتفاع مِمَّا أعطوا بأزيدَ من شفاء ما في صدورهم من حبّ التطاول على الضعفاء وشفاء خُلق الأذى المتطبعين عليه دون نفع في الآخرة.

ومُثّل حال الذي ينفق ماله رئاء الناس المشبِه به تمثيلاً يسري إلى الذين يُتبعون صدقاتهم بالمنّ والأذى بقوله: ﴿ فمثله كمثل صفوان ﴾ إلخ وضمير مثله عائد إلى الذي ينفق ماله رئاء للناس، لأنّه لما كان تمثيلاً لحال المشبّه به كان لا محالة تمثيلاً لحال المشبّه، ففي الكلام ثلاثة تشبيهات.

مثَّل حال الكافر الذي ينفق ماله رئاء الناس بحال صفوان عليه تراب يغشيه، يعني يَخاله الناظر تربة كريمة صالحة للبذر، فتقدير الكلام عليه تراب صالحٌ للزرع فحذفت صفة التراب إيجازاً اعتماداً على أنّ التراب الذي يرقب الناس أن يصيبه الوابل هو التراب الذي يبذرون فيه، فإذا زرعه الزارع وأصابه وابل وطمع الزارع في زكاء زرعه، جرفه الماء من وجه الصفوان فلم يترك منه شيئاً وبقي مكانُه صلداً أملس فخاب أمل زارعه.

وهذا أحسن وأدّق من أن نجعل المعنى تمثيل إنفاق الكافر بحال تراب على صفوان أصابه وابل فجرفه، وأنّ وجه الشبه هو سرعة الزوال وعدم القرار كقوله تعالى: ﴿ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف ﴾ [إبراهيم: 18] فإنّ مورد تلك الآية مقام آخر.

ولك أن تجعل كاف التشبيه في قوله تعالى: ﴿ كالذي ينفق ماله ﴾ صفة لمصدر محذوف دل عليه ما في لفظ صدقاتهم من معنى الإنفاق وحذف مضاف بين الكاف وبين اسم الموصول، والتقدير إنفاقاً كإنفاق الذي ينفق ماله رئاء الناس.

وقد روعي في هذا التمثيل عكس التمثيل لمن ينفق مالَه في سبيل الله بحبّة أغَلَّتْ سبعمائة حَبَّة.

فالتشبيه تشبيه مركب معقول بمركب محسوس.

ووجه الشبه الأمل في حالة تغر بالنفع ثم لا تلبث ألاّ تأتي لآملها بما أمَّله فخاب أمله.

ذلك أنّ المؤمنين لا يخلون من رجاء حصول الثواب لهم من صدقاتهم، ويكثر أن تعرض الغفلة للمتصدّق فيُتبع صدقته بالمنّ والأذى اندفاعاً مع خواطر خبيثة.

وقوله: ﴿ لا يقدرون على شيء مما كسبوا ﴾ أوقع موقعاً بديعاً من نظم الكلام تنهال به معاننٍ كثيرة فهو بموقعه كان صالحاً لأن يكون حالاً من الذي ينفق ماله رئاء الناس فيكون مندرجاً في الحالة المشبّهة، وإجراء ضمير كسبوا ضمير جمع لتأويل الذي ينفق بالجماعة، وصالحاً لأن يكون حالاً من مثل صفوان باعتبار أنّه مثل على نحو ما جوّز في قوله تعالى: ﴿ أوكصيب من السماء ﴾ [البقرة: 19] إذ تقديره فيه كمثل ذوي صيّب فلذلك جاء ضميره بصيغة الجمع رعياً للمعنى وإن كان لفظ المعاد مفرداً، وصالحاً لأن يجعل استينافاً بيانياً لأنّ الكلام الذي قبله يثير سؤال سائل عن مغبة أمر المشبّه، وصالحاً لأن يجعل تذييلاً وفذلكة لضرب المثل فهو عود عن بدء قوله: ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ [البقرة: 264] إلى آخر الكلام.

وصالحاً لأن يجعل حالاً من صفوان أي لا يقدرون على شيء ممّا كسبوا منه وحذف عائد الصلة لأنّه ضمير مجرور بما جرّ به اسم الموصول.

ومعنى ﴿ لا يقدرون ﴾ لا يستطيعون أن يسترجعوه ولا انتفعوا بثوابه فلم يبق لهم منه شيء.

ويجوز أن يكون المعنى لا يحسنون وضع شيء ممّا كسبوا موضعه، فهم يبذلون ما لهم لغير فائدة تعود عليهم في آجلهم، بدليل قوله: ﴿ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ .

والمعنى فتركه صلداً لا يحصدون منه زرعاً كما في قوله: ﴿ فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ﴾ [الكهف: 42].

وجملة ﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ تذييل والواو اعتراضية وهذا التذييل مسوق لتحذير المؤمنين من تسرّب أحوال الكافرين إلى أعمالهم فإنّ من أحوالهم المنّ على من ينفقون وأذاه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى ﴾ المَنُّ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ ونَعَّشْتُكَ، والأذى أنْ يَقُولَ: أنْتَ أبَدًا فَقِيرٌ، ومَن أبْلانِي بِكَ، مِمّا يُؤْذِي قَلْبَ المُعْطى.

﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي ما اسْتَحَقُّوهُ فِيما وعَدَهم بِهِ عَلى نَفَقَتِهِمْ.

﴿ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في فَواتِ الأجْرِ.

والثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في أهْوالِ الآخِرَةِ.

﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما أنْفَقُوهُ.

والثّانِي: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوهُ.

وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما أنْفَقَهُ عَلى جَيْشِ العُسْرَةِ في غَزاةِ تَبُوكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ يَعْنِي قَوْلًا حَسَنًا بَدَلًا مِنَ المَنِّ والأذى ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُدْنِيَ إنْ أعْطى.

والثّانِي: يَدْعُو إنْ مَنَعَ.

( ومَغْفِرَةٌ ) فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي العَفْوَ عَنْ أذى السّائِلِ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ السَّلامَةَ مِنَ المَعْصِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَرْكُ الصَّدَقَةِ والمَنعُ مِنها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والرّابِعُ: هو يَسْتُرُ عَلَيْهِ فَقْرَهُ ولا يَفْضَحُهُ بِهِ.

﴿ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى ﴾ يَحْتَمِلُ الأذى هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَنُّ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّعْيِيرُ بِالفَقْرِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: خَيْرٌ مِنها عَلى العَطاءِ.

والثّانِي: خَيْرٌ مِنها عِنْدَ اللَّهِ.

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (المَنّانُ بِما يُعْطِي لا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ ولا يُزَكِّيهِ ولَهُ عَذابٌ ألِيمٌ)» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى ﴾ يُرِيدُ إبْطالَ الفَضْلِ دُونَ الثَّوابِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: إبْطالَ مَوْقِعِها في نَفْسِ المُعْطى.

﴿ كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ القاصِدُ بِنَفَقَتِهِ الرِّياءَ غَيْرُ مُثابٍ، لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وجْهَ اللَّهِ، فَيَسْتَحِقُّ ثَوابَهُ، وخالَفَ صاحِبُ المَنِّ والأذى القاصِدَ وجْهَ اللَّهِ المُسْتَحِقَّ ثَوابَهُ، وإنْ كَرَّرَ عَطاءَهُ وأبْطَلَ فَضْلَهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ ﴾ الصَّفْوانُ: جَمْعُ صَفْوانَةٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَجَرُ الأمْلَسُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَفائِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ألْيَنُ مِنَ الحِجارَةِ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.

﴿ فَأصابَهُ وابِلٌ ﴾ وهو المَطَرُ العَظِيمُ القَطْرِ، العَظِيمُ الوَقْعِ.

﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ الصَّلْدُ مِنَ الحِجارَةِ ما صَلُبَ، ومِنَ الأرْضِ ما لَمْ يُنْبِتْ، تَشْبِيهًا بِالحَجَرِ الَّذِي لا يُنْبِتُ.

﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا ﴾ يَعْنِي مِمّا أنْفَقُوا، فَعَبَّرَ عَنِ النَّفَقَةِ بِالكَسْبِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِها الكَسْبَ، فَضَرَبَ هَذا مَثَلًا لِلْمُرائِي في إبْطالِ ثَوابِهِ، ولِصاحِبِ المَنِّ والأذى في إبْطالِ فَضْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صدقة أحب إلى الله من قول، ألم تسمع قوله: ﴿ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ﴾ ؟» .

وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً، ثم يعلمه أخاه المسلم» .

وأخرج المرهبي في فضل العلم والبيهقي في الشعب عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أهدى المرء المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة، يزيده الله بها هدى أو يرده عن ردى» .

وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم العطية كلمة حق تسمعها، ثم تحملها إلى أخ لك مسلم فتعلمها إياه» .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ قول معروف...

﴾ الآية.

قال: رد جميل.

يقول: يرحمك الله يرزقك الله، ولا ينتهره ولا يغلظ له القول.

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس قال: الغني الذي كمل في غناه، والحليم الذي كمل في حلمه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ أي: كلام حسن، وردٌّ على السائل جميل، وقال عطاء: عدةٌ حسنة (١) ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ أي: سَترٌ (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ أي: عن صدقة العباد، وإنما دعاكم إليها ليُثِيبَكُم عليها (٧) يقال: غَنِيَ عن الشيء يَغْنَى عنه غنى مقصور، فهو غانٍ عنه وغَنِيٌّ عنه (٨) (٩) ﴿ حَلِيمٌ ﴾ إذ لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته (١٠) (١) ذكره في "الوسيط" 1/ 377، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1569 دون عزو.

(٢) سقطت من (ي).

(٣) "تفسير الطبري" 3/ 64.

(٤) لم أجده عنهما.

(٥) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1570، دون عزو لأحد.

(٦) "تفسير الثعلبي" 2/ 1570، "تفسير السمعاني" 2/ 425.

(٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1570 - 1571.

(٨) ليست في (ي) ولا (ش).

(٩) ينظر في غنى: "تهذيب اللغة" 3/ 3703، "المفردات" 368، "اللسان" 6/ 3308.

(١٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 1571.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ هو ردّ السائل بجميل من القول: كالدعاء له والتأنيس ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه جفاء، وقيل: مغفرة من الله لسبب الردّ الجميل، والمعنى: تفضيل عدم العطاء إذا كان بقول معروف ومغفرة، على العطاء الذي يتبعه أذى ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم ﴾ عقيدة أهل السنة أن السيئات لا تبطل الحسنات؛ فقالوا في هذه الآية: إنّ الصدقة التي يعلم من صاحبها أنه يمن أو يؤذي لا تقبل منه، وقيل: إنّ المن والأذى دليل على أن نيته لم تكن خالصة، فلذلك بطلت صدقته ﴿ كالذي يُنْفِقُ ﴾ تمثيل لمن يمنّ ويؤذي بالذي ينفق رياء وهو غير مؤمن ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ أي مثل المرائي في نفقته كحجر عليه تراب؛ يظنه من يراه أرضاً منبتة طيبة، فإذا أنزل عليها المطر انكشف التراب، فيبقى الحجر لا منفعه فيه، فكذلك المرائي يظن أن له أجراً، فإذا كان يوم القيامة انكشف سره ولم تنفعه نفقته ﴿ صَفْوَانٍ ﴾ حجر كبير ﴿ وَابِلٌ ﴾ مطر كثير ﴿ صَلْداً ﴾ أملس ﴿ يَقْدِرُونَ ﴾ أي لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ أي تيقناً وتحقيقاً للثواب لأن أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم؛ يثبتون أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم؛ يثبتون أنفسهم على الإيمان باحتمال المشقة في بذلك المال، وانتصاب ﴿ ابتغآء ﴾ على المصدر في موضع الحال وعطف عليه ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ ، ولا يصح في تثبيتاً أن يكون مفعولاً من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت فامتنع ذلك في المعطوف عليه وهو ابتغاء ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ ﴾ تقديره: كمثل صاحب حبة أو يقدر ولا مثل نفقة الذي ينفقون ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾ لأن ارتفاع موضع الجنة أطيب لتربتها وهوائها ﴿ فَطَلٌّ ﴾ الطل الرقيق الخفيف، فالمعنى يكفي هذه الجنة لكرم أرضها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أنبتت سبع ﴾ وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ يضعف ﴾ وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعف ﴾ ﴿ رياء الناس ﴾ غير مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف.

الباقون بالهمزة.

﴿ الكافرين ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن ﴿ بربوة ﴾ بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم.

الباقون بضمها ﴿ أكلها ﴾ وبابه ساكنة الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف ﴿ بما يعملون بصير ﴾ بالياء التحتانية: أبو/ عون عن قنبل.

الباقون بالتاء للخطاب.

الوقوف: ﴿ مائة حبة ﴾ ط، ﴿ لمن يشاء ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج لعطف المختلفتين، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ أذى ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه، ﴿ والأذى ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالاً مثل إبطال الذي، ﴿ الآخر ﴾ ط، ﴿ صلدا ﴾ ط، ﴿ كسبوا ﴾ ط، ﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ ضعفين ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب واتحاد الكلام، ﴿ فطل ﴾ ط، ﴿ بصير ﴾ ه، ﴿ الأنهار ﴾ (لا) لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً، ﴿ الثمرات ﴾ (لا) لأن الواو وللحال، ﴿ ضعفاء ﴾ ص والوصل أولى والوقف على ﴿ فاحترقت ﴾ ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها كذا في حال كذا؟

﴿ تتفكرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان التكاليف والأحكام.

قال القاضي في كيفية النظم: إنه  لما أجمل في قوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة  ﴾ ، فصّل بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثاً كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأصول داعياً إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً وهو من الواحد إلى سبعمائة.

وعن الأصم أنه  ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي  ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته.

وقيل: إنه  لما بين أنه وليّ المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بيّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.

قلت: لما بين صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها العباد بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال ﴿ مثل الذين ﴾ ولا بد من إضمار ليصح التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة.

وسبيل الله دينه.

فقيل الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير.

والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.

ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة.

وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد في الجاورس والذرة وغيرهما مثل ذلك.

وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة.

﴿ والله يضاعف ﴾ أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها/ لمن يستحق ذلك في مشيئته.

﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه غير متناه ﴿ عليم ﴾ بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده.

ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، والمنّ قد يراد به الإنعام قال تعالى ﴿ ولا تمنن تستكثر  ﴾ وقد يراد به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل: صنوان مٌَّن مُنِحَ سائله ومَنٌّ منع نائله وضنّ.

وذلك لما فيه من انكسار قلب الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله.

وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا يترقى نظرهن من المسحوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات.

وأما الأذى فمهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدل إليه ويقول له: ألست إلا مبرماً وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي ﴿ لهم أجرهم ﴾ وقال فيما يجيء ﴿ فلهم أجرهم  ﴾ لأن الموصول ههنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو أن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب استحقاق الأجر وطرحها عارٍ عن تلك الدلالة.

ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب.

﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق.

ولا يحزنون بالفوات كقوله ﴿ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً  ﴾ والمراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر.

ويعلم من قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ أن قوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله ﴿ ثم لا يتبعون ﴾ أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن الاعتداد بها.

احتجت المعتزلة بالآية من وجهين: الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل.

الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ثواب له أصلاً، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟

﴿ قول معروف ﴾ تقبله القلوب ولا تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة ﴿ ومغفرة ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من جهة السائل بأن يعذر المسؤول إذا رده رداً جميلاً ﴿ خير من صدقة يتبعها أذى ﴾ لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر.

وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا إضرار، فكان الأولى ﴿ ومن الناس ﴾ الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا يحل منعه ولا رد السائل فيه.

ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير ﴿ والله غني ﴾ عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟

﴿ حليم ﴾ عن معاجلته بالعقوبة إذا مَنّ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد.

ثم إنه  ضرب لكل واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلاً فقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، ﴿ كالذي ﴾ أي كإبطال المنافق الذي ﴿ ينفق ماله رئاء الناس ﴾ وهو أن يرائي بعمله غيره ولا يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائداً إلى المنافق على أنه  شبه المانّ بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق بالحجر.

وإما أن يعود إلى المانِّ المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه بالحجر.

والصفوان الحجر الأملس، الوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق.

وهذا المثل ضربه الله لعمل المانِّ المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله  ولم يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب.

وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المنَّ والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير.

فعلى مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل.

وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل، وعن القفال: ان عمل المانِّ مشبه بما إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودع بذره خالياً لا شيء فيه.

ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة؟

وعلى هذا فقوله ﴿ لا يقدرون على شيء ﴾ الضمير فيه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المانُّ والمؤذي والمنافق لا ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المانِّ والمنافق ملزوزين في قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن "من" و "الذي" متعاقبان فكأنه قيل: كمّن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، وإما لأنه أشير/ بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام.

وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  ﴾ .

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ معناه - على قولنا - سلب الإيمان عنهم، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ﴾ طلباً لمرضاته ﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ قيل: أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى.

وقيل: تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وتبييناً ﴾ من البيان.

وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال، فإذا بذل ماله وروحه معاً فقد ثبت نفسه كلها ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  ﴾ وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، فعلى هذا "من" للتبعيض ذكره في الكشاف، قال الزجاج: تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله  لا يضيع ثوابهم فـ "من" على هذا للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت.

وعن الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتاً في طلب المستحق وصرف المال في وجهه.

قال الحسن: كان الرجل إذا هَمَّ بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك.

وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت.

ويحتمل أن يكو ن المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها.

والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان.

وقرىء ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو لزيادة التنفس، والربا في المال.

قيل: وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً.

واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله  ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت  ﴾ ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا/ يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو ﴿ فآتت أكلها ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها ﴿ ضعفين ﴾ مثلي ما كان يعهد منها.

وقيل: مثلي ما يكون في غيرها ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ مطر صغير القطر يصيبها ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفّر أم نزر.

ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن الكل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم ﴿ والله بما تعملون ﴾ من وجوه الإنفاق وكيفيتها والأمور الباعثة عليها ﴿ بصير ﴾ فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات.

ثم إنه  رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب مثالاً آخر فقال ﴿ أيود أحدكم ﴾ والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود.

قرىء ﴿ له جنات ﴾ وقد وصف الله  الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن الجنة إنما تكوّنت منهما لكثرتهما فيها.

الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها.

والثالث: فيها من كل الثمرات، وإنما خص النخيل والأعناب أولاً بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع.

قال في الشكاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله ﴿ وكان له ثمر  ﴾ بعد قوله ﴿ جنتين من أعناب وحففناهما بنخل  ﴾ .

ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال ﴿ وأصابه الكبر ﴾ أي والحال أنه قد أصابه الكبر.

وقال الفراء: إنه معطوف على ﴿ يود ﴾ واستقام نظر المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء.

وقرىء ﴿ ضعاف ﴾ أي صبيان وأطفال ﴿ فأصابها إعصار ﴾ ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود ﴿ فيه نار فاحترقت ﴾ أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى المال - وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال - فإذا أصبح وشاهد تلك الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟

فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ويورثه الخيبة والندامة.

التأويل: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، "ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي/ أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل" .

فمن أعطى قلبه إلى الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوماً بذلوا المال لله، وقوماً بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ ﴿ ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ﴾ على الله بأن يقول: عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر ﴿ ولا أذى ﴾ بأن يطلب من الله غير الله.

رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ينزلهم في مرتبة العندية ﴿ عند مليك مقتدر  ﴾ لا عند الجنة ولا عند النار.

﴿ قول معروف ﴾ يصدر عن العارف بالله في طلب المعروف ﴿ ومغفرة ﴾ له وأن لم يكن عنده ما يتصدق ﴿ خير ﴾ له عند ربه ﴿ من صدقة يتبعها ﴾ من الجهل ﴿ أذى ﴾ طلب غير الحق من الحق ﴿ والله غني ﴾ عن غيره ﴿ حليم ﴾ لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فالمعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال  ﴾ .

ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا قال  " لولا الفقراء لهلك الأغنياء" " أي لم يجدوا سبيلاً إلى الحق.

وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد السفلى بيد الغني.

لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأنه لو كان مؤمناً بالله لكان ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي ﴿ كمثل صفوان عليه تراب ﴾ هو عمله ﴿ فأصابه وابل ﴾ وهو وابل الرد.

" "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك " ﴿ فتركه صلداً ﴾ مفلساً خائباً.

﴿ لا يقدرون عل شيء مما كسبوا ﴾ ليتوسلوا به إلى الله.

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة وصاله.

﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ وتخليصاً لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط أنفسهم ﴿ كمثل جنة ﴾ / هي قلب المخلص ﴿ بربوة ﴾ في رتبة عالية عند الحق ﴿ أصابها وابل ﴾ الواردت الربانية ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ الإلهامات ﴿ فآتت أكلها ضعفين ﴾ ضعف من نعيم الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ، فإن الله  كما يعطي أهل الآخرة نصيباً من الدنيا بالتبعية ولا يعطي أهل الدنيا نصيباً من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيباً من الآخرة بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات واستبقاء الحياة.

ثم ضرب مثلاً لروح الإنسان وقلبه بجنةٍ له فيها من كل الثمرات إذا خلق في أحسن تقويم، مستعداً لجميع الكرامات، مشرفاً بعلم السمات، منوراً بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحداً بحمل الأمانة، متفرداً برتبة الخلافة.

جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، ﴿ وله ذرية ضعفاء ﴾ من متولدات القوى البشرية في غاية الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها ﴿ فأصابها إعصار ﴾ من أعمال البر ﴿ فيه نار ﴾ من الرياء والنفاق ﴿ فاحترقت ﴾ جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلك تتفكرون ﴾ في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله المستعان وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

يحتمل ضرب مثل النفقة في سبيل الله بالحبة التي ذكر وجهان: أحدهما: أن يبارك في تلك النفقة، فيزداد وينمو، على ما بارك في حبة واحدة فصارت سبعمائة وأكثر.

والثاني: قال: ﴿ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ  ﴾ ، ورأوا الصدقة تتلف وتتلاشى في أيدي الفقراء فقالوا: كيف تربى، وهي تالفة؟

فقال: تربى كما أربي الحبة في الأرض بعد ما تلفت فيها وفسدت، فصارت مائة وزيادة.

فعلى ذلك الصدقة في طاعة الله والنفقة فيما يربي وإن كانت تالفة.

وقيل: إنها منسوخة بالفرائض.

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه نسخ وعد في الآخرة، والوعد لا يحتمل النسخ، إلا أن يعنون نسخ عين الصدقة بغيرها، فأما الوعد فهو حالة.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، غني.

وقيل: ﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، جواد، يوسع على ما يشاء.

وقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾ .

قال المفسرون: للجهاد، خصوا الجهاد بهذا.

والله أعلم.

لأن العدو إذا خرجوا لقتال المسلمين خرجوا للشيطان، ويسلكون سبيله وطريقه، والمؤمنون إنما يخرجون ليسلكوا طريق الله  ، وينصروا دينه وأولياءه؛ لذلك كان التخصيص له لقولهم، وإلا كان يجيء أن يسمي الطاعات كلها والخيرات (سبيل الله)؛ لأنه سبيل الله وطاعته، كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾ .

اختلف فيه: قيل: ﴿ مَنّاً ﴾ ، على الله، و ﴿ أَذًى ﴾ ، للفقير.

وقيل: ﴿ مَنّاً ﴾ ، على الفقير، و ﴿ أَذًى ﴾ ، له.

ثم قيل: منه على الفقير عد ما أنفق عليه وتصدق، وأذاه وتوبيخه عليه بذلك.

وأما منّه على الله  ؛ كقوله  : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله  : ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، كلام حسن، يدعو الرجل لأخيه بظهر الغيب.

وقيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، يستغفر الله ذنوبه في السر و ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ له، يغفر له، ويتجاوز عن مظلمته.

وقيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، الأمر بالمعروف خير ثوابا عند الله من صدقة فيها أذى ومن.

فإن قيل: كيف جمع بين قول المعروف والمغفرة وبين الأذى والمن، فقال: (خير من كذا..)، وأحدهما خير والآخر شر، وإنما يفعل هذا إذا كانا جميعاً خيرين، فيقال: "أيهما أخير"؟

قيل: معناه - والله أعلم - هذا خبر لكم من ذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ  ﴾ ، [أي: خير لكم في الآخرة من اللهو والتجارة] في دنياكم، وإن لم يكن اللهو والتجارة من جنس ما عند الله، فعلى ذلك الأول.

ويحتمل: أن تكون الآية على الابتداء، لا على الجمع: هذا خير، وهذا شر.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ووجه ذلك أن الصدقة قربة، وهي خير، فإذا أتبعها الأذى أبطلها، فيكون ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، أي: رد جميل للسائل خير من إجابة في البذل، ثم الرد بالأذى؛ لأن هذا يبقى، وإن كان لا ينشفع به الآخر، والصدقة [لا]، وإن كان ينتفع بها الفقير.

والله أعلم.

وقال بعضهم: (المن) و(الأذى)، أن يقول للسائل: خذه، لا بارك الله فيه لك.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ ، عن صدقاتكم، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ ، لا يعجل بالعقوبة عليكم بالمن والأذى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قول كريم تُدخِل به السرور على قلب مؤمن، وعفو عمن أساء إليك؛ أفضل من صدقة يتبعها إيذاء بالمنِّ على المتصدَّق عليه، والله غني عن عباده، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.nkJq6"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قلنا إن من سنة القرآن الحكيم مزج آيات الأحكام بآيات المواعظ والعبر والتوحيد ليقرر أمر الحكم وينصر النفوس على القيام به ولقد قلنا مرارًا إن أمر الإنفاق في سبيل الله أشق الأمور على النفوس لا سيما إذا اتسعت دائرة المنفعة فيما ينفق فيه، وبعدت نسبة من ينفق عليه عن المنفق، فإن كل إنسان يسهل عليه الإنفاق على نفسه وأهله وولده إلا أفرادًا من أهل الشح المطاع، وهذا النوع من الإنفاق لا يوصف صاحبه بالسخاء، ومن كان له نصيب من السخاء سهل عليه الإنفاق بقدر هذا النصيب، فمن كان له أدنى نصيب فإنه يرتاح إلى الإنفاق على ذوي القربى والجيران، فإن زاد أنفق على أهل بلده فأمته فالناس كلهم، وذلك منتهى الجود والسخاء.

وإنما يصعب على المرء الإنفاق على منفعة من يبعد عنه لأنه فطر على أن لا يعمل عملًا لا يتصور لنفسه فائدة منه، وأكثر النفوس جاهلة باتصال منافعها ومصالحها بالبعداء عنها فلا تشعر بأن الإنفاق في وجوه البر العامة كإزالة الجهل بنشر العلم ومساعدة العجزة والضعفاء وترقية الصنائع وإنشاء المستشفيات والملاجئ وخدمة الدين المهذب للنفوس هو الذي تقوم به المصالح العامة حتى تكون كلها سعيدة عزيزة، فعلمهم الله تعالى أن ما ينفقونه في المصالح يضاعف لهم أضعافًا كثيرة فهو مفيد لهم في دنياهم، وحثهم على أن يجعلوا الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته ليكون مفيدًا لهم في آخرتهم أيضًا، فذكر أولًا أن الإنفاق في سبيل الله بمنزلة إقراضه تعالى، ووعد بمضاعفته أضعافًا كثيرة، ثم ضرب الأمثال وذكر قصص الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيله، ثم ذكر البعث وإحياء الموتى وانتهاءهم إلى الدار التي يوفون فيها أجورهم في يوم لا تنفع فيه فدية ولا خلة ولا شفاعة وإنما تنفعهم أعمالهم التي أهمها الإنفاق في سبيله ثم ضرب المثل للمضاعفة.

أي بعد أن قرر البعث بالدلائل والأمثال إذ كان الإيمان به أقوى البواعث على بذل المال.

والمراد بالإنفاق الإنفاق في خدمة الدين، ولكن كلمة في سبيل الله تشمل جميع المصالح العامة، وهو ما جرينا عليه آنفًا.

ثم قال تعالى ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى  ﴾ الآية إن هذه الآية لبيان ثواب الإنفاق في الآخرة بعد التنويه بمنفعته في الدنيا.

وقد شرط لهذا الثواب ترك المن والأذى، فأما المن فهو أن يذكر المحسن إحسانه لمن أحسن هو إليه، يظهر به تفضله عليه، وأما الأذى فهو أعم ومنه أن يذكر المحسن إحسانه لغير من أحسن عليه بما ربما يكون أشد عليه مما لو ذكره له.

قد يشكل على بعض الناس التعبير بثم التي تفيد التراخي مع العلم بأن المن أو الأذى العاجل أضر، وأجدر بأن يجعل تركه شرطًا لتحصيل الأجر، وجوابه أن من يقرن النفقة بالمن أو الأذى أو يتبعها أحدهما أو كليهما عاجلًا لا يستحق أن يدخل في الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أو يوصف بالسخاء المحمود عند الله.

وإذا كان من يمن أو يؤذي بعد الإنفاق بزمن بعيد لا يعتد الله بإنفاقه ولا يؤجره عليه ولا يقيه الخوف والحزن أفلا يكون المتعجل به أجدر بذلك؟

بلى وإنما الكلام في السخي الذي ينفق في سبيل الله مخلصًا متحريًا للمصلحة والمنفعة لا باغيًا جزاء مما ينفق عليه ولا مكافأة ولكنه قد يعرض له بعد ذلك ما يحمله على المن والأذى المحبطين للأجر كأن يرى ممن كان أنفق عليه غمطًا لحقه أو إعراضًا عنه وتركًا لما كان من احترامه إياه فيثير ذلك غضبه حتى يمن أو يؤذي ومثل هذا قد يقع من المخلصين فحذرهم الله تعالى منه.

ثم قال تعالى ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى  ﴾ : القول المعروف يتوجه تارة إلى السائل إن كانت الصدقة عليه وتارةً يتوجه إلى المصلحة العامة كما إذا هاجم البلد عدو وأرادوا جمع المال للاستعانة على دفعه فمن لم يكن له مال يمكنه أن يساعد بالقول المعروف الذي يحث على العمل وينشط العامل، ويبعث عزيمة الباذل، والمغفرة أن تغضى عن نسبة التقصير في الإنفاق إليك وأن تظهر في هيئة لا ينفر منها المحتاج ولا يتألم من فقره أمامك.

والمعنى أن مقابلة المحتاج بكلام يسر وهيئة ترضي خير من الصدقة مع الإيذاء بسوء القول أو سوء المقابلة، ولا فرق في المحتاج بين أن يكون فردًا أو جماعة فإن مساعدة الأمة ببعض المال مع سوء القول في العمل الذي ساعدها عليه وإظهار استهجانه وبيان التقصير فيه أو تشكيك الناس في فائدته لا توازي هذه المساعدة إحسان القول في ذلك العمل الذي تطلب له المساعدة والإغضاء عن التقصير الذي ربما يكون من العاملين فيه فكونك مع الأمة بقلبك ولسانك خير من شيء من المال ترضخ به مع قول السوء وفعل الأذى.

ومعنى هذه الخيرية أنه أنفع وأكثر فائدة لا أنه يقوم مقام البذل ويغني عنه فمن آذى فقد بغض نفسه إلى الناس بظهوره في مظهر البغضاء لهم.

ولا شك أن السلم والولاء، خير من العداوة والبغضاء، وأن أضمن شيء لمصلحة الأمة وأقوى معزز لها هو أن يكون واحد من أفرادها في عين الآخر وقلبه في مقام المعين له وإن لم يعنه بالفعل.

﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ  ﴾ : يطلق الحلم ويراد به هذا اللازم من لوازمه أي الإمهال وعدم المعالجة بالمؤاخذة وقد يراد به لازم آخر وهو الإغضاء والعفو وليس بمراد هنا، لأنه لو أريد لكان تحريضًا على الأذى، ولكل مقال مقام يعينه، فالأول يطلق في مقابل العجول الطائش والثاني في مقابل الغضوب المنتقم وفي الاسمين الكريمين تنفيس لكرب الفقراء وتعزية لهم وتعليق لقلوبهم بحبل الرجاء بالله الغني المغني وتهديد للأغنياء وإنذار لهم أن لا يغتروا بحلم الله وإمهاله إياهم وعدم معاجلتهم بالعقاب على كفرهم بنعمته عليهم بالمال فإنه يوشك أن يسلبها منهم في يوم من الأيام.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى  ﴾ استدل المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصالحة كأنها لم تعمل...

وأجيب عن الآية بأن المراد بها: لا تبطلوا ثواب صدقاتكم، وبغير ذلك من التكلف الذي لا يحتاج إليه، لأن الكلام في إحباط المن والأذى للفائدة المقصودة من الصدقة، وهي التخفيف من بؤس المحتاجين وكشف أذى الفقر عنهم، إذا كانت الصدقة على الأفراد، وتنشيط القائمين بخدمة الأمة ومساعدتهم إذا كانت الصدقة في مصلحة عامة.

فإذا أتبعت الصدقة بالمن والأذى كان ذلك هدمًا لما بنته وإبطالًا لما عملته، وكل عمل لا يؤدي إلى الغاية المقصودة منه فقد حبط وبطل وكأنه لم يكن، فكيف إذا أتبع بضد الغاية ونقيضها؟!

كذلك تكون صلاة المرائي باطلة، لأن الغرض منها لم يحصل، وهو توجه القلب إلى الله تعالى واستشعار سلطانه والإذعان لعظمته والشكر لإحسانه، وقلب المرائي إنما يتوجه إلى من يرائيه.

هذا هو معنى إبطال المن والأذى للصدقة، والذي يزعمه المعتزلة هو أن ارتكاب أي كبيرة من الكبائر يبطل جميع الأعمال الصالحة السابقة ويوجب الخلود في النار، فاستدلالهم بالآية على هذا إنما يدل على أنهم لم يفهموا هدى الله تعالى في كتابه ولم يعرفوا فطرة البشر التي جاء الدين لتأديبها، وقد رأيت كلام من أيد مذهبه بهدم مذهبهم، هكذا يتجاذب القرآن أهل المذاهب، كل يجذبه إلى مذهبه الذي رضيه لنفسه، فتراهم عندما يشاغب بعضهم بعضًا يتعلقون بالكلمة المفردة إذا كانت تحتمل ما قالوا ويجعلونها حجة للمذهب ويؤولون ما عداها بالتمحل.

وأهل الخلاف ليسوا من أهل القرآن، فلا يعول على أقوالهم في بيان معانيه.

ثم شبه تعالى أصحاب المن والأذى بالمرائي أو إبطال عملهم للصدقة بإبطال ريائه لها فقال: ﴿ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ  ﴾ أي لأجل ريائهم أو مرائيًا لهم أي لأجل أن يروه فيحمدوه لا ابتغاء مرضاة الله تعالى بتحري ما حث عليه من رحمة عباده الضعفاء والمعوزين وترقية شأن الملة بالقيام بمصالح الأمة، فهو إنما يحاول إرضاء الناس ﴿ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ  ﴾ فيتقرب إليه تعالى بالإنفاق خشية عقابه ورجاء ثوابه في ذلك اليوم ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا  ﴾ ، أي صفته وحاله في عدم انتفاعه بما ينفق كالحجر الأملس إذا كان عليه شيء من ذلك التراب ووجه الشبه بين المانّ والمؤذي بصدقته وبين المرائي بنفقته أن كلًا منهما غش نفسه فألبسها ثوب زور يوهم رائيه ما لا حقيقة له، كمن يلبس لبوس العلماء أو الجند وليس منهم فلا يلبث أن يظهر أمره ويفتضح سره فيكون ما تلبس به كالتراب على الصفوان يذهب به الوابل.

كذلك تكشف الحوادث وما يبتلى به المؤمنون والمنافقون حقيقة هؤلاء وتفضح سرائرهم، فهم ﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا  ﴾ أي لا ينتفعون بشيء من صدقاتهم ونفقاتهم ولا يجنون ثمراتها في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فلأن المن والأذى مما ينافي غاية الصدقة كما تقدم، ومن فعلهما كان أبغض إلى الناس من البخيل الممسك، والرياء لا يخفى على الناس، فهو كما قال الشاعر: ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اكتسيت به فإنك عار فلا تكاد تجد منانًا ولا مرائيًا غير مذموم ممقوت.

وأما الآخرة فلأن المن أو الأذى كالرياء في منافاة الإخلاص، ولا ثواب في الآخرة إلا للمخلصين في أعمالهم الذين يتحرون بها سنن الله تعالى في تزكية نفوسهم وإصلاح حال الناس ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ  ﴾ أي مضت سنته بأن الإيمان هو الذي يهدي قلب صاحبه إلى الإخلاص ووضع النفقات في مواضعها، والاحتراس من الإتيان بما يذهب بفائدتها بعد وجودها، فكان الكافر بمقتضى هذه السنة محرومًا من هذه الهداية التي تجمع لصاحبها بين صلاح القلب والعمل وسعادة الدنيا والآخرة.

بعد هذا ضرب الله المثل للمخلصين في الإنفاق، لأجل المقابلة بينهم وبين أولئك المرائين والمؤذين، وعقبه بمثل آخر يتبين به حال الفريقين فقال: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر