الآية ٣٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣٦ من سورة البقرة

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 324 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها ) يصح أن يكون الضمير في قوله : ( عنها ) عائدا إلى الجنة ، فيكون معنى الكلام كما قال [ حمزة و ] عاصم بن بهدلة ، وهو ابن أبي النجود ، فأزالهما ، أي : فنجاهما .

ويصح أن يكون عائدا على أقرب المذكورين ، وهو الشجرة ، فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادة ( فأزلهما ) أي : من قبيل الزلل ، فعلى هذا يكون تقدير الكلام ( فأزلهما الشيطان عنها ) أي : بسببها ، كما قال تعالى : ( يؤفك عنه من أفك ) [ الذاريات : 9 ] أي : يصرف بسببه من هو مأفوك ؛ ولهذا قال تعالى : ( فأخرجهما مما كانا فيه ) أي : من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة .

( وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) أي : قرار وأرزاق وآجال ( إلى حين ) أي : إلى وقت مؤقت ومقدار معين ، ثم تقوم القيامة .

وقد ذكر المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده ، وأبي العالية ، ووهب بن منبه وغيرهم هاهنا أخبارا إسرائيلية عن قصة الحية ، وإبليس ، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته ، وسنبسط ذلك إن شاء الله ، في سورة الأعراف ، فهناك القصة أبسط منها هاهنا ، والله الموفق .

وقد قال ابن أبي حاتم هاهنا : حدثنا علي بن الحسن بن إشكاب ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس ، كأنه نخلة سحوق ، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه ، فأول ما بدا منه عورته ، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة ، فأخذت شعره شجرة ، فنازعها ، فناداه الرحمن : يا آدم ، مني تفر !

فلما سمع كلام الرحمن قال : يا رب ، لا ولكن استحياء .

قال : وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القومشي سنة أربع وخمسين ومائتين ، حدثنا سليم بن منصور بن عمار ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما ذاق آدم من الشجرة فر هاربا ؛ فتعلقت شجرة بشعره ، فنودي : يا آدم ، أفرارا مني ؟

قال : بل حياء منك ، قال : يا آدم اخرج من جواري ؛ فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني ، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقا ثم عصوني لأسكنتهم دار العاصين .

هذا حديث غريب ، وفيه انقطاع ، بل إعضال بين قتادة وأبي بن كعب ، رضي الله عنهما .

وقال الحاكم : حدثنا أبو بكر بن بالويه ، عن محمد بن أحمد بن النضر ، عن معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن عمار بن معاوية البجلي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس .

ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

وقال عبد بن حميد في تفسيره : حدثنا روح ، عن هشام ، عن الحسن ، قال : لبث آدم في الجنة ساعة من نهار ، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، قال : خرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة ، فأخرج آدم معه غصنا من شجر الجنة ، على رأسه تاج من شجر الجنة وهو الإكليل من ورق الجنة .

وقال السدي : قال الله تعالى : ( اهبطوا منها جميعا ) فهبطوا فنزل آدم بالهند ، ونزل معه الحجر الأسود ، وقبضة من ورق الجنة فبثه بالهند ، فنبتت شجرة الطيب ، فإنما أصل ما يجاء به من الهند من الطيب من قبضة الورق التي هبط بها آدم ، وإنما قبضها آدم أسفا على الجنة حين أخرج منها .

وقال عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أهبط آدم من الجنة بدحنا ، أرض الهند .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد عن ابن عباس قال : أهبط آدم ، عليه السلام ، إلى أرض يقال لها : دحنا ، بين مكة والطائف .

وعن الحسن البصري قال : أهبط آدم بالهند ، وحواء بجدة ، وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال ، وأهبطت الحية بأصبهان .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث ، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق ، حدثنا عمرو بن أبي قيس ، عن ابن عدي ، عن ابن عمر ، قال : أهبط آدم بالصفا ، وحواء بالمروة وقال رجاء بن سلمة : أهبط آدم ، عليه السلام ، يداه على ركبتيه مطأطئا رأسه ، وأهبط إبليس مشبكا بين أصابعه رافعا رأسه إلى السماء .

وقال عبد الرزاق : قال معمر : أخبرني عوف عن قسامة بن زهير ، عن أبي موسى ، قال : إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض ، علمه صنعة كل شيء ، وزوده من ثمار الجنة ، فثماركم هذه من ثمار الجنة ، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير .

وقال الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها رواه مسلم والنسائي .

وقال فخر الدين : اعلم أن في هذه الآيات تهديدا عظيما عن كل المعاصي من وجوه : الأول : أن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي ، قال الشاعر : يا ناظرا يرنو بعيني راقد ومشاهدا للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درج الجنان ونيل فوز العابد أنسيت ربك حين أخرج آدما منها إلى الدنيا بذنب واحد قال فخر الدين عن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا ، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها .

فإن قيل : فإذا كانت جنة آدم التي أسكنها في السماء كما يقوله الجمهور من العلماء ، فكيف يمكن إبليس من دخول الجنة ، وقد طرد من هنالك طردا قدريا ، والقدري لا يخالف ولا يمانع ؟

فالجواب : أن هذا بعينه استدل به من يقول : إن الجنة التي كان فيهاآدم في الأرض لا في السماء ، وقد بسطنا هذا في أول كتابنا " البداية والنهاية " ، وأجاب الجمهور بأجوبة ، أحدها : أنه منع من دخول الجنة مكرما ، فأما على وجه الردع والإهانة ، فلا يمتنع ؛ ولهذا قال بعضهم : كما جاء في التوراة أنه دخل في فم الحية إلى الجنة ، وقد قال بعضهم : يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة ، وقال بعضهم : يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض ، وهما في السماء ، ذكرها الزمخشري وغيره .

وقد أورد القرطبي هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك ، فأجاد وأفاد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا قال أبو جعفر: اختلفت القَرَأة (200) في قراءة ذلك.

فقرأته عامتهم،" فأزلَّهما " بتشديد اللام، بمعنى: استزلَّهما، من قولك زلَّ الرجل في دينه: إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه.

وأزلَّه غيره: إذا سبب له ما يزلّ من أجله في دينه أو دنياه، ولذلك أضاف الله تعالى ذكره إلى إبليسَ خُروجَ آدم وزوجته من الجنة، فقال: فَأَخْرَجَهُمَا يعني إبليس مِمَّا كَانَا فِيهِ ، لأنه كانَ الذي سَبَّب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة.

وقرأه آخرون: " فأزَالهما "، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء، وذلك تنحيته عنه.

وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله: " فأزلهما "، ما:- 741 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى: " فأزلهما الشيطان " قال: أغواهما.

(201) وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ: " فأزلَّهما "، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في الحرف الذي يتلوه.

بأن إبليس أخرجهما مما كانا فيه.

وذلك هو معنى قوله " فأزالهما "، فلا وجه - إذْ كان معنى الإزالة معنى التنحية والإخراج - أن يقال: " فأزالهما الشيطانُ عنها فأخرجهما مما كانا فيه " فيكون كقوله: " فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مما كانا فيه " .

ولكن المفهوم أن يقال: (202) فاستزلهما إبليسُ عن طاعة الله - كما قال جل ثناؤه: " فأزلهما الشيطان "، وقرأت به القراء - فأخرجهما باستزلاله إياهما من الجنة.

فإن قال لنا قائل: وكيف كان استزلال إبليسُ آدمَ وزوجته، حتى أضيف إليه إخراجهما من الجنة؟

قيل: قد قالت العلماء في ذلك أقوالا سنذكر بعضها (203) فحكي عن وهب بن منبه في ذلك ما:- 742 - حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهرِب (204) قال: سمعت وهب بن منبه، يقول: لما &; 1-526 &; أسكن الله آدمَ وذريته - أو زوجته - الشك من أبي جعفر: وهو في أصل كتابه " وذريته " - ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرةً غصونها متشعِّبٌ بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نَهى الله آدمَ عنها وزوجته.

فلما أراد إبليس أن يستزلَّهما دَخل في جوف الحية، وكانت للحية أربع قوائم كأنها بُخْتِيَّة، من أحسن دابة خلقها الله - فلما دخلت الحية الجنة، خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء (205) فقال: انظري إلى هذه الشجرة!

ما أطيبَ ريحَها وأطيبَ طعمها وأحسن لونها!

فأخذت حواءُ فأكلَتْ منها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت: انظرْ إلى هذه الشجرة!

ما أطيبَ ريحها وأطيبَ طعمها وأحسنَ لونها!

فأكل منها آدم، فبدت لهما سوآتُهما.

فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربُّه يا آدم أين أنت؟

قال: أنا هنا يا رب (206) !

قال: ألا تخرج؟

قال: أستحيي منك يا رب.

قال: ملعونة الأرض التي خُلقتَ منها لعنةً يتحوَّل ثمرها شوكًا.

قال: ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرةٌ كان أفضل من الطَّلح والسِّدر، ثم قال: يا حواء، أنت التي غرَرْتِ عبدي، فإنك لا تَحملين حَملا إلا حملته كَرْهًا ، فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا.

وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرَّ عبدي، ملعونة أنتِ لعنة تَتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت أحدًا منهم أخذت بعقِبه، وحيث لقيك شدَخ رأسك.

قال عمر: (207) قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟

قال: يفعل الله ما يشاء (208) .

وروي عن ابن عباس نحو هذه القصة: 743 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما قال الله عز وجلّ لآدم: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة، فمنعته الخزَنة.

فأتى الحية - وهي دابَّة لها أربعُ قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب - فكلمها أن تُدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فُقْمها - قال أبو جعفر: والفقم جانب الشدق (209) - فمرت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر.

فكلمه من فُقمها فلم يبال كلامه (210) ، فخرج إليه فقال: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [سورة طه: 120] يقول: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت مَلِكًا مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين (211) ، فلا تموتان أبدًا.

وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين.

وإنما أراد بذلك ليبديَ لهما ما تَوارى عنهما من سَوْآتهما بهتكِ لباسهما.

وكان قد علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك.

وكان لباسُهما الظُّفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كُلْ!

فإني قد أكلتُ فلم يضرَّني.

فلما أكل آدم بدت لهما سوآتُهما وَطفقا يَخصفان عليهما من ورق الجنة (212) .

744 - حُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: حدثني محدّث: أن الشيطان دخل الجنة في صورة دابة ذات قوائم، فكان يُرى أنه البعير، قال: فلعِن، فسقطت قوائمه فصار حيَّة.

(213) 745 - وحُدِّثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: وحدثني أبو العالية أن منَ الإبل مَا كان أوّلها من الجن، قال: فأبيحت له الجنة كلها إلا الشجرة (214) ، وقيل لهما: " لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ".

قال: فأتى الشيطان حواء فبدأ بها، فقال: أنُهيتما عن شيء؟

قالت: نعم!

عن هذه الشجرة فقال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [سورة الأعراف: 20] قال: فبدأت حواء فأكلت منها، ثم أمرت آدم فأكل منها.

قال: وكانت شجرةً من أكل منها أحدث.

قال: ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَث.

قال: " فأزالهما الشيطان عَنها فأخرجهما مما كانا فيه " (215) ، قال: فأخرج آدم من الجنة (216) .

746 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أن آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة وما أعطاه الله منها، قال: لو أن خُلدًا كان!

فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه (217) ، فأتاه من قِبَل الخلد.

(218) .

747 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حُدثت: أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما، أنه ناح عليهما نياحَة أحزنتهما حين سمعاها، فقالا ما يبكيك؟

قال: أبكي عليكما، تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة.

فوقع ذلك في أنفسهما.

ثم أتاهما فوسوس إليهما، فقال: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى وقال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ .

أي تكونا مَلَكين، أو تخلدَا، إن لم تكونا ملكين (219) - في نعمة الجنة فلا تموتان.

يقول الله جل ثناؤه: فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ (220) .

748 - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسوس الشيطان إلى حواء في الشجرة حتى أتى بها إليها، ثم حسَّنها في عين آدم.

قال: فدعاها آدم لحاجته، قالت: لا!

إلا أن تأتي ههنا.

فلما أتى قالت: لا!

إلا أن تأكل من هذه الشجرة.

قال: فأكلا منها فبدَت لهما سَوآتهما.

قال: وذهب آدم هاربًا في الجنة، فناداه ربه: يا آدم أمنِّي تفرّ؟

قال: لا يا رب، ولكن حياءً منك.

قال: يا آدم أنَّى أُتِيت؟

قال: من قِبَل حواء أي رب.

فقال الله: فإن لها عليَّ أن أدميها في كل شهر مرة، كما أدميت هذه الشجرة (221) ، وأن أجعلها سفيهةً فقد كنت خلقتها حَليمة، وأن أجعلها تحمل كرهًا وتضع كرهًا، فقد كنت جعلتها تحمل يُسرًا وتَضع يُسرًا.

قال ابن زيد: ولولا البلية التي أصابت حوّاء.

لكان نساء الدنيا لا يَحضن، ولَكُنَّ حليماتٍ، وكن يحملن يُسرًا ويضعن يسُرًا.

(222) 749 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعته يحلف بالله ما يستثْني - ما أكل آدم من الشجرة وهو يَعقل، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل (223) .

750 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس اليماني، عن ابن عباس، قال: إن عدو الله إبليس عرض نفسه على دوابّ الأرض أيُّها يحمله حتى يدخل الجنة معها ويكلم آدم وزوجته (224) ، فكلّ الدواب أبى ذلك عليه، حتى كلّم الحية فقال لها: أمنعك من ابن آدم، فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتِني الجنة.

فجعلته بين نابين من أنيابها، ثم دخلت به، فكلمهما من فيها؛ وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم، فأعراها الله وجعلها تمشي على بطنها.

قال: يقول ابن عباس: اقتلوها حيث وَجَدتُموها، أخفروا ذمَّةَ عدوّ الله فيها (225) .

751 - وحدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، قال قال ابن إسحاق: وأهل التوراة يدرُسون: إنما كلم آدمَ الحية، ولم يفسروا كتفسير ابن عباس.

752 - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي مَعشر، عن محمد بن قيس، قال: نهى الله آدمَ وحواء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، ويأكلا منها رَغدًا حيث شاءَا.

فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية، فكلم حواء، ووسوس الشيطان إلى آدم فقال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ &; 1-531 &; النَّاصِحِينَ .

قال: فقطعت (226) حواء الشجرة فدَميت الشجرة.

وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما: أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [سورة الأعراف: 22].

لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟

قال: يا رب أطعمتني حواء.

قال لحواء: لم أطعمته؟

قالت: أمرتني الحية.

قال للحية: لم أمرتِها؟

قالت: أمرني إبليس.

قال: ملعونٌ مدحورٌ!

أما أنت يا حواء فكما أدميْتِ الشجرة تَدْمَيْن (227) في كلّ هلال، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جريًا على وَجهك، وَسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر ، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ (228) .

قال أبو جعفر: وقد رُويت هذه الأخبار - عمن رويناها عنه من الصحابة والتابعين وغيرهم - في صفة استزلال إبليس عدوِّ الله آدمَ وزوجتَه حتى أخرجهما من الجنة.

وأولى ذلك بالحق عندنا ما كان لكتاب الله مُوافقًا.

وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنه وسوس لآدم وزوجته ليبديَ لهما ما وُري عنهما من سَوآتهما، وأنه قال لهما: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ، وأنه " قاسمَهما إني لكما لمن الناصحين " مُدلِّيًا لهما بغرور.

ففي إخباره جل ثناؤه - عن عدوّ الله أنه قاسم آدم وزوجته بقيله لهما: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ - الدليلُ الواضح على أنه قد باشر خطابهما بنفسه، إما ظاهرًا لأعينهما، وإما مستجِنًّا في غيره.

وذلك أنه غير مَعقول في كلام العرب أن يقال: قاسم فلانٌ فلانًا في كذا وكذا.

إذا سبّب له سببًا وصل به إليه دون أن يحلف له.

والحلف لا يكون بتسبب السبب.

فكذلك قوله فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ ، لو كان ذلك كان منه إلى آدم - على نحو الذي منه إلى ذريته، من تزيين أكل ما نهى الله آدم &; 1-532 &; عن أكله من الشجرة، بغير مباشرة خطابه إياه بما استزلّه به من القول والحيل - لما قال جلّ ثناؤه: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ .

كما غير جائز أن يقول اليوم قائلٌ ممن أتى معصية: قاسمني إبليس أنه لي ناصحٌ فيما زيَّن لي من المعصية التي أتيتها.

فكذلك الذي كان من آدمَ وزوجته، لو كان على النحو الذي يكون فيما بين إبليس اليومَ وذرية آدم - لما قال جلّ ثناؤه: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، ولكن ذلك كان - إن شاء الله - على نحو ما قال ابن عباس ومن قال بقوله.

فأما سَبب وصوله إلى الجنة حتى كلم آدم بعد أن أخرجه الله منها وطرده عنها، فليس فيما رُوي عن ابن عباس ووهب بن منبه في ذلك معنى يجوز لذي فهم مُدافعته، إذ كان ذلك قولا لا يدفعه عقل ولا خبر يلزم تصديقه من حجة بخلافه (229) ، وهو من الأمور الممكنة.

والقول في ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبرنا الله جل ثناؤه (230) ؛ وممكن أن يكون وصل إلى ذلك بنحو الذي قاله المتأولون، بل ذلك - إن شاء الله - كذلك، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك.

وإن كان ابن إسحاق قد قال في ذلك ما:- 753 - حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق في ذلك، والله أعلم، كما قال ابن عباس وأهل التوراة: إنه خَلص إلى آدم وزوجته بسُلطانه الذي جعل الله له ليبتلي به آدم وذريته، وأنه يأتي ابن آدم في نَوْمته وفي يَقظته، وفي كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوَه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه.

وقد قال الله عز وجلّ : " فأزلهما الشيطان عنها، فأخرَجهما مما كانا فيه " (231) ، وقال: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ &; 1-533 &; الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [سورة الأعراف: 27] وقد قال الله لنبيه عليه السلام: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ إلى آخر السورة.

ثم ذكر الأخبار التي رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الشيطان يجري من ابن آدمَ مَجرى الدم (232) .

ثم قال ابن إسحاق (233) : وإنما أمرُ ابن آدم فيما بينه وبين عدوِّ الله، كأمره فيما بينه وبين آدم.

فقال الله: فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [سورة الأعراف: 13].

ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كلمهما، كما قصَّ الله علينا من خبرهما، فقال: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [سورة طه: 120]، فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه - فالله أعلمُ أيّ ذلك كان - فتابا إلى ربهما.

* * * قال أبو جعفر: وليس في يقين ابن إسحاق - لو كان قد أيقن في نفسه - أن إبليس لم يخلص إلى آدم وزوجته بالمخاطبة بما أخبر الله عنه أنه قال لهما وخاطبهما به، ما يجوز لذي فهم الاعتراضُ به على ما ورد من القول مستفيضًا من أهل العلم، مع دلالة الكتاب على صحة ما استفاض من ذلك بينهم.

فكيف بشكّه؟

والله نسأل التوفيق.

&; 1-534 &; القول في تأويل قوله تعالى: فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ قال أبو جعفر: وأما تأويل قوله " فأخرجهما "، فإنه يعني: فأخرج الشيطانُ آدمَ وزوجته،" مما كانا "، يعني مما كان فيه آدمُ وزوجته من رغد العيش في الجنة، وسعة نعيمها الذي كانا فيه.

وقد بينا أن الله جل ثناؤه إنما أضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان - وإن كان الله هو المخرجَ لهما - لأن خروجهما منها كان عن سبب من الشيطان ، فأضيف ذلك إليه لتسبيبه إياه (234) كما يقول القائل لرجل وَصل إليه منه أذى حتى تحوّل من أجله عن موضع كان يسكنه: " ما حوَّلني من موضعي الذي كنت فيه إلا أنت "، ولم يكن منه له تحويل، ولكنه لما كان تحوّله عن سبب منه، جازَ له إضافة تحويله إليه.

القول في تأويل قوله تعالى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قال أبو جعفر: يقال هَبط فلان أرضَ كذا وواديَ كذا، إذا حلّ ذلك (235) كما قال الشاعر: مَـا زِلْـتُ أَرْمُقُهُـمْ, حَـتَّى إِذَا هَبَطَتْ أَيْـدِي الرِّكَـابِ بِهِـمْ مِـنْ رَاكِسٍ فَلَقَا (236) وقد أبان هذا القولُ من الله جل ثناؤه، عن صحة ما قلنا من أنّ المخرِجَ آدمَ من الجنة هو الله جل ثناؤه، وأن إضافة الله إلى إبليس ما أضاف إليه من إخراجهما، كان على ما وصفنا.

ودلّ بذلك أيضًا على أنّ هبوط آدم وزوجته وعدوهما إبليس، كان في وقت واحد، بجَمْع الله إياهم في الخبر عن إهباطهم، بعد الذي كان من خطيئة آدم وزوجته، وتسبُّب إبليس ذلك لهما (237) ، على ما وصفه ربنا جل ذكره عنهم.

قال أبو جعفر: وقد اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: " اهبطوا "، مع إجماعهم على أن آدم وزوجته ممن عُني به.

754 - فحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي عَوَانة، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح: " اهبطوا بَعضُكم لبعض عَدوٌّ"، قال: آدم وحواءُ وإبليس والحية (238) .

755 - حدثنا ابن وكيع، وموسى بن هارون، قالا حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ: " اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ"، قال: فلعنَ الحية وقطع قوائمها وتركها تمشي على بطنها، وجعل رزقها من التراب.

وأهبِط إلى الأرض آدمُ وحواء وإبليس والحية (239) .

756 - وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله: " اهبِطوا بعضكم لبعض عدو "، قال: آدم وإبليس والحية (240) .

&; 1-536 &; 757 - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد: " اهبطوا بعضكم لبعض عدو "، آدم وإبليس والحية ، ذريةٌ بعضُهم أعداءٌ لبعضٍ.

758 - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد: " بعضكم لبعض عدوٌّ"، قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته.

759 - وحدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " بعضكم لبعض عدوٌّ" قال: يعني إبليس وآدم.

(241) 760 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السُّدّيّ، عمن حدثه عن ابن عباس في قوله: " اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قال: بعضهم لبعض عدوّ: آدم وحواء وإبليس والحية (242) .

761 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهديّ، عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدّيّ، قال: حدثني من سمع ابن عباس يقول: " اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قال: آدم وحواء وإبليس والحية.

(243) 762 - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قال: لهما ولذريتهما.

(244) قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كانت عداوة ما بين آدمَ وزوجته وإبليس والحية؟

&; 1-537 &; قيل: أما عداوة إبليس آدم وذريته، فحسدهُ إياه، واستكبارُه عن طاعة الله في السجود له حين قال لربه: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [سورة ص: 76].

وأما عداوة آدم وذريته إبليس، فعداوةُ المؤمنين إياه لكفره بالله وعصيانه لربّه في تكبره عليه ومُخالفته أمرَه.

وذلك من آدم ومؤمني ذريته إيمانٌ بالله.

وأما عداوة إبليسَ آدمَ فكفرٌ بالله.

وأما عدَاوة ما بين آدم وذريته والحية، فقد ذكرنا ما روي في ذلك عن ابن عباس ووهب بن منبه، وذلك هي العداوة التي بيننا وبينها، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: مَا سالمناهُنّ مُنذ حَاربْناهن، فمن تركهنّ خشيةَ ثأرهنَّ فليس منَّا.

763 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثني حَجاج بن رِشْدين، قال: حدثنا حَيْوة بن شُريح، عن ابن عَجلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما سَالمناهُنَّ مُنذ حارَبناهنّ ، فمن ترك شيئًا منهنّ خيفةً، فليس منا (245) قال أبو جعفر: وأحسبُ أن الحرب التي بيننا، كان أصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم، في إدخالها إبليس الجنة بعد أن أخرجه الله منها، حتى استزلّه عن طاعة ربه في أكله ما نُهي عن أكله من الشجرة.

764 - وحدثنا أبو كريب، قال حدثنا معاوية بن هشام - وحدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال: حدثني آدم - جميعًا، عن شيبان، عن جابر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن قَتل الحيَّات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خُلقتْ هي والإنسانُ كل واحد منهما عدوّ لصاحبه، إن رآها أفزعته، وإن لدَغته أوجعته، فاقتلها حَيث وجدتها (246) .

القول في تأويل قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال: بعضهم بما:- 765 - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " ولكم في الأرض مُستقَرٌّ" قال: هو قوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا [سورة البقرة: 22].

766 - وحُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ولكم في الأرض مستقرٌّ"، قال: هو قوله: جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا (247) [سورة غافر: 64].

&; 1-539 &; وقال آخرون : معنى ذلك ولكم في الأرض قَرَار في القبور.

* ذكر من قال ذلك: 767 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ: " ولكم في الأرض مستقر "، يعني القبور (248) .

768 - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدّيّ، قال: حدثني من سمع ابن عباس قال: " ولكم في الأرض مستقرٌّ"، قال: القبور (249) .

769 - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " ولكم في الأرض مستقر "، قال: مقامهم فيها (250) .

قال أبو جعفر: والمستقرُّ في كلام العرب، هو موضع الاستقرار.

فإذْ كان ذلك كذلك، فحيث كان من في الأرض موجودًا حالا فذلك المكان من الأرض مستقره.

إنما عنى الله جل ثناؤه بذلك: أنّ لهم في الأرض مستقرًّا ومنـزلا بأماكنهم ومستقرِّهم من الجنة والسماء.

وكذلك قوله: وَمَتَاعٌ يعني به: أن لهم فيها متاعًا بمتاعهم في الجنة.

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: ولكم فيها بَلاغ إلى الموت.

* ذكر من قال ذلك: 770 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا &; 1-540 &; أسباط، عن السُّدّيّ في قوله: " ومتاعٌ إلى حين "، قال يقول: بلاغ إلى الموت (251) .

771 - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدّيّ، قال: حدثني من سمع ابن عباس: " ومتاعٌ إلى حين "، قال: الحياة (252) .

وقال آخرون: يعني بقوله: " ومتاعٌ إلى حين "، إلى قيام الساعة.

* ذكر من قال ذلك: 772 - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: " ومتاع إلى حين "، قال: إلى يوم القيامة، إلى انقطاع الدنيا.

وقال آخرون: " إلى حين "، قال: إلى أجل.

* ذكر من قال ذلك: 773 - حُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " ومتاع إلى حين "، قال: إلى أجل (253) .

والمتاع في كلام العرب: كل ما استُمتع به من شيء، من معاش استُمتع به أو رِياش أو زينة أو لذة أو غير ذلك (254) .

فإذْ كان ذلك كذلك - وكان الله جل ثناؤه قد جَعل حياة كل حيّ متاعًا له يستمتع بها أيام حياته، وجعل الأرض للإنسان مَتاعًا أيام حياته، بقراره عليها، واغتذائه بما أخرج الله منها من الأقوات والثمار، والتذاذه بما خلق فيها من الملاذِّ، وجعلها من بعد وفاته لجثته كِفاتًا (255) ، ولجسمه منـزلا وَقرارا؛ وكان اسم المتاع يَشمل جميع ذلك - كان أولى التأويلات &; 1-541 &; بالآية - (256) إذْ لم يكن الله جل ثناؤه وضع دلالة دالة على أنه قَصد بقوله: " ومتاعٌ إلى حين " بعضًا دون بعض، وخاصًّا دون عامٍّ في عقل ولا خبر - أن يكون ذلك في معنى العامِّ، وأن يكون الخبر أيضًا كذلك، إلى وقت يطول استمتاع بني آدم وبني إبليس بها، وذلك إلى أن تُبدَّل الأرض غير الأرض.

فإذْ كان ذلك أولى التأويلات بالآية لما وَصفنا، فالواجب إذًا أن يكون تأويل الآية: ولكم في الأرض مَنازلُ ومساكنُ تستقرُّون فيها استقراركم - كان - في السموات ، وفي الجنان في منازلكم منها (257) ، واستمتاع منكم بها وبما أخرجت لكم منها، وبما جعلت لكم فيها من المعاش والرياش والزَّين والملاذِّ، وبما أعطيتكم على ظهرها أيام حياتكم ومن بعد وفاتكم لأرْماسكم وأجدَاثكم تُدفنون فيها (258) ، وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن أبدلكم بها غيرها.

------------------ الهوامش : (200) في المطبوعة : "اختلف القراء" والقَرَأَة جمع قارئ ، وانظر ما مضى : 51 ، تعليق ، وص : 64 ، 109 وغيرهما .

(201) الخبر : 741 - في الدر المنثور 1 : 53 ، والشوكاني 1 : 56 .

(202) في المطبوعة : "لكن المعنى المفهوم" ، زاد ما لا جدوى فيه .

(203) في المطبوعة : "سنذكر" بغير واو .

(204) في المطبوعة : "عمرو" بدل"عمر" ، وفي المخطوطة وابن كثير : "مهران" ، بدل"مهرب" .

وكلاهما خطأ ، صوابه ما أثبتنا : "عمر بن عبد الرحمن بن مهرب" ، فهذا الشيخ ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3/1/121 ، وقال : "سمع وهب بن منبه ، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعاني ، وعبد الرزاق" .

ثم روى عن يحيى بن معين ، قال : "عمر بن عبد الرحمن بن مهرب : ثقة" .

ولم أجد له ترجمة أخرى .

و"مهرب" : لم أجد نصًّا بضبطها في هذا النسب ، إلا قول صاحب القاموس أنهم سموا من مادة (هرب) بوزن"محسن" - يعني بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه .

ووقع اسم هذا الشيخ محرفًا إلى شيخين ، في تاريخ الطبري 1 : 54 - في هذا الإسناد ، هكذا : "معمر عن عبد الرحمن بن مهران"!

(205) في المطبوعة : "فجاء به" ، والذي أثبتناه من المخطوطة وتاريخ الطبري .

(206) في المطبوعة : "أنا هنا يا رب" ، وأثبتناه ما في المخطوطة وتاريخ الطبري .

(207) في المطبوعة : "قال عمرو" ، وأثبتنا الصواب من المخطوطة ، ومما ذكرنا آنفًا .

(208) الأثر : 742 - في تاريخ الطبري 1 : 54 ، بهذا الإسناد ، وأوله في ابن كثير 1 : 143 .

(209) في المطبوعة وتاريخ الطبري 1 : 53 : "فأدخلته في فمها ، فمرت الحية .

.

.

" ، وما أثبتناه من المخطوطة .

(210) في المطبوعة وتاريخ الطبري : "فكلمة من فمها" .

وفي المطبوعة : "فلم يبال بكلامه" .

(211) في المخطوطة : "وتكونا من الخالدين" .

(212) الخبر : 743 .

بنصه في تاريخ الطبري 1 : 53 ، وببعض الاختلاف في الدر المنثور 1 : 53 ، والشوكاني 1 : 56 .

(213) الأثر : 744 - في تاريخ الطبري 1 : 55 .

(214) في تاريخ الطبري 1 : 55 ، زيادة سياقها : " .

.

.

كلها - يعني آدم - إلا الشجرة" .

(215) في تاريخ الطبري 1 : 55"فأزلهما الشيطان" .

(216) الأثر : 745 - في تاريخ الطبري 1 : 55 (217) في التاريخ : "لو أنا خلدنا" .

وفي المطبوعة : "فاغتنمها منه الشيطان" ، لم يحسنوا قراءة المخطوطة فبدلوا الحرف ، وأثبتنا ما في المخطوطة والتاريخ .

يقال : سمع مني كلمة فاغتمزها ، أي استضعفها ووجد فيها مغمزًا يعاب يؤتي من قبله .

(218) الأثر : 746 - في تاريخ الطبري 1 : 55 .

(219) في المخطوطة : "أي تكونا ملكين ، أو تخلدان إن لم .

.

.

" وفي التاريخ 1 : 55 : "أي تكونان ملكين أو تخلدان - أي إن لم .

.

.

" .

(220) الأثر : 747 - في تاريخ الطبري 1 : 55 .

(221) في المخطوطة : "كما دمت هذه الشجرة" .

(222) الأثر : 748 - في تاريخ الطبري 1 : 55 .

(223) الأثر : 749 - في تاريخ الطبري 1 : 55 - 56 ، وهو هناك تام .

(224) في المخطوطة والمطبوعة والدر المنثور : "أنها تحمله حتى يدخل .

.

.

" ، وأثبت ما في تاريخ الطبري 1 : 54 ، فهو أجود وأصح .

(225) الخبر : 750 - في تاريخ الطبري 1 : 53 -54 ، والدر المنثور 1 : 53 .

وأخفر الذمة والعهد : نقضهما ، ولم يف بهما .

(226) في المطبوعة : "فعضت حواء الشجرة" ، وأثبتنا ما في المخطوطة وتاريخ الطبري 1 : 54 .

(227) في المطبوعة : "فتدمين" ، وأثبتنا ما في المخطوطة والتاريخ .

(228) الأثر : 752 - في تاريخ الطبري 1 : 54 .

(229) في المطبوعة : "إذا كان ذلك قولا لا يدفعه قول .

.

.

" .

(230) في المطبوعة : "والقول في ذلك .

.

.

" .

(231) في المطبوعة والمخطوطة : "وقد قال الله فوسوس لهما الشيطان ، فأخرجهما مما كان فيه" ، وهذه ليست آية ، والصواب أنه أراد آية سورة البقرة هذه .

(232) حديث"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" - حديث صحيح جدًّا - رواه أحمد والشيخان وأبو داود ، من حديث أنس ، ورواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه ، من حديث صفية ، وهي بنت حيي ، أم المؤمنين ، كما في الجامع الصغير : 2036 .

(233) في المطبوعة إسقاط : "ثم" .

(234) في المطبوعة : "وأضيف ذلك .

.

.

" .

(235) لعل صواب العبارة : "إذا حل ذلك الموضع" ، فسقطت كلمة من الناسخين .

(236) البيت لزهير بن أبي سلمى ، ديوانه : 37 ، أرمقهم : يعني أحبابه الراحلين ، وينظر إليهم حزينًا كئيبًا ، والركاب : الإبل التي يرحل عليها .

وراكس : واد في ديار بني سعد بن ثعلبة ، من بني أسد .

وفلق وفالق : المطمئن من الأرض بين ربوتين أو جبلين أو هضبتين ، وقالوا : فالق وفلق ، كما قالوا : يابس ويبس (بفتحتين) .

(237) لعل الأجود : "وتسبيب إبليس ذلك لهما" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة .

(238) الأثر : 754 - في الدر المنثور 1 : 55 .

(239) الأثر : 755 - في تاريخ الطبري 1 : 56 ، والظاهر أن إسناده هنا سقط منه شيء ، وتمامه في التاريخ : " .

.

.

عن السدي - في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : اهبطوا .

.

.

" .

وهو الإسناد الذي يكثر الطبري من الرواية به .

(240) الأثر : 756 - في تاريخ الطبري 1 : 56 .

(241) الآثار : 757 - 759 لم أجدها بإسنادها في مكان .

(242) الخبر : 760 - كالذي يليه من طريق آخر .

(243) الخبر : 761 - في تاريخ الطبري 1 : 56 .

(244) الأثر : 762 - لم أجده في مكان .

(245) الحديث : 763 - إسناده جيد .

والحديث مروي بأسانيد أخر صحاح ، كما سنذكر ، إن شاء الله .

حجاج : هو ابن رشدين بن سعد المصري ، ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1/2/160 ، وذكر أنه يروي عن"حيوة بن شريح" ، ويروي عنه"محمد بن عبد الله بن عبد الحكم" .

وذكر أنه سأل عنه أبا زرعة ، قال : "لا علم لي به ، لم أكتب عن أحد عنه" .

وترجمه الحافظ في لسان الميزان ، ونقل أنه ضعفه ابن عدي ، وأنه مات سنة 211 ، وأن ابن يونس لم يذكر فيه جرحًا ، "وقال الخليلي : هو أمثل من أبيه ، وقال مسلمة بن قاسم : لا بأس به" ، وأن ابن حبان ذكره في الثقات .

وهذا كاف في توثيقه ، خصوصًا وأن ابن يونس أعرف بتاريخ المصريين .

وأبوه اسمه"رشدين" ، بكسر الراء والدال بينهما شين معجمة ساكنة ، وبعد الدال ياء ونون .

ووقع في المطبوعة"رشد"؛ وهو خطأ .

والحديث رواه أحمد في المسند : 9586 ، عن يحيى - وهو القطان ، 10752 ، عن صفوان - وهو ابن عيسى الزهري ، كلاهما عن ابن عجلان ، به (2 : 432 ، 520 من طبعة الحلبي) .

ورواه أيضًا قبل ذلك مختصرًا : 7360 (2 : 247) عن سفيان بن عيينة .

ورواه أبو داود : 5248 (4 : 534 عون المعبود) ، من طريق سفيان ، تاما .

وهذه أسانيد صحاح .

وورد معناه من حديث ابن عباس ، في المسند أيضًا : 2037 ، 3254 .

وقريب من معناه من حديث ابن مسعود ، في المسند أيضًا : 3984 .

(246) الحديث : 764 - في الدر المنثور 1 : 55 ، ونسبه للطبري فقط .

وهو في مجمع الزوائد 4 : 45 بلفظ آخر ، وقال : رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه جابر غير مسمى ، والظاهر أنه الجعفي ، وثقه الثوري وشعبة ، وضعفه الأئمة أحمد وغيره .

(247) الأثران : 765 - 766 : لم أجدهما في مكان .

(248) الأثر : 767 - لم أجده في مكان .

(249) الخبر : 768 - في الدر المنثور 1 : 55 ، وهو من تمام الخبر : 761 .

(250) الأثر : 769 - لم أجده في مكان .

(251) الأثر : 770 - لم أجده في مكان .

(252) الأثر : 771 - في الدر المنثور 1 : 55 ، وهو من تمام الأثرين : 761 ، 768 .

(253) الأثران : 772 ، 773 : لم أجدهما في مكان .

(254) في المخطوطة : "في معاش استمتع .

.

.

" .

(255) الكفات : الموضع الذي يضم فيه الشيء ويقبض .

(256) في المطبوعة : "إن لم يكن الله .

.

.

" ، وهو خطأ .

(257) في المطبوعة : "في الجنات" .

(258) الأرماس جمع رمس ، والأجداث جمع جدث (بفتحتين) : وهما بمعنى القبر .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين[ ص: 294 ] قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيهفيه عشر مسائل : الأولى : قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها قرأ الجماعة فأزلهما بغير ألف ، من الزلة وهي الخطيئة ، أي استزلهما وأوقعهما فيها .

وقرأ حمزة " فأزالهما " بألف ، من التنحية ، أي نحاهما .

يقال : أزلته فزال .

قال ابن كيسان : فأزالهما من الزوال ، أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية .قلت : وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى ، إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى .

يقال منه : أزللته فزل .

ودل على هذا قوله تعالى : إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ، وقوله : فوسوس لهما الشيطان والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية ، وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان ، إنما قدرته على إدخاله في الزلل ، فيكون ذلك سببا إلى زواله من مكان إلى مكان بذنبه .

وقد قيل : إن معنى أزلهما من زل عن المكان إذا تنحى ، فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال .

قال امرؤ القيس :يزل الغلام الخف عن صهواته ويلوي بأثواب العنيف المثقلوقال أيضا :كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزلالثانية : قوله تعالى : فأخرجهما مما كانا فيه إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله : ( فأخرجهما ) تأكيد وبيان للزوال ، إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة ، وليس كذلك ، وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى الأرض ، لأنهما خلقا منها ، وليكون آدم خليفة في الأرض .

ولم يقصد إبليس - لعنه الله - إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أبعد هو ، فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده ، بل ازداد سخنة عين وغيظ نفس وخيبة ظن .

قال الله جل ثناؤه : ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره ، فكم بين الخليفة والجار صلى الله عليه وسلم .

ونسب ذلك إلى إبليس ; لأنه كان بسببه وإغوائه .

ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولي إغواء آدم ، واختلف في الكيفية ، فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء أغواهما مشافهة ، ودليل ذلك قوله تعالى : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين والمقاسمة ظاهرها المشافهة .

وقال بعضهم ، وذكره عبد الرزاق عن وهب بن منبه : دخل الجنة في فم الحية وهي [ ص: 295 ] ذات أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم يدخله إلا الحية ، فلما دخلت به الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حواء فقال : انظري إلى هذه الشجرة ، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فلم يزل يغويها حتى أخذتها حواء فأكلتها .

ثم أغوى آدم ، وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني ، فأكل منها فبدت لهما سوءاتهما وحصلا في حكم الذنب ، فدخل آدم في جوف الشجرة ، فناداه ربه : أين أنت ؟

فقال : أنا هذا يا رب ، قال : ألا تخرج ؟

قال : أستحي منك يا رب ، قال : اهبط إلى الأرض التي خلقت منها .

ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم ، ولذلك أمرنا بقتلها ، على ما يأتي بيانه .

وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مرارا .

زاد الطبري والنقاش : وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة .

وقالت طائفة : إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوى بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه الله تعالى ، كما قال صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم .

والله أعلم .

وسيأتي في الأعراف أنه لما أكل بقي عريانا وطلب ما يستتر به فتباعدت عنه الأشجار وبكتوه بالمعصية ، فرحمته شجرة التين ، فأخذ من ورقه فاستتر به ، فبلي بالعري دون الشجر .

والله أعلم .

وقيل : إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا .الثالثة : يذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها وأظهرت العداوة له هناك ، فلما أهبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب ، وقيل لها : أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك .

روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خمس يقتلهن المحرم فذكر الحية فيهن .

وروي أن إبليس قال لها : أدخليني الجنة وأنت في ذمتي ، فكان ابن عباس يقول : أخفروا ذمة إبليس .

وروت ساكنة بنت الجعد عن سراء بنت نبهان الغنوية قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اقتلوا الحيات [ ص: 296 ] صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا .

قال علماؤنا : وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده ، فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا .

أخرجه مسلم وغيره .الرابعة : روى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم : بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اقتلوها ) فسبقتنا إلى جحر فدخلته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا .

قال علماؤنا : وهذا الحديث يخص نهيه عليه السلام عن المثلة وعن أن يعذب أحد بعذاب الله تعالى ، قالوا : فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر .

فإن قيل : قد روي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار ، وقال : هو مثلة .

قيل له : يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمل على الأثر الذي جاء : لا تعذبوا بعذاب الله فكان على هذا سبيل العمل عنده .فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه : والمرسلات عرفا فنحن نأخذها من فيه رطبة ، إذ خرجت علينا حية ، فقال : ( اقتلوها ) ، فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقاها الله شركم كما وقاكم شرها .

فلم يضرم نارا ولا احتال في قتلها .

قيل له : يحتمل أن يكون لم يجد نارا فتركها ، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان .

والله أعلم .

وقوله : " وقاها الله شركم " أي قتلكم إياها " كما وقاكم شرها " أي لسعها .الخامسة : الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات ، [ ص: 297 ] فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله ، لقوله : اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل .

فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما .

وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر الأمر العام ، ولأن نوع الحيات غالبه الضرر ، فيستصحب ذلك فيه ، ولأنه كله مروع بصورته وبما في النفوس من النفرة عنه ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية .

فشجع على قتلها .

وقال فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا : اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني .

والله أعلم .السادسة : ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام ، لقوله عليه السلام : إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام .

وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها ، قالوا : ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا ، قاله ابن نافع .

وقال مالك : نهى عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد .

وهو الصحيح ; لأن الله عز وجل قال : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الآية .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن وفيه : وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة ، الحديث .

وسيأتي بكماله في سورة " الجن " إن شاء الله تعالى .

وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يحرج عليه وينذر ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .السابعة : روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته ، قال : فوجدته يصلي ، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته ، فسمعت تحريكا في عراجين ناحية البيت ، فالتفت فإذا حية ، فوثبت لأقتلها ، فأشار إلي أن اجلس فجلست ، [ ص: 298 ] فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال : أترى هذا البيت ؟

فقلت : نعم ، فقال : كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس ، قال : فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق ، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله ، فاستأذنه يوما ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة .

فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع ، فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة ، فقالت له : اكفف عليك رمحك ، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش ، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه ، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا ، الحية أم الفتى قال : فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ، وقلنا : ادع الله يحييه لنا ، فقال : استغفروا لأخيكم - ثم قال : - إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان .

وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر - وقال لهم : - اذهبوا فادفنوا صاحبكم .

قال علماؤنا رحمة الله عليهم : لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله هذا الفتى كان مسلما وأن الجن قتلته به قصاصا ; لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض ، وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة ; إذ لم يكن عنده علم من ذلك ، وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا ، فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه .

فالأولى أن يقال : إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا بصاحبهم عدوا وانتقاما .

وقد قتلت سعد بن عبادة رضي الله عنه ، وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده ، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا :قد قتلنا سيد الخز رج سعد بن عباده ورميناه بسهمين فلم نخط فؤادهوإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن بالمدينة جنا قد أسلموا ليبين طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم .

روي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جانا فأريت في المنام أن قائلا يقول لها : لقد قتلت مسلما ، فقالت : لو كان مسلما لم يدخل [ ص: 299 ] على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك .

فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله .

وفي رواية : ما دخل عليك إلا وأنت مستترة ، فتصدقت وأعتقت رقابا .

وقال الربيع بن بدر : الجان من الحيات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي ، وعن علقمة نحوه .الثامنة : في صفة الإنذار ، قال مالك : أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام .

وقاله عيسى بن دينار ، وإن ظهر في اليوم مرارا .

ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام .

وقيل : يكفي ثلاث مرار ، لقوله عليه السلام : فليؤذنه ثلاثا ، وقوله : حرجوا عليه ثلاثا ولأن ثلاثا للعدد المؤنث ، فظهر أن المراد ثلاث مرات .

وقول مالك أولى ، لقوله عليه السلام : ثلاثة أيام .

وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات ، ويحمل " ثلاثا " على إرادة ليالي الأيام الثلاث ، فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ فإنها تغلب فيها التأنيث .

قال مالك : ويكفي في الإنذار أن يقول : أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا .

وذكر ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال : إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا : أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام ، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام ، فإذا رأيتم منهن شيئا بعد فاقتلوه .قلت : وهذا يدل بظاهره أنه يكفي في الإذن مرة واحدة ، والحديث يرده .

والله أعلم .

وقد حكى ابن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول : أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان - عليه السلام - ألا تؤذيننا وألا تظهرن علينا .التاسعة : روى جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني - واسمه جرثوم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يحلون ويظعنون .

وروى أبو الدرداء - واسمه عويمر - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلق الجن ثلاثة أثلاث فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون [ ص: 300 ] بها وآذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله .العاشرة : ما كان من الحيوان أصله الإذاية فإنه يقتل ابتداء ، لأجل إذايته من غير خلاف ، كالحية والعقرب والفأر والوزغ ، وشبهه .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم .

.

.

.

وذكر الحديث .فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين فكيها ، ولو كانت تبرزه ما تركها رضوان تدخل به .

وقال لها إبليس أنت في ذمتي ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال : اقتلوها ولو كنتم في الصلاة يعني الحية والعقرب .والوزغة نفخت على نار إبراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلعنت .

وهذا من نوع ما يروى في الحية .

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من قتل وزغة فكأنما قتل كافرا .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : من قتل وزغة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك وفي راوية أنه قال : في أول ضربة سبعون حسنة .[ ص: 301 ] والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها .

وروى عبد الرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقتل المحرم الحية والعقرب والحدأة والسبع العادي والكلب العقور والفويسقة .

واستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت فتيلة لتحرق البيت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها .

والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نبي الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره وأقبل على جيفة .

هذا كله في معنى الحية ، فلذلك ذكرناه .

وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في التعليل في " المائدة " وغيرها إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى وقلنا اهبطوا حذفت الألف من اهبطوا في اللفظ لأنها ألف وصل .

وحذفت الألف من قلنا في اللفظ لسكونها وسكون الهاء بعدها .

وروى محمد بن مصفى عن أبي حيوة ضم الباء في ( اهبطوا ) ، وهي لغة يقويها أنه غير متعد والأكثر في غير المتعدي أن يأتي على يفعل .

والخطاب لآدم وحواء والحية والشيطان ، في قول ابن عباس .

وقال الحسن : آدم وحواء والوسوسة .

وقال مجاهد والحسن أيضا : بنو آدم وبنو إبليس .

والهبوط : النزول من فوق إلى أسفل ، فأهبط آدم بسرنديب في الهند بجبل يقال له " بوذ " ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فامتلأ ما هناك طيبا ، فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلام .

وكان السحاب يمسح رأسه فأصلع ، فأورث ولده الصلع .

وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا الحديث وأخرجه مسلم وسيأتي .

وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالأبلة ، والحية ببيسان ، وقيل : بسجستان .

وسجستان أكثر بلاد الله حيات ، ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها لأخليت سجستان من أجل الحيات ، ذكره أبو الحسن المسعودي .الثانية : قوله تعالى بعضكم لبعض عدو بعضكم مبتدأ ، عدو خبره والجملة [ ص: 302 ] في موضع نصب على الحال ، والتقدير وهذه حالكم .

وحذفت الواو من " وبعضكم " لأن في الكلام عائدا ، كما يقال : رأيتك السماء تمطر عليك .

والعدو : خلاف الصديق ، وهو من عدا إذا ظلم .

وذئب عدوان : يعدو على الناس .

والعدوان : الظلم الصراح .

وقيل : هو مأخوذ من المجاوزة ، من قولك : لا يعدوك هذا الأمر ، أي لا يتجاوزك .

وعداه إذا جاوزه ، فسمي عدوا لمجاوزة الحد في مكروه صاحبه ، ومنه العدو بالقدم لمجاوزة الشيء ، والمعنيان متقاربان ، فإن من ظلم فقد تجاوز .قلت : وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى : بعضكم لبعض عدو على الإنسان نفسه ، وفيه بعد وإن كان صحيحا معنى .

يدل عليه قوله عليه السلام : إن العبد إذا أصبح تقول جوارحه للسانه اتق الله فينا فإنك إذا استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا .

فإن قيل : كيف قال : ( عدو ) ولم يقل : أعداء ، ففيه جوابان أحدهما : أن بعضا وكلا يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى ، وذلك في القرآن ، قال الله تعالى : وكلهم آتيه يوم القيامة فردا على اللفظ ، وقال تعالى : وكل أتوه داخرين على المعنى .

والجواب الآخر : أن عدوا يفرد في موضع الجمع ، قال الله عز وجل : وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا بمعنى أعداء ، وقال تعالى : يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو .

وقال ابن فارس : العدو اسم جامع للواحد والاثنين والثلاثة والتأنيث ، وقد يجمع .الثالثة : لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له ; لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته وإنما أهبطه إما تأديبا وإما تغليظا للمحنة ، والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال إني جاعل في الأرض خليفة وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة وقد تقدمت الإشارة إليها مع أنه خلق من الأرض ، وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية قلنا اهبطوا وسيأتيالرابعة : قوله تعالى : ولكم في الأرض مستقر ابتداء وخبر ، أي موضع استقرار .

قاله أبو العالية وابن زيد .

وقال السدي : مستقر يعني القبور .[ ص: 303 ] قلت : وقول الله تعالى : جعل لكم الأرض قرارا يحتمل المعنيين .

والله أعلم .الخامسة : قوله تعالى : ومتاع المتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك ، ومنه سميت متعة النكاح لأنها يتمتع بها وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر ابنه أيوب إثر دفنه :وقفت على قبر غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفارقالسادسة : قوله تعالى : إلى حين اختلف المتأولون في الحين على أقوال ، فقالت فرقة : إلى الموت ؛ وهذا قول من يقول : المستقر هو المقام في الدنيا وقيل إلى قيام الساعة ، وهذا قول من يقول : المستقر هو القبور وقال الربيع إلى حين إلى أجل .

والحين الوقت البعيد فحينئذ تبعيد من قولك الآن قال خويلد :كابي الرماد عظيم القدر جفنته حين الشتاء كحوض المنهل اللقفلقف الحوض لقفا ، أي تهور من أسفله واتسع .

وربما أدخلوا عليه التاء قال أبو وجزة :العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان أين المطعموالحين أيضا : المدة ومنه قوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر والحين الساعة قال الله تعالى أو تقول حين ترى العذاب قال ابن عرفة الحين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها وقوله فذرهم في غمرتهم حتى حين أي حتى تفنى آجالهم وقوله تعالى تؤتي أكلها كل حين أي كل سنة ، وقيل : بل كل ستة أشهر ، وقيل : بل غدوة وعشيا ، قال الأزهري الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت ولا ينقطع نفعها البتة قال والحين يوم القيامة والحين الغدوة والعشية قال الله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ويقال عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان إذا أقمت به حينا .

وحان حين كذا أي قرب ، قالت بثينة :وإن سلوي عن جميل لساعة من الدهر ما حانت ولا حان حينها[ ص: 304 ]السابعة : لما اختلف أهل اللسان في الحين اختلف فيه أيضا علماؤنا وغيرهم فقال الفراء الحين حينان حين لا يوقف على حده والحين الذي ذكر الله جل ثناؤه تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ستة أشهر قال ابن العربي الحين المجهول لا يتعلق به حكم والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام ويرتبط به التكليف ، وأكثر المعلوم سنة ، ومالك يرى في الأحكام والأيمان أعم الأسماء والأزمنة والشافعي يرى الأقل وأبو حنيفة توسط فقال ستة أشهر ولا معنى لقوله لأن المقدورات عنده لا تثبت قياسا وليس فيه نص عن صاحب الشريعة وإنما المعول على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغة فمن نذر أن يصلي حينا فيحمل على ركعة عند الشافعي لأنه أقل النافلة قياسا على ركعة الوتر وقال مالك وأصحابه أقل النافلة ركعتان فيقدر الزمان بقدر الفعل وذكر ابن خويز منداد في أحكامه أن من حلف ألا يكلم فلانا حينا أو لا يفعل كذا حينا أن الحين سنة قال واتفقوا في الأحكام أن من حلف ألا يفعل كذا حينا أو لا يكلم فلانا حينا أن الزيادة على سنة لم تدخل في يمينه .قلت : هذا الاتفاق إنما هو في المذهب قال مالك رحمه الله من حلف ألا يفعل شيئا إلى حين أو زمان أو دهر ، فذلك كله سنة .

وقال عنه ابن وهب : إنه شك في الدهر أن يكون سنة وحكى ابن المنذر عن يعقوب وابن الحسن أن الدهر ستة أشهر وعن ابن عباس وأصحاب الرأي وعكرمة وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبيدة في قوله تعالى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها أنه ستة أشهر وقال الأوزاعي وأبو عبيد الحين ستة أشهر وليس عند الشافعي في الحين وقت معلوم ولا للحين غاية قد يكون الحين عنده مدة الدنيا وقال : لا نحنثه أبدا ، والورع أن يقضيه قبل انقضاء يوم وقال أبو ثور وغيره : الحين والزمان على ما تحتمله اللغة يقال : قد جئت من حين ولعله لم يجئ من نصف يوم قال إلكيا الطبري الشافعي وبالجملة الحين له مصارف ولم ير الشافعي تعيين محمل من هذه المحامل لأنه مجمل لم يوضع في اللغة لمعنى معين ، وقال بعض العلماء في قوله تعالى إلى حين فائدة بشارة إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب والله أعلم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلم يزل عدوهما يوسوس لهما ويزين لهما تناول ما نهيا عنه; حتى أزلهما، أي: حملهما على الزلل بتزيينه.

{ وَقَاسَمَهُمَا } بالله { إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } فاغترا به وأطاعاه; فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم والرغد; وأهبطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة.

{ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أي: آدم وذريته; أعداء لإبليس وذريته، ومن المعلوم أن العدو; يجد ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق; وحرمانه الخير بكل طريق، ففي ضمن هذا, تحذير بني آدم من الشيطان كما قال تعالى { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } ثم ذكر منتهى الإهباط إلى الأرض، فقال: { وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } أي: مسكن وقرار، { وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } انقضاء آجالكم, ثم تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها, وخلقت لكم، ففيها أن مدة هذه الحياة, مؤقتة عارضة, ليست مسكنا حقيقيا, وإنما هي معبر يتزود منها لتلك الدار, ولا تعمر للاستقرار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{فأزلهما} استزل.

{الشيطان} آدم وحواء أي دعاهما إلى الزلة.

وقرأ حمزة: فأزالهما، أي نحاهما.

(( الشيطان )) فيعال من شطن، أي: بعد، سمي به لبعده عن الخير وعن الرحمة.

{عنها} عن الجنة.

{فأخرجهما مما كانا فيه} من النعيم، وذلك أن إبليس أراد أن يدخل ليوسوس ( إلى ) آدم وحواء فمنعته الخزنة فأتى الحية وكانت صديقةً لإبليس وكانت من أحسن الدواب، لها أربع قوائم كقوائم البعير، وكانت من خزان الجنة.

فسألهما إبليس أن تدخله فمها فأدخلته ومرت به على الخزانة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة.

وقال الحسن: "إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان منها وقد كان آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من النعيم قال: لو أن خلداً، فاغتنم ذلك منه الشيطان فأتاه من قبل الخلد فلما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما، وهو أول من ناح فقالا له: ما يبكيك؟، قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة.

فوقع ذلك في أنفسهما فاغتما ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد؟

فأبى أن يقبل منه، وقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فاغترا وما ظنا أن أحداً يحلف بالله كاذباً، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها.

وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته فأكل.

قال إبراهيم بن أدهم: "أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلاً".

قال ابن عباس وقتادة: "قال الله عز وجل لآدم: ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟

قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً، قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كداً فأهْبِطا من الجنة وكانا يأكلان فيها رغداً فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث فيها وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء".

قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: "إن آدم لما أكل من الشجرة التي نهي عنها قال الله عز وجل: ما حملك على ما صنعت قال يا رب زينته لي حواء قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً ودميتها في الشهر مرتين، فرنت حواء عند ذلك فقيل: عليك الرنة وعلى بناتك، فلما أكلا (تهافت) عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأخرجا من الجنة.

فذلك قوله تعالى: {وقلنا اهبطوا} أي انزلوه إلى الأرض يعني آدم وحواء وإبليس والحية، فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، وحواء بجدة وإبليس بالآيلة والحية بأصفهان.

{بعضكم لبعض عدو} أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس، قال الله تعالى: {إن الشيطان لكما عدو مبين} [22-الأعراف].

أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسن بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا أحمد محمد الصفار حدثنا منصور الرمادي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال عكرمة: لا أعلمه إلا رفع الحديث، أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال: من تركهن خشية أو مخافة ثائر فليس منا وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث: ما سالمناهن منذ حاربناهن.

[وروي أنه نهى عن ذوات البيوت، وروى أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان "].

قوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر} موضع قرار.

{ومتاع} بلغة ومستمتع.

{إلى حين} إلى انقضاء آجالكم.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأزلَّهما الشيطان» إبليس أذهبهما، وفي قراءة ـ فأزالهما ـ نحَّاهما «عنها» أي الجنة بأن قال لهما: هل أدلُّكما على شجرة الخلد وقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين فأكلا منها «فأخرجهما مما كانا فيه» من النعيم «وقلنا اهبطوا» إلى الأرض أي أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما «بعضكم» بعض الذرية «لبعض عدوُّ» من ظلم بعضكم بعضاً «ولكم في الأرض مستقرُّ» موضع قرار «ومتاع» ما تتمتعون به من نباتها «إلى حين» وقت انقضاء آجالكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأوقعهما الشيطان في الخطيئة: بأنْ وسوس لهما حتى أكلا من الشجرة، فتسبب في إخراجهما من الجنة ونعيمها.

وقال الله لهم: اهبطوا إلى الأرض، يعادي بعضكم بعضًا -أي آدم وحواء والشيطان- ولكم في الأرض استقرار وإقامة، وانتفاع بما فيها إلى وقت انتهاء آجالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين القرآن بعد ذلك ما وقع فيه آدم من خطأ فقال : ( فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ) أي : اذهبهما عن الجنة عليهما ومقاسمته أنه لهما من الناصحين .وأزل من الإِزلال وهو الإِزلاق : زل يزل زلا وزللا ، أي : زلق في طين أو منطق ، والاسم الزلة .

وأزلة غيره واستزله : أي أزلقه .

أطلق وأريد به لازمه وهو الإِذهاب .وقرئ ( فَأَزَلَّهُمَا ) أي : نحاهما من الإِزالة ، تقول أزلت الشيء عن مكانه إزالة : أي : نحيته وأذهيته عنه .ثم استعمل هذا اللفظ في ارتكاب الخطيئة كما استعمل في خطأ الرأي مجازاً .

والضمير في قوله : ( عَنْهَا ) يعود إلى الشجرة ، ومعنى أزلهما عن الشجرة ، أوقعهما في الزلة بسببها .والتعبير بقوله : ( فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ) أبلغ في الدلالة على فخامة الخيرات التي كانا يتقلبان فيها مما لو قيل : فأخرجهما من النعيم أو من الجنة لأن من أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء أن يعبر عنه بلفظ مبهم كما هنا .

لكي تذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إليه .ونسبة إخراجهما من الجنة إلى الشيطان في قوله : ( فَأَخْرَجَهُمَا ) من قبيل نسبة الفعل إلى ما كان سبباً فيه ، وذلك أن أكلهما من الشجرة الذي ترتب عليه إخراجهما من الجنة إنما وقع بسبب وسوسة الشيطان لهما .وقوله - تعالى - ( وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) الخطاب فيه لآدم وحواء ونسلهما .والهبوط : النزول من أعلى إلى أسفل ضد الصعود .

يقال : هبط يهبِط ويهبُط أي : نزل من علو إلى أسفل .والعداوة معناها التناكر والتنافر بالقلوب .أي : قلنا لآدم وحواء والشيطان انزلوا إلى الأرض متنافرين متباغضين ، يبغى بعضكم على بعض .وعداوة الشيطان لآدم نشأت عن حسد وتكبر منذ أن أُمِر بالسجود فأبى وامتنع وقال : أنا خير منه .وعداوة آدم وذريته للشيطان من جهة أنه يكيد لهم بالوسوسة والإِغراء وفي هذه الجملة الكريمة إرشاد لآدم وذريته ، ونهى لهم عن اتباع الخطوات الشيطان ، لأنه عدو لهم ، ومن شأن العدو أنه يسعى لمضرة عدوه .قال - تعالى - ( إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السعير ) ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - : ( وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ ) .المستقر : موضع الاستقرار والثبات ، وهو مقابل القلق والاضطراب ، والمتاع : اسم لما يستمتع به من مأكل ومشرب وملبس وحياة وأنس وغير ذلك ، مأخوذ من متع النهار متوعاً إذا ارتفع ، ويطلق على الانتفاع الممتد الوقت .والحين : الجزء من الزمان غير محدد بحد ، والمراد به هنا وقت الموت أو يوم القيامة .والمعنى : انزلوا إلى الأرض بعضكم لبعض عدو؛ ولكم فيها منزل وموضع استقرار .

وتمتع بالعيش إلى أن يأتيكم الموت .ومن كان على ذكر دائم من أن استقراره في الأرض وتمتعه بنعيمها سينتهي في وقت ، لا يدري متى يدركه ، فشأنه أن ينتفع بخيراتها ويتمتع بطيب العيش فيها ، وهو مقبل على العمل لمرضاة الله ما استطاع ، وشاكر لأنعمه بالقلب واللسان ، لا يشغله عن الشكر شاغل من ملذات هذه الحياة ومظاهر زينتها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال صاحب الكشاف: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا ﴾ تحقيقه، فأصدر الشيطان زلتهما عنها ولفظة (عَنْ) في هذه الآية كهي في قوله تعالى: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى  ﴾ قال القفال رحمه الله: هو من الزلل يكون الإنسان ثابت القدم على الشيء، فيزل عنه ويصير متحولاً عن ذلك الموضع، ومن قرأ ﴿ فأزالهما ﴾ فهو من الزوال عن المكان، وحكي عن أبي معاذ أنه قال: يقال أزلتك عن كذا حتى زلت عنه وأزللتك حتى زللت ومعناهما واحد، أي: حولتك عنه، وقال بعض العلماء: أزلهما الشيطان أي استزلهما، فهو من قولك زل في دينه إذا أخطأ وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه.

واعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام وضبط القول فيه أن يقال: الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة: أحدها: ما يقع في باب الاعتقاد.

وثانيها: ما يقع في باب التبليغ.

وثالثها: ما يقع في باب الأحكام والفتيا.

ورابعها: ما يقع في أفعالهم وسيرتهم.

أما اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة.

وقالت الفضيلية من الخوارج: إنهم قد وقعت منهم الذنوب، والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم.

قالوا بوقوع الكفر منهم، وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية.

أما النوع الثاني: وهو ما يتعلق بالتبليغ، فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف، فيما يتعلق بالتبليغ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً كما لا يجوز أيضاً سهواً، ومن الناس من جوز ذلك سهواً، قالوا: لأن الاحتراز عنه غير ممكن.

وأما النوع الثالث: وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد، وأما على سبيل السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون.

وأما النوع الرابع: وهو الذي يقع في أفعالهم، فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال.

أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد وهو قول الحشوية.

والثاني: قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف وهذا قول أكثر المعتزلة.

القول الثالث: أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة على جهة العمد البتة، بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي.

القول الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم أكثر، وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم.

القول الخامس: أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة ولا الصغيرة لا على سبيل القصد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل والخطأ، وهو مذهب الرافضة، واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من وقت مولدهم وهو قول الرافضة.

وثانيها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة، وهو قول كثير من المعتزلة.

وثالثها: قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة، أما قبل النبوة فجائز، وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة ألبتة لا الكبيرة ولا الصغيرة، ويدل عليه وجوه: أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال والشرف، وكل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ  ﴾ والمحصن يرجم وغيره يحد، وحد العبد نصف حد الحر، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة فذاك بالإجماع.

وثانيها: أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله تعالى: ﴿ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ  ﴾ لكنه مقبول الشهادة، وإلا كان أقل حالاً من عدول الأمة، وكيف لا نقول ذلك وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على الله تعالى بأنه شرع هذا الحكم وذاك، وأيضاً فهو يوم القيامة شاهد على الكل لقوله: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ .

وثالثها: أن بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها، فلم يكن إيذاؤه محرماً لكنه محرم لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والأخرة  ﴾ .

ورابعها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى: ﴿ فاتبعونى  ﴾ فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال، وإذا ثبت ذلك حق محمد صلى الله عليه وسلم ثبت أيضاً في سائر الأنبياء، ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

وخامسها: أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه: لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحاً للذته غير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده.

هذا معلوم القبح بالضرورة.

وسادسها: أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا  ﴾ ولا استحقوا اللعن لقوله: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين  ﴾ وأجمعت الأمة على أن أحداً من الأنبياء لم يكن مستحقاً للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه.

وسابعها: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  ﴾ .

وقال: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ  ﴾ ، فما لا يلق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام.

وثامنها: قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات  ﴾ ، ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ويدخل فيه فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم.

وتاسعها: قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الأخيار  ﴾ ، وهذا يتناول جميع الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء فيقال: فلاناً من المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته، فثبت أنهم كانوا أخياراً في كل الأمور، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم.

وقال: ﴿ الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس  ﴾ ، ﴿ إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إبراهيم وَءالَ عمران عَلَى العالمين  ﴾ .

وقال في إبراهيم: ﴿ وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا  ﴾ .

وقال في موسى: ﴿ إِنْى اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي وبكلامي  ﴾ .

وقال: ﴿ وَٱذْكُرْ عِبَٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَٰرِ  إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ  وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ  ﴾ .

فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالأصطفاء والخيرية، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم.

عاشرها: أنه تعالى حكى عن إبليس قوله: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ ، فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم السلام.

قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿ إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار  ﴾ وقال في يوسف: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين  ﴾ ، وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل لأنه لا قائل بالفرق.

والحادي عشر: قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين  ﴾ ، فأولئك الذين ما اتبعوه وجب أن يقال: إنه ما صدر الذنب عنهم وإلا فقد كانوا متبعين له، وإذا ثبت في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنيباء أو غيرهم، فإن كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب وإن كانوا غير الأنبياء فلو ثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند الله من ذلك الفريق، فيكون غير النبي أفضل من النبي، وذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر عنهم.

الثاني عشر: أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال: ﴿ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشيطان أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشيطان هُمُ الخاسرون  ﴾ وقال في الصنف الآخر، ﴿ أولئك حِزْبُ الله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون  ﴾ ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان، والذي يرتضيه الشيطان هو المعصية، فكل من عصى الله تعالى كان من حزب الشيطان، فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه من حزب الشيطان ولصدق عليه أنه من الخاسرين ولصدق على زهاد الأمة أنهم من حزب الله وأنهم من المفلحين، فحينئذ يكون ذلك الواحد من الأمة أفضل بكثير عند الله من ذلك الرسول، وهذا لا يقوله مسلم.

الثالث عشر: أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لايصدر الذنب من الرسول، وإنما قلنا أنه أفضل لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إبراهيم وَءالَ عمران عَلَى العالمين  ﴾ ، ووجه الاستدلال به قد تقدم في مسألة فضل الملك على البشر وإنما قلنا إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر الذنب عن الرسول لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب فقال: ﴿ لايَسْبِقُونَهُ بالقول  ﴾ .

وقال: ﴿ لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ، فلو صدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل من الملك لقوله تعالى: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار  ﴾ .

الرابع عشر: روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف شهدت لي» فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات أفلا أصدقك في هذا القدر؟

فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه بذي الشهادتين ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.

الخامس عشر: قال في حق إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا  ﴾ والإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به فلو صدر الذنب عنه لوجب عليهم أن يأتموا به في ذلك الذنب وذلك يفضي إلى التناقض.

السادس عشر: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين  ﴾ والمراد بهذا العهد إما عهد النبوة أو عهد الإمامة، فإن كان المراد عهد النبوة وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين، وإن كان المراد عهد الإمامة وجب أن لا نثبت الإمامة للظالمين وإذا لم تثبت الإمامة للظالمين وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين، لأن كل نبي لابد وأن يكون إماماً يؤتم به ويقتدى به.

والآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنباً، أما المخالف فقد تمسك في كل واحد من المواضع الأربعة التي ذكرناها بآيات ونحن نشير إلى معاقدها ونحيل بالاستقصاء على ما سيأتي في هذا التفسير إن شاء الله تعالى: أما الآيات التي تمسكوا بها في باب الاعتقاد فثلاثة، أولها: تمسكوا بالطعن في اعتقاد آدم عليه السلام بقوله: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا  ﴾ إلى آخر الآية.

قالوا: لا شك أن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء، فهذه الكنايات بأسرها عائدة إليهما فقوله: ﴿ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما فتعالى الله عما يشركون  ﴾ يقتضي صدور الشرك عنهما، والجواب لانسلم أن النفس الواحدة هي آدم وليس في الآية ما يدل عليه بل نقول: الخطاب لقريش وهم آل قصي والمعنى خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها فلما آتاهما ما طلب من الولد الصالح سيما أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي، والضمير في يشركون لهما ولأعقابهما فهذا الجواب هو المعتمد.

وثانيها: قالوا إن إبراهيم عليه اللام لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر.

أما الأول فلأنه قال في الكواكب ﴿ هذا ربي  ﴾ وأما الثاني فقوله: ﴿ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ ، والجواب: أما قوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ فهو استفهام على سبيل الإنكار، وأما قوله: ﴿ ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ ، فالمراد أنه ليس الخبر كالمعاينة.

وثالثها: تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الحق مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين  ﴾ ، فدلت الآية على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان في شك مما أوحى إليه والجواب: أن القلب في دار الدنيا لا ينفك عن الأفكار المستعقبة للشبهات إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يزيلها بالدلائل.

أما الآيات التي تمسكوا بها في باب التبليغ فثلاثة: أحدها: قوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ  إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ  وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ فهذا الاستثناء يدل على وقوع النسيان في الوحي، الجواب: ليس النهي عن النسيان الذي هو ضد الذكر، لأن ذاك غير داخل في الوسع بل عن النسيان بمعنى الترك فنحمله على ترك الأولى.

وثانيها: قوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ، والكلام عليه مذكور في سورة الحج على الاستقصاء.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا  إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا  لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًۢا  ﴾ .

قالوا: فلولا الخوف من وقوع التخليط في تبليغ الوحي من جهة الأنبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة، والجواب: لم لا يجوز أن تكون الفائدة أن يدفع ذلك الرصد الشياطين عن إلقاء الوسوسة.

أما الآيات التي تمسكوا بها في الفتيا فثلاثة، أحدها: قوله: ﴿ وَدَاوُودَ وسليمان إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث  ﴾ ، وقد تكلمنا عليه في سورة الأنبياء.

وثانيها: قوله في أسارى بدر حين فاداهم النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض  ﴾ ، فلولا أنه أخطأ في هذه الحكومة وإلا لما عوتب.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ ، والجواب عن الكل: أنا نحمله على ترك الأولى.

أما الآيات التي تمسكوا بها في الأفعال فكثيرة، أولها: قصة آدم عليه السلام، تمسكوا بها من سبعة أوجه، الأول: أنه كان عاصياً والعاصي لابد وأن يكون صاحب الكبيرة، وإنما قلنا إنه كان عاصياً لقوله تعالى: ﴿ وعصى ءادَمُ رَبَّهُ فغوى  ﴾ وإنما قلنا أن العاصي صاحب الكبيرة لوجهين: الأول: أن النص يقتضي كونه معاقباً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ  ﴾ فلا معنى لصاحب الكبيرة إلا ذلك.

الثاني: أن صاحب الكبيرة، الوجه الثاني في التمسك بقصة آدم أنه كان غاوياً لقوله تعالى: ﴿ فغوى ﴾ والغي ضد الرشد، لقوله تعالى: ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي  ﴾ ، فجعل الغي مقابلاً للرشد، الوجه الثالث: أنه تائب والتائب مذنب، وإنما قلنا إنه تائب لقوله تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ وقال: ﴿ ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ وإنما قلنا: التائب مذنب لأن التائب هو النادم على فعل الذنب، والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلاً الذنب، فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب بالكذب، وإن صدق فيه فهو المطلوب.

الوجه الرابع: أنه ارتكب المنهي عنه في قوله: ﴿ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة  ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة  ﴾ ، وارتكاب المنهي عنه عين الذنب.

الوجه الخامس: سماه ظالماً في قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظالمين  ﴾ وهو سمى نفسه ظالماً في قوله: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا  ﴾ والظالم معلون لقوله تعالى: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين  ﴾ ومن استحق اللعن كان صاحب الكبيرة.

الوجه السادس: أنه اعترف بأنه لولا مغفرة الله إياه وإلا لكان خاسراً في قوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين  ﴾ ، وذلك يقتضي كونه صاحب الكبيرة.

وسابعها: أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان، وذلك يدل على كونه صاحب الكبيرة، ثم قالوا: هب أن كل واحد من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعلاً للكبيرة، لكن مجموعها لا شك في كونه قاطعاً في الدلالة عليه، ويجوز أن يكون كل واحد من هذه الوجوه وإن لم يدل على الشيء لكن مجموع تلك الوجوه يكون دالاً على الشيء.

والجواب المعتمد عن الوجوه السبعة عندنا أن نقول: كلامكم إنما يتم لو أتيتم بالدلالة على أن ذلك كان حال النبوة، وذلك ممنوع فلم لا يجوز أن يقال: إن آدم عليه السلام حالما صدرت عنه هذه الزلة ما كان نبياً؛ ثم بعد ذلك صار نبياً ونحن قد بينا أنه لا دليل على هذا المقام.

وأما الاستقصاء في الجواب عن كل واحد من الوجوه المفصلة فسيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات.

ولنذكر هاهنا كيفية تلك الزلة ليظهر مراد الله تعالى من قوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان ﴾ فنقول لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم عليه السلام بعد النبوة فإقدامه على ذلك الفعل إما أن يكون حال كونه ناسياً أو حال كونه ذاكراً، أما الأول: وهو أنه فعله ناسياً فهو قول طائفة من المتكلمين واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  ﴾ ومثلوه بالصائم يشتغل بأمر يستغرقه ويغلب عليه فيصير ساهياً عن الصوم ويأكل في أثناء ذلك السهو لا عن قصد، لا يقال هذا باطل من وجهين: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ  وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ  ﴾ يدل على أنه ما نسي النهي حال الإقدام.

وروى عن ابن عباس ما يدل على أن آدم عليه السلام تعمد لأنه قال لما أكلا منها فبدت لهما سوآتهما خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة، فحبسته فناداه الله تعالى أفراراً مني، فقال: بل حياء منك، فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟

قال: بلى يا رب ولكني وعزتك ما كنت أرى أن أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا كداً.

الثاني: وهو أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل، أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل، فلا يكون مكلفاً به لقوله: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاث، فلما عوتب عليه دل على أن ذلك لم يكن على سبيل النسيان.

لأنا نقول: أما الجواب عن الأول فهو أنا لا نسلم أن آدم وحواء قبلا من إبليس ذلك الكلام ولا صدقاه فيه، لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في هذا التصديق أعظم من أكل الشجرة، لأن إبليس لما قال لهما: ﴿ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ﴾ .

فقد ألقى إليهما سوء الظن بالله ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره والرضا بحكمه وإلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحاً لهما وأن الرب تعالى قد غشهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة، فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد وأيضاً كان آدم عليه السلام عالماً بتمرد إبليس عن السجود وكونه مبغضاً له وحاسداً له على ما آتاه الله من النعم، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه القرائن وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام أو بعده، ويدل على أن آدم كان عالماً بعداوته لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى  ﴾ .

وأما ما روي عن ابن عباس فهو أثر مروي بالآحاد، فكيف يعارض القرآن؟

وأما الجواب عن الثاني: فهو أن العتاب إنما حصل على ترك التحفظ من أسباب النسيان، وهذا الضرب من السهو موضوع عن المسلمين وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به، وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خطرهم ومثلوه بقوله تعالى: ﴿ يانساء النبى لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء  ﴾ ، ثم قال: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ  ﴾ .

وقال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» وقال أيضاً: «إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم» فإن قيل كيف يجوز أن يؤثر عظم حالهم وعلو منزلتهم في حصول شرط في تكليفهم دون تكليف غيرهم؟

قلنا أما سمعت: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم من التشديدات في التكليف ما لم يكن على غيره.

فهذا في تقرير أنه صدر ذلك عن آدم عليه السلام على جهة السهو والنسيان.

ورأيت في بعض التفاسير أن حواء سقته الخمر حتى سكر ثم في أثناء السكر فعل ذلك.

قالوا: وهذا ليس ببعيد لأنه عليه السلام كان مأذوناً له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة، فإذا حملنا الشجرة على البر، كان مأذوناً في تناول الخمر، ولقائل أن يقول: إن خمر الجنة لا يسكر، لقوله تعالى في صفة خمر الجنة: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ  ﴾ .

أما القول الثاني: وهو أنه عليه السلام فعله عامداً فهاهنا أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم، وقد تقدم الكلام في هذا القول وعلته.

الثاني: أنه كان ذلك عمداً من آدم عليه السلام وكان ذلك كبيرة مع أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت نبياً، وقد عرفت فساد هذا القول.

الثالث: أنه عليه السلام فعله عمداً، لكن كان معه من الوجل والفزع والإشفاق ما صير ذلك في حكم الصغيرة، وهذا القول أيضاً باطل بالدلائل المتقدمة لأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً وإن فعله مع الخوف إلا أنه يكون مع ذلك عاصياً مستحقاً للعن والذم والخلود في النار، ولا يصح وصف الأنبياء عليهم السلام بذلك، ولأنه تعالى وصفه بالنسيان في قوله: ﴿ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  ﴾ ، وذلك ينافي العمدية.

القول الرابع: وهو اختيار أكثر المعتزلة: أنه عليه السلام أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد الخطأ أنه لما قيل له: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة ﴾ فلفظ ﴿ هذه ﴾ قد يشار به إلى الشخص، وقد يشار به إلى النوع، وروي أنه عليه السلام أخذ حريراً وذهباً بيده وقال: «هذان حل لإناث أمتي حرام على ذكورهم»، وأراد به نوعهما، وروي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، وأراد نوعه، فلما سمع آدم عليه السلام قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة  ﴾ [الأعراف: 19] ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع، إلا أنه كان مخطئاً في ذلك الاجتهاد لأن مراد الله تعالى من كلمة ﴿ هذه ﴾ كان النوع لا الشخص والاجتهاد في الفروع، إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب واللعن لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا، فإن قيل: الكلام على هذا القول من وجوه: أحدها: أن كلمة ﴿ هذا ﴾ في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء الحاضر.

والشيء الحاضر لا يكون إلا شيئاً معيناً، فكلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء المعين فأما أن يراد بها الإشارة إلى النوع، فذاك على خلاف الأصل، وأيضاً فلأنه تعالى لا تجوز الإشارة عليه فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا محالة، إذا ثبت هذا فنقول: المجتهد مكلف بحمل اللفظ على حقيقته، فآدم عليه السلام لما حمل لفظ ﴿ هذا ﴾ على المعين كان قد فعل الواجب ولا يجوز له حمله على النوع، واعلم أن هذا الكلام متأيد بأمرين آخرين.

أحدهما: أن قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا  ﴾ أفاد الإذن في تناول كل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل.

والثاني: أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل، والدليل المخصص لم يدل إلا على ذلك المعين، فثبت أن آدم عليه السلام كان مأذوناً له في الانتفاع بسائر الأشجار، وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحق بسبب هذا عتاباً وأن يحكم عليه بكونه مخطئاً فثبت أن حمل القصة على هذا الوجه، يوجب أن يحكم عليه بأنه كان مصيباً لا مخطئاً، وإذا كان كذلك ثبت فساد هذا التأويل.

الوجه الثاني: في الاعتراض على هذا التأويل.

هب أن لفظ ﴿ هذا ﴾ متردد بين الشخص والنوع، ولكن هل قرن الله تعالى بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو ما فعل ذلك؟

فإن كان الأول فأما أن يقال إن آدم عليه السلام قصر في معرفة ذلك البيان، فحينئذ يكون قد أتى بالذنب، وإن لم يقصر في معرفته بل عرفه فقد عرف حينئذ أن المراد هو النوع، فإقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع يكون إقداماً على الذنب قصداً.

الوجه الثالث: أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظن، وذلك إنما يجوز في حق من لا يتمكن من تحصيل العلم، أما الأنبياء فإنهم قادرون على تحصيل اليقين، فوجب أن لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلاً وشرعاً، وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإقدام على الاجتهاد معصية.

الوجه الرابع: هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو الظنية، فإن كانت من القطعيات كان الخطأ فيها كبيراً وحينئذ يعود الإشكال، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق الخطأ فيها أصلاً، وإن قلنا المصيب فيها واحد والمخطئ فيها معذور بالاتفاق فكيف صار هذا القدر من الخطأ سبباً لأن نزع عن آدم عليه السلام لباسه وأخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض؟

والجواب عن الأول: أن لفظ هذا وإن كان في الأصل للإشارة إلى الشخص لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه، وأنه سبحانه وتعالى كان قد قرن به ما دل على أن المراد هو النوع.

والجواب عن الثاني: هو أن آدم عليه السلام لعله قصر في معرفة ذلك الدليل لأنه ظن أنه لا يلزمه ذلك في الحال، أو يقال: إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله تعالى عن عين الشجرة، فلما طالت المدة غفل عنه لأن في الخبر أن آدم عليه السلام بقي في الجنة الدهر الطويل ثم أخرج.

والجواب عن الثالث: أنه لا حاجة هاهنا إلى إثبات أن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بالاجتهاد، فإنا بينا أنه عليه السلام قصر في معرفة تلك الدلالة أو أنه كان قد عرفها لكنه قد نسيها، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  ﴾ والجواب عن الرابع: يمكن أن يقال: كانت الدلالة قطعية إلا أنه عليه السلام لما نسيها صار النسيان عذراً في أن لا يصير الذنب كبيراً أو يقال: كانت ظنية إلا أنه ترتب عليه من التشديدات ما لم يترتب على خطأ سائر المجتهدين لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف الأشخاص، وكما أن الرسول عليه الصلاة والسلام مخصوص بأمور كثيرة في باب التشديدات والتخفيفات بما لا يثبت في حق الأمة، فكذا هاهنا.

واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة ﴾ ونهاهما معاً فظن آدم عليه السلام أنه يجوز لكل واحد منهما وحده أن يقرب من الشجرة وأن يتناول منها، لأن قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا ﴾ نهي لهما على الجمع ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الإنفراد، فلعل الخطأ في هذا الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه، فهذا جملة ما يقال في هذا الباب والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم عليه السلام مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم كان في الجنة، وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قول القصاص وهو الذي رووه عن وهب بن منبه اليماني والسدي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية، وهي كأحسن الدواب بعدما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها فابتلعته الحية وأدخلته الجنة خفية من الخزنة، فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فمها واشتغل بالوسوسة.

فلا جرم لعنت الحية وسقطت قوائمها وصارت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدواً لبني آدم، واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة، ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة.

وثانيها: أن إبليس دخل الجنة في صورة دابة، وهذا القول أقل فساداً من الأول.

وثالثها: قال بعض أهل الأصول: إن آدم وحواء عليهما السلام لعلهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان بقرب الباب ويوسوس إليهما.

ورابعها: وهو قول الحسن: أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة.

قال بعضهم: هذا بعيد لأن الوسوسة كلام خفي والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء، واختلفوا من وجه آخر وهو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه.

حجة القول الأول: قوله تعالى: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين  ﴾ ، وذلك يقتضي المشافهة، وكذا قوله: ﴿ فدلاهما بِغُرُورٍ  ﴾ .

وحجة القول الثاني: أن آدم وحواء عليهما السلام كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده من الحسد والعداوة، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه، فلابد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس.

بقي هاهنا سؤالان، السؤال الأول: أن الله تعالى قد أضاف هذا الإزلال إلى إبليس فلم عاتبهما على ذلك الفعل؟

قلنا معنى قوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل فأضيف ذلك إلى إبليس كما في قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً  ﴾ .

فقال تعالى حاكياً عن إبليس: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى  ﴾ ، هذا ما قاله المعتزلة.

والتحقيق في هذه الإضافة ما قررناه مراراً أن الإنسان قادر على الفعل والترك ومع التساوي يستحيل أن يصير مصدراً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الداعي إليه، والداعي عبارة في حق العبد عن علم أو ظن أو اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحة، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلاً بالفعل، فلهذا المعنى انضاف الفعل هاهنا إلى الوسوسة، وما أحسن ما قال بعض العارفين إن زلة آدم عليه السلام هب أنها كانت بسبب وسوسة إبليس، فمعصية إبليس حصلت بوسوسة من!

وهذا ينبهك على أنه ما لم يحصل الداعي لا يحصل الفعل وأن الدواعي وإن ترتب بعضها على بعض، فلابد من انتهائها إلى ما يخلقه الله تعالى ابتداء، وهو الذي صرح به موسى عليه السلام في قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء  ﴾ .

السؤال الثاني: كيف كانت تلك الوسوسة، الجواب: أنها هي التي حكى الله تعالى عنها في قوله: ﴿ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين  ﴾ ، فلم يقبلا ذلك منه، فلما أيس من ذلك عدل إلى اليمين على ما قال: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين  ﴾ ، فلم يصدقاه أيضاً، والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيه فحصل بسبب استغراقهما فيه نسيان النهي فعند ذلك حصل ما حصل، والله أعلم بحقائق الأمور كيف كانت.

أما قوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا اهبطوا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: من قال إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى السفل، ومن قال إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من موضع إلى غيره، كقوله: ﴿ اهبطوا مِصْرًا  ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب بعد الاتفاق على أن آدم وحواء عليهما السلام كانا مخاطبين به وذكروا فيه وجوهاً: الأول: وهو قول الأكثرين: أن إبليس داخل فيه أيضاً قالوا لأن إبليس قد جرى ذكره في قوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا ﴾ أي فأزلهما وقلنا لهم اهبطوا.

وأما قوله تعالى: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ فهذا تعريف لأدم وحواء عليهما السلام أن إبليس عدو لهما ولذريتهما كما عرفهما ذلك قبل الأكل من الشجرة فقال: ﴿ فَقُلْنَا يائادم إن هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى  ﴾ ، فإن قيل: إن إبليس لما أبى من السجود صار كافراً وأخرج من الجنة وقيل له: ﴿ فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا  ﴾ ، وقال أيضاً: ﴿ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ  ﴾ ، وإنما اهبط منها لأجل تكبره، فزلة آدم عليه السلام إنما وقعت بعد ذلك بمدة طويلة، ثم أمر بالهبوط بسبب الزلة، فلما حصل هبوط إبليس قبل ذلك كيف يكون قوله: ﴿ اهبطوا ﴾ ، متناولاً له؟

قلنا: إن الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض فلعله عاد إلى السماء مرة أخرى لأجل أن يوسوس إلى آدم وحواء فحين كان آدم وحواء في الجنة قال الله تعالى لهما: ﴿ اهبطا  ﴾ فلما خرجا من الجنة واجتمع إبليس معهما خارج الجنة أمر الكل فقال: ﴿ اهبطوا ﴾ ومن الناس من قال ليس معنى قوله: ﴿ اهبطوا ﴾ أنه قال ذلك لهم دفعة واحدة، بل قال ذلك لكل واحد منهم على حدة في وقت.

الوجه الثاني: أن المراد آدم وحواء والحية وهذا ضعيف لأنه ثبت بالإجماع أن المكلفين هم الملائكة والجن والإنس، ولقائل أن يمنع هذا الإجماع فإن من الناس من يقول قد يحصل في غيرهم جمع من المكلفين على ما قال تعالى: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  ﴾ ، وقال سليمان للهدهد: ﴿ لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً  ﴾ .

الثالث: المراد آدم وحواء وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم، والدليل عليه قوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ  فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ  قُلْنَا ٱهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ ، ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ  ﴾ .

وهذا حكم يعم الناس كلهم ومعنى: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض، واعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب؟

أما من زعم أن أقل الجمع اثنان فالسؤال زائل على قوله.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن قوله: ﴿ اهبطوا ﴾ أمر أو إباحة، والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف، وإذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب، فكيف يكون عقاباً مع ما فيه من النفع العظيم؟

فإن قيل: ألستم تقولون في الحدود وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف، قلنا: أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير، فيجوز أن تكون عقاباً إذا كان الرجل مصراً، وأما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم.

فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا.

المسألة الرابعة: أن قوله تعالى: ﴿ اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ، أمر بالهبوط وليس أمراً بالعداوة، لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية، وشيء من ذلك لا يجوز أن يكون مأموراً به، فأما عداوة آدم لإبليس فإنها مأمور بها لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ يابنى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة  ﴾ إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو.

المسألة الخامسة: المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى: ﴿ إلى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر  ﴾ ، وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى: ﴿ أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ  ﴾ إذا عرفت هذا فنقول: الأكثرون حملوا قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ ﴾ [الأعراف: 24]، على المكان، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت، وروى السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المستقر هو القبر، أي قبوركم تكونون فيها.

والأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع وذلك لا يليق إلا بحال الحياة، ولأنه تعالى خاطبهم بذلك عند الإهباط وذلك يقتضي حال الحياة، واعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة: ﴿ قَالَ ٱهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ  قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ  ﴾ ، فيجوز أن يكون قوله: ﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ ﴾ ، إلى آخر الكلام بياناً لقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي الارض مُسْتَقَرٌّ ومتاع إلى حِينٍ ﴾ ، ويجوز أن يكون زيادة على الأول.

المسألة السادسة: اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان والأولى أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه: ما رأيتك منذ حين إذا بعدت مشاهدته له ولا يقال ذلك مع قرب المشاهدة، فلما كانت أعمار الناس طويلة وآجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول: ﴿ ومتاع إلى حِينٍ ﴾ .

المسألة السابعة: اعلم أن في هذه الآيات تحذيراً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه: أحدها: أن من تصور ما جرى على آدم عليه السلام بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة، كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر: يا ناظراً يرنو بعيني راقد *** ومشاهداً للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى *** درك الجنان ونيل فوز العابد أنسيت أن الله أخرج آدما *** منها إلى الدنيا بذنب واحد وعن فتح الموصلي أنه قال: كنا قوماً من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.

وثانيها: التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿ أبى واستكبر  ﴾ ، قال حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ناري وهذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم حتى حمله على ارتكاب المنهي عنه ثم ألقى الحسد في قلب قابيل حتى قتل هابيل.

وثالثها: أنه سبحانه وتعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

السجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له؟

ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه.

وقرأ أبو جعفر: ﴿ للملائكةُ اسجدوا ﴾ بضم التاء للاتباع.

ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الاتباع إلا في لغة ضعيفة، كقولهم: ﴿ الحمد لله ﴾ .

﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل، لأنه كان جنّيّاً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم، فغلبوا عليه في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم.

ويجوز أن يجعل منقطعاً ﴿ أبى ﴾ امتنع مما أمر به ﴿ واستكبر ﴾ عنه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فلذلك أبى واستكبر كقوله: ﴿ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ [الكهف: 50] .

السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.

و ﴿ أَنتَ ﴾ تأكيد للمستكن في ﴿ اسكن ﴾ ليصح العطف عليه.

و ﴿ رَغَدًا ﴾ وصف للمصدر، أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً.

و ﴿ حَيْثُ ﴾ للمكان المبهم، أي: أيّ مكان من الجنة ﴿ شِئْتُمَا ﴾ أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة، حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة بين أشجارها الفائتة للحصر، وكانت الشجرة فيما قيل: (الحنطة) أو (الكرمة) أو (التينة)، وقرئ: ﴿ ولا تِقربا ﴾ بكسر التاء.

﴿ وهذي ﴾ ، ﴿ والشِّجرة ﴾ ، بكسر الشين.

﴿ والشيرة ﴾ بكسر الشين والياء.

وعن أبي عمرو أنه كرهها، وقال يقرأ بها برابرة مكة وسودانها.

﴿ مِنَ الظالمين ﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله ﴿ فَتَكُونَا ﴾ جزم عطف على ﴿ تَقْرَبَا ﴾ أو نصب جواب للنهى.

الضمير في ﴿ عَنْهَا ﴾ للشجرة.

أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها.

وتحقيقه: فأصدر الشيطان زلتهما عنها.

و(عن) هذه، مثلها في قوله تعالى: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ﴾ [الكهف: 82] .

وقوله: يَنْهَوْنَ عَنْ أَكْلٍ وعَنْ شُرْبِ وقيل: فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما، كما تقول: زلّ عن مرتبته.

وزل عنى ذاك: إذا ذهب عنك وزل من الشهر كذا.

وقرئ: ﴿ فأزالهما ﴾ ﴿ مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ من النعيم والكرامة.

أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في (عنها).

وقرأ عبد الله: ﴿ فوسوس لهما الشيطان عنها ﴾ ، وهذا دليل على أن الضمير للشجرة، لأن المعنى صدرت وسوسته عنها، فإن قلت: كيف توصل إلى إزلالهما ووسوسته لهما بعدما قيل له: ﴿ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ [ص: 77] .

قلت: يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء.

وقيل: كان يدنو من السماء فيكلمهما.

وقيل: قام عند الباب فنادى.

وروى أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة، فدخل في فم الحية حتى دخلت به وهم لا يشعرون.

قيل: ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وإبليس: وقيل: والحية.

والصحيح أنه لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم.

والدليل عليه قوله: ﴿ قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [طه: 123] ويدل على ذلك قوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ، ﴿ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .

وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.

ومعنى بعضكم لبعض ﴿ لِبَعْضٍ ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض.

والهبوط: النزول إلى الأرض.

﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار أو استقرار ﴿ ومتاع ﴾ وتمتع بالعيش ﴿ إلى حِينٍ ﴾ يريد إلى يوم القيامة.

وقيل: إلى الموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها ﴾ أصْدَرَ زَلَّتَهُما عَنِ الشَّجَرَةِ وحَمَلَهُما عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها، ونَظِيرُ « عَنْ» هَذِهِ في قَوْلِهِ تَعالى وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي.

أوْ أزَلَّهُما عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْنى أذْهَبَهُما، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ « فَأزالَهُما» وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى، غَيْرَ أنَّ أزَلَّ يَقْتَضِي عَثْرَةً مَعَ الزَّوالِ، وإزْلالَهُ قَوْلُهُ: ﴿ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ ﴾ ومُقاسَمَتُهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ ﴾ .

واخْتُلِفَ في أنَّهُ تَمَثَّلَ لَهُما فَقاوَلَهُما بِذَلِكَ، أوْ ألْقاهُ إلَيْهِما عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ، وأنَّهُ كَيْفَ تَوَصَّلَ إلى إزْلالِهِما بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ: ﴿ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .

(فَقِيلَ: إنَّهُ مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى جِهَةِ التَّكْرِمَةِ كَما كانَ يَدْخُلُ مَعَ المَلائِكَةِ، ولَمْ يُمْنَعْ أنْ يَدْخُلَ لِلْوَسْوَسَةِ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ.

وَقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ فَناداهُما.

وقِيلَ: تَمَثَّلَ بِصُورَةِ دابَّةٍ فَدَخَلَ ولَمْ تَعْرِفْهُ الخَزَنَةُ.

وقِيلَ: دَخَلَ في فَمِ الحَيَّةِ حَتّى دَخَلَتْ بِهِ.

وقِيلَ: أرْسَلَ بَعْضَ أتْباعِهِ فَأزَلَّهُما، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ ﴾ أيْ مِنَ الكَرامَةِ والنَّعِيمِ.

﴿ وَقُلْنا اهْبِطُوا ﴾ خِطابٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَوّاءَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا ﴾ .

وجَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُما أصْلا الجِنْسِ فَكَأنَّهُما الإنْسُ كُلُّهم.

أوْ هُما وإبْلِيسُ أُخْرِجَ مِنها ثانِيًا بَعْدَ ما كانَ يَدْخُلُها لِلْوَسْوَسَةِ، أوْ دَخَلَها مُسارَقَةً أوْ مِنَ السَّماءِ.

﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ حالٌ اسْتُغْنِيَ فِيها عَنِ الواوِ بِالضَّمِيرِ، والمَعْنى مُتَعادِينَ يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِتَضْلِيلِهِ.

﴿ وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ، أوِ اسْتِقْرارٌ.

﴿ وَمَتاعٌ ﴾ تَمَتُّعٌ.

﴿ إلى حِينٍ ﴾ يُرِيدُ بِهِ وقْتَ المَوْتِ أوِ القِيامَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا} أي عن الشجرة أي فحملها الشيطان على الزلة بسببها وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها أو فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما فأزالهما حمزة وزلة آدم بالخطأ في التأويل إما بحمل النهي على التنزيه دون التحريم أو بحمل اللام على تعريف العهد وكأن الله تعالى أراد الجنس والأول الوجه وهذا دليل على أنه يجوز إطلاق اسم الزلة على الأنبياء عليهم السلام كما قال مشايخ بخارى فإنه اسم الفعل يقع على خلاف الأمر من غير قصد إلى الخلاف كزلة الماشي في الطين وقال مشايخ سمرقند لا يطلق اسم الزلة على أفعالهم كما لا تطلق المعصية وإنما يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعوتبوا

البقرة (٣٦ _ ٣٨)

عليه {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من النعيم والكرامة أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في عنها وقد توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له أخرج منها فإنك رجيم لأنه منع عن

دخولها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء وروي أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية حتى دخلت به وقيل قام عند الباب فنادى {وَقُلْنَا اهبطوا} الهبوط النزول إلى الأرض والخطاب لآدم وحواء وإبليس وقيل والحية والصحيح لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما لانهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم حعلا كأنهما الإنس كلهم ويدل عليه قوله تعالى قال اهبطا منها جميعا {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} المراد به ما عليه الناس من التباغي والتعادي وتضليل بعضهم لبعض والجملة في موضع الحال من الواو في اهبطوا أي اهبطوا متعادين {وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ} موضع استقرار أو استقرار {ومتاع} وتمتع بالعيش {إلى حِينٍ} إلى يوم القيامة أو إلى الموت قل إبراهيهم بن أدهم أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها ﴾ أيْ حَمَلَهُما عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها، وتَحْقِيقُهُ أصْدَرَ زَلَّتَهُما عَنْها، وعَنْ هَذِهِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ ﴾ والضَّمِيرُ عَلى هَذا لِلشَّجَرَةِ، وقِيلَ: أزَلَّهُما أيْ أذْهَبَهُما، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ (فَأزالَهُما)، وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى، غَيْرَ أنَّ أزَلَّ يَقْتَضِي عَثْرَةً مَعَ الزَّوالِ، والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لِلْجَنَّةِ، وعَوْدُهُ إلى الشَّجَرَةِ بِتَجَوُّزٍ، أوْ تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مَحَلِّها، أوْ إلى الطّاعَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ بَعِيدٌ، وإزْلالُهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ إيّاهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانَ بِكَذِبِهِ عَلَيْهِما، ومُقاسَمَتِهِ عَلى ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، وفي كَيْفِيَّةِ تَوَسُّلِهِ إلى ذَلِكَ أقْوالٌ، فَقِيلَ: دَخَلَ الجَنَّةَ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ، فَناداهُما، وأفْسَدَ حالَهُما، وقِيلَ: تَمَثَّلَ بِصُورَةِ دابَّةٍ، فَدَخَلَ، ولَمْ يَعْرِفْهُ الخَزَنَةُ، وقِيلَ: أرْسَلَ بَعْضَ أتْباعِهِ إلَيْهِما، وقِيلَ: بَيْنَما هُما يَتَفَرَّجانِ في الجَنَّةِ، إذْ راعَهُما طاوُسٌ تَجَلّى لَهُما عَلى سُورِ الجَنَّةِ، فَدَنَتْ حَوّاءُ مِنهُ، وتَبِعَها آدَمُ، فَوَسْوَسَ لَهُما مِن وراءِ الجِدارِ، وقِيلَ: تَوَسَّلَ بِحَيَّةٍ تَسَوَّرَتِ الجَنَّةَ، ومَشْهُورٌ حِكايَةُ الحَيَّةِ، وهَذانِ الأخِيرانِ يُشِيرُ أوَّلُهُما عِنْدَ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ إلى تَوَسُّلِهِ مِن قِبَلِ الشَّهْوَةِ خارِجَ الجَنَّةِ، وثانِيهُما إلى تَوَسُّلِهِ بِالغَضَبِ، وتَسَوُّرُ جِدارِ الجَنَّةِ عِنْدَهم إشارَةٌ إلى أنَّ الغَضَبَ أقْرَبُ إلى الأُفُقِ الرُّوحانِيِّ، والحَيِّزِ القَلْبِيِّ مِنَ الشَّهْوَةِ، وقِيلَ: تَوَسُّلُهُ إلى ما تَوَسَّلَ إلَيْهِ إذْ ذاكَ مِثْلُ تَوَسُّلِهِ اليَوْمَ إلى إذْلالِ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى وإضْلالِهِ، ولا نَعْرِفُ مِن ذَلِكَ إلّا الهَواجِسَ، والخَواطِرَ الَّتِي تُفْضِي إلى ما تُفْضِي، ولا جَزْمَ عِنْدَ كَثِيرٍ في دُخُولِ الشَّيْطانِ في القَلْبِ، بَلْ لا يَعْقِلُونَهُ، ولِهَذا قالُوا: خَبَرُ (إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِن بَنِي آدَمَ مَجْرى الدَّمِ)، مَحْمُولٌ عَلى الكِنايَةِ عَنْ مَزِيدِ سُلْطانِهِ عَلَيْهِمْ، وانْقِيادِهِمْ لَهُ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ هَذا القَوْلَ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ: لَيْسَ لَنا البَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، ولا نَقْطَعُ القَوْلَ بِلا دَلِيلٍ، وهَذا مِنَ الإنْصافِ بِمَكانٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ عَنْها)، والضَّمِيرُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلشَّجَرَةِ لا غَيْرُ، وعَوْدُهُ إلى الجَنَّةِ بِتَضْمِينِ الإذْهابِ ونَحْوِهِ بَعِيدٌ، ﴿ فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ ﴾ أيْ مِنَ النَّعِيمِ، والكَرامَةِ، أوْ مِنَ الجَنَّةِ، والأوَّلُ جارٍ عَلى تَقْدِيرِ رُجُوعِ ضَمِيرِ (عَنْها) إلى الشَّجَرَةِ أوِ الجَنَّةِ، والثّانِي مَخْصُوصٌ بِالتَّقْدِيرِ الأوَّلِ، لِئَلّا يَسْقُطَ الكَلامُ، وقِيلَ: أخْرَجَهُما مِن لِباسِهِما الَّذِي كانا فِيهِ، لِأنَّهُما لَمّا أكَلا تَهافَتْ عَنْهُما، وفي الكَلامِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، ﴿ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ الهُبُوطُ النُّزُولُ، وعَيْنُ المُضارِعِ تُكْسَرُ وتُضَمُّ، وقالَ المُفَضَّلُ: هو الخُرُوجُ مِنَ البَلَدِ، والدُّخُولُ فِيها، مِنَ الأضْدادِ، ويُقالُ في انْحِطاطِ المَنزِلَةِ، والبَعْضُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى القَطْعِ، ويُطْلَقُ عَلى الجُزْءِ، وهو كَكُلٍّ مُلازِمٌ لِلْإضافَةِ لَفْظًا أوْ نِيَّةً، ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِ اللّامُ، ويَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا ومَجْمُوعًا إذا أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، والعَدُوُّ مِنَ العَداوَةِ مُجاوَزَةِ الحَدِّ أوِ التَّباعُدِ أوِ الظُّلْمِ، ويُطْلَقُ عَلى الواحِدِ المُذَكَّرِ، ومَن عَداهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وقَدْ يُقالُ: أعْداءٌ وعَدَوَةٌ، والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا ﴾ والقِصَّةُ واحِدَةٌ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِتَنْزِيلِهِما مَنزِلَةَ البَشَرِ كُلِّهِمْ، ولَمّا كانَ في الأمْرِ بِالهُبُوطِ انْحِطاطُ رُتْبَةِ المَأْمُورِ لَمْ يَفْتَتِحْهُ بِالنِّداءِ كَما افْتَتَحَ الأمْرَ بِالسُّكْنى، واخْتارَ الفَرّاءُ أنَّ المُخاطَبَ هُما وذُرِّيَّتُهُما، وفِيهِ خِطابُ المَعْدُومِ، والمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٍ وكَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ هُما وإبْلِيسُ، واعْتُرِضَ بِخُرُوجِهِ قَبْلَهُما، وأُجِيبَ بِأنَّ الإخْبارَ عَمّا قالَ لَهم مُفَرَّقًا عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ المَعِيَّةِ، وقِيلَ: هم والحَيَّةُ، واعْتُرِضَ بِعَدَمِ تَكْلِيفِها، وأُجِيبَ بِأنَّ الأمْرَ تَكْوِينِيٌّ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ، والحُكْمُ بِاعْتِبارِ الذُّرِّيَّةِ، وإذا دَخَلَ إبْلِيسُ والحَيَّةُ كانَ الأمْرُ أظْهَرَ، ولا يَرِدُ أنَّهُ كَيْفَ يُقَيَّدُ الأمْرُ بِالتَّعادِي، وهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، لِأنّا نَقُولُ بِصَرْفِ تَوَجِّهِ النَّظَرِ عَنِ القَيْدِ، كَوْنَ العَداوَةِ طَبِيعِيَّةً، والأُمُورُ الطَّبِيعِيَّةُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِها، وإنْ كُلِّفَ فَبِالنَّظَرِ إلى أسْبابِها، وإذا جُعِلَ الأمْرُ تَكْوِينِيًّا زالَ الإشْكالُ، إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، وبَعْضُهم يَجْعَلُ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ فِرارًا عَنْ هَذا السُّؤالِ مَعَ ما في الِاكْتِفاءِ بِالضَّمِيرِ دُونَ الواوِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الحالِيَّةِ مِنَ المَقالِ، حَتّى ذَهَبَ الفَرّاءُ إلى شُذُوذِهِ، وإنْ كانَ التَّحْقِيقُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ مِن سَبَبِ ذِي الحالِ، أوْ أجْنَبِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مِن سَبَبِهِ لَزِمَها العائِدُ، والواوُ، كَجاءَ زَيْدٌ وأبُوهُ مُنْطَلِقٌ، إلّا ما شَذَّ مِن نَحْوِ: كَلَّمْتُهُ فُوهُ إلى فِي، وإنْ أجْنَبِيَّةً لَزِمَتْها الواوُ نائِبَةً عَنِ العائِدِ، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُما، كَقَدِمَ بِشْرٌ وعَمْرٌو قادِمٌ إلَيْهِ، وقَدْ جاءَتْ بِلا، ولا، كَقَوْلِهِ: ثُمَّ انْتَصَبْنا جِبالَ الصَّغْدِ مُعْرِضَةً عَنِ اليَسارِ وعَنْ أيْمانِنا جُدَدُ وقَدْ تَكُونُ صِفَةَ ذِي الحالِ، كَـ ﴿ تَوَلَّيْتُمْ إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ وهَذِهِ يَجُوزُ فِيها الوَجْهانِ بِاطِّرادٍ، وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، فَتَدَبَّرْ.

وإفْرادُ العَدُوِّ، إمّا لِلنَّظَرِ إلى لَفْظِ البَعْضِ، وإمّا لِأنَّ وِزانَهُ وِزانُ المَصْدَرِ كالقَبُولِ، وبِهِ تَعَلَّقَ ما قَبْلَهُ، واللّامُ كَما في البَحْرِ مُقَوِّيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (اهْبُطُوا) بِضَمِّ الباءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وبِهَذا الأمْرِ نُسِخَ الأمْرُ والنَّهْيُ السّابِقانِ، ﴿ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ أرادَ بِالأرْضِ مَحَلَّ الإهْباطِ، ولَيْسَ المُرادُ شَخْصَهُ الَّذِي هو لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْضِعٌ بِجَبَلِ سَرَنْدِيبَ، ولِحَوّاءَ مَوْضِعٌ بِجُدَّةَ، ولِإبْلِيسَ مَوْضِعٌ بِالإبُلَّةَ، ولِصاحِبَتِهِ مَوْضِعٌ بِنُصَيْبِينَ، أوْ أصْبَهانَ، أوْ سِجِسْتانَ، والمُسْتَقَرُّ اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، ويُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ كَوْنُهُ اسْمَ مَفْعُولٍ بِمَعْنى ما اسْتَقَرَّ مُلْكُكم عَلَيْهِ، وتَصَرُّفُكم فِيهِ، وأبْعَدُ مِنهُ احْتِمالُ كَوْنِهِ اسْمَ زَمانٍ وهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لَكُمْ)، وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ، والمَتاعُ البُلْغَةُ مَأْخُوذٌ مِن مَتَعَ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ، ويُطْلَقُ عَلى الِانْتِفاعِ المُمْتَدِّ وقْتُهُ، ولا يَخْتَصُّ بِالحَقِيرِ، والحِينُ مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، والمُرادُ هُنا إلى وقْتِ المَوْتِ، وهو القِيامَةُ الصُّغْرى، وقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ الكُبْرى، وعَلَيْهِ تُجْعَلُ السُّكْنى في القَبْرِ تَمَتُّعًا في الأرْضِ، أوْ يُجْعَلُ الخِطابُ شامِلًا لِإبْلِيسَ، ويُرادُ الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَتاعٍ، قِيلَ: أوْ بِهِ، وبِمُسْتَقَرٍّ، عَلى التَّنازُعِ، أوْ بِمِقْدارِ صِفَةٍ لِمَتاعٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها، اسْتِئْنافًا وحالِيَّةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها، قرأ حمزة (فأزالهما) بالألف، وقرأ غيره بغير ألف.

وأصله في اللغة: من أزلّ يزل، ومعناه فأغراهما الشيطان واستزلَّهما.

وأما من قرأ (فأزالهما) بالألف، فأصله من أزال يزيل إذا أزال الشيء عن موضعه.

قوله تعالى: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ، أي مما كانا فيه من النعم.

وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: مكث آدم في الجنة كما بين الظهر والعصر، من أيام الآخرة، لأن كل يوم من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا.

وروي عن ابن عباس أنه قال: لما رأى إبليس آدم في النعمة حسده، واحتال لإخراجه منها، فعرض نفسه على كل دابة من دواب الجنة أن يدخل في صورتها فأبت عليه، حتى أتى الحية وكانت أعظم وأحسن دابة في الجنة خلقاً وكانت لها أربعة قوائم، فلم يزل يستدرجها حتى أطاعته، فدخل ما بين لحييها وأقام في رأسها، ثم أتى باب الجنة وناداهما وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، يعني أن هذه الشجرة شجرة الخلد، فمن أكل منها يبقى في الجنة أبداً.

ويقال: إن حواء قالت لآدم: تعال حتى نأكل من هذه الشجرة فقال آدم: قد نهانا ربنا عن أكل هذه الشجرة فأخذت حواء بيده حتى جاءت به إلى الشجرة، وكان يحب حواء فكره أن يخالفها لحبه إياها وكان آدم يقول لها: لا تفعلي فإني أخاف العقوبة.

وكانت حواء تقول، إن رحمة الله واسعة فأخذت من ثمرها وأكلت.

ثم قالت لآدم: هل أصابني شيء بأكلها؟

- وإنما لم يصبها شيء بأكلها لأنها كانت تابعة، وآدم متبوعاً فما دام المتبوع على الصلاح يتجاوز عن التابع، فإذا فسد المتبوع فسد التابع- ثم أخذت ثمرة أخرى ودفعتها إلى آدم.

فلما أكل آدم لم تصل إلى جوفه حتى أخذتهما الرعدة، وسقط عنهما ما كان عليهما من الحلي والحلل وغيرهما وعريا عن الثياب، حتى بدت عوراتهما فاستحيا وهربا.

قال الله تعالى: يا آدم أمني تهرب؟

قال: لا ولكن حياء من ذنبي.

فأخذا من أوراق التين، وألصقا على عوراتهما.

ثم أمرهما الله تعالى بأن يهبطا منها إلى الأرض، فوقع آدم بأرض الهند، وحواء بجدة.

وروي عن ابن عباس أنه قال: إنما سمي الإنسان إنساناً، لأن الله عهد إليه فنسي أي ترك.

وقوله تعالى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي آدم وحواء وإبليس والحية، فبقي بين إبليس وبين أولاد آدم العداوة إلى يوم القيامة.

وكذلك بين الحية وبين أولاد آدم عداوة إلى يوم القيامة.

ثم قال: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ، أي موضع القرار وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ، أي الحياة والعيش إلى الموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كان عالماً باللَّه قبل كفره، ولا خلاف أن اللَّه تعالى أخرج إبليس عند كفره، وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: اسْكُنْ.

قوله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ: اسْكُنْ: معناه: لاَزِمِ الإقامةَ، ولفظه لفظ الأمر، ومعناه الإِذن، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم عليه السلام، هل هي جنةُ الخُلْدِ، أو جنةٌ أخرى.

ت: والأول هو مذهب أهل السنة والجماعة.

وَكُلا مِنْها، أي: من الجنةِ، والرغَد: العيشَ الدارَّ الهنيَّ، و «حَيْثُ» مبنيةٌ على الضمِّ.

وقوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ: معناه لا تقرباها بأكْلٍ، والهاءُ في «هَذِهِ» بدلٌ من الياء، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرةٍ معيَّنة واحدة، واختلف في هذه الشجرة، ما هي؟

فقال ابن عَبَّاس، وابن مسعود: هي الكَرْم «١» ، وقيل: هي شجرة التِّين «٢» ، وقيل: السنبلة «٣» وقيل غير ذلك.

وقوله: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ: الظالمُ في اللغة: الذي يضع الشيء في غير موضعه، والظلم في أحكام الشرع على مراتب: أعلاها الشِّرْكُ، ثم ظُلْمُ المعاصي وهي مراتب، وفَأَزَلَّهُمَا: مأخوذ من الزَّلَلِ، وهو في الآية مجازٌ لأنه في الرأْي والنَّظر، وإنما حقيقة الزَّلَلِ في القَدَمِ، وقرأ حمزة «٤» : «فأَزَالَهُمَا» مأخوذ من الزوال، ولا خلاف بين

العلماء أن إبليس اللعينَ هو متولِّي إغواء آدم- عليه السلام-، واختلف في الكيفيَّة.

فقال ابن عباس، وابن مسعود، وجمهور العلماء: أغواهما مشافهةً «١» بدليل قوله تعالى: وَقاسَمَهُما [الأعراف: ٢١] والمقاسمة ظاهرها المشافهةُ.

وقالت طائفةٌ: إن إبليس لم يدخُلِ الجنةَ بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانِهِ، وسُلْطَانه، ووَسَاوِسِهِ التي أعطاه الله تعالى، كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ/» «٢» .

ت: وإلى هذا القوْلِ نَحَا المَازِرِيُّ «٣» في بعض أجوبته، ومن ابتلي بشيء من

وسوسة هذا اللعينِ فأعظم الأدوية له الثقَةُ باللَّه، والتعوُّذ به، والإعراض عن هذا اللعين، وعدمُ الالتفاتِ إليه، ما أمكن قال ابن عطاءِ اللَّه «١» في «لَطَائِفِ المِنَنِ» : كان بي وسواسٌ في الوضوءِ، فقال لي الشيخُ أبو العبَّاس المُرْسِيُّ «٢» : إن كنت لا تترك هذه الوسوسةَ لا تَعْدُ تَأْتِينَا، فَشَقَّ ذلك علَيَّ، وقطع اللَّه الوسواسَ عني، وكان الشيخ أبو العباس يُلَقِّنُ للوسواسِ: سُبْحَانَ المَلِكِ الخَلاَّقِ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر: ١٦، ١٧] انتهى.

قال عِيَاضٌ: في «الشِّفا» «٣» وأما قصة آدم عليه السلام، وقوله تعالى: فَأَكَلا مِنْها [طه: ١٢١] بعد قوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ، وقوله تعالى: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] أي: جهل، وقيل: أخطأ، فإن اللَّه تعالى قد أخبر بعذره بقوله:

وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] قال ابن عبَّاس: نسي عداوة إِبليس، وما عهد اللَّه إِليه من ذلك «٤» بقوله: إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ...

[طه: ١١٧] الآيَة، وقيل: نسي ذلك بما أظهر لهما، وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إِليه فنسي «٥» ، وقيل: لم يقصد المخالفة استحلالا لها، ولكنهما اغترا بِحَلِفِ إِبليس لهما: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] وتوهَّما أن أحداً لا يحلف

باللَّه حانِثاً، وقد روي عذر آدم مثل هذا في بعض الآثار، وقال ابن جُبَيْر: حلف باللَّه لهما حتى غَرَّهُمَا، والمؤمن يخدع، وقد قيل: نسي، ولم ينو المخالفَةَ فلذلك قال تعالى:

وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] أَيْ: قَصْداً للمخالفةِ وأكثر المفسرين «١» على أن العزمَ هنا الحزمُ والصبرُ، وقال ابن فُورَكَ وغيره: إِنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوءة، ودليل ذلك قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى [طه: ١٢١، ١٢٢] فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وقيل: بل أكلها، وهو متأوِّل، وهو لا يعلم أنَّها الشجرة التي نهي عنها، لأنه تأول نهي اللَّه تعالى عن شجرة مخصوصةٍ، لا على الجنْسِ، ولهذا قيل: إنما كانت التوبةُ من ترك التحفُّظ، لا من المخالفة، وقيل: تأول أن اللَّه تعالى لم ينهه عنها نَهْيَ تحريمٍ.

انتهى بلفظه فجزاه اللَّه خيرًا، ولقد جعل اللَّه في شِفَاهُ شِفَاءً.

والضمير في عَنْها يعود على الجنة، وهنا محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهر تقديره: فَأَكَلاَ مِنَ الشَّجَرَةِ.

وقوله تعالى: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ: قيل: معناه: مِنْ نعمة الجنَّةِ إلى شقاء الدنيا، وقيل: من رفعة المنزلةِ إلى سُفْل مكانة الذنب.

ت: وفي هذا القول ما فيه، بل الصوابُ ما أشار إليه صاحب «التَّنْوِيرِ» بأن إخراج آدَم لم يكن إهانة له، بل لما سبق في علمه سبحانه من إكرام آدم وجعله في الأرض خليفةً، هو وأخيارَ ذرّيته، قائمين فيها بما يجبُ للَّه من عبادتِهِ، والهبوطُ النزولُ من عُلْو إلى سُفْل، واختلف من المخاطَبُ بالهبوط.

فقال السُّدِّيُّ/ وغيره: آدم، وحَوَّاء، وإِبليس، والحيّة التي أدخلت إبليس في فمها، ١٧ أوقال «٢» الحسن: آدم، وحواء والوسوسة «٣» .

وبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ جملةٌ في موضع الحال، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ، أيْ: موضع استقرار، وقيل: المراد الاستقرار في القبور، والمتاع: ما يستمتع به من

أكل، ولُبْس، وحَدِيثٍ، وأنس، وغيرِ ذلك.

واختلف في «الحِينِ» هنا.

فقالت فرقةٌ: إلى المَوْتِ، وهذا قولُ من يقول: المستقرُّ هو المُقام في الدنيا، وقالت فرقة: إِلى حِينٍ: إلى يومِ القيامةِ، وهذا هو قول من يقول: المستَقَرُّ هو في القبور، والحِينُ المدَّة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان «١» والالتزامات سَنَةٌ قال اللَّه تعالى:

تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [إبراهيم: ٢٥] وقيل: أقصرها ستَّةُ أشهر لأن من النخل ما يطعم في كلِّ ستة أشهر.

وفي قوله تعالى: إِلى حِينٍ فائدةٌ لآدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها، ومنتقلٌ إِلى الجنة التي وعد بالرجوع إِليها، وهي لغير آدم دالَّة على المعاد، وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سَرَنْدِيبَ «٢» ، وأن حواء نزلَتْ بِجُدَّةَ «٣» ، وأن الحية نزلت بأصبهان «٤» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ ﴾ .

أزَلَّهُما بِمَعْنى: اسْتَزَلَّهُما، وقَرَأ حَمْزَةُ: (فَأزالُهُما)، أرادَ: نَحّاهُما.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَمّا كانَ مَعْنى ﴿ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ اثْبُتا فِيها، فَثَبَتا؛ قابَلَ حَمْزَةُ الثَّباتَ بِالزَّوالِ الَّذِي يُخالِفُهُ، ويُقَوِّي قِراءَتَهُ: ﴿ فَأخْرَجَهُما ﴾ .

والشَّيْطانُ: إبْلِيسُ، وأُضِيفَ الفِعْلُ إلَيْهِ، لِأنَّهُ السَّبَبُ.

وفي هاءِ (عَنْها) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَعُودُ إلى الجَنَّةِ.

والثّانِي: تَرْجِعُ إلى الطّاعَةِ.

والثّالِثُ: تَرْجِعُ إلى الشَّجَرَةِ.

فَمَعْناهُ: فَأزَلَّهُما بِزِلَّةٍ صَدَرَتْ عَنِ الشَّجَرَةِ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ إزْلالِهِ لَهُما، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ احْتالَ حَتّى دَخَلَ إلَيْهِما الجَنَّةَ، وكانَ الَّذِي أدْخَلَهُ الحَيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ وقَفَ عَلى بابِ الجَنَّةِ، وناداهُما، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ وسْوَسَ إلَيْهِما، وأوْقَعَ في نُفُوسِهِما مِن غَيْرِ مُخاطِبَةٍ وَلا مُشاهَدَةٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وفِيهِ بَعْدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ: أنْ يَكُونَ خاطَبَها، لِقَوْلِهِ: ﴿ وَقاسَمَهُما ﴾ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْصِيَةِ آَدَمَ بِالأكْلِ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ نُهِيَ عَنْ شَجَرَةٍ بِعَيْنِها، فَأكَلَ مِن جِنْسِها.

وقالَ آخَرُونَ: تَأوَّلَ الكَراهَةَ في النَّهْيِ دُونَ التَّحْرِيمِ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ الهُبُوطُ بِضَمِّ الهاءِ: الِانْحِدارُ مِن عُلُوٍّ، وبِفَتْحِ الهاءِ: المَكانُ الَّذِي يَهْبِطُ فِيهِ، وإلى مَنِ انْصَرَفَ هَذا الخِطابُ؟

فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى آَدَمَ وحَوّاءَ والحَيَّةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلى آَدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ والحَيَّةِ، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: إلى آَدَمَ وإبْلِيسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: إلى آَدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: إلى آَدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّادِسُ: إلى آَدَمَ وحَوّاءَ فَحَسْبُ، ويَكُونُ لَفْظُ الجَمْعِ واقِعًا عَلى التَّثْنِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ  ﴾ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وهو العِلَّةُ في قَوْلِ مُجاهِدٍ أيْضًا.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ أُهْبِطُوا جُمْلَةً أوْ مُتَفَرِّقِينَ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أُهْبِطُوا جُمْلَةً، لَكِنَّهم نَزَلُوا في بِلادٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ، ووَهْبٌ.

والثّانِي: أنَّهم أُهْبِطُوا مُتَفَرِّقِينَ، فَهَبَطَ إبْلِيسُ قَبْلَ آَدَمَ، وهَبَطَ آَدَمُ بِالهِنْدِ، وحَوّاءُ بِجَدَّةٍ، وإبْلِيسُ بِالأبُلَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أُهْبِطَتِ الحَيَّةُ بِنَصِيبَيْنِ، قالَ: وأمَرَ اللَّهِ تَعالى جِبْرِيلُ بِإخْراجِ آَدَمَ، فَقَبَضَ عَلى ناصِيَتِهِ وخَلَّصَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَبَضَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: أيُّها المَلِكُ ارْفُقْ بِي.

قالَ جِبْرِيلُ: إنِّي لا أرْفُقُ بِمَن عَصى اللَّهَ، فارْتَعَدَ آَدَمُ واضْطَرَبَ، وذَهَبَ كَلامُهُ، وجِبْرِيلُ يُعاتِبُهُ في مَعْصِيَتِهِ، ويُعَدِّدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَ: وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ ضَحْوَةً، واخْرُجْ مِنها بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَمَكَثَ فِيها نِصْفَ يَوْمٍ، خَمْسَمِائَةِ عامٍ مِمّا يَعُدُّ أهْلُ الدُّنْيا.

وَفِي العَداوَةِ المَذْكُورَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَرِّيَّةَ بَعْضِهِمْ أعْداءٌ لِبَعْضٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لِآَدَمَ وحَوّاءَ، وهَما لَهُ عَدُوٌّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم أعْداؤُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي المُسْتَقَرِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ القُبُورُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَوْضِعٌ الِاسْتِقْرارِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو أصَحُّ.

والمَتاعُ: المَنفَعَةُ.

والحِينُ: الزَّمانُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (إلى حِينٍ)، أيْ: إلى فِناءِ الأجَلِ بِالمَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ فَأزَلَّهُما الشَيْطانُ عنها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ "اسْكُنْ" مَعْناهُ: لازِمِ الإقامَةَ، ولَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الإذْنُ، و"أنْتَ" تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الَّذِي في "اسْكُنْ"، و"زَوْجُكَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ، والزَوْجُ امْرَأةُ الرَجُلِ، وهَذا أشْهَرُ مِن زَوْجَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ.

و"الجَنَّةَ" البُسْتانُ عَلَيْهِ حَظِيرَةٌ.

واخْتُلِفَ في الجَنَّةِ الَّتِي أسْكَنَها آدَمَ: هَلْ هي جَنَّةُ الخُلْدِ أو جَنَّةٌ أُعِدَّتْ لَهُما؟

وذَهَبَ مَن لَمْ يَجْعَلْها جَنَّةَ الخُلْدِ إلى أنَّ مَن دَخَلَ جَنَّةَ الخُلْدِ لا يَخْرُجُ مِنها.

وهَذا لا يَمْتَنِعُ.

إلّا أنَّ السَمْعَ ورَدَ أنَّ مَن دَخَلَها مُثابًا لا يَخْرُجُ مِنها وأمّا مَن دَخَلَها ابْتِداءً كَآدَمَ فَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، ولا ورَدَ سَمْعٌ بِأنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنها.

واخْتَلَفَ مَتى خُلِقَتْ حَوّاءُ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِينَ أنْبَأ المَلائِكَةَ بِالأسْماءِ واسْجُدُوا لَهُ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ السِنَةُ وخُلِقَتْ حَوّاءُ، فاسْتَيْقَظَ وهي إلى جانِبِهِ، فَقالَ -فِيما يَزْعُمُونَ-: لَحْمِي ودَمِي، وسَكَنٌ إلَيْها، فَذَهَبَتِ المَلائِكَةُ لِتُجَرِّبَ عِلْمَهُ، فَقالُوا لَهُ: يا آدَمُ ما اسْمُها؟

قالَ: حَوّاءُ، قالُوا: ولِمَ؟

قالَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِن شَيْءٍ حَيٍّ، ثُمَّ قالَ اللهُ لَهُ: ﴿ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ .

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَما أُسْكِنَ آدَمُ الجَنَّةَ مَشى فِيها مُسْتَوْحِشًا، فَلَمّا نامَ خُلِقَتْ حَوّاءُ مِن ضِلْعِهِ القُصَيْرِيِّ لِيَسْكُنَ إلَيْها، ويَتَأنَّسَ بِها، فَلَمّا انْتَبَهَ رَآها فَقالَ: مَن أنْتِ؟

قالَتِ امْرَأةٌ خُلِقَتْ مِن ضِلْعِكَ لِتَسْكُنَ إلَيَّ.

وحُذِفَتِ النُونُ مِن "كُلا" لِلْأمْرِ، والألِفُ الأُولى لِحَرَكَةِ الكافِ، حِينَ حُذِفَتِ الثانِيَةُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وهو حَذْفٌ شاذٌّ.

ولَفْظُ هَذا الأمْرِ بـِ "كُلا" مَعْناهُ الإباحَةُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ حَيْثُ شِئْتُما ﴾ ، والضَمِيرُ في "مِنها" عائِدٌ عَلى "الجَنَّةِ".

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ "رَغَدًا" بِسُكُونِ الغَيْنِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِها.

و"الرَغَدُ" العَيْشُ الدارُّ الهَنِيُّ الَّذِي لا عَناءَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: بَيْنَما المَرْءُ تَراهُ ناعِمًا يَأْمَنُ الأحْداثَ في عَيْشٍ رَغَدٍ و"رَغَدًا" مَنصُوبٌ عَلى الصِفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، و"حَيْثُ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَمِّ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَبْنِيها عَلى الفَتْحِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعْرِبُها حَسَبَ مَوْضِعِها بِالرَفْعِ والنَصْبِ والخَفْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ  ﴾ ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "حَوْثُ".

و"شِئْتُما" أصْلُهُ شِيَأْتُما حُوِّلَ إلى فَعَلْتُما، تَحَرَّكَتْ ياؤُهُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها جاءَ "شَأْتُما" حُذِفَتِ الألِفُ الساكِنَةُ المَمْدُودَةُ لِلِالتِقاءِ، وكُسِرَتِ الشِينُ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ، فَجاءَ "شِئْتُما"، هَذا تَعْلِيلُ المُبَرِّدِ، فَأمّا سِيبَوَيْهِ فالأصْلُ عِنْدَهُ "شِيِئْتُما" بِكَسْرِ الياءِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى الشِينِ، وحُذِفَتِ الياءُ بَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ ﴾ مَعْناهُ: لا تَقْرَباها بِأكْلٍ، لِأنَّ الإباحَةَ فِيهِ وقَعَتْ قالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّ اللهَ لَمّا أرادَ النَهْيَ عن أكْلِ الشَجَرَةِ نَهى عنهُ بِلَفْظَةٍ تَقْتَضِي الأكْلَ وما يَدْعُو إلَيْهِ، وهو القُرْبُ.

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ بَيِّنٌ في سَدِّ الذَرائِعِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَذِي" عَلى الأصْلِ، والهاءِ في هَذِهِ بَدَلٌ مِنَ الياءِ.

ولَيْسَ في الكَلامِ هاءُ تَأْنِيثٍ مَكْسُورٍ ما قَبْلَها غَيْرُ هَذِهِ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الإشارَةُ أنْ تَكُونَ إلى شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ واحِدَةٍ، أو إلى جِنْسٍ.

وحَكى هارُونُ الأعْوَرُ عن بَعْضِ العُلَماءِ قِراءَةَ "الشِجَرَةِ" بِكَسْرِ الشِينِ.

و"الشَجَرُ" كُلُّ ما قامَ مِنَ النَباتِ عَلى ساقٍ.

واخْتَلَفَ في هَذِهِ "الشَجَرَةِ" الَّتِي نَهى عنها ما هِيَ؟

فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: هي الكَرْمُ، ولِذَلِكَ حُرِّمَتْ عَلَيْنا الخَمْرُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عن بَعْضِ الصَحابَةِ: هي شَجَرَةُ التِينِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو مالِكٍ، وعَطِيَّةُ، وقَتادَةُ: هي السُنْبُلَةُ، وحَبُّها كَكُلى البَقَرِ، أحْلى مِنَ العَسَلِ، وألْيَنَ مِنَ الزُبْدِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّها شَجَرَةُ العِلْمِ فِيها ثَمَرُ كُلِّ شَيْءٍ.

وهَذا ضَعِيفٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ أنَّها الشَجَرَةُ الَّتِي كانَتِ المَلائِكَةُ تُحَنِّكُ بِها لِلْخُلْدِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، قالَ: واليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّها الحَنْظَلَةُ، وتَقُولُ: كانَتْ حُلْوَةً ومَرَّتْ مِن حِينَئِذٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَعْيِينِ ما يُعَضِّدُهُ خَبَرٌ، وإنَّما الصَوابُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ اللهَ تَعالى نَهى آدَمَ عن شَجَرَةٍ، فَخالَفَ هو إلَيْها وعَصى في الأكْلِ مِنها.

وفِي حَظْرِهِ تَعالى عَلى آدَمَ الشَجَرَةَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ سُكْناهُ في الجَنَّةِ لا يَدُومُ؛ لِأنَّ المُخَلَّدَ لا يُحْظَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الشَجَرَةَ كانَتْ خُصَّتْ بِأنْ تُحْوِجَ آكِلَها إلى التَبَرُّزِ، فَلِذَلِكَ نُهِيَ عنها، فَلَمّا أكَلَ ولَمْ تَكُنِ الجَنَّةُ مَوْضِعَ تَبَرُّزٍ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ.

وقَوْلُهُ: "فَتَكُونا" في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَلى العَطْفِ عَلى "لا تَقْرَبا"، ويَجُوزُ فِيهِ النَصْبُ عَلى الجَوابِ، والناصِبُ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ "أنِ" المُضْمَرَةَ، وعِنْدَ الجَرْمِيِّ الفاءُ.

والظالِمُ في اللُغَةِ الَّذِي يَضَعُ الشَيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ".

ومِنهُ المَظْلُومَةُ الجَلْدُ لِأنَّ المَطَرَ لَمْ يَأْتِها في وقْتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ قَمِيئَةَ: ظُلْمَ البِطاحَ بِها انْهِلالُ حَرِيصَةٍ فَصَفا النِطافُ لَهُ بُعَيْدَ المُقْلَعِ والظُلْمُ في أحْكامِ الشَرْعِ عَلى مَراتِبَ: أعْلاها الشِرْكُ، ثُمَّ ظُلْمُ المَعاصِي وهي مَراتِبُ.

وهُوَ في هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَلا تَقْرَبا ﴾ عَلى جِهَةِ الوُجُوبِ لا عَلى النَدْبِ، لِأنَّ مَن تَرَكَ المَندُوبَ لا يُسَمّى ظالِمًا، فاقْتَضَتْ لَفْظَةُ الظُلْمِ قُوَّةَ النَهْيِ.

و"أزَلَّهُما" مَأْخُوذٌ مِنَ الزَلَلِ، وهو في الآيَةِ مَجازٌ، لِأنَّهُ في الرَأْيِ والنَظَرِ، وإنَّما حَقِيقَةُ الزَلَلِ في القِدَمِ.

قالَأبُو عَلِيٍّ: "فَأزَلَّهُما" يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ أحَدُهُما: كَسْبُهُما الزِلَّةَ -والآخَرُ أنْ يَكُونَ مِن زَلَّ إذا عَثَرَ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "فَأزالُهُما" مَأْخُوذٌ مِنَ الزَوالِ، كَأنَّهُ المُزِيلُ لَمّا كانَ إغْواؤُهُ مُؤَدِّيًا إلى الزَوالِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ.

ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ إبْلِيسَ اللَعِينَ هو مُتَوَلِّي إغْواءَ آدَمَ.

واخْتَلَفَ في الكَيْفِيَّةِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ: أغْواهُما مُشافَهَةً، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "وَقاسَمَهُما"، والمُقاسَمَةُ ظاهِرُها المُشافَهَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا دَخَلَ إلى آدَمَ كَلَّمَهُ في حالِهِ، فَقالَ: يا آدَمُ -ما أحْسَنَ هَذا لَوْ أنَّ خُلْدًا كانَ، فَوَجَدَ إبْلِيسُ السَبِيلَ إلى إغْوائِهِ.

فَقالَ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: دَخَلَ الجَنَّةَ في فَمِ الحَيَّةِ، وهي ذاتُ أرْبَعٍ كالبُخْتِيَّةِ بَعْدَ أنْ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الحَيَوانِ فَلَمْ تَدْخُلْهُ إلّا الحَيَّةُ، فَخَرَجَ إلى حَوّاءَ وأخَذَ شَيْئًا مِنَ الشَجَرَةِ، وقالَ: انْظُرِي ما أحْسَنَ هَذا، فَأغْواها حَتّى أكَلَتْ، ثُمَّ أغْوى آدَمَ، وقالَتْ لَهُ حَوّاءُ: كُلْ، فَإنِّي قَدْ أكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي، فَأكَلَ فَبَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما، وحَصَلا في حُكْمِ الذَنْبِ، ولُعِنَتِ الحَيَّةُ، ورَدَّتْ قَوائِمَهُما في جَوْفِها، وجَعَلَتِ العَداوَةَ بَيْنَها وبَيْنَ بَنِي آدَمَ.

وقِيلَ لِحَوّاءَ: كَما أدْمَيْتَ الشَجَرَةَ، فَكَذَلِكَ يُصِيبُكَ الدَمُ في كُلِّ شَهْرٍ، وكَذَلِكَ تَحْمِلِينَ كُرْهًا، وتَضَعِينَ كُرْهًا، تُشْرِفِينَ بِهِ عَلى المَوْتِ مِرارًا، زادَ الطَبَرِيُّ والنَقّاشُ: وتَكُونِينَ سَفِيهَةً، وقَدْ كُنْتِ حَلِيمَةً.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ إلى آدَمَ بَعْدَ أنْ أُخْرِجَ مِنها، وإنَّما أغْوى آدَمَ بِشَيْطانِهِ وسُلْطانِهِ ووَساوِسِهِ الَّتِي أعْطاهُ اللهُ تَعالى، كَما قالَ النَبِيُّ  : «إنَّ الشَيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَمِ»، والضَمِيرُ في "عنها" عائِدٌ عَلى "الشَجَرَةِ" في قِراءَةِ مَن قَرَأ "أزَلَّهُما"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الجَنَّةِ"، فَأمّا مَن قَرَأ "أزالُهُما"، فَإنَّهُ يَعُودُ عَلى "الجَنَّةِ" فَقَطْ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ تَقْدِيرُهُ "فَأكَلا مِنَ الشَجَرَةِ"، وقالَ قَوْمٌ: أكَلا مِن غَيْرِ الَّتِي أُشِيرُ إلَيْها فَلَمْ يَتَأوَّلا النَهْيَ واقِعًا عَلى جَمِيعِ جِنْسِها، وقالَ آخَرُونَ: تَأوَّلا النَهْيَ عَلى النَدْبِ.

وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: إنَّما أكَلَ آدَمُ بَعْدَ أنْ سَقَتْهُ حَوّاءُ الخَمْرَ، فَكانَ في غَيْرِ عَقْلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، فَقِيلَ أخْرَجَهُما مِنَ الطاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: مِن نِعْمَةِ الجَنَّةِ إلى شَقاءِ الدُنْيا، وقِيلَ: مِن رِفْعَةِ المَنزِلَةِ إلى سُفْلِ مَكانَةِ الذَنْبِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "اهْبِطُوا" بِضَمِّ الباءِ، ويَفْعَلُ كَثِيرٌ في غَيْرِ المُتَعَدِّي وهَبَطَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.

والهُبُوطُ النُزُولُ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ.

واخْتَلَفَ: مَنِ المُخاطَبُ بِالهُبُوطِ؟

فَقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: آدَمُ وحَوّاءُ وإبْلِيسُ والحَيَّةُ.

وقالَ الحَسَنُ: آدَمُ وحَوّاءُ والوَسْوَسَةُ.

وقالَ غَيْرُهُ: والحَيَّةُ، لِأنَّ إبْلِيسَ قَدْ كانَ أُهْبِطَ قَبْلُ عِنْدِ مَعْصِيَتِهِ.

و ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وأُفْرِدَ لَفْظُ "عَدُوٌّ" مِن حَيْثُ لَفْظَةِ بَعْضٍ، وبَعْضٌ وكُلٌّ تَجْرِي مَجْرى الواحِدِ، ومِن حَيْثُ لَفْظَةُ عَدُوٍّ تَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ.

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ  ﴾ .

و ﴿ وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أيْ: مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ، وقالَ السُدِّيُّ: المُرادُ الِاسْتِقْرارُ في القُبُورِ.

والمَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ: مِن أكْلٍ ولِبْسٍ وحَياةٍ وحَدِيثٍ وأُنْسٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنْشَدَ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ حِينَ وقَفَ عَلى قَبْرِ ابْنِهِ أيُّوبَ إثْرَ دَفْنِهِ: ؎ وقَفْتُ عَلى قَبْرٍ غَرِيبٍ بِعَفْرَةٍ ∗∗∗ مَتاعٌ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقِ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الحِينِ هاهُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إلى المَوْتِ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُسْتَقَرُّ هو المَقامُ في الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إلى حِينٍ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُسْتَقَرُّ هو في القُبُورِ، ويَتَرَتَّبُ أيْضًا عَلى أنَّ المُسْتَقَرَّ في الدُنْيا أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ "وَلَكُمْ" أيْ: لِأنْواعِكم في الدُنْيا اسْتِقْرارٌ ومَتاعٌ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والحِينُ: المُدَّةُ الطَوِيلَةُ مِنَ الدَهْرِ أقْصَرُها في الأيْمانِ والِالتِزاماتِ سَنَةٌ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها  ﴾ ، وقَدْ قِيلَ: أقْصَرُها سِتَّةُ أشْهُرٍ، لِأنَّ مِنَ النَخْلِ ما يُثْمِرُ في كُلِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الحِينُ في المُحاوَراتِ في القَلِيلِ مِنَ الزَمَنِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: "إلى حِينٍ" فائِدَةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِيَعْلَمَ أنَّهُ غَيْرُ باقٍ فِيها ومُنْتَقِلٌ إلى الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ بِالرُجُوعِ إلَيْها، وهي لِغَيْرِ آدَمَ دالَّةٌ عَلى المَعادِ.

ورُوِيَ أنَّ آدَمَ نَزَلَ عَلى جَبَلٍ مِن جِبالِ سَرَنْدِيبَ وأنَّ حَوّاءَ نَزَلَتْ بِجَدَّةَ، وأنَّ الحَيَّةَ نَزَلَتْ بِأصْبَهانَ، وقِيلَ بِمَيَسانَ، وأنَّ إبْلِيسَ نَزَلَ عَلى الأُبُلَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء عاطفة على قوله: ﴿ ولا تقربا ﴾ [البقرة: 35] وحَقها إفادة التعقيب فيكون التعقيب عرفياً لأن وقوع الإزلال كان بعدَ مضي مدة هي بالنسبة للمدة المرادة من سكنى الجنة كالأَمد القليل.

والأحسن جعل الفاء للتفريع مجردة عن التعقيب.

والإزلال جعل الغير زَالاًّ أي قائماً به الزلل وهو كالزَلَق أن تسير الرجلان على الأرض بدون اختيار لارتخاء الأرض بطين ونحوه، أي ذاهبة رجلاه بدون إرادة، وهو مجاز مشهور في صدور الخطيئة والغلط المضر ومنه سمي العصيان ونحوه الزلل.

والضمير في قوله: ﴿ عنها ﴾ يجوز أن يعود إلى الشجرة لأنها أقرب وليتبين سبب الزلة وسبب الخروج من الجنة إذ لو لم يجعل الضمير عائداً إلى الشجرة لخلت القصة عن ذكر سبب الخروج.

و(عن) في أصل معناها أي أزلهما إزلالاً ناشئاً عن الشجرة أي عن الأكل منها، وتقدير المضاف دل عليه قوله: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ ، وليست (عن) للسببية ومن ذكر السببية أراد حاصل المعنى كما قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ [النجم: 3] أن معناه وما ينطق بالهوى فقال الرضي: الأوْلى أن (عن) بمعناها وأن الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي نطقاً صادراً عن الهوى.

ويجوز كون الضمير للجنة وتكون (عن) على ظاهرها والإزلال مجازاً في الإخراج بكره والمراد منه الهبوط من الجنة مكرهين كمن يزل عن موقفه فيسقط كقوله: «وكم منزل لولايَ طِحْتَ».

وقولُه: ﴿ فأخرجهما مما كانا فيه ﴾ تفريع عن الإزلال بناء على أن الضمير للشجرة، والمراد من الموصول وصلته التعظيم، كقولهم قد كان ما كان، فإن جعلت الضمير في قوله: ﴿ عنها ﴾ عائداً إلى الجنة كان هذا التفريع تفريع المفصَّل عن المجمل وكانت الفاء للترتيب الذكْري المجرَّد كما في قوله تعالى: ﴿ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أوْ هُم قائلون ﴾ [الأعراف: 4] وقوله: ﴿ كذَّبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدُجِر ﴾ [القمر: 9].

أما دلالة الموصول عن التعظيم فهي هي.

وقرأ حمزة «فأزالهما» بألف بعد الزاي وهو من الإزالة بمعنى الإبعاد، وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون ضمير ﴿ عنها ﴾ عائداً إلى الجنة لا إلى الشجرة.

وقد نُبه عليه بخصوصه مع العلم بأن من خَرج من الجنة فقد خرج مما كان فيه إحضاراً لهذه الخسارة العظيمة في ذهن السامعين حتى لا تكون استفادتها بدلالة الالتزام خاصة فإنها دلالة قد تخفى فكانت إعادته في هذه الصلة بمرادفه كإعادته بلفظه في قوله تعالى: ﴿ فغَشِيَهم من اليَمِّ ما غَشِيَهُم ﴾ [طه: 78].

وتفيد الآية إثارة الحسرة في نفوس بني آدم على ما أصاب آدم من جراء عدم امتثاله لوصاية الله تعالى وموعظة تُنبِّهُ بوجوب الوقوف عند الأمر والنهي والترغيب في السعي إلى ما يعيدهم إلى هذه الجنة التي كانت لأبيهم وتربيةِ العداوة بينهم وبين الشيطان وجنده إذ كان سبباً في جر هذه المصيبة لأبيهم حتى يكونوا أبداً ثأراً لأبيهم مُعادين للشيطان ووسوسته مسيئين الظنون بإغرائه كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ [الأعراف: 27] وقوله هنا: ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ .

وهذا أصل عظيم في تربية العامة ولأجله كان قادة الأمم يذكرون لهم سوابق عداوات منافسيهم ومَن غلبهم في الحروب ليكون ذلك باعثاً على أخذ الثأر.

وعطفُ ﴿ وقلنا اهبطوا ﴾ بالواو دون الفاء لأنه ليس متُفرِّع عن الإخراج بل هو متقدم عليه ولكن ذكر الإخراج قبل هذا لمناسبةِ سياققِ ما فعله الشيطان وغروره بآدم فلذلك قدم قوله: ﴿ فأخرجهما ﴾ إثر قوله: ﴿ فأزلهما الشيطان ﴾ .

ووجه جمع الضمير في ﴿ اهبطوا ﴾ قيل لأن هبوط آدم وحواءَ اقتضى أن لا يوجد نسلهما في الجنة فكان إهباطهما إهباطاً لنسلهما، وقيل الخطاب لهما ولإبليس وهو وإن أُهبط عند إبايته السجود كما أفاده قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ [الأعراف: 12، 13] إلى قوله ﴿ قال اخرجُ منها مذءوماً مدحوراً ﴾ [الأعراف: 18] إلى قوله ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ [الأعراف: 19] فهذا إهباط ثان فيه تحجير دخول الجنة عليه والإهباطُ الأول كان إهباطَ مَنع من الكرامة مع تمكينه من الدخول للوسوسة وكلا الوجهين بعيد، فالذي أراه أن جمع الضمير مراد به التثنية لكراهية توالي المثنيات بالإظهار والإضمار من قوله: ﴿ وكُلا منها رغداً ﴾ [البقرة: 35] والعرب يستثقلون ذلك قال امرؤ القيس: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم *** يقُولون لا تهلك أسىً وتجمل وإنما له صاحبان لقوله: «قفا نبك» إلخ وقال تعالى: ﴿ فقد صَغَت قلوبكما ﴾ وسيأتي في سورة التحريم (4).

وقوله: بعضكم لبعض عدو } يحتمل أن يراد بالبعض بعض الأنواع وهو عداوة الإنس والجن.

إن كان الضمير في ﴿ اهبطوا ﴾ لآدم وزوجه وإبليس، ويحتمل أن يراد عداوة بعض أفراد نوع البشر، إن كان ضمير ﴿ اهبطوا ﴾ لآدم وحواء فيكون ذلك إعلاماً لهما بأثر من آثار عملهما يورث في بنيهما، ولذلك مبدأ ظهور آثار الاختلاف في تكوين خلقتهما بأن كان عصيانهما يورث في بنيهما، ولذلك مبدأ ظهور آثار الاختلال في تكوين خلقتهما بأن كان عصيانهما يورث في أنفسهما وأنفس ذريتهما داعية التغرير والحيلة على حد قوله تعالى: ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم ﴾ فإن الأخلاق تورث وكيف لا وهي مما يعدى بكثرة الملابسة والمصاحبة وقد قال أبو تمام: لأعْديتني بالحلم إن العلا تعدي *** ووجه المناسبة بين هذا الأثر وبين منشئه الذي هو الأكل من الشجرة أن الأكل من الشجرة كان مخالفة لأمر الله تعالى ورفضاً له وسوء الظن بالفائدة منه دعا لمخالفته الطمع والحرص على جلب نفع لأنفسهما، وهو الخلود في الجنة والاستئثار بخيراتها مع سوء الظن بالذي نهاهما عن الأكل منها وإعلامه لهما بأنهما إن أكلا منها ظلما أنفسهما لقول إبليس لهما: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ﴾ [الأعراف: 20] فكذلك كانت عداوة أفراد البشر مع ما جبلوا عليه من الألفة والأنس والاتحاد منشؤها رفض تلك الألفة والاتحاد لأجل جلب النفع للنفس وإهمال منفعة الغير، فلا جرم كان بين ذلك الخاطر الذي بعثهما على الأكل من الشجرة وبين أثره الذي بقي في نفوسهما والذي سيورثونه نسلهما فيخلق النسل مركبة عقولهم على التخلق بذلك الخلق الذي طرأ على عقل أبويهما، ولا شك أن ذلك الخلق الراجع لإيثار النفس بالخير وسوء الظن بالغير هو منبع العداوات كلها لأن الواحد لا يعادي الآخر إلا لاعتقاد مزاحمة في منفعة أو لسوء ظن به في مضرة.

وفي هذا إشارة إلى مسألة أخلاقية وهي أن أصل الأخلاق حسنها وقبيحها هو الخواطر الخيرة والشريرة ثم ينقلب الخاطر إذا ترتب عليه فعل فيصير خلقاً وإذا قاومه صاحبه ولم يفعل صارت تلك المقاومة سبباً في اضمحلال ذلك الخاطر، ولذلك حذرت الشريعة من الهم بالمعاصي وكان جزاء ترك فعل ما يهم به منها حسنة وأمرت بخواطِر الخير فكان جزاء مجردِ الهمِّ بالحسنة حسنةً ولو لم يعملها وكان العمل بذلك الهَم عشرَ حسنات كما ورد في الحديث الصحيح: «مَن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ثم قال ومَنْ همَّ بسيئة فعملها كُتبت له سيئةٌ واحدة» وجعل العفو عن حديث النفس مِنَّة من الله تعالى ومغفرة في حديث «إن الله تجاوز عن أمتي فيما حدثت به نفوسها» إن الله تعالى خلق الإنسان خَيِّراً سالماً من الشرور والخواطر الشريرة على صفة مَلَكية وهو معنى ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ [التين: 4] ثم جعله أطواراً فأولها طور تعليمِه النطقَ ووضععِ الأسماء للمسميات لأن ذلك مبدأُ المعرفة وبه يكون التعليم أي يعلم بعض أفراده بعضاً ما علِمَه وجَهِلَهُ الآخرِ فكان إلهامُه اللغة مبدأَ حركة الفكر الإنساني وهو مبدأ صالح للخير ومعين عليه لأن به علَّم الناسُ بعضهم بعضاً ولذلك ترى الصبي يرى الشيءَ فيسرعُ إلى قرنائه يُناديهم ليَرَوْهُ معه حرصاً على إفادتهم فكان الإنسان معلِّماً بالطبع وكان ذلك معيناً على خيريته إلا أنه صالح أيضاً لاستعمال النطق في التمويه والكذب؛ ثم إن الله تعالى لما نهاه عن أمر كلَّفه بما في استطاعته أن يمتثله وأن يخالفه فتلك الاستطاعة مبدأ حركة نفسه في الحرص والاستئثار فكان خَلْق الله تعالى إياه على تلك الاستطاعة مبدأ طَور جديد هو المشار إليه بقوله: ﴿ ثم رَدَدْناه أَسفل سافلين ﴾ [التين: 5]، ثم هداه بواسطة الشرائع فصار باتباعها يبلغ إلى مراتب الملائكة ويرجع إلى تقويمه الأول وذلك معنى قوله: ﴿ إلا الذين آمنُوا وعملوا الصالحات ﴾ [التين: 6] وقد أشير إلى هذا الطور الأخير بقوله فيما يأتي: ﴿ فإما يأتينكم مني هُدى فَمَنْ تَبِعَ هُداي ﴾ [البقرة: 38] الآية.

وجملة ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ إما مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وإما جملة حال من ضير ﴿ اهبطوا ﴾ وهي اسمية خلت من الواو، وفي اعتبار الجملة الاسمية الخالية من الواو حالا خلاف بين أئمة العربية، منع ذلك الفراء والزمخشري وأجازه ابن مالك وجماعة.

والحق عندي أن الجملة الحالية تستغني بالضمير عن الواو وبالواو عن الضمير فإذا كانت في معنى الصفة لصاحبها اشتملت على ضميره أو ضمير سببيِّه فاستغنت عن الواو نحو الآية ونحوجاء زيد يَدُه على رأسه أو أَبُوه يرافقه، وإلا وجبت الواو إذ لا رابط حينئذ غيرُها نحو جاء زيد والشمسُ طالعة وقوللِ تأبط شراً: فخالط سَهْلَ الأرضضِ لَمْ يَكْدَح الصَّفَا *** به كَدْحَةً والموتُ خَزيان يَنْظُر وقوله: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ ضميره راجع إلى ما رجع إليه ضمير ﴿ اهبطوا ﴾ على التقادير كلها.

والحين الوقت والمراد به وقت انقراض النوع الإنساني والشيطاني بانقراض العالم، ويحتمل أن يكون المراد من ضمير ﴿ لكم ﴾ التوزيعَ أي ولكل واحد منكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين.

وإنما كان ذلك متاعاً لأن الحياة أمر مرغوب لسائر البشر على أن الحياة لا تخلو من لذات وتمتع بما وَهَبَنا الله من الملائمات.

هذا إن أريد بالخبر المجموع أي لجميعكم وإن أريد به التوزيع فالحين هو وقت موت كل فرد على حدِّ قولك للجيش: هذه الأفْراس لكم أي لكل واحد منكم فرس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلَعِ آدَمَ الأيْسَرِ بَعْدَ أنْ ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأةِ: ضِلَعٌ أعْوَجُ.

وَسُمِّيَتِ امْرَأةً لِأنَّها خُلِقَتْ مِنَ المَرْءِ، فَأمّا تَسْمِيَتُها حَوّاءَ، فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها خُلِقَتْ مِن حَيٍّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها أُمُّ كُلِّ حَيٍّ.

واخْتُلِفَ في الوَقْتِ الَّذِي خُلِقَتْ فِيهِ حَوّاءُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ أُدْخِلَ الجَنَّةَ وحْدَهُ، فَلَمّا اسْتَوْحَشَ خُلِقَتْ حَوّاءُ مِن ضِلَعِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في الجَنَّةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها خُلِقَتْ مِن ضِلَعِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ الجَنَّةَ، ثُمَّ أُدْخِلا مَعًا إلى الجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ.

واخْتُلِفَ في الجَنَّةِ الَّتِي أُسْكِناها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها جَنَّةُ الخُلْدِ.

والثّانِي: أنَّها جَنَّةٌ أعَدَّها اللَّهُ لَهُما، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ﴾ في الرَّغَدِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَيْشُ الهَنِيُّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: بَيْنَما المَرْءُ تَراهُ ناعِمًا يَأْمَنُ الأحْداثَ في عَيْشٍ رَغَدْ والثّانِي: أنَّهُ العَيْشُ الواسِعُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ الحَلالَ الَّذِي لا حِسابَ فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيا عَنْها، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها البُرُّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الكَرْمُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها التِّينُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، ويَحْكِيهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ.

والرّابِعُ: أنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ الَّتِي تَأْكُلُ مِنها المَلائِكَةُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ المُعْتَدِينَ في أكْلِ ما لَمْ يُبَحْ لَكُما.

والثّانِي: مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِكُما في أكْلِكُما.

واخْتَلَفُوا في مَعْصِيَةِ آدَم َ بِأكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ، عَلى أيِّ وجْهٍ وقَعَتْ مِنهُ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أكَلَ مِنها وهو ناسٍ لِلنَّهْيِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ  ﴾ وزَعَمَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ، أنَّ الأنْبِياءَ يَلْزَمُهُمُ التَّحَفُّظُ والتَّيَقُّظُ لِكَثْرَةِ مَعارِفِهِمْ وعُلُوِّ مَنازِلِهِمْ ما لا يَلْزَمُ غَيْرَهُمْ، فَيَكُونُ تَشاغُلُهُ عَنْ تَذَكُّرِ النَّهْيِ تَضْيِيعًا صارَ بِهِ عاصِيًا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أكَلَ مِنها وهو سَكْرانُ فَصارَ مُؤاخَذًا بِما فَعَلَهُ في السُّكْرِ، وإنْ كانَ غَيْرَ قاصِدٍ لَهُ، كَما يُؤاخَذُ بِهِ لَوْ كانَ صاحِيًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ أكَلَ مِنها عامِدًا عالِمًا بِالنَّهْيِ، وتَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ  ﴾ أيْ فَزَلَّ، لِيَكُونَ العَمْدُ في مَعْصِيَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْها الذَّمَّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أكَلَ مِنها عَلى جِهَةِ التَّأْوِيلِ، فَصارَ عاصِيًا بِإغْفالِ الدَّلِيلِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ مِنهُمُ الكَبائِرُ، ولِقَوْلِهِ تَعالى في إبْلِيسَ: ﴿ فَدَلاهُما بِغُرُورٍ  ﴾ وهو ما صَرَفَهُما إلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في تَأْوِيلِهِ الَّذِي اسْتَجازَ بِهِ الأكْلَ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْوِيلٌ عَلى جِهَةِ التَّنْزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَأْوِيلُ النَّهْيِ عَنْ عَيْنِ الشَّجَرَةِ دُونَ جِنْسِها، وأنَّهُ إذا أكَلَ مِن غَيْرِها مِنَ الجِنْسِ لَمْ يَعْصِ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّأْوِيلَ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْلِيسَ في قَوْلِهِ: ﴿ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ  ﴾ .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: ( فَأزالَهُما ) بِمَعْنى نَحّاهُما مِن قَوْلِكَ: زُلْتَ عَنِ المَكانِ، إذا تَنَحَّيْتَ عَنْهُ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ فَأزَلَّهُما ﴾ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى اسْتَزَلَّهُما مِنَ الزَّلَلِ، وهو الخَطَأُ، سُمِّيَ زَلَلًا لِأنَّهُ زَوالٌ عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ الزَّلَّةُ زَوالٌ عَنِ الحَقِّ، وأصْلُهُ الزَّوالُ.

والشَّيْطانُ الَّذِي أزَلَّهُما هو إبْلِيسُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ خَلُصَ إلَيْه ِما حَتّى باشَرَهُما بِالكَلامِ وشافَهَهُما بِالخِطابِ أمْ لا؟

فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ خَلُصَ إلَيْهِما، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ  ﴾ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: لَمْ يَخْلُصْ إلَيْهِما، وإنَّما أوْقَعَ الشَّهْوَةَ في أنْفُسِهِما، ووَسْوَسَ لَهُما مِن غَيْرِ مُشاهَدَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ  ﴾ ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأشْهَرُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ ﴾ يَعْنِي: إبْلِيسُ سَبَبُ خُرُوجِهِما، لِأنَّهُ دَعاهُما إلى ما أوْجَبَ خُرُوجَهُما.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ الهُبُوطُ بِضَمِّ الهاءِ النُّزُولُ، وبِفَتْحِها مَوْضِعُ النُّزُولِ، وقالَ المُفَضَّلُ: الهُبُوطُ الخُرُوجُ مِنَ البَلْدَةِ، وهو أيْضًا دُخُولُها، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وإذا كانَ الهُبُوطُ في الأصْلِ هو النُّزُولُ، كانَ الدُّخُولُ إلى البَلْدَةِ لِسُكْناها نُزُولًا بِها، فَصارَ هُبُوطًا.

واخْتَلَفُوا في المَأْمُورِ بِالهُبُوطِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، والحَيَّةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ آدَمُ، وحَوّاءُ، والمُوَسْوِسُ.

والعَدُوُّ اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ في الواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، والمُذَكَّرِ، والمُؤَنَّثِ، والعَداوَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ المُجاوَزَةِ مِن قَوْلِكَ: لا يَعْدُوَنَّكَ هَذا الأمْرُ، أيْ لا يُجاوِزَنَّكَ، وعَداهُ كَذا، أيْ جاوَزَهُ، فَسُمِّيَ عَدُوًّا لِمُجاوَزَةِ الحَدِّ في مَكْرُوهِ صاحِبِهِ، ومِنهُ العَدْوُ بِالقَدَمِ لِمُجاوَزَةِ المَشْيِ، وهَذا إخْبارٌ لَهم بِالعَداوَةِ وتَحْذِيرٌ لَهُمْ، ولَيْسَ بِأمْرٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالعَداوَةِ.

واخْتُلِفَ في الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمُ اهْبِطُوا، عَلى ما ذَكَرْنا مِنِ اخْتِلافِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهم بَنُو آدَمَ، وبَنُو إبْلِيسَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُسْتَقَرَّ مِنَ الأرْضِ مَوْضِعُ مُقامِهِمْ عَلَيْها، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا  ﴾ ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَوْضِعُ قُبُورِهِمْ مِنها، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ : والمَتاعُ كُلُّ ما اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنَ المَنافِعِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ مُتْعَةُ النِّكاحِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ  ﴾ ، أيِ ادْفَعُوا إلَيْهِنَّ ما يَنْتَفِعْنَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: وكُلُّ غَضارَةٍ لَكَ مِن حَبِيبٍ ∗∗∗ لَها بِكَ، أوْ لَهَوْتَ بِهِ، مَتاعُ والحِينُ: الوَقْتُ البَعِيدُ، فَـ(حِينَئِذٍ) تَبْعِيدُ قَوْلِكَ: (الآنَ)، وفي المُرادِ بِالحِينِ في هَذا المَوْضِعِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إلى المَوْتِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: إلى قِيامِ السّاعَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: إلى أجَلٍ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأزلهما ﴾ قال: فأغواهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم بن بهدلة ﴿ فأزلهما ﴾ فنحاهما.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا في البقرة مكان ﴿ فأزلهما ﴾ فوسوس.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: لما قال الله لآدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فأتى الحية، وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فادخلته في فمها فمرت الحية على الخزنة، فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر، فكلمه من فمها فلم يبال بكلامه، فخرج إليه فقال: ﴿ يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ وحلف لهما بالله ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ فأبى آدم أن يأكل منها، فقعدت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم كل فإني قد أكلت فلم يضر بي.

فلما أكل ﴿ بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن عباس قال: إن عدوّ الله إبليس عرض نفسه على دواب الأرض أنها تحمله حتى يدخل الجنة معها ويكلم آدم.

فكل الدواب أبى ذلك عليه حتى كلم الحية فقال لها: أمنعك من ابن آدم فإنك في ذمتي إن أدخلتني الجنة، فحملته بين نابين حتى دخلت به، فكلمه من فيها وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم فاعراها الله، وجعلها تمشي على بطنها.

يقول ابن عباس: فاقتلوها حيث وجدتموها، اخفروا ذمة عدوّ الله فيها.

وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الرزاق وابن المنذر وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما.

وكان الذي دارى عنهما من سوآتهما أظفارهما ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ [ الاعراف: 22] ورق التين يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم مولياً في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من شجر الجنة، فناداه ربه: يا آدم تفر؟

قال: لا، ولكني استحيتك يا رب قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك؟

قال: بلى يا رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحداً يحلف بك كاذباً قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدا.

فاهبطا من الجنة وكانا يأكلان منها رغداً، فاهبط إلى غير رغد من طعام ولا شراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع، ثم سقى حتى إذا بلغ حصد، ثم درسه، ثم ذراه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ، وكان آدم حين أهبط من الجنة بكى بكاء لم يبكه أحد، فلو وضع بكاء داود على خطيئته، وبكاء يعقوب على ابنه، وبكاء ابن آدم على أخيه حين قتله، ثم بكاء أهل الأرض ما عدل ببكاء آدم عليه السلام حين أهبط.

وأخرج ابن عساكر عن عبد العزيز بن عميرة قال: «قال الله لآدم اخرج من جواري وعزتي لا يجاورني في داري من عصاني، يا جبريل أخرجه اخراجاً غير عنيف.

فأخذ بيده يخرجه» .

وأخرج ابن إسحاق في المبتدأ وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التوبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن آدم كان رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق ستين ذراعاً، كثير شعر الرأس.

فلما ركب الخطيئة بدت له عورته، وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هارباً في الجنة، فتعلقت به شجرة فأخذت بناصيته فقال لها: ارسليني قالت: لست بمرسلتك، وناداه ربه: يا آدم أمني تفر؟

قال: يا رب إني استحييتك قال: يا آدم اخرج من جواري فبعزتي لا أساكن من عصاني، ولو خلقت ملء الأرض مثلك خلقاً ثم عصوني لاسكنتهم دار العاصين.

قال: أرأيت إن أنا تبت ورجعت أتتوب عليَّ؟

قال: نعم.

يا آدم» .

وأخرج ابن عساكر من حديث أنس.

مثله.

وأخرج ابن منيع وابن أبي الدنيا في كتاب البكاء وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس قال: «قال الله لآدم: يا آدم ما حملك على أن أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟

قال: يا رب زينته لي حواء قال: فإني عاقبتها بأن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً، ودميتها في كل شهر مرتين قال: فرنت حواء عند ذلك فقيل لها: عليك الرنة وعلى بناتك» .

وأخرج الدارقطني في الافراد وابن عساكر عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله بعث جبريل إلى حواء حين دميت فنادت ربها جاء مني دم لا أعرفه.

فناداها لأدمينك وذريتك، ولأجعلنه لك كفارة وطهوراً» .

وأخرج البخاري والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا بنو اسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها» .

وأخرج البيهقي في الدلائل والخطيب في التاريخ والديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر بسندٍ واهٍ عن ابن عمر مرفوعاً: «فضلت على آدم بخصلتين: كان شيطاني كافراً فأعانني الله عليه حتى أسلم، وكان أزواجي عوناً لي.

وكان شيطان آدم كافراً، وزوجته عوناً له على خطيئته» .

وأخرج ابن عساكر في حديث أبي هريرة مرفوعاً.

مثله.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن زيد.

أن آدم ذكر محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أفضل ما فضل به علي ابني صاحب البعير أن زوجته كانت عوناً له على دينه، وكانت زوجتي عوناً لي على الخطيئة.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والآجري في الشريعة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى، فقال: موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟

فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاه الله كل شيء، واصطفاه برسالته؟

قال: نعم.

قال: فتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق» .

وأخرج عبد بن حميد في مسنده وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى.

فقال موسى: أنت خلقك الله بيده، أسكنك جنته، وأسند لك ملائكته، فأخرجت ذريتك من الجنة، وأشقيتهم؟

فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه ورسالاته، تلومني في شيء وجدته قد قدر عليّ قبل أن أخلق؟

فحج آدم موسى» .

وأخرج أبو داود والآجري في الشريعة والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمر بن الخطاب قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى قال يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة؟

فأراه الله آدم فقال: أنت أبونا آدم؟

فقال له آدم: نعم.

قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟

قال: نعم.

فقال: ما حملك على أن أخرجتنا من الجنة؟

فقال له آدم: ومن أنت؟

قال: موسى قال: أنت نبي بني اسرائيل الذي كلمك الله من وراء الحجاب، لم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه؟

قال: نعم.

قال: فما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق؟

قال: نعم.

قال: فلم تلومني في شيء سبق فيه من الله القضاء قبل؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عند ذلك فحج آدم موسى.

فحج آدم موسى» .

وأخرج النسائي وأبو يعلي والطبراني والآجري عن جندب البجلي قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، وفعلت ما فعلت فأخرجت ولدك من الجنة؟

فقال آدم: أنت موسى الذي بعثك الله برسالته، وكلمك، وآتاك التوراة، وقربك نجيا؟

أنا أقدم أم الذكر؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى» .

وأخرج أبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن أبي موسى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، عملت الخطيئة التي أخرجتك من الجنة؟

قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وأنزل عليك التوراة، وكلمك تكليماً، فبكم خطيئتي سبقت خلقي؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التقى آدم وموسى عليهما السلام فقال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأدخلك جنته، ثم أخرجتنا منها؟

فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وقربك نجيا، وأنزل عليك التوراة، فأسألك بالذي أعطاك ذلك بكم تجده كتب عليّ قبل أن أخلق؟

قال: أجده كتب عليك بالتوراة بألفي عام فحج آدم موسى» .

أما قوله تعالى: ﴿ وقلنا اهبطوا ﴾ الآية.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ﴾ قال: آدم وحوّاء، وإبليس والحية ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ قال: القبور ﴿ ومتاع إلى حين ﴾ قال: الحياة.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ﴾ قال: آدم، والحية والشيطان.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة عن أبي صالح قال: ﴿ اهبطو ﴾ قال: آدم، وحوّاء، والحية.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ﴿ اهبطوا ﴾ يعني آدم، وحوّاء، وإبليس.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيات؟

فقال: خلقت هي والإِنسان كل واحد منهما عدوّ لصاحبه.

إن رآها أفزعته، وإن لدغته أوجعته.

فاقتلها حيث وجدتها» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ فوق الأرض، ومستقر تحت الأرض.

قال: ﴿ ومتاع إلى حين ﴾ حتى يصير إلى الجنة، أو إلى النار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أهبط آدم إلى أرض يقال لها دجنا، بين مكة والطائف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: اهبط آدم بالصفا، وحوّاء بالمروة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس.

إن أوّل ما أهبط الله آدم إلى أرض الهند.

وفي لفظ بدجناء أرض الهند.

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في البعث وابن عساكر عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: أطيب ريح الأرض الهند.

أهبط بها آدم فعلق ريحها من شجر الجنة.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس قال: أهبط آدم بالهند وحوّاء بجدة، فجاء في طلبها حتى أتى جمعا، فازدلفت إليه حوّاء.

فلذلك سميت «المزدلفة» واجتمعا بحمع فلذلك سميت «جمعا» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن رجاء بن أبي سلمة قال: أهبط آدم يديه على ركبتيه مطأطئاً رأسه، وأهبط إبليس مشبكاً بين أصابعه رافعاً رأسه إلى السماء.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حميد بن هلال قال: إنما كره التخصر في الصلاة لأن إبليس أهبط متخصراً.

وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل آدم عليه السلام بالهند فاستوحش، فنزل جبريل فنادى بالأذان: الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين.

فقال: ومن محمد هذا؟

قال: هذا آخر ولدك من الأنبياء» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن المنذر وابن عساكر عن جابر بن عبدالله قال: إن آدم لما أهبط إلى الأرض، هبط بالهند وإن رأسه كان ينال السماء، وإن الأرض شكت إلى ربها ثقل آدم، فوضع الجبار تعالى يده على رأسه، فانحط منه سبعون ذراعاً، وهبط معه بالعجوة، والاترنج، والموز، فلما أهبط قال: رب هذا العبد الذي جعلت بيني وبينه عداوة، إن لم تعني عليه لا أقوى عليه، قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكاً قال: رب زدني قال: أجازي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشر أمثالها إلى ما أزيد قال: رب زدني قال: باب التوبة له مفتوح ما دام الروح في الجسد قال إبليس: يا رب هذا العبد الذي أكرمته إن لم تعني عليه لا أقوى عليه قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك ولد قال: يا رب زدني قال: تجري منه مجرى الدم، وتتخذ في صدورهم بيوتاً قال: رب زدني قال: ﴿ أجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ [ الإِسراء: 64] .

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم كان رأسه يمس السماء، فوطاه الله إلى الأرض حتى صار ستين ذراعاً في سبع أذرع عرضاً.

وأخرج الطبراني عن عبدالله بن عمر قال: لما أهبط الله آدم بأرض الهند ومعه غرس من شجر الجنة فغرسه بها، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكان يسمع كلام الملائكة فكان ذلك يهوّن عليه وحدته، فغمز غمزة فتطأطأ إلى سبعين ذراعاً، فأنزل الله إني منزل عليك بيتاً يطاف حوله كما تطوف الملائكة حول عرشي، ويصلي عنده كما تصلي الملائكة حول عرشي.

فأقبل نحو البيت، فكان موضع كل قدم قرية، وما بين قدميه مفازة، حتى قدم مكة فدخل من باب الصفا، وطاف بالبيت، وصلّى عنده، ثم خرج إلى الشام فمات بها.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد قال: لما أهبط آدم إلى الأرض فزعت الوحوش ومن في الأرض من طوله، فأطر منه سبعون ذراعاً.

وأخرج ابن جرير في تاريخه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن آدم حين خرج من الجنة كان لا يمر بشيء إلا عنت به فقيل للملائكة: دعوه فليتزوّد منها ما شاء.

فنزل حين نزل بالهند، ولقد حج منها أربعين حجة على رجليه.

وأخرج سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح قال: هبط آدم بأرض الهند ومعه أعواد أربعة من أعواد الجنة، وهي هذه التي تتطيب بها الناس، وأنه حج هذا البيت على بقرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: أخرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فأخرج معه غصناً من شجر الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن الحسن قال: أهبط آدم بالهند، وهبطت حوّاء بجدة، وهبط إبليس بدست بيسان من البصرة على أميال، وهبطت الحية باصبهان.

وأخرج ابن جرير في تاريخه عن ابن عمر قال: إن الله أوحى إلى آدم وهو ببلاد الهند أن حج هذا البيت فحج، فكان كلما وضع قدمه صار قرية، وما بين خطوتيه مفازة، حتى انتهى إلى البيت، فطاف به، وقضى المناسك كلها، ثم أراد الرجوع، فمضى حتى إذا كان بالمازمين تلقته الملائكة فقالت: برَّ حجك يا آدم، فدخله من ذلك...

فلما رأت ذلك الملائكة منه قالت: يا آدم إنا قد حججنا هذا قبلك قبل أن تخلق بألفي سنة.

فتقاصرت إليه نفسه.

وأخرج الشافعي في الأم والبيهقي في الدلائل والأصبهاني في الترغيب عن محمد بن كعب القرظي قال: حج آدم عليه السلام، فلقيته الملائكة فقالوا: برَّ نُسكك يا آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام.

وأخرج الخطيب في التاريخ بسند فيه من لا يعرف عن يحيى بن أكثم أنه قال في مجلس الواثق: من حلق رأس آدم حين حج؟

فتعايا الفقهاء عن الجواب فقال الواثق: أنا أحضر من ينبئكم بالخبر.

فبعث إلى علي بن محمد بن جعفر بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسأله...؛ فقال: حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن جده قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر جبريل أن ينزل بياقوتة من الجنة فهبط بها، فمسح بها رأس آدم، فتناثر الشعر منه، فحيث بلغ نورها صار حرماً» .

وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة، وعلمه صنعة كل شيء.

فثماركم من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري موقوفاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أهبط آدم بثلاثين صنفاً من فاكهة الجنة، منها ما يؤكل داخله وخارجه، ومنا ما يؤكل داخله ويطرح خارجه، ومنها ما يؤكل خارجه ويطرح داخله.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء عن علي بن أبي طلحة قال: أول شيء أكله آدم حين أهبط إلى الأرض الكمثرى، وإنه لما أراد أن يتغوّط أخذه من ذلك كما يأخذ المرأة عند الولادة، فذهب شرقاً وغرباً لا يدري كيف يصنع!

حتى نزل إليه جبريل فأقعى آدم، فخرج ذلك منه، فلما وجد ريحه مكث يبكي سبعين سنة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء أنزلت مع آدم: السندان، والكلبتان، والمطرقة.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر في التاريخ بسند ضعيف عن سلمان قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن آدم أهبط إلى الأرض ومعه السندان، والكلبتان، والمطرقة، واهبطت حواء بجدة» .

وأخرج ابن عساكر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لما خلق الدنيا لم يخلق فيها ذهباً ولا فضة، فلما أن أهبط آدم وحواء أنزل معهما ذهباً وفضة، فسلكه ينابيع في الأرض منفعة لأولادهما من بعدهما، وجعل ذلك صداق آدم لحواء.

فلا ينبغي لأحد أن يتزوّج إلا بصداق» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما أهبط الله آدم أهبطه بأشياء ثمانية: أزواج من الإِبل، والبقر، والضأن، والمعز، وأهبطه بباسنة فيها بذر، وتعريشة عنبة، وريحانة، والباسنة: قيل: إنها آلات الصناع، وقيل هي سكة الحرث وليس بعربي محض.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن السري بن يحيى قال: اهبط آدم من الجنة ومعه البذور، فوضع إبليس عليها يده، فما أصاب يده ذهبت منفعته.

وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هبط آدم وحواء عريانين جميعاً، عليهما ورق الجنة، فأصابه الحر حتى قَعَدَ يبكي ويقول لها: يا حواء قد آذاني الحر، فجاءه جبريل بقطن، وأمرها أن تغزل وعلمها، وعلم آدم وأمر آدم بالحياكة وعلمه، وكان لم يجامع امرأته في الجنة حتى هبط منها، وكان كل منهما ينام على حدة حتى جاءه جبريل فأمره أن يأتي أهله وعلمه كيف يأتيها، فلما أتاها جاءه جبريل فقال: كيف وجدت امرأتك؟

قال: صالحة» .

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً: «أول من حاك آدم عليه السلام» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: كان آدم عليه السلام حراثاً، وكان إدريس خياطاً، وكان نوح نجاراً، وكان هود تاجراً، وكان إبراهيم راعياً، وكان داود زراداً، وكان سليمان خوّاصاً، وكان موسى أجيراً، وكان عيسى سياحاً، وكان محمد صلى الله عليه وسلم شجاعاً جعل رزقه تحت رمحه.

وأخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قال لرجل عنده: أدن مني أحدثك عن الأنبياء المذكورين في كتاب الله.

أحدثك عن آدم كان حراثاً، وعن نوح كان نجاراً، وعن إدريس كان خياطاً، وعن داود كان زراداً، وعن موسى كان راعياً، وعن إبراهيم كان زراعاً عظيم الضيافة، وعن شعيب كان راعياً، وعن لوط كان زراعاً، وعن صالح كان تاجراً، وعن سليمان كان ولي الملك، ويصوم من السهر ستّة أيام في أوله، وثلاثة في وسطه، وثلاثة في آخره، وكان له تسعمائة سرية، وثلاثمائة مهرية، وأحدثك عن ابن العذراء البتول عيسى.

إنه كان لا يخبئ شيئاً لغد، ويقول: الذي غداني سوف يعشيني والذي غشاني سوف يغدّيني، يعبد الله ليلته كلها، وهو بالنهار يسبح ويصوم الدهر ويقوم الليل كله.

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس قال: نزل آدم بالحجر الأسود من الجنة يمسح به دموعه، ولم ترق دموع آدم من حين خرج من الجنة حتى رجع إليها.

وأخرج أبو الشيخ عن جابر بن عبدالله قال: إن آدم لما أهبط إلى الأرض شكا إلى ربه الوحشة، فأوحى الله إليه: أن انظر بحيال بيتي الذي رأيت ملائكتي يطوفون به، فاتخذ بيتاً فطف به كما رأيت ملائكتي يطوفون به.

فكان ما بين يديه مفاوز، وما بين قدميه الأنهار والعيون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: نزل آدم بالهند، فنبتت شجرة الطيب.

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: خرج آدم من الجنة بين الصلاتين: صلاه الظهر: وصلاة العصر، فأنزل إلى الأرض.

وكان مكثه في الجنة نصف يوم من أيام الآخرة، وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتي عشرة ساعة، واليوم ألف سنة مما يعد أهل الدنيا.

فأهبط آدم على جبل بالهند يقال له نود، وأُهْبِطَت حواء بجدة، فنزل آدم معه ريح الجنة، فعلق بشجرها وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيباً، ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم وقالوا: أنزل عليه من طيب الجنة أيضاً، وأنزل معه الحجر الأسود، وكان أشد بياضاً من الثلج، وعصا موسى وكانت من آس الجنة.

طولها عشرة أذرع على طول موسى.

ومر ولبان.

ثم أنزل عليه بعد السندان، والكلبة، والمطرقتان، فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل فقال: هذا من هذا!

فجعل يكسر أشجاراً قد عتقت ويبست بالمطرقة، ثم أوقد على ذلك القضيب حتى ذاب، فكان أول شيء ضرب منه مدية، فكان يعمل بها، ثم ضرب التنور وهو الذي ورثه نوح، وهو الذي فار بالهند بالعذاب.

فلما حج آدم عليه السلام وضع الحجر الأسود على أبي قبيس، فكان يضيء لأهل مكة في ليالي الظلم كما يضيء القمر، فلما كان قبيل الإِسلام بأربع سنين، وقد كان الحيض والجنب يعمدون إليه يمسحونه فاسود، فأنزلته قريش من أبي قبيس، وحج آدم من الهند أربعين حجة إلى مكة على رجليه.

وكان آدم حين اهبط يمسح رأسه السماء، فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع، ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشاً يومئذ، وكان آدم وهو على ذلك الجبل قائماً يسمع أصوات الملائكة، ويجد ريح الجنة.

فهبط من طوله ذلك إلى ستين ذراعاً، فكان ذلك طوله حتى مات، ولم يجمع حسن آدم لأحد من ولده إلا ليوسف عليه السلام، وأنشأ آدم يقول: رب كنت جارك في دارك ليس لي رب غيرك ولا رقيب دونك، آكل فيها رغداً وأسكن حيث أحببت، فأهبطتني إلى هذا الجبل المقدس، فكنت أسمع أصوات الملائكة، وأراهم كيف يحفون بعرشك، وأجد ريح الجنة وطيبها، ثم أهبطتني إلى الأرض وحططتني إلى ستين ذراعاً، فقد انقطع عني الصوت والنظر، وذهب عني ريح الجنة فأجابه الله تبارك وتعالى: لمعصيتك يا آدم فعلت ذلك بك.

فلما رأى عري آدم وحواء أمره أن يذبح كبشاً من الضأن من الثمانية الأزواج التي أنزل الله من الجنة، فأخذ آدم كبشاً وذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حواء ونسجته هو، فنسج آدم جبة لنفسه، وجعل لحواء درعاً وخماراً فلبساه، وقد كانا اجتمعا بجمع فسميت «جمعاً» وتعارفا بعرفة فسميت «عرفة» وبكيا عل ما فاتهما مائة سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً، ثم أكلا وشربا وهما يومئذ على نود الجبل الذي أهبط عليه آدم، ولم يقرب حواء مائة سنة.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس.

أن آدم كان لغته في الجنة العربية، فلما عصى سلبه الله العربية وتكلم بالسريانية، فلما تاب رد عليه العربية.

وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن مجاهد قال: أوحى الله إلى الملكين: أخرجا آدم وحواء من جواري فإنهما عصياني، فالتفت آدم إلى حواء باكياً وقال: استعدي للخروج من جوار الله هذا أول شؤم المعصية، فنزع جبريل التاج عن رأسه، وحل ميكائيل الاكليل عن جبينه، وتعلق به غصن، فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة، فنكس رأسه يقول: العفو العفو فقال الله: فراراً مني؟

فقال: بل حياء منك يا سيدي.

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن عطاء.

أن آدم لما أهبط من الجنة خر في موضع البيت ساجداً، فمكث أربعين سنة لا يرفع رأسه.

وأخرج ابن عساكر عن قتادة قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قيل له: لن تأكل الخبز بالزيت حتى تعمل عملاً مثل الموت.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الملك بن عمير قال: لما أهبط آدم وإبليس، ناح إبليس حتى بكى آدم، ثم حدا ثم ضحك.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن آدم قبل أن يصيب الذنب كان أجله بين عينيه وأمله خلفه، فلما أصاب الذنب جعل الله أمله بين عينيه وأجله خلفه، فلا يزال يؤمل حتى يموت» .

وأخرج وكيع وأحمد في الزهد عن الحسن قال: كان آدم قبل أن يصيب الخطيئة أجله بين عينيه وأمله وراء ظهره، فلما أصاب الخطيئة حوّل أمله بين عينيه وأجله وراء ظهره.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن.

أن آدم لما أهبط إلى الأرض تحرك بطنه فأخذه لذلك غم، فجعل لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه: أن اقعد فقعد، فلما قضى حاجته فوجد الريح جزع وبكى وعض على أصبعه، فلم يزل يعض عليها ألف عام.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: بكى آدم حين هبط من الجنة بكاء لم يبكه أحد، فلو أن بكاء جميع بني آدم مع بكاء داود على خطيئته ما عدل بكاء آدم حين أخرج من الجنة، ومكث أربعين سنة لا يرفع رأسه إلى السماء.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإِيمان والخطيب وابن عساكر معاً في التاريخ عن بريدة يرفعه قال: لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض يعدل بكاء آدم ما عدله.

ولفظ البيهقي: لو وزن دموع آدم بجميع دموع ولده لرجحت دموعه على جميع دموع ولده.

وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: بكى آدم على الجنة ثلثمائة سنة.

وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: إن الله لما أهبط آدم وحواء قال: اهبطوا إلى الأرض، فلدوا للموت، وابنوا للخراب.

وأخرج ابن المبارك في الزهد عن مجاهد قال: لما أهبط آدم إلى الأرض قال له ربه عز وجل: ابن للخراب، ولد للفناء.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير قال: لما أهبط آدم إلى الأرض كان فيها نسر، وحوت في البحر، ولم يكن في الأرض غيرهما، فلما رأى النسر آدم وكان يأوي إلى الحوت ويبيت عنده كل ليلة قال: يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيده فقال له الحوت: لئن كنت صادقاً ما لي في البحر منه منجى ولا لك في البر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ الآية.

قال أبو علي الفارسي (١) ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ يحتمل تأويلين: أحدهما: كسبهما الزلة (٢) والآخر: أن يكون (أزل) من (زلّ) الذي يراد به عثر (٣) فالدلالة (٤) (٥) ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ  ﴾ الآية.

وقد نسب كسب الإنسان الزلة إلى الشيطان (٦) ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ  ﴾ ، و (استزلّ) و (أزلَّ) واحد، كقولهم: استجاب وأجاب، واستخلف لأهله وأخلف، فكما (٧) ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿ عَنْهَا ﴾ على هذا التأويل يكون بمعنى (عليها) والكناية تعود إلى (الزلة) (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال ذو الإصبع: لَاهِ ابن عَمِّكَ (١٣) (١٤) (عني) معنى (عليّ).

[وقال آخر، فجعل (علي) بمعنى: (عني)] (١٥) إِذَا رَضِيَتْ عَليّ بَنُو قُشَيْرٍ ...

لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا (١٦) والوجه الآخر (١٧) (١٨) (١٩) ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا ﴾ فَكما أن خروجه عن الموضع الذي كان فيه انتقال منه إلى غيره، كذلك عثاره فيه وزليله (٢٠) وقرأ حمزة: (فأزالهما) (٢١) ﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  ﴾ أمر لهما بالثبات، وتأويله: (اثبتا) فثبتا، فأزالهما الشيطان، فقابل الثبات بالزوال الذي هو خلافه.

وفي الآية على هذا التقدير إضمار، كقوله: ﴿ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ  ﴾ أي: فضرب فانفلق، ومثله: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ  ﴾ ، أي: فحلق ففدية.

ونُسب الفعل إلى الشيطان، لأن زوالهما عنها إنما كان بتزيينه وتسويله فلما كان ذلك منه بسبب، أسند الفعل إليه، كقوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى  ﴾ لما كان الرمي بتقوية الله وإرادته وخلقه نسبه إلى نفسه.

ومما يقوي هذه القراءة قوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا ﴾ وأخرجهما في المعنى قريب من (فأزالهما) (٢٢) فإن قيل: على هذه القراءة يكون قوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا ﴾ تكريرا (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ .

أي: من الطاعة إلى المعصية.

وقيل: من الرتبة والمنزلة (٢٦) (٢٧) واختلفوا في كيفية وسوسة إبليس ووصوله (٢٨) (٢٩) ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى  ﴾ ، فأبى أن يقبل منه، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فاغترّا (٣٠) (٣١) وقال الحسن: إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان من الجنة (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

(الهبوط) النزول من علو إلى سفل، وهو ضد الصعود (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال أبو إسحاق: كان إبليس أهبط أولاً، لأنه قال: ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ  ﴾ ، وأهبط آدم وحواء بعد ذلك، فجمع الخبر للنبي -عليه [الصلاة] (٣٦) (٣٧) وقال ابن الأنباري: مذهب الفراء أن ﴿ اهْبِطُوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وذريتهما لأن الأب يدل على الذرية إذ كانوا منه (٣٨) وقيل: إنه خطاب لآم وحواء.

والعرب تخاطب الاثنين بالجمع، لأن التثنية أول الجمع، ومثله من التنزيل قوله: ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ  ﴾ ، يريد حكم داود وسليمان، وقوله: ﴿ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ  ﴾ ، أراد أخوين (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

بعض الشيء طائفة منه (٤٠) وأنكر الأصمعي وأبو حاتم إدخال (الألف واللام) في بعض وكل وقالا: إنهما معرفتان بغير الألف واللام، [والعرب لا تدخل فيهما الألف واللام] (٤١) ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ  ﴾ (٤٢) والنحويون مجمعون على جواز إدخال الألف واللام عليهما (٤٣) وسنذكر ما قيل في (بعض) عند قوله ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ  ﴾ إن شاء الله.

و (العدو) اسم جامع للواحد والجميع وللذكر والأنثى، إذا جعلته في مذهب الاسم والمصدر فإن جعلته نعتاً محضاً ثنيت وجمعت وأنثت (٤٤) ومنه قول عمر لنساء النبي  : (أي عدوات أنفسهن) (٤٥) قال المفسرون: وأراد بهذه العداوة التي بين آدم وحواء والحية، وبين ذرية آدم من المؤمنين وبين إبليس، فإبليس عدو المؤمنين من ولد آدم، وعداوته لهم كفر، والمؤمنون (٤٦) (٤٧) وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي  أنه (٤٨) (٤٩) (٥٠) وروى ابن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله  أنه قال: "ما سالمناهن (٥١) (٥٢)  بالمحاربة قصة آدم وإدخالها إبليس الجنة (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ .

موضع قرار أحياءً وأمواتاً (٥٤) (ومتاع) المتاع: ما تمتعت به، أي شيء كان، فكل ما حصل التمتع به فهو متاع من زينة أو لذة أو عمر أو مال (٥٥) ومعنى التمتع: التلذذ (٥٦) (٥٧) (٥٨) قال الأعشى: حَتَّى إِذَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ صَبَّحهَا ...

زَوَالُ نَبْهَانَ يَبْغِي أَهْلَهُ مُتَعَا (٥٩) أي يبغيهم صيداً يتمتعون به، ويأتي الكلام في متعة المطلقة [[عند قوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ الآية [البقرة: 236].]] ومتعة الحج [[عند قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾ الآية [البقرة: 196].]] مستقصى إن شاء الله.

قال المفسرون: قلنا (٦٠) (٦١) (٦٢) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى حِينٍ ﴾ .

(الحين) وقت من الزمان، يصلح للأوقات كلها طالت أو قصرت (٦٣) (٦٤) قال الليث: وَحيَّنْتَ الشيء، جعلته له حِينًا (٦٥) (٦٦) (٦٧) وإنما قال (٦٨) (٦٩) (١) "الحجة" 2/ 17.

(٢) أي كان سببًا لهما لكسب الخطيئة التي عاقبهما الله عليها، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 234.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (زل) 2/ 1550، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 83، (٤) في (ب): (بالدلالة).

(٥) في (ب): (إنما).

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 234، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 37، "العمدة في الغريب" لمكي ص 73، فإبليس سبب ارتكابهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة، والله هو خالق الإنسان وخالق فعله.

(٧) في (ب): (وكما).

(٨) انتهى ما نقله المؤلف من "الحجة" عن الوجه الأول، ويعود مرة أخرى ينقل منه الوجه الثاني، "الحجة" 2/ 18.

(٩) ذكر جمهور المفسرين أن الكناية تعود على واحد من أمور: (1) الشجرة، (2) الجنة، (3) الطاعة، (4) الحالة التي هما عليها، (5) السماء، وهو بعيد، وأقربها: إما للشجرة فتكون (عن) للسبب، أو للجنة وهذا متعين على قراءة حمزة (أزالهما)، انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 46 ب، و"ابن عطية" 1/ 254، "الكشاف" 1/ 273، "زاد المسير" 1/ 67، "البحر" 1/ 162، و"تفسير ابن كثير" 1/ 85، "الدر المصون" 1/ 288.

(١٠) في (ب): (حملها).

(١١) في (ب): (تقع).

(١٢) انظر: "الأزهية في علم الحروف" ص 276، 279، "حروف المعاني" ص 79.

(١٣) في (أ)، (ج): (عمتك).

(١٤) لاه: أراد الله فحذف لام الجر ولام التعريف، يقول: لم بفضل علي في الحسب، ولا انت دياني: مالك أمري، فتخزوني: تقهرني.

ورد البيت في "المفضليات" ص160،162، "الخصائص" 2/ 288.

"الأزهية" ص 279 "حروف المعاني" ص 79 "مجالس العلماء" للزجاجي ص 71، و"شرح جمل الزجاجي" لابن عصفور 1/ 483، "أمالي المرتضى" 1/ 252، "الإنصاف" ص 335، "مغني اللبيب" 1/ 147، "الخزانة" 7/ 173، "اللسان" (دين) 3/ 1469، (عنن) 5/ 3143، (لوه) 7/ 4107.

(١٥) ما بين المعقوقين ساقط من (ب).

والمثبت في (أ)، (ج)، وغير مستقيم والأولى أن يؤخر قوله: (فجعل (عليّ) بمعنى (عني) بعد البيت.

(١٦) البيت لقُحَيف العُقَيْلِي، ورد في "النوادر" ص 481، "الكامل" 2/ 190، 3/ 98، "الخصائص" 2/ 311، 389، "المخصص" 14/ 65، 17/ 164، "الأزهية" ص 277، "الهمع" 4/ 176، "اللسان" (رضى) 3/ 1663، "الخزانة"10/ 132.

(١٧) (الحجة) 2/ 18.

(١٨) قوله: ويقال: زلت قدمه ..) وبيت لبيد ليس في "الحجة"، انظر: "تهذيب اللغة" (زل) 2/ 1550.

(١٩) وقوله: (أو فياله): هو صاحب الفيل الذي يسوسه، زحل: زل، يقول: لو يقوم الفيل أو صاحبه زل عن مكاني، قيل: هذا البيت مما عيب على لبيد، لظنه القوة الهائلة في صاحب الفيل، انظر: "ديوان لبيد" مع شرحه ص 194.

(٢٠) "الحجة" لأبي علي2/ 18.

(٢١) "السبعة" لابن مجاهد ص 154، "الحجة" لأبي علي 2/ 14، "النشر" 2/ 211، "البدور الزاهرة" ص 30.

(٢٢) في (ب): (فأزلهما).

"الحجة" لأبي علي 2/ 15، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 94، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي1/ 236، "الحجة" لابن خالويه ص 74.

(٢٣) أورد هذا السؤال والإجابة عنه أبو علي في "الحجة"، ونقله الواحدي هنا بنصه، وممن قال إن فيها تكريرا الطبري في "تفسيره"، حيث احتج بذلك على ترجيح قراءة عامة القراء، "تفسير الطبري" 1/ 235.

(٢٤) في (ب): (لأنه).

(٢٥) "الحجة" لأبي علي 2/ 16.

(٢٦) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 256، والقرطبي 1/ 266.

(٢٧) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 239، و"أبي الليث" 1/ 111، و"ابن عطية" 1/ 256، "البغوي" 1/ 83، "ابن كثير" 1/ 85، ويمكن حمل الآية على القولين الأخيرين.

(٢٨) الواو ساقطة من (ب) (٢٩) في (ب): (إلى الجنة).

(٣٠) في (ب)، (ج): (فاغتروا).

(٣١) هذا لفظ رواية ابن عباس، وبمعناه رواية وهب وقد أخرجهما الطبري 1/ 240، ذكر رواية ابن عباس: الليث في "تفسيره" 1/ 111، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 65 أ، و"البغوي" 1/ 83، و"ابن عطية" 1/ 256، و"القرطبي" 1/ 266.

(٣٢) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 63، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 67.

وهناك قول ثالث: أنه دخل الجنة في صورة حية، وهذا يرجع لأصول القول الأول، وقول رابع ذكره ابن جرير الطبري عن ابن إسحاق وهو: أنه وصل إليهما بطرق الوسوسة، وأنه يخلص إلى ابن آدم في حال نومه ويقظته، ولدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة، وأيد قوله بما ورد عن النبي  : أنه قال، "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".

كذا ذكر الطبري عن ابن إسحاق، ثم رد قوله ورجح أن الشيطان كلم آدم مشافهة لا وسوسة كما قال: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ  ﴾ ، ثم قال: (فالقول في ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبر الله جل ثناؤه، وممكن أن يكون وصل على ذلك بنحو الذي قاله المتأولون بل ذلك إن شاء الله كذلك، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك)، "تفسير الطبري" 1/ 240، قال ابن عطية 1/ 256: القول: أنه أغواهما مشافهة قول جمهور العلماء، ومثله قال القرطبي 1/ 266.

وإذا نظرنا إلى حال الروايات في كيفية دخول إبليس الجنة وقصة الحية مع إبليس وجدناها أخبارًا إسرائيلية كما قال ذلك ابن كثير في "تفسيره" 1/ 85، وقال "الرازي" بعد ذكره للقول الأول: واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه.

الرازي 3/ 15، قلت: الله سبحانه وتعالى أخبرنا أن إبليس أزل آدم وكان سببًا في إخراجه من الجنة كما قال ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ .

وكيف حصل ذلك، هل بالمشافهة وما طريق المشافهة، أو بالوسوسة؟

كل هذا من علم الغيب الذي لا يثبت إلا بالخبر عن الله سبحانه، أو رسوله، ولا خبر في ذلك يعتمد عليه، ولا ينبني على العلم به كبير فائدة فلا داعي للانشغال بمثله.

(٣٣) انظر: "تهذيب اللغة" (هبط) 4/ 2706، "تفسير ابن عطية" 1/ 257، و"القرطبي" 1/ 272، "زاد المسير" 1/ 68.

(٣٤) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأبي صالح، والسدي، ومجاهد، انظر "تفسير الطبري" 1/ 240، "تفسير وابن أبي حاتم" من طريق السدي عن ابن عباس 1/ 88 - 89، وذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 112، و"الثعلبي" 1/ 61 أ، و"ابن عطية" عن السدي 1/ 257، وانظر: "التعريف والإعلام" للسهيلي ص 19، "غرر التبيان" ص 201، و"زاد المسير" 1/ 68.

(٣٥) وهي روايات إسرائيلية كما قال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 85، انظر ما سبق.

(٣٦) (الصلاة): ساقط من جميع النسخ.

(٣٧) "معاني القرآن" للزجاج ص 48.

(٣٨) "معاني القرآن" للفراء: (قوله: ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ فإنه خاطب آدم وامرأته، ويقال أيضًا: آدم وإبليس، وقال (اهبطوا) يعنيه ويعني ذريته فكأنه خاطبهم) 1/ 31.

(٣٩) ذكر قول ابن الأنباري ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 68.

(٤٠) انظر "تهذيب اللغة" (بعض) 1/ 359، "اللسان" (بعض) 1/ 312.

(٤١) مابين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤٢) انظر كلام الأصمعي وأبي حاتم في "تهذيب اللغة" وقال أبو حاتم: ولا تقول العرب (الكل ولا البعض) وقد استعمله الناس حتى سيبوبه والأخفش في كتبهما لقلة علمهما بهذا النحو فاجتنب ذلك فإنه ليس من كلام العرب "التهذيب" (بعض) 1/ 491، و"اللسان" (بعض) 7/ 119.

(٤٣) ورد في "اللسان" بعد كلام أبي حاتم منسوباً للأزهري، ولم أجده في "تهذيب اللغة"، ولعله سقط من المطبوع، وفي "اللسان" عن ابن سيده: (استعمل الزجاجي بعضا بالألف واللام)، "اللسان" (بعض) 1/ 312.

(٤٤) في "التهذيب": (وقال أبو عمر: ..

و (العداوة) اسم عام من (العدو) يقال: عدو بيِّن العداوة وهو عدو، وهما عدو، وهن عدو، وهذا إذا جعلته في مذهب الاسم والمصدر.

فإذا جعلته نعتا محضا قلت: هو عدوك، وهي عدوتك، وهم أعداؤك، وهن عدواتك، "تهذيب اللغة" (عدا) 3/ 2347.

(٤٥) قطعة من حديث طويل في قصة دخول عمر على رسول الله  وعنده نساء من قريش، وفيه: (أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله  ؟

أخرجه البخاري عن سعد بن أبي وقاص (3294) كتاب (بدء الخلق) باب (صفة إبليس وجنوده)، وفي (3683) كتاب (فضائل الصحابة) باب (مناقب عمر)، وفي (6085) كتاب (الأدب) باب (التبسم والضحك)، ومسلم (2389) كتاب (الفضائل) باب: (فضائل عمر) "شرح النووي"، وأحمد في "المسند" 1/ 182.

(٤٦) في (أ)، (ج): (المؤمنين) وأثبت ما في (ب) لأنه هو الصواب.

(٤٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 84، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 235.

(٤٨) (أنه) ساقط من (ب).

(٤٩) في (ب): (خلقت هي والإنسان)، وهذا يوافق ما في الطبري، ومجمع الزوائد كما سيأتي.

وهو الصواب.

(٥٠) أخرجه الطبري بسنده في "تفسيره" 1/ 538، وهو في "مجمع الزوائد" ولفظه: (خلقت هي والإنسان سواء فإن رأته أفزعته ..) الحديث بمثل رواية الطبري قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه (جابر) غير مسمى، والظاهر أنه الجعفي، وثقة الثوري وشعبة، وضعفه الأئمة أحمد وغيره، 4/ 45 و (جابر) من رجال الطبري كذلك، وذكر الحديث السيوطي في "الدر" وعزاه إلى الطبري في "تفسيره" 1/ 108.

(٥١) (هن) ساقطة من (ب).

(٥٢) أخرجه الطبري بسنده، قال شاكر: (إسناده جيد والحديث مروي بأسانيد أخر صحاح)، "تفسير الطبري" 1/ 537، وأخرجه أبو داود (5248) كتاب (الأدب) باب (في قتل الحيات) عن أبي هريرة، وأخرج نحوه عن ابن مسعود (5249) وابن عباس "سنن أبي داود" معه "معالم السنن" (5250)، وأخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 247، 432، 520، وأخرجه نحوه عن ابن عباس 1/ 320، وقد حكم شاكر على أسانيد أبي داود وأحمد بأنها صحيحة كما في تحقيقه على الطبري.

(٥٣) قال الطبري: (وأحسب أن الحرب التي بيننا، كان أصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم، في إدخالها إبليس الجنة) 1/ 240 - 241، قال العظيم آبادي شارح سنن أبي داود: (منذ حاربناهن) أي منذ وقع بيننا وبينهن الحرب، فإن المحاربة والمعاداة بين الحية والإنسان جبلية، لأن كلا منهما مجبول على طلب قتل الآخر، وقيل: أراد العداوة التي بينها وبين آدم  ما يقال: إن إبليس قصد دخول الجنة فمنعت الخزنة فأدخلته الحية في فيها ...) عون المعبود 14/ 109.

وفي هامش سنن أبي داود قال يحيى بن أيوب: سئل أحمد بن صالح عن تفسير قوله: (ما سالمنا هن منذ حاربناهن) متى كانت العداوة؟

قال: حين أخرج آدم من الجنة، قال الله: ﴿ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  ﴾ ، قال هم قالوا: آدم وحواء، وإبليس والحية، قال: والذي صح: أنهم الثلاثة فقط، بإسقاط الحية، سنن أبي داود "معه معالم السنن" 5/ 410.

(٥٤) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 241، و"ابن عطية" 1/ 258.

(٥٥) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242، و"ابن عطية" 1/ 258.

(٥٦) قال ابن فارس (الميم والتاء والعين) أصل صحيح يدل على منفعة وامتداد مدة في خير ....

وذهب من أهل التحقيق بعضهم إلى أن الأصل في الباب (التلذذ) ...

وذهب منهم آخر إلى أن الأصل الامتداد والارتفاع ...

(معجم مقاييس اللغة) (متع) 2/ 293، 294.

(٥٧) في (ب): (مثل).

(٥٨) قال الليث: ومنهم من يقول: متعة، وجمعها (متع)، "تهذيب اللغة" (متع) 4/ 3337.

(٥٩) البيت للأعشى يصف صائدا، ويروى (ذؤال) و (من آل) و (ذوآل) بدل (زوال) وفي جميع النسخ (زوال) ولعلها تصحيف، ويروى (صحبه) بدل (أهله) وهوله: ذر قرن الشمس: أول ما يشرق منها، وذؤال: ذأل: أسرع ومشى في خفة، والذؤال: الصائد، متعا: جمع متعة: يعني يطلب لهم زادا وطعاما، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (متع) 4/ 3337، "اللسان" (متع) 7/ 4129، (ديوان الأعشى) ص108.

(٦٠) كذا في جميع النسخ، وفي "الوسيط" (فلنا) بالفاء 1/ 86، وهذا أولى.

(٦١) في (ج): (ينبتها).

(٦٢) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242.

(٦٣) ذكره الأزهري عن الزجاج، "تهذيب اللغة" (حين) 1/ 714، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 84، "اللسان" (حين) 2/ 1073.

(٦٤) ذكره الازهري عن الليث، "تهذيب اللغة" 1/ 714، انظر: "اللسان" (حين) 2/ 1074.

(٦٥) المراجع السابقة.

(٦٦) ذكره ابن جرير في "تفسيره" عن ابن عباس والسدي 1/ 242، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 65 أ، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 112، والزجاج في "المعاني" 1/ 84، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 259.

(٦٧) ذكره ابن جرير في "تفسيره" عن مجاهد 1/ 242، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 84، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 259.

(٦٨) في (ب): (قيل).

(٦٩) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 259، و"تفسير القرطبي" 1/ 275.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء كتسمية القمر والشجر وغير ذلك ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات، وبيّن أشخاص بني آدم وأجناس الأشياء ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ أمر على وجه التعجيز ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي في قولكم: إنّ الخليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ اعتراف ﴿ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ أي أنبئ الملائكة بأسماء ذريتك أو بأسماء أجناس الأشياء ﴿ اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ ﴾ السجود على وجه التحية وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ روي أنّ من أوّل من سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل عند من قال: إنه كان ملكاً.

ومنقطع عند من قال: كان من الجن ﴿ واستكبر ﴾ لقوله: أنا خير منه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ قيل: كفر بإبايته من السجود لآدم، وليس كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية ﴿ وَزَوْجُكَ ﴾ هي حواء خلقها الله من ضلع آدم، ويقال: زوجة، وزوج هنا أفصح ﴿ الجنة ﴾ هي جنة الخلد عند الجماعة وعند أهل السنة، خلافاً لمن قال: هي غيرها ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا ﴾ النهيُ عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدّاً للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع ﴿ الشجرة ﴾ قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم ﴿ فَتَكُونَا ﴾ عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ متعدّ من أزل القدم، وأزلهما بالألف من الزوال ﴿ عَنْهَا ﴾ الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.

فائدة: اختلفوا في أكل آدم الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ [طه: 115] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمداً وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر، وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من حنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذباً ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وزوجه وإبليس بدليل: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار وهو في مدّة الحياة، وقيل في بطن الأرض بعد الموت ﴿ وَمَتَاعٌ ﴾ ما يتمتع به ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى الموت ﴿ فتلقى ﴾ أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء ﴿ كلمات ﴾ هي قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ بدليل ورودها في [الأعراف: 23] وقيل غير ذلك ﴿ اهبطوا ﴾ كرر ليناط به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة، وأن يكون هذا الثاني لذرية آدم لقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ إن شرطية وما زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته ﴿ فَمَن تَبِعَ ﴾ شرط، وهو جواب الشرط الأوّل، وقيل: فلا خوف جواب الشرطين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ للملائكة اسجدوا ﴾ برفع الهاء للإتباع: يزيد وقتيبة.

وروى ابن مهران عنهما أنهما يشمان الكاف الكسر ويرفعان الهاء.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: الملايكة بغير همز، وكذلك كل كلمة في وسطها همزة مكسورة إلا قوله ﴿ السائلين ﴾ و ﴿ السائل ﴾ و ﴿ البائس ﴾ فإنهما بالهمز ﴿ شئتما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمر ويزيد والأعشى وورش، ومن طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف ﴿ فأزالهما ﴾ حمزة ﴿ آدم ﴾ نصب ﴿ كلمات ﴾ رفع ابن كثير ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ بالفتح حيث كان: يعقوب ﴿ هداي ﴾ و ﴿ محياي ﴾ و ﴿ مثواي ﴾ بالإمالة كل القرآن على غير ليث.

﴿ النار ﴾ بالإمالة كل القرآن، وكذلك كل كلمة في آخرها راء مكسورة بعد الألف في موضع اللام من الكلمة قرأها على غير ليث وأبي حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وحمزة في رواية ابن سعدان وأبو عمرو إلا أنه لا يميل ﴿ الجار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ في بعض الروايات.

فروى إبراهيم بن حماد عن اليزيدي ﴿ الجار ﴾ بالإمالة.

وروى ابن مجاهد عن اليزيدي ﴿ الغار ﴾ بالإمالة، وسائر الروايات عنه بالتفخيم لقلة دورهما.

واختلفوا في وقف أبي عمرو في مثل ﴿ النار ﴾ وأشباه ذلك.

فروى ابن مجاهد والحسن بن عبد الله عن النقاش وكثير من أهل العراق أنه يقف كما يصل، وروى سلمة بن عاصم أنه يقف بالتفخيم والأول أكثر.

الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ (ط) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا عامل فتجعل الجملة حالاً ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ شئتما ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ كانا فيه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين.

﴿ عدو ﴾ (ج) لاختلاف الجملتين ﴿ حين ﴾ (ه) ﴿ فتاب عليه ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ج) ﴿ جميعاً ﴾ (ج) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر.

وقيل: الجملة خبر بعد خبر لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل: الرمان حلو حامض ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما خصص الله  أبانا آدم بالخلافة ثم علمه من العلوم ما ظهر بذلك مزيته على جميع الملائكة، اقتضت حكمته البالغة أن جعله مسجوداً لهم وهذا مقتضى النسق ههنا ظاهر إلا أن قوله  في موضع آخر ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين  ﴾ يقتضي أن يكون الأمر بالسجود قبل تسوية خلقه، وأنه كما صار حياً صار مسجوداً لهم.

وتعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد سجدتهم.

والله أعلم بذلك.

ثم إن المسلمين أجمعوا على أن ذلك السجود لم يكن للعبادة لأنه  لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر، فزعم بعض أن السجود كان لله  وآدم كالقبلة.

فقوله ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ مثل قولك "صل للقبلة" قال حسان بن ثابت: ما كنت أعرف أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليـــس أول مـــن صلـــى لقبلتكـــم *** وأعرف الناس بالقرآن والســنن؟

وهو ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم، وجعله مجرد القبلة لا يفيد كونه أعظم حالاً من الساجد.

وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ وزيف بأنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير.

وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة ولكن لا عبادة بل تكرمة وتحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم.

قال قتادة في قوله ﴿ وخروا له سجداً  ﴾ كان تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة والأوقات.

واختلف في أن إبليس من الملائكة أم لا.

فقال أكثر المتكلمين لا سيما المعتزلة: إنه لم يكن منهم.

وقال كثير من الفقهاء: إنه كان منهم حجة الأولين أنه من الجن لقوله  في الكهف ﴿ إلا إبليس كان من الجن  ﴾ فلا يكون من الملائكة.

وأيضاً قال ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ ورد الأول بأن الجن قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون، وبأن كان يحتمل أن تكون بمعنى صار.

والثاني بأنه لا يلزم من كون الجن في هذه الآية نوعاً مغايراً للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضاً مغايراً، لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللغة وهو الاستتار.

وقالوا: إن إبليس له ذرية لقوله  ﴿ أتتخذونه وذريته أولياء من دوني  ﴾ والملائكة لا ذرية لها لأنها تحصل من الذكر والأنثى ولا إناث فيهم لقوله ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ منكراً عليهم وأيضاً الملائكة معصومون لما سلف، وإبليس لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه من النار ﴿ خلقتني من نار  ﴾ وأنهم من نور لقوله  "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار" رواه الزهري عن عروة عن عائشة.

ومن المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، فقيل سموا بذلك لأنهم من الريح أو من الروح.

وأيضاً الملائكة رسل ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ورسل الله معصومون ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ حجة الآخرين أنه استثناه من الملائكة، وحمله على المتصل أولى، لأن تخصيص العمومات في كتاب الله أكثر من الاستثناء المنقطع.

قيل: إنه جني واحد مغمور بين ظهراني ألوف من الملائكة فغلبوا عليه، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متصلاً.

وأجيب بأن التغليب إنما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطاً عن درجة الاعتبار، أما إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التغليب.

وأيضاً لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب بـ ﴿ اسجدوا ﴾ وحينئذ لم يستحق بترك السجود لوماً وتعنيفاً، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ معهم والتصق بهم فتناوله الأمر لما بين في أصول الفقه أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين، ولا أن يقال إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر إلا أنه  أمره بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله ﴿ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك  ﴾ لأن قوله ﴿ أبى واستكبر ﴾ عقيب قوله ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ مشعر بأن المخالفة بسبب هذا الأمر، هذا ما قيل عن الجانبين.

ومما يناسب تفسير الآية الكلام في أن الأنبياء أفضل من الملائكة أم بالعكس، قال أكثر أهل السنة بالأول، ومالت المعتزلة والشيعة إلى الثاني، واختاره الباقلاني وأبو عبد الله الحليمي من فقهاء أهل السنة.

المعتزلة احتجوا بأمور: أحدها ﴿ ومن عنده لا يستكبرون  ﴾ وليس المراد عندية المكان والجهة بل عندية القرب والشرف.

وعورض بما حكى عنه  "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" بل هذا أبلغ لأن كون الله  عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عنده.

قالوا: الآية تدل على أنه  يقول الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض والآفات، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، فالبشر مع غاية ضعفهم وقصورهم أولى بذلك.

وأجيب بأنه لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب.

الثانية: عباداتهم من عبادات البشر فيكون ثوابهم أكثر لقوله  لعائشة "أجرك على قدر نصيبك" ولقوله "أفضل العبادات أجزها" أي أشقها.

وأما بيان أن عباداتهم أشق فمن وجهين: أحدهما أنهم سكان السموات وهي جنان ومنتزهات وهم مع ذلك لا يلتفتون إلى نعيمها ويقبلون على طاعاتهم خائفين وجلين وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ﴿ إن الإنسان ليطغى.

أن رآه استغنى  ﴾ ويؤكده قصة آدم فإنه أطلق له في الجنة جميعها إلا شجرة واحدة ومع ذلك لم يملك نفسه، والثاني أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من طعام إلى طعام، والإقامة على نوع واحد تورث السآمة وهذا شأن الملائكة ﴿ وإنا لنحن الصافون.

وإنا لنحن المسبحون  ﴾ ومنهم ركوع ومنهم سجود منذ خلقوا.

وعورض الوجه الأول بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر، ثم إنهم راضون بقضاء الله مواظبون على تكاليفهم، ولذلك كان العبيد والخدم تطيب قلوبهم بالخدمة حال الرفاهية، ولا يصبر أحد منهم على مشقة الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص.

والثاني بأن العادة طبيعية خامسة ولهذا قال  : "أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" الثالثة: عباداتهم أدوم ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ وخير الأعمال أدومها، مع أن أعمارهم أكثر.

وعلى الآية سؤال.

روي عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ لا يفترون  ﴾ ثم قال ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة، أفلا تكون الرسالة واللعن مانعين عن التسبيح؟

فأجاب بأن التنفس لا يمنعنا من الاشتغال بشيء آخر، فكذلك التسبيح لهم.

وزيف بأن آلة النفس فينا غير آلة الكلام، وأما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام، فاجتماعهما في آلة واحدة محال.

وأجيب باحتمال أن يكون لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله  ببعضها ويلعنون أعداءه ببعض آخر، وبأن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي، أو المراد لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: فلان يواظب على الجماعات.

يعنون أنه عازم على أدائها في أوقاتها.

ونوقضت الحجة بأن الطاعة القليلة من الإنسان قد تقع على وجه يستحق بها ثواباً من ثواب طاعاتهم.

الرابعة: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ﴿ والسابقون السابقون.

أولئك المقربون  ﴾ "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الخامسة: الملائكة رسل إلى الأنبياء ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ نزل به الروح الأمين  ﴾ والرسول أفضل من الأمة قياساً على الشاهد.

ومنع بأن هذا إذا كان الرسول حاكماً على المرسل إليهم ومتولياً لأمورهم كالأنبياء المبعوثين إلى أممهم، أما في مطلق الرسول فلم قلتم إنه كذلك كما لو أرسل الملك عبداً من عبيده إلى وزيره أو إلى ملك آخر.

السادسة: أنهم أتقى من البشر لدوام خوفهم ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ مع وجود شهوة الترفع والرياسة فيهم ولهذا قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وإن لم يكن لهم شهوة الأكل والوقاع، فوجب أن يكونوا أفضل ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ ورد بأن تقوى الإنسان أكمل فإن لهم مع شهوة الرياسة شهوة البطن والفرج أيضاً.

السابعة: ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون  ﴾ خرج الثاني مخرج التأكيد للأول.

ومثل هذا إنما يكون بذكر الأفضل بعد الفاضل.

كقولك: هذا العالم لا يستنكف عن خدمة الوزير ولا الملك.

فيفيد أفضلية الملائكة المقربين في المعاني المصححة للعبودية من نهاية الخضوع والخشوع ما يتبعها مع شدة بطشهم وقوة حالهم.

وعورض بأنه قد يقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمة القاضي ولا السلطان، ولا يفيد إلا أن السلطان أكل من القاضي في بعض الأمور كالقوة والقدرة، ولا يدل على كونه أكمل من القاضي في سائر الدرجات كالعلم والزهد.

فلم قلتم: إنهم أفضل من البشر في كثرة الثواب؟

قلت: والحق أن جميع الدرجات مندرجة تحت العبودية كما أشرنا إليه فيما مر، فيفيد أفضلية الملائكة.

لكن المقربين منهم فقط دون غيرهم ومفضولية المسيح فقط دون غيرهم كمحمد  .

الثامنة: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فهذا وإن كان حكاية قول إبليس، إلا أن آدم وحواء لو لم يعتقدا أفضلية الملك لم يغترا بذلك واعتقادهما حجة.

ورد بأن آدم لعله أخطأ في ذلك الاعتقاد، إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء، أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت، وأيضاً هب أنه حجة لكنه قبل الزلة لم يكن نبياً فلا يلزم من مفضوليته وقتئذ مفضوليته وقت نبوته، وإن سلم مفضوليته ونبوته وقتئذ فلا نسلم أن ذلك في باب الثواب بل في باب القدرة والقوة والحسن والجمال.

ونحو ذلك فإنهم خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فاغتر رغبة فيما لهم من هذه الأمور.

وأيضاً يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فيصح استدلالكم، وأن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة الخالدين دونكما كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً.

ويكون المعنى أن المنهي عنه هو فلان دونك، فكان غرض إبليس إيهام أنهما لم ينهيا.

وأيضاً غاية ما في الباب أن الآية تدل على مفضولية آدم ولا يلزم منه مفضولية جميع الأنبياء كمحمد  .

التاسعة: ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك  ﴾ أي لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات، ولا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علمهم، وذلك أنه لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض، وإنما نفي أن يكون له مثل ما لهم من الصفات الجسمية والقوى العظيمة.

ورد بأنه لا يلزم من عدم الاستواء في كل الصفات حصول الاختلاف في جميعها.

العاشرة: ﴿ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم  ﴾ ولا يخفى أن التشبيه في السيرة من غض البصر وقمع النفس عن المحرمات بدلالة وصفه بالكرم لا في الصورة.

ورد بأن قولها ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه  ﴾ كالتصريح بأن مراد النساء تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال، فذلك يظهر عذرها في عشقها.

ولئن سلمنا أن التشبيه في الأخلاق المرضية فذلك لا يوجب مفضوليته من جميع الجهات، على أن قول النساء لا يصلح لأن يكون حجة.

الحادية عشرة: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً  ﴾ وذلك أن المخلوقات إما غير المكلفين والإنسان أفضل منهم، وإما المكلفون وهم الملائكة والإنس والجن والشياطين.

ولا ريب أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كانوا أفضل من الملك أيضاً لزم كون البشر أفضل من أكل المخلوقات، فينبغي أن يقال: وفضلناهم على جميع من خلقنا.

ورد بأن كونه أفضل من كثير لا يدل على أنه ليس بأفضل من الباقي إلا بدليل الخطاب وهو غير حجة.

وأيضاً ثبت أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الآخر أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني.

وأيضاً الكلام في التفضيل الحاصل بسبب الكرامة المذكورة في أول الآية ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ولا يلزم من كون الملك أفضل من البشر في تلك الكرامات وهو حسن الصورة والطهارة واستخراج الأعمال العجيبة أن يكونوا أفضل منهم في الأشياء الموجبة للثواب.

الثانية عشرة: الأنبياء ما استغفروا إلا بدأوا بأنفسهم قال نوح ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ وقال إبراهيم ﴿ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين  ﴾ ثم قال ﴿ واغفر لأبي  ﴾ وقال لمحمد ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ﴾ والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة للمؤمنين ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك  ﴾ ورد بأن هذا لا يدل إلا على صدور الزلة من البشر وعدم صدورها عنهم، وهذا لا يوجب أفضليتهم في القرب والثواب على الإطلاق ومن الناس من قال: استغفارهم للبشر كالعذر عما طعنوا فيهم بقولهم ﴿ أتجعل فيها  ﴾ .

الثالثة عشرة: ﴿ وإن عليكم لحافظين  ﴾ ويدخل فيه الأنبياء وغيرهم، والحافظ للمكلف عن المعصية أفضل من المحفوظ.

وأيضاً جعل كتابتهم حجة للبشر وعليهم فيكونون أفضل.

ورد بأن الحافظ والشاهد قد يكون أجود حالاً من المحفوظ والمشهود.

الرابعة عشرة: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً  ﴾ والمقصود بيان عظمة الله وجلاله.

ورد بأن هذا يفيد قوتهم وبطشهم فقط كما يقال: إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك الأطراف.

وهذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده.

الخامسة عشرة: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ﴾ والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ولهذا لما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً *** قال عمر بن الخطاب: لو قدمت الإسلام لأجزتك.

ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله  والمشركين، وقع التنازع في تقديم الاسم، وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية.

ومنع من أن الواو لا تفيد الترتيب، وعورض بتقديم ﴿ تبت ﴾ على "الإخلاص".

السادسة عشرة: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ جعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي  وعورض بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ ولا تشريف بل تتشرف الأمة بذلك.

السابعة عشرة: إن جبرائيل أفضل من محمد  لأن الله  وصفه بست من صفات الكمال ﴿ إنه لقول رسول كريم.

ذي قوة عند ذي العرش مكين.

مطاع ثم أمين  ﴾ ثم وصف محمداً  بقوله ﴿ وما صاحبكم بمجنون  ﴾ وشتان بين الوصفين.

ورد بأنه وإن وصفه ههنا بهذا القدر لاقتضاء المقام ذلك فقط، فقد وصفه في مواضع أخر بما يليق به ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً  ﴾ .

الثامنة عشرة: إن جبريل كان معلماً للنبي  ولغيره من الأنبياء، لا في العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالعقل.

كالعلم بذات الله  ، بل في العلم بكيفية مخلوقاته وما فيها من العجائب، والعلم بأحوال العرش والكرسي والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الموجودات وأحوال الأمم الخالية والقرون الماضية، والمعلم أفضل ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ومنع من كون الملائكة أعلم بدليل قصة آدم، ولأن تعليم جبريل كان بالحقيقة تعليم الله  ولم يكن جبريل إلا واسطة، ولئن سلم مزيد علمهم منع كثرة ثوابهم.

التاسعة عشرة: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ وهذه تدل على أنهم بلغوا في الترفع إلى حد لو خالفوا أمر الله لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية.

ورد بأن مزيد قدرتهم لا يوجب مزيد ثوابهم.

العشرون: قال  حكاية عن الرب  "إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه" وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف.

ورد بعد قبول خبر الواحد أنه لا يلزم منه إلا أن الملأ الأعلى خير من ملأ عوام البشر، ولا يلزم من ذلك كونهم أفضل من الأنبياء.

واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة عندهم أفضل من الأرواح الناطقة البشرية لوجوه: الأول: الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة، والبشر مركب من النفس والبدن، ولكل منهما قوى وأجزاء، والبسيط خير من المركب، لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط.

وعورض بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط، ولهذا جعل أبو البشر مسجوداً للملائكة، وبأن الملائكة ليس لها إلا الاستغراق في مقاماتها النورية.

والنفوس البشرية قواها وافية بكلا الطرفين، ومحيطة بضبط أحوال العالمين فتكون أفضل.

الثاني: الجواهر الروحانية بريئة عن الشهوة والغضب المستلزمين للفساد وسفك الدماء بخلاف البشر.

ورد بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص.

وأيضاً من البين أن درجتهم حين قالوا ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ أعلى منها حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة، وهذا في البشر أكثر، ولهذا قال  حاكياً عن ربه "أنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين" الثالث: أنها بريئة من طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها المنحصرة في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا قال  "وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة" ولا خفاء أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة.

ورد بأن بعض الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيل، إلا أن هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين المسماة عندهم بالعقول المجردة، وإنما يجري في النفوس الفلكية.

الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء، والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك.

ورد بأنه لا قديم في الوجود إلا الله.

ولئن سلم أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها.

وعورض بما عليه كثير من المحققين أن النفوس البشرية أيضاً أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم، إلا أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات، وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة.

الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة.

فأين أحدهما من الآخر؟

ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو بالانقياد لرب العالمين.

السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل، أما الأول فبالاتفاق على إحاطة الأرواح السماوية بالمغيبات، ولأن علومهم فعلية فطرية كلية دائمة تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك.

وأما العمل فلقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ واعترض بأن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع.

فلا تكون لذة الملائكة من العلم والعمل كلذة البشر لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانية والحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص به البشر، ولعل هذا هو المراد من قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ الآية.

ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب.

لكن الحرارة في الدق لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه الحالة ليست للملائكة لأجل الاستمرار ولا لغير الانسان لعدم الاستعداد فكان الإنسان لها بالمرصاد.

السابع: الروحانيات لها قوة على تقليب الأجسام وتصريف الأجرام، وقواهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب.

وإنك ترى الخامة اللطيفة تشق الصخرة الصماء، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر العلوية، فما ظنك بتلك الجواهر أنفسها والأرواح السفلية ليست كذلك؟

وما يحكى من قوة الشياطين على الأمور الصعاب ممنوع، ولئن سلم فالأرواح العلوية أقدر على ذلك مع أنهم يصرفون قواها إلى منازل العالم السفلي لا فيما هو شر لهم.

واعترض بأنه لا مانع من أن تتفق نفس ناطقة بشرية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف.

الثامن: الملائكة لهم اختيارات فائضة من أنوار جلال الله متوجهة إلى الخيرات، واختيارات البشر مترددة بين جهتي العلو والسفل والخير والشر، وإنما يتوجه إلى الخير بإعانة الملك على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه، ويحتمل أن يقال فتكون إذن أعمالهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

التاسع: الأفلاك كالأبدان، والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح.

فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان.

وكما أن اختلافات أحوال الأفلاك مباد لحصول الاختلافات في هذا العالم، فكل أرواح العالم العلوي يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون عللاً ومبادي لها، فهذه هي الآبار وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادعاء المساواة فضلاً عن الزيادة.

وأجيب بأنه لا مؤثر عندنا إلا الله  .

العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادلها، منها نزلت فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية وصعدت إلى عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف، منه المبدأ وإليه المنتهى.

واعترض بأن هذا مبني على عدم حشر الأجساد ودون ذاك خرط القتاد.

الحادي عشر: أليس أن الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟

أليس أن الملائكة يعينونهم في المضايق ويهدونهم إلى المصالح كما في قصة لوط وكيوم بدر وحنين، وكما في قصة نوح في نجر السفينة؟

فمن أين لكم تفضيل الأنبياء مع افتقارهم إلى الملائكة في كل الأمور؟

وأجيب بأن أول الفكر آخر العمل ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليته.

الثاني عشر: القسمة العقلية بأن الأحياء إما خيرة محضة وهم الملائكة، أو شريرة محضة وهم الشياطين، أو خيرة من وجه شريرة من وجه آخر وهم البشر، تحكم بأفضلية الملك.

وكذا التقسيم بالناطق المائت وهو الإنسان، والناطق غير المائت وهو الملك، والمائت غير الناطق وهي البهائم، يرشد إلى أن الإنسان متوسط الرتبة بين الكمال والنقصان.

فالقول: بأنه أفضل قلب للقسمة العقلية ونزاع في ترتيب الوجود.

وأجيب بما مر غير مرة من أن النزاع في كثرة الثواب.

حجة القائلين بفضل الأنبياء على الملائكة؛ الأول: أن الله  أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة، وأمر الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح، والجواب أن القبح العقلي غير ثابت.

الثاني: جعله خليفة له خلافة الولاية كما مر، وخلق الدنيا متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، ولعن إبليس لسبب التكبر عليه، وجعل الملائكة حفظة أولاده ومنزلين لأرزاقهم ومستغفرين لزلاتهم، ومع جميع هذه المناصب يقول "ولدينا مزيد" فإذن لا نهاية لهذا الشرف والكمال.

الثالث: أنه كان أعلم لقوله ﴿ أنبئهم بأسمائهم ﴾ والأعلم أفضل.

الرابع: ﴿ أن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ والعالم كل ما سوى الله  ، فيلزم اصطفاؤهم على الملائكة.

ولا يشكل هذا بقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ إلى قوله ﴿ فضلتكم على العالمين  ﴾ لأن تلك الآية دخلها التخصيص لما يعلم أنهم غير مفضلين على محمد  ، وههنا لا دليل فوجب إجراؤه على الظاهر من العموم.

الخامس: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ والملائكة من العالمين والتقرير ظاهر.

السادس: عبادة البشر أشق لأن الآدمي له شهوة تدعوه إلى المعصية بخلاف الملائكة، ولأن الآدمي مأمور بالاستنباط والقياس ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ ولا يخفى ما فيه من المشقة، والملائكة لا يعلمون إلا بالنص ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ولما يعرض للآدمي من الشبهات ككون الأفلاك والأنجم أسباباً للحوادث اليومية فيحتاجون إلى دفعها، والملائكة حيث إنهم يشاهدون عالم الملكوت آمنون من ذلك، ولأن الشيطان مسلط على الآدمي دون الملك، وإذا كانت طاعتهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

السابع: خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وجمع الأمرين للآدمي.

ثم إذا غلب هواه عقله صار أدون من البهيمة أولئك ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

فإذا غلب عقله هواه وجب أن يصير أشرف من الملك اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر.

الثامن: الملائكة حفظة بني آدم والمحفوظ أعز من الحافظ.

التاسع: روي أن جبريل  أخذ بركاب محمد  حتى أركبه على البراق ليلة المعراج، ولما وصل محمد  إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل وقال: لو دنوت أنملة لاحترقت.

العاشر: قوله  "إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض.

أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فابو بكر وعمر" فدل على أن محمداً  كالملك وجبريل وميكائيل وزيران، فهذا تمام الكلام في حجج الفريقين، وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

ثم إنه  لما استثنى إبليس من الساجدين وكان من الجائز أن يظن أن به عذراً بيَّن أنه غير ذي عذر بقوله ﴿ أبى ﴾ لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار ولهذا فقد العاطف نحو قولك "أبشر بما يسرك عيني تختلج" لا تقول "فعيني" لأنها بيان، ثم إنه جاز أن لا يكون الإباء مع الكبر فعطف عليه ﴿ واستكبر ﴾ ليعرف أن الإباء منضم إلى الاستكبار، وكان من الجائز أن يظن أن كبره لم يوجب الكفر فأزيل الظن بقوله ﴿ وكان من الكافرين ﴾ .

وللعقلاء ههنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما كان مؤمناً قط.

وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني في أول الملل والنحل عن شارح الأناجيل الأربعة على شبه منظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة؛ الأول: إنه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عني فلم خلقني؟

وما الحكمة في خلقه إياي؟

الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟

وما الحكمة في التكليف مع أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟

الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟

وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي؟

والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد، فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك ولي فيه أعظم الضرر؟

والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟

والسادس: إذ خلقني وكلفني عموماً وخصوصاً ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم؟

وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة؟

والسابع: سلمت هذا كله، فلم إن استمهلته أمهلني، وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم؟

ليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟

فقال شارح الإنجيل: فأوحى الله  إلى الملائكة قولوا له: أما تسليمك الأول أني الهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي وأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل، وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ولا جواب عنها بالتحقيق إلا الذي ذكره الله  .

فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخالق في الخالق.

فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم إلا لله كقوله ﴿ لأسجد لبشر خلقته من صلصال  ﴾ لا أسجد إلا لك.

فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الأخير مظهرها، ولهذا قال  ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين  ﴾ وشبه النبي  كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال "القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة، والرافضة - يعني الغلاة - نصارها" وقال  : "لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" القول الثاني أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا.

فمن قائل معناه "وكان من الكافرين في علم الله" أي كان الله عالماً في الأزل بأنه سيكفر.

فصيغة "كان" متعلقة بالعلم لا بالمعلوم.

ومن قائل إن "كان" بمعنى "صار".

وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمناً فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين.

وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد بدليل قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا وإن كانت كبيرة، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر.

نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق.

ثم إن قوله ﴿ من الكافرين ﴾ هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحداً منهم؟

قال قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة "من" للتبعيض.

وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد.

ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إنه  خلق خلقاً من الملائكة ثم قال لهم ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ قالوا: لا تفعل ذلك.

فبعث الله ناراً فأحرقتهم.

وكان إبليس من أولئك.

وقال آخرون: معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك، لأن الكفر كان ظاهراً عند نزول الآية، أو لأن الإفراد الذهنية تكفي في صحة الجمع.

فإن الحيوان المخلوق أوّلاً يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا الحيوان أي من أفراد هذه الماهية، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو قول الأكثرين.

واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون  ﴾ .

وأيضاً استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ذلك الحكم.

ومن الناس أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة.

وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة.

قوله  ﴿ وقلنا يا آدم اسكن ﴾ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضراً.

روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه.

فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف.

وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك.

فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري.

لا تصير الدار ملكاً له.

وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة.

ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه ﴿ خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها  ﴾ وقال  "إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها" وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله  لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله  عليه النوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة.

فسألها من أنت؟

قالت امرأة.

قال: ولم خلقت؟

قالت: لتسكن إليّ.

فقالت له الملائكة امتحاناً لعلمه: ما اسمها؟

فقال: حواء.

قالوا: ولم؟

قال: لأنها خلقت من شيء حي.

قيل: فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا: أمهرها.

قال: فما صداقها؟

قالوا: أن تصلي على محمد وآله.

قال: ومن محمد؟

قالوا: من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت.

وعن ابن عباس قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة.

فهذا الخبر يدل على أ ن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال.

ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء؟

وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى؟

فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله  ﴿ اهبطوا مصراً  ﴾ قالا: لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى ﴿ وما هم منها بمخرجين  ﴾ ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه  خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم.

وقال الجبائي: هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض.

وقال الجمهور: هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.

واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.

و "أنت" تأكيد للمستكنّ في "اسكن" ليصح العطف عليه.

و ﴿ رغداً ﴾ وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و ﴿ حيث ﴾ للمكان المبهم أي أيُّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن "حيث" قد يعبر به عن زمان مجهول.

وإنما قيل ههنا ﴿ وكلا ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ فكلا ﴾ لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله  في البقرة ﴿ وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا  ﴾ بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال: وإن دخلتموها أكلتم.

وفي الأعراف ﴿ وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا  ﴾ بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضاً، فلهذا لم يعطف ههنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء.

والنهي في ﴿ لا تقربا ﴾ للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز.

لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلاً على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء.

وقيل: نهي تحريم قياساً على قوله ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن  ﴾ وقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم  ﴾ ولقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة.

والجواب أن التحريم في ﴿ ولا تقربوهن  ﴾ بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله  .

ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الإكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحاً قوله ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما  ﴾ .

وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.

قال المبرد: وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً، وقد لا يختص بما له ساق قال  ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين  ﴾ وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف.

واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضاً إلى بيانه.

فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصوداً فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثاً، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال: اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب.

كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن ههنا تقصيراً في البيان.

﴿ فتكونا ﴾ جزم عطفاً على ﴿ تقربا ﴾ ونصب جواباً للنهي.

﴿ من الظالمين ﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.

قوله ﴿ فأزلهما الشيطان ﴾ الآية.

تحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنهما ولفظة ﴿ عن ﴾ في هذه الآية كـ ﴿ هي ﴾ في قوله ﴿ وما فعلته عن أمري  ﴾ فالضمير للشجرة.

وقيل: أذهبهما وأبعدهما كما تقول: زل عن مرتبته وزلت قدمه.

فالضمير للجنة، ومن قرأ ﴿ أزالهما ﴾ فهو من الزوال عن المكارم مما كانا فيه أي من النعيم والكرامة، أو من المكان الذي هو الجنة إن كان الضمير في ﴿ عنها ﴾ الشجرة.

واعلم أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السلام، والنزاع إما في باب الاعتقاد، أو في باب التبليغ، أو في باب الأحكام والفتيا، أو في أفعالهم وسيرتهم.

أما اعتقادهم الكفر والضلال فغير جائز عند أكثر الأئمة.

وقالت الفضيلية: إنه قد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم.

وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية، وأما ما يتعلق بالتبليغ فاجتمعت الأمة على عصمتهم عن الكذب والتحريف في ذلك لا عمداً ولا سهواً وإلا ارتفع الوثوق.

ومنهم من جوز ذلك سهواً لأن الاحتراز غير ممكن، وأما المتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز الخطأ فيه عمداً، وأما السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون.

وأما المتعلق بأفعالهم فالحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمداً، وأكثر المعتزلة جوّزوا الصغائر عنهم عمداً إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، والجبائي لا يجوّز صغيرة ولا كبيرة على جهة العمد بل على التأويل.

وقيل: لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم يؤاخذون به وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم، لأن معرفتهم أقوى وهم على التحفظ أقدر.

والشيعة لم يجوّزوا صغيرة ولا كبيرة منهم لا عمداً ولا سهواً ولا على سبيل التأويل والخطأ.

وفي وقت عصمتهم ثلاثة أقوال: فمذهب الشيعة أنهم معصومون من وقت مولدهم، والمعتزلة من وقت بلوغهم ولم يجوزوا الكفر والكبيرة منهم قبل النبوة، وبعضهم وأكثر أصحابنا على تجويز ذلك قبل النبوة، والمختار أنهم لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة لا الكبيرة ولا الصغيرة لوجوه: الأول: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة مصداقه قوله عز وجل من قائل ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ وصغائر الرجل الكبير كبائر *** ولا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة بالإجماع.

والثاني: وبتقدير إقدامه على الفسق لا يكون مقبول الشهادة لقوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا  ﴾ لكنه شاهد عدل من الله بأنه شرع الدين وكذا يوم القيامة { ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ .

الثالث: وبتقدير إقدامه على الكبيرة.

يجب زجره وإيذاؤه، لكنه محرّم ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ﴾ .

[الأحزاب: 57].

الرابع: أنه  لو أتى بمعصية لوجب علينا الاقتداء به لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ والجمع بين الوجوب والحرمة محال.

الخامس: نعلم بالبديهة أنه قبيح لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وجعله خليفة في عباده وبلاده، ثم إنه يقدم على ما نهاه عنه ترجيحا لهواه حتى يستحق اللعن والعذاب.

السادس: ﴿ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم  ﴾ يكون حينئذ منزلاً في شأنه، ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه  ﴾ .

السابع: ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات  ﴾ واللفظ للعموم فيشمل فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

الثامن: ﴿ وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار  ﴾ ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ والوصف بالاصطفاء ينافي الذنب.

التاسع: أنه  حكى عن إبليس ﴿ لأغوينهم أجمعين.

إلا عبادك منهم المخلصين  ﴾ والأنبياء من المخلصين لقوله  في حق يوسف ﴿ إنه من عبادنا المخلصين  ﴾ وفي حق موسى ﴿ إنه كان مخلصاً  ﴾ فكذا غيرهما.

العاشر: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين  ﴾ ولا يخفى وجوب كون الأنبياء منهم وإلا كان غير النبي أفضل من النبي.

الحادي عشر: الخلق قسمان: حزب الله ﴿ ألا إن حزب الله هم المفلحون  ﴾ وحزب الشيطان ﴿ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون  ﴾ والعصاة حزب الشيطان، فلا يجوز أن يكون النبي عاصياً.

الثاني عشر: النبي  أفضل من الملك كما مر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فالنبي أولى.

الثالث عشر: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ والإمام من يؤتم به والمذنب لا يجوز الاقتداء به في ذنبه.

الرابع عشر: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ فإن كان عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان عهد الإمامة فالنبي أولى به، "روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله  على وفق دعواه فقال  : كيف شهدت لي فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات، أفلا أصدقك في هذا القدر؟

فصدقه رسول الله  فيه وسماه بذي الشهادتين" ، ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.

المخالف تمسك في باب الاعتقاد بقوله ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة  ﴾ إلى قوله ﴿ جعلا له شركاء  ﴾ وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما.

والجواب ما سيجيء في الأعراف إن شاء الله  ، من أن الخطاب لقريش والمعنى: خلقكم من نفس قضى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي.

قالوا: إن إبراهيم لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر لقوله ﴿ هذا ربي  ﴾ ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ والجواب: هذا ربي استفهام منه بطريق الإنكار وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أراد به أن يؤكد علم اليقين بعين اليقين فليس الخبر كالمعاينة.

قالوا: ﴿ فإن كنت في شك  ﴾ ﴿ فلا تكونن من الممترين  ﴾ يدل على أنه كان شاكاً في الوحي قلنا: الخطاب له والمراد الأمة مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ .

قالوا في باب التبليغ ﴿ سنقرئك فلا تنسى.

إلاّ ما شاء الله  ﴾ هذا الاستثناء يدل على النسيان.

والجواب عنه أن هذا النسيان نوع من النسخ كما يجيء في تفسير قوله  ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها  ﴾ .

قالوا ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته  ﴾ والجواب سوف يجيء في سورة الحج إن شاء الله  : قالوا: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر ﴾ إلى قوله ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم  ﴾ ولولا الخوف من وقوع التخبيط في الوحي لم يستظهر بالرصد، قلنا هذا عليكم لا لكم لدلالته على كونهم محفوظين عن التخبط.

قالوا في باب الفتيا ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث  ﴾ ﴿ وما كان لنبي أن يكون له أسرى  ﴾ ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم  ﴾ قلنا: الجميع محمول على ترك الأولى، وسوف يجيء قصة كل في موضعها على أنا نقول شعراً: يا سائلي عن رسول الله كيف سها *** والسهو من كل قلب غافل لا هي قد غاب عن كل شيء سره فسـها *** عما سوى الله فالتعظيم لله.

فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود.

قالوا في الأفعال ﴿ وعصى آدم ربه فغوى  ﴾ والعصيان يوجب الوعيد ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ والغي ضد الرشد ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب، وإنه ظالم لقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ وأنه أخرج من الجنة، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة.

والجواب، المنع من أن هذه الأمور كانت بعد النبوة.

ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد النبوة، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسياً، أو في حال كونه ذاكراً، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد.

قيل عليه إن قوله ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ وقوله ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ يدل على أنه ما نسي وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما، خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله  : أفراراً مني؟

فقال: بل حياء منك.

فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟

قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك بما كنت أرى أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا نكداً.

وأيضاً لو كان ناسياً لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، رفع القلم عن ثلاث.

وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل إنما وقع عقيب قول إبليس، لأنه كان عالماً بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدواً له ولزوجه، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة، لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش.

وما روي عن ابن عباس فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم، بل لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي  "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل" "إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم" وقيل: إن حواء سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة على غير الكرمة حتى يكون مأذوناً في تناول غيرها، إلا أنه يرد عليه أن خمر الجنة لا تسكر ﴿ لا فيها غول  ﴾ .

الذاهبون إلى أنه فعله عامداً أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق.

ومنهم من قال: كان عمداً من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك الوقت كان نبياً، وقد عرفت فساده.

ومنهم من قال: فعله عمداً لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً لا يعذر بدعوى الخوف، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك.

ومنهم - وهو اختيار أكثر المعتزلة - من قال: إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ فلفظ ﴿ هذه ﴾ قد يشار بها إلى الشخص، وقد يشار بها إلى النوع كما روي "أنه  أخذ حريراً وذهباً بيده وقال هذان حرامان على ذكور أمتي.

وتوضأ ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وأراد نوع الحرير والذهب، ونوع الوضوء.

فمراد الله  من كلمة ﴿ هذا ﴾ ذلك النوع لا الشخص.

وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع.

واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة الشخصية، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئاً؟

وأيضاً هب أن لفظ ﴿ هذا ﴾ متردد بين الشخص والنوع، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في معرفتها فيكون مذنباً، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئاً.

وأيضاً الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية.

وأيضاً هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: كل مجتهد مصيب.

فلا خطأ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ فيها معذور بالاتفاق.

وأجيب بأن لفظ ﴿ هذا ﴾ يستعمل في الإشارة النوعية أيضاً كما مر، وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة، فلهذا عوتب.

وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذراً حتى لا يصير الذنب كبيراً، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن النبي  قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة.

قيل: وقد يحمل الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله ﴿ لا تقربا ﴾ تناولهما معاً، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله.

فإن قيل: كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم فيها؟

قلت: إما لأنه دخل فم الحية خافياً عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية عقوبة لها على ما يروى - وإن كان بعيداً - عن أبي هريرة أنه  قال: ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك منهم شيئاً خيفة فليس منا.

يعني الحيات.

وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة، وإما لأنهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس، وإما لأنه كان يدنو من السماء فيكلمهما.

وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة.

وإسناد الإذلال والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب أنها كانت وسوسة إبليس، فمعصية إبليس بوسوسة من؟

ولا بد من الانتهاء إلى الذي لا يسأل عما يفعل.

فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟

قلنا: هي التي حكاها الله  ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فلما لم يفد عدل إلى اليمين ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا الله منهم.

ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا والله أعلم بحقائق الأمور.

﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك، وقيل: خطاب لهما وللحية.

وقيل: الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضاً لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، والدليل عليه ما جاء في طه ﴿ اهبطا منها  ﴾ وقوله ﴿ فإما يأتينكم  ﴾ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.

و ﴿ اهبطوا ﴾ أمر أو إباحة.

والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف.

وإنما قيل: إنه تكليف لا عقوبة لما ترتب عليه من الثواب العظيم.

ويمكن أن يقال: نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك.

ومعنى ﴿ بعضكم لبعض عدو  ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض.

وليست هذه هي العداوة المأمور بها في قوله ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا  ﴾ فلا يدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا، لأن عالم التضاد والتنافي ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع ﴿ مستقر ﴾ استقرار أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت.

﴿ ومتاع ﴾ تمتع بالعيش ﴿ إلى حين ﴾ هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم.

والحين المدة طويلة أو قصيرة، ولهذا لو قال: أنت طالق إلى حين.

فمضت لحظة طلقت.

وفي قصة آدم وما جرى عليه بسبب الزلة معتبر عجيب وموعظة بليغة بينة كافية في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، ولله در القائل: يـــا ناظــراً يرنــو بعينــي راقـــــد *** ومشاهداً للأمـر غيــر مشــاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي *** درك الجنان ودرك فوز العابد أنســيت أن الله أخــــرج آدمــــــــاً *** منهـا إلـى الدنيـا بذنب واحــد؟

وعن فتح الموصلي: كنا قوماً من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.

تطلــب الراحـــة فـي دار العنــا *** خــاب من يطلب شيئاً لا يكون قوله ﴿ فتلقى ﴾ الآية.

أصل التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع الاستقبال للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول، والأخذ ﴿ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم  ﴾ أي تلقنه، ثم بعض الأفعال قد يشترك فاعله ومفعوله في صلاحية وصف كل منهما بالفعل فيتعاوضان عمله فيهما.

تقول: بلغني ذاك وبلغته، وأصابني خير أو نالني وأصبته أو نلته ﴿ وتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول وتلقى آدم كلمات أي جاءته واتصلت به، ولا يجوز أن يكون معنى التلقي من الرب، أن الله  عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد أن يعرف ماهية التوبة، ويتمكن بعقله من تدارك الذنوب فضلاً عن الأنبياء فإذن المراد أنه نبهه على المعصية على وجه آل أمره إلى التوبة، أو عرّفه وجوب التوبة وكونها مقبولة، أو ذكره نعمته العظيمة عليه حتى صار من الدواعي القريبة إلى التوبة، أو علمه كلمات لو حصلت التوبة معهن كمل حالها من قوله  ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

وفي رواية ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟

قال: بلى.

قال: ألم تسكني جنتك؟

قال: بلى.

قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟

قال: نعم.

وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟

قال: علم الله آدم وحوّاء أمر الحج فحجا، فهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله  إليهما إني قبلت توبتكما.

وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

وقالت عائشة: لما أراد  أن يتوب على آدم  طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى الركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي.

فأوحى الله  إلى آدم: يا آدم، قد غفرت لك ذنبك، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها.

وفي كلام الغزالي: أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: أولها علم، وثانيها حال، وثالثها عمل.

فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر، وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات محبوبه، وتأسف على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات.

ويسمى ذلك التأسف ندماً، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ملابساً له، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبداً.

وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم السابق كالمقدمة، والترك اللاحق كالثمرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "الندم توبة" وجميع هذه الأمور بتوفيق الله ولطفه إنه هو التوّاب الرحيم.

والتوبة لغة الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه لأن العاصي هارب عن ربه، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه عنه، فإذا عاد إلى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه، وهذا معنى قبول التوبة من الله وغفران ذنوب العباد "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ومعنى المبالغة في الثواب أن واحداً من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب قبل توبته، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، والله  بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر، بل لمحض الإحسان واللطف والرحمة والجود، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل، فكلما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض إليه لا محالة.

وأيضاً يستحق المبالغة من جهة أخرى وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول التوبة ووصفه بالرحمة.

روي عن رسول الله  أنه قال "لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر، وإذا آل حال أبينا إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء" ولذا قال نبينا  "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" فنحن أحق بالاستغفار، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا ريناً، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس، ولكن يمنع كمال ضوئها.

والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعاً بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ .

قيل في تأويل الحديث: إن الله  أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف والشقاق، وكان إذا ذكر ذلك وجد غيناً في قلبه فاستغفر لأمته.

قيل: كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان.

وقيل: الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو، وهذا تأويل أرباب الحقيقة.

وقال أهل الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات، فكان يستعين بالرب  في دفع تلك الخواطر.

وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه.

فقال  : جعلت صدورهم مساكن لك.

فقال: رب زدني.

فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة.

قال: رب زدني.

قال: تجري منه مجرى الدم.

قال: رب زدني.

قال: اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد.

قال: فشكا آدم إلى ربه فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك.

فقال الله  : لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء.

قال: رب زدني.

قال: الحسنة بعشر أمثالها.

قال: رب زدني.

قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر، والغرغرة تردد الروح في الحلق.

وسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها الندم على ما مضى، وثانيها العزم على ترك الذنوب في المستقبل، وثالثها أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله، والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام، والسادس إذاقة البدن مرارة الطاعات كما ذاق حلاوة المعاصي.

وكان أحمد ابن الحرث يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب.

وإنما اكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك على أنها قد ذكرت في موضع آخر ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

(قوله) ﴿ قلنا اهبطوا ﴾ الآية.

قيل: فائدة تكرير الأمر بالهبوط أنهما هبوطان: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض.

وضعف بأنه لو كان كذلك لكان ذكر قوله ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ عقيب الهبوط الثاني أولى.

وأيضاً قوله ﴿ منها ﴾ يدل على أن الهبوط الثاني أيضاً من الجنة والأوجه أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة وتابا بعد الأمر بالهبوط، وقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط يرتفع بزوال الزلة، فأعيد الأمر مرة ثانية ليعلما أن حكمه باقٍ تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله  ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ووجه ثالث وهو أن يكون التكرير للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ روي في الأخبار أن آدم هبط بجزيرة سرنديب من الهند، وحواء بجدة من أرض الحجاز، وإبليس بالأيلة من نواحي البصرة، والحية بأصفهان، فلم يتلاقيا مائة سنة، ثم ازدلفا أي تقاربا بالمزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفات يوم عرفة، وتمنيا على الله  المغفرة والتوبة بمنى، فحصلت أسماء هذه المواضع من هذه المعاني.

وما في ﴿ إما ﴾ مزيدة لتأكيد الشرط ويؤيده لحوق النون المؤكدة والشرط الثاني وجزاؤه مجموعين جواب الشرط الأول.

تبع واتبع بمعنى، وإنما جاء في طه ﴿ فمن اتبع  ﴾ موافقة لقوله فيها ﴿ يتبعون الداعي  ﴾ وفي الهدى وجهان: أحدهما المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على نعمة أخرى عظيمة فكأنه قال: وإذ قد أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى: إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع.

عن الحسن: لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى الله  إليه: يا آدم، أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لولدك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس.

أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فإذا عملت آجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فأن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به.

وقيل: هو رسول وكتاب بدليل ﴿ والذين كفروا كذبوا بآياتنا  ﴾ في مقابلة ﴿ فمن تبع هداي ﴾ في الإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن.

وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني، لأن قوله ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين.

وجمع قوله ﴿ فمن تبع هداي ﴾ تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها، وجمع قوله ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ جميع ما أعد الله  لأوليائه، لأن الخوف ألم يحصل للنفس من توقع مكروه، أو انتظار محذور، وزواله يتضمن السلامة من جميع الآفات.

والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب، ونفيه يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات.

وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف عند الموت، ولا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الميزان، ولا عند الصراط ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون  ﴾ وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله  ﴿ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى  ﴾ ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم  ﴾ ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين  ﴾ وفي الحديث "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار رسول الله  بيده إلى فيه" .

وحديث الشفاعة وقول كل نبي "نفسي نفسي" إلا نبينا  فإنه يقول: " أمتي أمتي " مشهور.

قلت: لا ريب أن وعد الله حق، فمن وعده الأمن يكون آمناً لا محالة، إلا أن الإنسان خلق ضعيفاً لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة، لأنه لا يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين، وأيضاً إن جلال الله وعظمته يدهش الإنسان براً كان أو فاجراً.

وأيضاً ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة، فلا عمل إلا بالإخلاص، ولا حكم بالإخلاص إلا لله  ، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.

ولهذا جاء "والمخلصون على خطر عظيم" وكان دأب الصدّيقين أن يخلطوا الطمع بالخوف، والرغبة بالرهبة، ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً  ﴾ ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وقيل: ﴿ لا خوف عليهم  ﴾ أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله  ثم سلاهم فقال لهم ﴿ ولا هم يحزنون  ﴾ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا.

ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأن مجاري الأمور في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن.

وقال  "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" قلنا: المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره لا يرى شيئاً من المكاره مكروهاً، وإنما مراده مراد حبيبه ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً  ﴾ فبترك الإرادة يصح نسبة العبودية، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان ﴿ والذين كفروا ﴾ لجحدهم مولاهم ﴿ وكذبوا بآياتنا ﴾ لإثباتهم حكماً لهم بحسب مشتهاهم وهواهم ﴿ أولئك أصحاب النار ﴾ وملازموها دائماً سرمداً سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أعاذنا الله منها بعميم فضله وجسيم طوله.

التأويل: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ بخلاف الطبيعة تعبداً ورقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم، اسجدوا له تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله  كما قال ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثواباً لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله ﴿ يسبحون بمحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس ﴿ فسجدوا إلا إبليس ﴾ لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعاً ﴿ وكان من الكافرين ﴾ لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملاً تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضاً فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه "هل من مزيد" ولا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها ﴿ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ﴾ وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله في الحقيقة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ .

ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال.

وأيضاً لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانياً فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسان حريص على ما منع وأيضاً إنه  وسع أسباب الانبساط أولاً ثم ضيق عليه الأمر آخراً.

وأدنيتني حتـى إذا مــا فتنتني *** بقول يحل العصم سهل الأباطــح.

تجافيت عني حين لالي حيلة *** وغادرت ما غادرت بين الجوانح.

خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض.

أيضاً كما مر ثم عاتبه بقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب السماع وقربه نجياً حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال ﴿ ربي أرني  ﴾ عاتبه بسطوة ﴿ لن تراني  ﴾ وذلك أن البلاء والولاء توأمان والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان أعز وأمنع والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المختال.

﴿ فلما ذاقا ﴾ شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار السلام؟

وأين الفارغ السالي من المحب الغالي؟

فبتنا على رغم الحسود وبيننا *** حديث كطيب المسك شيب به الخمر.

فلما أضاء الصبح فـرق بيننـا *** وأي نعيــــم لا يكــــدره الــــدهــــر؟.

وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، واتخذا عدوّاً بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب.

فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة.

فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وقال  "إن داود قال: يا رب لم خلقت الخلق؟

فقال: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" .

ثم إنه بعدما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ في المستقبل ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ .

قال الشيخ -  -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم  من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأَحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيءٍ، ووجهوا إليه بالإِحاطة.

ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبْلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشةٌ أَوْلى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ...

﴾ الآية [النحل: 50].

وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ .

وما جاءَت به الآثار عن رسول الله  من وصف طاعتهم لله ومواظبتهم على العبادة.

وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلاً من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله  ، وبالله المعونةُ والعصمة.

قال الله  لملائِكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية.

زعم قوم أن هذا زلةٌ منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟!

كالمنكرين لفعله.

وأَيدوا ذلك بقوله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أَن يكون هو يعلم ما لا يعلمون.

وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقروناً بقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ فائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.

ومنهم من قال: إن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكوراً باسم الجماعة؛ لأَنه جائِزٌ خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكرُ الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله  لجملة ملائِكته حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ...

﴾ الآية.

قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون.

ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك.

ثبت أَن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.

ويكشف عن ذلك أَيضاً عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [البقرة: 33] ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلةٍ سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأَشقياءِ، فضلاً عن الكرام البررة.

ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ: نحو قولِهِ: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ .

وقوله لرسول الله  : ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ولملائِكته: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ  ﴾ .

واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة.

ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأَمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله  ، وما أوعدوا لو ادَّعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخيْر والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية.

وقال أيضاً: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.

فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عبادتهم، والممتَحَنُ مَخُوفٌ منه الزَّلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه الله  ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يُستَحقُّ قبلَه، ولا يُلْزمه أحدٌ من خلقه.

فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإِياس، والحث على الفراغ إلى الله  بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم الله أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه.

وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزَّلة، بل الله  عصمهم عنها، ولكن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ يخرج على وجهين: أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم الله أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبِّحك بذلك، ونقدس لك؟!

أَو كيف تحتمل عقولهم عصياناً - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!

فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداء لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.

وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.

فأَخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.

وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبراً وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَرٌ لغيرهم وموعِظةٌ، ولغير ذلك من الوجوه.

والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفعٌ، جل ثناؤه، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.

وذلك كقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [النور: 50] على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.

مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ بمعنى: إنكم وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.

وقال: ومعنى قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ : أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكرَّهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيىء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.

ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.

فأَراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ الله وامتنانُه، ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق الزَّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أَمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأْنهم، ولعظم قدرهم.

كما قد عاتب الله نبيه  في أَشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله  : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 37].

ولم يكن إثْمٌ في ذلك، وقال ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...

﴾ الآية [أول سورة التحريم]؛ [لأنه] من غير أَن كان منه عصان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.

ثم تكلموا في معنى ذلك: فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأَنه لا يُفَضِّل أَحداً عليهم.

ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأَن في الجن والإِنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم.

ومنهم من [يقول: ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم:] ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ .

قال قوم: يريد به آدم  ، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان.

وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ ولم يكن آدم -  - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.

ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده - إلى يوم القيامة - أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا.

وجائِز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قراراً ومِهاداً ومعاداً، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام الله  ودينه، كقوله لداود  : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ فجعله كذلك ليحكم بين أَهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم.

وقولُه: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل: بأَمرك.

وقيل: بمعرفتك.

وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أَنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهم بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أَن يحمَدوا الله - بما وفقوا له - أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا.

ولذلك - والله أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أَولياءِ الله، ولا قوة إلا بالله.

ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضِّل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟

فأَظهر الله عز وجل أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة.

وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة باالإِنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره.

ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين.

ولكن يحتمل وجوه العتاب الإِخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ ﴾ .

يحتمل: أن يكون علم لهم.

ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به.

وفي ذلك تثبيت أحد وجهين: إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدَّرك بالبصر عند النَّظر وفتح العين.

وإما أن يكون الله  خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله  أَنه علم.

وكذا قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ .

وكذا قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ  ﴾ ، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه.

وكذلك قول الملائكة: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك فى القرآن كثير.

وإن كان في الحقيقة أَمراً، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأْمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث.

ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا.

أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكّرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم  في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ذكره أَولاً حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا و  .

وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق.

أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل.

وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله  .

قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على الغيب بلا تعليم ادَّعوه من الله  .

وفي قصة آدم  دلالة نبوة محمد  ؛ إذْ أَخبر نبينا محمد  بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم.

ذكرَها على ما لم يَدِّع أَحدٌ - له العلمُ بها - النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه بالله علم ذلك.

وفيها دلالة فضل آدم  أَبِى البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا بالله.

وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أُمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدُّد في القول من قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة.

والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم  حتى صيّر مَنْ أَبَى كافراً إبليساً.

وفي ذلك أيضاً دليل فضل آدم  ؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ الله معه، وبالله التوفيق وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادةً؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم  : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ  ﴾ ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ الله إله.

دليل ذلك تسمية العرب كلَّ شيء يعبدونه إلهاً، ولا قوة إلا بالله.

ثم السجود يحتمل وجهين: [الوجه الأول]: الخضوع كما قال الله  : ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الحج: 18].

وقوله: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ ، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، [فكلذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله  إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم]، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلَّهُ، ويخضعَ له.

والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمرُه ويجِلُّ قدره، أَمر سهلٌ، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثيرُ تفاوت اشتدَّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع.

فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر فى نفسه، وهو إبليس.

وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أَن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُّهم أَنهم أَحقُّ بأَن يكونوا متبوعين، والله أَعلم.

والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين: أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أَن يأْتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات.

وفي ذلك دليل بيِّن: أَنَّ السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق.

ومثله أَمر سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف  ، والله أعلم.

والثاني: أَن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله  ، نحو السجود إلى الكعبة لله  تعظيماً له، وتبجيلاً لكعبته، وتخصيصاً من بين البقاع.

كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ  ، تعظيماً له وتبجيلاً من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان.

ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُوي عن النبي  أَنه قال: "لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها" ولم جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافاً بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك مما لا يُحتمَل لأَحدٍ دون الله؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملاً له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سَبِّ من يُعْبَد من دون الله خَوْفاً لسبِّ الله، ويؤمر بأُمور ليست - بنفسها - بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُرْبة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك.

وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم  في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله  عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب.

وقولُ الملائِكة: ﴿ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنىً، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان بالله خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إمَّا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه  كيف يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ...

﴾ الآية [الحج: 52].

أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنع.

فقالوا: ﴿ سُبْحَٰنَكَ ﴾ ؛ نزّهوا عَمَّا خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم.

ووصَفوا بأَنه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : لا يخفى عليه شيء.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ : لا يخطىء في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وبالله التوفيق والعصمة.

وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كلَّ من عرف الله.

وبه أَمر الله  نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...

﴾ الآية: [الإسراء: 36].

وسُئل أَبو حَنيفة -  - عن الإِرجاءِ ما بدؤُه؟

فقال: فعل الملائكة إذا سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله  .

ومَعنى الإرجارِ نوعان: أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم الله  فيهم بما يشاء، ولا يُنْزلهم ناراً ولا جنة؛ لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ .

والإِرجاء المذموم هو الجبْر، أَن تُرجَأَ الأَفعالُ إلى الله  ، لا يجعلُ للعبد فيه فعلاً، ولا تدبيرَ شيءٍ من ذلك.

وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال: "صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ" والقدرية: هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيراً، ولا له عليه قدرةَ التقدير.

والمرجئةُ: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلاً ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأَوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلاً، ولله تقديراً، ومن العبد تحركاً بخير أَوْ شر، ومن الله خلقه.

وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.

وكذلك قال رسول الله  : "خير الأُمور أَوساطها" وكذلك قال الله  : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [البقرة: 143]، ولا قوة إلا بالله.

وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماءٌ، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد.

وعن ابن عباس -  ما - قال: كان الملائكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة.

وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم  إكراماً له، والله أعلم.

ثم اختلف في إِبليس: قال بعضهم: هو من الملائِكة.

وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه: أَحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائِكة له بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6].

وقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19].

وصف الله  طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه.

والثاني: قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ والملائِكة إنما خلقوا من النور.

والثالث: قوله  : ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّ هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة.

ثم قال في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلاً من أَهل المدينة.

وذلك جائِز في اللغة.

ويستدل بالاستنثاء أَن الأَمر كان عليهم جميعاً في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعاً؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ  ﴾ دل أَنْ كان هنالك أَمرٌ للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، والله أعلم.

وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصصَ - مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة - أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ لو لم يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله  لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [ الأنبياء: 29] مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأَنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه.

وأَما قوله: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ أي صار من الجن.

وقيل: الجنُّ أَراد به الملائكة؛ سُمُّوا جنّاً لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ .

وأما قوله خلق الملائِكة من النُّور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز وجل - أنه خلقه من مارج من نار.

وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره.

ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟

قيل: إنَّه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمةً.

وقيل: كفر لما رأَى أَن الله  وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جوراً؛ فكفر به.

وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر.

وقيل: كفر لما أَضمر إضلال الخلق.

وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَى لنفسه فضلاً عليه بقوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

أي صار كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ .

وكقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ أي: صار.

وقيل: كان في علم الله  أَنَّه سيكفر.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات.

دليله: قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

وذلك أيضاً ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستاناً، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا.

ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحوّاء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنةٌ من جنات الدنيا؟

إذ ليس في الآية بيان ذلك.

وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطاً بلا ذكر؛ لأنه قال: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان شرطاً فيه.

ثم مضى الأَمر من الله  لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرةً نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء.

وقوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

قوله: ﴿ رَغَداً ﴾ أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وسِّع عليه، وكثر مالهُ.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

أَي: لا تأْكلا.

دليله قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا ﴾ ؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول.

واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه.

ثم اختُلف في تلك الشجرة: فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظاً لما عصيا ربهما بها.

وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له.

وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا  ﴾ والله أعلم.

والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي.

ولا وحي في تلاوتها.

ولا يجوز الْقطعُ على شيء من ذلك.

ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوهاً: أَحدها: إيثار الآخر عليه.

وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثاراً لآخر عليه.

ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداءٍ يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على جهة الإيثار، ولكن إشفاقاً عليه ورحمة.

ويحتمل أيضاً النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكناً هذا محتملاً حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمة، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داءٍ؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما.

وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة.

وقوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: الضّارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعاً.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه.

ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد الله نسيان ترك الذكر.

وأَبى ذلك قوم.

واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ: أحدها: ما جرى في حكم الله -  - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين.

والثاني: أَنَّ عَدُوَّه قد ذكَّره لو كان ناسياً؛ حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ...

﴾ الآية [الأعراف: 20].

وقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ  ﴾ .

ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأَن استزلهما الشيطان ونحو ذلك.

فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسيٍّ متروكاً، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله.

أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان.

وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته.

ومن يقول: بأَنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه: أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد.

والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان النسيان عدوّاً في الأُمور وسبباً للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء.

وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصياناً بأَوجه: أَحدها: أَنه لم يكن امتُحن بأَنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك.

وإنما امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله.

وكذلك النسيان فما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل.

ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.

والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيْره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان من غَيْره.

وعلى ما ذكر في أَمر يونس  من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.

وكذلك ما عوتب محمد  فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقاً عليهم، وحرصاً على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق.

والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ  ﴾ ، وبالله التوفيق.

وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم - على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود - بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبداً على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألاَّ يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه: أَحدها: للحرمة.

والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهي قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع.

يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرر؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر.

وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر.

واسم الضرر يأْخذ ضررَ الداءَ، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا بالله.

وقد يحتمل النهي أَن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الأَمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم.

وإذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه.

وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهامٌ في النفس - على ما يكون لكثير من الأخيَار - إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا بالله.

والأَصل في هذا أَن فعله  إن كان على نسيان العهد، أو على الذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة.

وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَنَّ الله إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغيِّر عليه نعمة أَنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَيِّر نعمَهُ التي أَنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم.

وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقد قال الله  : ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ .

وقد كان قال لهما: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ .

فكان فيما بُليَ به وجهان: أَحدهما: أَن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإِيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك.

ثبت أَنه لا كلُّ ذنبٍ يزيل اسمَ الإِيمان، وأَن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصى الله في شيء.

وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً  ﴾ ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يليق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام الله في أَهل المآثم.

والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإِيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر.

وكذلك فعل أَولاد يعقوب.

ثم لم يجترىء أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها.

وقد كان عذب آدم  - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيماً.

ثم اختلف في الوجه الذي بلى: منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة.

وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنبٍ.

وقيل: بليا لتنبئة الخلق - بهما - ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سبباً لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء.

وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأْمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومَنِّه؛ لا بتدبير أَحد وجهده، وإن كان الله  يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله.

وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزَّلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب.

كما قال يوسف -  -: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [يوسف: 53].

وقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ .

ثم اختلف في ماهية الشجرة: قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيباً بما بلى به أبو البشر وأُمهم.

وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس.

وقيل: شجرة العلم، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق.

فالأَصل أَن هذا النوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وبالله العصمة.

والأَصل فيه أَن الله  فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والترد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: تصيران منهم.

وكذلك القول في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أي: صار منهم.

ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أَنَّ ثَمَّ خالقاً غيره.

ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة: فقال الحسن: كان آدم -  - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك.

وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية.

وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ...

﴾ الآية [طه: 117] فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره الله عنه، والله أَعلم كيف كان ذلك.

وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه.

ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوةُ إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر.

ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه.

ونحن نقول - وبالله التوفيق -: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله  جعل للحق أَعلاماً، وكذلك الباطل.

وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله  : ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ  ﴾ : وقد علم آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون ملكاً، وقد خلق من طين والملائكة من نور، ولكن يكون على فضل الملائكة.

﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى.

ولو صدَّقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا أَعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء.

وذلك كما يقول الرجل لآخر - في شيء يقتل عليه أَو يقطع له -: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدُم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك.

وكذا من يُذكِّر أَحداً بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأْتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان.

وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه.

وذلك إقدامٌ على أَثر ما ذكر على ما يصف أَنه كان يعلم أَنه أَمرٌ فظيع يوجب فِعله - على العلم بالنهي - أَنه لا ينال به خيراً، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى.

وهذا لو كان شهده كان فظيعاً أَن يدَّعيَه على أَبي البشر، ومن قد فضَّله الله بالذي سبق ذكره.

بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام - على ما يكون للأخْيار - أَو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أَن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر.

ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟!

بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا.

وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين.

ثم قدم ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل - على قوله - لا معنى له؛ لأَنَّه يجعل فعلهم جبراً - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فيكف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم.

ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيانٌ؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد.

ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد.

وجائز أَن يكون آدم -  - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات.

والله قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئاً مما ذكر، ولا قوة إلا بالله.

ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ ويُبقىَ من شاءَ.

فقولُ الحسنَ - إِنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك [الوقت].

وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذِّكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله.

ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم -  - قد علم أَن الملائكة لا يموتون.

لا أَدري ما هذا؟

أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟

لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن الله، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزَّلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَنه قد تُسمَّى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأَشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ .

من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما الله -  - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه.

ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟

ومن أَين كان؟

ولماذا كان؟.

قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسداً منه لما رآهما يتقَلّبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه.

وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، والله أعلم.

ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟

أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟

فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم.

وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر.

فإذا رأَى ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر.

وعلى ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أَعلم.

ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟

قيل: بلى.

فإن قيل: فإذا أَطاع أَلاَ يكفر؟

قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته.

وكذلك روي عن أبى حنيفة -  - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب.

والأَصل: أَن الفعل الذى يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعاً، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ ﴾ .

قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً  ﴾ أي: انزلوا فيه.

ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان.

وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو.

والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهره.

وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذُؤابتها.

فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك.

غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوةُ طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوةُ اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ .

يقرون فيها، كقوله: ﴿ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

أي: متاعاً لكم إلى انقضاء آجالكم.

ويحتمل: متاعاً لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها.

وقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ ﴾ .

أي: أخذ.

وقوله: ﴿ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .

قيل: إن فيه وجوهاً: قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ  ﴾ ، أي: وفق لهم التوبة فتابوا.

وقيل: خلق فعل التوبة منه، كما قلنا في قوله: ﴿ وَهَدَاهُ  ﴾ ، أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى.

وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز.

وقيل: إن التوبة هي الرجوع.

رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران والتجاوز، وبعضه قريب من بعض.

وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه.

والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة.

فآدم -  - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب ليه.

ولو كان مغفوراً له ما ارتكب لكان الدعاء فضلاً وتكلفاً، وبالله التوفيق.

والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: قابل التوبة.

وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ  ﴾ وقد ذكرنا في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ ما احتمل فيه.

﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين.

وقوله: ﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ .

ذكر هبوطهم جميعاً؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَيَّر الجمعَ في الفعل شرطاً.

وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ .

أي: ليأْتينكم.

وهذا جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ﴾ : فى الدنيا، ﴿ وَلاَ يَشْقَىٰ  ﴾ في الآخرة، إذا مات عليه.

وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.

فلو كانت الجنة تفنى ويَنقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عز وجل أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة.

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول.

وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها هان ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ويزين؛ حتَّى أوقعهما في الزلل والخطيئة بالأكل من تلك الشجرة التي نهاهما الله عنها، فكان جزاؤهما أن أخرجهما الله من الجنّة التي كانا فيها، , وقال الله لهما وللشيطان: انزلوا إلى الأرض، بعضكم أعداء بعض، ولكم في تلك الأرض استقرار وبقاء وتَمَتُّعٌ بما فيها من خيرات إلى أن تنتهي آجالكم، وتقوم الساعة.

<div class="verse-tafsir" id="91.an2Vk"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

مجمل الآيات السابقة أن هذا العالم لما استعد لوجود هذا النوع الإنساني واقتضت الحكمة الإلهية إيجاده واستخلافه في الأرض، آذن الله تعالى الأرواح المنبثة في الأشياء لتدبيرها ونظامها بذلك، وأن تلك الأرواح فهمت من معنى كون الإنسان خليفة أنه يفسد النظام ويسفك الدماء، حتى أعلمها الله تعالى بأن علمها لم يحط بمواقع حكمته، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى.

ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها، على أن کل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحًا واحدًا هو مبعث الشر ومصدر الإغواء فقد أبى الخضوع، واستكبر عن السجود، لما كان في طبيعته من الاستعداد لذلك، والاستعداد في الشيء إنما يظهر بظهور متعلقة، فلا يقال: إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود فكيف ظهر من الروح الإبليسي ما لم يسبق له وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدي لإغوائه؟

لا يقال ذلك لأنه كان مستعدًا لهذا العصيان والإباء فلما أمر عصى، ولا وجد خلقًا مستعدًا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه، كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجود كامنة في البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو.

ومجمل الآيات اللاحقة أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بها، ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم، وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم إلى ضده، ثم إن آدم تاب إلى الله من معصيته فقبله، ثم جعل سعادة هذا النوع باتباع هدى الله وشقاءه بتركه.

وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الإلهية التي فطر عليها الملائكة والبشر، وتسلية النبي  عما يلاقي من الإنكار، وتقدم وجه ذلك في الآيات السابقة، وأما وجهه في هذه الآيات فظاهر وهو أن المعصية من شأن البشر، كأنه يقول: فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا، فقد كان الضعف في طباعهم ينتهي إليهم من أول سلف لهم، تغلب عليهم الوساوس وتذهب بصبرهم الدسائس، انظر ما وقع لآدم وما كان منه، وسنة الله مع ذلك لا تتبدل، فقد عوقب آدم علی خطيئته بإهباطه مما كان فيه ، وإن کان قد قبل توبته، و غفر هفوته، فالمعصية دائمًا مجلبة الشقاء، وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم في اتباع الهداية الإلهية وشقاءهم في الانحراف عن سبلها.

وأما تفسير هذه الآيات فقد أختلف علماء من أهل السنة وغيرهم في "الجنة" هل هي البستان أو المكان الذي تظلله الأشجار بحيث يستتر الداخل فيه كما يفهمه أهل اللغة، أم هي الدار الموعود بها في الآخرة؟

والمحققون من أهل السنة على الأول .

قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمى بالتأويلات: نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين أو غيضة من الغياض كان آدم وزوجه منعمين فيها، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها، وهذا هو مذهب السلف ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السنة وغيرهم.

وبهذا التفسير تنحل إشكالات كثيرة وهي: أن الله خلق آدم في الأرض ليكون هو ونسله خليقة فيها فالخلافة مقصودة منهم بالذات فلا يصح أن تكون عقوبة عارضة.

أنه لم يذكر أنه بعد خلقه في الأرض عرج به إلى السماء ولو حصل لذكر لأنه أمر عظيم.

أن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون فكيف دخلها الشيطان الكافر الملعون.

أنها ليست محلًا للتكليف.

أنه لا يمنع من فيها من التمتع بما يريد منها.

أنه لا يقع فيها العصيان.

وبالجملة إن الأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها لا تنطبق على ما كان في جنة آدم، ومنه كون عطائها غير مجذوذ ولا مقطوع وغير ذلك.

قال تعالى ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  ﴾ ولم يقل (ادخل) ولو انتقل من الأرض التي خلق فيها إلى الجنة لقال هذا أو ما بمعناه مما يشير إلى الانتقال، فقوله ﴿ اسْكُنْ  ﴾ يشير إلى أن الخلقة كانت في تلك الجنة أو بالقرب منها، وقوله ﴿ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا  ﴾ إباحة للتمتع بتلك الجنة والتنعم بما فيها أي كلا منها أَكلًا رغدًا واسعًا هنيئًا من أي مكان منها إلا شيئًا واحدًا نهاهما عنه بقوله ﴿ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ  ﴾ لأنفسكما بالوقوع فيما يترتب على الأكل منها، ولم يعين الله تعالى لنا هذه الشجرة فلا نقول في تعيينها شيئًا، وإنما نعلم أن ذلك لحكمة اقتضته، ولعل في خاصية تلك الشجرة ما هو سبب خروجهما من حال إلى حال، وربما كان في الأكل منها ضرر، أو كان النهي ابتلاء وامتحانًا منه تعالى ليظهر به ما في استعداد الإنسان من الميل إلى الإشراف على كل شيء واختباره، وإن كان في ذلك معصية يترتب عليها ضرر.

قال تعالى ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا  ﴾ أي حولها وزحزحهما عن الجنة، أو حملهما على الزلة بسبب الشجرة وقرأ حمزة (فأزالهما) والشيطان إبليس الذي لم يسجد ولم يخضع وقد وسوس لهما بما ذكر في سورتي الأعراف وطه حتى أوقعهما في الزلل وحملهما على الأكل من الشجرة فأكلا ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ أي من ذلك المكان أو النعيم الذي كانا فيه فكان الذنب متصلًا بالعقوبة اتصال السبب بالمسبب ثم بين الله تعالى كيفية الإخراج بقوله ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا  ﴾ ، يعني آدم وزوجه وإبليس فلا حاجة لتقدير إرادة ذرية آدم بالجمع كما فعل مفسرنا (الجلال)، فإن العداوة في قوله  ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  ﴾ تنافي هذا التقدير فإن العداوة بين الإنسان والشيطان لا بين الإنسان وذريته.

والأصل في الهبوط أن يكون من مكان عالٍ إلى أسفل منه، ولذلك احتج به من قال إن آدم كان في السماء، وقد يستعمل في مطلق الانتقال أو مع اعتبار العلو والسفل في المعنى، وقال الراغب: الهبوط الانحدار على سبيل القهر ولا يبعد أن تكون تلك الجنة في ربوة فسمي الخروج منها هبوطًا أو سمي بذلك لأن ما انتقلوا إليه دون ما كانوا فيه أو هو كما يقال هبط من بلد إلى بلد كقوله تعالى لبني إسرائيل ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ  ﴾ أي أن استقراركم في الأرض وتمتعكم فيها ينتهيان إلى زمن محدود وليسا بدائمين ففي الكلام فائدتان: إحداهما- أن الأرض ممهدة ومهيأة للمعيشة فيها والتمتع بها.

والثانية - أن طبيعة الحياة فيها تنافي الخلود والدوام، فليس الهبوط لأجل الإبادة ومحو الآثار، وليس للخلود كما زعم إبليس بوسوسته إذ سمى الشجرة المنهي عنها (شجرة الخلد وملك لا يبلى) يعني أن الله أخرجهم من جنة الراحة إلى أرض العمل لا ليفنيهم، وعبر عن ذلك بالاستقرار في الأرض، ولا ليعاقبهم بالحرمان من التمتع بخيرات الأرض، وعبر عن ذلك بالمتاع، ولا ليمتعهم بالخلود وعبر عن ذلك بكون الاستقرار والمتاع إلى حين.

ثم قال ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ  ﴾ أي ألهمه الله إياها فأناب إليه بها وهي كما في سورة الأعراف ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ  ﴾ تاب آدم بذلك وأناب إلى ربه ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي قبل توبته، وعاد عليه بفضله ورحمته، وبين سبب ذلك بأنه تعالى هو التواب أي الذي يقبل التوبة كثيرًا فمهما يذنب العبد ويندم ويتب يتب الرب عليه، وبأنه هو الرحيم بعباده مهما يسيء أحدهم بما هو سبب لغضبه تعالى ويرجع إليه فإنه يحفه برحمته.

وكل ما ورد في هبوط آدم وحواء من تعيين الأمكنة فهو من الإسرائيليات الباطلة .

وأما قوله تعالى في سورة النساء ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ وفي سورة الأعراف ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا  ﴾ فقد قال غير واحد من المفسرين إن المعنى من جنسها كما قال في سورة الروم ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ فإن المعنى هناك على أنه خلق أزواجًا من جنسنا ولا يصح أن يراد أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها كما هو ظاهر، فليس في القرآن نص يلزمنا حمل قوله تعالى ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ على ذلك، لأجل مطابقة سفر التكوين، فإن القصة لم ترد في القرآن كما وردت في التوراة التي في أيدي أهل الكتاب حكاية تاريخية، وإنما جاء القرآن بموضع العبرة فی خلق آدم واستعداد الكون لأن يتكمل به، و كونه قد أعطي استعدادًا في العلم والعمل لا نهاية لهما، ليظهر حكم الله ويقيم سننه في الأرض فيكون خليفة له، وكونه لا يسلم من داعية الشر والتأثر بالوسوسة التي تحمل على المعصية، ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين، وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة لا غير، لذلك لم يبين الزمان والمكان كما جاء في سفر التكوين، وكان سببًا لرفض الباحثين في الكون وتاريخ الخليقة دين النصرانية، لأن العلم المبني على الاختبار والمشاهدة أظهر خطأ ما جاء من التاريخ في التوراة، ووجدت للإنسان آثار في الأرض تدل على أنه أقدم مما حددته التوراة في تاريخ تكوينه، فقام فريق من أهل الكتاب يركب التعاسيف في التأويل، وفريق يكفر بالكتاب والتنزيل.

وأما مسألة عصمة آدم فالجري على طريقة السلف يذهب بنا إلى أن العصيان والتوبة من المتشابه كسائر ما ورد في القصة مما لا يركن العقل إلى ظاهره، ولنا أن نقول إن تلك مخالفة صدرت منه قبل أن يدركه عزم النبوة كما قال جل شأنه ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا  ﴾ ، إنما هو على العصمة عن مخالفة الأوامر بعد النبوة.

وقد يكون الذي وقع من آدم نسيانًا، فسمي تفخيمًا لأمره، عصيانًا، والنسيان والسهو مما لا ينافي العصمة، فإن جعلنا الكلام كله تمثيلًا فحديث الإخلال بالعصمة مما لا يمر بذهن العاقل.

وأما تفسير الآيات على طريق الخلف في التمثيل فيقال فيه: إن القرآن كثيرًا ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب، أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان، والتأثير، فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني، كقوله تعالى ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ  ﴾ فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه، وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا، ونحوه قوله  بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ والمعنى في التمثيل الظاهر.

وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب، هكذا: إن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض.

وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ويعطى استعدادًا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض.

وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه به في استعمارها.

وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودًا لا يتعدى وظيفته.

وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم، والتعدي والإفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري.

هذا ملخص ما تقدم في سابق آيات القصة.

وأما التمثيل فيما نحن فيه منها فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرأى ومأكول ومشروب ومشموم ومسموع، في ظل ظليل، وهواء عليل، وماء سلسبيل، كما قال تعالى في القصة من سورة طه ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى  وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى  ﴾ ويصح أن يعبر عن السعادة بالكون في الجنة وهو مستعمل، ويصح أن يراد بآدم نوع الإنسان كما يطلق اسم أبي القبيلة الأكبر على القبيلة فيقال كلب فعلت كذا ويراد قبيلة كلب، وكان من قريش كذا يعني القبيلة التي أبوها قريش، وفي كلام العرب كثير من هذا.

ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة وفسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة وفسرت بكلمة الكفر.

وفي الحديث تشبيه المزمن بشجرة النخل، ويصح أن يكون المراد بالأمر بسكنى الجنة وبالهبوط منها أمر التكوين، فقد تقدم أن الأمر الإلهي قسمان: أمر تكوين وأمر تكليف، والتكوين هو المراد بقوله تعالى ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ .

والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية التي قال فيها سبحانه ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا  ﴾ .

فأولها طور الطفولية: وهي لا هم فيها ولا كدر، وإنما هي لعب ولهو، كأن الطفل دائمًا في جنة ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، جارية الأنهار، متناغية الأطيار، وهذا معنى ﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  ﴾ وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورًا وإناثًا هكذا -وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير- والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر، وإن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه، وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني وهو طور التمييز هما المراد بقوله تعالى ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ ووسوسة الشيطان وإزلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوي فيها داعية الشر، أي أن إلهام التقوى والخير أقوى في قطرة الإنسان أو هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ووسوسته إليه - والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري.

وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق والتجائه إليه في الشدة.

وتوبة الله تعالى عليه عبارة عن هدايته إياه إلى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء، بعد ذلك الاعتبار والالتجاء، وذكر توبة الله على الإنسان ترد ما عليه النصارى من اعتقاد أن الله تعالى قد سجل معصية آدم عليه وعلى بنيه إلى أن يأتي عيسى ويخلصهم منها وهو اعتقاد تنبذه القطرة ويرده الوحي المحكم المتواتر.

فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة: طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية العليا التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فالإنسان في أفراده مثال للإنسان في مجموعه.

كان تدرج الإنسان في حياته الاجتماعية ابتداء ساذجًا سليم الفطرة، قويم الوجهة، مقتصرًا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونًا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي.

ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة، وميلًا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائمًا في نفوس سائرهم فثار النزاع، وعظم الخلاف واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني وهو معروف في تاريخ الأمم.

ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر، ووزن الحرير والشر بميزان النظر والفكر، وتحديد حدود للأعمال تنتهي إليها نزعات الشهوات، ويقف عندها سير الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله.

وبقي طور آخر أعلى من هذه الأطوار، وهو منتهى الكيل وأعني به طور الدين الإلهي والوحي السماوي الذي به كمال البداية الإنسانية، وبيانه في قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر