الآية ٢٦٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦٢ من سورة البقرة

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّۭا وَلَآ أَذًۭى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٦٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يمدح تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منا على من أعطوه ، فلا يمنون على أحد ، ولا يمنون به لا بقول ولا فعل .

وقوله : ( ولا أذى ) أي : لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان .

ثم وعدهم تعالى الجزاء الجزيل على ذلك ، فقال : ( لهم أجرهم عند ربهم ) أي : ثوابهم على الله ، لا على أحد سواه ( ولا خوف عليهم ) أي : فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة ( ولا هم يحزنون ) أي : [ على ] ما خلفوه من الأولاد وما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها لا يأسفون عليها ; لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: المعطيَ ماله المجاهدين في سبيل الله معونةً لهم على جهاد أعداء الله.

يقول تعالى ذكره: الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم وفي حَمُولاتهم, وغير ذلك من مؤنهم, (71) .

ثم لم يتْبع نفقته التي أنفقها عليهم منًّا عليهم بإنفاق ذلك عليهم، ولا أذى لهم.

فامتنانه به عليهم، بأن يظهر لهم أنه قد اصطنع إليهم -بفعله وعطائه الذي أعطاهموه تقوية لهم على جهاد عدوهم- معروفا, ويبدي ذلك إما بلسان أو فعل.

وأما " الأذى " فهو شكايته إياهم بسبب ما أعطاهم وقوّاهم من النفقة في سبيل الله، أنهم لم يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد, وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذي به من أنفَق عليه.

وإنما شَرَط ذلك في المنفق في سبيل الله, وأوجبَ الأجر لمن كان غير مانٍّ ولا مؤذٍ مَن أنفق عليه في سبيل الله, لأن النفقة التي هي في سبيل الله: ما ابتغي به وجه الله وطلب به ما عنده.

(72) .

فإذا كان معنى النفقة في سبيل الله هو ما وصفنا, فلا وجه لمنّ المنفق على من أنفق عليه, لأنه لا يدَ له قِبَله ولا صَنيعة يستحق بها &; 5-518 &; عليه -إن لم يكافئه- عليها المنَّ والأذى, إذ كانت نفقته ما أنفق عليه احتسابًا وابتغاءَ ثواب الله وطلبَ مرضاته، وعلى الله مثوبته، دون من أنفق ذلك عليه.

* * * وبنحو المعنى الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 6034 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم )، (73) .

علم الله أن أناسًا يمنون بعطيَّتهم, فكره ذلك وقدَّم فيه فقال: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ .

(74) .

6035 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قال للآخرين = يعني: قال الله للآخرين, وهم الذين لا يخرجون في جهاد عدوهم =: ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى )، قال: فشرَط عليهم.

قال: والخارجُ لم يشرُط عليه قليلا ولا كثيرًا - يعني بالخارج، الخارجَ في الجهاد الذي ذكر الله في قوله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ الآية = قال ابن زيد: وكان أبي يقول: إن آذاك من يعطي من هذا شيئًا أو يقوِّي فقويت في سبيل الله, (75) .

فظننتَ أنه يثقل عليه سلامُك، فكفَّ سلامَك عنه.

قال ابن زيد: فنهى عن خير الإسلام.

(76) .

قال: وقالت امرأة لأبي: يا أبا أسامة, تدلُّني على رجل يخرج في سبيل الله حقًّا, فإنهم لا يخرجون إلا &; 5-519 &; ليأكلوا الفواكه!!

عندي جعبة وأسهُمٌ فيها.

(77) .

فقال لها: لا بارك الله لك في جعبتك, ولا في أسهمك, فقد آذيتيهم قبل أن تعطيهم!

قال: وكان رجل يقول لهم: اخرجوا وكلوا الفواكه!

6036 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك قوله: ( لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى ) قال: أن لا ينفق الرجل ماله، خيرٌ من أن ينفقه ثم يتبعه منًّا وأذى.

* * * وأما قوله: ( لهم أجرهم عند ربهم )، فإنه يعني للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله على ما بيَّنَ.

و " الهاء والميم " في" لهم " عائدة على " الذين ".

* * * ومعنى قوله: ( لهم أجرهم عند ربهم )، لهم ثوابهم وجزاؤهم على نفقتهم التي أنفقوها في سبيل الله, ثم لم يتبعوها منًّا ولا أذى.

(78) .

* * * وقوله: ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )، (79) .

يقول: وهم = مع ما لهم من الجزاء والثواب على نفقتهم التي أنفقوها على ما شرطنا =( لا خوف عليهم ) عند مقدمهم على الله وفراقهم الدنيا, ولا في أهوال القيامة, وأن ينالهم من مكارهها أو يصيبهم فيها من عقاب الله =( ولا هم يحزنون ) على ما خلفوا وراءهم في الدنيا.

(80) .

--------------- الهوامش : (71) في المخطوطة والمطبوعة : "الذين يعينون المجاهدين" بالجمع/ وسياق الجمل بعده بالإفراد ، وهو غير جائز .

(72) في المطبوعة : "مما ابتغى به" ، والصواب ما في المخطوطة .

(73) أتم الآية في المطبوعة ، وأثبت ما في المخطوطة .

(74) في المخطوطة : "قول معروف ومعرفة" ، وهو دال على كثرة سهو الناسخ في هذا الموضع من المخطوطة كما أسلفت مرارًا .

(75) في المطبوعة : "إن أذن لك أن تعطي من هذا شيئًا أو تقوى فقويت في سبيل الله" وهو غير مفهوم ، وهو تصرف فيما كان في المخطوطة ، ونصه : "إن أذن لك أن تعطي من هذا شيئًا أو تقوى في سبيل الله" .

واستظهرت صواب قراءتها كما أثبته ، وقد أشرت مرارًا لكثرة سهو الناسخ في هذا من كتابته .

والذي أثبته أشبه بما دل عليه سائر قوله .

(76) في المطبوعة : "فهو خير من السلام" ، ولا معنى له وفي المخطوطة"فنهي خير من الإسلام" وهو أيضًا بلا معنى ، وأظن الصواب ما أثبت .

وذلك أن زيد بن أسلم قال : "فكف عنه سلامك" فنهاه عن أن يلقي عليه السلام .

فعلق ابنه ابن زيد على قول أبيه أنه : "نهى عن خير الإسلام" ، إشارة إلى ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص : "أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير؟

قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" فالسلام خير الإسلام ، وهو ما نهى عنه ابن زيد من أوذي .

(77) أخشى أن يكون الناسخ سها كما سها فيما سلف ، وأن يكون صوابها"وفيها أسهم" ، والذي هنا مقبول .

(78) انظر معنى"أجر" فيما سلف 2 : 148 ، 513 .

(79) انظر تفسير : "ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" فيما سلف 2 : 148 ، 513 .

(80) عند هذا الموضع انتهى المجلد الرابع من مخطوطتنا ، وفي آخره ما نصه : "آخر المجلد الرابع من كتاب البيان يتلوه في الخامس إن شاء الله تعالى ، القول في تأويل قوله : "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم" وكان الفراغ منه في شهر ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبعمائة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا"

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله قيل : إنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه .

قال عبد الرحمن بن سمرة : جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول : ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان .

وقال أبو سعيد الخدري : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان يقول : يا رب عثمان إني رضيت عن عثمان فارض عنه فما زال يدعو حتى طلع الفجر فنزلت : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى الآية .الثانية : لما تقدم في الآية التي قبل ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بين في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه منا ولا أذى ؛ لأن المن والأذى مبطلان لثواب الصدقة كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا ، وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفق عليه ، ولا يرجو منه شيئا ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه ، قال الله تعالى : لا نريد منكم جزاء ولا شكورا .

ومتى أنفق ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله ، فهذا إذا أخلف ظنه فيه من بإنفاقه وآذى .

وكذلك من أنفق مضطرا دافع غرم إما لمانة للمنفق عليه أو لقرينة أخرى من اعتناء معتن فهذا لم يرد وجه الله .

وإنما يقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله ، كالذي حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابيا أتاه فقال :يا عمر الخير جزيت الجنه اكس بنياتي وأمهنه وكن لنا من الزمان جنهأقسم بالله لتفعلنه[ ص: 280 ] قال عمر : إن لم أفعل يكون ماذا ؟

قال :إذا أبا حفص لأذهبنهقال : إذا ذهبت يكون ماذا ؟

- قال :تكون عن حالي لتسألنه يوم تكون الأعطيات هنهوموقف المسئول بينهنه إما إلى نار وإما جنهفبكى عمر حتى اخضلت لحيته ثم قال : يا غلام ، أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره والله لا أملك غيره .

قال الماوردي : وإذا كان العطاء على هذا الوجه خاليا من طلب جزاء وشكر وعريا عن امتنان ونشر كان ذلك أشرف للباذل وأهنأ للقابل .

فأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاء ، وطلب به الشكر والثناء ، كان صاحب سمعة ورياء ، وفي هذين من الذم ما ينافي السخاء .

وإن طلب الجزاء كان تاجرا مربحا لا يستحق حمدا ولا مدحا .

وقد قال ابن عباس في قوله تعالى : ولا تمنن تستكثر أي لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها .

وذهب ابن زيد إلى أن هذه الآية إنما هي في الذين لا يخرجون في الجهاد بل ينفقون وهم قعود ، وإن الآية التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم ، قال : ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأولين .

قال ابن عطية : وفي هذا القول نظر ؛ لأن التحكم فيه باد .الثالثة : قوله تعالى : منا ولا أذى المن ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها مثل أن يقول : قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه .

وقال بعضهم : المن : التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه .

والمن من الكبائر ، ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره ، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، وروى النسائي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة تتشبه بالرجال والديوث ، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن الخمر [ ص: 281 ] والمنان بما أعطى .

وفي بعض طرق مسلم : المنان هو الذي لا يعطي شيئا إلا منة .

والأذى : السب والتشكي ، وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه .

وقال ابن زيد : لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه .

وقالت له امرأة : يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه فإن عندي أسهما وجعبة .

فقال : لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم .قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فمن أنفق في سبيل الله ولم يتبعه منا ولا أذى كقوله : ما أشد إلحاحك وخلصنا الله منك ، وأمثال هذا فقد تضمن الله له بالأجر ، والأجر الجنة ، ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل ، والحزن على ما سلف من دنياه ؛ لأنه يغتبط بآخرته فقال : لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

وكفى بهذا فضلا وشرفا للنفقة في سبيل الله تعالى .

وفيها دلالة لمن فضل الغني على الفقير حسب ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله وسبيله، ولا يتبعونها بما ينقصها ويفسدها من المن بها على المنفق عليه بالقلب أو باللسان، بأن يعدد عليه إحسانه ويطلب منه مقابلته، ولا أذية له قولية أو فعلية، فهؤلاء لهم أجرهم اللائق بهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فحصل لهم الخير واندفع عنهم الشر لأنهم عملوا عملا خالصا لله سالما من المفسدات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) قال الكلبي : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كانت عندي ثمانية آلاف فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضتها ربي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بارك الله فيما أمسكت لك وفيما أعطيت وأما عثمان فجهز جيش المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها فنزلت فيهما هذه الآية .

وقال عبد الرحمن بن سمرة : جاء عثمان رضي الله عنه بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيها يده ويقلبها ويقول " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم " فأنزل الله تعالى ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) في طاعة الله ( ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ) وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول : أعطيتك كذا ويعد نعمه عليه فيكدرها ( ولا أذى ) أن يعيره فيقول : إلى كم تسأل وكم تؤذيني؟

وقيل من الأذى هو أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه .

وقال سفيان : ( منا ولا أذى ) أن يقول قد أعطيتك وأعطيت فما شكرت قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان أبي يقول : إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه فحظر الله على عباده المن بالصنيعة واختص به صفة لنفسه لأنه من العباد تعيير وتكدير ومن الله إفضال وتذكير ( لهم أجرهم ) أي ثوابهم ( عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يُتبِعون ما أنفقوا مَنًّا» على المنفق عليه بقولهم مثلا: قد أحسنت إليه وجبرت حاله «ولا أذًى» له بذكر ذلك إلى من لا يجب وقوفه عليه ونحو «لهم أجرهم» ثواب إنفاقهم «عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين يخرجون أموالهم في الجهاد وأنواع الخير، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات مَنّاً على مَن أعطَوه ولا أذى بقول أو فِعْلٍ يشعره بالتفضل عليه، لهم ثوابهم العظيم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على شيء فاتهم في هذه الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ) استئناف جيء به لبيان كيفية الإِنفاق الذي يحبه الله ، ويجازي عليه المنفقين بالجزاء العظيم .وقوله : ( ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ) تحذير للمتصدق من هاتين الصفتين الذميمتين لأنهما مبطلتان لثواب الصدقة .والمن معناه : أن يتطاول المحسن بإحسانه على من أحسن إليه ، ويتفاخر عليه بسبب ما أعطاه من عطايا .

كأن يقول على سبيل التفاخر والتعبير : لقد أحسنت إليك وأنقذتك من الفقر وما يشبه ذلك .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : والمن في اللغة على وجوه : فقد يأتي بمعنى الإِنعام .

يقال : قد من الله على فلان .

إذا أنعم عليه بنعمه .

وقد يأتي بمعنى النقص من الحق والبخس له .

قال - تعالى - : ( وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ) أي غير مقطوع وغير ممنوع ومنه سمى الموت منونا لأنه يقطع الأعمار ، ومن هذا الباب المنة والمذمة لأنها تنقص النعمة وتكدرها ، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة .والمراد بالمن في الآية المذموم الذي هو بمعنى " إظهار الاصطناع إليهم " .وقال صاحب الكشاف : المن : أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ، ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاله ، وكانوا يقولون : إذا صنعتم صنيعة فانسوها .

ولبعضهم .وإن أمروا أسدى إلى صينعة ...

وذكرينها إنه للئيموفي نوابغ الكلم : صنوان : من منح سائله ومنَّ ، ومن منع نائله وضن " والمراد بالأذى في الآية : أن يقول المعطى لمن أعطاه قولا يؤذيه ، أو يفعل مه فعلا يسئ به إليه ، وهو أعم من المن ، إذ المن نوع من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه .وجاء العطف بثم في الجملة الكريمة ، لإظهار التفاوت الشديد في ارتبة بين الإِنفاق الذي يحبه الله ، وبين الإِنفاق الذي يصاحبه المن والأذى ، وللإِشعار بأن المن والأذى بغيضان عند الإِنفاق وبعده ، فعلى المنفق أن يستمر في أدبه وإخلاصه وقت الإِنفاق وبعده حتى لا يذهب ثوابه ، إذ المنّ والأذى مبطلان للثواب في أي وقت يحصلان فيه .قال الشيخ ابن المنير مبيناً أن ( ثُمَّ ) هنا تفيد استمرار الفعل بجانب إفادتها للتفاوت في الرتبة : وعندي فيها - أي في ثم - وجه آخر محتمل في هذه الآية ونحوها .

وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه .

فهي على هذا لم تخجر عن الإِشعار ببعد الزمن ، ولكن معناها الاصلىي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ، ومعناها المستعار إليه دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه .

وعليه حمل قوله - : ( إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ) أي : داوموا على هذه الاستقامة دواما متراخيا ممتد الامد .

.

وكذلك قوله هنا ( ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ) أي يدومون على تناسي الإِحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان والأذى .

.وكرر - سبحانه - النفي في قوله : ( ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ) لتأكيده وشموله لأفراد كل واحد منهما ، أي يجب ألا يقع منهم أي من نوع من أنواع المن ولا أي نوع من أنواع الأذى .

حتى لقد قال بعض الصالحين : " لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه بنفقة تبتغي بها وجه الله ، فلا تسلم عليه " .ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان عاقبة المنفقين بلا من ولا أذى فقال : ( لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) أي : لهم جزاؤهم العظيم مكافأة لهم على أدبهم وإخلاصهم ، عند مربيهم ومالك أمرهم ، ولا خوف عليهم مما سيجدونه في مستقبلهم ، ولا هم يحزنون على ماضيهم ، وذلك لأن الله - تعالى - قد أحاطهم برعايته في دنياهم وأخراهم وعوضهم عما فارقوه خير عوض وأكرمه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما اعظم أمر الانفاق في سبيل الله، أتبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب، منها ترك المن والأذى ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: نزلت الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يقول: يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه، وأما عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية.

المسألة الثانية: قال بعض المفسرين: إن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق على نفسه، وهذه الآية بمن أنفق على غيره فبيّن تعالى أن الانفاق على الغير إنما يوجب الثواب العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن ولا أذى قال القفال رحمه الله: وقد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبراً أيضاً فيمن أنفق على نفسه، وذلك هو أن ينفق على نفسه ويحضر الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ابتغاء لمرضاة الله تعالى، ولا يمن به على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولا يؤذي أحداً من المؤمنين، مثل أن يقول: لو لم أحضر لما تم هذا الأمر، ويقول لغيره: أنت ضعيف بطال لا منفعة منك في الجهاد.

المسألة الثالثة: المن في اللغة على وجوه: أحدها: بمعنى الانعام، يقال: قد من الله على فلان، إذا أنعم، أو لفلان على منّة، وأنشد ابن الأنباري: فمنّي علينا بالسلام فإنما *** كلامك ياقوت ودر منظم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة يريد أكثر إنعاماً بماله»، وأيضاً الله تعالى يوصف بأنه منان أي منعم.

والوجه الثاني: في التفسير المن النقص من الحق والبخس له، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي غير مقطوع وغير ممنوع، ومنه سمي الموت: منوناً لأنه ينقص الأعمار، ويقطع الأعذار: ومن هذا الباب المنة المذمومة، لأن ينقص النعمة، ويكدرها، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة، قال قائلهم: زاد معروفك عندي عظما *** أنه عندي مستور حقير تتناساه كأن لم تأته *** وهو في العالم مشهور كثير إذا عرفت هذا فنقول: المن هو إظهار الاصطناع إليهم، والأذى شكايته منهم بسبب ما أعطاهم وإنما كان المن مذموماً لوجوه: الأول: أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام، زاد ذلك في انكسار قلبه، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه والثاني: إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك الثالث: أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه، وأن يعتقد أن لله عليه نعماً عظيمة حيث وفقه لهذا العمل، وأن يخاف أنه هل قرن بهذا الانعام ما يخرجه عن قبول الله إياه، ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير الرابع: وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك الإعطاء إنما تيسر لأن الله تعالى هيأ له أسباب الاعطاء وأزال أسباب المنع، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو الله في الحقيقة لا العبد، فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيراً بنور الله تعالى وإذا لم يكن كذلك بل كان مشغولاً بالأسباب الجسمانية الظاهرة وكان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر، وأما الأذى فقد اختلفوا فيه، منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين وليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصاً بما تقدم ذكره وهو مثل أن يقول للفقير: أنت أبداً تجيئني بالإيلام وفرج الله عني منك وباعد ما بيني وبينك، فبيّن سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله ثم أنه لا يتبعه المن والأذى فله الأجر العظيم والثواب الجزيل.

فإن قيل: ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الثاني لا يبطل الأجر.

قلنا: بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله: ﴿ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى ﴾ يقتضي أن لا يقع منه لا هذا ولا ذاك.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية دالة على أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها، وذلك لأنه تعالى بيّن أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن والأذى، لأنه لو ثبت مع فقدهما ومع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة.

أجاب أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن والأذى يخرجان الانفاق من أن يكون فيه أجر وثواب أصلاً، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن، ولم ينفق لطلب رضوان الله، ولا على وجه القربة والعبادة، فلا جرم بطل الأجر، طعن القاضي في هذا الجواب فقال: إنه تعالى بيّن أن هذا الانفاق قد صح، ولذلك قال: ﴿ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ ﴾ وكلمة ﴿ ثُمَّ ﴾ للتراخي، وما يكون متأخراً عن الانفاق موجب للثواب، لأن شرط المتأثر يجب أن يكون حاصلاً حال حصول المؤثر لا بعده.

أجاب أصحابنا عنه من وجوه: الأول: أن ذكر المن والأذى وإن كان متأخراً عن الانفاق، إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهراً على أنه حين أنفق ما كان إنفاقه لوجه الله، بل لأجل الترفع على الناس وطلب الرياء والسمعة، ومتى كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب والثاني: هب أن هذا الشرط متأخر، ولكن لم يجوز أن يقال: إن تأثير المؤثر يتوقف على أن لا يوجد بعده ما يضاده على ما هو مذهب أصحاب الموافاة، وتقريره معلوم في علم الكلام.

المسألة الخامسة: الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل.

أما قوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على الله تعالى، وأصحابنا يقولون: حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط، وذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الاطلاق، فوجب أن يكون الأجر حاصلاً لهم بعد فعل الكبائر، وذلك يبطل القول بالإحباط.

المسألة الثالثة: أجمعت الأمة على أن قوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ مشروط بأن لا يوجد منه الكفر، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد.

أما قوله: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ففيه قولان الأول: أن إنفاقهم في سبيل الله لا يضيع، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة، لا يخافون من أن لا يوجد، ولا يحزنون بسبب أن لا يوجد، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً  ﴾ والثاني: أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ألبتة، كما قال: ﴿ وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ  ﴾ وقال: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المن: أن يعتدّ على من أحسن إليه بإحسانه، ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاً له: وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها.

ولبعضهم: وَإنّ امْرَأً أَسْدَى إلَىَّ صَنِيعَةً ** وَذَكّرَنِيهَا مَرَّةً لَلئِيمُ وفي نوابغ الكلم: صنوان من منح سائله ومنّ، ومن منع نائله وضنّ.

وفيها طعم الآلاء أحلى من المنّ وهي أمرّ من الآلاء مع المنّ.

والأذى: أن يتطاول عليه بسبب ما أزال إليه: ومعنى (ثم) إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى، وأنّ تركهما خير من نفس الإنفاق، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله: ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ [فصلت: 30] .

فإن قلت: أي فرق بين قوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ وقوله فيما بعد: ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ ؟

قلت: الموصول لم يضمن هاهنا معنى الشرط.

وضمنه ثمة.

والفرق بينهما من جهة المعنى أنّ الفاء فيها دلالة على أنّ الإنفاق به استحق الأجر، وطرحها عار عن تلك الدلالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى ﴾ نَزَلَتْ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها.

وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَإنَّهُ أتى النَّبِيَّ  بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً.

والمَنُّ أنْ يَعْتَدَّ بِإحْسانِهِ عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ.

والأذى أنْ يَتَطاوَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ، وثُمَّ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى.

﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لَعَلَّهُ لَمْ يُدْخِلِ الفاءَ فِيهِ وقَدْ تَضَمَّنَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ مَعْنى الشَّرْطِ إيهامًا بِأنَّهم أهْلٌ لِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَكَيْفَ بِهِمْ إذا فَعَلُوا.

﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ رَدٌّ جَمِيلٌ.

﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ وتَجاوُزٌ عَنِ السّائِلِ والحاجَةِ، أوْ نَيْلُ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ بِالرَّدِّ الجَمِيلِ، أوْ عَفْوٌ مِنَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ ويُغْتَفَرُ رَدُّهُ.

﴿ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى ﴾ خَبَرٌ عَنْهُما، وإنَّما صَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِاخْتِصاصِها بِالصِّفَةِ.

﴿ واللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ عَنْ إنْفاقٍ بِمَنٍّ وإيذاءٍ.

حَلِيمٌ عَنْ مُعاجَلَةِ مَن يَمُنِّ ويُؤْذِي بِالعُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِى سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا} هو أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاً له وكانوا يقولون إذا صنعتم صنيعة فانسوها {وَلا أَذًى} هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه ومعنى ثم إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى وأن تركهما خير من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله ثم استقاموا {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ} أي ثواب إنفاقهم {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من بخس الأجر {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} من فوته أو لا خوف من العذاب ولا حزن بفوات الثواب ووإنما قال هنا لهم أجرهم وفيما بعد فلهم أجرهم لأن الموصول هنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ اِسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ الَّذِي بَيَّنَ فَضْلَهُ.

﴿ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا ﴾ أيْ إنْفاقِهِمْ أوْ ما أنْفَقُوهُ ﴿ مَنًّا ﴾ عَلى المُنْفَقِ عَلَيْهِ ﴿ ولا أذًى ﴾ أيْ لَهُ، والمَنُّ عَبْدُ الإحْسانِ وهو في الأصْلِ القَطْعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (حَبْلٌ مَنِينٌ) أيْ ضَعِيفٌ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى النِّعْمَةِ لِأنَّ المُنْعِمَ يَقْطَعُ مِن مالِهِ قِطْعَةً لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، والأذى التَّطاوُلُ والتَّفاخُرُ عَلى المُنْفَقِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إنْفاقِهِ، وإنَّما قُدِّمَ المَنُّ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ وتَوْسِيطِ كَلِمَةِ (لا) لِشُمُولِ النَّفْيِ لِاتِّباعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، و(ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى في الرُّتْبَةِ والبُعْدِ بَيْنَهُما في الدَّرَجَةِ، وقَدِ اُسْتُعِيرَتْ مِن مَعْناها الأصْلِيِّ وهو تَباعُدُ الأزْمِنَةِ لِذَلِكَ وهَذا هو المَشْهُورُ في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ.

وذَكَرَ في «اَلِانْتِصافِ» وجْهًا آخَرَ في ذَلِكَ ((وهُوَ الدَّلالَةُ عَلى دَوامِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِها وإرْخاءِ الطُّولِ في اِسْتِصْحابِهِ وعَلى هَذا لا تَخْرُجُ عَنِ الإشْعارِ بِبُعْدِ الزَّمَنِ ولَكِنَّ مَعْناها الأصْلِيَّ تَراخِي زَمَنِ وُقُوعِ الفِعْلِ وحُدُوثِهِ ومَعْناها المُسْتَعارَ لَهُ دَوامُ وُجُودِ الفِعْلِ وتَراخِي زَمَنِ بَقائِهِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ”ثُمَّ اسْتَقامُوا“ أيْ داوَمُوا عَلى الِاسْتِقامَةِ دَوامًا مُتَراخِيًا مُمْتَدَّ الأمَدِ، وتِلْكَ الِاسْتِقامَةُ هي المُعْتَبَرَةُ لا ما هو مُنْقَطِعٌ إلى ضِدِّهِ مِنَ الحَيْدِ إلى الهَوى والشَّهَواتِ، وكَذَلِكَ ﴿ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ﴾ الخ، أيْ يَدُومُونَ عَلى تَناسِي الإحْسانِ وعَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِهِ والِامْتِنانِ لَيْسُوا بِتارِكِيهِ في أزْمِنَةٍ ثُمَّ يَثُوبُونَ إلى الإيذاءِ وتَقْلِيدِ المَنِّ، وبِسَبَبِهِ مِثْلُهُ يَقَعُ في السِّينِ نَحْوُ ﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ إذْ لَيْسَ لِتَأخُّرِ الهِدايَةِ مَعْنًى فَيُحْمَلُ عَلى دَوامِ الهِدايَةِ الحاصِلَةِ لَهُ وتَراخِي بَقائِها وتَمادِي أمَدِها)) وهو كَلامٌ حَسَنٌ ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا ذَكَرُوهُ لِأنَّهُ أبْقى لِلْحَقِيقَةِ وأقْرَبُ لِلْوَضْعِ عَلى أحْسَنِ طَرِيقَةٍ.

والآيَةُ كَما أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ -والعُهْدَةُ عَلَيْهِ- نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أمّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَإنَّهُ «جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً، فَقالَ: كانَ عِنْدِي ثَمانِيَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَأمْسَكْتُ مِنها لِنَفْسِي وعِيالِي أرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وأرْبَعَةُ آلافٍ أُقْرِضُها رَبِّي فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : ”بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ وفِيما أعْطَيْتَ“،» وأمّا عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: عَلَيَّ جِهازُ مَن لا جِهازَ لَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَهَّزَ المُسْلِمِينَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها وتَصَدَّقَ بِرُومَةِ رَكِيَّةٍ كانَتْ لَهُ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  رافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمانَ ويَقُولُ: ”يا رَبِّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيتُ عَنْهُ فارْضَ عَنْهُ فَما زالَ رافِعًا يَدَيْهِ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ » الخ.

﴿ لَهم أجْرُهُمْ ﴾ حَسْبَما وعَدَ لَهم في ضَمِيرِ التَّمْثِيلِ وهو جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَقْيِيدِ الأجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: لَهم ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّشْرِيفِ ما لا يَخْفى وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُدْخِلَ الفاءَ في حَيِّزِ المَوْصُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ كَما في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إيهامًا بِأنَّ هَؤُلاءِ المُنْفِقِينَ مُسْتَحِقُّونَ لِلْأجْرِ لِذَواتِهِمْ وما رَكَزَ في نُفُوسِهِمْ مِن نِيَّةِ الخَيْرِ لا لِوَصْفِ الإنْفاقِ فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ بِهِ اِسْتِحْقاقٌ وصْفِيٌّ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ دَقِيقٌ لا يُهْتَدى إلَيْهِ إلّا بِتَوْفِيقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَخْلِيَةُ الخَبَرِ عَنِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها لِلْإيذانِ بِأنَّ تَرْتِيبَ الأجْرِ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ اِتِّباعِ المَنِّ والأذى أمْرٌ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِالسَّبَبِيَّةِ ﴿ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ  ﴾ المُرادُ بَيانُ دَوامِ اِنْتِفائِهِما لا بَيانُ اِنْتِفاءِ دَوامِهِما وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وذلك أن رسول الله  ، لما حثّ الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم فضة وقال: يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضتها لربي.

فقال له رسول الله  : «بارك الله لك فيما أَمْسَكْتَ وَفِيْمَا أَعْطَيْتَ» .

وقال عثمان بن عفان: يا رسول الله، علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وفي الآية مضمر، ومعناه مثل النفقة التي تنفق فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ.

وطريق آخر مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم، كمثل زارع زرع في الأرض حبة ف أَنْبَتَتْ الحبة سَبْعَ سَنابِلَ، أي أخرجت سَبْعَ سَنَابِلَ.

فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، فيكون جملتها سبعمائة.

فشبه المتصدق بالزارع، وشبه الصدقة بالبذر، فيعطيه الله بكل صدقة سبعمائة حسنة.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، أي يزيد على سبع مائة لمن يشاء، فيكون مثل المتصدق كمثل الزارع إذا كان الزارع حاذقاً في عمله، ويكون البذر جيداً، وتكون الأرض عامرة، يكون الزرع مخصباً طيباً فكذلك المتصدق، إذا كان صالحاً، والمال طيباً ويوضع في موضعه، فيصير الثواب أكثر.

وَاللَّهُ واسِعٌ، أي واسع الفضل لتلك الأضعاف، عَلِيمٌ بما ينفقون وبما نووا فيها.

قرأ ابن كثير وابن عامر: والله يضعّف بتشديد العين وحذف الألف، وقرأ الباقون يُضاعِفُ بالألف ومعناهما واحد.

فالذي قرأ يضعّف من التضعيف، والذي قرأ يُضاعِفُ من المضاعفة.

ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي يتصدقون بأموالهم ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً، أي لا يمنون عليهم بما تصدقوا عليهم ولا يؤذونهم ولا يعيرونهم بذلك، ومعنى الأذى والتعيير هو أن يقع بينه وبين الفقير خصومة، فيقول له: إني أعطيتك كذا وكذا.

وقال بعضهم: المنَّ يشبَّه بالنفاق، والأذى يشبّه بالرياء.

ثم تكلم الناس في ذلك، فقال بعضهم: إذا فعل ذلك، لا أجر له في صدقته وعليه وزرٌ فيما منَّ على الفقير به.

وقال بعضهم: ذهب أجره فلا أجر له ولا وزر عليه.

وقال بعضهم له أجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمنِّ.

ثم قال تعالى: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، أي ثوابه في الآخرة.

وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم من العذاب.

وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا من أمر الدنيا.

ويقال: الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان، حين اشترى بئر رومة، ثم جعلها سبيلاً على المسلمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قتادة: صُرْهُنَّ: فَصِّلْهن «١» ، وقال عطاء بن أبي رَبَاح «٢» : صُرْهُنَّ: اضممهن «٣» ، وقال ابن زيد: معناه: اجمعهن «٤» ، وعن ابن عباس أيضاً: أوْثِقْهُن «٥» .

وقرأ قومٌ: «فَصُرَّهُنَّ» بضم الصاد، وشدِّ الراء كأنه يقول: فشدّهنّ ومنه: صرّة الدّنانير.

قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ في الآية بيانُ شرفِ النفقة في سبيلِ اللَّه، وتحسينها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآيةُ في نفقة التطوُّع، وسبلُ اللَّهِ كثيرةٌ، وهي جميعُ ما هو طاعةٌ، وعائدٌ بمنفعةٍ على المسلمين، وعلى الملَّة وأشهرها وأعظمها غَنَاءُ الجهَاد لتكون كَلمةُ اللَّه هي العليا، والحبَّة: اسم جنْسٍ لكلِّ ما يزرعه ابن آدم، وأشهر ذلك البُرُّ، وقد يوجد في سنبل القمحِ/ ما فيه مائة حبّة، وأما في ٦٧ ب سائر الحبوب، فأكثر، وقد ورد القُرآن بأن الحسنة بعَشْر أمثالها واقتضت الآية أنَّ نفقة

الجهَادِ حسنتها بِسَبْعِمِائَةِ ضعفٍ، وبيَّن ذلك الحديث الصحيحُ، واختلف في معنى قوله سبحانه: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، فقيل: هي مبينة، ومؤكِّدة لما تقدَّم من ذكْر السَّبْعمائَةِ، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إِعلام من اللَّه تعالى بأنه يضاعف لِمَنْ يشاء أكْثَر من سبْعمائة ضعْفٍ.

ت: وأرجحُ الأقوالِ عنْدِي قولُ هذه الطائفة، وفي الحديثِ الصحيحِ عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عن ربِّه تبارَكَ وتعالى، قال: «إِنَّ اللَّهَ تعالى كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ...

» الحديثَ، رواه مسلمٌ والبخاريُّ بهذه الحروفِ «١» .

انتهى.

وقال ابن عمر: لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ:

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ...

[البقرة: ٢٤٥] الآية، فَقَالَ: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ...

«٢» [الزمر: ١٠] .

وفي الآية حذفُ مضافٍ، تقديره مَثَلُ إِنفاقِ الذين، وَكَمَثَلِ ذِي حَبَّة، وقوله تعالى:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، لَمَّا تقدَّم في الآية التي قَبْلَها ذِكْرُ فَضْلِ الإِنفاقِ في سبيلِ اللَّهِ علَى العُمُوم، بيَّن أنَّ ذلك إِنما هو لِمَنْ لم يُتْبِعْ إِنفاقَهُ منًّا ولا أذًى، وذلك أنَّ المنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، إنما يريد وجه اللَّه تعالى، ورجاء ثوابه، وأمَّا من أراد من المُنْفِقِ علَيْه جزاءً بوَجْهٍ من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجْهَ اللَّهِ تعالى، وهذا هو الذي متى أخلفه طنه، مَنَّ بالإِنفاق وآذى، إِذ لم يكُنْ إِنفاقه مخلصاً لوجه اللَّه، فالمَنُّ والأذى مُبْطِلانِ للصَّدقة، وهما كاشفان لمقاصد المُنْفِقينَ، والمَنُّ: ذِكْرُ النِّعمة على معنى التعديدِ لها، والتقْريعِ بها، والأَذَى: السَّبُّ والتشكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ، لأن المَنَّ جزء من الأذى، ولكنَّه نصَّ عليه لكثرة وقوعه، وقال زيدُ بْنُ أسْلَم: لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ على من أنفقْتَ علَيْه، تريدُ وجْهَ اللَّه، فلا تسلِّم علَيْه «٣» ، وقالَتْ له امرأةٌ: «يا أبا أُسَامَة، دُلَّنِي على رجل يخرج

في سَبِيلِ اللَّهِ حقًّا فإِنهم إِنما يخرجُون ليأْكُلُوا الفواكه، فإِنَّ عندي أَسْهُماً وجَعْبَةً «١» ، فقالَ لَهَا: لاَ بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمِكِ وَجَعْبَتِكِ، فَقَدْ آذيتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ» .

وتضمَّن اللَّه الأَجْرَ للمُنْفِقِ في سبيلِ اللَّه، والأجْرُ: الجَنَّة، ونفى عنه الخوْفَ لما يستقبلُ، والحُزْنَ على ما سَلَف من دنْياه لأنه يغتبط بآخِرَتِهِ.

ت: وممَّا جاء من صحيح الآثار في هذا البابِ ما رواه مالِك في «الموطَّإ» ، عن ابن شِهَابٍ، عن حُمَيْد بن عَبْد الرحمنِ بْن عَوْف «٢» ، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ/، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهل الجهاد، دعي من باب ٦٨ أالجهاد، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا على مَنْ يدعى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يدعى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟

قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» «٣» ، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد» «٤» : في هذا الحديثِ من الفقْه: [والفضائل] الحضُّ على الإِنفاقِ في سبل الخير، ومعنى زوجَيْنِ، أي: شيئين من نوعٍ واحدٍ نحو درهمَيْن، أو دينارَيْن، أو فرسَيْن، أو قميصَيْن، هكذا قال أهل العلْمِ، وفيه: أَنَّ من أكثر مِنْ شيء، عُرِفَ به، ونُسِبَ إِلَيْه ألا ترى إِلى قوله: «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ» ، يريد: من أكثر

منها، فنُسِبَ إِلَيْها لأن الجميع من أهل الصلاة وكذلك: مَنْ أكثر من الجهادِ، ومِنَ الصيامِ على هذا المعنى، والرَّيَّانُ: فَعْلاَن من الرِّيِّ، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب:

إِعطاؤه ثوابَ العامِلِينَ تلْكَ الأعمال، ونَيْلُه ذلك، واللَّه أعلم، وفيه: أنّ للجنّة أبواب، يعني: متعدِّدة بحَسَب الأعمال.

انتهى.

وروى ابن أبي شيبة في «مسنده» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أنَّ لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابَاً مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُدْعَوْنَ فِيهِ بِذَلِكَ العَمَلِ» «١» .

هذا لفظه على ما نقله صاحب «الكوكب الدري» .

انتهى.

قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً: هذا إِخبارٌ، جزم من اللَّه تعالى أنَّ القول المعروفَ وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند اللَّه- خير من صدقة، هي في ظاهرِهَا صدَقَةٌ، وفي باطنها لا شَيْء لأن ذلك القوْلَ المعروفَ فيه أجْر، وهذه لا أجْر فيها، والمَغْفِرَة: السَّتْر للخَلَّة، وسوءِ حالة المُحْتَاجِ ومِنْ هذا قولُ الأعرابيِّ، وقد سأل قوماً بكلامٍ فصيحٍ، فقال له قائلٌ: مِمَّنِ الرجُل؟

فَقَالَ: «اللَّهُمَّ غَفْراً، سُوءُ الاِكْتِسَابِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِسَابِ» .

وقال النَّقَّاشُ يقال: معناه: ومغفرةٌ للسائلِ إِنْ أغلظ أو جفا، إِذا حُرِم.

ثم أخبر تعالى بغنَاهُ عن صدَقَةِ مَنْ هذه حالُهُ، وحلْمِهِ عَمَّن يقع منه هذا وإِمهالِهِ.

وحدَّث [ابن] الجَوْزِيِّ «٢» في «صَفْوة الصَّفْوَة» بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النّعمان «٣»

الصحابيِّ- رضي اللَّه عنه- قال، لَمَّا كُفَّ بصره، جعل خيطاً في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلاً فيه تَمْرٌ وغير ذلك، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر، ثم أخذ من ذلك الخَيْط حتى يأخذ إِلى باب الحُجْرة، فيناوله المِسْكِين، فكان أهله يقولُونَ:

نَحْنُ نَكْفِيكَ، فيقولُ: سَمِعْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ» انتهى «١» .

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ...

الآية.

العقيدةُ أنَّ السيئات لا تبطل الحسنَاتِ، فقال جُمْهُورُ العلماء في هذه الآية: إِن الصدقة التي يعلم اللَّه من صاحبها أنه يمنُّ بها أو يؤذِي فإنها لا تُتقبَّلُ صدَقَةً، وقيل: بل يجعل اللَّه للمَلَكِ علَيْها أمارةً، فهو لا يكتبها، قال ع «٢» : وهذا حسنٌ لأن المانَّ المُؤْذِيَ لم تكُنْ نيَّته خالصةً للَّه سبحانه، فلم تترتَّب له صدقةٌ، فهذا هو البطلانُ بالمَنِّ والأذى، وهما لا يبطلان صدَقَةً غيرها سالمةَ النية.

ثم مثَّل اللَّه سبحانه هذا الَّذي يَمُنُّ ويؤذي بحَسَب مقدِّمه نيته بالذي ينفقُ رياءً، لا لوجْه اللَّه/، والرِّيَاءُ: مصدرٌ من «فَاعَلَ» من الرؤية: كأنّ الرياءَ تظاهر، وتفاخر بين من لا ٦٨ ب خير فيه من الناس.

قال المَهْدَوِيُّ: والتقدير: كإِبطال الذي ينفقُ ريَاءً.

وقوله تعالى: وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يحتمل أنْ يريد الكافر أو المنافق إِذْ كلٌّ منهما ينفق ليقال: جَوَاد، ثم مثَّل سبحانه هذا المُنْفِقَ رياءً بِصَفْوَانٍ عليه ترابٌ، فيظنه الظانُّ أرضاً منْبِتَةً طيِّبةً كما يظنُّ قومٌ أنَّ صدقة هذا المرائي لها قَدْر، أو معنًى، فإِذا أصاب الصَّفْوَانَ وابلٌ من المَطَر، انكشف ذلك التُّرَاب، وبقي صَلْداً، فكذلك هذا المرائي، إِذا كان يوم القيامة، وحضرت الأعمال، انكشَفَ سرُّه، وظهر أنه لا قَدْر لصدَقَاته، ولا مَعْنَى، والصَّفْوَانُ: الحَجَر الكبيرُ الأملَسُ، والوَابِلُ: الكثير القَوِيُّ من المَطَر وهو الذي يُسَيِّلُ وجْهَ الأرْضِ، والصَّلْدُ من الحجارة: الأملَسُ الصُّلْب الذي لا شيْء فيه، ويستعار للرأسِ الذي لا شَعْرَ فيه.

وقوله تعالى: لاَّ يَقْدِرُونَ يريد: الذين يتفقُونَ رياءً، أي لا يقدرون على الاِنتفاع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ في نَفَقَتِهِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وشِرائِهِ بِئْرَ رُومَةَ، رَكِيَّةً بِالمَدِينَةِ، تَصَدَّقَ بِها عَلى المُسْلِمِينَ.

وفي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِأرْبَعَةِ آَلافِ دِرْهَمٍ، وكانَتْ نِصْفَ مالِهِ.

وأمّا المَنُّ فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُها: أنَّهُ المَنُّ عَلى الفَقِيرِ، ومِثْلُ أنْ يَقُولَ: قَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ ونَعَشْتُكَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ المَنُّ عَلى اللَّهِ بِالصَّدَقَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَدَحَهم بِتَرْكِ المَنِّ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالمَنّانِ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ يُقالُ: مِن فُلانٍ عَلى فُلانٍ: إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ، فَهَذا المَمْدُوحُ، قالَ الشّاعِرُ: فَمُنِّي عَلَيْنا بِالسَّلامِ فَإنَّ ما كَلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ أرادَ بِالمَنِّ الإنْعامَ.

وأمّا الوَجْهُ المَذْمُومُ، فَهو أنْ يُقالَ: مِن فُلانٍ عَلى فُلانٍ: إذا اسْتَعْظَمَ ما أعْطاهُ، وافْتَخَرَ بِذَلِكَ، قالَ الشّاعِرُ في ذَلِكَ: أنَلْتَ قَلِيلًا ثُمَّ أسْرَعْتَ مِنَّةً ∗∗∗ فَنَيْلُكَ مَمْنُونٌ كَذاكَ قَلِيلُ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ.

وفي الأذى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مُواجَهَةُ الفَقِيرِ بِما يُؤْذِيهِ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ لَهُ: أنْتَ أبَدًا فَقِيرٌ، وقَدْ بُلِيتُ بِكَ، وأراحَنِي اللَّهُ مِنكَ، والثّانِي: أنْ يُخْبِرَ بِإحْسانِهِ إلى الفَقِيرِ، مَن يُكْرَهُ الفَقِيرُ اطِّلاعَهُ عَلى ذَلِكَ، وكِلا القَوْلَيْنِ يُؤْذِي الفَقِيرَ ولَيْسَ مِن صِفَةِ المُخْلِصِينَ في الصَّدَقَةِ.

ولَقَدْ حَدَّثَنا عَنْ حَسّانِ بْنِ أبِي سِنانٍ أنَّهُ كانَ يَشْتَرِي أهْلَ بَيْتِ الرَّجُلِ وعِيالَهُ، ثُمَّ يُعْتِقُهم جَمِيعًا، ولا يَتَعَرَّفُ إلَيْهِمْ، ولا يُخْبِرُهم مَن هو.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ لَفْظُها بَيانُ مَثَلٍ بِشَرَفِ النَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ وبِحُسْنِها، وضَمَّنَها التَحْرِيضَ عَلى ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في نَفَقَةِ التَطَوُّعِ، وسُبُلُ اللهِ كَثِيرَةٌ، وهي جَمِيعُ ما هو طاعَةٌ وعائِدٌ بِمَنفَعَةٍ عَلى المُسْلِمِينَ والمِلَّةِ، وأشْهَرُها وأعْظَمُها غِناءً الجِهادُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا.

والحَبَّةُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَزْرَعُهُ ابْنُ آدَمَ ويَقْتاتُهُ، وأشْهَرُ ذَلِكَ البُرُّ، وكَثِيرًا ما يُرادُ بِالحَبِّ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ: آلَيْتَ حَبَّ العِراقِ الدَهْرَ أطْعَمُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُوسُ وقَدْ يُوجَدُ في سُنْبُلِ القَمْحِ ما فِيهِ مِائَةُ حَبَّةٍ، وأمّا في سائِرِ الحُبُوبِ فَأكْثَرُ ولَكِنَّ المِثالَ وقَعَ بِهَذا القَدْرِ، وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِأنَّ الحَسَنَةَ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ بِعَشْرِ أمْثالِها، واقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ نَفَقَةَ الجِهادِ حَسَنَتُها بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وبَيَّنَ ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَحِيحُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي مُبَيِّنَةٌ ومُؤَكِّدَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ السَبْعِ المِائَةِ، ولَيْسَ ثَمَّةَ تَضْعِيفٌ فَوْقَ سَبْعِمِائَةٍ.

وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَلْ هو إعْلامٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ أكْثَرَ مِن سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَضْعِيفَ يَنْتَهِي - لِمَن شاءَ اللهُ - إلى ألْفَيْ ألْفٍ، ولَيْسَ هَذا بِثابِتِ الإسْنادِ عنهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ "رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ  ﴾ فَقالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّما يُوَفّى الصابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ  ﴾ .» و"سُنْبُلَةٍ" فُنْعُلَةٌ مِن أسْبَلَ الزَرْعُ أيْ أرْسَلَ ما فِيهِ، كَما يُسْبَلُ الثَوْبُ، والجَمْعُ سَنابِلٌ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ ﴾ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ إنْفاقِ الَّذِينَ، أو تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ ذِي حَبَّةٍ.

وقالَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ مَعْناهُ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ، وإلّا فَعَلى أنْ نَفْرِضَهُ، ثُمَّ أدْخَلَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّهُ قالَ: ﴿ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ مَعْناهُ: كُلُّ سُنْبُلَةٍ أنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ، فَجَعَلَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ الضَحّاكِ نَحْوَ ما قالَ هُوَ، وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ مِن لَفْظِ الضَحّاكِ.

قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ بَعْضُهُمْ: "مِائَةَ" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ ﴾ الآيَةُ.

لَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ذِكْرُ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ عَلى العُمُومِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ إنَّما هو لِمَن لَمْ يُتْبِعْ إنْفاقَهُ مَنًّا ولا أذىً.

وذَلِكَ أنَّ المُنْفِقَ في سَبِيلِ اللهِ إنَّما يَكُونُ عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوجُهٍ - إمّا أنْ يُرِيدَ وجْهَ اللهِ تَعالى ويَرْجُوَ ثَوابَهُ، فَهَذا لا يَرْجُو مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ شَيْئًا ولا يَنْظُرُ مِن أحْوالِهِ في حالٍ سِوى أنْ يُراعِيَ اسْتِحْقاقَهُ، وإمّا أنْ يُرِيدَ مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ جَزاءً بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهَذا لَمْ يُرِدْ وجْهَ اللهِ، بَلْ نَظَرَ إلى هَذِهِ الحالِ مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ، وهَذا هو الَّذِي مَتى أخْلَفَ ظَنَّهُ مَنَّ بِإنْفاقِهِ وآذى، وإمّا أنْ يُنْفِقَ مُضْطَرًّا دافِعَ غُرْمٍ إمّا لِماتَّةٍ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أو قَرِينَةٍ أُخْرى مِنَ اعْتِناءِ مُنْفِقٍ ونَحْوِهِ، فَهَذا قَدْ نَظَرَ في حالٍ لَيْسَتْ لِوَجْهِ اللهِ، وهَذا هو الَّذِي مَتى تُوبِعَ وحَرِجَ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحَرَجِ آذى.

فالمَنُّ والأذى يَكْشِفانِ مِمَّنْ ظَهَرا مِنهُ أنَّهُ إنَّما كانَ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَقاصِدِ، وأنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ لِوَجْهِ اللهِ، فَلِهَذا كانَ المَنُّ والأذى مُبْطِلَيْنِ لِلصَّدَقَةِ مِن حَيْثُ بَيَّنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنَّها لَمْ تَكُنْ صَدَقَةً.

وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وقِيلَ: في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: في عُثْمانَ وابْنِ عَوْفٍ.

والمَنُّ: ذِكْرُ النِعْمَةِ عَلى مَعْنى التَعْدِيدِ لَها والتَقْرِيعِ بِها - والأذى: السَبُّ والتَشَكِّي، وهو أعَمُّ مِنَ المَنِّ، لِأنَّ المَنَّ جُزْءٌ مِنَ الأذى لَكِنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ.

وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ في الجِهادِ، بَلْ يُنْفِقُونَ وهم قُعُودٌ، وأنَّ الأُولى الَّتِي قَبْلَها هي في الَّذِينَ يَخْرُجُونَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، قالَ: وَلِذَلِكَ شَرَطَ عَلى هَؤُلاءِ، ولَمْ يَشْتَرِطْ عَلى الأوَّلِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ، لِأنَّ التَحَكُّمَ فِيهِ بادٍ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سَلامَكَ يَثْقُلُ عَلى مَن أنْفَقْتَ عَلَيْهِ تُرِيدُ وجْهَ اللهِ فَلا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ" وقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: "يا أبا أُسامَةَ، دُلَّنِي عَلى رَجُلٍ يَخْرُجُ في سَبِيلِ اللهِ حَقًّا فَإنَّهم إنَّما يَخْرُجُونَ لِيَأْكُلُوا الفَواكِهَ، فَإنَّ عِنْدِي أسْهُمًا وجَعْبَةً"، فَقالَ لَها: "لا بارَكَ اللهُ في أسْهُمِكِ وجَعْبَتِكِ فَقَدْ آذَيْتِهِمْ قَبْلَ أنْ تُعْطِيهِمْ".

وضَمِنَ اللهُ الأجْرَ لِلْمُنْفِقِ في سَبِيلِ اللهِ، والأجْرُ الجَنَّةُ، ونَفِي عنهُ الخَوْفَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِما يَسْتَقْبِلُ، والحُزْنَ عَلى ما سَلَفَ مِن دُنْياهُ، لِأنَّهُ يَغْتَبِطُ بِآخِرَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود إلى التحريض على الإنفاق في سبيل الله، فهذا المثَل راجع إلى قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ﴾ [البقرة: 254].

وهو استئناف بياني لأنّ قوله: ﴿ من قبللِ أن يأتي يوم لا بيع فيه ﴾ [البقرة: 254] الآية يثير في نفوس السامعين الاستشراف لما يلقاه المنفق في سبيل الله يومئذ بعد أن أعقب بدلائل ومواعظ وعبر وقد تهيّأت نفوس السامعين إلى التمحّض لهذا المقصود فأطيل الكلام فيه إطالة تناسب أهميته.

وقوله: ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ تشبيه حال جزائهم وبركتهم، والصلة مؤذنة بأنّ المراد خصوص حال إنفاقهم بتقدير مَثَلُ نفقةِ الدين.

وقد شبه حالُ إعطاء النفقة ومصادفتها موقعها وما أعطي من الثواب لهم بحال حبَّة أنبتت سبع سنابل إلخ، أي زُرعت في أرض نقية وتراب طيّب وأصابها الغيث فأنبتت سبع سنابل.

وحذف ذلك كله إيجازاً لظهور أنّ الحبّة لا تنبت ذلك إلاّ كذلك، فهو من تشبيه المعْقول بالمحسوس والمشبه به هيأة معلومة، وجعل أصل التمثيل في التضعيف حبّة لأنّ تضعيفها من ذاتها لا بشيء يزاد عليها، وقد شاع تشبيه المعروف بالزرع وتشبيه الساعي بالزارع، وفي المثل «رُب ساع لقاعد وزَارع غيرِ حاصد».

ولما كانت المضاعفة تنسب إلى أصل وحدة، فأصل الوحدة هنا هي ما يثيبُ الله به على الحسنات الصغيرة، أي ما يقع ثواباً على أقلّ الحسنات كمن همّ بحسنة فلم يعملها، فإنّه في حسنة الإنفاق في سبيل الله يكون سبعمائة ضعف.

` قال الواحدي في أسباب النزول وغيرُه: إنّ هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف؛ ذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك حث الناس على الإنفاق في سبيل الله.

وكان الجيشُ يومئذ بحاجة إلى الجهاز وهو جيش العُسْرة فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقال عثمان بن عفان: «عَلَيّ جهاز من لا جهاز له» فجَهّز الجيش بألف بعير بأقْتَابها وأحْلاسِهَا وقيل جاء بألف دينار ذهباً فصبّها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى قوله: ﴿ والله يضعاف لمن يشاء ﴾ أنّ المضاعفة درجات كثيرة لا يعلمها إلاّ الله تعالى؛ لأنّها تترتّب على أحوال المتصدّق وأحوال المتصدّق عليه وأوقات ذلك وأماكنه.

وللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك مما يحفّ بالصدقة والإنفاق، تأثير في تضعيف الأجر، والله واسع عليم.

وأعاد قوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ إظهاراً للاهتمام بهذه الصلة.

وقوله: ﴿ ثم لا يتبعون ﴾ جاء في عطفه بشم مع أنّ الظاهر أن يعطف بالواو، قال في «الكشاف»: «لإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى، وإنّ تركهما خير من نفس الإنفاق»؛ يعني أنّ ثم للترتيب الرتبي لا للمهلة الزمنية ترفيعاً لرتبة ترك المنّ والأذى على رتبة الصدقة؛ لأنّ العطاء قد يصدر عن كرم النفس وحبّ المحمدة فللنفوس حظّ فيه مع حظّ المعطَى، بخلاف ترك المنّ والأذى فلا حظ فيه لِنفس المعطي؛ فإنّ الأكثر يميلون إلى التبجّح والتطاول على المعطَى، فالمهلة في (ثم) هنا مجازية؛ إذ شُبِّه حصول الشيء المهم في عزّة حصوله بحصول الشيء المتأخّر زمنه، وكأنّ الذي دعا الزمخشري إلى هذا أنّه رأى معنى المهلة هنا غير مراد لأنّ المراد حصول الإنفاق وترك المنّ معاً.

والمنّ أصله الإنعام والفضل، يقال مَنّ عليه مَنَّا، ثم أطلق على عدّ الإنعام على المنعَم عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ [المدثر: 6]، وَهو إذا ذُكر بعد الصدقة والعطاء تعيّن للمعنى الثاني.

وإنّما يكون المنّ في الإنفاق في سبيل الله بالتطاول على المسلمين والرياء بالإنفاق، وبالتطاول على المجاهدين الذين يُجَهِّزهم أو يَحْملهم، وليس من المنّ التمدّح بمواقف المجاهد في الجهاد أو بمواقف قومِه، فقد قال الحُريش بن هلال القريعي يذكر خَيْله في غزوة فتح مكة ويوم حنين: شَهِدنَ مع النبي مُسَوّمَاتٍ *** حُنينا وهْيَ دَاميَةُ الحَوامِي ووقْعَةَ خالدٍ شَهِدَت وحَكَّتْ *** سَنَابِكَها علَى البَلَد الحَرَامِ وقال عباس بن مرداس يتمدّح بمواقع قومه في غزوة حنين: حَتَّى إذا قال النبيءُ محمدٌ *** أبَنِي سُلَيْممٍ قَدْ وَفَيْتُم فأرجِعوا عُدْنَا ولَوْلاَ نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعَهُمْ *** بالمُسْلمين وأحرَزُوا مَا جَمَّعوا والأذى هو أن يؤذي المنفِق من أنفق عليه بإساءة في القول أو في الفعل قال النابغة: عليّ لِعمروٍ نعمة بعد نعمة *** لوالده ليست بذات عقارب فالمقصد الشرعي أن يكون إنفاق المنفق في سبيل الله مراداً به نصر الدين ولا حظّ للنفس فيه، فذلك هو أعلى درجات الإنفاق وهو الموعود عليه بهذا الأجر الجزيل، ودون ذلك مراتب كثيرة تتفاوت أحوالها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى ﴾ المَنُّ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ ونَعَّشْتُكَ، والأذى أنْ يَقُولَ: أنْتَ أبَدًا فَقِيرٌ، ومَن أبْلانِي بِكَ، مِمّا يُؤْذِي قَلْبَ المُعْطى.

﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي ما اسْتَحَقُّوهُ فِيما وعَدَهم بِهِ عَلى نَفَقَتِهِمْ.

﴿ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في فَواتِ الأجْرِ.

والثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في أهْوالِ الآخِرَةِ.

﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما أنْفَقُوهُ.

والثّانِي: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوهُ.

وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما أنْفَقَهُ عَلى جَيْشِ العُسْرَةِ في غَزاةِ تَبُوكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ يَعْنِي قَوْلًا حَسَنًا بَدَلًا مِنَ المَنِّ والأذى ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُدْنِيَ إنْ أعْطى.

والثّانِي: يَدْعُو إنْ مَنَعَ.

( ومَغْفِرَةٌ ) فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي العَفْوَ عَنْ أذى السّائِلِ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ السَّلامَةَ مِنَ المَعْصِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَرْكُ الصَّدَقَةِ والمَنعُ مِنها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والرّابِعُ: هو يَسْتُرُ عَلَيْهِ فَقْرَهُ ولا يَفْضَحُهُ بِهِ.

﴿ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى ﴾ يَحْتَمِلُ الأذى هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَنُّ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّعْيِيرُ بِالفَقْرِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: خَيْرٌ مِنها عَلى العَطاءِ.

والثّانِي: خَيْرٌ مِنها عِنْدَ اللَّهِ.

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (المَنّانُ بِما يُعْطِي لا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ ولا يُزَكِّيهِ ولَهُ عَذابٌ ألِيمٌ)» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى ﴾ يُرِيدُ إبْطالَ الفَضْلِ دُونَ الثَّوابِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: إبْطالَ مَوْقِعِها في نَفْسِ المُعْطى.

﴿ كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ القاصِدُ بِنَفَقَتِهِ الرِّياءَ غَيْرُ مُثابٍ، لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وجْهَ اللَّهِ، فَيَسْتَحِقُّ ثَوابَهُ، وخالَفَ صاحِبُ المَنِّ والأذى القاصِدَ وجْهَ اللَّهِ المُسْتَحِقَّ ثَوابَهُ، وإنْ كَرَّرَ عَطاءَهُ وأبْطَلَ فَضْلَهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ ﴾ الصَّفْوانُ: جَمْعُ صَفْوانَةٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَجَرُ الأمْلَسُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَفائِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ألْيَنُ مِنَ الحِجارَةِ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.

﴿ فَأصابَهُ وابِلٌ ﴾ وهو المَطَرُ العَظِيمُ القَطْرِ، العَظِيمُ الوَقْعِ.

﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ الصَّلْدُ مِنَ الحِجارَةِ ما صَلُبَ، ومِنَ الأرْضِ ما لَمْ يُنْبِتْ، تَشْبِيهًا بِالحَجَرِ الَّذِي لا يُنْبِتُ.

﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا ﴾ يَعْنِي مِمّا أنْفَقُوا، فَعَبَّرَ عَنِ النَّفَقَةِ بِالكَسْبِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِها الكَسْبَ، فَضَرَبَ هَذا مَثَلًا لِلْمُرائِي في إبْطالِ ثَوابِهِ، ولِصاحِبِ المَنِّ والأذى في إبْطالِ فَضْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: علم الله أن ناساً يمنون بعطيتهم، فكره ذلك وقدم فيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: إن أقواماً يبعثون الرجل منهم في سبيل الله، أو ينفق على الرجل ويعطيه النفقة ثم يمنه ويؤذيه، ومنه يقول: أنفقت في سبيل الله كذا وكذا غير محتسبه عند الله، وأذى يؤذي به الرجل الذي أعطاه ويقول: ألم أعطك كذا وكذا؟

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل البراء بن عازب فقال: «يا براء كيف نفقتك على أمك؟» - وكان موسعاً على أهله- فقال: يا رسول الله ما أحسنها.

قال: «فإن نفقتك على أهلك وولدك وخادمك صدقة، فلا تتبع ذلك مناً ولا أذى» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنفقتم على أهليكم في غير إسراف ولا إقتار فهو في سبيل الله» .

وأخرج الطبراني عن كعب بن عجرة قال: «مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان «» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أيوب قال: «أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم رجل من رأس تل فقالوا: ما أجلد هذا الرجل!

لو كان جلده في سبيل الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم» أوليس في سبيل الله إلا من قتل؟

ثم قال: من خرج في الأرض يطلب حلالاً يكف به والديه فهو في سبيل الله، ومن خرج يطلب حلالاً يكف به أهله فهو في سبيل الله، ومن خرج يطلب حلالاً يكف به نفسه فهو في سبيل الله، ومن خرج يطلب التكاثر فهو في سبيل الشيطان «» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سعى على والديه ففي سبيل الله، ومن سعى على عياله ففي سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها ففي سبيل الله، ومن سعى على التكاثر فهو في سبيل الشيطان» .

وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن أبي عبيدة بن الجراح «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضاً أو أماط أذى عن طريق فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فله حظه» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة» .

وأخرج البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك» .

وأخرج أحمد عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنفق على نفسه نفقة ليستعف بها فهي صدقة، ومن أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهي صدقة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله «ما أنفق المرء على نفسه وأهله وولده وذي رحمه وقرابته فهو له صدقة» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى عن عمرو بن أمية «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أعطى الرجل أهله فهو له صدقة» .

وأخرج أحمد والطبراني عن العرباض بن سارية «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرجل إذا سقى امرأته من الماء أجر» .

وأخرج أحمد والطبراني عن أم سلمة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أنفق على ابنتين، أو أختين، أو ذواتي قرابة، يحتسب النفقة عليهما حتى يغنيهما من فضل الله أو يكفهما كانتا له ستراً من النار» .

وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن عوف بن مالك.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يكون له ثلاث بنات فينفق عليهن حتى يبن أو يمتن إلا كن له حجاباً من النار.

فقالت امرأة: أو بنتان؟

فقال: أو بنتان» .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة قالت: «دخلت علي امرأة ومعها بنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً سوى تمرة واحدة فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت وخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال» من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار «» .

وأخرج مسلم عن عائشة قالت: «جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال» إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار «» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عال جاريتين حتى تبلغا دخلت أنا وهو في الجنة كهاتين» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن حبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عال ابنتين أو ثلاثاً، أو أختين أو ثلاثاً، حتى يمتن أو يموت عنهن كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كفل يتيماً له ذو قرابة أو لا قرابة له فأنا وهو في الجنة كهاتين، وضم أصبعيه.

ومن سعى على ثلاث بنات فهو في الجنة وكان له كأجر مجاهد في سبيل الله صائماً قائماً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وابن حبان عن ابن الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن.

وفي لفظ: فأدبهن، وأحسن إليهن، وزوّجهن، فله الجنة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب والبزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كن له ثلاث بنات يؤويهن، ويرحمهن، ويكفلهن، وينفق عليهن، وجبت له الجنة البتة.

قيل: يا رسول الله فإن كانتا اثنتين؟

قال: وإن كانتا اثنتين.

قال: فرأى بعض القوم أن لو قال واحدة لقال واحدة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كن له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن، وضرائهن، وسرائهن، أدخله الله الجنة برحمته إياهن.

فقال رجل: واثنتان يا رسول الله؟

قال: واثنتان.

قال رجل: يا رسول الله وواحدة؟

قال: وواحدة» .

وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، فاطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته، كن له حجاباً من النار» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾ إلى قوله ﴿ مَنًّا وَلَا أَذًى ﴾ المنّ في اللغة على وجوه: يكون بمعنى الإنعام، يقال: قد منَّ عليَّ فلان: إذا أَفْضَل وأَنْعَم، ولفلان عليّ منّة، أي: نعمة، أنشد ابن الأنباري: فمِنّي عَلَيْنَا بالسَّلامِ فَإِنَّما ...

كلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ (١)  : "ما من الناس أحد أمنّ علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة (٢) يريد: أنعم وأسمح بماله، ولم يرد المنة التي تهدم الصنيعة، والله تعالى يُوصَفُ بأنه مَنَّان، أي: منعم.

قال أهل اللغة: المن: الإحسانُ إلى من لا يستثيبه، ولهذا يقال: الله تعالى منّان، لأن إحسانه إلى الخلق ليس لطلب ثواب، ومن هذا قوله: ﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ  ﴾ أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثرَ مما أعطيت (٣) والمنّ في اللغة أيضًا: النقص من الحق والبخس له، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ  ﴾ يقال: غير مقطوع، وغير منقوص، ومن هذا يسمى الموت: مَنُونًا؛ لأنه يُنْقِصُ الأَعْدَاد، ويقطع الأعمار (٤) ومن هذا: المِنَّةُ المذمومة؛ لأنها تُنْقِصُ النعمة وتُكَدِّرُها، قال الشاعر في المِنَّةِ المَذْمومة: أَنَلْتَ قليلًا ثم أسْرعَت مِنَّةً ...

فَنَيْلُكَ مَمْنُون (٥) (٦) فالمراد بالمن الذي في الآية: المنُّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة (٧) والعَرَبُ تتمدّح بترك المنِّ بالنعمة، قال قائلهم: زَادَ مَعْروفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ...

أنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حقيرْ تَتَنَاسَاهُ كأنْ لم تَأتِهِ ...

وهو في العالم مَشْهورٌ كبيرْ (٨) قال المفسرون: معنى المنّ المذكور في الآية: هو أن يقول: قد أحسنت إلى فلان، ونَعَشْتُه (٩) (١٠) والأذى: هو أن يذكر إحسانه لمن لا يحب الذي أحسن إليه وقوفه عليه، وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذيه (١١) (١) البيت أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 317 دون نسبة إلى قائل، وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري.

(٢) أخرجه البخاري (466) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر من المسجد، ومسلم (2382) كتاب: "فضائل الصحابة"، باب: من فضائل أبي بكر، والإمام أحمد في "مسنده" واللفظ له حديث رقم (15492).

(٣) في (ي): (أعطيتك).

(٤) ينظر في معاني المن: "تهذيب اللغة" 4/ 3459 - 3460 (مادة: منن)، "المفردات" 477، "لسان العرب" 7/ 4279، "عمدة الحفاظ" 4/ 131 - 132.

وذكر الراغب أن المنة يراد بها: النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: منَّ فلان على فلان، إذا أثقله بالنعمة ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى.

والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، ويقبح ذلك، قيل: المنة تهدم الصنيعة، ولحسن ذكرها عند الكفران قيل: إذا كفرت النعمة حسنت== المنة، وقوله: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ  ﴾ فالمنة منهم بالقول، ومنة الله عليهم بالفعل وهو هدايته إياهم كما ذكر.

(٥) في (ش): (مذموم).

(٦) البيت أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 317 دون نسبة إلى قائل وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري.

(٧) في (ي): (في الصنعة).

(٨) البيتان من قول الخُرَيمي، نسبهما إليه في "عيون الأخبار" 3/ 160، و"دلائل الإعجاز" 1/ 360 وروايتهم، وعند الناس بدل في العالم.

(٩) في (م): (تعيشته).

(١٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 1564 - 1566.

(١١) "تفسير الثعلبي" 2/ 1564.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يُنْفِقُونَ ﴾ الآية: قيل نزلت في عثمان، وقيل في عليّ وقيل في عبد الرحمن بن عوف ﴿ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾ المن: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، والأذى السبب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أنبتت سبع ﴾ وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ يضعف ﴾ وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعف ﴾ ﴿ رياء الناس ﴾ غير مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف.

الباقون بالهمزة.

﴿ الكافرين ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن ﴿ بربوة ﴾ بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم.

الباقون بضمها ﴿ أكلها ﴾ وبابه ساكنة الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف ﴿ بما يعملون بصير ﴾ بالياء التحتانية: أبو/ عون عن قنبل.

الباقون بالتاء للخطاب.

الوقوف: ﴿ مائة حبة ﴾ ط، ﴿ لمن يشاء ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج لعطف المختلفتين، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ أذى ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه، ﴿ والأذى ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالاً مثل إبطال الذي، ﴿ الآخر ﴾ ط، ﴿ صلدا ﴾ ط، ﴿ كسبوا ﴾ ط، ﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ ضعفين ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب واتحاد الكلام، ﴿ فطل ﴾ ط، ﴿ بصير ﴾ ه، ﴿ الأنهار ﴾ (لا) لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً، ﴿ الثمرات ﴾ (لا) لأن الواو وللحال، ﴿ ضعفاء ﴾ ص والوصل أولى والوقف على ﴿ فاحترقت ﴾ ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها كذا في حال كذا؟

﴿ تتفكرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان التكاليف والأحكام.

قال القاضي في كيفية النظم: إنه  لما أجمل في قوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة  ﴾ ، فصّل بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثاً كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأصول داعياً إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً وهو من الواحد إلى سبعمائة.

وعن الأصم أنه  ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي  ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته.

وقيل: إنه  لما بين أنه وليّ المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بيّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.

قلت: لما بين صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها العباد بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال ﴿ مثل الذين ﴾ ولا بد من إضمار ليصح التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة.

وسبيل الله دينه.

فقيل الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير.

والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.

ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة.

وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد في الجاورس والذرة وغيرهما مثل ذلك.

وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة.

﴿ والله يضاعف ﴾ أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها/ لمن يستحق ذلك في مشيئته.

﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه غير متناه ﴿ عليم ﴾ بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده.

ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، والمنّ قد يراد به الإنعام قال تعالى ﴿ ولا تمنن تستكثر  ﴾ وقد يراد به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل: صنوان مٌَّن مُنِحَ سائله ومَنٌّ منع نائله وضنّ.

وذلك لما فيه من انكسار قلب الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله.

وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا يترقى نظرهن من المسحوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات.

وأما الأذى فمهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدل إليه ويقول له: ألست إلا مبرماً وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي ﴿ لهم أجرهم ﴾ وقال فيما يجيء ﴿ فلهم أجرهم  ﴾ لأن الموصول ههنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو أن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب استحقاق الأجر وطرحها عارٍ عن تلك الدلالة.

ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب.

﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق.

ولا يحزنون بالفوات كقوله ﴿ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً  ﴾ والمراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر.

ويعلم من قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ أن قوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله ﴿ ثم لا يتبعون ﴾ أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن الاعتداد بها.

احتجت المعتزلة بالآية من وجهين: الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل.

الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ثواب له أصلاً، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟

﴿ قول معروف ﴾ تقبله القلوب ولا تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة ﴿ ومغفرة ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من جهة السائل بأن يعذر المسؤول إذا رده رداً جميلاً ﴿ خير من صدقة يتبعها أذى ﴾ لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر.

وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا إضرار، فكان الأولى ﴿ ومن الناس ﴾ الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا يحل منعه ولا رد السائل فيه.

ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير ﴿ والله غني ﴾ عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟

﴿ حليم ﴾ عن معاجلته بالعقوبة إذا مَنّ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد.

ثم إنه  ضرب لكل واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلاً فقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، ﴿ كالذي ﴾ أي كإبطال المنافق الذي ﴿ ينفق ماله رئاء الناس ﴾ وهو أن يرائي بعمله غيره ولا يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائداً إلى المنافق على أنه  شبه المانّ بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق بالحجر.

وإما أن يعود إلى المانِّ المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه بالحجر.

والصفوان الحجر الأملس، الوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق.

وهذا المثل ضربه الله لعمل المانِّ المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله  ولم يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب.

وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المنَّ والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير.

فعلى مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل.

وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل، وعن القفال: ان عمل المانِّ مشبه بما إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودع بذره خالياً لا شيء فيه.

ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة؟

وعلى هذا فقوله ﴿ لا يقدرون على شيء ﴾ الضمير فيه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المانُّ والمؤذي والمنافق لا ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المانِّ والمنافق ملزوزين في قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن "من" و "الذي" متعاقبان فكأنه قيل: كمّن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، وإما لأنه أشير/ بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام.

وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  ﴾ .

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ معناه - على قولنا - سلب الإيمان عنهم، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ﴾ طلباً لمرضاته ﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ قيل: أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى.

وقيل: تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وتبييناً ﴾ من البيان.

وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال، فإذا بذل ماله وروحه معاً فقد ثبت نفسه كلها ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  ﴾ وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، فعلى هذا "من" للتبعيض ذكره في الكشاف، قال الزجاج: تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله  لا يضيع ثوابهم فـ "من" على هذا للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت.

وعن الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتاً في طلب المستحق وصرف المال في وجهه.

قال الحسن: كان الرجل إذا هَمَّ بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك.

وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت.

ويحتمل أن يكو ن المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها.

والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان.

وقرىء ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو لزيادة التنفس، والربا في المال.

قيل: وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً.

واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله  ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت  ﴾ ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا/ يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو ﴿ فآتت أكلها ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها ﴿ ضعفين ﴾ مثلي ما كان يعهد منها.

وقيل: مثلي ما يكون في غيرها ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ مطر صغير القطر يصيبها ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفّر أم نزر.

ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن الكل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم ﴿ والله بما تعملون ﴾ من وجوه الإنفاق وكيفيتها والأمور الباعثة عليها ﴿ بصير ﴾ فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات.

ثم إنه  رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب مثالاً آخر فقال ﴿ أيود أحدكم ﴾ والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود.

قرىء ﴿ له جنات ﴾ وقد وصف الله  الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن الجنة إنما تكوّنت منهما لكثرتهما فيها.

الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها.

والثالث: فيها من كل الثمرات، وإنما خص النخيل والأعناب أولاً بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع.

قال في الشكاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله ﴿ وكان له ثمر  ﴾ بعد قوله ﴿ جنتين من أعناب وحففناهما بنخل  ﴾ .

ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال ﴿ وأصابه الكبر ﴾ أي والحال أنه قد أصابه الكبر.

وقال الفراء: إنه معطوف على ﴿ يود ﴾ واستقام نظر المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء.

وقرىء ﴿ ضعاف ﴾ أي صبيان وأطفال ﴿ فأصابها إعصار ﴾ ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود ﴿ فيه نار فاحترقت ﴾ أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى المال - وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال - فإذا أصبح وشاهد تلك الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟

فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ويورثه الخيبة والندامة.

التأويل: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، "ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي/ أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل" .

فمن أعطى قلبه إلى الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوماً بذلوا المال لله، وقوماً بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ ﴿ ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ﴾ على الله بأن يقول: عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر ﴿ ولا أذى ﴾ بأن يطلب من الله غير الله.

رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ينزلهم في مرتبة العندية ﴿ عند مليك مقتدر  ﴾ لا عند الجنة ولا عند النار.

﴿ قول معروف ﴾ يصدر عن العارف بالله في طلب المعروف ﴿ ومغفرة ﴾ له وأن لم يكن عنده ما يتصدق ﴿ خير ﴾ له عند ربه ﴿ من صدقة يتبعها ﴾ من الجهل ﴿ أذى ﴾ طلب غير الحق من الحق ﴿ والله غني ﴾ عن غيره ﴿ حليم ﴾ لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فالمعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال  ﴾ .

ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا قال  " لولا الفقراء لهلك الأغنياء" " أي لم يجدوا سبيلاً إلى الحق.

وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد السفلى بيد الغني.

لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأنه لو كان مؤمناً بالله لكان ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي ﴿ كمثل صفوان عليه تراب ﴾ هو عمله ﴿ فأصابه وابل ﴾ وهو وابل الرد.

" "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك " ﴿ فتركه صلداً ﴾ مفلساً خائباً.

﴿ لا يقدرون عل شيء مما كسبوا ﴾ ليتوسلوا به إلى الله.

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة وصاله.

﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ وتخليصاً لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط أنفسهم ﴿ كمثل جنة ﴾ / هي قلب المخلص ﴿ بربوة ﴾ في رتبة عالية عند الحق ﴿ أصابها وابل ﴾ الواردت الربانية ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ الإلهامات ﴿ فآتت أكلها ضعفين ﴾ ضعف من نعيم الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ، فإن الله  كما يعطي أهل الآخرة نصيباً من الدنيا بالتبعية ولا يعطي أهل الدنيا نصيباً من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيباً من الآخرة بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات واستبقاء الحياة.

ثم ضرب مثلاً لروح الإنسان وقلبه بجنةٍ له فيها من كل الثمرات إذا خلق في أحسن تقويم، مستعداً لجميع الكرامات، مشرفاً بعلم السمات، منوراً بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحداً بحمل الأمانة، متفرداً برتبة الخلافة.

جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، ﴿ وله ذرية ضعفاء ﴾ من متولدات القوى البشرية في غاية الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها ﴿ فأصابها إعصار ﴾ من أعمال البر ﴿ فيه نار ﴾ من الرياء والنفاق ﴿ فاحترقت ﴾ جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلك تتفكرون ﴾ في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله المستعان وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

يحتمل ضرب مثل النفقة في سبيل الله بالحبة التي ذكر وجهان: أحدهما: أن يبارك في تلك النفقة، فيزداد وينمو، على ما بارك في حبة واحدة فصارت سبعمائة وأكثر.

والثاني: قال: ﴿ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ  ﴾ ، ورأوا الصدقة تتلف وتتلاشى في أيدي الفقراء فقالوا: كيف تربى، وهي تالفة؟

فقال: تربى كما أربي الحبة في الأرض بعد ما تلفت فيها وفسدت، فصارت مائة وزيادة.

فعلى ذلك الصدقة في طاعة الله والنفقة فيما يربي وإن كانت تالفة.

وقيل: إنها منسوخة بالفرائض.

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه نسخ وعد في الآخرة، والوعد لا يحتمل النسخ، إلا أن يعنون نسخ عين الصدقة بغيرها، فأما الوعد فهو حالة.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، غني.

وقيل: ﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، جواد، يوسع على ما يشاء.

وقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾ .

قال المفسرون: للجهاد، خصوا الجهاد بهذا.

والله أعلم.

لأن العدو إذا خرجوا لقتال المسلمين خرجوا للشيطان، ويسلكون سبيله وطريقه، والمؤمنون إنما يخرجون ليسلكوا طريق الله  ، وينصروا دينه وأولياءه؛ لذلك كان التخصيص له لقولهم، وإلا كان يجيء أن يسمي الطاعات كلها والخيرات (سبيل الله)؛ لأنه سبيل الله وطاعته، كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾ .

اختلف فيه: قيل: ﴿ مَنّاً ﴾ ، على الله، و ﴿ أَذًى ﴾ ، للفقير.

وقيل: ﴿ مَنّاً ﴾ ، على الفقير، و ﴿ أَذًى ﴾ ، له.

ثم قيل: منه على الفقير عد ما أنفق عليه وتصدق، وأذاه وتوبيخه عليه بذلك.

وأما منّه على الله  ؛ كقوله  : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله  : ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، كلام حسن، يدعو الرجل لأخيه بظهر الغيب.

وقيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، يستغفر الله ذنوبه في السر و ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ له، يغفر له، ويتجاوز عن مظلمته.

وقيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، الأمر بالمعروف خير ثوابا عند الله من صدقة فيها أذى ومن.

فإن قيل: كيف جمع بين قول المعروف والمغفرة وبين الأذى والمن، فقال: (خير من كذا..)، وأحدهما خير والآخر شر، وإنما يفعل هذا إذا كانا جميعاً خيرين، فيقال: "أيهما أخير"؟

قيل: معناه - والله أعلم - هذا خبر لكم من ذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ  ﴾ ، [أي: خير لكم في الآخرة من اللهو والتجارة] في دنياكم، وإن لم يكن اللهو والتجارة من جنس ما عند الله، فعلى ذلك الأول.

ويحتمل: أن تكون الآية على الابتداء، لا على الجمع: هذا خير، وهذا شر.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ووجه ذلك أن الصدقة قربة، وهي خير، فإذا أتبعها الأذى أبطلها، فيكون ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، أي: رد جميل للسائل خير من إجابة في البذل، ثم الرد بالأذى؛ لأن هذا يبقى، وإن كان لا ينشفع به الآخر، والصدقة [لا]، وإن كان ينتفع بها الفقير.

والله أعلم.

وقال بعضهم: (المن) و(الأذى)، أن يقول للسائل: خذه، لا بارك الله فيه لك.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ ، عن صدقاتكم، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ ، لا يعجل بالعقوبة عليكم بالمن والأذى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين يبذلون أموالهم في طاعة الله ومرضاته يُتْبعون بذلهم بما يبطل ثوابه من المَنِّ على الناس بالقول أو الفعل، لهم ثوابهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما مضى لعظم نعيمهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Ra1Pm"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قلنا إن من سنة القرآن الحكيم مزج آيات الأحكام بآيات المواعظ والعبر والتوحيد ليقرر أمر الحكم وينصر النفوس على القيام به ولقد قلنا مرارًا إن أمر الإنفاق في سبيل الله أشق الأمور على النفوس لا سيما إذا اتسعت دائرة المنفعة فيما ينفق فيه، وبعدت نسبة من ينفق عليه عن المنفق، فإن كل إنسان يسهل عليه الإنفاق على نفسه وأهله وولده إلا أفرادًا من أهل الشح المطاع، وهذا النوع من الإنفاق لا يوصف صاحبه بالسخاء، ومن كان له نصيب من السخاء سهل عليه الإنفاق بقدر هذا النصيب، فمن كان له أدنى نصيب فإنه يرتاح إلى الإنفاق على ذوي القربى والجيران، فإن زاد أنفق على أهل بلده فأمته فالناس كلهم، وذلك منتهى الجود والسخاء.

وإنما يصعب على المرء الإنفاق على منفعة من يبعد عنه لأنه فطر على أن لا يعمل عملًا لا يتصور لنفسه فائدة منه، وأكثر النفوس جاهلة باتصال منافعها ومصالحها بالبعداء عنها فلا تشعر بأن الإنفاق في وجوه البر العامة كإزالة الجهل بنشر العلم ومساعدة العجزة والضعفاء وترقية الصنائع وإنشاء المستشفيات والملاجئ وخدمة الدين المهذب للنفوس هو الذي تقوم به المصالح العامة حتى تكون كلها سعيدة عزيزة، فعلمهم الله تعالى أن ما ينفقونه في المصالح يضاعف لهم أضعافًا كثيرة فهو مفيد لهم في دنياهم، وحثهم على أن يجعلوا الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته ليكون مفيدًا لهم في آخرتهم أيضًا، فذكر أولًا أن الإنفاق في سبيل الله بمنزلة إقراضه تعالى، ووعد بمضاعفته أضعافًا كثيرة، ثم ضرب الأمثال وذكر قصص الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيله، ثم ذكر البعث وإحياء الموتى وانتهاءهم إلى الدار التي يوفون فيها أجورهم في يوم لا تنفع فيه فدية ولا خلة ولا شفاعة وإنما تنفعهم أعمالهم التي أهمها الإنفاق في سبيله ثم ضرب المثل للمضاعفة.

أي بعد أن قرر البعث بالدلائل والأمثال إذ كان الإيمان به أقوى البواعث على بذل المال.

والمراد بالإنفاق الإنفاق في خدمة الدين، ولكن كلمة في سبيل الله تشمل جميع المصالح العامة، وهو ما جرينا عليه آنفًا.

ثم قال تعالى ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى  ﴾ الآية إن هذه الآية لبيان ثواب الإنفاق في الآخرة بعد التنويه بمنفعته في الدنيا.

وقد شرط لهذا الثواب ترك المن والأذى، فأما المن فهو أن يذكر المحسن إحسانه لمن أحسن هو إليه، يظهر به تفضله عليه، وأما الأذى فهو أعم ومنه أن يذكر المحسن إحسانه لغير من أحسن عليه بما ربما يكون أشد عليه مما لو ذكره له.

قد يشكل على بعض الناس التعبير بثم التي تفيد التراخي مع العلم بأن المن أو الأذى العاجل أضر، وأجدر بأن يجعل تركه شرطًا لتحصيل الأجر، وجوابه أن من يقرن النفقة بالمن أو الأذى أو يتبعها أحدهما أو كليهما عاجلًا لا يستحق أن يدخل في الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أو يوصف بالسخاء المحمود عند الله.

وإذا كان من يمن أو يؤذي بعد الإنفاق بزمن بعيد لا يعتد الله بإنفاقه ولا يؤجره عليه ولا يقيه الخوف والحزن أفلا يكون المتعجل به أجدر بذلك؟

بلى وإنما الكلام في السخي الذي ينفق في سبيل الله مخلصًا متحريًا للمصلحة والمنفعة لا باغيًا جزاء مما ينفق عليه ولا مكافأة ولكنه قد يعرض له بعد ذلك ما يحمله على المن والأذى المحبطين للأجر كأن يرى ممن كان أنفق عليه غمطًا لحقه أو إعراضًا عنه وتركًا لما كان من احترامه إياه فيثير ذلك غضبه حتى يمن أو يؤذي ومثل هذا قد يقع من المخلصين فحذرهم الله تعالى منه.

ثم قال تعالى ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى  ﴾ : القول المعروف يتوجه تارة إلى السائل إن كانت الصدقة عليه وتارةً يتوجه إلى المصلحة العامة كما إذا هاجم البلد عدو وأرادوا جمع المال للاستعانة على دفعه فمن لم يكن له مال يمكنه أن يساعد بالقول المعروف الذي يحث على العمل وينشط العامل، ويبعث عزيمة الباذل، والمغفرة أن تغضى عن نسبة التقصير في الإنفاق إليك وأن تظهر في هيئة لا ينفر منها المحتاج ولا يتألم من فقره أمامك.

والمعنى أن مقابلة المحتاج بكلام يسر وهيئة ترضي خير من الصدقة مع الإيذاء بسوء القول أو سوء المقابلة، ولا فرق في المحتاج بين أن يكون فردًا أو جماعة فإن مساعدة الأمة ببعض المال مع سوء القول في العمل الذي ساعدها عليه وإظهار استهجانه وبيان التقصير فيه أو تشكيك الناس في فائدته لا توازي هذه المساعدة إحسان القول في ذلك العمل الذي تطلب له المساعدة والإغضاء عن التقصير الذي ربما يكون من العاملين فيه فكونك مع الأمة بقلبك ولسانك خير من شيء من المال ترضخ به مع قول السوء وفعل الأذى.

ومعنى هذه الخيرية أنه أنفع وأكثر فائدة لا أنه يقوم مقام البذل ويغني عنه فمن آذى فقد بغض نفسه إلى الناس بظهوره في مظهر البغضاء لهم.

ولا شك أن السلم والولاء، خير من العداوة والبغضاء، وأن أضمن شيء لمصلحة الأمة وأقوى معزز لها هو أن يكون واحد من أفرادها في عين الآخر وقلبه في مقام المعين له وإن لم يعنه بالفعل.

﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ  ﴾ : يطلق الحلم ويراد به هذا اللازم من لوازمه أي الإمهال وعدم المعالجة بالمؤاخذة وقد يراد به لازم آخر وهو الإغضاء والعفو وليس بمراد هنا، لأنه لو أريد لكان تحريضًا على الأذى، ولكل مقال مقام يعينه، فالأول يطلق في مقابل العجول الطائش والثاني في مقابل الغضوب المنتقم وفي الاسمين الكريمين تنفيس لكرب الفقراء وتعزية لهم وتعليق لقلوبهم بحبل الرجاء بالله الغني المغني وتهديد للأغنياء وإنذار لهم أن لا يغتروا بحلم الله وإمهاله إياهم وعدم معاجلتهم بالعقاب على كفرهم بنعمته عليهم بالمال فإنه يوشك أن يسلبها منهم في يوم من الأيام.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى  ﴾ استدل المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصالحة كأنها لم تعمل...

وأجيب عن الآية بأن المراد بها: لا تبطلوا ثواب صدقاتكم، وبغير ذلك من التكلف الذي لا يحتاج إليه، لأن الكلام في إحباط المن والأذى للفائدة المقصودة من الصدقة، وهي التخفيف من بؤس المحتاجين وكشف أذى الفقر عنهم، إذا كانت الصدقة على الأفراد، وتنشيط القائمين بخدمة الأمة ومساعدتهم إذا كانت الصدقة في مصلحة عامة.

فإذا أتبعت الصدقة بالمن والأذى كان ذلك هدمًا لما بنته وإبطالًا لما عملته، وكل عمل لا يؤدي إلى الغاية المقصودة منه فقد حبط وبطل وكأنه لم يكن، فكيف إذا أتبع بضد الغاية ونقيضها؟!

كذلك تكون صلاة المرائي باطلة، لأن الغرض منها لم يحصل، وهو توجه القلب إلى الله تعالى واستشعار سلطانه والإذعان لعظمته والشكر لإحسانه، وقلب المرائي إنما يتوجه إلى من يرائيه.

هذا هو معنى إبطال المن والأذى للصدقة، والذي يزعمه المعتزلة هو أن ارتكاب أي كبيرة من الكبائر يبطل جميع الأعمال الصالحة السابقة ويوجب الخلود في النار، فاستدلالهم بالآية على هذا إنما يدل على أنهم لم يفهموا هدى الله تعالى في كتابه ولم يعرفوا فطرة البشر التي جاء الدين لتأديبها، وقد رأيت كلام من أيد مذهبه بهدم مذهبهم، هكذا يتجاذب القرآن أهل المذاهب، كل يجذبه إلى مذهبه الذي رضيه لنفسه، فتراهم عندما يشاغب بعضهم بعضًا يتعلقون بالكلمة المفردة إذا كانت تحتمل ما قالوا ويجعلونها حجة للمذهب ويؤولون ما عداها بالتمحل.

وأهل الخلاف ليسوا من أهل القرآن، فلا يعول على أقوالهم في بيان معانيه.

ثم شبه تعالى أصحاب المن والأذى بالمرائي أو إبطال عملهم للصدقة بإبطال ريائه لها فقال: ﴿ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ  ﴾ أي لأجل ريائهم أو مرائيًا لهم أي لأجل أن يروه فيحمدوه لا ابتغاء مرضاة الله تعالى بتحري ما حث عليه من رحمة عباده الضعفاء والمعوزين وترقية شأن الملة بالقيام بمصالح الأمة، فهو إنما يحاول إرضاء الناس ﴿ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ  ﴾ فيتقرب إليه تعالى بالإنفاق خشية عقابه ورجاء ثوابه في ذلك اليوم ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا  ﴾ ، أي صفته وحاله في عدم انتفاعه بما ينفق كالحجر الأملس إذا كان عليه شيء من ذلك التراب ووجه الشبه بين المانّ والمؤذي بصدقته وبين المرائي بنفقته أن كلًا منهما غش نفسه فألبسها ثوب زور يوهم رائيه ما لا حقيقة له، كمن يلبس لبوس العلماء أو الجند وليس منهم فلا يلبث أن يظهر أمره ويفتضح سره فيكون ما تلبس به كالتراب على الصفوان يذهب به الوابل.

كذلك تكشف الحوادث وما يبتلى به المؤمنون والمنافقون حقيقة هؤلاء وتفضح سرائرهم، فهم ﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا  ﴾ أي لا ينتفعون بشيء من صدقاتهم ونفقاتهم ولا يجنون ثمراتها في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فلأن المن والأذى مما ينافي غاية الصدقة كما تقدم، ومن فعلهما كان أبغض إلى الناس من البخيل الممسك، والرياء لا يخفى على الناس، فهو كما قال الشاعر: ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اكتسيت به فإنك عار فلا تكاد تجد منانًا ولا مرائيًا غير مذموم ممقوت.

وأما الآخرة فلأن المن أو الأذى كالرياء في منافاة الإخلاص، ولا ثواب في الآخرة إلا للمخلصين في أعمالهم الذين يتحرون بها سنن الله تعالى في تزكية نفوسهم وإصلاح حال الناس ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ  ﴾ أي مضت سنته بأن الإيمان هو الذي يهدي قلب صاحبه إلى الإخلاص ووضع النفقات في مواضعها، والاحتراس من الإتيان بما يذهب بفائدتها بعد وجودها، فكان الكافر بمقتضى هذه السنة محرومًا من هذه الهداية التي تجمع لصاحبها بين صلاح القلب والعمل وسعادة الدنيا والآخرة.

بعد هذا ضرب الله المثل للمخلصين في الإنفاق، لأجل المقابلة بينهم وبين أولئك المرائين والمؤذين، وعقبه بمثل آخر يتبين به حال الفريقين فقال: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله