الآية ٣٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣٥ من سورة البقرة

وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 280 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول الله تعالى إخبارا عما أكرم به آدم : بعد أن أمر الملائكة بالسجود له ، فسجدوا إلا إبليس : إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء ، ويأكل منها ما شاء رغدا ، أي : هنيئا واسعا طيبا .

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه ، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ميكائيل ، عن ليث ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر : قال : قلت : يا رسول الله ؛ أريت آدم ، أنبيا كان ؟

قال : نعم ، نبيا رسولا كلمه الله قبلا فقال : ( اسكن أنت وزوجك الجنة ) .

وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم ، أهي في السماء أم في الأرض ؟

والأكثرون على الأول [ وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض ] ، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف ، إن شاء الله تعالى ، وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة ، وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق ، حيث قال : لما فرغ الله من معاتبة إبليس ، أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها ، فقال : ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) إلى قوله : ( إنك أنت العليم الحكيم ) قال : ثم ألقيت السنة على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم ، عن ابن عباس وغيره - ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ، ولأم مكانه لحما ، وآدم نائم لم يهب من نومه ، حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء ، فسواها امرأة ليسكن إليها .

فلما كشف عنه السنة وهب من نومه ، رآها إلى جنبه ، فقال - فيما يزعمون والله أعلم - : لحمي ودمي وروحي .

فسكن إليها .

فلما زوجه الله ، وجعل له سكنا من نفسه ، قال له قبلا ( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) ويقال : إن خلق حواء كان بعد دخوله الجنة ، كما قال السدي في تفسيره ، ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : أخرج إبليس من الجنة ، وأسكن آدم الجنة ، فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليه ، فنام نومة فاستيقظ ، وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه ، فسألها : ما أنت ؟

قالت : امرأة .

قال : ولم خلقت ؟

قالت : لتسكن إلي .

قالت له الملائكة - ينظرون ما بلغ من علمه - : ما اسمها يا آدم ؟

قال : حواء .

قالوا : ولم سميت حواء ؟

قال : إنها خلقت من شيء حي .

قال الله : ( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ) وأما قوله : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم .

وقد اختلف في هذه الشجرة : ما هي ؟

فقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : الشجرة التي نهي عنها آدم - عليه السلام - هي الكرم .

وكذا قال سعيد بن جبير ، والسدي ، والشعبي ، وجعدة بن هبيرة ، ومحمد بن قيس .

وقال السدي - أيضا - في خبر ذكره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) هي الكرم .

وتزعم يهود أنها الحنطة .

وقال ابن جرير وابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي ، حدثنا أبو يحيى الحماني ، حدثنا النضر أبو عمر الخراز ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : الشجرة التي نهي عنها آدم - عليه السلام - هي السنبلة .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا ابن عيينة وابن المبارك ، عن الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : هي السنبلة .

وقال محمد بن إسحاق ، عن رجل من أهل العلم ، عن حجاج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : هي البر .

وقال ابن جرير : وحدثني المثنى بن إبراهيم ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا القاسم ، حدثني رجل من بني تميم ، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم ، والشجرة التي تاب عندها آدم .

فكتب إليه أبو الجلد : سألتني عن الشجرة التي نهي عنها آدم ، عليه السلام ، وهي السنبلة ، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة .

وكذلك فسره الحسن البصري ، ووهب بن منبه ، وعطية العوفي ، وأبو مالك ، ومحارب بن دثار ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى .

وقال محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل اليمن ، عن وهب بن منبه : أنه كان يقول : هي البر ، ولكن الحبة منها في الجنة ككلى البقر ، ألين من الزبد وأحلى من العسل .

وقال سفيان الثوري ، عن حصين ، عن أبي مالك : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) قال : النخلة .

وقال ابن جرير ، عن مجاهد : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) قال : تينة .

وبه قال قتادة وابن جريج .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : كانت الشجرة من أكل منها أحدث ، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث ، وقال عبد الرزاق : حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مهرب قال : سمعت وهب بن منبه يقول : لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة ، ونهاه عن أكل الشجرة ، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها من بعض ، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم ، وهي الثمرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته .

فهذه أقوال ستة في تفسير هذه الشجرة .

قال الإمام العلامة أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : والصواب في ذلك أن يقال : إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة ، دون سائر أشجارها ، فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين ؟

لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة .

وقد قيل : كانت شجرة البر .

وقيل : كانت شجرة العنب ، وقيل : كانت شجرة التين .

وجائز أن تكون واحدة منها ، وذلك علم ، إذا علم ينفع العالم به علمه ، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به ، والله أعلم .

[ وكذلك رجح الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره ، وهو الصواب ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال: إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم، وأُسكنها آدمُ قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض.

ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ .

فقد تبين أن إبليس إنما أزلهما عن طاعة الله بعد أن لُعِن وأظهرَ التكبر، لأن سجود الملائكة لآدم كان بعد أن نُفخ فيه الروح، وحينئذ كان امتناع إبليس من السجود له، وعند الامتناع من ذلك حلَّت عليه اللعنة.

كما:- 708 - حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن &; 1-513 &; ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن عدو الله إبليس أقسم بعزة الله ليُغويَنَّ آدم وذريته وزوجَه، إلا عباده المخلصين منهم، بعد أن لعنه الله، وبعد أن أخرِج من الجنة، وقبل أن يهبط إلى الأرض.

وعلَّم الله آدم الأسماء كلها (173) .

709 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبَى إلا المعصية وأوقع عليه اللعنة، ثم أخرجه من الجنة، أقبل على آدمَ وقد علّمه الأسماء كلها، فقال: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ إلى قوله إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (174) .

ثم اختلف أهل التأويل في الحال التي خُلقت لآدم زوجته، والوقت الذي جعلت له سكنًا.

فقال ابن عباس بما:- 710 - حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فأخرِج إبليسُ من الجنة حين لعن، وأسكِن آدم الجنة.

فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدةٌ خلقها الله من ضلعه، فسألها: من أنت؟

فقالت: امرأة.

قال: ولم خلقت؟

قالت: تسكن إليّ.

قالت له الملائكة - ينظرون ما بلغ علمه-: ما اسمها يا آدم؟

قال: حواء.

قالوا: ولم سُميت حواء؟

قال: لأنها خلقت من شيء حيّ.

فقال الله له: " يا آدمُ اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغدًا حيث شئتما " (175) .

فهذا الخبر يُنبئ أن حواء خُلقت بعد أن سَكن آدمُ الجنةَ، فجعلت له سكنًا.

وقال آخرون: بل خُلقت قبل أن يسكن آدم الجنة.

* ذكر من قال ذلك: 711 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله من مُعاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ إلى قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .

قال: ثم ألقى السِّنةَ على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة، وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن عباس وغيره - ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شِقِّه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأةً ليسكن إليها.

فلما كُشِف عنه السِّنة وهبّ من نومته، رآها إلى جنبه، فقال - فيما يزعمون والله أعلم-: لحمي ودمِي وزوجتي، فسكن إليها.

فلما زوّجه الله تبارك وتعالى، وَجعل له سكنًا من نفسه، قال له، قبيلا " يا آدم اسكنْ أنتَ وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين " (176) قال أبو جعفر: ويقال لامرأة الرجل: زَوْجُه وزَوْجتُه، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء.

والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْد شَنوءة.

فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب، فهو زوجُ المرأة (177) .

القول في تأويل قوله: وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا قال أبو جعفر: أما الرَّغَد، فإنه الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعنِّي صاحبه.

يقال: أرْغد فلان: إذا أصاب واسعًا من العيش الهنيء، كما قال امرؤ القيس بن حُجْر: بَيْنَمَـــا الْمَــرْءُ تَــرَاهُ نَاعِمَــا يَــأْمَنُ الأَحْـدَاثَ فِـي عَيْشٍ رَغَـدْ (178) 712 - وكما حدثني به موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،" وكلا منها رَغدا "، قال: الرغد، الهنيء.

(179) 713 - وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قوله: " رغدًا "، قال: لا حسابَ عليهم.

714 - وحدثنا المثنى، قال حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد مثله.

715 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد: " وكلا منها رغدًا "، أي لا حسابَ عليهم.

(180) 716 - وحُدِّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، &; 1-516 &; عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " وكلا منها رغدًا حيث شئتما "، قال: الرغد: سَعة المعيشة.

(181) فمعنى الآية وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا من الجنة رزقًا واسعًا هنيئًا من العيش حيث شئتما.

717 - كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغدًا حيث شئتما "، ثم إن البلاء الذي كتب على الخلق، كتب على آدمَ، كما ابتُلي الخلقُ قبله، أن الله جل ثناؤه أحل له ما في الجنة أن يأكل منها رَغدا حيث شاء، غيرَ شجرة واحدة نُهي عنها، وقُدِّم إليه فيها، فما زال به البلاء حتى وقع بالذي نُهي عنه.

(182) القول في تأويل قوله تعالى: وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ قال أبو جعفر: والشجر في كلام العرب: كلّ ما قام على ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [سورة الرحمن: 6]، يعني بالنجم ما نَجمَ من الأرض من نَبت، وبالشجر ما استقلّ على ساق.

ثم اختلف أهل التأويل في عين الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، فقال بعضهم: هي السُّنبلة.

* ذكر من قال ذلك: 718 - حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: حدثنا عبد الحميد الحِمَّاني، &; 1-517 &; عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، هي السنبلة.

(183) 719 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عُتيبة - جميعًا عن حُصين، عن أبي مالك، في قوله: " ولا تقرَبا هذه الشجرة "، قال: هي السنبلة.

720 - وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي -وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري - قالا جميعًا: حدثنا سفيان، عن حصين، عن أبي مالك، مثله.

(184) 721 - وحدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية في قوله: " ولا تقربا هذه الشجرة "، قال: السنبلة.

(185) 722 - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قال : الشجرة التي نُهي عنها آدم، هي السنبلة.

(186) 723 - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثني رجل من بني تميم، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجَلْد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدمُ، والشجرة التي تاب عندها: فكتب إليه أبو الجلد: " سألتني عن الشجرة التي نُهي عنها آدم، وهي السنبلة، وسألتني &; 1-518 &; عن الشجرة التي تاب عندها آدم، وهي الزيتونة " .

(187) 724 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه كان يقول: الشجرة التي نُهي عنها آدمَ: البُرُّ (188) .

725 - وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزَوجته، السُّنبلة.

(189) 726 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه اليماني، أنه كان يقول: هي البُرُّ، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر، ألين من الزبد وأحلى من العسل.

وأهل التوراة يقولون: هي البرّ.

(190) 727 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة: أنه حُدِّث أنها الشجرةُ التي تحتكُّ بها الملائكة للخُلد.

728 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن يَمانَ، عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن محارب بنِ دثار، قال: هي السنبلة.

729 - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن يزيد بن إبراهيم، &; 1-519 &; عن الحسن، قال: هي السنبلة التي جعلها الله رزقًا لولده في الدنيا (191) قال أبو جعفر: وقال آخرون: هي الكرمة.

* ذكر من قال ذلك: 730 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السُّدّيّ، عمن حدثه، عن ابن عباس، قال: هي الكرمة.

731 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا تقرَبا هذه الشجرة "، قال: هي الكرمة، وتزعم اليهود أنها الحنطة.

732 - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، قال: الشجرة هي الكَرْم.

733 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة، قال: هو العِنَب في قوله: " ولا تقربا هذه الشجرة ".

734 - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن خلاد الصفار، عن بَيان، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة: " ولا تقرَبا هذه الشجرة "، قال: الكرمُ.

735 - وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثني الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن بيان، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة: " ولا تقربا هذه الشجرة "، قال: الكرم.

736 - وحدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة، قال: الشجرة التي نُهي عنها آدم، شجرة الخمر.

737 - وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا &; 1-520 &; عباد بن العوام، قال: حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مُسلم، عن سعيد بن جبير، قوله " ولا تقربا هذه الشجرة "، قال: الكرم.

738 - وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن السُّدّيّ، قال: العنب.

739 - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: عِنَب (192) .

وقال آخرون: هي التِّينة.

* ذكر من قال ذلك: 740 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: تينة.

(193) قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجَه أكلا من الشجرة التي نهاهُما ربُّهما عن الأكل منها، فأتيا الخطيئة التي نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها، بعد أن بيّن الله جل ثناؤه لهما عَين الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها، وأشار لهما إليها بقوله: " ولا تقربا هذه الشجرة "، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطَبين بالقرآن، دلالةً على أيّ أشجار الجنة كان نهيُه آدمَ أن يقربها، بنصٍّ عليها باسمها، ولا بدلالة عليها.

ولو كان لله في العلم بأيّ ذلك من أيٍّ رضًا، لم يُخل عبادَه من نَصْب دلالة لهم عليها يَصلون بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضًا.

فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدمَ وزوجته عن أكل &; 1-521 &; شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به.

ولا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة.

فأنَّى يأتي ذلك؟

(194) وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك عِلمٌ، إذا عُلم لم ينفع العالمَ به علمه (195) ، وإن جهله جاهل لم يضرَّه جهلُه به.

القول في تأويل قوله تعالى ذكره وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في تأويل قوله: " ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ".

فقال بعض نحويّي الكوفيين: تأويل ذلك: ولا تقربَا هذه الشجرة، فإنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين.

فصار الثاني في موضع جواب الجزاء.

وجوابُ الجزاء يعمل فيه أوّله، كقولك: إن تَقُم أقُم، فتجزم الثاني بجزم الأول.

فكذلك قوله " فتكونا "، لما وقعت الفاء في موضع شرط الأوّل نُصب بها، وصُيرت &; 1-522 &; بمنـزلة " كي" في نصبها الأفعال المستقبلة، للزومها الاستقبال.

إذ كان أصل الجزاء الاستقبال.

وقال بعض نحويّي أهل البصرة: تأويل ذلك: لا يكن منكما قُرْبُ هذه الشجرة فأن تكونا من الظالمين.

غير أنه زعم أنّ " أن " غير جائز إظهارها مع " لا "، ولكنها مضمرة لا بد منها، ليصح الكلام بعطف اسم - وهي" أن " - على الاسم.

كما غير جائز في قولهم: " عسى أن يفعل "، عسى الفعل.

ولا في قولك: " ما كان ليفعل ": ما كان لأن يَفعل.

وهذا القولُ الثاني يُفسده إجماعُ جميعهم على تخطئة قول القائل: " سرني تقوم يا هذا "، وهو يريد سرني قيامُك.

فكذلك الواجب أن يكون خطأ على هذا المذهب قول القائل: " لا تقم " إذا كان المعنى: لا يكن منك قيام.

وفي إجماع جميعهم -على صحة قول القائل: " لا تقم "، وفساد قول القائل: " سرني تقوم " بمعنى سرني قيامك - الدليل الواضح على فسادِ دعوى المدعي أنّ مع " لا " التي في قوله: " ولا تقربا هذه الشجرة "، ضمير " أن " - وصحةِ القول الآخر.

وفي قوله " فتكونا من الظالمين "، وجهان من التأويل: أحدهما أن يكون " فتكونا " في نية العطف على قوله " ولا تقربا "، فيكون تأويله حينئذ: ولا تقربا هذه الشجرة ولا تكونا من الظالمين.

فيكون " فتكونا " حينئذ في معنى الجزم مجزومًا بما جُزم به " ولا تقربا " ، كما يقول القائل: لا تُكلم عمرا ولا تؤذه، وكما قال امرؤ القيس: فُقُلْــتُ لَــهُ: صَـوِّبْ وَلا تَجْهَدَنَّـهُ فَيُـذْرِكَ مِـنْ أُخْـرَى القَطَـاةِ فَتَزْلَقِ (196) فجزم " فيذرِك " بما جزم به " لا تجهدنه "، كأنه كرّر النهي.

&; 1-523 &; والثاني أن يكون " فتكونا من الظالمين "، بمعنى جواب النهي.

فيكون تأويله حينئذ: لا تقربا هذه الشجرة، فإنكما إن قَرَبتماها كنتما من الظالمين.

كما تقول: لا تَشتمْ عمرًا فيشتُمك، مجازاةً.

فيكون " فتكونا " حينئذ في موضع نَصب، إذْ كان حرفًا عطف على غير شكله، لمّا كان في" ولا تقربا " حرف عامل فيه، ولا يصلح إعادته في" فتكونا "، فنصب على ما قد بينت في أول هذه المسألة.

وأما تأويل قوله: " فتكونا من الظالمين "، فإنه يعني به فتكونا من المتعدِّين إلى غير ما أذِن لهم وأبيح لهم فيه، وإنما عَنى بذلك أنكما إن قربتما هذه الشجرة، كنتما على منهاج من تعدَّى حُدودي، وَعصى أمري، واستحلَّ محارمي، لأن الظالمين بعضُهم أولياء بعض، والله وليّ المتقين.

وأصل " الظلم " في كلام العرب، وضعُ الشيء في غير موضعه، ومنه قول نابغة بني ذبيان: إِلا أُوَارِيَّ لأيـــًا مَـــا أُبَيِّنُهَــا وَالنُّـؤْيُ كَـالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَـةِ الْجَلَدِ (197) فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها.

(198) ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث: ظَلَـمَ الْبِطَـاحَ بِهَـا انْهِـلالُ حَرِيصَةٍ فَصَفَــا النِّطَـافُ لَـهُ بُعَيْـدَ الْمُقْلَـعِ (199) وظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبِّه.

ومنه: ظَلم الرجلُ جَزوره، وهو نحره إياه لغير علة.

وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه.

وقد يتفرع الظلم في معان يطول بإحصائها الكتاب، وسنبينها في أماكنها إذا أتينا عليها إن شاء الله تعالى.

وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشيء في غير موضعه.

------------ الهوامش : (173) الخبر : 708- لم أجده في مكان .

(174) الأثر : 709- لم أجده في مكان بنصه هذا ، لكنه من صدر الأثر الآتي بعد رقم : 711 .

(175) الأثر : 710- في تاريخ الطبري 1 : 52 ، مع اختلاف في بعض اللفظ .

وابن كثير 1 : 142 والشوكاني 1 : 56 ، وقوله : "وحشًا" أي ليس معه غيره ، خلوًا .

ومكان وحش : خال .

(176) الأثر : 711- في تاريخ الطبري 1 : 52 وابن كثير 1 : 141-142 .

وقوله"قال له قبيلا" أي عيانًا .

وفي حديث أبي ذر (ابن كثير 1 : 141)"قال : قلت يا رسول الله؛ أرأيت آدم؛ أنبيًّا كان؟

قال : نعم نبيًّا رسولا يكلمه الله قبيلا - أي عيانًا" .

وجاء هذا الحرف في المطبوعة : "قال له فتلا يا آدم اسكن .

.

.

" وهو خطأ .

وفي تاريخ الطبري"قال له قيلا يا آدم .

.

.

" وهو أيضًا خطأ .

(177) انظر اختلافهم في ذلك في مادته (زوج) من لسان العرب .

(178) لم أجد البيت فيما جمعوا من شعر امرئ القيس .

(179) الخبر : 712 - في الدر المنثور 1 : 52 ، والشوكاني 1 : 56 .

(180) الآثار : 713 - 715 في الدر المنثور 1 : 52 ، والشوكاني 1 : 56 .

(181) الخبر : 716 - في الدر المنثور 1 : 52 والشوكاني 1 : 56 .

(182) الأثر : 717 - في الدر المنثور 1 : 53 من غير طريق الطبري .

وقوله : "قدم إليه فيها" أي أمر فيها بأمر أن لا يقربها .

ويقال : تقدمت إليه بكذا وقدمت إليه بكذا : أي أمرته بكذا .

(183) الخبر : 718 - في ابن كثير 1 : 142 ، والدر المنثور 1 : 53 ، والشوكاني 1 : 56 وهو إسناد ضعيف .

محمد بن إسماعيل الأحمسي سبق توثيقه : 405 عبد الحميد بن عبد الرحمن ، أبو يحيى الحماني : ثقة ، وثقه ابن معين وغيره ، وأخرج له الشيخان .

النضر : هو ابن عبد الرحمن ، أبو عمر الخزاز -بمعجمات - وهو ضعيف جدًّا ، قال البخاري في الكبير 4/2/91 : "منكر الحديث" .

وروى ابن أبي حاتم 4/1/475 عن أحمد بن حنبل ، قال : "ليس بشيء ، ضعيف الحديث" ، وروي عن ابن معين أنه قال : "لا يحل لأحد أن يروي عنه" .

(184) الأثران : 719 ، 720 - في ابن كثير 1 : 142 ، والدر المنثور 1 : 53 .

(185) الأثر : 721 - عطية : هو العوفي .

وقد أشار ابن كثير 1 : 142 إلى هذه الرواية عنه .

(186) الأثر : 722 - لم أجده في مكان .

(187) الخبر : 723 - في ابن كثير 1 : 142 ، وفي الأصول : "أبو الخلد" ، وانظر ما سلف في التعليق على الأثر رقم : 434 .

وهذا الإسناد ضعيف ، لجهالة الرجل من بني تميم .

(188) الخبر : 724 - ابن كثير 1 : 142 ، والدر المنثور 1 : 52 ، والشوكاني 1 : 56 .

والذي في ابن كثير : "عن رجل من أهل العلم ، عن حجاج ، عن مجاهد .

.

.

" .

(189) الأثر : 725 - في ابن كثير 1 : 142 .

(190) الأثر : 726 - في ابن كثير 1 : 142-143 ، والدر المنثور 1 : 52-53 .

ولكن ليس فيهما قوله"وأهل التوراة .

.

.

" .

(191) الآثار : 727 - 729 : لم أجدها بلفظها في مكان .

(192) الآثار : 730 -739 : مذكورة بلا تعيين في ابن كثير 1 : 142 ، والدر المنثور 1 : 53 والشوكاني 1 : 56 .

(193) الخبر : 740 - في ابن كثير 1 : 143 ، والدر المنثور 1 : 53 ، والشوكاني 1 : 56 .

(194) في المخطوطة خلاف ما في المطبوعة ، وهذا نصه"ولا علم عندنا بأي ذلك .

وقد قيل كانت شجرة البر .

.

.

" ، كأن الناسخ أسقط سطرا فاختل الكلام .

وكان في المطبوعة : "فأنى يأتي ذلك من أتى" بزيادة قوله"من أتى" والظاهر أن التحريف قديم ، فإن ابن كثير نقل نص الطبري هذا في تفسيره 1 : 143 فحذف قوله : "فأنى يأتي ذلك" ، وقد استظهرت أن الصواب حذف"من أتى" ، ليكون الاستفهام منصبًّا على كيفية إتيان العلم بهذه الشجرة ، وليس في القرآن عليها دليل ولا في السنة الصحيحة .

وأما الجملة كما جاءت في المطبوعة ، فهي فاسدة مفسدة لما أراد الطبري .

(195) في المطبوعة : "وذلك إن علمه عالم لم ينفع العالم .

.

.

" ، وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير (1 : 143) .

(196) ديوانه ، من رواية الأعلم الشنتمري ، القصيدة رقم : 30 ، البيت : 26 .

وفي معاني القرآن للفراء 1 : 26 ، ونسبه سيبويه في الكتاب 1 : 452 ، لعمرو بن عمار الطائي ، وسيذكره الطبري في (15 : 164 بولاق) غير منسوب ، ورواية سيبويه"فيدنك من أخرى القطاة" وقوله : "فقلت له" يعني غلامه ، وذكره قبل أبيات .

وقوله : "صوب" ، أي خذ الفرس بالقصد في السير وأرفق به ولا تجهده بالعدو الشديد فيصرعك .

أذراه عن فرسه : ألقاه وصرعه .

والقطاة : مقعد الردف من الفرس .

وأخرى القطاة : آخر المقعد .

ورواية الشنتمري : "من أعلى القطاة" .

وهما سواء .

(197) سلف تخريجه وشرحه في هذا الجزء : 183 .

(198) في المطبوعة : "لوضع الحفرة منها في غير موضعها" ، وفي المخطوطة أيضًا : "لموضع الحفر فيها في غير موضعها" .

(199) جاء أيضًا في تفسيره (2 : 50 بولاق) منسوبًا لعمرو بن قميئة .

وصحة نسبته إلى الحادرة الذبياني ، وهو في ديوان الحادرة ، قصيدة : 4 ، البيت رقم : 7 ، وشرح المفضليات : 54 .

والبطاح جمع بطحاء وأبطح : وهو بطن الوادي .

وأنهل المطر انهلالا : اشتد صوبه ووقعه .

والحريصة والحارصة : السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض ، أي تقشره من شدة وقعها .

والنطاف جمع نطفة : وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره .

وقوله : "بعيد المقلع" : أي بعد أن أقلعت هذه السحابة .

ورواية المفضليات : "ظلم البطاح له" وقوله : "له" : أي من أجله .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فيه ثلاث عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : وقلنا يا آدم اسكن لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند [ ص: 283 ] كفره وأبعده عن الجنة ، وبعد إخراجه قال لآدم : اسكن ، أي لازم الإقامة واتخذها مسكنا ، وهو محل السكون .

وسكن إليه يسكن سكونا .

والسكن : النار ، قال الشاعر :قد قومت بسكن وأدهانوالسكن : كل ما سكن إليه .

والسكين معروف سمي به لأنه يسكن حركة المذبوح ، ومنه المسكين لقلة تصرفه وحركته .

وسكان السفينة عربي ; لأنه يسكنها عن الاضطراب .الثانية : في قوله تعالى : اسكن - تنبيه على الخروج ; لأن السكنى لا تكون ملكا ، ولهذا قال بعض العارفين : السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع ، فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة .قلت : وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقوله الجمهور من العلماء : إن من أسكن رجلا مسكنا له إنه لا يملكه بالسكنى ، وأن له أن يخرجه إذا انقضت مدة الإسكان .

وكان الشعبي يقول : إذا قال الرجل داري لك سكنى حتى تموت فهي له حياته وموته ، وإذا قال : داري هذه اسكنها حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات .

ونحو من السكنى العمرى ، إلا أن الخلاف في العمرى أقوى منه في السكنى .

وسيأتي الكلام في العمرى في " هود " إن شاء الله تعالى .

قال الحربي : سمعت ابن الإعرابي يقول : لم يختلف العرب في أن هذه الأشياء على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له العمرى والرقبى والإفقار والإخبال والمنحة والعرية والسكنى والإطراق .

وهذا حجة مالك وأصحابه في أنه لا يملك شيء من العطايا إلا المنافع دون الرقاب ، وهو قول الليث بن سعد والقاسم بن محمد ، ويزيد بن قسيط .والعمرى : هو إسكانك الرجل في دار لك مدة عمرك أو عمره .

ومثله الرقبى : وهو أن يقول : إن مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك فهي لك ، وهي من المراقبة .

والمراقبة : أن يرقب كل واحد منهما موت صاحبه ، ولذلك اختلفوا في إجازتها ومنعها ، فأجازها أبو يوسف والشافعي ، وكأنها وصية عندهم .

ومنعها مالك والكوفيون ; لأن كل واحد منهم يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له ، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه .

وفي الباب حديثان أيضا بالإجازة والمنع ذكرهما ابن ماجه في سننه : الأول رواه جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العمرى جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها ففي هذا الحديث التسوية بين العمرى والرقبى في الحكم .

الثاني رواه ابن عمر قال : قال [ ص: 284 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا رقبى فمن أرقب شيئا فهو له حياته ومماته .

قال : والرقبى أن يقول هو للآخر : مني ومنك موتا .

فقوله : ( لا رقبى ) نهي يدل على المنع ، وقوله : من أرقب شيئا فهو له يدل على الجواز ، وأخرجهما أيضا النسائي .

وذكر عن ابن عباس قال : العمرى والرقبى سواء .

وقال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العمرى جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها .

فقد صحح الحديث ابن المنذر ، وهو حجة لمن قال بأن العمرى والرقبى سواء .

وروي عن علي وبه قال الثوري وأحمد ، وأنها لا ترجع إلى الأول أبدا ، وبه قال إسحاق .

وقال طاوس : من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث .والإفقار مأخوذ من فقار الظهر .

أفقرتك ناقتي : أعرتك فقارها لتركبها .

وأفقرك الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه .

ومثله الإخبال ، يقال : أخبلت فلانا إذا أعرته ناقة يركبها أو فرسا يغزو عليه ، قال زهير :هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلواوالمنحة : العطية .

والمنحة : منحة اللبن .

والمنيحة : الناقة أو الشاة يعطيها الرجل آخر يحتلبها ثم يردها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم .

رواه أبو أمامة ، أخرجه الترمذي والدارقطني وغيرهما ، وهو صحيح .

والإطراق : إعارة الفحل ، استطرق فلان فلانا فحله : إذا طلبه ليضرب في إبله ، فأطرقه إياه ، ويقال : أطرقني فحلك أي أعرني فحلك ليضرب في إبلي .

وطرق الفحل الناقة يطرق طروقا أي قعا عليها .

وطروقة الفحل : أنثاه ، يقال : ناقة طروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل .الثالثة : قوله تعالى : أنت وزوجك أنت تأكيد للمضمر الذي في الفعل ، ومثله : [ ص: 285 ] فاذهب أنت وربك .

ولا يجوز اسكن وزوجك ، ولا اذهب وربك ، إلا في ضرورة الشعر ، كما قال :قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسفن رملاف " زهر " معطوف على المضمر في " أقبلت " ولم يؤكد ذلك المضمر .

ويجوز في غير القرآن على بعد : قم وزيد .الرابعة : قوله تعالى : وزوجك لغة القرآن " زوج " بغير هاء ، وقد جاء في صحيح مسلم : " زوجة " حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه فجاء فقال : يا فلان هذه زوجتي فلانة : فقال يا رسول الله ، من كنت أظن به فلم أكن أظن بك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم .

وزوج آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام ، وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك ، ولو ألم بذلك لم يعطف رجل على امرأته ، فلما انتبه قيل له : من هذه ؟

قال : امرأة قيل : وما اسمها ؟

قال : حواء ، قيل : ولم سميت امرأة ؟

قال : لأنها من المرء أخذت ، قيل : ولم سميت حواء ؟

قال : لأنها خلقت من حي .

روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه ، وأنهم قالوا له : أتحبها يا آدم ؟

قال : نعم ، قالوا لحواء : أتحبينه يا حواء ؟

قالت : لا ، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه .

قالوا : فلو صدقت امرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء .

وقال ابن مسعود وابن عباس : لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشا ، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها ، فلما انتبه رآها فقال : من أنت ؟

قالت : امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي ، وهو معنى قوله تعالى : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها .

قال العلماء : ولهذا كانت المرأة [ ص: 286 ] عوجاء ، لأنها خلقت من أعوج وهو الضلع .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن المرأة خلقت من ضلع - في رواية : وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه - لن تستقيم لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها .

وقال الشاعر :هي الضلع العوجاء ليست تقيمها ألا إن تقويم الضلوع انكسارها أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتىأليس عجيبا ضعفها واقتدارهاومن هذا الباب استدل العلماء على ميراث الخنثى المشكل إذا تساوت فيه علامات النساء والرجال في اللحية والثدي والمبال بنقص الأعضاء .

فإن نقصت أضلاعه عن أضلاع المرأة أعطي نصيب رجل - روي ذلك عن علي رضي الله عنه - لخلق حواء من أحد أضلاعه ، وسيأتي في المواريث بيان هذا إن شاء الله تعالى .الخامسة : قوله تعالى : الجنة الجنة : البستان ، وقد تقدم القول فيها .

ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن .

واستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس ، فإن الله يقول : لا لغو فيها ولا تأثيم وقال لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما .

وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله : وما هم منها بمخرجين .

وأيضا فإن جنة الخلد هي دار القدس ، قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها .

وقد لغا فيها إبليس وكذب ، وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما .قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى ؟

فالجواب : أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام ، ومن قال : أسأل الله الجنة ، لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد .

ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم ، وقد لقي موسى آدم عليهما السلام فقال له موسى : أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة ، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد [ ص: 287 ] المعروفة ، فلم ينكر ذلك آدم ، ولو كانت غيرها لرد على موسى ، فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله عز وجل منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها .

وأما ما احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة ، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء .

وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها ، وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم انتزعت منه بعد المعصية ، وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها هي جنة الخلد حقا .

وأما قولهم : إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم ، وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي الشام ، وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدسها وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي ، وكذلك دار القدس .

قال أبو الحسن بن بطال : وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام ، فلا معنى لقول من خالفهم .

وقولهم : كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد ، فيعكس عليهم ويقال : كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء !

هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل ، فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلا ، على ما قال أبو أمامة على ما يأتي .السادسة : قوله تعالى : وكلا منها رغدا حيث شئتما قراءة الجمهور رغدا بفتح الغين .

وقرأ النخعي وابن وثاب بسكونها .

والرغد : العيش الدار الهني الذي لا عناء فيه ، قال امرؤ القيس :بينما المرء تراه ناعما يأمن الأحداث في عيش رغدويقال : رغد عيشهم ورغد ( بضم الغين وكسرها ) .

وأرغد القوم : أخصبوا وصاروا في رغد من العيش .

وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف ، وحيث وحيث وحيث ، وحوث وحوث وحاث ، كلها لغات ، ذكرها النحاس وغيره .السابعة : قوله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة أي لا تقرباها بأكل ; لأن الإباحة فيه وقعت .

قال ابن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النضر بن شميل يقول : إذا قيل لا تقرب ( بفتح الراء ) كان معناه لا تلبس بالفعل ، وإذا كان ( بضم الراء ) فإن معناه لا تدن منه .

وفي الصحاح : قرب الشيء يقرب قربا أي دنا .

وقربته ( بالكسر ) أقربه قربانا أي دنوت منه .

وقربت [ ص: 288 ] أقرب قرابة مثل كتبت أكتب كتابة - إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة ، والاسم القرب .

قال الأصمعي : قلت لأعرابي : ما القرب ؟

فقال : سير الليل لورد الغد .

وقال ابن عطية : قال بعض الحذاق : إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه العرب وهو القرب .

قال ابن عطية : وهذا مثال بين في سد الذرائع .

وقال بعض أرباب المعاني : قوله : ولا تقربا إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة ، وأن سكناه فيها لا يدوم ، لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى .

والدليل على هذا قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة فدل على خروجه منها .الثامنة : قوله تعالى : هذه الشجرة الاسم المبهم ينعت بما فيه الألف واللام لا غير ، كقولك : مررت بهذا الرجل وبهذه المرأة وهذه الشجرة .

وقرأ ابن محيصن : " هذي الشجرة " بالياء وهو الأصل ، لأن الهاء في هذه بدل من ياء ولذلك انكسر ما قبلها ، وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة سواها ، وذلك لأن أصلها الياء .والشجرة والشجرة والشيرة ، ثلاث لغات وقرئ " الشجرة " بكسر الشين .

والشجرة : ما كان على ساق من نبات الأرض .

وأرض شجيرة وشجراء أي كثيرة الأشجار ، وواد شجير ، ولا يقال : واد أشجر .

وواحد الشجراء شجرة ، ولم يأت من الجمع على هذا المثال إلا أحرف يسيرة : شجرة وشجراء ، وقصبة وقصباء ، وطرفة وطرفاء ، وحلفة وحلفاء .

وكان الأصمعي يقول في واحد الحلفاء : حلفة ، بكسر اللام مخالفة لأخواتها .

وقال سيبويه : الشجراء واحد وجمع ، وكذلك القصباء والطرفاء والحلفاء .

والمشجرة : موضع الأشجار .

وأرض مشجرة ، وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجرا ، قاله الجوهري .التاسعة : واختلف أهل التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نهي عنها فأكل منها ، فقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة : هي الكرم ، ولذلك حرمت علينا الخمر .

وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك وقتادة : هي السنبلة ، والحبة منها ككلى البقر ، أحلى من العسل وألين من الزبد ، قاله وهب بن منبه .

ولما تاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه .

وقال ابن جريج عن بعض الصحابة : هي شجرة التين ، وكذا روى سعيد عن قتادة ، ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم عليه السلام على أكلها ، ذكره السهيلي .

قال ابن عطية : وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر ، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها .

وقال القشيري أبو نصر : وكان الإمام والدي رحمه الله يقول : يعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة .العاشرة : واختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله تعالى : فتكونا من الظالمين ، فقال قوم أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها ، كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر .

قال ابن العربي : وهي أول معصية عصي الله بها على هذا القول .

قال : " وفيه دليل على أن من حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه حنث .

وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا : لا حنث فيه .

وقال مالك وأصحابه : إن اقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث بأكل جنسه ، وإن اقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه وحنث بأكل غيره ، وعليه حملت قصة آدم عليه السلام فإنه نهي عن شجرة عينت له وأريد بها جنسها ، فحمل القول على اللفظ دون المعنى .وقد اختلف علماؤنا في فرع من هذا ، وهو أنه إذا حلف ألا يأكل هذه الحنطة فأكل خبزا منها على قولين ، قال في الكتاب : يحنث ; لأنها هكذا تؤكل .

وقال ابن المواز : لا شيء عليه ; لأنه لم يأكل حنطة وإنما أكل خبزا فراعى الاسم والصفة .

ولو قال في يمينه : لا آكل من هذه الحنطة لحنث بأكل الخبز المعمول منها وفيما اشترى بثمنها من طعام ، وفيما أنبتت خلاف .

وقال آخرون : تأولا النهي على الندب .

قال ابن العربي : وهذا وإن كان مسألة من أصول الفقه فقد سقط ذلك هاهنا ، لقوله : فتكونا من الظالمين فقرن النهي بالوعيد ، وكذلك قوله سبحانه : فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى .

وقال ابن المسيب : إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فسكر وكان في غير عقله .

وكذلك قال يزيد بن قسيط ، وكانا يحلفان بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل .

قال ابن العربي : وهذا فاسد نقلا وعقلا ، أما النقل فلم يصح بحال ، وقد وصف الله عز وجل خمر الجنة فقال : لا فيها غول .

وأما العقل فلأن الأنبياء بعد النبوة معصومون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض واقتحام الجرائم .

قلت : قد استنبط بعض العلماء نبوة آدم عليه السلام قبل إسكانه الجنة من قوله تعالى : [ ص: 290 ] فلما أنبأهم بأسمائهم فأمره الله تعالى أن ينبئ الملائكة بما ليس عندهم من علم الله جل وعز .

وقيل : أكلها ناسيا ، ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد .

قلت : وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزما فقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما .

ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ والتيقظ لكثرة معارفهم وعلو منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكر النهي تضييعا صار به عاصيا ، أي مخالفا .

قال أبو أمامة : لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم ، وقد قال الله تعالى : ولم نجد له عزما .قلت : قول أبي أمامة هذا عموم في جميع بني آدم .

وقد يحتمل أن يخص من ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان أوفر الناس حلما وعقلا .

وقد يحتمل أن يكون المعنى لو أن أحلام بني آدم من غير الأنبياء .

والله أعلم .قلت : والقول الأول أيضا حسن ، فظنا أن المراد العين وكان المراد الجنس ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال : هذان حرامان على ذكور أمتي .

وقال في خبر آخر : هذان مهلكان أمتي .

وإنما أراد الجنس لا العين .الحادية عشرة : يقال : إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها - على ما يأتي بيانه - وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس المخدة ، وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء ، فقال : ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد ، لأنه علم منهما أنهما كانا يحبان الخلد ، فأتاهما من حيث أحبا - " حبك الشيء يعمي ويصم " - فلما قالت حواء لآدم أنكر عليها وذكر العهد ، فألح على حواء وألحت حواء على آدم ، إلى أن قالت : أنا آكل قبلك حتى إن أصابني شيء سلمت أنت ، فأكلت فلم يضرها ، فأتت آدم فقالت : كل فإني قد أكلت فلم يضرني ، فأكل فبدت لهما سوءاتهما وحصلا في حكم الذنب ، لقول الله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة فجمعهما في النهي ، فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتى وجد المنهي عنه منهما جميعا ، وخفيت على آدم هذه المسألة ، ولهذا قال بعض العلماء : إن من قال لزوجتيه أو أمتيه : إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو حرتان - إن الطلاق والعتق لا يقع بدخول إحداهما .

وقد [ ص: 291 ] اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال ، قال ابن القاسم : لا تطلقان ولا تعتقان إلا باجتماعهما في الدخول ، حملا على هذا الأصل وأخذا بمقتضى مطلق اللفظ .

وقاله سحنون .

وقال ابن القاسم مرة أخرى : تطلقان جميعا وتعتقان جميعا بوجود الدخول من إحداهما ; لأن بعض الحنث حنث ، كما لو حلف ألا يأكل هذين الرغيفين فإنه يحنث بأكل أحدهما بل بأكل لقمة منهما .

وقال أشهب : تعتق وتطلق التي دخلت وحدها ; لأن دخول كل واحدة منهما شرط في طلاقها أو عتقها .

قال ابن العربي : وهذا بعيد ; لأن بعض الشرط لا يكون شرطا إجماعا .قلت : الصحيح الأول ، وإن النهي إذا كان معلقا على فعلين لا تتحقق المخالفة إلا بهما ; لأنك إذا قلت : لا تدخلا الدار ، فدخل أحدهما ما وجدت المخالفة منهما ; لأن قول الله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة نهي لهما فتكونا من الظالمين جوابه ، فلا يكونا من الظالمين حتى يفعلا ، فلما أكلت لم يصبها شيء ; لأن المنهي عنه ما وجد كاملا .

وخفي هذا المعنى على آدم فطمع ونسي هذا الحكم ، وهو معنى قوله تعالى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي وقيل : نسي قوله : إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى .

والله أعلم .الثانية عشرة : واختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا ؟

بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رذيلة فيها شين ونقص إجماعا .

عند القاضي أبي بكر ، وعند الأستاذ أبي إسحاق أن ذلك مقتضى دليل المعجزة ، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم - ، فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين : تقع الصغائر منهم .

خلافا للرافضة حيث قالوا : إنهم معصومون من جميع ذلك ، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث ، وهذا ظاهر لا خفاء فيه .

وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي : إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها ، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة ، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم ، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو المعصية ، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية ، لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين .

قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : واختلفوا في الصغائر ، والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم ، وصار بعضهم إلى تجويزها ، ولا أصل لهذه المقالة .

وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى [ ص: 292 ] القول الأول : الذي ينبغي أن يقال إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها ، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا ، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها ، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم ، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان ، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات ، بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم ، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس ، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة .

قال : وهذا هو الحق .

ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين .

فهم - صلوات الله وسلامه عليهم - وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم ، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم ، صلوات الله عليهم وسلامه .الثالثة عشرة : قوله تعالى : فتكونا من الظالمين الظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه .

والأرض المظلومة : التي لم تحفر قط ثم حفرت .

قال النابغة .وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينهاوالنؤي كالحوض بالمظلومة الجلدويسمى ذلك التراب الظليم .

قال الشاعر :فأصبح في غبراء بعد إشاحة على العيش مردود عليها ظليمهاوإذا نحر البعير من غير داء به فقد ظلم ، ومنه : .

.

.

ظلامون للجزر .ويقال : سقانا ظليمة طيبة ، إذا سقاهم اللبن قبل إدراكه .

وقد ظلم وطبه ، إذا سقى منه قبل أن يروب ويخرج زبده .

واللبن مظلوم وظليم .

قال :وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليمورجل ظليم : شديد الظلم .

والظلم : الشرك ، قال الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم .قوله تعالى وكلا منها رغدا حذفت النون من " كلا " لأنه أمر ، وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال ، وحذفها شاذ .

قال سيبويه : من العرب من يقول أؤكل ، فيتم .

يقال منه : أكلت [ ص: 293 ] الطعام أكلا ومأكلا .

والأكلة ( بالفتح ) : المرة الواحدة حتى تشبع .

والأكلة ( بالضم ) : اللقمة ، تقول : أكلت أكلة واحدة ، أي لقمة ، وهي القرصة أيضا .

وهذا الشيء أكلة لك ، أي طعمة لك .

والأكل أيضا ما أكل .

ويقال : فلان ذو أكل إذا كان ذا حظ من الدنيا ورزق واسع .

رغدا نعت لمصدر محذوف ، أي أكلا رغدا .

قال ابن كيسان : ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال .

وقال مجاهد : رغدا أي لا حساب عليهم .

والرغد في اللغة : الكثير الذي لا يعنيك ، ويقال : أرغد القوم ، إذا وقعوا في خصب وسعة .

وقد تقدم هذا المعنى .

" حيث " مبنية على الضم ; لأنها خالفت أخواتها الظروف في أنها لا تضاف ، فأشبهت قبل وبعد إذا أفردتا فضمت .

قال الكسائي : لغة قيس وكنانة الضم ، ولغة تميم الفتح .

قال الكسائي : وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض ، وينصبونها في موضع النصب ، قال الله تعالى : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وتضم وتفتح .ولا تقربا هذه الشجرة الهاء من " هذه " بدل من ياء الأصل ; لأن الأصل هذي .

قال النحاس : ولا أعلم في العربية هاء تأنيث مكسورا ما قبلها إلا هاء هذه ومن العرب من يقول : هاتا هند ، ومنهم من يقول : هاتي هند .

وحكى سيبويه : هذه هند ، بإسكان الهاء .

وحكى الكسائي عن العرب : ولا تقربا هذي الشجرة .

وعن شبل بن عباد قال : كان ابن كثير وابن محيصن لا يثبتان الهاء في " هذه " في جميع القرآن .

وقراءة الجماعة " رغدا " بفتح الغين .

وروي عن ابن وثاب والنخعي أنهما سكنا الغين .

وحكى سلمة عن الفراء قال يقال : هذه فعلت وهذي فعلت ، بإثبات ياء بعد الذال .

وهذ فعلت ، بكسر الذال من غير إلحاق ياء ولا هاء .

وهاتا فعلت .

قال هشام ويقال : تا فعلت .

وأنشد :خليلي لولا ساكن الدار لم أقم بتا الدار إلا عابر ابن سبيلقال ابن الأنباري : وتا بإسقاط ها بمنزلة ذي بإسقاط ها من هذي ، وبمنزلة ذه بإسقاط ها من هذه .

وقد قال الفراء : من قال هذ قامت - لا يسقط ها ; لأن الاسم لا يكون على ذال واحدة .( فتكونا ) عطف على ( تقربا ) فلذلك حذفت النون .

وزعم الجرمي أن الفاء هي الناصبة ، وكلاهما جائز .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما خلق الله آدم وفضله; أتم نعمته عليه; بأن خلق منه زوجة ليسكن إليها; ويستأنس بها; وأمرهما بسكنى الجنة; والأكل منها رغدا; أي: واسعا هنيئا، { حَيْثُ شِئْتُمَا } أي: من أصناف الثمار والفواكه; وقال الله له: { إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى } { وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } نوع من أنواع شجر الجنة; الله أعلم بها، وإنما نهاهما عنها امتحانا وابتلاء [أو لحكمة غير معلومة لنا] { فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } دل على أن النهي للتحريم; لأنه رتب عليه الظلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} وذلك أن آدم لم يكن له في الجنة من يجانسه فنام نومة فخلق الله زوجته حواء من قصيراء من شقه الأيسر، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، خلقها الله عز وجل من غير أن أحس به آدم ولا وجد له ألماً، ولو وجد ألماً لما عطف رجل على امرأة قط فلما هب من نومه رآها جالسة عند رأسه (كأحسن ما في) خلق الله فقال لها: من أنتِ؟، قالت: زوجتك خلقني الله لك تسكن إلي وأسكن إليك.

{وكلا منها رغداً} واسعاً كثيراً.

{حيث شئتما} كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما.

{ولا تقربا هذه الشجرة} يعني للأكل، وقال بعض العلماء: وقع النهي على جنس من الشجر.

وقال آخرون: على شجرة مخصوصة، واختلفوا في تلك الشجرة.

قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومقاتل: "هي السنبلة".

وقال ابن مسعود: "هي شجرة العنب".

وقال ابن جريج: "شجرة التين".

وقال قتادة: "شجرة العلم وفيها من كل شيء".

وقال علي رضي الله عنه: "شجرة الكافور".

{فتكونا} فتصيرا.

{من الظالمين} أي: الضارين بأنفسكما بالمعصية.

وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقلنا يا آدم اسكن أنت» تأكيد للضمير المستتر ليعطف عليه «وزوجك» حواء بالمد وكان خلقها من ضلعه الأيسر «الجنة وكلا منها» أكلاً «رغداً» واسعا لاحجر فيه «حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة» بالأكل منها وهى الحنطة أو الكرم أو غيرهما «فتكونا» فتصيرا «من الظالمين» العاصين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال الله: يا آدم اسكن أنت وزوجك حواء الجنة، وتمتعا بثمارها تمتعًا هنيئًا واسعًا في أي مكان تشاءان فيها، ولا تقربا هذه الشجرة حتى لا تقعا في المعصية، فتصيرا من المتجاوزين أمر الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( وَقُلْنَا يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة ) معطوف على قوله ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ .

.

.

إلخ ) أي : بعد أن أمرنا الملائكة بالسجود لآدم ، قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، فهذه تكرمه أكره الله بها بعد أن أكرمه بكرامة الإِجلال من تلقاء الملائكة .وقوله : ( اسكن ) أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن على وجه الاستقرار .والزوج : يطلق على الرجل والمرأة والمراد به هنا حواء ، حيث تقول العرب للمرأة زوج ، ولا تكاد تقول زوجة .والجنة : هي كل بستان ذي شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظلل ما تحته ويستره ، من الجن ، وهو ستر الشيء عن الحاسة .وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب .

التي أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة ، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الإِطلاق .ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من الأرض ، خلقه الله لإِسكان آدم وزوجه ، واختلفوا في مكانه ، فقيل بفلسطين .

وقيل بغيرها .وقد ساق الإِمام ابن القيم في كتابه ( حادي الأرواح ) أدلة الفريقين دون أن يرجح شيئاً منها .والأحوط والأسلم : الكف عن تعيينها وعن القطع به ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدي في التأويلات ، إذ ليس لهذه المسألة تأثير في العقيدة .والمخاطب بالأمر ، بسكنى الجنة آدم وحواء ، ولكن الأسلوب جاء في صيغة الخطاب لآدم وعطفت عليه زوجه ، لأنه هو المقصود بالأمر وزوجه تبع له .ثم بين - سبحانه - أنه قد أباح لهما أن يأكلا من ثمار الجنة أكلا واسعا فقال : ( وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا ) أي كلا من مطاعم الجنة وثمارها أكلا هنيئاً أو واسعاً في أي مكان من الجنة أردتم .يقال : رغد عيش القوم أي : اتسع وطاب ، وأرغد القوم ، أي : اخصبوا وصاروا في رزق واسع .والضمير في قوله ( مِنْهَا ) يعود إلى الجنة ، والمراد بالأكل منها : الأكل من مطاعمها وثمارها ، لأن الجنة تستلزم ثماراً هي المقصودة بالأكل .ثم بين - سبحانه - أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال : ( وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين ) .القرب : الدنو ، والمنهى عنه هو الأكل من ثمار الشجرة ، وتعليق النهي بالقرب منها إذ قال ( وَلاَ تَقْرَبَا ) القصد منه المبالغة في النهي عن الأكل ، إذ في النهي عن القرب من الشيء قطع لوسيلة التلبس سبه ، كما قال تعالى : ( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى ) فنهى عن القرب من الزنا ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه وهي القرب منه .

وأكد النبي بأن جعل عدم اجتناب الأكل من الشجرة ظلماً فقال : ( فَتَكُونَا مِنَ الظالمين ) وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها ، فقد ترتب على أكلهما منها أن أخرجا من الجنة التي كانا يعيشان فيها عيشة راضية .وقد تكلم العلماء كثيراً عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هي التينة ، وقيل : هي السنبلة ، وقيل هي الكرم .

.

الخ .

إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على عادته في عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سوق القصة إلى بيانه .وقد أحسن الإِمام ابن جرير في التعبير عن هذا المعنى فقال : " والصواب في ذلك أن يقال : إن الله - تعالى - نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة يعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين ، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة ، وقد قيل : كانت شجرة البر ، وقيل كانت شجرة العنب .

وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه ، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمرتكليف أو إباحة فالمروي عن قتاده أنه قال: إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها فما زالت به البلايا حتى وقع فيم نهى عنه فبدت سوأته عند ذلك وأهبط من الجنة وأسكن موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف.

وقال آخرون: إن ذلك إباحة لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله: ﴿ كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم  ﴾ أمراً وتكليفاً بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذوناً في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضراً وهو كان ممنوعاً عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكاً له، فهاهنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك.

المسألة الثانية: أن الله تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم وأبى إبليس السجود صيره الله ملعوناً ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته.

واختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه، فذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فبقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت؟

قالت: امرأة.

قال: ولم خلقت؟

قالت: لتسكن إليّ، فقالت الملائكة: ما اسمها؟

قالوا: حواء، ولم سميت حواء، قال: لأنها خلقت من شيء حي، وعن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلا الجنة.

فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة والخبر الأول يدل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بالحقيقة.

المسألة الثالثة: أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ وفي الأعراف: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا  ﴾ ، وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت».

المسألة الرابعة: اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية، هل كانت في الأرض أو في السماء؟

وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى؟

فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى: ﴿ اهبطوا مِصْرًا  ﴾ واحتجا عليه بوجوه: أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى  ﴾ ، ولما صح قوله: ﴿ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين  ﴾ .

وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: ﴿ وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِين  ﴾ .

وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد.

ورابعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا  ﴾ ولقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا  ﴾ إلى أن قال: ﴿ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ  ﴾ أي غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه  ﴾ ولما خرج منها آدم عليه السلام لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات.

وخامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل ولأنه لا يهمل عباده بل لابد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد.

وسادسها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له: ﴿ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة ﴾ جنة أخرى غير جنة الخلد.

القول الثاني: وهو قول الجبائي: أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ اهبطوا مِنْهَا  ﴾ ، ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض.

القول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا: أن هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم لأن سكنى جميع الجنان محال، فلابد من صرفها إلى المعهود السابق والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها، والقول الرابع: أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم.

المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار وأنت تأكيد للمستكن في اسكن ليصح العطف عليه ورغداً وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً وحيث للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما، فالمراد من الآية إطلاق الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الكثيرة.

المسألة السادسة: لقائل أن يقول: إنه تعالى قال هاهنا: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا ﴾ وقال في الأعراف: ﴿ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا  ﴾ فعطف ﴿ كُلاَ ﴾ على قوله: ﴿ اسكن ﴾ في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة؟

والجواب: كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك الشيء بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُلْنَا * ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا  ﴾ فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصل إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ  ﴾ ، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لأن اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه وإن كان مجتازاً فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء، إذا ثبت هذا فنقول: إن ﴿ اسكن ﴾ يقال لمن دخل مكاناً فيراد منه الزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه، ويقال أيضاً لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه، ففي سورة البقرة هذه الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار، وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو.

وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل: أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم.

المسألة السابعة: قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة ﴾ لا شبهة في أنه نهى ولكن فيه بحثان.

الأول: أن هذا نهي تحريم أو نهي تنزيه فيه خلاف، فقال قائلون: هذه الصيغة لنهي التنزيه، وذلك لأن هذه الصيغة وردت تارة في التنزيه وأخرى في التحريم، والأصل عدم الاشتراك فلابد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين القسمين، وما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل أو على الإطلاق فيه، لكن الإطلاق فيه كان ثابتاً بحكم الأصل، فإن الأصل في المنافع الإباحة، فإذا ضممنا مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلاً على التنزيه، قالوا: وهذا هو الأولى بهذا المقام لأن على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى ومعلوم أن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام كان أولى بالقبول، وقال آخرون: بل هذا النهي نهي تحريم واحتجوا عليه بأمور.

أحدها: أن قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة ﴾ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول.

وثانيها: أنه قال: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظالمين ﴾ معناه إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا  ﴾ .

وثالثها: أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه، والجواب عن الأول نقول: إن النهي وإن كان في الأصل للتنزيه ولكنه قد يحمل على التحريم لدلالة منفصلة، وعن الثاني: أن قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظالمين ﴾ أي فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنة التي لا تظمآن فيها ولا تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان إلى موضع ليس لكما فيه شيء من هذا، وعن الثالث: أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنة كان لهذا السبب وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

البحث الثاني: قال قائلون قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة ﴾ يفيد بفحواه النهي عن الأكل، وهذا ضعيف لأن النهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب.

وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى في غير هذا الموضع: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سوآتهما  ﴾ ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل وسائر الانتفاعات ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة: المسألة الثامنة: اختلفوا في الشجرة ما هي، فروى مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها البر والسنبلة.

وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشجرة فقال: هي الشجرة المباركة السنبلة.

وروى السدي عن ابن عباس وابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وقال الربيع بن أنس: كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.

واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين فلا حاجة أيضاً إلى بيانه لأنه ليس المقصود من هذا الكلام أن يعرفنا عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصوداً في الكلام، لا يجب على الحكيم أن يبينه بل ربما كان بيانه عبثاً لأن أحدنا لو أراد أن يقيم العذر لغيره في التأخر فقال: شغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب لكان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين هذا الغلام ويذكر اسمه وصفته، فليس لأحد أن يظن أنه وقع هاهنا تقصير في البيان، ثم قال بعضهم الأقرب في لفظ الشجرة أن يتناول ماله ساق وأغصان، وقيل لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ  ﴾ مع أنها كالزرع والبطيخ فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجراً، قال المبرد: وأحسب أن كل ما تفرعت له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً في وقت تشعبه وأصل هذا أنه كل ما شجر أي أخذ يمنه ويسرة يقال: رأيت فلاناً في شجرته الرماح.

وقال تعالى: ﴿ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  ﴾ وتشاجر الرجلان في أمر كذا.

المسألة التاسعة: اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظالمين ﴾ هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم الغير، وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره، فظلم النفس أعم وأعظم.

ثم اختلف الناس هاهنا على ثلاثة أقوال: الأول: قول الحشوية الذين قالوا: إنه أقدم على الكبيرة فلا جرم كان فعله ظلماً.

الثاني: قوله المعتزلة الذين قالوا: إنه أقدم على الصغيرة ثم لهؤلاء قولان: أحدهما: قول أبي علي الجبائي وهو أنه ظلم نفسه بأن ألزمها ما يشق عليه من التوبة والتلافي، وثانيهما: قول أبي هاشم وهو أنه ظلم نفسه من حيث أحبط بعض ثوابه الحاصل فصار ذلك نقصاً فيما قد استحقه.

الثالث: قول من ينكر صدور المعصية منهم مطلقاً وحمل هذا الظلم على أنه فعل ما الأولى له أن لا يفعله.

ومثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها واشتغل بالحياكة، فإنه يقال له: يا ظالم نفسه لم فعلت ذلك؟

فإن قيل: هل يجوز وصف الأنبياء عليهم السلام بأنهم كانوا ظالمين أو بأنهم كانوا ظالمي أنفسهم؟

والجواب أن الأولى أنه لا يطلق ذلك لما فيه من إيهام الذم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

السجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له؟

ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه.

وقرأ أبو جعفر: ﴿ للملائكةُ اسجدوا ﴾ بضم التاء للاتباع.

ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الاتباع إلا في لغة ضعيفة، كقولهم: ﴿ الحمد لله ﴾ .

﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل، لأنه كان جنّيّاً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم، فغلبوا عليه في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم.

ويجوز أن يجعل منقطعاً ﴿ أبى ﴾ امتنع مما أمر به ﴿ واستكبر ﴾ عنه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فلذلك أبى واستكبر كقوله: ﴿ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ [الكهف: 50] .

السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.

و ﴿ أَنتَ ﴾ تأكيد للمستكن في ﴿ اسكن ﴾ ليصح العطف عليه.

و ﴿ رَغَدًا ﴾ وصف للمصدر، أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً.

و ﴿ حَيْثُ ﴾ للمكان المبهم، أي: أيّ مكان من الجنة ﴿ شِئْتُمَا ﴾ أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة، حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة بين أشجارها الفائتة للحصر، وكانت الشجرة فيما قيل: (الحنطة) أو (الكرمة) أو (التينة)، وقرئ: ﴿ ولا تِقربا ﴾ بكسر التاء.

﴿ وهذي ﴾ ، ﴿ والشِّجرة ﴾ ، بكسر الشين.

﴿ والشيرة ﴾ بكسر الشين والياء.

وعن أبي عمرو أنه كرهها، وقال يقرأ بها برابرة مكة وسودانها.

﴿ مِنَ الظالمين ﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله ﴿ فَتَكُونَا ﴾ جزم عطف على ﴿ تَقْرَبَا ﴾ أو نصب جواب للنهى.

الضمير في ﴿ عَنْهَا ﴾ للشجرة.

أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها.

وتحقيقه: فأصدر الشيطان زلتهما عنها.

و(عن) هذه، مثلها في قوله تعالى: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ﴾ [الكهف: 82] .

وقوله: يَنْهَوْنَ عَنْ أَكْلٍ وعَنْ شُرْبِ وقيل: فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما، كما تقول: زلّ عن مرتبته.

وزل عنى ذاك: إذا ذهب عنك وزل من الشهر كذا.

وقرئ: ﴿ فأزالهما ﴾ ﴿ مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ من النعيم والكرامة.

أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في (عنها).

وقرأ عبد الله: ﴿ فوسوس لهما الشيطان عنها ﴾ ، وهذا دليل على أن الضمير للشجرة، لأن المعنى صدرت وسوسته عنها، فإن قلت: كيف توصل إلى إزلالهما ووسوسته لهما بعدما قيل له: ﴿ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ [ص: 77] .

قلت: يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء.

وقيل: كان يدنو من السماء فيكلمهما.

وقيل: قام عند الباب فنادى.

وروى أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة، فدخل في فم الحية حتى دخلت به وهم لا يشعرون.

قيل: ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وإبليس: وقيل: والحية.

والصحيح أنه لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم.

والدليل عليه قوله: ﴿ قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [طه: 123] ويدل على ذلك قوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ، ﴿ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .

وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.

ومعنى بعضكم لبعض ﴿ لِبَعْضٍ ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض.

والهبوط: النزول إلى الأرض.

﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار أو استقرار ﴿ ومتاع ﴾ وتمتع بالعيش ﴿ إلى حِينٍ ﴾ يريد إلى يوم القيامة.

وقيل: إلى الموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ السُّكْنى مِنَ السُّكُونِ لِأنَّها اسْتِقْرارٌ ولُبْثٌ، و ﴿ أنْتَ ﴾ تَأْكِيدٌ أكَّدَ بِهِ المُسْتَكِنَّ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُخاطِبْهُما أوَّلًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالحُكْمِ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ تَبَعٌ لَهُ.

والجَنَّةُ دارُ الثَّوابِ، لِأنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ ولا مَعْهُودَ غَيْرِها.

ومَن زَعَمَ أنَّها لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ قالَ إنَّهُ بُسْتانٌ كانَ بِأرْضِ فِلَسْطِينَ، أوْ بَيْنَ فارِسَ وكَرْمانَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى امْتِحانًا لِآدَمَ، وحَمَلَ الإهْباطَ عَلى الِانْتِقالِ مِنهُ إلى أرْضِ الهِنْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ وكُلًّا مِنها رَغَدًا واسِعًا رافِهًا، صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.

﴿ حَيْثُ شِئْتُما ﴾ أيَّ مَكانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئْتُما، وسَّعَ الأمْرَ عَلَيْهِما إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، والعُذْرُ في التَّناوُلِ مِنَ الشَّجَرَةِ المَنهِيِّ عَنْها مِن بَيْنِ أشْجارِها الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ.

﴿ وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ مُبالَغاتٌ، تَعْلِيقُ النَّهْيِ بِالقُرْبِ الَّذِي هو مِن مُقَدِّماتِ التَّناوُلِ مُبالَغَةً في تَحْرِيمِهِ، ووُجُوبَ الِاجْتِنابِ عَنْهُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ القُرْبَ مِنَ الشَّيْءِ يُورِثُ داعِيَةً، ومَيْلًا يَأْخُذُ بِمَجامِعِ القَلْبِ ويُلْهِيهِ عَمّا هو مُقْتَضى العَقْلِ والشَّرْعِ، كَما رُوِيَ «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ» فَيَنْبَغِي أنْ لا يَحُوما حَوْلَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِما مَخافَةَ أنْ يَقَعا فِيهِ، وجَعَلَهُ سَبَبًا لِأنْ يَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعاصِي، أوْ بِنَقْصِ حَظِّهِما بِالإتْيانِ بِما يُخِلُّ بِالكَرامَةِ والنَّعِيمِ، فَإنَّ الفاءَ تُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ سَواءٌ جُعِلَتْ لِلْعَطْفِ عَلى النَّهْيِ أوِ الجَوابِ لَهُ.

والشَّجَرَةُ هي الحِنْطَةُ، أوِ الكَرْمَةُ، أوِ التِّينَةُ، أوْ شَجَرَةٌ مَن أكَلَ مِنها أحْدَثَ، والأوْلى أنْ لا تُعَيَّنَ مِن غَيْرِ قاطِعٍ كَما لَمْ تُعَيَّنْ في الآيَةِ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ ما هو المَقْصُودُ عَلَيْهِ.

وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ، و « تَقْرَبا» بِكَسْرِ التّاءِ و « هَذِي» بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقلنا يا آدم اسكن} أمر من سكن الدار يسكنها سكنى إذا أقام فيها ويقال سكن المتحرك سكوناً {أَنتَ} تأكيد للمستكن في اسكن ليصح عطف {وَزَوْجُكَ} عليه {الجنة} هي جنة الخلد التي وعدت للمتقين للنقل المشهور واللام للتعريف وقالت المعتزلة كانت بستاناً باليمن لأن الجنة لا تكليف فيها ولا خروج عنها قلنا إنما لا يخرج منها من دخلها جزاء وقد دخل النبي عليه السلام ليلة المعراج ثم خرج منها وأهل الجنة يكلفون المعروفة والتوحيد {وَكُلاَ مِنْهَا} من ثمارها فحذف المضاف {رَغَدًا} وصف للمصدر أي أكلاً رغداً واسعاً {حيث شئتما} وبابه بغير همز أبو عمرو وحيث للمكان المبهم أي أيَّ مكان من الجنة شئتما {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} أي الحنطة ولذا قيل كيف لا يعصي الإنسان وقوته من شجرة العصيان أو الكرمة لأنها أصل كل فتنة أو التينة {فَتَكُونَا} جزم عطف على تقربا أو نصب جواب للنهي {مِنَ الظالمين} من الذين ظلموا أنفسهم أو من الضارين انفسهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ”إذ قُلْنا“ بِتَقْدِيرِ إذْ، أوْ بِدُونِهِ، أوْ عَلى (قُلْنا)، والزَّمانُ مُمْتَدٌّ واسِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِتَنْبِيهِ المَأْمُورِ لِما يُلْقى إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ، وتَحْرِيكِهِ لِما يُخاطَبُ بِهِ، إذْ هو مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَتَوَجَّهَ إلَيْها، (واسْكُنْ)، أمْرٌ مِنَ السُّكْنى، بِمَعْنى اتِّخاذِ المَسْكَنِ، لا مِنَ السُّكُونِ تَرْكِ الحَرَكَةِ إذْ يُنافِيهِ ظاهِرًا (حَيْثُ شِئْتُما)، وذُكِرَ مُتَعَلِّقُهُ بِدُونِ (فِي) ولَيْسَ بِمَكانٍ مُبْهَمٍ، (وأنْتَ) تَوْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنِّ في (اسْكُنْ)، والمَقْصِدُ مِنهُ بِالذّاتِ صِحَّةُ العَطْفِ، إذْ لَوْلاهُ لَزِمَ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِلا فَصْلٍ، وهو مُمْتَنِعٌ في الفَصِيحِ عَلى الصَّحِيحِ، وإفادَةُ تَقْرِيرِ المَتْبُوعِ مَقْصُودَةٌ تَبَعًا، وصَحَّ العَطْفُ مَعَ أنَّ المَعْطُوفَ لا يُباشِرُهُ فِعْلُ الأمْرِ، لِأنَّهُ وقَعَ تابِعًا، ويُغْتَفَرُ فِيهِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، وقِيلَ: هُناكَ تَغْلِيبانِ تَغْلِيبُ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ، والمُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، ولِكَوْنِ التَّغْلِيبِ مَجازًا، ومَعْنى السُّكُونِ والأمْرِ مَوْجُودًا فِيهِما حَقِيقَةً خَفِيَ الأمْرُ، فَأمّا أنْ يَلْتَزِمَ أنَّ التَّغْلِيبَ قَدْ يَكُونُ مَجازًا غَيْرَ لُغَوِيٍّ بِأنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ لُغَوِيٌّ، لِأنَّ صِيغَةَ الأمْرِ هُنا لِلْمُخاطَبِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ في الأعَمِّ، ولِلتَّخَلُّصِ عَنْ ذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ بِتَقْدِيرِ: فَلْيَسْكُنْ، وفِيهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، فَلا وجْهَ لِلتَّأْكِيدِ، والأمْرُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلْإباحَةِ كاصْطادُوا، وأنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ كَما أنَّ النَّهْيَ فِيما بَعْدُ لِلتَّحْرِيمِ، وإيثارُهُ عَلى اسْكُنا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المَقْصِدُ بِالحُكْمِ في جَمِيعِ الأوامِرِ، وهي تَبَعٌ لَهُ، كَما أنَّها في الخِلْقَةِ كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَصِحُّ إيرادُ زَوْجِكَ بِدُونِ العَطْفِ، بِأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والجَنَّةُ في المَشْهُورِ دارُ الثَّوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّها المُتَبادِرَةُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولِسَبْقِ ذِكْرِها في السُّورَةِ، وفي ظَواهِرِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِنها ما في الصَّحِيحِ مِن مُحاجَّةِ آدَمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهي إذَنْ في السَّماءِ، حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنها، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ، وأبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وأُناسٌ إلى أنَّها جَنَّةٌ أُخْرى خَلَقَها اللَّهُ تَعالى امْتِحانًا لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ بُسْتانًا في الأرْضِ بَيْنَ فارِسَ وكِرْمانَ، وقِيلَ: بِأرْضِ عَدَنٍ، وقِيلَ: بِفِلَسْطِينَ، كُورَةٌ بِالشّامِ، ولَمْ تَكُنِ الجَنَّةَ المَعْرُوفَةَ، وحَمَلُوا الهُبُوطَ عَلى الِانْتِقالِ مِن بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ، كَما في ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ أوْ عَلى ظاهِرِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، قالُوا: لِأنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ تَعالى خَلَقَ آدَمَ في الأرْضِ، ولَمْ يَذْكُرْ في القِصَّةِ أنَّهُ نَقَلَهُ إلى السَّماءِ، ولَوْ كانَ نَقَلَهُ إلَيْها لَكانَ أوْلى بِالذِّكْرِ، ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ في شَأْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ وأهْلِها ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا ﴾ ﴿ إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴾ و ﴿ لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ﴾ ﴿ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ ﴾ وقَدْ لَغا إبْلِيسُ فِيها، وكَذَبَ، وأُخْرِجَ مِنها آدَمُ وحَوّاءُ مَعَ إدْخالِهِما فِيها عَلى وجْهِ السُّكْنى لا كَإدْخالِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ المِعْراجِ، ولِأنَّ جَنَّةَ الخُلْدِ دارٌ لِلنَّعِيمِ، وراحَةٌ، ولَيْسَتْ بِدارِ تَكْلِيفٍ، وقَدْ كُلِّفَ آدَمُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ولِأنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الكافِرِينَ، وقَدْ دَخَلَها لِلْوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَتْ دارَ الخُلْدِ ما دَخَلَها، ولا كادَ، لِأنَّ الأكابِرَ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِالكافِرِ إلى بابِ الجَنَّةِ لَتَمَزَّقَ، ولَمْ يَدْخُلْها، لِأنَّهُ ظُلْمَةٌ، وهي نُورٌ، ودُخُولُهُ مُسْتَتِرًا في الجَنَّةِ عَلى ما فِيهِ، لا يُفِيدُ، ولِأنَّها مَحَلُّ تَطْهِيرٍ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَقَعَ فِيها العِصْيانُ والمُخالَفَةُ، ويَحِلَّ بِها غَيْرُ المُطَهَّرِينَ؟

ولِأنَّ أوَّلَ حَمْلِ حَوّاءَ كانَ في الجَنَّةِ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ ذَلِكَ الطَّعامَ اللَّطِيفَ يَتَوَلَّدُ مِنهُ نُطْفَةُ هَذا الجَسَدِ الكَثِيفِ، والتِزامُ الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، والتِزامُ ما لا يَلْزَمُ، وما في حَيِّزِ المُحاجَّةِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى هَذِهِ الجَنَّةِ، وكَوْنُ حَمْلِها عَلى ما ذُكِرَ يَجْرِي مَجْرى المُلاعَبَةِ بِالدِّينِ، والمُراغَمَةِ لِإجْماعِ المُسْلِمِينَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقِيلَ: كانَتْ في السَّماءِ، ولَيْسَتْ دارَ الثَّوابِ بَلْ هي جَنَّةُ الخُلْدِ، وقِيلَ: كانَتْ غَيْرَهُما، ويَرُدُّ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ في السَّماءِ بَساتِينَ غَيْرَ بَساتِينِ الجَنَّةِ المَعْرُوفَةِ، واحْتِمالُ أنَّها خُلِقَتْ إذْ ذاكَ، ثُمَّ اضْمَحَلَّتْ مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مُنْصِفٌ، وقِيلَ: الكُلُّ مُمْكِنٌ، واللَّهُ تَعالى عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ، والأدِلَّةُ مُتَعارِضَةٌ، فالأحْوَطُ والأسْلَمُ هو الكَفُّ عَنْ تَعْيِينِها، والقَطْعُ بِهِ، وإلَيْهِ مالَ صاحِبُ التَّأْوِيلاتِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّها في الأرْضِ عِنْدَ جَبَلِ الياقُوتِ تَحْتَ خَطِّ الِاسْتِواءِ، ويُسَمُّونَها جَنَّةَ البَرْزَخِ، وهي الآنَ مَوْجُودَةٌ، وإنَّ العارِفِينَ يَدْخُلُونَها اليَوْمَ بِأرْواحِهِمْ لا بِأجْسامِهِمْ، ولَوْ قالُوا: إنَّها جَنَّةُ المَأْوى ظَهَرَتْ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَيْفَ شاءَ، كَما ظَهَرَتْ لِنَبِيِّنا عَلى ما ورَدَ في الصَّحِيحِ في عَرْضِ حائِطِ المَسْجِدِ، لَمْ يَبْعُدْ عَلى مَشْرَبِهِمْ، ولَوْ أنَّ قائِلًا قالَ بِهَذا، لَقُلْتُ بِهِ، لَكِنْ لِلتَّفَرُّدِ في مِثْلِ هَذِهِ المَطالِبِ آفاتٌ، وكَما اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجَنَّةِ اخْتُلِفَ في وقْتِ خَلْقِ زَوْجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْرَجَ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، وأسْكَنَها آدَمَ بَقِيَ فِيها وحْدَهُ، وما كانَ مَعَهُ مَن يَسْتَأْنِسُ بِهِ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ النَّوْمَ، ثُمَّ أخَذَ ضِلَعًا مِن جانِبِهِ الأيْسَرِ، ووَضَعَ مَكانَهُ لَحْمًا، وخَلَقَ حَوّاءَ مِنهُ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ وجَدَها عِنْدَ رَأْسِهِ قاعِدَةً، فَسَألَها: مَن أنْتِ؟

قالَتِ: امْرَأةٌ، قالَ: ولِمَ خُلِقْتِ؟

قالَتْ: لِتَسْكُنَ إلَيَّ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ تَجْرِبَةً لِعِلْمِهِ: مَن هَذِهِ؟

قالَ: امْرَأةٌ، قالُوا: لِمَ سُمِّيَتِ امْرَأةً قالَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِنَ المِراءِ، فَقالُوا: ما اسْمُها؟

قالَ: حَوّاءُ، قالُوا: لِمَ سُمِّيَتْ حَوّاءَ؟

قالَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِن شَيْءٍ حَيٍّ، وقالَ كَثِيرُونَ ولَعَلِّي أقُولُ بِقَوْلِهِمْ: إنَّها خُلِقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، ودَخَلا مَعًا، وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يُشِيرُ إلَيْهِ، وإلّا تَوَجَّهَ الأمْرُ إلى مَعْدُومٍ، وإنْ كانَ في عِلْمِهِ تَعالى مَوْجُودًا، وأيْضًا في تَقْدِيمِ (زَوْجِكَ) عَلى الجَنَّةِ نَوْعُ إشارَةٍ إلَيْهِ، وفي المَثَلِ: الرَّفِيقُ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وأيْضًا هي مَسْكَنُ القَلْبِ، والجَنَّةُ مَسْكَنُ البَدَنِ، ومِنَ الحِكْمَةِ تَقْدِيمُ الأوَّلِ عَلى الثّانِي، وأثَرُ السُّدِّيِّ عَلى ما فِيهِ مِمّا لا يَخْفى عَلَيْكم مُعارَضٌ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: بَعَثَ اللَّهُ جُنْدًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَحَمَلُوا آدَمَ وحَوّاءَ عَلى سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ، كَما تُحْمَلُ المُلُوكُ، ولِباسُهُما النُّورُ، حَتّى أدْخَلُوهُما الجَنَّةَ، فَإنَّهُ كَما تَرى يَدُلُّ عَلى خَلْقِها قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ، ﴿ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْجَنَّةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن مَطاعِمِها مِن ثِمارٍ وغَيْرِها، فَلَمْ يَحْظُرْ عَلَيْهِما شَيْئًا إلّا ما سَيَأْتِي، وأصْلُ (كُلا) أُأْكُلا، بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى لِلْوَصْلِ، والثّانِيَةُ فاءُ الكَلِمَةِ، فَحُذِفَتِ الثّانِيَةُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ حَذْفَ شُذُوذٍ، وأُتْبِعَتْ بِالأُولى لِفَواتِ الغَرَضِ، وقِيلَ: حُذِفا مَعًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، والرَّغَدُ بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ بِسُكُونِها، الهَنِيءُ الَّذِي لا عَناءَ فِيهِ، أوِ الواسِعُ، يُقالُ: رَغُدَ عَيْشُ القَوْمِ، ورَغِدَ بِكَسْرِ الغَيْنِ، وضَمِّها، كانُوا في رِزْقٍ واسِعٍ كَثِيرٍ، وأرْغَدَ القَوْمُ أخْصَبُوا وصارُوا في رَغَدٍ مِنَ العَيْشِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أكْلًا رَغَدًا، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّهُ حالٌ بِتَأْوِيلِ راغِدِينَ مُرَفَّهِينَ، (وحَيْثُ) ظَرْفُ مَكانٍ مُبْهَمٍ لازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، وإعْرابُها لُغَةُ بَنِي فَقْعَسٍ، ولا تَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ خِلافًا لِلْأخْفَشِ، ولا يَجْزِمُ بِها دُونَ (ما) خِلافًا لِلْفَرّاءِ، ولا تُضافُ لِلْمُفْرَدِ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ، ولا يُقالُ: زَيْدٌ حَيْثُ عَمْرٌو، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، ويَعْتَقِبُ عَلى آخِرِها الحَرَكاتُ الثَّلاثُ مَعَ الياءِ والواوِ والألِفِ، ويُقالُ: حايِثُ عَلى قِلَّةٍ، وهي هُنا مُتَعَلِّقَةٌ (بِكُلا)، والمُرادُ بِها العُمُومُ لِقَرِينَةِ المَقامِ، وعَدَمِ المُرَجِّحِ، أيْ: أيَّ مَكانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئْتُما، وأباحَ لَهُما الأكْلَ كَذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ في التَّناوُلِ مِمّا حَظَرَ، ولَمْ تُجْعَلْ مُتَعَلِّقَةً بِـ(اسْكُنْ) لِأنَّ عُمُومَ الأمْكِنَةِ مُسْتَفادٌ مِن جَعْلِ الجَنَّةِ مَفْعُولًا بِهِ لَهُ مَعَ أنَّ التَّكْرِيمَ في الأكْلِ مِن كُلِّ ما يُرِيدُ مِنها، لا في عَدَمِ تَعْيِينِ السُّكْنى، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ﴾ يَسْتَدْعِي ما ذَكَرْنا، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ ظاهِرُ هَذا النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، والمَنهِيُّ عَنْهُ الأكْلُ مِنَ الشَّجَرَةِ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ نَهى عَنْ قُرْبانِها مُبالَغَةً، ولِهَذا جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ العِصْيانَ المُرَتَّبَ عَلى الأكْلِ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ، وعَدَلَ عَنْ فَتَأْثَما، إلى التَّعْبِيرِ بِالظُّلْمِ الَّذِي يُطْلَقُ عَلى الكَبائِرِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِأنْ يَقُولَ: ظالِمِينَ، بَلْ قالَ: مِنَ الظّالِمِينَ، بِناءً عَلى ما ذَكَرُوا أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العالِمِينَ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِجَعْلِهِ غَرِيقًا في العِلْمِ أبًا عَنْ جَدٍّ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ (تَكُونا) دالَّةٌ عَلى الدَّوامِ ازْدادَتِ المُبالَغَةُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا تَقْرَبْ، بِفَتْحِ الرّاءِ نَهْيٌ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ، وبِضَمِّها بِمَعْنى لا تَدْنُ مِنهُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَرُبَ بِالضَّمِّ يَقْرُبُ قُرْبانًا، وقَرِبْتُهُ بِالكَسْرِ قُرْبانًا دَنَوْتُ مِنهُ، والتّاءُ في الشَّجَرَةِ لِلْوَحْدَةِ الشَّخْصِيَّةِ، وهو اللّائِقُ بِمَقامِ الإزاحَةِ، وجازَ أنْ يُرادَ النَّوْعُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ اللّامُ لِلْجِنْسِ، كَما في الكَشْفِ، ووَقَعَ خِلافٌ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَقِيلَ: الحِنْطَةُ، وقِيلَ: النَّخْلَةُ، وقِيلَ: شَجَرَةُ الكافُورِ، ونُسِبَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: التِّينُ، وقِيلَ: الحَنْظَلُ، وقِيلَ: شَجَرَةُ المَحَبَّةِ، وقِيلَ: شَجَرَةُ الطَّبِيعَةِ والهَوى، وقِيلَ، وقِيلَ، والأوْلى عَدَمُ القَطْعِ والتَّعْيِينِ كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَيِّنْها بِاسْمِها في الآيَةِ، ولا أرى ثَمَرَةً في تَعْيِينِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، ويُقالُ فِيها: شِجَرَةٌ، بِكَسْرِ الشِّينِ، وشَيَرَةٌ بِإبْدالِ الجِيمِ ياءً مَفْتُوحَةً مَعَ فَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها، وبِكُلٍّ قَرَأ بَعْضٌ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كَرِهَ شَيَرَةً قائِلًا: إنَّ بَرابِرَ مَكَّةَ وسُودانَها يَقْرَؤُونَ بِها، ولا يَخْفى ما فِيهِ، والشَّجَرُ ما لَهُ ساقٌ أوْ كُلُّ ما تَفَرَّعَ لَهُ أغْصانٌ وعِيدانٌ، أوْ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونا ﴾ إمّا مَجْزُومٌ بِحَذْفِ النُّونِ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ تَقْرَبا ﴾ فَيَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، وكانَ عَلى أصْلِ مَعْناها، أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ ﴾ والنَّصْبُ بِإضْمارِ أنْ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وبِالفاءِ نَفْسِها عِنْدَ الجَرْمِيِّ، وبِالخِلافِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، (وكانَ) حِينَئِذٍ بِمَعْنى صارَ، وأيًّا ما كانَ مِن تَفَهُّمِ سَبَبِيَّةِ ما تَقَدَّمَ، لِكَوْنِها ﴿ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعْصِيَةِ أوْ نَقَصُوا حُظُوظَهم بِمُباشَرَةِ ما يُخِلُّ بِالكَرامَةِ والنَّعِيمِ، أوْ تَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ القُرْبانَ المَنهِيَّ عَنْهُ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِلظُّلْمِ المُخِلِّ بِالعِصْمَةِ، هو ما لا يَكُونُ مَصْحُوبًا بِعُذْرٍ كالنِّسْيانِ هُنا مَثَلًا المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ فَلا يَسْتَدْعِي حَمْلُ النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ، والظُّلْمِ المَقُولِ بِالتَّشْكِيكِ عَلى ارْتِكابِ المَعْصِيَةِ عَدَمَ عِصْمَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأكْلِ المَقْرُونِ بِالنِّسْيانِ، وإنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ما تَرَتَّبَ نَظَرًا إلى أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، ولِلسَّيِّدِ أنْ يُخاطِبَ عَبْدَهُ بِما شاءَ، نَعَمْ لَوْ كانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِعُذْرٍ كانَ ارْتِكابُهُ حِينَئِذٍ مُخِلًّا، ودُونَ إثْباتِ هَذا خَرْطُ القَتادِ، فَإذًا لا دَلِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عَدَمِ العِصْمَةِ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ: إنَّ ما وقَعَ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لا بَعْدَها كَما يَدَّعِيهِ المُعْتَزِلَةُ، القائِلُونَ بِأنَّ ظُهُورَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِالأسْماءِ مُعْجِزَةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ إذْ ذاكَ، وصُدُورُ الذَّنْبِ قَبْلَها جائِزٌ عِنْدَ أكْثَرِ الأصْحابِ، وهو قَوْلُ أبِي هُذَيْلٍ وأبِي عَلِيٍّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ولا إلى حَمْلِ النَّهْيِ عَلى التَّنْزِيهِ، والظُّلْمِ عَلى نَقْصِ الحَظِّ مَثَلًا، والتَزَمَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقُرِئَ (تِقْرَبا) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِيِّينَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (هَذِي) بِالياءِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، روي عن عبد الله بن عباس-  ما- أنه قال: أمر الله تعالى ملائكته أن يحملوا آدم على سرير من ذهب إلى السماء، فأدخلوه الجنة ثم خلق منه زوجه حواء، يعني من ضلعه الأيسر، وكان آدم بين النائم واليقظان.

وقال ابن عباس: سميت حواء لأنها خلقت من الحي.

ويقال: إنما سميت حواء لأنه كان في شفتها حوة، يعني حمرة فقال عز وجل: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ أي حواء.

يقال للمرأة: زوجة وزوج، والزوج أفصح.

وقوله عز وجل: وَكُلا مِنْها، أي من الجنة رَغَداً، أي موسعاً عليكما بلا موت ولا هنداز- بالزاي المعجمة- هكذا قال في رواية الكلبي يعني بغير تقتير.

وقال أهل اللغة: الرغد هو السعة في الرّزق من غير تقتير.

قوله تعالى: حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، أي ولا تأكلا من هذه الشجرة.

روي عن ابن عباس-  ما-: أنها كانت شجرة القمح.

وروى السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس أنه قال: هي شجرة الكرم.

وروى الشعبي عن جعدة بن هبيرة مثله.

وروي عن علي-  - مثله.

وروي عن قتادة أنه قال: وذكر لنا أنها شجرة التين ويقال: إنما كان النهي عن الأكل من الشجرة للمحنة، لأن الدنيا دار محنة، وقد خلقه من الأرض ليسكن فيها، فامتُحِن بذلك، كما امتُحن أولاده في الدنيا بالحلال والحرام.

فذلك قوله عز وجل: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ، أي فتصيرا من الضالين بأنفسكما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كان عالماً باللَّه قبل كفره، ولا خلاف أن اللَّه تعالى أخرج إبليس عند كفره، وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: اسْكُنْ.

قوله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ: اسْكُنْ: معناه: لاَزِمِ الإقامةَ، ولفظه لفظ الأمر، ومعناه الإِذن، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم عليه السلام، هل هي جنةُ الخُلْدِ، أو جنةٌ أخرى.

ت: والأول هو مذهب أهل السنة والجماعة.

وَكُلا مِنْها، أي: من الجنةِ، والرغَد: العيشَ الدارَّ الهنيَّ، و «حَيْثُ» مبنيةٌ على الضمِّ.

وقوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ: معناه لا تقرباها بأكْلٍ، والهاءُ في «هَذِهِ» بدلٌ من الياء، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرةٍ معيَّنة واحدة، واختلف في هذه الشجرة، ما هي؟

فقال ابن عَبَّاس، وابن مسعود: هي الكَرْم «١» ، وقيل: هي شجرة التِّين «٢» ، وقيل: السنبلة «٣» وقيل غير ذلك.

وقوله: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ: الظالمُ في اللغة: الذي يضع الشيء في غير موضعه، والظلم في أحكام الشرع على مراتب: أعلاها الشِّرْكُ، ثم ظُلْمُ المعاصي وهي مراتب، وفَأَزَلَّهُمَا: مأخوذ من الزَّلَلِ، وهو في الآية مجازٌ لأنه في الرأْي والنَّظر، وإنما حقيقة الزَّلَلِ في القَدَمِ، وقرأ حمزة «٤» : «فأَزَالَهُمَا» مأخوذ من الزوال، ولا خلاف بين

العلماء أن إبليس اللعينَ هو متولِّي إغواء آدم- عليه السلام-، واختلف في الكيفيَّة.

فقال ابن عباس، وابن مسعود، وجمهور العلماء: أغواهما مشافهةً «١» بدليل قوله تعالى: وَقاسَمَهُما [الأعراف: ٢١] والمقاسمة ظاهرها المشافهةُ.

وقالت طائفةٌ: إن إبليس لم يدخُلِ الجنةَ بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانِهِ، وسُلْطَانه، ووَسَاوِسِهِ التي أعطاه الله تعالى، كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ/» «٢» .

ت: وإلى هذا القوْلِ نَحَا المَازِرِيُّ «٣» في بعض أجوبته، ومن ابتلي بشيء من

وسوسة هذا اللعينِ فأعظم الأدوية له الثقَةُ باللَّه، والتعوُّذ به، والإعراض عن هذا اللعين، وعدمُ الالتفاتِ إليه، ما أمكن قال ابن عطاءِ اللَّه «١» في «لَطَائِفِ المِنَنِ» : كان بي وسواسٌ في الوضوءِ، فقال لي الشيخُ أبو العبَّاس المُرْسِيُّ «٢» : إن كنت لا تترك هذه الوسوسةَ لا تَعْدُ تَأْتِينَا، فَشَقَّ ذلك علَيَّ، وقطع اللَّه الوسواسَ عني، وكان الشيخ أبو العباس يُلَقِّنُ للوسواسِ: سُبْحَانَ المَلِكِ الخَلاَّقِ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر: ١٦، ١٧] انتهى.

قال عِيَاضٌ: في «الشِّفا» «٣» وأما قصة آدم عليه السلام، وقوله تعالى: فَأَكَلا مِنْها [طه: ١٢١] بعد قوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ، وقوله تعالى: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] أي: جهل، وقيل: أخطأ، فإن اللَّه تعالى قد أخبر بعذره بقوله:

وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] قال ابن عبَّاس: نسي عداوة إِبليس، وما عهد اللَّه إِليه من ذلك «٤» بقوله: إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ...

[طه: ١١٧] الآيَة، وقيل: نسي ذلك بما أظهر لهما، وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إِليه فنسي «٥» ، وقيل: لم يقصد المخالفة استحلالا لها، ولكنهما اغترا بِحَلِفِ إِبليس لهما: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] وتوهَّما أن أحداً لا يحلف

باللَّه حانِثاً، وقد روي عذر آدم مثل هذا في بعض الآثار، وقال ابن جُبَيْر: حلف باللَّه لهما حتى غَرَّهُمَا، والمؤمن يخدع، وقد قيل: نسي، ولم ينو المخالفَةَ فلذلك قال تعالى:

وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] أَيْ: قَصْداً للمخالفةِ وأكثر المفسرين «١» على أن العزمَ هنا الحزمُ والصبرُ، وقال ابن فُورَكَ وغيره: إِنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوءة، ودليل ذلك قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى [طه: ١٢١، ١٢٢] فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وقيل: بل أكلها، وهو متأوِّل، وهو لا يعلم أنَّها الشجرة التي نهي عنها، لأنه تأول نهي اللَّه تعالى عن شجرة مخصوصةٍ، لا على الجنْسِ، ولهذا قيل: إنما كانت التوبةُ من ترك التحفُّظ، لا من المخالفة، وقيل: تأول أن اللَّه تعالى لم ينهه عنها نَهْيَ تحريمٍ.

انتهى بلفظه فجزاه اللَّه خيرًا، ولقد جعل اللَّه في شِفَاهُ شِفَاءً.

والضمير في عَنْها يعود على الجنة، وهنا محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهر تقديره: فَأَكَلاَ مِنَ الشَّجَرَةِ.

وقوله تعالى: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ: قيل: معناه: مِنْ نعمة الجنَّةِ إلى شقاء الدنيا، وقيل: من رفعة المنزلةِ إلى سُفْل مكانة الذنب.

ت: وفي هذا القول ما فيه، بل الصوابُ ما أشار إليه صاحب «التَّنْوِيرِ» بأن إخراج آدَم لم يكن إهانة له، بل لما سبق في علمه سبحانه من إكرام آدم وجعله في الأرض خليفةً، هو وأخيارَ ذرّيته، قائمين فيها بما يجبُ للَّه من عبادتِهِ، والهبوطُ النزولُ من عُلْو إلى سُفْل، واختلف من المخاطَبُ بالهبوط.

فقال السُّدِّيُّ/ وغيره: آدم، وحَوَّاء، وإِبليس، والحيّة التي أدخلت إبليس في فمها، ١٧ أوقال «٢» الحسن: آدم، وحواء والوسوسة «٣» .

وبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ جملةٌ في موضع الحال، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ، أيْ: موضع استقرار، وقيل: المراد الاستقرار في القبور، والمتاع: ما يستمتع به من

أكل، ولُبْس، وحَدِيثٍ، وأنس، وغيرِ ذلك.

واختلف في «الحِينِ» هنا.

فقالت فرقةٌ: إلى المَوْتِ، وهذا قولُ من يقول: المستقرُّ هو المُقام في الدنيا، وقالت فرقة: إِلى حِينٍ: إلى يومِ القيامةِ، وهذا هو قول من يقول: المستَقَرُّ هو في القبور، والحِينُ المدَّة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان «١» والالتزامات سَنَةٌ قال اللَّه تعالى:

تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [إبراهيم: ٢٥] وقيل: أقصرها ستَّةُ أشهر لأن من النخل ما يطعم في كلِّ ستة أشهر.

وفي قوله تعالى: إِلى حِينٍ فائدةٌ لآدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها، ومنتقلٌ إِلى الجنة التي وعد بالرجوع إِليها، وهي لغير آدم دالَّة على المعاد، وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سَرَنْدِيبَ «٢» ، وأن حواء نزلَتْ بِجُدَّةَ «٣» ، وأن الحية نزلت بأصبهان «٤» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ زَوْجُهُ: حَوّاءُ، قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ لِامْرَأةِ الرَّجُلِ: زَوْجٌ، ويَجْمَعُونَها: الأزْواجَ.

وتَمِيمٌ وكَثِيرٌ مِن قِيسٍ وأهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: زَوْجَةٌ، ويَجْمَعُونَها: زَوْجاتٌ.

قالَ الشّاعِرُ: فَإنَّ الَّذِي يَسْعى يُحِرِّشُ زَوْجَتِي كَماشٍ إلى أسَدِ الشَّرى يَسْتَبِيلُها وَأنْشَدَنِي أبُو الجَرّاحِ: يا صاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجاتِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ أنْ لَيْسَ وصْلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرى الذَّنَبِ وَفِي الجَنَّةِ الَّتِي أسْكَنَها آَدَمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: جَنَّةُ عَدْنٍ.

والثّانِي: جَنَّةُ الخُلْدِ.

والرَّغَدُ: الرِّزْقُ الواسِعُ الكَثِيرُ، يُقالُ: أرْغَدَ فُلانٌ: إذا صارَ في خِصْبٍ وسِعَةٍ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ أيْ: بِالأكْلِ لا بِالدُّنُوِّ مِنها.

فِي الشَّجَرَةِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها السُّنْبُلَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، ووَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وقَتادَةَ، وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، ومُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّها الكَرَمُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وجَعْدَةَ وبْنِ هُبَيْرَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها التِّينُ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّها شَجَرَةٌ يُقالُ: لَها شَجَرَةُ العِلْمِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّها شَجَرَةُ الكافُورِ، نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

والسّادِسُ: أنَّها النَّخْلَةُ، رُوِيَ عَنْ أبِي مالِكٍ.

وَقَدْ ذَكَرُوا وجْهًا سابِعًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: هي شَجَرَةُ الخُلْدِ، وإنَّما الكَلامُ عَلى جِنْسِها.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الظُّلْمُ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ويُقالُ: ظَلَمَ الرَّجُلُ سِقاءَهُ إذا سَقاهُ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ زُبْدُهُ وقالَ الشّاعِرُ: وصاحِبُ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شَكاتُهُ ظَلَمْتُ وفي ظُلْمِي لَهُ عامِدًا أجْرُ أرادَ بِالصّاحِبِ: وطْبُ اللَّبَنِ، وظُلْمُهُ إيّاهُ: أنْ يَسْقِيَهُ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ زُبْدُهُ.

والعَرَبُ تَقُولُ: هو أظْلَمُ مِن حَيَّةٍ، لِأنَّها تَأْتِي الحَفْرَ الَّذِي لَمْ تَحْفِرْهُ فَتَسْكُنُهُ، ويُقالُ: قَدْ ظَلَمَ الماءُ الوادِي: إذا وصَلَ مِنهُ إلى مَكانٍ لَمْ يَكُنْ يَصِلُ إلَيْهِ فِيما مَضى.

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الحِكْمَةِ في تَخْصِيصِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ بِالنَّهْيِ؟

فالجَوابُ أنَّهُ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما أرادَ.

وَقالَ أبُو العالِيَةِ: كانَ لَها ثِقَلٌ مِن بَيْنِ أشْجارِ الجَنَّةِ، فَلَمّا أكَلَ مِنها، قِيلَ: اخْرُجْ إلى الدّارِ الَّتِي تَصْلُحُ لِما يَكُونُ مِنكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ فَأزَلَّهُما الشَيْطانُ عنها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ "اسْكُنْ" مَعْناهُ: لازِمِ الإقامَةَ، ولَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الإذْنُ، و"أنْتَ" تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الَّذِي في "اسْكُنْ"، و"زَوْجُكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ، والزَوْجُ امْرَأةُ الرَجُلِ، وهَذا أشْهَرُ مِن زَوْجَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ.

و"الجَنَّةَ" البُسْتانُ عَلَيْهِ حَظِيرَةٌ.

واخْتُلِفَ في الجَنَّةِ الَّتِي أسْكَنَها آدَمَ: هَلْ هي جَنَّةُ الخُلْدِ أو جَنَّةٌ أُعِدَّتْ لَهُما؟

وذَهَبَ مَن لَمْ يَجْعَلْها جَنَّةَ الخُلْدِ إلى أنَّ مَن دَخَلَ جَنَّةَ الخُلْدِ لا يَخْرُجُ مِنها.

وهَذا لا يَمْتَنِعُ.

إلّا أنَّ السَمْعَ ورَدَ أنَّ مَن دَخَلَها مُثابًا لا يَخْرُجُ مِنها وأمّا مَن دَخَلَها ابْتِداءً كَآدَمَ فَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، ولا ورَدَ سَمْعٌ بِأنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنها.

واخْتَلَفَ مَتى خُلِقَتْ حَوّاءُ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِينَ أنْبَأ المَلائِكَةَ بِالأسْماءِ واسْجُدُوا لَهُ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ السِنَةُ وخُلِقَتْ حَوّاءُ، فاسْتَيْقَظَ وهي إلى جانِبِهِ، فَقالَ -فِيما يَزْعُمُونَ-: لَحْمِي ودَمِي، وسَكَنٌ إلَيْها، فَذَهَبَتِ المَلائِكَةُ لِتُجَرِّبَ عِلْمَهُ، فَقالُوا لَهُ: يا آدَمُ ما اسْمُها؟

قالَ: حَوّاءُ، قالُوا: ولِمَ؟

قالَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِن شَيْءٍ حَيٍّ، ثُمَّ قالَ اللهُ لَهُ: ﴿ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ .

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَما أُسْكِنَ آدَمُ الجَنَّةَ مَشى فِيها مُسْتَوْحِشًا، فَلَمّا نامَ خُلِقَتْ حَوّاءُ مِن ضِلْعِهِ القُصَيْرِيِّ لِيَسْكُنَ إلَيْها، ويَتَأنَّسَ بِها، فَلَمّا انْتَبَهَ رَآها فَقالَ: مَن أنْتِ؟

قالَتِ امْرَأةٌ خُلِقَتْ مِن ضِلْعِكَ لِتَسْكُنَ إلَيَّ.

وحُذِفَتِ النُونُ مِن "كُلا" لِلْأمْرِ، والألِفُ الأُولى لِحَرَكَةِ الكافِ، حِينَ حُذِفَتِ الثانِيَةُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وهو حَذْفٌ شاذٌّ.

ولَفْظُ هَذا الأمْرِ بـِ "كُلا" مَعْناهُ الإباحَةُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ حَيْثُ شِئْتُما ﴾ ، والضَمِيرُ في "مِنها" عائِدٌ عَلى "الجَنَّةِ".

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ "رَغَدًا" بِسُكُونِ الغَيْنِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِها.

و"الرَغَدُ" العَيْشُ الدارُّ الهَنِيُّ الَّذِي لا عَناءَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: بَيْنَما المَرْءُ تَراهُ ناعِمًا يَأْمَنُ الأحْداثَ في عَيْشٍ رَغَدٍ و"رَغَدًا" مَنصُوبٌ عَلى الصِفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، و"حَيْثُ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَمِّ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَبْنِيها عَلى الفَتْحِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعْرِبُها حَسَبَ مَوْضِعِها بِالرَفْعِ والنَصْبِ والخَفْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ  ﴾ ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "حَوْثُ".

و"شِئْتُما" أصْلُهُ شِيَأْتُما حُوِّلَ إلى فَعَلْتُما، تَحَرَّكَتْ ياؤُهُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها جاءَ "شَأْتُما" حُذِفَتِ الألِفُ الساكِنَةُ المَمْدُودَةُ لِلِالتِقاءِ، وكُسِرَتِ الشِينُ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ، فَجاءَ "شِئْتُما"، هَذا تَعْلِيلُ المُبَرِّدِ، فَأمّا سِيبَوَيْهِ فالأصْلُ عِنْدَهُ "شِيِئْتُما" بِكَسْرِ الياءِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى الشِينِ، وحُذِفَتِ الياءُ بَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ ﴾ مَعْناهُ: لا تَقْرَباها بِأكْلٍ، لِأنَّ الإباحَةَ فِيهِ وقَعَتْ قالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّ اللهَ لَمّا أرادَ النَهْيَ عن أكْلِ الشَجَرَةِ نَهى عنهُ بِلَفْظَةٍ تَقْتَضِي الأكْلَ وما يَدْعُو إلَيْهِ، وهو القُرْبُ.

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ بَيِّنٌ في سَدِّ الذَرائِعِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَذِي" عَلى الأصْلِ، والهاءِ في هَذِهِ بَدَلٌ مِنَ الياءِ.

ولَيْسَ في الكَلامِ هاءُ تَأْنِيثٍ مَكْسُورٍ ما قَبْلَها غَيْرُ هَذِهِ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الإشارَةُ أنْ تَكُونَ إلى شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ واحِدَةٍ، أو إلى جِنْسٍ.

وحَكى هارُونُ الأعْوَرُ عن بَعْضِ العُلَماءِ قِراءَةَ "الشِجَرَةِ" بِكَسْرِ الشِينِ.

و"الشَجَرُ" كُلُّ ما قامَ مِنَ النَباتِ عَلى ساقٍ.

واخْتَلَفَ في هَذِهِ "الشَجَرَةِ" الَّتِي نَهى عنها ما هِيَ؟

فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: هي الكَرْمُ، ولِذَلِكَ حُرِّمَتْ عَلَيْنا الخَمْرُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عن بَعْضِ الصَحابَةِ: هي شَجَرَةُ التِينِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو مالِكٍ، وعَطِيَّةُ، وقَتادَةُ: هي السُنْبُلَةُ، وحَبُّها كَكُلى البَقَرِ، أحْلى مِنَ العَسَلِ، وألْيَنَ مِنَ الزُبْدِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّها شَجَرَةُ العِلْمِ فِيها ثَمَرُ كُلِّ شَيْءٍ.

وهَذا ضَعِيفٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ أنَّها الشَجَرَةُ الَّتِي كانَتِ المَلائِكَةُ تُحَنِّكُ بِها لِلْخُلْدِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، قالَ: واليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّها الحَنْظَلَةُ، وتَقُولُ: كانَتْ حُلْوَةً ومَرَّتْ مِن حِينَئِذٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَعْيِينِ ما يُعَضِّدُهُ خَبَرٌ، وإنَّما الصَوابُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ اللهَ تَعالى نَهى آدَمَ عن شَجَرَةٍ، فَخالَفَ هو إلَيْها وعَصى في الأكْلِ مِنها.

وفِي حَظْرِهِ تَعالى عَلى آدَمَ الشَجَرَةَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ سُكْناهُ في الجَنَّةِ لا يَدُومُ؛ لِأنَّ المُخَلَّدَ لا يُحْظَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الشَجَرَةَ كانَتْ خُصَّتْ بِأنْ تُحْوِجَ آكِلَها إلى التَبَرُّزِ، فَلِذَلِكَ نُهِيَ عنها، فَلَمّا أكَلَ ولَمْ تَكُنِ الجَنَّةُ مَوْضِعَ تَبَرُّزٍ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ.

وقَوْلُهُ: "فَتَكُونا" في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَلى العَطْفِ عَلى "لا تَقْرَبا"، ويَجُوزُ فِيهِ النَصْبُ عَلى الجَوابِ، والناصِبُ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ "أنِ" المُضْمَرَةَ، وعِنْدَ الجَرْمِيِّ الفاءُ.

والظالِمُ في اللُغَةِ الَّذِي يَضَعُ الشَيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ".

ومِنهُ المَظْلُومَةُ الجَلْدُ لِأنَّ المَطَرَ لَمْ يَأْتِها في وقْتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ قَمِيئَةَ: ظُلْمَ البِطاحَ بِها انْهِلالُ حَرِيصَةٍ فَصَفا النِطافُ لَهُ بُعَيْدَ المُقْلَعِ والظُلْمُ في أحْكامِ الشَرْعِ عَلى مَراتِبَ: أعْلاها الشِرْكُ، ثُمَّ ظُلْمُ المَعاصِي وهي مَراتِبُ.

وهُوَ في هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَلا تَقْرَبا ﴾ عَلى جِهَةِ الوُجُوبِ لا عَلى النَدْبِ، لِأنَّ مَن تَرَكَ المَندُوبَ لا يُسَمّى ظالِمًا، فاقْتَضَتْ لَفْظَةُ الظُلْمِ قُوَّةَ النَهْيِ.

و"أزَلَّهُما" مَأْخُوذٌ مِنَ الزَلَلِ، وهو في الآيَةِ مَجازٌ، لِأنَّهُ في الرَأْيِ والنَظَرِ، وإنَّما حَقِيقَةُ الزَلَلِ في القِدَمِ.

قالَأبُو عَلِيٍّ: "فَأزَلَّهُما" يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ أحَدُهُما: كَسْبُهُما الزِلَّةَ -والآخَرُ أنْ يَكُونَ مِن زَلَّ إذا عَثَرَ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "فَأزالُهُما" مَأْخُوذٌ مِنَ الزَوالِ، كَأنَّهُ المُزِيلُ لَمّا كانَ إغْواؤُهُ مُؤَدِّيًا إلى الزَوالِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ.

ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ إبْلِيسَ اللَعِينَ هو مُتَوَلِّي إغْواءَ آدَمَ.

واخْتَلَفَ في الكَيْفِيَّةِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ: أغْواهُما مُشافَهَةً، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "وَقاسَمَهُما"، والمُقاسَمَةُ ظاهِرُها المُشافَهَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا دَخَلَ إلى آدَمَ كَلَّمَهُ في حالِهِ، فَقالَ: يا آدَمُ -ما أحْسَنَ هَذا لَوْ أنَّ خُلْدًا كانَ، فَوَجَدَ إبْلِيسُ السَبِيلَ إلى إغْوائِهِ.

فَقالَ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: دَخَلَ الجَنَّةَ في فَمِ الحَيَّةِ، وهي ذاتُ أرْبَعٍ كالبُخْتِيَّةِ بَعْدَ أنْ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الحَيَوانِ فَلَمْ تَدْخُلْهُ إلّا الحَيَّةُ، فَخَرَجَ إلى حَوّاءَ وأخَذَ شَيْئًا مِنَ الشَجَرَةِ، وقالَ: انْظُرِي ما أحْسَنَ هَذا، فَأغْواها حَتّى أكَلَتْ، ثُمَّ أغْوى آدَمَ، وقالَتْ لَهُ حَوّاءُ: كُلْ، فَإنِّي قَدْ أكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي، فَأكَلَ فَبَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما، وحَصَلا في حُكْمِ الذَنْبِ، ولُعِنَتِ الحَيَّةُ، ورَدَّتْ قَوائِمَهُما في جَوْفِها، وجَعَلَتِ العَداوَةَ بَيْنَها وبَيْنَ بَنِي آدَمَ.

وقِيلَ لِحَوّاءَ: كَما أدْمَيْتَ الشَجَرَةَ، فَكَذَلِكَ يُصِيبُكَ الدَمُ في كُلِّ شَهْرٍ، وكَذَلِكَ تَحْمِلِينَ كُرْهًا، وتَضَعِينَ كُرْهًا، تُشْرِفِينَ بِهِ عَلى المَوْتِ مِرارًا، زادَ الطَبَرِيُّ والنَقّاشُ: وتَكُونِينَ سَفِيهَةً، وقَدْ كُنْتِ حَلِيمَةً.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ إلى آدَمَ بَعْدَ أنْ أُخْرِجَ مِنها، وإنَّما أغْوى آدَمَ بِشَيْطانِهِ وسُلْطانِهِ ووَساوِسِهِ الَّتِي أعْطاهُ اللهُ تَعالى، كَما قالَ النَبِيُّ  : «إنَّ الشَيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَمِ»، والضَمِيرُ في "عنها" عائِدٌ عَلى "الشَجَرَةِ" في قِراءَةِ مَن قَرَأ "أزَلَّهُما"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الجَنَّةِ"، فَأمّا مَن قَرَأ "أزالُهُما"، فَإنَّهُ يَعُودُ عَلى "الجَنَّةِ" فَقَطْ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ تَقْدِيرُهُ "فَأكَلا مِنَ الشَجَرَةِ"، وقالَ قَوْمٌ: أكَلا مِن غَيْرِ الَّتِي أُشِيرُ إلَيْها فَلَمْ يَتَأوَّلا النَهْيَ واقِعًا عَلى جَمِيعِ جِنْسِها، وقالَ آخَرُونَ: تَأوَّلا النَهْيَ عَلى النَدْبِ.

وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: إنَّما أكَلَ آدَمُ بَعْدَ أنْ سَقَتْهُ حَوّاءُ الخَمْرَ، فَكانَ في غَيْرِ عَقْلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، فَقِيلَ أخْرَجَهُما مِنَ الطاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: مِن نِعْمَةِ الجَنَّةِ إلى شَقاءِ الدُنْيا، وقِيلَ: مِن رِفْعَةِ المَنزِلَةِ إلى سُفْلِ مَكانَةِ الذَنْبِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "اهْبِطُوا" بِضَمِّ الباءِ، ويَفْعَلُ كَثِيرٌ في غَيْرِ المُتَعَدِّي وهَبَطَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.

والهُبُوطُ النُزُولُ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ.

واخْتَلَفَ: مَنِ المُخاطَبُ بِالهُبُوطِ؟

فَقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: آدَمُ وحَوّاءُ وإبْلِيسُ والحَيَّةُ.

وقالَ الحَسَنُ: آدَمُ وحَوّاءُ والوَسْوَسَةُ.

وقالَ غَيْرُهُ: والحَيَّةُ، لِأنَّ إبْلِيسَ قَدْ كانَ أُهْبِطَ قَبْلُ عِنْدِ مَعْصِيَتِهِ.

و ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وأُفْرِدَ لَفْظُ "عَدُوٌّ" مِن حَيْثُ لَفْظَةِ بَعْضٍ، وبَعْضٌ وكُلٌّ تَجْرِي مَجْرى الواحِدِ، ومِن حَيْثُ لَفْظَةُ عَدُوٍّ تَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ.

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ  ﴾ .

و ﴿ وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أيْ: مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ، وقالَ السُدِّيُّ: المُرادُ الِاسْتِقْرارُ في القُبُورِ.

والمَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ: مِن أكْلٍ ولِبْسٍ وحَياةٍ وحَدِيثٍ وأُنْسٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنْشَدَ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ حِينَ وقَفَ عَلى قَبْرِ ابْنِهِ أيُّوبَ إثْرَ دَفْنِهِ: ؎ وقَفْتُ عَلى قَبْرٍ غَرِيبٍ بِعَفْرَةٍ ∗∗∗ مَتاعٌ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقِ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الحِينِ هاهُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إلى المَوْتِ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُسْتَقَرُّ هو المَقامُ في الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إلى حِينٍ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُسْتَقَرُّ هو في القُبُورِ، ويَتَرَتَّبُ أيْضًا عَلى أنَّ المُسْتَقَرَّ في الدُنْيا أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ "وَلَكُمْ" أيْ: لِأنْواعِكم في الدُنْيا اسْتِقْرارٌ ومَتاعٌ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والحِينُ: المُدَّةُ الطَوِيلَةُ مِنَ الدَهْرِ أقْصَرُها في الأيْمانِ والِالتِزاماتِ سَنَةٌ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها  ﴾ ، وقَدْ قِيلَ: أقْصَرُها سِتَّةُ أشْهُرٍ، لِأنَّ مِنَ النَخْلِ ما يُثْمِرُ في كُلِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الحِينُ في المُحاوَراتِ في القَلِيلِ مِنَ الزَمَنِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: "إلى حِينٍ" فائِدَةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِيَعْلَمَ أنَّهُ غَيْرُ باقٍ فِيها ومُنْتَقِلٌ إلى الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ بِالرُجُوعِ إلَيْها، وهي لِغَيْرِ آدَمَ دالَّةٌ عَلى المَعادِ.

ورُوِيَ أنَّ آدَمَ نَزَلَ عَلى جَبَلٍ مِن جِبالِ سَرَنْدِيبَ وأنَّ حَوّاءَ نَزَلَتْ بِجَدَّةَ، وأنَّ الحَيَّةَ نَزَلَتْ بِأصْبَهانَ، وقِيلَ بِمَيَسانَ، وأنَّ إبْلِيسَ نَزَلَ عَلى الأُبُلَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ [البقرة: 34] أي بعد أن انقضى ذلك قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة.

وهذه تكرمة أكرم الله بها آدم بعد أن أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاءِ الملائكة.

ونداء آدم قبل تخويله سكنى الجنة نداء تنويه بذكر اسمه بين الملإ الأعلى، لأن نداءه يسترعي إسماع أهل الملإ الأعلى فيتطلعون لما سيخاطب به، وينتزع من هذه الآية أن العالم جدير بالإكرام بالعيش الهنيء، كما أخذ من التي قبلها أنه جدير بالتعظيم.

والأمر بقوله: ﴿ اسكن ﴾ مستعمل في الامتنان بالتمكين والتخويل وليس أمراً له بأن يسعى بنفسه لسكنى الجنة إذ لا قدرة له على ذلك السعي فلا يكلف به.

وضمير (أنت) واقع لأجل عطف ﴿ وزوجك ﴾ على الضمير المستتر في ﴿ اسكن ﴾ وهواستعمال العربية عند عطف اسم، على ضمير متصل مرفوع المحل لا يكادون يتركونه، يقصدون بذلك زيادة إيضاح المعطوف فتحصل فائدة تقرير مدلول المعطوف لئلا يكون تابعه المعطوف عليه أبرز منه في الكلام، فليس الفصل بمثل هذا الضمير مقيداً تأكيداً للنسبة لأن الإتيان بالضمير لازم لا خيرة للمتكلم فيه فلا يكون مقتضى حال ولا يعرف السامع أن المتكلم مريد به تأكيداً ولكنه لا يخلو من حصول تقرير معنى المضمر وهو ما أشار إليه في «الكشاف» بمجموع قوله: وأنت تأكيد للضمير المستكن ليصح العطف عليه.

والزوج كل شيء ثان مع شيء آخر بينهما تقارن في حال ما.

ويظهر أنه اسم جامد لأن جميع تصاريفه في الكلام ملاحظ فيها معنى كونه ثاني اثنين أو مماثل غيره، فكل واحد من اثنين مقترنين في حاللٍ ما يسمى زوجاً للآخر قال تعالى: ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ [الشورى: 50] أي يجعل لأحد الطفلين زوجاً له أي سواه من غير صنفه، وقريب من هذا الاستعمال استعمال لفظ شفع.

وسميت الأنثى القرينة للرجل بنكاح زوجاً لأنها اقترنت به وصيرته ثانياً، ويسمى الرجل زوجاً لها لذلك بلا فرق، فمن ثم لا يقال للمرأة زوجة بهاء تأنيث لأنه اسم وليس بوصفه.

وقد لحنوا الفرزدق في قوله: وإن الذي يَسعى ليُفسِد زوجتي *** كساععٍ إلى أُسْد الثرى يستبيلُها وتسامح الفقهاء في إلحاق علامة التأنيث للزوج إذا أرادوا به امرأة الرجل لقصد نفي الالتباس في تقرير الأحكام في كتبهم في مثل قولهم: القول قول الزوج، أو القول قول الزوجة وهو صنيع حسن.

وفي «صحيح مسلم» عن أنس بن مالك " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه يا فلان فجاء فقال له: هذه زوجتي فلانة " الحديث، فقوله: زوجتي بالتاء فتعين كونه من عبارة راوي الحديث في السند إلى أنس وليست بعبارة النبيء صلى الله عليه وسلم وطوى في هذه الآية خلق زوج آدم، وقد ذكر في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿ الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ﴾ [النساء: 1] وسيأتي ذلك في سورة النساء وسورة الأعراف (189).

ولم يرد اسم زوج آدم في القرآن واسمها عند العرب حواء وورد ذكر اسمها في حديث رواه ابن سعد في «طبقاته» عن خالد بن خداش عن ابن وهب يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الناس لآدم وحواء كطف لصاع لن يملأوه " الحديث (طف المكيال بفتح الطاء وكسرها ما قرب من ملئه) أي هم لا يبغون الكمال فإن كل كمال من البشر قابل للزيادة.

وخالد بن خداش بصري وثقه ابن معين وأبو حاتم وسليمان بن حرب وضعفه ابن المديني.

فاسم زوج آدم عند العرب حواء واسمها في العبرانية مضطرب فيه، ففي سفر التكوين في الإصحاح الثاني أن اسمها امرأة سماها كذلك آدم قال: لأنها من امرئ أخذت.

وفي الإصحاح الثالث أن آدم دعا اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي.

وقال ابن سعد نام آدم فخلقت حواء من ضلعه فاستيقظ ووجدها عنده فقال: أثا أي امرأة بالنبطية، أي اسمها بالنبطية المرأة كما سماها آدم.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ [البقرة: 31] أن آدم دعا نفسه، إيش، فلعل أثا محرقة عن إشّا.

واسمها بالعبرية (خمواه) بالخاء المعجمة وبهاء بعد الألف ويقال أيضاً حيوا بحاء مهملة وألف في آخره فصارت بالعربية حواء وصارت في الطليانية إيا وفي الفرنسية أي.

وفي التوراة أن حواء خلقت في الجنة بعد أن أسكن آدم في الجنة وأن الله خلقها لتؤنسه قال تعالى: ﴿ وجعل منها زوجها ليسكن إليها ﴾ [الأعراف: 189] أي يأنس.

والأمر في ﴿ اسكن ﴾ أمر إعطاء أي جعل الله آدم هو وزوجه في الجنة.

والكنى اتخاذ المكان مقراً لغالب أحوال الإنسان.

والجنة قطعة من الأرض فيها الأشجار المثمرة والمياه وهي أحسن مقر للإنسان إذا لفحه حر الشمس ويأكل من ثمره إذا جاع ويشرب من المياه التي يشرب منها الشجر ويروقه منظر ذلك كله، فالجنة تجمع ما تطمح إليه طبيعة الإنسان من اللذات.

وتعريف (الجنة) تعريف العهد وهي جنة معهودة لآدم يشاهدها إذا كان التعريف في (الجنة) حكاية لما يرادفه فيما خوطب به آدم، أو أريد بها المعهود لنا إذا كانت حكاية قول الله لنا بالمعنى وذلك جائز في حكاية القول.

وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين هذه الجنة فالذي ذهب إليه جمهور السلف أنها جنة الخلد التي وعد الله المؤمنين والمصدقين رسله وجزموا بأنها موجودة في العالم العلوي عالم الغيب أي في السماء وأنها أعدها الله لأهل الخير بعد القيامة وهذا الذي تقلده أهل السنة من علماء الكلام وأبو علي الجبائي، وهو الذي تشهد به ظواهر الآيات والأخبار المروية عن النبيء صلى الله عليه وسلم ولا تَعْدُو أنها ظواهرُ كثيرة لكنها تفيد غلبة الظن وليس لهذه القضية تأثير في العقيدة.

وذهب أبو مسلم الأصفهاني محمد بن بَحْر وأبو القاسم البلخي والمعتزلة عدا الجبائي إلى أنها جنة في الأرض خلقها الله لإسكان آدم وزوجه، ونقل البيضاوي عنهم أنها بستان في فِلسطين أو هو بين فَارس وكِرْمان، وأحسب أن هذا ناشئ عن تطلبهم تعيين المكان الذي ذكر ما يسمى في التوراة باسم عَدْن.

ففي التوراة في الإصحاح الثاني من سفر التكوين «وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عَدْن ليعملها ويحفظها ثم قالت فأخرجه الرب الإله من جنة عدْن ليعمل الأرض التي أخذ منها» وهذا يقتضي أن جنة عدن ليست في الأرض لكن الذي عليه شراح التوراة أن جنة عَدْن في الأرض وهو ظاهر وصف نهر هذه الجنة الذي يسقيها بأنه نهر يخرج من عَدْن فيسقي الجنة ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤُوس اسم الواحد (قيشون) وهو المحيط بجميع أرض الحويلة وهم من بني كوش كما في الإصحاح من التكوين واسم النهر الثاني (جَيحون) وهو المحيط بجميع أرض كوش، واسم النهر الثالث (حِدّا قِلْ) وهو الجاري شرق أشَور (دجلة).

والنهر الرابع الفُرات.

ولم أقف على ضبط عَدْن هذه.

ورأيت في كتاب عبد الحق الإسلامي السبتي الذي كان يهودياً وأسلم وألف كتاباً في الرد على اليهود سماه «الحُسام المحدود في الرد على اليهود» كتَبه بغِيدِن وضبطه بالعلامات بكسر الغين المعجمة وكسر الدال المهملة ولعل النقطة على حرف العين سهو من الناسخ فذلك هو منشأ قول القائلين أنها بِعَدْن أو بفلسطين أو بين فارس وكرمان، والذي ألجأهم إلى ذلك أن جنة الثواب دار كمال لا يناسب أن يحصل فيها العصيان وأنها دار خُلد لا يخرج ساكنها، وهو التجاء بلا ملجئ لأن ذلك من أحوال سكان الجنة لا لتأثير المكان وكلُّه جعل الله تعالى عندما أراده.

واحتج أهل السنة بأن أل في (الجنة) للعهد الخارجي ولا معهود غيرها، وإنما تعين كونها للعهد الخارجي لعدم صحة الحمْل على الجنس بأنواعه الثلاثة، إذ لا معنى للحمل على أنها لام الحقيقة لأنها قد نيط بها فعل السكنى ولا معنى لتعلقه بالحقيقة بخلاف نحو الرجلُ خير من المرأة، ولا معنى للحمل على العهد الذهني إذ الفرد من الحقيقة هنا مقصود معين لأن الأمر بالإسكان جزاء وإكرام فلا بد أن يكون متعلقاً بجنة معروفة، ولا معنى للحمل على الاستغراق لظهور ذلك.

ولما كان المقصود هو الجزاء تعين أن يكون متعلقاً بأمر معين معهود ولا معهود إلا الجنة المعروفة لا سيما وهو اصطلاح الشرع.

وقد يقال يختار أن اللام للعهد ولعل المعهود لآدم هو جنة في الأرض معينة أشير إليها بتعريف العهد ولذلك أختار أنا أن قوله تعالى: ﴿ اسكُن أنت وزوجك الجنة ﴾ لما كان المقصود منه القصص لنا حكي بالألفاظ المتعارفة لدينا ترجمة لألفاظ اللغة التي خوطب بها آدم أو عن الإلهام الذي ألقي إلى آدم فيكون تعريف (الجنة) منظوراً فيه إلى متعارفنا فيكون آدم قد عرف المراد من مسكنه بطريق آخر غير التعريف ويكون قد حُكي لنا ذلك بطريقة التعريف لأن لفظ الجنة المقترن في كلامنا بلام التعريف يدل على عين ما دل عليه الطريق الآخر الذي عَرَف به آدم مراد الله تعالى، أي قلنا له اسكن البقعة التي تسمونها أنتم اليومَ بالجنة، والحاصل أن الأظهر أن الجنة التي أُسكنها آدم هي الجنة المعدودة داراً لجزاء المحسنين.

ومعنى الأكل من الجنة من ثمرها لأن الجنة تستلزم ثماراً وهي مما يقصد بالأكل ولذلك تجعل (من) تبعيضية بتنزيل بعض ما يحويه المكان منزلة بعض لذلك المكان.

ويجوز أن تكون (من) ابتدائية إشارة إلى أن الأكل المأذون فيه أكل ما تثمره تلك الجنة كقولك هذا الثَّمر من خيبر.

والرغَد وصف لموصوف دل عليه السياق أي أَكلاً رغَداً، والرغَد الهنيء الذي لا عناء فيه ولا تقتير.

وقوله: ﴿ حيث شئتما ﴾ ظرفُ مكان أي من أي مواضع أرَدْتُما الأكل منها، ولما كانت مشيئتهما لا تنحصر بمواضع استفيد العموم في الإذن بطريق اللزوم، وفي جعل الأكل من الثمر من أحوال آدم وزوجه بين إنشائها تنبيه على أن الله جعل الاقتيات جبلة للإنسان لا تدوم حياته إلا به.

وقوله: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ﴾ يعني به ولا تأكلا من الشجرة لأن قربانها إنما هو لقصد الأكل منها فالنهي عن القربان أبلغ من النهي عن الأكل لأن القرب من الشيء ينشئ داعية وميلاً إليه ففيه الحديث «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» وقال ابن العربي سمعتُ الشاشي في مجلس النظر يقول: (إذا قيل لا تقرب (بفتح الراء) كان معناه لا تتلَبس بالفعل، وإذا قيل بضم الراء كان معناه لا تدن منه) اه.

وهو غريب فإن قَرُب وقَرِب نحو كرم وسمع بمعنى دنا، فسواء ضممت الراء أو فتحتها في المضارع فالمراد النهي عن الدنو إلا أن الدنو بعضه مجازي وهو التلبس وبعضه حقيقي ولا يكون للمجازي وزن خاص في الأفعال وإلا لصار من المشترك لا من الحقيقة والمجاز، اللهم إلا أن يكون الاستعمال خص المجازي ببعض التصاريف فتكون تلك الزنة قرينة لفظية للمجاز وذلك حَسن وهو من محاسن فروق استعمال الألفاظ المترادفة في اللغة العربية مثل تخصيص بَعِدَ مكسور العين بالانقطاع التام وبعد مضموم العين بالتنحّي عن المكان ولذلك خص الدعاء بالمكسور في قولهم للمسافر لا تبعَد، قالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية: إخْوَتِي لا تَبْعَدوا أبدا *** وَبَلى واللَّه قَد بعِدوا وفي تعليق النهي بقربان الشجرة إشارة إلى منزع سد الذرائع وهو أصل من أُصول مذهب مالك رحمه الله وفيه تفصيل مقرر في أصول الفقه.

والإشارة بهذه إلى شجرة مرئية لآدم وزوجه، والمراد شجرة من نوعها أو كانت شجرةً وحيدة في الجنة.

وقد اختلف أهل القصص في تعيين نوع هذه الشجرة فعن علي وابن مسعود وسعيد بن جبير والسدي أنها الكرمة، وعن ابن عباس والحسن وجمهور المفسرين أنها الحنطة، وعن قتادة وابن جريج ونسبه ابن جريج إلى جمع من الصحابة أنها شجرة التين.

ووقع في سفر التكوين من التوراة إبهامها وعبر عنها بشجرة معرفة الخير والشر.

وقوله: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ أي من المعتدين وأشهر معاني الظلم في استعمال العرب هو الاعتداء، والاعتداء إما اعتداء على نهي الناهي إن كان المقصود من النهي الجزْم بالترك وإما اعتداء على النفس والفضيلة إن كان المقصود من النهي عن الأكل من الشجرة بقاء فضيلة التنعُم لآدم في الجنة، فعلى الأول الظلم لأنفسهما بارتكاب غضب الله وعقابه وعلى الثاني الظلم لأنفسهما بحرمانها من دوام الكرامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلَعِ آدَمَ الأيْسَرِ بَعْدَ أنْ ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأةِ: ضِلَعٌ أعْوَجُ.

وَسُمِّيَتِ امْرَأةً لِأنَّها خُلِقَتْ مِنَ المَرْءِ، فَأمّا تَسْمِيَتُها حَوّاءَ، فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها خُلِقَتْ مِن حَيٍّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها أُمُّ كُلِّ حَيٍّ.

واخْتُلِفَ في الوَقْتِ الَّذِي خُلِقَتْ فِيهِ حَوّاءُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ أُدْخِلَ الجَنَّةَ وحْدَهُ، فَلَمّا اسْتَوْحَشَ خُلِقَتْ حَوّاءُ مِن ضِلَعِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في الجَنَّةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها خُلِقَتْ مِن ضِلَعِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ الجَنَّةَ، ثُمَّ أُدْخِلا مَعًا إلى الجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ.

واخْتُلِفَ في الجَنَّةِ الَّتِي أُسْكِناها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها جَنَّةُ الخُلْدِ.

والثّانِي: أنَّها جَنَّةٌ أعَدَّها اللَّهُ لَهُما، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ﴾ في الرَّغَدِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَيْشُ الهَنِيُّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: بَيْنَما المَرْءُ تَراهُ ناعِمًا يَأْمَنُ الأحْداثَ في عَيْشٍ رَغَدْ والثّانِي: أنَّهُ العَيْشُ الواسِعُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ الحَلالَ الَّذِي لا حِسابَ فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيا عَنْها، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها البُرُّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الكَرْمُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها التِّينُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، ويَحْكِيهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ.

والرّابِعُ: أنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ الَّتِي تَأْكُلُ مِنها المَلائِكَةُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ المُعْتَدِينَ في أكْلِ ما لَمْ يُبَحْ لَكُما.

والثّانِي: مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِكُما في أكْلِكُما.

واخْتَلَفُوا في مَعْصِيَةِ آدَم َ بِأكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ، عَلى أيِّ وجْهٍ وقَعَتْ مِنهُ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أكَلَ مِنها وهو ناسٍ لِلنَّهْيِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ  ﴾ وزَعَمَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ، أنَّ الأنْبِياءَ يَلْزَمُهُمُ التَّحَفُّظُ والتَّيَقُّظُ لِكَثْرَةِ مَعارِفِهِمْ وعُلُوِّ مَنازِلِهِمْ ما لا يَلْزَمُ غَيْرَهُمْ، فَيَكُونُ تَشاغُلُهُ عَنْ تَذَكُّرِ النَّهْيِ تَضْيِيعًا صارَ بِهِ عاصِيًا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أكَلَ مِنها وهو سَكْرانُ فَصارَ مُؤاخَذًا بِما فَعَلَهُ في السُّكْرِ، وإنْ كانَ غَيْرَ قاصِدٍ لَهُ، كَما يُؤاخَذُ بِهِ لَوْ كانَ صاحِيًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ أكَلَ مِنها عامِدًا عالِمًا بِالنَّهْيِ، وتَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ  ﴾ أيْ فَزَلَّ، لِيَكُونَ العَمْدُ في مَعْصِيَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْها الذَّمَّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أكَلَ مِنها عَلى جِهَةِ التَّأْوِيلِ، فَصارَ عاصِيًا بِإغْفالِ الدَّلِيلِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ مِنهُمُ الكَبائِرُ، ولِقَوْلِهِ تَعالى في إبْلِيسَ: ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ  ﴾ وهو ما صَرَفَهُما إلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في تَأْوِيلِهِ الَّذِي اسْتَجازَ بِهِ الأكْلَ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْوِيلٌ عَلى جِهَةِ التَّنْزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَأْوِيلُ النَّهْيِ عَنْ عَيْنِ الشَّجَرَةِ دُونَ جِنْسِها، وأنَّهُ إذا أكَلَ مِن غَيْرِها مِنَ الجِنْسِ لَمْ يَعْصِ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّأْوِيلَ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْلِيسَ في قَوْلِهِ: ﴿ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ  ﴾ .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: ( فَأزالَهُما ) بِمَعْنى نَحّاهُما مِن قَوْلِكَ: زُلْتَ عَنِ المَكانِ، إذا تَنَحَّيْتَ عَنْهُ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ فَأزَلَّهُما ﴾ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى اسْتَزَلَّهُما مِنَ الزَّلَلِ، وهو الخَطَأُ، سُمِّيَ زَلَلًا لِأنَّهُ زَوالٌ عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ الزَّلَّةُ زَوالٌ عَنِ الحَقِّ، وأصْلُهُ الزَّوالُ.

والشَّيْطانُ الَّذِي أزَلَّهُما هو إبْلِيسُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ خَلُصَ إلَيْه ِما حَتّى باشَرَهُما بِالكَلامِ وشافَهَهُما بِالخِطابِ أمْ لا؟

فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ خَلُصَ إلَيْهِما، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ  ﴾ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: لَمْ يَخْلُصْ إلَيْهِما، وإنَّما أوْقَعَ الشَّهْوَةَ في أنْفُسِهِما، ووَسْوَسَ لَهُما مِن غَيْرِ مُشاهَدَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ  ﴾ ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأشْهَرُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ ﴾ يَعْنِي: إبْلِيسُ سَبَبُ خُرُوجِهِما، لِأنَّهُ دَعاهُما إلى ما أوْجَبَ خُرُوجَهُما.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ الهُبُوطُ بِضَمِّ الهاءِ النُّزُولُ، وبِفَتْحِها مَوْضِعُ النُّزُولِ، وقالَ المُفَضَّلُ: الهُبُوطُ الخُرُوجُ مِنَ البَلْدَةِ، وهو أيْضًا دُخُولُها، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وإذا كانَ الهُبُوطُ في الأصْلِ هو النُّزُولُ، كانَ الدُّخُولُ إلى البَلْدَةِ لِسُكْناها نُزُولًا بِها، فَصارَ هُبُوطًا.

واخْتَلَفُوا في المَأْمُورِ بِالهُبُوطِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، والحَيَّةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ آدَمُ، وحَوّاءُ، والمُوَسْوِسُ.

والعَدُوُّ اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ في الواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، والمُذَكَّرِ، والمُؤَنَّثِ، والعَداوَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ المُجاوَزَةِ مِن قَوْلِكَ: لا يَعْدُوَنَّكَ هَذا الأمْرُ، أيْ لا يُجاوِزَنَّكَ، وعَداهُ كَذا، أيْ جاوَزَهُ، فَسُمِّيَ عَدُوًّا لِمُجاوَزَةِ الحَدِّ في مَكْرُوهِ صاحِبِهِ، ومِنهُ العَدْوُ بِالقَدَمِ لِمُجاوَزَةِ المَشْيِ، وهَذا إخْبارٌ لَهم بِالعَداوَةِ وتَحْذِيرٌ لَهُمْ، ولَيْسَ بِأمْرٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالعَداوَةِ.

واخْتُلِفَ في الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمُ اهْبِطُوا، عَلى ما ذَكَرْنا مِنِ اخْتِلافِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهم بَنُو آدَمَ، وبَنُو إبْلِيسَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُسْتَقَرَّ مِنَ الأرْضِ مَوْضِعُ مُقامِهِمْ عَلَيْها، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا  ﴾ ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَوْضِعُ قُبُورِهِمْ مِنها، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ : والمَتاعُ كُلُّ ما اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنَ المَنافِعِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ مُتْعَةُ النِّكاحِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ  ﴾ ، أيِ ادْفَعُوا إلَيْهِنَّ ما يَنْتَفِعْنَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: وكُلُّ غَضارَةٍ لَكَ مِن حَبِيبٍ ∗∗∗ لَها بِكَ، أوْ لَهَوْتَ بِهِ، مَتاعُ والحِينُ: الوَقْتُ البَعِيدُ، فَـ(حِينَئِذٍ) تَبْعِيدُ قَوْلِكَ: (الآنَ)، وفي المُرادِ بِالحِينِ في هَذا المَوْضِعِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إلى المَوْتِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: إلى قِيامِ السّاعَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: إلى أجَلٍ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله أرأيت آدم أنبياً كان؟

قال: نعم.

كان نبياً رسولاً كلمه الله قبلاً، قال له ﴿ يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أبي ذر قلت «يا رسول الله من أول الأنبياء؟

قال: آدم.

قلت: نبي كان؟

قال: نعم مكلم.

قلت: ثم من؟

قال: نوح وبينهما عشرة آباء» .

وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والبزار والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: «قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟

قال: آدم قلت: يا رسول الله ونبي كان؟

قال: نعم.

نبي مكلم.

قلت: كم كان المرسلون يا رسول الله؟

قال: ثلثمائة وخمسة عشر.

جماً عفيراً» .

وأخرج عبد بن حميد والآجري في الأربعين عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله من كان أولهم؟

يعني الرسل قال: آدم قلت: يا رسول الله أنبي مرسل؟

قال: نعم.

خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسوّاء قبلاً» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي أمامة الباهلي «أن رجلاً قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟

قال: نعم.

مكلم.

قال: كم بينه وبين نوح؟

قال: عشرة قرون قال: كم بين نوح وبين ابراهيم؟

قال: عشرة قرون قال: يا رسول الله كم الأنبياء؟

قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.

قال: يا رسول الله كم كانت الرسل من ذلك؟

قال: ثلثمائة وخمسة عشر.

جماً غفيراً» .

وأخرج أحمد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة «أن أبا ذر قال: يا نبي الله أي الأنبياء كان أوّل؟

قال: آدم.

قال: أو نبي كان آدم؟

قال: نعم.

نبي مكلم، خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم قال له يا آدم قبلاً.

قلت: يا رسول الله كم وفى عدة الأنبياء؟

قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.

الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر.

جماً غفيراً» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في الشعب وابن عساكر في تاريخه عن الحسن قال: قال موسى يا رب كيف يستطيع آدم أن يؤدي شكر ما صنعته إليه، خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسكنته جنتك، وأمرت الملائكة فسجدوا له؟

فقال: يا موسى علم أن ذلك مني فحمدني عليه، فكان ذلك شكراً لما صنعت إليه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: خلق الله آدم يوم الجمعة، وأدخله الجنة يوم الجمعة، فجعله في حنات الفردوس.

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: ما سكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن ابن عباس قال: خلق الله آدم من أديم الأرض يوم الجمعة بعد العصر فسماه آدم، ثم عهد إليه فنسي فسماه الإِنسان قال ابن عباس: فتالله ما غابت الشّمس من ذلك اليوم حتى أهبط من الجنة إلى الأرض.

وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار.

تلك الساعة مائة وثلاثون سنة من أيام الدنيا.

وأخرج أحمد في الزهد عن سعيد بن جبير قال: ما كان آدم عليه السلام في الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر.

وأخرج عبد الله في زوائده عن موسى بن عقبة قال: مكث آدم في الجنة ربع النهار، وذلك ساعتان ونصف، وذلك مائتا سنة وخمسون سنة، فبكى على الجنة مائة سنة.

أما قوله تعالى: ﴿ وزوجك ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: لما سكن آدم الجنة كان يمشي فيها وحشاً ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها ما أنت؟

قالت: امرأة قال: ولم خلقت؟

قالت لتسكن إليّ قالت له الملائكة ينظرون ما يبلغ علمه: ما اسمها يا آدم؟

قال: حواء.

لم سميت حوّاء؟

قال: لأنها خلقت من حي فقال الله: ﴿ يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ .

وأخرج سفيان بن عيينة عن مجاهد قال: نام آدم فخلقت حواء من قصيراه، فاستيقظ فرآها فقال: من أنت؟

فقالت: أنا أسا.

يعني امرأة بالسريانية.

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع، وأن أعوج شيء من الضلع رأسه، وإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته تركته وفيه عوج.

فاستوصوا بالنساء خيراً» .

وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس قال: إنما سميت حواء لأنها أم كل شيء حي.

وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر من وجه آخر عن ابن عباس قال: إنما سميت المرأة مرأة لأنها خلقت من المرء، وسميت حواء لأنها أم كل حي.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن عطاء قال: لما سجدت الملائكة لآدم نفر إبليس نفرة ثم ولى مدبراً وهو يلتفت أحياناً ينظر هل عصى ربه أحد غيره.

فعصمهم الله ثم قال الله لآدم: قم يا آدم فسلم عليهم.

فقام فسلم عليهم وردوا عليه، ثم عرض الأسماء على الملائكة فقال الله لملائكته: زعمتم أنكم أعلم منه ﴿ انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك ﴾ إن العلم منك ولك، ولا علم لنا إلا ماعلمتنا، فلما أقروا بذلك ﴿ قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ﴾ فقال آدم: هذه ناقة، جمل، بقرة، نعجة، شاة، فرس، وهو من خلق ربي.

فكل شيء سمي آدم فهو اسمه إلى يوم القيامة، وجعل يدعو كل شيء باسمه حين يمر بين يديه حتى بقي الحمار وهو أخر شيء مر عليه.

فجاء الحمار من وراء ظهره فدعا آدم: أقبل يا حمار.

فعلمت الملائكة أنه أكرم على الله وأعلم منهم، ثم قال له ربه: يا آدم ادخل الجنة تحيا وتكرم، فدخل الجنة فنهاه عن الشجرة قبل أن يخلق حواء.

فكان آدم لا يستأنس إلى خلق في الجنة، ولا يسكن إليه، ولم يكن في الجنة شيء يشبهه، فالقى الله عليه النوم وهو أوّل نوم كان، فانتزعت من ضلعه الصغرى من جانبه الأيسر، فخلقت حواء منه، فلما استيقظ آدم فجلس، فنظر إلى حواء تشبهه من أحسن البشر، ولكل امرأة فضل على الرجل بضلع، وكان الله علم آدم اسم كل شيء، فجاءته الملائكة فهنوه وسلموا عليه فقالوا: يا آدم ما هذه؟

قال: هذه مرأة قيل له: فما اسمها؟

قال: حواء فقيل له: لم سميتها حواء؟

قال: لأنها خلقت من حي.

فنفخ بينهما من روح الله فما كان من شيء يتراحم الناس به من فضل رحمتها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أشعث الحداني قال: كانت حواء من نساء الجنة، وكان الولد يرى في بطنها إذا حملت ذكر أم أنثى من صفاتها.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن إبراهيم النخعي قال: لما خلق الله آدم وخلق له زوجته، بعث إليه ملكاً، وأمرة بالجماع ففعل، فلما فرغ قالت له حواء: يا آدم هذه طيب زدنا منه.

أما قوله تعالى: ﴿ وكلا منها رغداً ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: ﴿ الرغد ﴾ الهنيّ.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ الرغد ﴾ سعة المعيشة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وكلا منها رغداً حيث شئتما ﴾ قال: لا حساب عليكم.

أما قوله تعالى: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: الشجرة التي نهى الله عنها آدم السنبلة.

وفي لفظ البر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: الشجرة التي نهى الله عنها آدم البر، ولكن الحبة منه في الجنة كمكلي البقر، ألين من الزبد، وأحلى من العسل.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن أبي مالك الغفاري في قوله: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ قال: هي السنبلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال: الشجرة التي نهى عنها آدم.

الكرم.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود.

مثله.

وأخرج وكيع وابن سعد وابن جرير وأبو الشيخ عن جعدة بن هبيرة قال: الشجرة التي افتتن بها آدم الكرم، وجعلت فتنة لولده من بعده، والتي أكل منها آدم العنب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هي اللوز.

قلت: كذا في النسخة وهي قديمة، وعندي أنها تصحفت من الكرم.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ قال: بلغني أنها التينة.

وأخرج ابن جرير عن بعض الصحابة قال: هي تينة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: هي التين.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك في قوله: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ قال: هي النخلة.

وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: هي الأترج.

وأخرج أحمد في الزهد عن شعيب الحيائي قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته شبه البر.

تسمى الرعة، وكان لباسهم النور.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية قال: كانت الشجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ قال: ابتلى الله آدم كما ابتلى الملائكة قبله، وكل شيء خلق مبتلى، ولم يدع الله شيئاً من خلقه إلا ابتلاه بالطاعة، فما زال البلاء بآدم حتى وقع فيما نهي عنه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ابتلى الله آدم فأسكنه الجنة يأكل منها رغداً حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، وقدم إليه فيها.

فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، فبدت له سوءته عند ذلك، وكان لا يراها فأهبط من الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ﴾ الآية.

(اسكن الجنة) (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله: (أنت) تأكيد للضمير الذي في الفعل (٧) (٨) ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَزَوْجُكَ ﴾ لفظه مذكر، ومعناه مؤنث، وذلك أن الإضافة تلزم هذا الاسم في أكثر الكلام، وكانت مبينة (٩) (١٠) وكان الأصمعي يؤثر ترك (١١) (١٢) (١٣) والمراد بقوله: ﴿ الْجَنَّةَ ﴾ جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلا جنة الخلد (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا ﴾ (١٥) (١٦) (١٧) بَيْنَما المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً ...

يَأْمَنُ الأحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ (١٨) وقال ابن دريد: عيش رَاغِد ورَغَد ورَغِيد، والرَّغِيدَة: الزبدة، ويقال: أَرْغَد القوم إذا وقعوا في عيش رغد (١٩) الليث: (الرغد): أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ .

(حيث) بني على الضم تشبيها بالغاية، نحو: (قبل) و (بعد) وذلك أنه منع الإضافة إلى الاسم المفرد كما منعت الغاية الإضافية، فبني لأجل الشبه على الضم بالغاية (٢١) ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ .

قيل معناه: لا تقرباها بالأكل، لأن آدم عصى بالأكل منها، لا بأن قربها (٢٢) وقيل: إن النهي عن الأكل داخل في قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا ﴾ فهو نهي بأبلغ لفظ يكون (٢٣) وقيل: قربَ فلانٌ أهلَه قربانًا، أي [غشيها] (٢٤) (٢٥) و (الشجرة) في اللغة: ما لها ساق يبقى في الشتاء، و (النجم) ما ليس على ساق، ومنه قوله: ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ  ﴾ .

قال الحسين بن الفضل: إن آدم نهي عن أكل الشجرة فعصى بذوقها، وهو دون الأكل، فدل على أن الذي نهي عن شرب المسكر يعصي بشرب اليسير منه قدر ما يقع عليه اسم الذوق.

واختلفوا في الشجرة التي نهي آدم عنها، فقال ابن عباس، وعطية، ووهب، وقتادة: إنها السنبلة، قال وهب: وكانت الحبة منها ككلية البقر، ألين من الزبد، وأحلى من العسل (٢٩) وقال ابن مسعود والسدي: هي الكرم (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال محمد بن (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ .

قال الفراء: إن شئت جعلت (فتكونا) جواباً نصباً، لأنه جواب النهي بالفاء.

وإن شئت عطفته على أول الكلام، فكان جزماً مثل قول امرئ القيس (٤٠) فَقُلْتُ لَهُ صَوِّب ولا تُجْهِدَنَّه ...

فَيُذْرِكَ (٤١) (٤٢) (٤٣) ومعنى الفاء والنصب جزاء (٤٤) (٤٥) وقال الزجاج: إنما نصب بإضمار (أن) (٤٦) (٤٧) ﴿ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ  ﴾ ﴿ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ  ﴾ ، (٤٨) (٤٩) (٥٠) قال الأعشى (٥١) ألمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَدِيَم فَيَنْطِقُ ...

وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَومَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ (٥٢) أراد ألم تسأل الربع، فإنه يخبرك عن أهله (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ .

يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُه ظُلمًا، فالظلم مصدر حقيقي، والظلم الاسم يقوم مقام المصدر.

ومن أمثال (٥٤) (٥٥) وقال أحمد بن يحيى وأبو الهيثم: يقال: ظلمت السّقاء، وظلمت اللبن إذا شربته أو سقيته قبل إدراكه وإخراج زبدته (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) وقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ...

وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكِدِ الظَّليِمُ (٦٠) وقال الفراء: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعاً لم يكن ناله فيما خلا، وأنشد: يَكَاد يَطْلُعُ ظُلْماً ثُمَّ يَمْنَعُه ...

عَنِ الشَّوَاهِقِ فَالوَادِي بِهِ شَرِقُ (٦١) قال: ويقال: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الجحر لم تحفره فتسكنه (٦٢) والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بِالمظْلُومَةِ الجَلَدِ (٦٣) يعني بالمظلومة أرضاً في برية حوّضوا فيها حوضاً سقوا فيه إبلهم، وليست بموضوع تحويض.

قال: وأصل الظلم، وضع الشيء غير (٦٤) هُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ (٦٥) (٦٦) ...

وَيُظْلَمُ أَحْيَاناً فَيَنْظَلِمُ (٦٧) أي يطلب منه في غير موضع الطلب (٦٨) ومعنى قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي من العاصين الذين وضعوا الأمر غير موضعه (٦٩) والعاصي ظالم لوضعه أمر الله في غير موضعه، ووضعه المعصية حيث يجب أن يطيع.

وقال بعضهم: معنى (٧٠) ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي (٧١) (٧٢) (٧٣) ﴿ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا  ﴾ أي: لم تنقص.

ومنه يقال: ظلمه حقه، أي: نقصه (٧٤) وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ (٧٥) (٧٦) (١) في (ب): (معنى اسكن الجنة).

(٢) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 249، و"القرطبى" 1/ 255، "البحر" 1/ 155.

(٣) في (أ): (وكذا) وفي (ج)، كتبت ثم شطبت والصحيح حذفها.

(٤) (قالوا) ساقط من (ج).

(٥) في (ب): (التسكين).

(٦) انظر: "التهذيب" (سكن) 2/ 1723، "مقاييس اللغة" (سكن) 3/ 88، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 255، "البحر" 1/ 155.

(٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 163، و"تفسير ابن عطية" 1/ 249، و"تفسير القرطبي" 1/ 256، "البحر" 1/ 156.

(٨) مذهب البصريين أنه لا يجوز العطف إلا في الضرورة، وأجاز الكوفيون ذلك.

انظر "الإنصاف" ص 380، "البحر" 1/ 156.

(٩) في (ج): (مبنية).

(١٠) في (ب): (وكان).

(١١) (ترك) ساقطة من (ب).

(١٢) في (أ)، (ج): (ذكر) وما في (ب) هو الصحيح.

وانظر اختلافهم في "اللسان" (زوج) 3/ 1885، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 257.

(١٣) قال الفراء (الزوج) يقع على المرأة والرجل.

هذا قول أهل الحجاز.

قال عز وجل ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ .

وأهل نجد يقولون: (زوجة) وهو أكثر من (زوج) والأول أفصح عند العلماء).

(المذكر والمؤنث): ص 95، وانظر (المذكر والمؤنث) لابن الأنباري: ص 503، "تفسير الطبري" 1/ 229.

ومما جاء على (زوجة) قول عمار في شأن عائشة (إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة).

وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 249، وقال القرطبي: (وقد جاء في صحيح مسلم لفظ (زوجة) في حديث أنس وفيه يا فلان هذِه زوجتي فلانة).

"تفسير القرطبي" 1/ 256.

(١٤) وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين، وفيه الرد على من قال: إنها جنة في الدنيا وهو قول المعتزلة والقدرية.

انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 64 ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 249، و"تفسير القرطبي" 1/ 258، و"تفسير ابن كثير" 1/ 84.

قال ابن الجوزي وقيل: جنة عدن، "زاد المسير" 1/ 66.

(١٥) في (ج): (فكلا) تصحيف.

(١٦) انظر: "الصحاح" (رغد) 2/ 475، "تهذيب اللغة" 2/ 1433، "مقاييس اللغة" 2/ 417، "تفسير الطبري" 1/ 230،، "اللسان" 3/ 1680.

(١٧) في (ب): (وقال).

(١٨) ورد البيت منسوبًا لامرئ القيس في الطبري 1/ 230، وفي "الوسيط" للمؤلف 1/ 83، و"تفسير ابن عطية" 1/ 251، و"البحر" 1/ 155، و"الدر المصون" 1/ 281، قال محمود شاكر في حاشية الطبري: لم أجده فيما جمع من شعر امرئ القيس، وقد بحثت في (الديوان) فلم أجده.

(١٩) "الجمهرة" 2/ 633.

(٢٠) لم أجده عن الليث، انظر: "العين" (رغد) 4/ 392، و"تهذيب اللغة" (رغد) 2/ 1433، و"الصحاح" (رغد) 2/ 475، و"اللسان" (رغد) 3/ 1680.

(٢١) وقد ذكر سيبويه فيها وجها آخر وهو الفتح وقال الكسائي: الضم لغة قيس وكنانة، والفتح لغة بني تميم، وقال: وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب، ويقال: حوث.

انظر: "الكتاب" 3/ 286، و"إعراب القرآن" للنحاس1/ 163، و"تهذيب اللغة" (حيث) 1/ 949، "تفسير ابن عطية" 1/ 251، وقد ذكر الواحدي هذِه الوجوه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ  ﴾ .

كما وعد هنا.

(٢٢) وبهذا قال الزجاج في "المعاني" 1/ 83، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 252، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 66، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 265.

(٢٣) ذكره ابن عطية في "تفسيره" 1/ 252، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 265، وبه أخذ أبو حيان في "البحر" 1/ 158.

(٢٤) في (أ)، (ج): (عيشها)، وفي (ب): (ان عشيها)، والتصحيح من "تهذيب اللغة" 3/ 2914.

(٢٥) ذكره الأزهري في الليث.

"التهذيب" (قرب) 3/ 2914.

"اللسان" (قرب) 6/ 3566.

(٢٦) قيل إن المراد بالنجم في الآية نجم السماء، والأرجح أنه مالا ساق له من الشجر، انظر: "تفسير الطبري" 27/ 116، و"القرطبي" 17/ 154.

(٢٧) في (أ)، (ج): (أعضائها)، وما في (ب) هو الصحيح.

(٢٨) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 231، "التهذيب" (شجر) 2/ 1830، "تفسير ابن عطية" 1/ 252، "مفردات الراغب" ص 256، و"تفسير القرطبي" 1/ 266، و"تفسير الرازي" 1/ 6.

(٢٩) أقوالهم في الطبري في "تفسيره" 1/ 231 - 232، و"ابن أبي حاتم" 1/ 86، و"الثعلبي" 1/ 64 ب.

(٣٠) وروى هذا عن ابن عباس وسعيد بن جرير والشعبي وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 232، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 86، و"تفسير الثعلبي" 1/ 64 ب.

(٣١) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أحد العلماء المشهورين، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل.

توفي سنة تسع وأربعين ومائة، انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 400، "وفيات الأعيان" 3/ 163.

(٣٢) "تفسير الطبري" 1/ 232، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 86.

وفي اسم الشجرة أقوال كثيرة غير هذه.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 86 - 87، والثعلبي 1/ 60 ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 252، "زاد المسير" 1/ 66، "التعريف والإعلام" للسهيلي: ص 19، "غرر التبيان في مبهمات القرآن": ص 39، رسالة ماجستير، "مفحمات الأقران في مبهمات القرآن" للسيوطي ص 12.

(٣٣) (محمد) ساقط من (ب).

(٣٤) ومما قاله الطبري (..

وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به)، "تفسير الطبري" 1/ 232.

وبهذا قال أكثر المفسرين، إن الإطالة في هذا من التكلف الذي لا فائدة فيه، ولكفينا ما ذكر الله في كتابه: أنه نهى آدم عن أكل الشجرة، وأن آدم عصى ربه وأكل منها، ثم تاب عليه.

انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 252، و"تفسير الرازي" 3/ 5.

و"تفسير ابن كثير" 1/ 84.

(٣٥) كذا في جميع النسخ ولعلها (إنه).

(٣٦) انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 64 ب، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 18، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 260، "زاد المسير" 1/ 68.

(٣٧) انظر "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 18، و"زاد المسير" 1/ 68، ورجع الرازي أن النهي للتنزيه، وقال: إن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء -عليهم السلام- كان أولى، وأجاب عن أدلة الذين قالوا: إنه للتحريم.

انظر "تفسير الرازي" 3/ 5.

(٣٨) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 237، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 65 أ، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 18، والقرطبي 1/ 260.

(٣٩) وقد رده ابن العربي ردَّا قويًّا حيث قال: (أما القول بأن آدم أكلها سكران ففاسد نقلا وعقلا: أما النقل: فلأن هذا لم يصح بحال، وقد نقل عن ابن عباس أن == الشجرة التي نهي عنها الكرم، فكيف ينهى عنها ويوقعه الشيطان فيها، وقد وصف الله خمر الجنة بأنها لا غول فيها، فكيف توصف بغير صفتها التي أخبر الله تعالى عنها.

وأما العقل: فلأن الأنبياء بعد النبوة منزهون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض واقتحام الجرائم "أحكام القرآن" 1/ 19.

وأقول: لا داعي لكل هذه التوجيهات لفعل آدم -  - بل الأولى أن نجيب بما قال الله عنه: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)  ﴾ .

(٤٠) كذا منسوبًا إلى امرئ القيس في أكثر المصادر، ونسبه سيبويه إلى (عمرو ابن عمار الطائي) قال عبد السلام هارون معلقا على نسبته إلى امرئ القيس: ليس في "ديوانه".

قلت: هو في "ديوانه" ص 106.

(٤١) في (أ)، (ج): (فيدرك) بالدال، وفي (ب): (فتدرك)، وكلاهما تصحيف.

(٤٢) يروى (فيدنك) كذا عند سيبويه.

يقول مخاطبًا للغلام الذي سبق ذكره في الأبيات قبله: صوب الفرس ولا تجهده، لا تحمله على العدو فيصرعك، يقال: أذراه عن فرسه: إذا صرعه وألقاه، والقطاة من الفرس: موضع الردف.

انظر: "ديوان امرئ القيس" ص 174، "الكتاب" 3/ 101، "معاني القرآن" للفراء 1/ 26، و"تفسير الطبري" 1/ 234، "اللسان" (ذرا) 3/ 1491، "الخزانة" 8/ 526، "الدر المصون" 1/ 286، "البحر" 1/ 159.

والشاهد عند سيبويه: جزم (فيدنك) حملا على النهي، ولو أمكنه النصب بالفاء على جواب النهي لجاز.

(٤٣) (جزم) ساقط من (ج).

(٤٤) في "المعاني" للفراء: (ومعنى الجواب والنصب لا تفعل هذا فيفعل بك مجازاة، فلما عطف حرف ..

إلخ) 1/ 27.

(٤٥) انتهى ما نقله عن الفراء، ويعود للنقل منه بعد كلام الزجاج.

"معاني القرآن" 1/ 26، 27، وما ذكره هو مذهب الكوفيين في الفعل المضارع الواقع بعد الفاء في جواب: الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض.

ينصب بالخلاف، أي أن الجواب مخالف لما قبله.

انظر: "الإنصاف" 2/ 557، "الدر المصون" 1/ 286، ونصر هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 234.

(٤٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 83.

وقال: نصبه عند سيبويه والخليل بإضمار (أن).

وما ذكر هو مذهب البصريين كما في "الإنصاف" 2/ 557، 558، وبهذا قال الأخفش في "المعاني" 1/ 222، وانظر: "الدر المصون" 1/ 286، وقد رد هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 234.

(٤٧) هذا عود على كلام الفراء.

(٤٨) والآيتان وردتا ضمن كلام الفراء.

(٤٩) في "معاني القرآن" للفراء: (وما كان من نفي ففيه ما في هذا (يريد ما في النهي) ولا يجوز الرفع في أحد الوجهين (النفي والنهي) إلا أن تريد الاستئناف ..

إلخ) "معاني القرآن" للفراء 1/ 27.

(٥٠) في جميع النسخ (يريد) وبالتاء جاء في "معاني القرآن" للفراء 1/ 27.

(٥١) البيت لجميل بن معمر العذري، كما في "الخزانة" 8/ 526.

وفي "ديوانه": ص 145.

وكذا نسبه أكثرهم، ولم أجد من نسبه للأعشى، ولعله اشتبه عند الواحدي بقول الأعشى: وإن أمرا أسرى أليك ودونه ...

من الأرض موماة وبيداء سملق (٥٢) يروى البيت (القواء) مكان (القديم)، معنى الربع: الدار بعينها حيثما كانت.

والقواء: القفر، وكذا البيداء، والسملق: الأرض المستوية، أو الجرداء لا شجر فيها، يقول: وقد تخيل القواء ناطقا، ألا تسأله، ثم نفى ذلك عنه وحقق أنه لا يجيب سائله لعدم القاطنين به.

ورد البيت في "الكتاب" 3/ 37، "معاني القرآن" للفراء 1/ 27، "الجمل" للزجاجي: ص 194، "شرح المفصل" 7/ 36، "همع الهوامع" 4/ 122، 5/ 235، وشرح "شذرات الذهب": ص 367، "الخزانة" 8/ 524، "مغني اللبيب" 1/ 168، "ديوان جميل ": ص 70.

(٥٣) "معاني القرآن" للفراء 1/ 27.

(٥٤) ذكره الأزهري عن الليث.

"تهذيب اللغة" 3/ 2248، وانظر: "لسان العرب" (ظلم) 5/ 2757.

(٥٥) ويجوز أن يكون المعنى: فما ظلم الأب: أي لم يظلم حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري 2/ 244، "الوسيط" في الأمثال == للمؤلف ص 155، "المستقصي" 2/ 352، "مجمع الأمثال" 2/ 300، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2248، "اللسان" (ظلم) 5/ 2757.

(٥٦) في "تهذيب اللغة": أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى وعن أبي الهيثم أنهما قالا: ثم ذكره 3/ 2249، "اللسان" (ظلم) 5/ 2758.

(٥٧) الوطب: سقاء اللبن.

انظر (القاموس) (وطب): ص 142.

(٥٨) انظر "إصلاح المنطق": ص 352، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، "اللسان" (ظلم) 5/ 2758.

(٥٩) في "التهذيب": المظلوم والظليمة، 3/ 2249، وكذا "اللسان" (ظلم) 5/ 2757.

(٦٠) البيت غير منسوب في "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، وكذا في "الصحاح" 5/ 1978، "مقاييس اللغة" 3/ 469، "اللسان" 5/ 2757، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 264، والعكد: أصل (اللسان).

(٦١) البيت في "معاني القرآن" للفراء1/ 397، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، "اللسان" 5/ 2758، غير منسوب.

(٦٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 397، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، وانظر "الصحاح" (ظلم) 5/ 1978، "اللسان" (ظلم) 5/ 2758.

(٦٣) عجز بيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر وصدره: إلاَّ أَوَاريُ لَأْيًا ما أُبَيِّنُهَا الأواري: محابس الخيل، وتروى (الأواري) بالرفع على البدل، وبالنصب على الاستثناء، لأياً: بطئا، والمعنى أبينها بعد لأي لتغير معالمها، والنُّؤْي: حاجز حول الخباء يمنع عنه الماء، والمظلومة: أرض حفر فيها الحوض لغير إقامة، فظلمت لذلك، والجلد: الصلبة.

ورد البيت في "الكتاب" 2/ 321، "معاني القرآن" للفراء 1/ 288، 480، "تفسير الطبري" 1/ 234، "المقتضب" 4/ 414، "التهذيب" "ظلم" 3/ 2249، "الجمل" للزجاجي ص 236، "الإنصاف" ص 234، "الأزهية في علم الحروف" 80، "الهمع" 3/ 250، 255، "شرح المفصل" 2/ 80، "الخزانة" 4/ 121، "الدر المصون" 1/ 286، "ديوان النابغة": ص 9.

(٦٤) في "تهذيب اللغة" (في غير) 3/ 2249.

(٦٥) وصدره: عَادَ الأذِلَّةُ في دَارٍ وَكَان بِهَا قوله: هرت الشقاشق: أي: ماهرون في الخطابة والكلام، تقول العرب للخطيب الجهير الصوت الماهر بالكلام: هو أهرت الشِّقْشِقَة.

والشِّقْشِقَة: لحمة كالرئة يخرجها البعير الفحل من فيه عند هياجه.

== ورد البيت في "ديوان ابن مقبل": ص 81، "التهذيب" (ظلم) 3/ 2249، "اللسان" (هرت) 8/ 4647، "شقق" 4/ 2300، (ظلم) 1/ 2758.

"الصحاح" (ظلم) 3/ 1978، "جمهرة اللغة" 1/ 138، "مقاييس اللغة" (ظلم) 3/ 469، و"تفسير القرطبي" 1/ 264، "أمالي القالي" 2/ 101.

(٦٦) انتهى كلام ابن السكيت ملخصًا من "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249.

ولم أجده في "إصلاح المنطق".

(٦٧) جزء من بيت، وصدره: هُوَ الجَوَادُ الذِي يُعْطِيكَ نَائلَهُ ...

عَفْواَ وَيُظلَمُ ..............

ويروى (هذا الجواد)، (فيطلم) و (فيظلم) والبيت قاله زهير في مدح هرم بن سنان ورد في "الكتاب" 4/ 468، "تهذيب اللغة" (ظلم) 1/ 2250، "الصحاح" (ظلم) 5/ 1977، "مقاييس اللغة" (ظلم) 3/ 469، "اللسان" (ظلم) 5/ 2759، "شرح المفصل" 10/ 47، "شرح ديوان زهير" ص 152.

(٦٨) في "تهذيب اللغة" 1/ 2250 (ظلم): (وقال الأصمعي في قول زهير ..).

(٦٩) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 234.

(٧٠) (معنى قوله) ساقط من (ب).

(٧١) في (ب): (أي من).

(٧٢) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 111، و"الثعلبي" 1/ 64 ب، و"البيضاوي" 1/ 22، و"النسفي" 1/ 38.

(٧٣) (الحق) ساقط من (ب).

(٧٤) انظر: "التهذيب" (ظلم) 3/ 2248، "معاني القرآن" للفراء 1/ 397، "اللسان" (ظلم) 5/ 2757.

(٧٥) سورة البقرة: 57، سورة الأعراف: 160.

(٧٦) "معاني القرآن" 1/ 397، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2248.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء كتسمية القمر والشجر وغير ذلك ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات، وبيّن أشخاص بني آدم وأجناس الأشياء ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ أمر على وجه التعجيز ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي في قولكم: إنّ الخليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ اعتراف ﴿ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ أي أنبئ الملائكة بأسماء ذريتك أو بأسماء أجناس الأشياء ﴿ اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ ﴾ السجود على وجه التحية وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ روي أنّ من أوّل من سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل عند من قال: إنه كان ملكاً.

ومنقطع عند من قال: كان من الجن ﴿ واستكبر ﴾ لقوله: أنا خير منه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ قيل: كفر بإبايته من السجود لآدم، وليس كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية ﴿ وَزَوْجُكَ ﴾ هي حواء خلقها الله من ضلع آدم، ويقال: زوجة، وزوج هنا أفصح ﴿ الجنة ﴾ هي جنة الخلد عند الجماعة وعند أهل السنة، خلافاً لمن قال: هي غيرها ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا ﴾ النهيُ عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدّاً للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع ﴿ الشجرة ﴾ قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم ﴿ فَتَكُونَا ﴾ عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ متعدّ من أزل القدم، وأزلهما بالألف من الزوال ﴿ عَنْهَا ﴾ الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.

فائدة: اختلفوا في أكل آدم الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ [طه: 115] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمداً وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر، وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من حنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذباً ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وزوجه وإبليس بدليل: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار وهو في مدّة الحياة، وقيل في بطن الأرض بعد الموت ﴿ وَمَتَاعٌ ﴾ ما يتمتع به ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى الموت ﴿ فتلقى ﴾ أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء ﴿ كلمات ﴾ هي قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ بدليل ورودها في [الأعراف: 23] وقيل غير ذلك ﴿ اهبطوا ﴾ كرر ليناط به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة، وأن يكون هذا الثاني لذرية آدم لقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ إن شرطية وما زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته ﴿ فَمَن تَبِعَ ﴾ شرط، وهو جواب الشرط الأوّل، وقيل: فلا خوف جواب الشرطين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ للملائكة اسجدوا ﴾ برفع الهاء للإتباع: يزيد وقتيبة.

وروى ابن مهران عنهما أنهما يشمان الكاف الكسر ويرفعان الهاء.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: الملايكة بغير همز، وكذلك كل كلمة في وسطها همزة مكسورة إلا قوله ﴿ السائلين ﴾ و ﴿ السائل ﴾ و ﴿ البائس ﴾ فإنهما بالهمز ﴿ شئتما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمر ويزيد والأعشى وورش، ومن طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف ﴿ فأزالهما ﴾ حمزة ﴿ آدم ﴾ نصب ﴿ كلمات ﴾ رفع ابن كثير ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ بالفتح حيث كان: يعقوب ﴿ هداي ﴾ و ﴿ محياي ﴾ و ﴿ مثواي ﴾ بالإمالة كل القرآن على غير ليث.

﴿ النار ﴾ بالإمالة كل القرآن، وكذلك كل كلمة في آخرها راء مكسورة بعد الألف في موضع اللام من الكلمة قرأها على غير ليث وأبي حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وحمزة في رواية ابن سعدان وأبو عمرو إلا أنه لا يميل ﴿ الجار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ في بعض الروايات.

فروى إبراهيم بن حماد عن اليزيدي ﴿ الجار ﴾ بالإمالة.

وروى ابن مجاهد عن اليزيدي ﴿ الغار ﴾ بالإمالة، وسائر الروايات عنه بالتفخيم لقلة دورهما.

واختلفوا في وقف أبي عمرو في مثل ﴿ النار ﴾ وأشباه ذلك.

فروى ابن مجاهد والحسن بن عبد الله عن النقاش وكثير من أهل العراق أنه يقف كما يصل، وروى سلمة بن عاصم أنه يقف بالتفخيم والأول أكثر.

الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ (ط) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا عامل فتجعل الجملة حالاً ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ شئتما ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ كانا فيه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين.

﴿ عدو ﴾ (ج) لاختلاف الجملتين ﴿ حين ﴾ (ه) ﴿ فتاب عليه ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ج) ﴿ جميعاً ﴾ (ج) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر.

وقيل: الجملة خبر بعد خبر لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل: الرمان حلو حامض ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما خصص الله  أبانا آدم بالخلافة ثم علمه من العلوم ما ظهر بذلك مزيته على جميع الملائكة، اقتضت حكمته البالغة أن جعله مسجوداً لهم وهذا مقتضى النسق ههنا ظاهر إلا أن قوله  في موضع آخر ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين  ﴾ يقتضي أن يكون الأمر بالسجود قبل تسوية خلقه، وأنه كما صار حياً صار مسجوداً لهم.

وتعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد سجدتهم.

والله أعلم بذلك.

ثم إن المسلمين أجمعوا على أن ذلك السجود لم يكن للعبادة لأنه  لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر، فزعم بعض أن السجود كان لله  وآدم كالقبلة.

فقوله ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ مثل قولك "صل للقبلة" قال حسان بن ثابت: ما كنت أعرف أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليـــس أول مـــن صلـــى لقبلتكـــم *** وأعرف الناس بالقرآن والســنن؟

وهو ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم، وجعله مجرد القبلة لا يفيد كونه أعظم حالاً من الساجد.

وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ وزيف بأنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير.

وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة ولكن لا عبادة بل تكرمة وتحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم.

قال قتادة في قوله ﴿ وخروا له سجداً  ﴾ كان تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة والأوقات.

واختلف في أن إبليس من الملائكة أم لا.

فقال أكثر المتكلمين لا سيما المعتزلة: إنه لم يكن منهم.

وقال كثير من الفقهاء: إنه كان منهم حجة الأولين أنه من الجن لقوله  في الكهف ﴿ إلا إبليس كان من الجن  ﴾ فلا يكون من الملائكة.

وأيضاً قال ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ ورد الأول بأن الجن قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون، وبأن كان يحتمل أن تكون بمعنى صار.

والثاني بأنه لا يلزم من كون الجن في هذه الآية نوعاً مغايراً للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضاً مغايراً، لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللغة وهو الاستتار.

وقالوا: إن إبليس له ذرية لقوله  ﴿ أتتخذونه وذريته أولياء من دوني  ﴾ والملائكة لا ذرية لها لأنها تحصل من الذكر والأنثى ولا إناث فيهم لقوله ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ منكراً عليهم وأيضاً الملائكة معصومون لما سلف، وإبليس لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه من النار ﴿ خلقتني من نار  ﴾ وأنهم من نور لقوله  "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار" رواه الزهري عن عروة عن عائشة.

ومن المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، فقيل سموا بذلك لأنهم من الريح أو من الروح.

وأيضاً الملائكة رسل ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ورسل الله معصومون ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ حجة الآخرين أنه استثناه من الملائكة، وحمله على المتصل أولى، لأن تخصيص العمومات في كتاب الله أكثر من الاستثناء المنقطع.

قيل: إنه جني واحد مغمور بين ظهراني ألوف من الملائكة فغلبوا عليه، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متصلاً.

وأجيب بأن التغليب إنما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطاً عن درجة الاعتبار، أما إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التغليب.

وأيضاً لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب بـ ﴿ اسجدوا ﴾ وحينئذ لم يستحق بترك السجود لوماً وتعنيفاً، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ معهم والتصق بهم فتناوله الأمر لما بين في أصول الفقه أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين، ولا أن يقال إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر إلا أنه  أمره بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله ﴿ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك  ﴾ لأن قوله ﴿ أبى واستكبر ﴾ عقيب قوله ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ مشعر بأن المخالفة بسبب هذا الأمر، هذا ما قيل عن الجانبين.

ومما يناسب تفسير الآية الكلام في أن الأنبياء أفضل من الملائكة أم بالعكس، قال أكثر أهل السنة بالأول، ومالت المعتزلة والشيعة إلى الثاني، واختاره الباقلاني وأبو عبد الله الحليمي من فقهاء أهل السنة.

المعتزلة احتجوا بأمور: أحدها ﴿ ومن عنده لا يستكبرون  ﴾ وليس المراد عندية المكان والجهة بل عندية القرب والشرف.

وعورض بما حكى عنه  "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" بل هذا أبلغ لأن كون الله  عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عنده.

قالوا: الآية تدل على أنه  يقول الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض والآفات، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، فالبشر مع غاية ضعفهم وقصورهم أولى بذلك.

وأجيب بأنه لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب.

الثانية: عباداتهم من عبادات البشر فيكون ثوابهم أكثر لقوله  لعائشة "أجرك على قدر نصيبك" ولقوله "أفضل العبادات أجزها" أي أشقها.

وأما بيان أن عباداتهم أشق فمن وجهين: أحدهما أنهم سكان السموات وهي جنان ومنتزهات وهم مع ذلك لا يلتفتون إلى نعيمها ويقبلون على طاعاتهم خائفين وجلين وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ﴿ إن الإنسان ليطغى.

أن رآه استغنى  ﴾ ويؤكده قصة آدم فإنه أطلق له في الجنة جميعها إلا شجرة واحدة ومع ذلك لم يملك نفسه، والثاني أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من طعام إلى طعام، والإقامة على نوع واحد تورث السآمة وهذا شأن الملائكة ﴿ وإنا لنحن الصافون.

وإنا لنحن المسبحون  ﴾ ومنهم ركوع ومنهم سجود منذ خلقوا.

وعورض الوجه الأول بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر، ثم إنهم راضون بقضاء الله مواظبون على تكاليفهم، ولذلك كان العبيد والخدم تطيب قلوبهم بالخدمة حال الرفاهية، ولا يصبر أحد منهم على مشقة الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص.

والثاني بأن العادة طبيعية خامسة ولهذا قال  : "أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" الثالثة: عباداتهم أدوم ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ وخير الأعمال أدومها، مع أن أعمارهم أكثر.

وعلى الآية سؤال.

روي عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ لا يفترون  ﴾ ثم قال ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة، أفلا تكون الرسالة واللعن مانعين عن التسبيح؟

فأجاب بأن التنفس لا يمنعنا من الاشتغال بشيء آخر، فكذلك التسبيح لهم.

وزيف بأن آلة النفس فينا غير آلة الكلام، وأما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام، فاجتماعهما في آلة واحدة محال.

وأجيب باحتمال أن يكون لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله  ببعضها ويلعنون أعداءه ببعض آخر، وبأن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي، أو المراد لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: فلان يواظب على الجماعات.

يعنون أنه عازم على أدائها في أوقاتها.

ونوقضت الحجة بأن الطاعة القليلة من الإنسان قد تقع على وجه يستحق بها ثواباً من ثواب طاعاتهم.

الرابعة: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ﴿ والسابقون السابقون.

أولئك المقربون  ﴾ "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الخامسة: الملائكة رسل إلى الأنبياء ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ نزل به الروح الأمين  ﴾ والرسول أفضل من الأمة قياساً على الشاهد.

ومنع بأن هذا إذا كان الرسول حاكماً على المرسل إليهم ومتولياً لأمورهم كالأنبياء المبعوثين إلى أممهم، أما في مطلق الرسول فلم قلتم إنه كذلك كما لو أرسل الملك عبداً من عبيده إلى وزيره أو إلى ملك آخر.

السادسة: أنهم أتقى من البشر لدوام خوفهم ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ مع وجود شهوة الترفع والرياسة فيهم ولهذا قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وإن لم يكن لهم شهوة الأكل والوقاع، فوجب أن يكونوا أفضل ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ ورد بأن تقوى الإنسان أكمل فإن لهم مع شهوة الرياسة شهوة البطن والفرج أيضاً.

السابعة: ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون  ﴾ خرج الثاني مخرج التأكيد للأول.

ومثل هذا إنما يكون بذكر الأفضل بعد الفاضل.

كقولك: هذا العالم لا يستنكف عن خدمة الوزير ولا الملك.

فيفيد أفضلية الملائكة المقربين في المعاني المصححة للعبودية من نهاية الخضوع والخشوع ما يتبعها مع شدة بطشهم وقوة حالهم.

وعورض بأنه قد يقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمة القاضي ولا السلطان، ولا يفيد إلا أن السلطان أكل من القاضي في بعض الأمور كالقوة والقدرة، ولا يدل على كونه أكمل من القاضي في سائر الدرجات كالعلم والزهد.

فلم قلتم: إنهم أفضل من البشر في كثرة الثواب؟

قلت: والحق أن جميع الدرجات مندرجة تحت العبودية كما أشرنا إليه فيما مر، فيفيد أفضلية الملائكة.

لكن المقربين منهم فقط دون غيرهم ومفضولية المسيح فقط دون غيرهم كمحمد  .

الثامنة: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فهذا وإن كان حكاية قول إبليس، إلا أن آدم وحواء لو لم يعتقدا أفضلية الملك لم يغترا بذلك واعتقادهما حجة.

ورد بأن آدم لعله أخطأ في ذلك الاعتقاد، إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء، أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت، وأيضاً هب أنه حجة لكنه قبل الزلة لم يكن نبياً فلا يلزم من مفضوليته وقتئذ مفضوليته وقت نبوته، وإن سلم مفضوليته ونبوته وقتئذ فلا نسلم أن ذلك في باب الثواب بل في باب القدرة والقوة والحسن والجمال.

ونحو ذلك فإنهم خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فاغتر رغبة فيما لهم من هذه الأمور.

وأيضاً يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فيصح استدلالكم، وأن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة الخالدين دونكما كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً.

ويكون المعنى أن المنهي عنه هو فلان دونك، فكان غرض إبليس إيهام أنهما لم ينهيا.

وأيضاً غاية ما في الباب أن الآية تدل على مفضولية آدم ولا يلزم منه مفضولية جميع الأنبياء كمحمد  .

التاسعة: ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك  ﴾ أي لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات، ولا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علمهم، وذلك أنه لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض، وإنما نفي أن يكون له مثل ما لهم من الصفات الجسمية والقوى العظيمة.

ورد بأنه لا يلزم من عدم الاستواء في كل الصفات حصول الاختلاف في جميعها.

العاشرة: ﴿ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم  ﴾ ولا يخفى أن التشبيه في السيرة من غض البصر وقمع النفس عن المحرمات بدلالة وصفه بالكرم لا في الصورة.

ورد بأن قولها ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه  ﴾ كالتصريح بأن مراد النساء تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال، فذلك يظهر عذرها في عشقها.

ولئن سلمنا أن التشبيه في الأخلاق المرضية فذلك لا يوجب مفضوليته من جميع الجهات، على أن قول النساء لا يصلح لأن يكون حجة.

الحادية عشرة: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً  ﴾ وذلك أن المخلوقات إما غير المكلفين والإنسان أفضل منهم، وإما المكلفون وهم الملائكة والإنس والجن والشياطين.

ولا ريب أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كانوا أفضل من الملك أيضاً لزم كون البشر أفضل من أكل المخلوقات، فينبغي أن يقال: وفضلناهم على جميع من خلقنا.

ورد بأن كونه أفضل من كثير لا يدل على أنه ليس بأفضل من الباقي إلا بدليل الخطاب وهو غير حجة.

وأيضاً ثبت أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الآخر أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني.

وأيضاً الكلام في التفضيل الحاصل بسبب الكرامة المذكورة في أول الآية ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ولا يلزم من كون الملك أفضل من البشر في تلك الكرامات وهو حسن الصورة والطهارة واستخراج الأعمال العجيبة أن يكونوا أفضل منهم في الأشياء الموجبة للثواب.

الثانية عشرة: الأنبياء ما استغفروا إلا بدأوا بأنفسهم قال نوح ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ وقال إبراهيم ﴿ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين  ﴾ ثم قال ﴿ واغفر لأبي  ﴾ وقال لمحمد ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ﴾ والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة للمؤمنين ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك  ﴾ ورد بأن هذا لا يدل إلا على صدور الزلة من البشر وعدم صدورها عنهم، وهذا لا يوجب أفضليتهم في القرب والثواب على الإطلاق ومن الناس من قال: استغفارهم للبشر كالعذر عما طعنوا فيهم بقولهم ﴿ أتجعل فيها  ﴾ .

الثالثة عشرة: ﴿ وإن عليكم لحافظين  ﴾ ويدخل فيه الأنبياء وغيرهم، والحافظ للمكلف عن المعصية أفضل من المحفوظ.

وأيضاً جعل كتابتهم حجة للبشر وعليهم فيكونون أفضل.

ورد بأن الحافظ والشاهد قد يكون أجود حالاً من المحفوظ والمشهود.

الرابعة عشرة: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً  ﴾ والمقصود بيان عظمة الله وجلاله.

ورد بأن هذا يفيد قوتهم وبطشهم فقط كما يقال: إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك الأطراف.

وهذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده.

الخامسة عشرة: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ﴾ والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ولهذا لما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً *** قال عمر بن الخطاب: لو قدمت الإسلام لأجزتك.

ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله  والمشركين، وقع التنازع في تقديم الاسم، وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية.

ومنع من أن الواو لا تفيد الترتيب، وعورض بتقديم ﴿ تبت ﴾ على "الإخلاص".

السادسة عشرة: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ جعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي  وعورض بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ ولا تشريف بل تتشرف الأمة بذلك.

السابعة عشرة: إن جبرائيل أفضل من محمد  لأن الله  وصفه بست من صفات الكمال ﴿ إنه لقول رسول كريم.

ذي قوة عند ذي العرش مكين.

مطاع ثم أمين  ﴾ ثم وصف محمداً  بقوله ﴿ وما صاحبكم بمجنون  ﴾ وشتان بين الوصفين.

ورد بأنه وإن وصفه ههنا بهذا القدر لاقتضاء المقام ذلك فقط، فقد وصفه في مواضع أخر بما يليق به ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً  ﴾ .

الثامنة عشرة: إن جبريل كان معلماً للنبي  ولغيره من الأنبياء، لا في العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالعقل.

كالعلم بذات الله  ، بل في العلم بكيفية مخلوقاته وما فيها من العجائب، والعلم بأحوال العرش والكرسي والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الموجودات وأحوال الأمم الخالية والقرون الماضية، والمعلم أفضل ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ومنع من كون الملائكة أعلم بدليل قصة آدم، ولأن تعليم جبريل كان بالحقيقة تعليم الله  ولم يكن جبريل إلا واسطة، ولئن سلم مزيد علمهم منع كثرة ثوابهم.

التاسعة عشرة: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ وهذه تدل على أنهم بلغوا في الترفع إلى حد لو خالفوا أمر الله لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية.

ورد بأن مزيد قدرتهم لا يوجب مزيد ثوابهم.

العشرون: قال  حكاية عن الرب  "إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه" وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف.

ورد بعد قبول خبر الواحد أنه لا يلزم منه إلا أن الملأ الأعلى خير من ملأ عوام البشر، ولا يلزم من ذلك كونهم أفضل من الأنبياء.

واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة عندهم أفضل من الأرواح الناطقة البشرية لوجوه: الأول: الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة، والبشر مركب من النفس والبدن، ولكل منهما قوى وأجزاء، والبسيط خير من المركب، لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط.

وعورض بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط، ولهذا جعل أبو البشر مسجوداً للملائكة، وبأن الملائكة ليس لها إلا الاستغراق في مقاماتها النورية.

والنفوس البشرية قواها وافية بكلا الطرفين، ومحيطة بضبط أحوال العالمين فتكون أفضل.

الثاني: الجواهر الروحانية بريئة عن الشهوة والغضب المستلزمين للفساد وسفك الدماء بخلاف البشر.

ورد بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص.

وأيضاً من البين أن درجتهم حين قالوا ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ أعلى منها حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة، وهذا في البشر أكثر، ولهذا قال  حاكياً عن ربه "أنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين" الثالث: أنها بريئة من طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها المنحصرة في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا قال  "وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة" ولا خفاء أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة.

ورد بأن بعض الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيل، إلا أن هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين المسماة عندهم بالعقول المجردة، وإنما يجري في النفوس الفلكية.

الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء، والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك.

ورد بأنه لا قديم في الوجود إلا الله.

ولئن سلم أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها.

وعورض بما عليه كثير من المحققين أن النفوس البشرية أيضاً أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم، إلا أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات، وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة.

الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة.

فأين أحدهما من الآخر؟

ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو بالانقياد لرب العالمين.

السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل، أما الأول فبالاتفاق على إحاطة الأرواح السماوية بالمغيبات، ولأن علومهم فعلية فطرية كلية دائمة تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك.

وأما العمل فلقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ واعترض بأن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع.

فلا تكون لذة الملائكة من العلم والعمل كلذة البشر لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانية والحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص به البشر، ولعل هذا هو المراد من قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ الآية.

ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب.

لكن الحرارة في الدق لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه الحالة ليست للملائكة لأجل الاستمرار ولا لغير الانسان لعدم الاستعداد فكان الإنسان لها بالمرصاد.

السابع: الروحانيات لها قوة على تقليب الأجسام وتصريف الأجرام، وقواهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب.

وإنك ترى الخامة اللطيفة تشق الصخرة الصماء، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر العلوية، فما ظنك بتلك الجواهر أنفسها والأرواح السفلية ليست كذلك؟

وما يحكى من قوة الشياطين على الأمور الصعاب ممنوع، ولئن سلم فالأرواح العلوية أقدر على ذلك مع أنهم يصرفون قواها إلى منازل العالم السفلي لا فيما هو شر لهم.

واعترض بأنه لا مانع من أن تتفق نفس ناطقة بشرية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف.

الثامن: الملائكة لهم اختيارات فائضة من أنوار جلال الله متوجهة إلى الخيرات، واختيارات البشر مترددة بين جهتي العلو والسفل والخير والشر، وإنما يتوجه إلى الخير بإعانة الملك على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه، ويحتمل أن يقال فتكون إذن أعمالهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

التاسع: الأفلاك كالأبدان، والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح.

فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان.

وكما أن اختلافات أحوال الأفلاك مباد لحصول الاختلافات في هذا العالم، فكل أرواح العالم العلوي يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون عللاً ومبادي لها، فهذه هي الآبار وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادعاء المساواة فضلاً عن الزيادة.

وأجيب بأنه لا مؤثر عندنا إلا الله  .

العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادلها، منها نزلت فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية وصعدت إلى عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف، منه المبدأ وإليه المنتهى.

واعترض بأن هذا مبني على عدم حشر الأجساد ودون ذاك خرط القتاد.

الحادي عشر: أليس أن الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟

أليس أن الملائكة يعينونهم في المضايق ويهدونهم إلى المصالح كما في قصة لوط وكيوم بدر وحنين، وكما في قصة نوح في نجر السفينة؟

فمن أين لكم تفضيل الأنبياء مع افتقارهم إلى الملائكة في كل الأمور؟

وأجيب بأن أول الفكر آخر العمل ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليته.

الثاني عشر: القسمة العقلية بأن الأحياء إما خيرة محضة وهم الملائكة، أو شريرة محضة وهم الشياطين، أو خيرة من وجه شريرة من وجه آخر وهم البشر، تحكم بأفضلية الملك.

وكذا التقسيم بالناطق المائت وهو الإنسان، والناطق غير المائت وهو الملك، والمائت غير الناطق وهي البهائم، يرشد إلى أن الإنسان متوسط الرتبة بين الكمال والنقصان.

فالقول: بأنه أفضل قلب للقسمة العقلية ونزاع في ترتيب الوجود.

وأجيب بما مر غير مرة من أن النزاع في كثرة الثواب.

حجة القائلين بفضل الأنبياء على الملائكة؛ الأول: أن الله  أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة، وأمر الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح، والجواب أن القبح العقلي غير ثابت.

الثاني: جعله خليفة له خلافة الولاية كما مر، وخلق الدنيا متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، ولعن إبليس لسبب التكبر عليه، وجعل الملائكة حفظة أولاده ومنزلين لأرزاقهم ومستغفرين لزلاتهم، ومع جميع هذه المناصب يقول "ولدينا مزيد" فإذن لا نهاية لهذا الشرف والكمال.

الثالث: أنه كان أعلم لقوله ﴿ أنبئهم بأسمائهم ﴾ والأعلم أفضل.

الرابع: ﴿ أن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ والعالم كل ما سوى الله  ، فيلزم اصطفاؤهم على الملائكة.

ولا يشكل هذا بقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ إلى قوله ﴿ فضلتكم على العالمين  ﴾ لأن تلك الآية دخلها التخصيص لما يعلم أنهم غير مفضلين على محمد  ، وههنا لا دليل فوجب إجراؤه على الظاهر من العموم.

الخامس: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ والملائكة من العالمين والتقرير ظاهر.

السادس: عبادة البشر أشق لأن الآدمي له شهوة تدعوه إلى المعصية بخلاف الملائكة، ولأن الآدمي مأمور بالاستنباط والقياس ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ ولا يخفى ما فيه من المشقة، والملائكة لا يعلمون إلا بالنص ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ولما يعرض للآدمي من الشبهات ككون الأفلاك والأنجم أسباباً للحوادث اليومية فيحتاجون إلى دفعها، والملائكة حيث إنهم يشاهدون عالم الملكوت آمنون من ذلك، ولأن الشيطان مسلط على الآدمي دون الملك، وإذا كانت طاعتهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

السابع: خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وجمع الأمرين للآدمي.

ثم إذا غلب هواه عقله صار أدون من البهيمة أولئك ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

فإذا غلب عقله هواه وجب أن يصير أشرف من الملك اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر.

الثامن: الملائكة حفظة بني آدم والمحفوظ أعز من الحافظ.

التاسع: روي أن جبريل  أخذ بركاب محمد  حتى أركبه على البراق ليلة المعراج، ولما وصل محمد  إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل وقال: لو دنوت أنملة لاحترقت.

العاشر: قوله  "إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض.

أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فابو بكر وعمر" فدل على أن محمداً  كالملك وجبريل وميكائيل وزيران، فهذا تمام الكلام في حجج الفريقين، وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

ثم إنه  لما استثنى إبليس من الساجدين وكان من الجائز أن يظن أن به عذراً بيَّن أنه غير ذي عذر بقوله ﴿ أبى ﴾ لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار ولهذا فقد العاطف نحو قولك "أبشر بما يسرك عيني تختلج" لا تقول "فعيني" لأنها بيان، ثم إنه جاز أن لا يكون الإباء مع الكبر فعطف عليه ﴿ واستكبر ﴾ ليعرف أن الإباء منضم إلى الاستكبار، وكان من الجائز أن يظن أن كبره لم يوجب الكفر فأزيل الظن بقوله ﴿ وكان من الكافرين ﴾ .

وللعقلاء ههنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما كان مؤمناً قط.

وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني في أول الملل والنحل عن شارح الأناجيل الأربعة على شبه منظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة؛ الأول: إنه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عني فلم خلقني؟

وما الحكمة في خلقه إياي؟

الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟

وما الحكمة في التكليف مع أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟

الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟

وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي؟

والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد، فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك ولي فيه أعظم الضرر؟

والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟

والسادس: إذ خلقني وكلفني عموماً وخصوصاً ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم؟

وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة؟

والسابع: سلمت هذا كله، فلم إن استمهلته أمهلني، وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم؟

ليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟

فقال شارح الإنجيل: فأوحى الله  إلى الملائكة قولوا له: أما تسليمك الأول أني الهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي وأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل، وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ولا جواب عنها بالتحقيق إلا الذي ذكره الله  .

فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخالق في الخالق.

فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم إلا لله كقوله ﴿ لأسجد لبشر خلقته من صلصال  ﴾ لا أسجد إلا لك.

فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الأخير مظهرها، ولهذا قال  ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين  ﴾ وشبه النبي  كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال "القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة، والرافضة - يعني الغلاة - نصارها" وقال  : "لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" القول الثاني أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا.

فمن قائل معناه "وكان من الكافرين في علم الله" أي كان الله عالماً في الأزل بأنه سيكفر.

فصيغة "كان" متعلقة بالعلم لا بالمعلوم.

ومن قائل إن "كان" بمعنى "صار".

وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمناً فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين.

وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد بدليل قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا وإن كانت كبيرة، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر.

نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق.

ثم إن قوله ﴿ من الكافرين ﴾ هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحداً منهم؟

قال قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة "من" للتبعيض.

وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد.

ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إنه  خلق خلقاً من الملائكة ثم قال لهم ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ قالوا: لا تفعل ذلك.

فبعث الله ناراً فأحرقتهم.

وكان إبليس من أولئك.

وقال آخرون: معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك، لأن الكفر كان ظاهراً عند نزول الآية، أو لأن الإفراد الذهنية تكفي في صحة الجمع.

فإن الحيوان المخلوق أوّلاً يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا الحيوان أي من أفراد هذه الماهية، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو قول الأكثرين.

واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون  ﴾ .

وأيضاً استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ذلك الحكم.

ومن الناس أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة.

وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة.

قوله  ﴿ وقلنا يا آدم اسكن ﴾ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضراً.

روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه.

فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف.

وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك.

فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري.

لا تصير الدار ملكاً له.

وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة.

ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه ﴿ خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها  ﴾ وقال  "إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها" وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله  لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله  عليه النوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة.

فسألها من أنت؟

قالت امرأة.

قال: ولم خلقت؟

قالت: لتسكن إليّ.

فقالت له الملائكة امتحاناً لعلمه: ما اسمها؟

فقال: حواء.

قالوا: ولم؟

قال: لأنها خلقت من شيء حي.

قيل: فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا: أمهرها.

قال: فما صداقها؟

قالوا: أن تصلي على محمد وآله.

قال: ومن محمد؟

قالوا: من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت.

وعن ابن عباس قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة.

فهذا الخبر يدل على أ ن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال.

ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء؟

وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى؟

فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله  ﴿ اهبطوا مصراً  ﴾ قالا: لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى ﴿ وما هم منها بمخرجين  ﴾ ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه  خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم.

وقال الجبائي: هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض.

وقال الجمهور: هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.

واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.

و "أنت" تأكيد للمستكنّ في "اسكن" ليصح العطف عليه.

و ﴿ رغداً ﴾ وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و ﴿ حيث ﴾ للمكان المبهم أي أيُّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن "حيث" قد يعبر به عن زمان مجهول.

وإنما قيل ههنا ﴿ وكلا ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ فكلا ﴾ لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله  في البقرة ﴿ وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا  ﴾ بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال: وإن دخلتموها أكلتم.

وفي الأعراف ﴿ وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا  ﴾ بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضاً، فلهذا لم يعطف ههنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء.

والنهي في ﴿ لا تقربا ﴾ للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز.

لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلاً على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء.

وقيل: نهي تحريم قياساً على قوله ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن  ﴾ وقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم  ﴾ ولقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة.

والجواب أن التحريم في ﴿ ولا تقربوهن  ﴾ بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله  .

ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الإكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحاً قوله ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما  ﴾ .

وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.

قال المبرد: وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً، وقد لا يختص بما له ساق قال  ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين  ﴾ وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف.

واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضاً إلى بيانه.

فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصوداً فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثاً، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال: اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب.

كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن ههنا تقصيراً في البيان.

﴿ فتكونا ﴾ جزم عطفاً على ﴿ تقربا ﴾ ونصب جواباً للنهي.

﴿ من الظالمين ﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.

قوله ﴿ فأزلهما الشيطان ﴾ الآية.

تحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنهما ولفظة ﴿ عن ﴾ في هذه الآية كـ ﴿ هي ﴾ في قوله ﴿ وما فعلته عن أمري  ﴾ فالضمير للشجرة.

وقيل: أذهبهما وأبعدهما كما تقول: زل عن مرتبته وزلت قدمه.

فالضمير للجنة، ومن قرأ ﴿ أزالهما ﴾ فهو من الزوال عن المكارم مما كانا فيه أي من النعيم والكرامة، أو من المكان الذي هو الجنة إن كان الضمير في ﴿ عنها ﴾ الشجرة.

واعلم أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السلام، والنزاع إما في باب الاعتقاد، أو في باب التبليغ، أو في باب الأحكام والفتيا، أو في أفعالهم وسيرتهم.

أما اعتقادهم الكفر والضلال فغير جائز عند أكثر الأئمة.

وقالت الفضيلية: إنه قد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم.

وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية، وأما ما يتعلق بالتبليغ فاجتمعت الأمة على عصمتهم عن الكذب والتحريف في ذلك لا عمداً ولا سهواً وإلا ارتفع الوثوق.

ومنهم من جوز ذلك سهواً لأن الاحتراز غير ممكن، وأما المتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز الخطأ فيه عمداً، وأما السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون.

وأما المتعلق بأفعالهم فالحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمداً، وأكثر المعتزلة جوّزوا الصغائر عنهم عمداً إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، والجبائي لا يجوّز صغيرة ولا كبيرة على جهة العمد بل على التأويل.

وقيل: لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم يؤاخذون به وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم، لأن معرفتهم أقوى وهم على التحفظ أقدر.

والشيعة لم يجوّزوا صغيرة ولا كبيرة منهم لا عمداً ولا سهواً ولا على سبيل التأويل والخطأ.

وفي وقت عصمتهم ثلاثة أقوال: فمذهب الشيعة أنهم معصومون من وقت مولدهم، والمعتزلة من وقت بلوغهم ولم يجوزوا الكفر والكبيرة منهم قبل النبوة، وبعضهم وأكثر أصحابنا على تجويز ذلك قبل النبوة، والمختار أنهم لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة لا الكبيرة ولا الصغيرة لوجوه: الأول: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة مصداقه قوله عز وجل من قائل ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ وصغائر الرجل الكبير كبائر *** ولا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة بالإجماع.

والثاني: وبتقدير إقدامه على الفسق لا يكون مقبول الشهادة لقوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا  ﴾ لكنه شاهد عدل من الله بأنه شرع الدين وكذا يوم القيامة { ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ .

الثالث: وبتقدير إقدامه على الكبيرة.

يجب زجره وإيذاؤه، لكنه محرّم ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ﴾ .

[الأحزاب: 57].

الرابع: أنه  لو أتى بمعصية لوجب علينا الاقتداء به لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ والجمع بين الوجوب والحرمة محال.

الخامس: نعلم بالبديهة أنه قبيح لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وجعله خليفة في عباده وبلاده، ثم إنه يقدم على ما نهاه عنه ترجيحا لهواه حتى يستحق اللعن والعذاب.

السادس: ﴿ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم  ﴾ يكون حينئذ منزلاً في شأنه، ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه  ﴾ .

السابع: ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات  ﴾ واللفظ للعموم فيشمل فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

الثامن: ﴿ وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار  ﴾ ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ والوصف بالاصطفاء ينافي الذنب.

التاسع: أنه  حكى عن إبليس ﴿ لأغوينهم أجمعين.

إلا عبادك منهم المخلصين  ﴾ والأنبياء من المخلصين لقوله  في حق يوسف ﴿ إنه من عبادنا المخلصين  ﴾ وفي حق موسى ﴿ إنه كان مخلصاً  ﴾ فكذا غيرهما.

العاشر: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين  ﴾ ولا يخفى وجوب كون الأنبياء منهم وإلا كان غير النبي أفضل من النبي.

الحادي عشر: الخلق قسمان: حزب الله ﴿ ألا إن حزب الله هم المفلحون  ﴾ وحزب الشيطان ﴿ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون  ﴾ والعصاة حزب الشيطان، فلا يجوز أن يكون النبي عاصياً.

الثاني عشر: النبي  أفضل من الملك كما مر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فالنبي أولى.

الثالث عشر: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ والإمام من يؤتم به والمذنب لا يجوز الاقتداء به في ذنبه.

الرابع عشر: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ فإن كان عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان عهد الإمامة فالنبي أولى به، "روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله  على وفق دعواه فقال  : كيف شهدت لي فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات، أفلا أصدقك في هذا القدر؟

فصدقه رسول الله  فيه وسماه بذي الشهادتين" ، ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.

المخالف تمسك في باب الاعتقاد بقوله ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة  ﴾ إلى قوله ﴿ جعلا له شركاء  ﴾ وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما.

والجواب ما سيجيء في الأعراف إن شاء الله  ، من أن الخطاب لقريش والمعنى: خلقكم من نفس قضى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي.

قالوا: إن إبراهيم لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر لقوله ﴿ هذا ربي  ﴾ ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ والجواب: هذا ربي استفهام منه بطريق الإنكار وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أراد به أن يؤكد علم اليقين بعين اليقين فليس الخبر كالمعاينة.

قالوا: ﴿ فإن كنت في شك  ﴾ ﴿ فلا تكونن من الممترين  ﴾ يدل على أنه كان شاكاً في الوحي قلنا: الخطاب له والمراد الأمة مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ .

قالوا في باب التبليغ ﴿ سنقرئك فلا تنسى.

إلاّ ما شاء الله  ﴾ هذا الاستثناء يدل على النسيان.

والجواب عنه أن هذا النسيان نوع من النسخ كما يجيء في تفسير قوله  ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها  ﴾ .

قالوا ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته  ﴾ والجواب سوف يجيء في سورة الحج إن شاء الله  : قالوا: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر ﴾ إلى قوله ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم  ﴾ ولولا الخوف من وقوع التخبيط في الوحي لم يستظهر بالرصد، قلنا هذا عليكم لا لكم لدلالته على كونهم محفوظين عن التخبط.

قالوا في باب الفتيا ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث  ﴾ ﴿ وما كان لنبي أن يكون له أسرى  ﴾ ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم  ﴾ قلنا: الجميع محمول على ترك الأولى، وسوف يجيء قصة كل في موضعها على أنا نقول شعراً: يا سائلي عن رسول الله كيف سها *** والسهو من كل قلب غافل لا هي قد غاب عن كل شيء سره فسـها *** عما سوى الله فالتعظيم لله.

فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود.

قالوا في الأفعال ﴿ وعصى آدم ربه فغوى  ﴾ والعصيان يوجب الوعيد ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ والغي ضد الرشد ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب، وإنه ظالم لقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ وأنه أخرج من الجنة، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة.

والجواب، المنع من أن هذه الأمور كانت بعد النبوة.

ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد النبوة، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسياً، أو في حال كونه ذاكراً، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد.

قيل عليه إن قوله ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ وقوله ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ يدل على أنه ما نسي وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما، خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله  : أفراراً مني؟

فقال: بل حياء منك.

فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟

قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك بما كنت أرى أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا نكداً.

وأيضاً لو كان ناسياً لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، رفع القلم عن ثلاث.

وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل إنما وقع عقيب قول إبليس، لأنه كان عالماً بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدواً له ولزوجه، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة، لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش.

وما روي عن ابن عباس فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم، بل لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي  "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل" "إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم" وقيل: إن حواء سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة على غير الكرمة حتى يكون مأذوناً في تناول غيرها، إلا أنه يرد عليه أن خمر الجنة لا تسكر ﴿ لا فيها غول  ﴾ .

الذاهبون إلى أنه فعله عامداً أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق.

ومنهم من قال: كان عمداً من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك الوقت كان نبياً، وقد عرفت فساده.

ومنهم من قال: فعله عمداً لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً لا يعذر بدعوى الخوف، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك.

ومنهم - وهو اختيار أكثر المعتزلة - من قال: إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ فلفظ ﴿ هذه ﴾ قد يشار بها إلى الشخص، وقد يشار بها إلى النوع كما روي "أنه  أخذ حريراً وذهباً بيده وقال هذان حرامان على ذكور أمتي.

وتوضأ ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وأراد نوع الحرير والذهب، ونوع الوضوء.

فمراد الله  من كلمة ﴿ هذا ﴾ ذلك النوع لا الشخص.

وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع.

واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة الشخصية، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئاً؟

وأيضاً هب أن لفظ ﴿ هذا ﴾ متردد بين الشخص والنوع، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في معرفتها فيكون مذنباً، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئاً.

وأيضاً الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية.

وأيضاً هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: كل مجتهد مصيب.

فلا خطأ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ فيها معذور بالاتفاق.

وأجيب بأن لفظ ﴿ هذا ﴾ يستعمل في الإشارة النوعية أيضاً كما مر، وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة، فلهذا عوتب.

وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذراً حتى لا يصير الذنب كبيراً، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن النبي  قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة.

قيل: وقد يحمل الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله ﴿ لا تقربا ﴾ تناولهما معاً، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله.

فإن قيل: كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم فيها؟

قلت: إما لأنه دخل فم الحية خافياً عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية عقوبة لها على ما يروى - وإن كان بعيداً - عن أبي هريرة أنه  قال: ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك منهم شيئاً خيفة فليس منا.

يعني الحيات.

وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة، وإما لأنهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس، وإما لأنه كان يدنو من السماء فيكلمهما.

وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة.

وإسناد الإذلال والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب أنها كانت وسوسة إبليس، فمعصية إبليس بوسوسة من؟

ولا بد من الانتهاء إلى الذي لا يسأل عما يفعل.

فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟

قلنا: هي التي حكاها الله  ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فلما لم يفد عدل إلى اليمين ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا الله منهم.

ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا والله أعلم بحقائق الأمور.

﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك، وقيل: خطاب لهما وللحية.

وقيل: الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضاً لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، والدليل عليه ما جاء في طه ﴿ اهبطا منها  ﴾ وقوله ﴿ فإما يأتينكم  ﴾ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.

و ﴿ اهبطوا ﴾ أمر أو إباحة.

والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف.

وإنما قيل: إنه تكليف لا عقوبة لما ترتب عليه من الثواب العظيم.

ويمكن أن يقال: نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك.

ومعنى ﴿ بعضكم لبعض عدو  ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض.

وليست هذه هي العداوة المأمور بها في قوله ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا  ﴾ فلا يدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا، لأن عالم التضاد والتنافي ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع ﴿ مستقر ﴾ استقرار أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت.

﴿ ومتاع ﴾ تمتع بالعيش ﴿ إلى حين ﴾ هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم.

والحين المدة طويلة أو قصيرة، ولهذا لو قال: أنت طالق إلى حين.

فمضت لحظة طلقت.

وفي قصة آدم وما جرى عليه بسبب الزلة معتبر عجيب وموعظة بليغة بينة كافية في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، ولله در القائل: يـــا ناظــراً يرنــو بعينــي راقـــــد *** ومشاهداً للأمـر غيــر مشــاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي *** درك الجنان ودرك فوز العابد أنســيت أن الله أخــــرج آدمــــــــاً *** منهـا إلـى الدنيـا بذنب واحــد؟

وعن فتح الموصلي: كنا قوماً من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.

تطلــب الراحـــة فـي دار العنــا *** خــاب من يطلب شيئاً لا يكون قوله ﴿ فتلقى ﴾ الآية.

أصل التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع الاستقبال للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول، والأخذ ﴿ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم  ﴾ أي تلقنه، ثم بعض الأفعال قد يشترك فاعله ومفعوله في صلاحية وصف كل منهما بالفعل فيتعاوضان عمله فيهما.

تقول: بلغني ذاك وبلغته، وأصابني خير أو نالني وأصبته أو نلته ﴿ وتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول وتلقى آدم كلمات أي جاءته واتصلت به، ولا يجوز أن يكون معنى التلقي من الرب، أن الله  عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد أن يعرف ماهية التوبة، ويتمكن بعقله من تدارك الذنوب فضلاً عن الأنبياء فإذن المراد أنه نبهه على المعصية على وجه آل أمره إلى التوبة، أو عرّفه وجوب التوبة وكونها مقبولة، أو ذكره نعمته العظيمة عليه حتى صار من الدواعي القريبة إلى التوبة، أو علمه كلمات لو حصلت التوبة معهن كمل حالها من قوله  ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

وفي رواية ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟

قال: بلى.

قال: ألم تسكني جنتك؟

قال: بلى.

قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟

قال: نعم.

وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟

قال: علم الله آدم وحوّاء أمر الحج فحجا، فهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله  إليهما إني قبلت توبتكما.

وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

وقالت عائشة: لما أراد  أن يتوب على آدم  طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى الركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي.

فأوحى الله  إلى آدم: يا آدم، قد غفرت لك ذنبك، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها.

وفي كلام الغزالي: أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: أولها علم، وثانيها حال، وثالثها عمل.

فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر، وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات محبوبه، وتأسف على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات.

ويسمى ذلك التأسف ندماً، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ملابساً له، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبداً.

وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم السابق كالمقدمة، والترك اللاحق كالثمرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "الندم توبة" وجميع هذه الأمور بتوفيق الله ولطفه إنه هو التوّاب الرحيم.

والتوبة لغة الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه لأن العاصي هارب عن ربه، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه عنه، فإذا عاد إلى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه، وهذا معنى قبول التوبة من الله وغفران ذنوب العباد "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ومعنى المبالغة في الثواب أن واحداً من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب قبل توبته، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، والله  بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر، بل لمحض الإحسان واللطف والرحمة والجود، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل، فكلما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض إليه لا محالة.

وأيضاً يستحق المبالغة من جهة أخرى وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول التوبة ووصفه بالرحمة.

روي عن رسول الله  أنه قال "لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر، وإذا آل حال أبينا إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء" ولذا قال نبينا  "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" فنحن أحق بالاستغفار، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا ريناً، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس، ولكن يمنع كمال ضوئها.

والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعاً بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ .

قيل في تأويل الحديث: إن الله  أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف والشقاق، وكان إذا ذكر ذلك وجد غيناً في قلبه فاستغفر لأمته.

قيل: كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان.

وقيل: الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو، وهذا تأويل أرباب الحقيقة.

وقال أهل الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات، فكان يستعين بالرب  في دفع تلك الخواطر.

وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه.

فقال  : جعلت صدورهم مساكن لك.

فقال: رب زدني.

فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة.

قال: رب زدني.

قال: تجري منه مجرى الدم.

قال: رب زدني.

قال: اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد.

قال: فشكا آدم إلى ربه فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك.

فقال الله  : لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء.

قال: رب زدني.

قال: الحسنة بعشر أمثالها.

قال: رب زدني.

قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر، والغرغرة تردد الروح في الحلق.

وسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها الندم على ما مضى، وثانيها العزم على ترك الذنوب في المستقبل، وثالثها أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله، والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام، والسادس إذاقة البدن مرارة الطاعات كما ذاق حلاوة المعاصي.

وكان أحمد ابن الحرث يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب.

وإنما اكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك على أنها قد ذكرت في موضع آخر ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

(قوله) ﴿ قلنا اهبطوا ﴾ الآية.

قيل: فائدة تكرير الأمر بالهبوط أنهما هبوطان: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض.

وضعف بأنه لو كان كذلك لكان ذكر قوله ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ عقيب الهبوط الثاني أولى.

وأيضاً قوله ﴿ منها ﴾ يدل على أن الهبوط الثاني أيضاً من الجنة والأوجه أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة وتابا بعد الأمر بالهبوط، وقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط يرتفع بزوال الزلة، فأعيد الأمر مرة ثانية ليعلما أن حكمه باقٍ تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله  ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ووجه ثالث وهو أن يكون التكرير للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ روي في الأخبار أن آدم هبط بجزيرة سرنديب من الهند، وحواء بجدة من أرض الحجاز، وإبليس بالأيلة من نواحي البصرة، والحية بأصفهان، فلم يتلاقيا مائة سنة، ثم ازدلفا أي تقاربا بالمزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفات يوم عرفة، وتمنيا على الله  المغفرة والتوبة بمنى، فحصلت أسماء هذه المواضع من هذه المعاني.

وما في ﴿ إما ﴾ مزيدة لتأكيد الشرط ويؤيده لحوق النون المؤكدة والشرط الثاني وجزاؤه مجموعين جواب الشرط الأول.

تبع واتبع بمعنى، وإنما جاء في طه ﴿ فمن اتبع  ﴾ موافقة لقوله فيها ﴿ يتبعون الداعي  ﴾ وفي الهدى وجهان: أحدهما المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على نعمة أخرى عظيمة فكأنه قال: وإذ قد أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى: إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع.

عن الحسن: لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى الله  إليه: يا آدم، أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لولدك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس.

أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فإذا عملت آجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فأن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به.

وقيل: هو رسول وكتاب بدليل ﴿ والذين كفروا كذبوا بآياتنا  ﴾ في مقابلة ﴿ فمن تبع هداي ﴾ في الإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن.

وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني، لأن قوله ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين.

وجمع قوله ﴿ فمن تبع هداي ﴾ تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها، وجمع قوله ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ جميع ما أعد الله  لأوليائه، لأن الخوف ألم يحصل للنفس من توقع مكروه، أو انتظار محذور، وزواله يتضمن السلامة من جميع الآفات.

والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب، ونفيه يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات.

وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف عند الموت، ولا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الميزان، ولا عند الصراط ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون  ﴾ وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله  ﴿ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى  ﴾ ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم  ﴾ ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين  ﴾ وفي الحديث "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار رسول الله  بيده إلى فيه" .

وحديث الشفاعة وقول كل نبي "نفسي نفسي" إلا نبينا  فإنه يقول: " أمتي أمتي " مشهور.

قلت: لا ريب أن وعد الله حق، فمن وعده الأمن يكون آمناً لا محالة، إلا أن الإنسان خلق ضعيفاً لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة، لأنه لا يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين، وأيضاً إن جلال الله وعظمته يدهش الإنسان براً كان أو فاجراً.

وأيضاً ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة، فلا عمل إلا بالإخلاص، ولا حكم بالإخلاص إلا لله  ، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.

ولهذا جاء "والمخلصون على خطر عظيم" وكان دأب الصدّيقين أن يخلطوا الطمع بالخوف، والرغبة بالرهبة، ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً  ﴾ ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وقيل: ﴿ لا خوف عليهم  ﴾ أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله  ثم سلاهم فقال لهم ﴿ ولا هم يحزنون  ﴾ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا.

ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأن مجاري الأمور في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن.

وقال  "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" قلنا: المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره لا يرى شيئاً من المكاره مكروهاً، وإنما مراده مراد حبيبه ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً  ﴾ فبترك الإرادة يصح نسبة العبودية، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان ﴿ والذين كفروا ﴾ لجحدهم مولاهم ﴿ وكذبوا بآياتنا ﴾ لإثباتهم حكماً لهم بحسب مشتهاهم وهواهم ﴿ أولئك أصحاب النار ﴾ وملازموها دائماً سرمداً سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أعاذنا الله منها بعميم فضله وجسيم طوله.

التأويل: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ بخلاف الطبيعة تعبداً ورقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم، اسجدوا له تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله  كما قال ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثواباً لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله ﴿ يسبحون بمحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس ﴿ فسجدوا إلا إبليس ﴾ لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعاً ﴿ وكان من الكافرين ﴾ لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملاً تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضاً فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه "هل من مزيد" ولا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها ﴿ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ﴾ وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله في الحقيقة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ .

ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال.

وأيضاً لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانياً فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسان حريص على ما منع وأيضاً إنه  وسع أسباب الانبساط أولاً ثم ضيق عليه الأمر آخراً.

وأدنيتني حتـى إذا مــا فتنتني *** بقول يحل العصم سهل الأباطــح.

تجافيت عني حين لالي حيلة *** وغادرت ما غادرت بين الجوانح.

خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض.

أيضاً كما مر ثم عاتبه بقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب السماع وقربه نجياً حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال ﴿ ربي أرني  ﴾ عاتبه بسطوة ﴿ لن تراني  ﴾ وذلك أن البلاء والولاء توأمان والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان أعز وأمنع والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المختال.

﴿ فلما ذاقا ﴾ شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار السلام؟

وأين الفارغ السالي من المحب الغالي؟

فبتنا على رغم الحسود وبيننا *** حديث كطيب المسك شيب به الخمر.

فلما أضاء الصبح فـرق بيننـا *** وأي نعيــــم لا يكــــدره الــــدهــــر؟.

وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، واتخذا عدوّاً بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب.

فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة.

فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وقال  "إن داود قال: يا رب لم خلقت الخلق؟

فقال: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" .

ثم إنه بعدما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ في المستقبل ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ .

قال الشيخ -  -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم  من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأَحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيءٍ، ووجهوا إليه بالإِحاطة.

ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبْلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشةٌ أَوْلى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ...

﴾ الآية [النحل: 50].

وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ .

وما جاءَت به الآثار عن رسول الله  من وصف طاعتهم لله ومواظبتهم على العبادة.

وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلاً من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله  ، وبالله المعونةُ والعصمة.

قال الله  لملائِكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية.

زعم قوم أن هذا زلةٌ منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟!

كالمنكرين لفعله.

وأَيدوا ذلك بقوله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أَن يكون هو يعلم ما لا يعلمون.

وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقروناً بقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ فائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.

ومنهم من قال: إن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكوراً باسم الجماعة؛ لأَنه جائِزٌ خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكرُ الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله  لجملة ملائِكته حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ...

﴾ الآية.

قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون.

ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك.

ثبت أَن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.

ويكشف عن ذلك أَيضاً عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [البقرة: 33] ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلةٍ سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأَشقياءِ، فضلاً عن الكرام البررة.

ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ: نحو قولِهِ: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ .

وقوله لرسول الله  : ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ولملائِكته: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ  ﴾ .

واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة.

ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأَمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله  ، وما أوعدوا لو ادَّعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخيْر والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية.

وقال أيضاً: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.

فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عبادتهم، والممتَحَنُ مَخُوفٌ منه الزَّلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه الله  ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يُستَحقُّ قبلَه، ولا يُلْزمه أحدٌ من خلقه.

فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإِياس، والحث على الفراغ إلى الله  بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم الله أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه.

وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزَّلة، بل الله  عصمهم عنها، ولكن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ يخرج على وجهين: أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم الله أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبِّحك بذلك، ونقدس لك؟!

أَو كيف تحتمل عقولهم عصياناً - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!

فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداء لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.

وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.

فأَخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.

وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبراً وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَرٌ لغيرهم وموعِظةٌ، ولغير ذلك من الوجوه.

والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفعٌ، جل ثناؤه، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.

وذلك كقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [النور: 50] على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.

مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ بمعنى: إنكم وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.

وقال: ومعنى قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ : أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكرَّهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيىء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.

ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.

فأَراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ الله وامتنانُه، ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق الزَّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أَمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأْنهم، ولعظم قدرهم.

كما قد عاتب الله نبيه  في أَشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله  : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 37].

ولم يكن إثْمٌ في ذلك، وقال ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...

﴾ الآية [أول سورة التحريم]؛ [لأنه] من غير أَن كان منه عصان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.

ثم تكلموا في معنى ذلك: فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأَنه لا يُفَضِّل أَحداً عليهم.

ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأَن في الجن والإِنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم.

ومنهم من [يقول: ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم:] ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ .

قال قوم: يريد به آدم  ، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان.

وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ ولم يكن آدم -  - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.

ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده - إلى يوم القيامة - أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا.

وجائِز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قراراً ومِهاداً ومعاداً، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام الله  ودينه، كقوله لداود  : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ فجعله كذلك ليحكم بين أَهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم.

وقولُه: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل: بأَمرك.

وقيل: بمعرفتك.

وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أَنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهم بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أَن يحمَدوا الله - بما وفقوا له - أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا.

ولذلك - والله أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أَولياءِ الله، ولا قوة إلا بالله.

ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضِّل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟

فأَظهر الله عز وجل أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة.

وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة باالإِنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره.

ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين.

ولكن يحتمل وجوه العتاب الإِخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ ﴾ .

يحتمل: أن يكون علم لهم.

ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به.

وفي ذلك تثبيت أحد وجهين: إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدَّرك بالبصر عند النَّظر وفتح العين.

وإما أن يكون الله  خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله  أَنه علم.

وكذا قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ .

وكذا قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ  ﴾ ، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه.

وكذلك قول الملائكة: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك فى القرآن كثير.

وإن كان في الحقيقة أَمراً، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأْمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث.

ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا.

أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكّرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم  في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ذكره أَولاً حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا و  .

وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق.

أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل.

وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله  .

قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على الغيب بلا تعليم ادَّعوه من الله  .

وفي قصة آدم  دلالة نبوة محمد  ؛ إذْ أَخبر نبينا محمد  بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم.

ذكرَها على ما لم يَدِّع أَحدٌ - له العلمُ بها - النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه بالله علم ذلك.

وفيها دلالة فضل آدم  أَبِى البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا بالله.

وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أُمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدُّد في القول من قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة.

والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم  حتى صيّر مَنْ أَبَى كافراً إبليساً.

وفي ذلك أيضاً دليل فضل آدم  ؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ الله معه، وبالله التوفيق وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادةً؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم  : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ  ﴾ ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ الله إله.

دليل ذلك تسمية العرب كلَّ شيء يعبدونه إلهاً، ولا قوة إلا بالله.

ثم السجود يحتمل وجهين: [الوجه الأول]: الخضوع كما قال الله  : ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الحج: 18].

وقوله: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ ، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، [فكلذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله  إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم]، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلَّهُ، ويخضعَ له.

والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمرُه ويجِلُّ قدره، أَمر سهلٌ، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثيرُ تفاوت اشتدَّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع.

فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر فى نفسه، وهو إبليس.

وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أَن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُّهم أَنهم أَحقُّ بأَن يكونوا متبوعين، والله أَعلم.

والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين: أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أَن يأْتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات.

وفي ذلك دليل بيِّن: أَنَّ السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق.

ومثله أَمر سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف  ، والله أعلم.

والثاني: أَن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله  ، نحو السجود إلى الكعبة لله  تعظيماً له، وتبجيلاً لكعبته، وتخصيصاً من بين البقاع.

كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ  ، تعظيماً له وتبجيلاً من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان.

ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُوي عن النبي  أَنه قال: "لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها" ولم جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافاً بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك مما لا يُحتمَل لأَحدٍ دون الله؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملاً له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سَبِّ من يُعْبَد من دون الله خَوْفاً لسبِّ الله، ويؤمر بأُمور ليست - بنفسها - بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُرْبة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك.

وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم  في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله  عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب.

وقولُ الملائِكة: ﴿ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنىً، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان بالله خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إمَّا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه  كيف يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ...

﴾ الآية [الحج: 52].

أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنع.

فقالوا: ﴿ سُبْحَٰنَكَ ﴾ ؛ نزّهوا عَمَّا خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم.

ووصَفوا بأَنه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : لا يخفى عليه شيء.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ : لا يخطىء في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وبالله التوفيق والعصمة.

وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كلَّ من عرف الله.

وبه أَمر الله  نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...

﴾ الآية: [الإسراء: 36].

وسُئل أَبو حَنيفة -  - عن الإِرجاءِ ما بدؤُه؟

فقال: فعل الملائكة إذا سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله  .

ومَعنى الإرجارِ نوعان: أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم الله  فيهم بما يشاء، ولا يُنْزلهم ناراً ولا جنة؛ لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ .

والإِرجاء المذموم هو الجبْر، أَن تُرجَأَ الأَفعالُ إلى الله  ، لا يجعلُ للعبد فيه فعلاً، ولا تدبيرَ شيءٍ من ذلك.

وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال: "صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ" والقدرية: هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيراً، ولا له عليه قدرةَ التقدير.

والمرجئةُ: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلاً ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأَوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلاً، ولله تقديراً، ومن العبد تحركاً بخير أَوْ شر، ومن الله خلقه.

وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.

وكذلك قال رسول الله  : "خير الأُمور أَوساطها" وكذلك قال الله  : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [البقرة: 143]، ولا قوة إلا بالله.

وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماءٌ، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد.

وعن ابن عباس -  ما - قال: كان الملائكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة.

وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم  إكراماً له، والله أعلم.

ثم اختلف في إِبليس: قال بعضهم: هو من الملائِكة.

وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه: أَحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائِكة له بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6].

وقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19].

وصف الله  طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه.

والثاني: قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ والملائِكة إنما خلقوا من النور.

والثالث: قوله  : ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّ هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة.

ثم قال في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلاً من أَهل المدينة.

وذلك جائِز في اللغة.

ويستدل بالاستنثاء أَن الأَمر كان عليهم جميعاً في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعاً؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ  ﴾ دل أَنْ كان هنالك أَمرٌ للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، والله أعلم.

وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصصَ - مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة - أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ لو لم يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله  لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [ الأنبياء: 29] مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأَنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه.

وأَما قوله: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ أي صار من الجن.

وقيل: الجنُّ أَراد به الملائكة؛ سُمُّوا جنّاً لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ .

وأما قوله خلق الملائِكة من النُّور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز وجل - أنه خلقه من مارج من نار.

وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره.

ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟

قيل: إنَّه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمةً.

وقيل: كفر لما رأَى أَن الله  وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جوراً؛ فكفر به.

وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر.

وقيل: كفر لما أَضمر إضلال الخلق.

وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَى لنفسه فضلاً عليه بقوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

أي صار كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ .

وكقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ أي: صار.

وقيل: كان في علم الله  أَنَّه سيكفر.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات.

دليله: قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

وذلك أيضاً ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستاناً، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا.

ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحوّاء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنةٌ من جنات الدنيا؟

إذ ليس في الآية بيان ذلك.

وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطاً بلا ذكر؛ لأنه قال: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان شرطاً فيه.

ثم مضى الأَمر من الله  لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرةً نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء.

وقوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

قوله: ﴿ رَغَداً ﴾ أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وسِّع عليه، وكثر مالهُ.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

أَي: لا تأْكلا.

دليله قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا ﴾ ؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول.

واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه.

ثم اختُلف في تلك الشجرة: فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظاً لما عصيا ربهما بها.

وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له.

وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا  ﴾ والله أعلم.

والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي.

ولا وحي في تلاوتها.

ولا يجوز الْقطعُ على شيء من ذلك.

ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوهاً: أَحدها: إيثار الآخر عليه.

وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثاراً لآخر عليه.

ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداءٍ يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على جهة الإيثار، ولكن إشفاقاً عليه ورحمة.

ويحتمل أيضاً النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكناً هذا محتملاً حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمة، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داءٍ؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما.

وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة.

وقوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: الضّارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعاً.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه.

ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد الله نسيان ترك الذكر.

وأَبى ذلك قوم.

واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ: أحدها: ما جرى في حكم الله -  - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين.

والثاني: أَنَّ عَدُوَّه قد ذكَّره لو كان ناسياً؛ حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ...

﴾ الآية [الأعراف: 20].

وقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ  ﴾ .

ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأَن استزلهما الشيطان ونحو ذلك.

فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسيٍّ متروكاً، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله.

أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان.

وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته.

ومن يقول: بأَنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه: أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد.

والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان النسيان عدوّاً في الأُمور وسبباً للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء.

وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصياناً بأَوجه: أَحدها: أَنه لم يكن امتُحن بأَنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك.

وإنما امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله.

وكذلك النسيان فما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل.

ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.

والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيْره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان من غَيْره.

وعلى ما ذكر في أَمر يونس  من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.

وكذلك ما عوتب محمد  فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقاً عليهم، وحرصاً على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق.

والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ  ﴾ ، وبالله التوفيق.

وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم - على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود - بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبداً على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألاَّ يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه: أَحدها: للحرمة.

والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهي قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع.

يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرر؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر.

وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر.

واسم الضرر يأْخذ ضررَ الداءَ، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا بالله.

وقد يحتمل النهي أَن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الأَمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم.

وإذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه.

وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهامٌ في النفس - على ما يكون لكثير من الأخيَار - إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا بالله.

والأَصل في هذا أَن فعله  إن كان على نسيان العهد، أو على الذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة.

وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَنَّ الله إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغيِّر عليه نعمة أَنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَيِّر نعمَهُ التي أَنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم.

وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقد قال الله  : ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ .

وقد كان قال لهما: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ .

فكان فيما بُليَ به وجهان: أَحدهما: أَن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإِيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك.

ثبت أَنه لا كلُّ ذنبٍ يزيل اسمَ الإِيمان، وأَن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصى الله في شيء.

وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً  ﴾ ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يليق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام الله في أَهل المآثم.

والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإِيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر.

وكذلك فعل أَولاد يعقوب.

ثم لم يجترىء أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها.

وقد كان عذب آدم  - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيماً.

ثم اختلف في الوجه الذي بلى: منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة.

وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنبٍ.

وقيل: بليا لتنبئة الخلق - بهما - ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سبباً لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء.

وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأْمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومَنِّه؛ لا بتدبير أَحد وجهده، وإن كان الله  يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله.

وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزَّلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب.

كما قال يوسف -  -: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [يوسف: 53].

وقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ .

ثم اختلف في ماهية الشجرة: قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيباً بما بلى به أبو البشر وأُمهم.

وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس.

وقيل: شجرة العلم، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق.

فالأَصل أَن هذا النوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وبالله العصمة.

والأَصل فيه أَن الله  فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والترد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: تصيران منهم.

وكذلك القول في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أي: صار منهم.

ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أَنَّ ثَمَّ خالقاً غيره.

ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة: فقال الحسن: كان آدم -  - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك.

وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية.

وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ...

﴾ الآية [طه: 117] فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره الله عنه، والله أَعلم كيف كان ذلك.

وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه.

ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوةُ إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر.

ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه.

ونحن نقول - وبالله التوفيق -: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله  جعل للحق أَعلاماً، وكذلك الباطل.

وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله  : ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ  ﴾ : وقد علم آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون ملكاً، وقد خلق من طين والملائكة من نور، ولكن يكون على فضل الملائكة.

﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى.

ولو صدَّقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا أَعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء.

وذلك كما يقول الرجل لآخر - في شيء يقتل عليه أَو يقطع له -: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدُم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك.

وكذا من يُذكِّر أَحداً بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأْتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان.

وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه.

وذلك إقدامٌ على أَثر ما ذكر على ما يصف أَنه كان يعلم أَنه أَمرٌ فظيع يوجب فِعله - على العلم بالنهي - أَنه لا ينال به خيراً، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى.

وهذا لو كان شهده كان فظيعاً أَن يدَّعيَه على أَبي البشر، ومن قد فضَّله الله بالذي سبق ذكره.

بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام - على ما يكون للأخْيار - أَو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أَن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر.

ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟!

بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا.

وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين.

ثم قدم ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل - على قوله - لا معنى له؛ لأَنَّه يجعل فعلهم جبراً - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فيكف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم.

ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيانٌ؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد.

ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد.

وجائز أَن يكون آدم -  - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات.

والله قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئاً مما ذكر، ولا قوة إلا بالله.

ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ ويُبقىَ من شاءَ.

فقولُ الحسنَ - إِنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك [الوقت].

وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذِّكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله.

ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم -  - قد علم أَن الملائكة لا يموتون.

لا أَدري ما هذا؟

أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟

لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن الله، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزَّلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَنه قد تُسمَّى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأَشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ .

من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما الله -  - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه.

ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟

ومن أَين كان؟

ولماذا كان؟.

قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسداً منه لما رآهما يتقَلّبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه.

وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، والله أعلم.

ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟

أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟

فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم.

وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر.

فإذا رأَى ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر.

وعلى ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أَعلم.

ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟

قيل: بلى.

فإن قيل: فإذا أَطاع أَلاَ يكفر؟

قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته.

وكذلك روي عن أبى حنيفة -  - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب.

والأَصل: أَن الفعل الذى يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعاً، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ ﴾ .

قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً  ﴾ أي: انزلوا فيه.

ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان.

وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو.

والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهره.

وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذُؤابتها.

فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك.

غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوةُ طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوةُ اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ .

يقرون فيها، كقوله: ﴿ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

أي: متاعاً لكم إلى انقضاء آجالكم.

ويحتمل: متاعاً لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها.

وقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ ﴾ .

أي: أخذ.

وقوله: ﴿ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .

قيل: إن فيه وجوهاً: قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ  ﴾ ، أي: وفق لهم التوبة فتابوا.

وقيل: خلق فعل التوبة منه، كما قلنا في قوله: ﴿ وَهَدَاهُ  ﴾ ، أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى.

وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز.

وقيل: إن التوبة هي الرجوع.

رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران والتجاوز، وبعضه قريب من بعض.

وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه.

والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة.

فآدم -  - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب ليه.

ولو كان مغفوراً له ما ارتكب لكان الدعاء فضلاً وتكلفاً، وبالله التوفيق.

والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: قابل التوبة.

وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ  ﴾ وقد ذكرنا في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ ما احتمل فيه.

﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين.

وقوله: ﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ .

ذكر هبوطهم جميعاً؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَيَّر الجمعَ في الفعل شرطاً.

وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ .

أي: ليأْتينكم.

وهذا جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ﴾ : فى الدنيا، ﴿ وَلاَ يَشْقَىٰ  ﴾ في الآخرة، إذا مات عليه.

وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.

فلو كانت الجنة تفنى ويَنقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عز وجل أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة.

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول.

وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها هان ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك -حواء- الجنّة، وكُلا منها أكلًا هنيئًا واسعًا لا مُنَغِّص فيه، في أي مكان من الجنّة، وإياكما أن تقربا هذه الشجرة التي نهيتكما عن الأكل منها، فتكونا من الظالمين بعصيان ما أمرتكم به.

<div class="verse-tafsir" id="91.Eq2zY"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

مجمل الآيات السابقة أن هذا العالم لما استعد لوجود هذا النوع الإنساني واقتضت الحكمة الإلهية إيجاده واستخلافه في الأرض، آذن الله تعالى الأرواح المنبثة في الأشياء لتدبيرها ونظامها بذلك، وأن تلك الأرواح فهمت من معنى كون الإنسان خليفة أنه يفسد النظام ويسفك الدماء، حتى أعلمها الله تعالى بأن علمها لم يحط بمواقع حكمته، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى.

ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها، على أن کل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحًا واحدًا هو مبعث الشر ومصدر الإغواء فقد أبى الخضوع، واستكبر عن السجود، لما كان في طبيعته من الاستعداد لذلك، والاستعداد في الشيء إنما يظهر بظهور متعلقة، فلا يقال: إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود فكيف ظهر من الروح الإبليسي ما لم يسبق له وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدي لإغوائه؟

لا يقال ذلك لأنه كان مستعدًا لهذا العصيان والإباء فلما أمر عصى، ولا وجد خلقًا مستعدًا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه، كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجود كامنة في البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو.

ومجمل الآيات اللاحقة أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بها، ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم، وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم إلى ضده، ثم إن آدم تاب إلى الله من معصيته فقبله، ثم جعل سعادة هذا النوع باتباع هدى الله وشقاءه بتركه.

وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الإلهية التي فطر عليها الملائكة والبشر، وتسلية النبي  عما يلاقي من الإنكار، وتقدم وجه ذلك في الآيات السابقة، وأما وجهه في هذه الآيات فظاهر وهو أن المعصية من شأن البشر، كأنه يقول: فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا، فقد كان الضعف في طباعهم ينتهي إليهم من أول سلف لهم، تغلب عليهم الوساوس وتذهب بصبرهم الدسائس، انظر ما وقع لآدم وما كان منه، وسنة الله مع ذلك لا تتبدل، فقد عوقب آدم علی خطيئته بإهباطه مما كان فيه ، وإن کان قد قبل توبته، و غفر هفوته، فالمعصية دائمًا مجلبة الشقاء، وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم في اتباع الهداية الإلهية وشقاءهم في الانحراف عن سبلها.

وأما تفسير هذه الآيات فقد أختلف علماء من أهل السنة وغيرهم في "الجنة" هل هي البستان أو المكان الذي تظلله الأشجار بحيث يستتر الداخل فيه كما يفهمه أهل اللغة، أم هي الدار الموعود بها في الآخرة؟

والمحققون من أهل السنة على الأول .

قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمى بالتأويلات: نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين أو غيضة من الغياض كان آدم وزوجه منعمين فيها، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها، وهذا هو مذهب السلف ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السنة وغيرهم.

وبهذا التفسير تنحل إشكالات كثيرة وهي: أن الله خلق آدم في الأرض ليكون هو ونسله خليقة فيها فالخلافة مقصودة منهم بالذات فلا يصح أن تكون عقوبة عارضة.

أنه لم يذكر أنه بعد خلقه في الأرض عرج به إلى السماء ولو حصل لذكر لأنه أمر عظيم.

أن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون فكيف دخلها الشيطان الكافر الملعون.

أنها ليست محلًا للتكليف.

أنه لا يمنع من فيها من التمتع بما يريد منها.

أنه لا يقع فيها العصيان.

وبالجملة إن الأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها لا تنطبق على ما كان في جنة آدم، ومنه كون عطائها غير مجذوذ ولا مقطوع وغير ذلك.

قال تعالى ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  ﴾ ولم يقل (ادخل) ولو انتقل من الأرض التي خلق فيها إلى الجنة لقال هذا أو ما بمعناه مما يشير إلى الانتقال، فقوله ﴿ اسْكُنْ  ﴾ يشير إلى أن الخلقة كانت في تلك الجنة أو بالقرب منها، وقوله ﴿ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا  ﴾ إباحة للتمتع بتلك الجنة والتنعم بما فيها أي كلا منها أَكلًا رغدًا واسعًا هنيئًا من أي مكان منها إلا شيئًا واحدًا نهاهما عنه بقوله ﴿ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ  ﴾ لأنفسكما بالوقوع فيما يترتب على الأكل منها، ولم يعين الله تعالى لنا هذه الشجرة فلا نقول في تعيينها شيئًا، وإنما نعلم أن ذلك لحكمة اقتضته، ولعل في خاصية تلك الشجرة ما هو سبب خروجهما من حال إلى حال، وربما كان في الأكل منها ضرر، أو كان النهي ابتلاء وامتحانًا منه تعالى ليظهر به ما في استعداد الإنسان من الميل إلى الإشراف على كل شيء واختباره، وإن كان في ذلك معصية يترتب عليها ضرر.

قال تعالى ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا  ﴾ أي حولها وزحزحهما عن الجنة، أو حملهما على الزلة بسبب الشجرة وقرأ حمزة (فأزالهما) والشيطان إبليس الذي لم يسجد ولم يخضع وقد وسوس لهما بما ذكر في سورتي الأعراف وطه حتى أوقعهما في الزلل وحملهما على الأكل من الشجرة فأكلا ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ أي من ذلك المكان أو النعيم الذي كانا فيه فكان الذنب متصلًا بالعقوبة اتصال السبب بالمسبب ثم بين الله تعالى كيفية الإخراج بقوله ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا  ﴾ ، يعني آدم وزوجه وإبليس فلا حاجة لتقدير إرادة ذرية آدم بالجمع كما فعل مفسرنا (الجلال)، فإن العداوة في قوله  ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  ﴾ تنافي هذا التقدير فإن العداوة بين الإنسان والشيطان لا بين الإنسان وذريته.

والأصل في الهبوط أن يكون من مكان عالٍ إلى أسفل منه، ولذلك احتج به من قال إن آدم كان في السماء، وقد يستعمل في مطلق الانتقال أو مع اعتبار العلو والسفل في المعنى، وقال الراغب: الهبوط الانحدار على سبيل القهر ولا يبعد أن تكون تلك الجنة في ربوة فسمي الخروج منها هبوطًا أو سمي بذلك لأن ما انتقلوا إليه دون ما كانوا فيه أو هو كما يقال هبط من بلد إلى بلد كقوله تعالى لبني إسرائيل ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ  ﴾ أي أن استقراركم في الأرض وتمتعكم فيها ينتهيان إلى زمن محدود وليسا بدائمين ففي الكلام فائدتان: إحداهما- أن الأرض ممهدة ومهيأة للمعيشة فيها والتمتع بها.

والثانية - أن طبيعة الحياة فيها تنافي الخلود والدوام، فليس الهبوط لأجل الإبادة ومحو الآثار، وليس للخلود كما زعم إبليس بوسوسته إذ سمى الشجرة المنهي عنها (شجرة الخلد وملك لا يبلى) يعني أن الله أخرجهم من جنة الراحة إلى أرض العمل لا ليفنيهم، وعبر عن ذلك بالاستقرار في الأرض، ولا ليعاقبهم بالحرمان من التمتع بخيرات الأرض، وعبر عن ذلك بالمتاع، ولا ليمتعهم بالخلود وعبر عن ذلك بكون الاستقرار والمتاع إلى حين.

ثم قال ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ  ﴾ أي ألهمه الله إياها فأناب إليه بها وهي كما في سورة الأعراف ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ  ﴾ تاب آدم بذلك وأناب إلى ربه ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي قبل توبته، وعاد عليه بفضله ورحمته، وبين سبب ذلك بأنه تعالى هو التواب أي الذي يقبل التوبة كثيرًا فمهما يذنب العبد ويندم ويتب يتب الرب عليه، وبأنه هو الرحيم بعباده مهما يسيء أحدهم بما هو سبب لغضبه تعالى ويرجع إليه فإنه يحفه برحمته.

وكل ما ورد في هبوط آدم وحواء من تعيين الأمكنة فهو من الإسرائيليات الباطلة .

وأما قوله تعالى في سورة النساء ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ وفي سورة الأعراف ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا  ﴾ فقد قال غير واحد من المفسرين إن المعنى من جنسها كما قال في سورة الروم ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ فإن المعنى هناك على أنه خلق أزواجًا من جنسنا ولا يصح أن يراد أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها كما هو ظاهر، فليس في القرآن نص يلزمنا حمل قوله تعالى ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ على ذلك، لأجل مطابقة سفر التكوين، فإن القصة لم ترد في القرآن كما وردت في التوراة التي في أيدي أهل الكتاب حكاية تاريخية، وإنما جاء القرآن بموضع العبرة فی خلق آدم واستعداد الكون لأن يتكمل به، و كونه قد أعطي استعدادًا في العلم والعمل لا نهاية لهما، ليظهر حكم الله ويقيم سننه في الأرض فيكون خليفة له، وكونه لا يسلم من داعية الشر والتأثر بالوسوسة التي تحمل على المعصية، ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين، وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة لا غير، لذلك لم يبين الزمان والمكان كما جاء في سفر التكوين، وكان سببًا لرفض الباحثين في الكون وتاريخ الخليقة دين النصرانية، لأن العلم المبني على الاختبار والمشاهدة أظهر خطأ ما جاء من التاريخ في التوراة، ووجدت للإنسان آثار في الأرض تدل على أنه أقدم مما حددته التوراة في تاريخ تكوينه، فقام فريق من أهل الكتاب يركب التعاسيف في التأويل، وفريق يكفر بالكتاب والتنزيل.

وأما مسألة عصمة آدم فالجري على طريقة السلف يذهب بنا إلى أن العصيان والتوبة من المتشابه كسائر ما ورد في القصة مما لا يركن العقل إلى ظاهره، ولنا أن نقول إن تلك مخالفة صدرت منه قبل أن يدركه عزم النبوة كما قال جل شأنه ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا  ﴾ ، إنما هو على العصمة عن مخالفة الأوامر بعد النبوة.

وقد يكون الذي وقع من آدم نسيانًا، فسمي تفخيمًا لأمره، عصيانًا، والنسيان والسهو مما لا ينافي العصمة، فإن جعلنا الكلام كله تمثيلًا فحديث الإخلال بالعصمة مما لا يمر بذهن العاقل.

وأما تفسير الآيات على طريق الخلف في التمثيل فيقال فيه: إن القرآن كثيرًا ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب، أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان، والتأثير، فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني، كقوله تعالى ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ  ﴾ فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه، وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا، ونحوه قوله  بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ والمعنى في التمثيل الظاهر.

وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب، هكذا: إن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض.

وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ويعطى استعدادًا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض.

وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه به في استعمارها.

وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودًا لا يتعدى وظيفته.

وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم، والتعدي والإفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري.

هذا ملخص ما تقدم في سابق آيات القصة.

وأما التمثيل فيما نحن فيه منها فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرأى ومأكول ومشروب ومشموم ومسموع، في ظل ظليل، وهواء عليل، وماء سلسبيل، كما قال تعالى في القصة من سورة طه ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى  وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى  ﴾ ويصح أن يعبر عن السعادة بالكون في الجنة وهو مستعمل، ويصح أن يراد بآدم نوع الإنسان كما يطلق اسم أبي القبيلة الأكبر على القبيلة فيقال كلب فعلت كذا ويراد قبيلة كلب، وكان من قريش كذا يعني القبيلة التي أبوها قريش، وفي كلام العرب كثير من هذا.

ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة وفسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة وفسرت بكلمة الكفر.

وفي الحديث تشبيه المزمن بشجرة النخل، ويصح أن يكون المراد بالأمر بسكنى الجنة وبالهبوط منها أمر التكوين، فقد تقدم أن الأمر الإلهي قسمان: أمر تكوين وأمر تكليف، والتكوين هو المراد بقوله تعالى ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ .

والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية التي قال فيها سبحانه ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا  ﴾ .

فأولها طور الطفولية: وهي لا هم فيها ولا كدر، وإنما هي لعب ولهو، كأن الطفل دائمًا في جنة ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، جارية الأنهار، متناغية الأطيار، وهذا معنى ﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  ﴾ وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورًا وإناثًا هكذا -وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير- والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر، وإن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه، وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني وهو طور التمييز هما المراد بقوله تعالى ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ ووسوسة الشيطان وإزلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوي فيها داعية الشر، أي أن إلهام التقوى والخير أقوى في قطرة الإنسان أو هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ووسوسته إليه - والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري.

وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق والتجائه إليه في الشدة.

وتوبة الله تعالى عليه عبارة عن هدايته إياه إلى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء، بعد ذلك الاعتبار والالتجاء، وذكر توبة الله على الإنسان ترد ما عليه النصارى من اعتقاد أن الله تعالى قد سجل معصية آدم عليه وعلى بنيه إلى أن يأتي عيسى ويخلصهم منها وهو اعتقاد تنبذه القطرة ويرده الوحي المحكم المتواتر.

فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة: طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية العليا التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فالإنسان في أفراده مثال للإنسان في مجموعه.

كان تدرج الإنسان في حياته الاجتماعية ابتداء ساذجًا سليم الفطرة، قويم الوجهة، مقتصرًا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونًا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي.

ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة، وميلًا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائمًا في نفوس سائرهم فثار النزاع، وعظم الخلاف واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني وهو معروف في تاريخ الأمم.

ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر، ووزن الحرير والشر بميزان النظر والفكر، وتحديد حدود للأعمال تنتهي إليها نزعات الشهوات، ويقف عندها سير الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله.

وبقي طور آخر أعلى من هذه الأطوار، وهو منتهى الكيل وأعني به طور الدين الإلهي والوحي السماوي الذي به كمال البداية الإنسانية، وبيانه في قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله