الآية ٦٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦٦ من سورة البقرة

فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) قال بعضهم : الضمير في ) فجعلناها ) عائد على القردة ، وقيل : على الحيتان ، وقيل : على العقوبة ، وقيل : على القرية ؛ حكاها ابن جرير .

والصحيح أن الضمير عائد على القرية ، أي : فجعل الله هذه القرية ، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم ) نكالا ) أي : عاقبناهم عقوبة ، فجعلناها .

عبرة ، كما قال الله عن فرعون : ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) [ النازعات : 25 ] .

وقوله : ( لما بين يديها وما خلفها ) أي من القرى .

قال ابن عباس : يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى .

كما قال تعالى : ( ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ) [ الأحقاف : 27 ] ، ومنه قوله تعالى : ( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) الآية [ الرعد : 41 ] ، على أحد الأقوال ، فالمراد : لما بين يديها وما خلفها في المكان ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى .

وكذا قال سعيد بن جبير ( لما بين يديها وما خلفها ) [ قال ] من بحضرتها من الناس يومئذ .

وروي عن إسماعيل بن أبي خالد ، وقتادة ، وعطية العوفي : ( فجعلناها نكالا لما بين يديها ) [ وما خلفها ] ) قال : ما [ كان ] قبلها من الماضين في شأن السبت .

وقال أبو العالية والربيع وعطية : ( وما خلفها ) لما بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم .

وكان هؤلاء يقولون : المراد بما بين يديها وما خلفها في الزمان .

وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم ، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم ؟

هذا لعل أحدا من الناس لا يقوله بعد تصوره ، فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان ، وهو ما حولها من القرى ؛ كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ، والله أعلم .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع عن أبي العالية : ( فجعلناها نكالا لما بين يديها ) أي : عقوبة لما خلا من ذنوبهم .

وقال ابن أبي حاتم وروي عن عكرمة ، ومجاهد ، والسدي ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحو ذلك .

وحكى القرطبي ، عن ابن عباس والسدي ، والفراء ، وابن عطية ( لما بين يديها ) بين ذنوب القوم ( وما خلفها ) لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب ، وحكى فخر الدين ثلاثة أقوال : أحدها : أن المراد بما بين يديها وما خلفها : من تقدمها من القرى ، بما عندهم من العلم بخبرها ، بالكتب المتقدمة ومن بعدها .

الثاني : المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم .

والثالث : أنه جعلها تعالى عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده ، قال : وهذا قول الحسن .

قلت : وأرجح الأقوال أن المراد بما بين يديها وما خلفها : من بحضرتها من القرى التي يبلغهم خبرها ، وما حل بها ، كما قال : ( ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ) [ الأحقاف : 27 ] وقال تعالى : ( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم ) [ الرعد : 31 ] ، وقال ( أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) [ الأنبياء : 44 ] ، فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم ، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم ، ولهذا قال : ( وموعظة للمتقين ) وقوله تعالى : ( وموعظة للمتقين ) قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( وموعظة للمتقين ) الذين من بعدهم إلى يوم القيامة .

وقال الحسن وقتادة : ( وموعظة للمتقين ) بعدهم ، فيتقون نقمة الله ، ويحذرونها .

وقال السدي ، وعطية العوفي : ( وموعظة للمتقين ) قال : أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

قلت : المراد بالموعظة هاهنا الزاجر ، أي : جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله ، وما تحيلوا به من الحيل ، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم ، كما قال الإمام أبو عبد الله بن بطة : حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم ، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن عمرو [ عن أبي سلمة ] عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود ، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل .

وهذا إسناد جيد ، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي ، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح .

والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَجَعَلْنَاهَا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل " الهاء والألف " في قوله: (فجعلناها)، وعلام هي عائدة؟

فروي عن ابن عباس فيها قولان: أحدهما ما:- 1151 - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك, عن ابن عباس: (فجعلناها) فجعلنا تلك العقوبة -وهي المسخة-" نكالا ".

فالهاء والألف من قوله: (فجعلناها) -على قول ابن عباس هذا- كناية &; 2-176 &; عن " المسخة ", وهي" فعلة " مسخهم الله مسخة.

(64) فمعنى الكلام على هذا التأويل: فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين، فصاروا قردة ممسوخين، (فجعلناها)، فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم، نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ .

* * * والقول الآخر من قولي ابن عباس، ما:- 1151 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (فجعلناها)، يعني الحيتان.

و " الهاء والألف " -على هذا القول- من ذكر الحيتان, ولم يجر لها ذكر.

ولكن لما كان في الخبر دلالة، كني عن ذكرها.

والدلالة على ذلك قوله: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ .

* * * وقال آخرون: فجعلنا القرية التي اعتدى أهلها في السبت.

فـ " الهاء " و " الألف " -في قول هؤلاء- كناية عن قرية القوم الذين مسخوا.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك فجعلنا القردة الذين مسخوا " نكالا لما بين يديها وما خلفها ", فجعلوا " الهاء والألف " كناية عن القردة.

* * * وقال آخرون: (فجعلناها)، يعني به: فجعلنا الأمة التي اعتدت في السبت " نكالا ".

* * * القول في تأويل قوله تعالى : نَكَالا و " النكال " مصدر من قول القائل: " نكَّل فلان بفلان تنكيلا ونكالا ".

وأصل " النكال "، العقوبة, كما قال عدي بن زيد العباد : لا &; 2-177 &; يسـخط الضليـل مـا يسـع العبـ د ولا فـــي نكالـــه تنكـــير (65) * * * وبمثل الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس: 1152 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة قال، حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (نكالا) يقول: عقوبة.

1153 - حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: (فجعلناها نكالا)، أي عقوبة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم بما:- 1154 - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (لما بين يديها) يقول: ليحذر من بعدهم عقوبتي.(وما خلفها)، يقول: الذين كانوا بقوا معهم.

1155 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (لما بين يدلها وما خلفها)، لما خلا لهم من الذنوب, (66) (وما خلفها)، أي عبرة لمن بقي من الناس.

* * * وقال آخرون بما: 1156 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال ابن عباس: (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها)، أي من القرى.

* * * وقال آخرون بما:- 1157 - حدثنا به بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال الله ( فجعلناها نكالا لما بين يديها) -من ذنوب القوم-(وما خلفها)، أي للحيتان التي أصابوا.

1158 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (لما بين يديها)، من ذنوبها، (وما خلفها)، من الحيتان.

1159 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: (لما بين يديها)، ما مضى من خطاياهم إلى أن هلكوا به.

1160 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (نكالا لما بين يديها وما خلفها)، يقول: " بين يديها "، ما مضى من خطاياهم,(وما خلفها) خطاياهم التي هلكوا بها.

1161 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله - إلا أنه قال: (وما خلفها)، خطيئتهم التي هلكوا بها.

* * * وقال آخرون بما:- 1162 - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها) قال: أما " ما بين يديها " فما سلف من عملهم,(وما خلفها)، فمن كان بعدهم من الأمم، أن يعصوا فيصنع الله بهم مثل ذلك.

* * * وقال آخرون بما:- 1163 - حدثني به ابن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه، عن ابن عباس قوله, " فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا "، يعني الحيتان، جعلها نكالا " لما بين يديها وما خلفها "، من الذنوب التي عملوا قبل الحيتان, وما عملوا بعد الحيتان.

فذلك قوله: (ما بين يديها وما خلفها).

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية، ما رواه الضحاك عن ابن عباس.

وذلك لما وصفنا من أن " الهاء والألف " - في قوله: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا - بأن تكون من ذكر العقوبة والمسخة التي مسخها القوم، أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها.

من أجل أن الله جل ثناؤه إنما يحذر خلقه بأسه وسطوته، بذلك يخوفهم (67) .

وفي إبانته عز ذكره - بقوله: نَكَالا أنه عنى به العقوبة التي أحلها بالقوم - ما يعلم أنه عنى بقوله: " فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا " ، فجعلنا عقوبتنا التي أحللناها بهم عقوبة لما بين يديها وما خلفها - دون غيره من المعاني.

وإذْ كانت " الهاء والألف " - بأن تكون من ذكر المسخة والعقوبة، أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها؛ فكذلك العائد في قوله: (لما بين يديها وما خلفها) من " الهاء والألف ": أن يكون من ذكر " الهاء والألف " اللتين في قوله: فَجَعَلْنَاهَا ، أولى من أن يكون من[ذكر] غيره.

(68) فتأويل الكلام - إذْ كان الأمر على ما وصفنا -: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين, فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لما بين يديها من ذنوبهم السالفة منهم، بمسخنا إياهم وعقوبتنا لهم - (69) ولما خلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم: أن يعمل بها عامل, &; 2-180 &; فيمسخوا مثل ما مسخوا, وأن يحل بهم مثل الذي حل بهم، تحذيرا من الله تعالى ذكره عباده: أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتى الممسوخون، فيعاقبوا عقوبتهم.

وأما الذي قال في تأويل ذلك: فَجَعَلْنَاهَا ، يعني الحيتان، عقوبة لما بين يدي الحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم - فإنه أبعد في الانتزاع.

وذلك أن الحيتان لم يجر لها ذكر فيقال: فَجَعَلْنَاهَا .

فإن ظن ظان أن ذلك جائز - وإن لم يكن جرى للحيتان ذكر - لأن العرب قد تكني عن الاسم ولم يجر له ذكر, فإن ذلك وإن كان كذلك, فغير جائز أن يترك المفهوم من ظاهر الكتاب - والمعقول به ظاهر في الخطاب والتنـزيل - إلى باطن لا دلالة عليه من ظاهر التنـزيل، ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول، (70) ولا فيه من الحجة إجماع مستفيض.

وأما تأويل من تأول ذلك: لما بين يديها من القرى وما خلفها, فينظر إلى تأويل من تأول ذلك: بما بين يدي الحيتان وما خلفها.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَوْعِظَةً و " الموعظة "، مصدر من قول القائل: " وعظت الرجل أعظه وعظا وموعظة "، إذا ذكرته.

* * * فتأويل الآية: فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وتذكرة للمتقين, ليتعظوا بها, ويعتبروا, ويتذكروا بها, كما:- 1164 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق، عن الضحاك, عن ابن عباس: (وموعظة) يقول: وتذكرة وعبرة للمتقين.

* * * القول في تأويل قوله تعالى لِلْمُتَّقِينَ (66) وأما " المتقون "، فهم الذين اتقوا، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، كما:- 1165 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة قال، حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (وموعظة للمتقين)، يقول: للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي.

* * * فجعل تعالى ذكره ما أحل بالذين اعتدوا في السبت من عقوبته، موعظة للمتقين خاصة، وعبرة للمؤمنين، دون الكافرين به - إلى يوم القيامة -، كالذي:- 1166 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة مولى ابن عباس, عن عبد الله بن عباس في قوله: (وموعظة للمتقين)، إلى يوم القيامة.

1167 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وموعظة للمتقين)، أي: بعدهم.

1168 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة مثله.

1169 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما " موعظة للمتقين ", فهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

1170 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (وموعظة للمتقين)، قال: فكانت موعظة للمتقين خاصة.

1171 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج في قوله: (وموعظة للمتقين)، أي لمن بعدهم.

-------------------- الهوامش : (64) كأنه يريد أنه مصدر : كقولهم : رحمه الله رحمة، ولم يرد المرة ، وسيدل على ذلك ما يقوله بعد سطرين .

(65) لم أجد البيت في جميع المراجع التي ذكرت قصيدة عدي بن زيد التي كتبها إلى النعمان من محبسه .

وقد أثبت البيت كما هو في النسخ السقيمة التي بقيت من تفسير الطبري ، وظني أن يكون البيت : لا يكُــظ المليـك مـا يسـع العـبـ ـد ولا فـــي نكالـــه تنكـــير فلم يحسن الناسخ قراءة"يكظ" كتبها "يسخط" ، ووضع مكان"المليك""الضليل" وكظه الأمر : بهظه وشق عليه .

يقول للنعمان : أنت مليك قادر ، فلا يبهظك ما يسع عبيدك من العفو عمن أساء واجترم ، فإن عاقبت ، فما في عقابك ما يستنكر ، فأنت السيد المطاع النافذ أمرك في رعيتك صغيرهم وكبيرهم .

(66) خلا : مضى وذهب وانقضى .

(67) في المطبوعة : "وبذلك يخوفهم" ، ولعل الأجود ما أثبت .

(68) ما بين القوسين زيادة لا بد منها في سياق الجملة .

(69) في المطبوعة"مسخنا إياهم" بحذف حرف الجر ، وهو غير مستقيم ، وقوله : "ولما خلف عقوبتنا لهم" على قوله : "لما بين يديها .

.

.

" .

(70) انظر تفسير"ظاهر" و"باطن" فيما سلف من هذا الجزء 2 : 15 والمراجع .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقينقوله تعالى : فجعلناها نكالا نصب على المفعول الثاني .

وفي المجعول نكالا أقاويل ، قيل : العقوبة .

وقيل : القرية ؛ إذ معنى الكلام يقتضيها وقيل : الأمة التي مسخت .[ ص: 414 ] وقيل : الحيتان ، وفيه بعد .

والنكال : الزجر والعقاب .

والنكل والأنكال : القيود .

وسميت القيود أنكالا لأنها ينكل بها ، أي : يمنع .

ويقال للجام الثقيل : نكل ونكل ؛ لأن الدابة تمنع به ونكل عن الأمر ينكل ، ونكل ينكل إذا امتنع .

والتنكيل : إصابة الأعداء بعقوبة تنكل من وراءهم ، أي : تجبنهم .

وقال الأزهري : النكال : العقوبة .

ابن دريد : والمنكل : الشيء الذي ينكل بالإنسان ، قال [ رياح المؤلي ] :فارم على أقفائهم بمنكلقوله : لما بين يديها قال ابن عباس والسدي : لما بين يدي المسخة ما قبلها من ذنوب القوم .

وما خلفها لمن يعمل مثل تلك الذنوب .

قال الفراء : جعلت المسخة نكالا لما مضى من الذنوب ، ولما يعمل بعدها ليخافوا المسخ بذنوبهم .

قال ابن عطية : وهذا قول جيد ، والضميران للعقوبة .

وروى الحكم عن مجاهد عن ابن عباس : لمن حضر معهم ولمن يأتي بعدهم .

واختاره النحاس ، قال : وهو أشبه بالمعنى ، والله أعلم .

وعن ابن عباس أيضا لما بين يديها وما خلفها : من القرى .

وقال قتادة : لما بين يديها من ذنوبهم ، " وما خلفها " من صيد الحيتان .قوله تعالى : وموعظة للمتقين عطف على نكال ، ووزنها مفعلة من الاتعاظ والانزجار .

والوعظ : التخويف .

والعظة الاسم .

قال الخليل : الوعظ التذكير بالخير فيما يرق له القلب .

قال الماوردي : وخص المتقين وإن كانت موعظة للعالمين لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين ، قال ابن عطية : واللفظ يعم كل متق من كل أمة ، وقال الزجاج : وموعظة للمتقين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن ينتهكوا من حرم الله جل وعز ما نهاهم عنه فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت ؛ إذ انتهكوا حرم الله في سبتهم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وجعل الله هذه العقوبة { نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } أي: لمن حضرها من الأمم, وبلغه خبرها, ممن هو في وقتهم.

{ وَمَا خَلْفَهَا } أي: من بعدهم, فتقوم على العباد حجة الله, وليرتدعوا عن معاصيه, ولكنها لا تكون موعظة نافعة إلا للمتقين، وأما من عداهم فلا ينتفعون بالآيات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{فجعلناها} أي جعلنا عقوبتهم بالمسخ.

{نكالاً} أي عقوبة وعبرة، والنكال اسم لكل عقوبة ينكل الناظر من فعل ما جعلت العقوبة جزاء عليه، ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع، وأصله من النكل وهو القيد ويكون جمعه: أنكالاً.

{لما بين يديها} قال قتادة: "أراد بما بين يديها يعني ما سبقت من الذنوب، أي جعلنا تلك العقوبة جزاء لما تقدم من ذنوبهم قبل نهيهم عن أخذ الصيد".

{وما خلفها} ما حضر من الذنوب التي أخذوا بها، وهي العصيان بأخذ الحيتان.

وقال أبو العالية والربيع: "عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم أن يستنوا بسنتهم، و(ما) الثانية بمعنى من".

وقيل: (جعلناها) أي جعلنا قرية أصحاب السبت عبرة لما بين يديها أي القرى التي كانت مبنية في الحال، (وما خلفها) وما يحدث من القرى من بعد ليتعظوا.

وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: فجعلناها وما خلفها، أي ما أعد لهم من العذاب في الآخرة، نكالاً وجزاء لما بين يديها أي لما تقدم من ذنوبهم باعتدائهم في السبت.

{وموعظة للمتقين}: للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يفعلون مثل فعلهم.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فجعلناها» أي تلك العقوبة «نكالاً» عبرة مانعة من ارتكاب مثل ما عملوا «لما بين يديها وما خلفها» أي للأمم التي في زمانها وبعدها «وموعظة للمتقين» الله وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بخلاف غيرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فجعلنا هذه القرية عبرة لمن بحضرتها من القرى، يبلغهم خبرها وما حلَّ بها، وعبرة لمن يعمل بعدها مثل تلك الذُّنوب، وجعلناها تذكرة للصالحين؛ ليعلموا أنهم على الحق، فيثبتوا عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله " لما بين يديها وما خلفها .

أي : للذين كانوا قبل هذه العقوبة وعاشوا حتى شاهدوها ، وللذين أتوا بعدها وعرفوا عن يقين خبرها .والمعنى : فجعلنا هذه العقوبة عبرة زاجرة لمن كان قبلها وعاش حتى رآها ولمن أتى بعدها وعلم يقيناً بحال العادين في السبت الذين مسخوا بسبب عصيانهم تحذيراً له من أن يعمل عملهم ، فيمسخ كما مسخوا ، ويحل به العذاب الذي حل بهم .

كما جعلناها أيضاً ( وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) الذين يسمعون قصتها فهم الذين من شأنهم أن ينففعوا بالعظات ، ويعتبروا بالمثلات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولاً ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات، وهذا هو النوع الأول وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة وهي القرية المذكورة في قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت  ﴾ فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة فلما طال العهد استسن الأبناء بسنة الآباء واتخذوا الأموال فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً، فقيل لهم: لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا.

المسألة الثانية: المقصود من ذكر هذه القصة أمران.

الأول: إظهار معجزة محمد عليه السلام فإن قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه السلام فلما أخبرهم محمد عليه السلام عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه عليه السلام إنما عرفه من الوحي.

الثاني: أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به أصحاب السبت فكأنه يقول لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم ونظيره قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ءامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أدبارها  ﴾ .

المسألة الثالثة: الكلام فيه حذف كأنه قال: ولقد علمتم اعتداء من اعتدى منكم في السبت لكي يكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك، ولفظ الاعتداء يدل على أن الذي فعلوه في السبت كان محرماً عليهم وتفصيل ذلك غير مذكور في هذه الآية لكنه مذكور في قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر ﴾ ثم يحتمل أن يقال: إنهم إنما تعدوا في ذلك الاصطياد فقط، وأن يقال: إنما تعدوا لأنهم اصطادوا مع أنهم استحلوا ذلك الاصطياد.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت.

فإن قيل: لما كان الله نهاهم عن الإصطياد يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال: ﴿ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك نَبْلُوهُم  ﴾ وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الاضلال.

قلنا: أما على مذهب أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: (قردة خاسئين) خبر: أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ ليس بأمر لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ وكقوله تعالى: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال لهم؛ ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ صاروا كذلك أي لما أراد ذلك بهم صاروا كما أراد وهو كقوله: ﴿ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً  ﴾ ولا يمتنع أيضاً أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة.

فإن قيل: لما لم يكن لهذا القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه؟

قلنا: أما عندنا فأحكام الله تعالى وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح ألبتة، وأما عند المعتزلة فلعل هذا القول يكون لفظاً لبعض الملائكة أو لغيرهم.

المسألة الثالثة: المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً  ﴾ ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه: كن حماراً.

واحتج على امتناعه بأمرين.

الأول: أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداماً للإنسان وإيجاداً للقرد فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنساناً وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قرداً فهذا يكون إعداماً وإيجاداً لا أنه يكون مسخاً.

والثاني: إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات.

وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سميناً بعد أن كان هزيلاً، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجوداً والباقي غير الزائل، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وذلك الأمر إما أن يكون جسماً سارياً في البدن أو جزءاً في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجوداً مجرداً على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في المالك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام.

وعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما ذكره غير مستبعد جداً، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور ألبتة.

بقي هاهنا سؤالان: السؤال الأول: أنه بعد أن يصير قرداً لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم فلا يعلم ما نزل به من العذاب ومجرد القردية غير مؤلم بدليل أن القرود حال سلامتها غير متألمة فمن أين يحصل العذاب بسببه؟

الجواب: لم لا يجوز أن يقال إن الأمر الذي به يكون الإنسان إنساناً عاقلاً فاهماً كان باقياً إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة لا جرم أنها ما كانت تقدر على النطق والأفعال الإنسانية إلا أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصية وكانت في نهاية الخوف والخجالة، فربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة العرضية.

السؤال الثاني: أولئك القردة بقوا أو أفناهم الله، وإن قلنا إنهم بقوا فهذه القردة التي في زماننا هل يجوز أن يقال إنها من نسل أولئك الممسوخين أم لا؟

الجواب: الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا.

المسألة الرابعة: قال أهل اللغة: الخاسئ الصاغر المبعد المطرود كالكلب إذا دنا من الناس قيل له اخسأ، أي تباعد وانطرد صاغراً فليس هذا الموضع من مواضعك، قال الله تعالى: ﴿ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ  ﴾ يحتمل صاغراً ذليلاً ممنوعاً عن معاودة النظر لأنه تعالى قال: ﴿ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ  ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ  ﴾ ، فكأنه قال: ردد البصر في السماء ترديد من يطلب فطوراً فإنك وإن أكثرت من ذلك لم تجد فطوراً فيرتد إليك طرفك ذليلاً كما يرتد الخائب بعد طول سعيه في طلب شيء ولا يظفر به فإنه يرجع خائباً صاغراً مطروداً من حيث كان يقصده من أن يعاوده.

أما قوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه: أحدها: قال الفراء: (جعلناها) يعني المسخة التي مسخوها.

وثانيها: قال الأخفش: أي جعلنا القردة نكالاً.

وثالثها: جعلنا قرية أصحاب السبت نكالاً.

رابعها: جعلنا هذه الأمة نكالاً لأن قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت ﴾ يدل على الأمة والجماعة أو نحوها والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم، أما النكال فقال القفال رحمه الله: إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها، ويقال للقيد النكل، وللجام الثقيل أيضاً نكل لما فيهما من المنع والحبس، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً  ﴾ وقال الله تعالى: ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً  ﴾ والمعنى: أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة، قال القاضي: اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاء ونكالاً وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة للصورة، ويكون محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله: ﴿ فجعلناها نكالا ﴾ أنه تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم.

أما قوله تعالى: ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ﴾ ففيه وجوه: أحدها: لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين.

وثانيها: أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم.

وثالثها: المراد أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ ففيه وجهان.

أحدهما: أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلاً فلابد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم.

وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم.

الثاني: أن يكون معنى قوله: ﴿ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ أن يعظ المتقون بعضهم بعضاً أي جعلناها نكالاً وليعظ به بعض المتقين بعضاً فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها، وهذا خاص لهم دون غير المتقين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم ﴾ بالعمل على ما في التوراة ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ﴾ حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق.

وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة، فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا أُلقي عليكم، حتى قبلوا.

﴿ خُذُواْ ﴾ على إرادة القول ﴿ مَا ءاتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بجدّ وعزيمة ﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا.

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بتوفيقكم للتوبة لخسرتم.

وقرئ: ﴿ خذوا ما آتيتكم، وتذكروا ﴾ و ﴿ واذكروا ﴾ و ﴿ السبت ﴾ مصدر سبتت اليهودإذا عظمت يوم السبت.

وإن ناساً منهم اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد.

وذلك أن الله ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرّقت.

كما قال: ﴿ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك نَبْلُوهُم ﴾ [الأعراف: 163] فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.

فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم.

﴿ قِرَدَةً خاسئين ﴾ خبران أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ يعني المسخة ﴿ نكالا ﴾ عبرة تنكل من اعتبر بها أي تمنعه.

ومنه النكل: القيد ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ لما قبلها ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين: أو أريد بما بين يديها: ما بحضرتها من القرى والأمم.

وقيل نكالاً: عقوبة منكلة لما بين يديها لأجل ما تقدّمها من ذنوبهم وما تأخر منها ﴿ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق سمعها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ، والسَّبْتُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، وأصْلُهُ القَطْعُ أُمِرُوا بِأنْ يُجَرِّدُوهُ لِلْعِبادَةِ فاعْتَدى فِيهِ ناسٌ مِنهم في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واشْتَغَلُوا بِالصَّيْدِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ قَرْيَةً عَلى ساحِلٍ يُقالُ لَها أيْلَةُ، وإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ في البَحْرِ إلّا حَضَرَ هُناكَ وأخْرَجَ خُرْطُومَهُ، فَإذا مَضى تَفَرَّقَتْ فَحَفَرُوا حِياضًا وشَرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ وكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ.

﴿ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ جامِعِينَ بَيْنَ صُورَةِ القِرَدَةِ والخُسُوءِ: وهو الصَّغارُ والطَّرْدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما مُسِخَتْ صُوَرُهم ولَكِنْ قُلُوبُهُمْ، فَمُثِّلُوا بِالقِرَدَةِ كَما مُثِّلُوا بِالحِمارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ كُونُوا ﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ إذْ لا قُدْرَةَ لَهم عَلَيْهِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ سُرْعَةُ التَّكْوِينِ، وأنَّهم صارُوا كَذَلِكَ كَما أرادَ بِهِمْ، وقُرِئَ « قَرِدَةً» بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الرّاءِ، و « خاسِينَ» بِغَيْرِ هَمْزَةٍ.

﴿ فَجَعَلْناها ﴾ أيِ المِسْخَةَ، أوِ العُقُوبَةَ.

﴿ نَكالا ﴾ عِبْرَةً تُنَكِّلُ المُعْتَبِرَ بِها، أيْ تَمْنَعُهُ.

ومِنهُ النِّكْلُ لِلْقَيْدِ.

﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ لِما قَبْلَها وما بَعْدَها مِنَ الأُمَمِ إذْ ذُكِرَتْ حالُهم في زُبُرِ الأوَّلِينَ، واشْتُهِرَتْ قِصَّتُهم في الآخِرِينَ، أوْ لِمُعاصِرِيهِمْ ومَن بَعْدَهُمْ، أوْ لِما بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى وما تَباعَدَ عَنْها، أوْ لِأهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ وما حَوالَيْها، أوْ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْها مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ مِنها.

﴿ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ مِن قَوْمِهِمْ، أوْ لِكُلِّ مُتَّقٍ سَمِعَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فجعلناها} يعنى المسخة {نكالا} عبرة تنكل من اعتبربها أى تمنعه {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} لما قبلها {وَمَا خلفها} وما بعدها من الأمم والقرود لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ} الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم أو لكل متقٍ سمعها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَجَعَلْناها نَكالا ﴾ أيْ كَيْنُونَتَهم وصَيْرُورَتَهم قِرَدَةً، أوِ المَسْخَةَ، أوِ العُقُوبَةَ، أوِ الآيَةَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقَرْيَةِ، وقِيلَ: لِلْحِيتانِ، والنَّكالُ واحِدُ الأنْكالِ، وهي القُيُودُ، ونَكَّلَ بِهِ فَعَلَ بِهِ ما يَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ، فَيَمْتَنِعُ عَنْ مِثْلِهِ، ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ أيْ لِمُعاصِرِيهِمْ، ومَن خَلْفَهُمْ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا (لِما) بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى، أيْ أهْلِها، وما تَباعَدَ عَنْها، أوْ لِلْآتِينَ والماضِينَ، وهو المُخْتارُ عِنْدَ جَماعَةٍ، فَكُلٌّ مِن ظَرْفَيِ المَكانِ مُسْتَعارٌ لِلزَّمانِ، و(ما) أُقِيمَتْ مَقامَ (مَن) إمّا تَحْقِيرًا لَهم في مَقامِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، أوْ لِاعْتِبارِ الوَصْفِ، فَإنَّ (ما) يُعَبَّرُ بِها عَنِ العُقَلاءِ تَعْظِيمًا إذا أُرِيدَ الوَصْفُ، كَقَوْلِهِ: (سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ)، وصَحَّ كَوْنُها نَكالًا لِلْماضِينَ أنَّها ذُكِرَتْ في زُبُرِ الأوَّلِينَ، فاعْتَبَرُوا بِها، وصَحَّتِ الفاءُ لِأنَّ جَعْلَ ذَلِكَ نَكالًا لِلْفَرِيقَيْنِ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ القَوْلِ والمَسْخِ، أوْ لِأنَّ الفاءَ إنَّما تَدُلُّ عَلى تَرَتُّبِ جَعْلِ العُقُوبَةِ نَكالًا عَلى القَوْلِ، وتَسَبُّبِهِ عَنْهُ، سَواءٌ كانَ عَلى نَفْسِهِ، أوْ عَلى الإخْبارِ بِهِ، فَلا يُنافِي حُصُولَ الِاعْتِبارِ قَبْلَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ سَماعِ هَذِهِ القِصَّةِ، وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأجَلِ، (وما) عَلى حَقِيقَتِها، والنَّكالُ بِمَعْنى العُقُوبَةِ، لا العِبْرَةِ، والمُرادُ (بِما بَيْنَ يَدَيْها) ما تَقَدَّمَ مِن سائِرِ الذُّنُوبِ قَبْلَ أخْذِ السَّمَكِ، (وبِما خَلْفَها) ما بَعْدَها، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ جَعَلْنا المَسْخَ عُقُوبَةً لِأجْلِ ذُنُوبِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ عَلى المَسْخَةِ، والمُتَأخِّرَةِ عَنْها يَسْتَدْعِي بَقاءَهم مُكَلَّفِينَ بَعْدَ المَسْخِ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ، وحَمْلُ الذُّنُوبِ الَّتِي بَعْدَ المَسْخَةِ عَلى السَّيِّئاتِ الباقِيَةِ آثارُها لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ: إنَّ المُرادَ (بِما بَيْنَ يَدَيْها) ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ، (وبِما خَلْفَها) مَن يَأْتِي بَعْدُ، والمَعْنى فَجَعَلْناها عُقُوبَةً لِما مَضى مِن ذُنُوبِهِمْ، وعِبْرَةً لِمَن بَعْدَهُمْ، مُنْحَطٌّ مِنَ القَوْلِ جِدًّا لِمَزِيدِ ما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ والتَّكَلُّفِ، ﴿ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ المَوْعِظَةُ ما يُذْكَرُ مِمّا يُلَيِّنُ القَلْبَ ثَوابًا كانَ أوْ عِقابًا، والمُرادُ (بِالمُتَّقِينَ) ما يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا بِذَلِكَ، وخافُوا ارْتِكابَ خِلافَ ما أُمِرُوا بِهِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم وعَظَ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذِهِ الواقِعَةِ، وحَظُّ العارِفِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَعْرِفَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ النّاسَ لِعِبادَتِهِ، وجَعَلَهم بِحَيْثُ لَوْ أُهْمِلُوا وتُرِكُوا وخُلُّوا بَيْنَهم وبَيْنَ طِباعِهِمْ، لَتَوَغَّلُوا وانْهَمَكُوا في اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ، والغَواشِي الظَّلَمانِيَّةِ لِضَرُوراتِهِمْ لَها، واعْتِيادِهِمْ مِنَ الطُّفُولِيَّةِ عَلَيْها.

والنَّفْسُ كالطِّفْلِ إنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلى حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ فَوَضَعَ اللَّهُ تَعالى العِباداتِ، وفَرَضَ عَلَيْهِمْ تَكْرارَها في الأوْقاتِ المُعَيَّنَةِ، لِيَزُولَ عَنْهم بِها دَرْنُ الطِّباعِ المُتَراكِمِ في أوْقاتِ الغَفَلاتِ، وظُلْمَةِ الشَّواغِلِ العارِضَةِ في أزْمِنَةِ ارْتِكابِ الشَّهَواتِ، وجَعَلَ يَوْمًا مِن أيّامِ الأُسْبُوعِ مَخْصُوصًا لِلِاجْتِماعِ عَلى العِبادَةِ، وإزالَةِ وحْشَةِ التَّفْرِقَةِ، ودَفْعِ ظُلْمَةِ الِاشْتِغالِ بِالأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَوَضَعَ السَّبْتَ لِلْيَهُودِ لِأنَّ عالَمَ الحِسِّ الَّذِي إلَيْهِ دَعْوَةُ اليَهُودِ هو آخِرُ العَوالِمِ، والسَّبْتُ آخِرُ الأُسْبُوعِ، والأحَدُ لِلنَّصارى، لِأنَّ عالَمَ العَقْلِ الَّذِي إلَيْهِ دَعْوَتُهم أوَّلُ العَوالِمِ، ويَوْمُ الأحَدِ أوَّلُ الأُسْبُوعِ، والجُمُعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأنَّهُ يَوْمُ الجَمْعِ، والخَتْمِ فَهو أوْفَقُ بِهِمْ، وألْيَقُ بِحالِهِمْ، فَمَن لَمْ يُراعِ هَذِهِ الأوْضاعَ والمُراقَباتِ أصْلًا زالَ نُورُ اسْتِعْدادِهِ، وطُفِئَ مِصْباحُ فُؤادِهِ، ومُسِخَ كَما مُسِخَ أصْحابُ السَّبْتِ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ وصْفٌ مِن أوْصافِ الحَيَواناتِ، ورَسَخَ فِيهِ بِحَيْثُ أزالَ اسْتِعْدادَهُ وتَمَكَّنَ في طِباعِهِ، وصارَ صُورَةً ذاتِيَّةً لَهُ، كالماءِ الَّذِي مَنبَعُهُ مَعْدِنُ الكِبْرِيتِ مَثَلًا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الحَيَوانِ، حَتّى كَأنْ صارَ طِباعُهُ طِباعَهُ، ونَفْسُهُ نَفْسَهُ، فَلْيَجْهَدِ المَرْءُ عَلى حِفْظِ إنْسانِيَّتِهِ وتَدْبِيرِ صِحَّتِهِ بِشَرابِ الأدْوِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، والمَعاجِينِ الحُكْمِيَّةِ ولْيَحُثَّ نَفْسَهُ بِالمَواعِظِ الوَعْدِيَّةِ والوَعِيدِيَّةِ.

؎هِيَ النَّفْسُ إنْ تُهْمَلْ تُلازِمْ خَساسَةً ∗∗∗ وإنْ تَنْبَعِثْ نَحْوَ الفَضائِلِ تَلْهَجُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ، أي اصطادوا، ويقال: استحلوا أخذ الحيتان يوم السبت.

والسبت في اللغة هو الراحة، كما قال في آية أخرى وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [النبأ: 9] أي راحة.

فيوم السبت كان راحة لليهود عن أشغال الدنيا.

وهذه الآية على معنى التحذير والتهديد، فكأنه يقول: إنكم تعلمون ما أصاب الذين استحلوا أخذ السمك في يوم السبت من العقوبة، فاحذروا كيلا يصيبكم مثل ما أصابهم، وذلك أن مدينة يقال لها آيلة على ساحل البحر كان يجتمع فيها السمك يوم السبت حتى يأخذ وجه الماء، وفي سائر الأيام لا يأتيهم إلا قليل.

وقال بعض أهل القصص: إنما كانت الحيتان تجتمع هناك لزيارة السمكة التي كان في بطنها يونس-  - ففي كل سبت يجتمعون لزيارتها.

وقال بعضهم: لم يكن لهذا المعنى، ولكن كانت محنة أولئك القوم، فاحتالوا وحبسوا ذلك السمك في يوم السبت وأخذوه يوم الأحد، فلما لم تصبهم العقوبة لفعلهم ذلك أمنوا، واستحلوا أخذها فمسخهم الله قردة.

وقد بيّن قصتهم في سورة الأعراف في قوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ [الأعراف: 163] .

ثم قال تعالى: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، يعني مبعدين من رحمة الله.

وأصله في اللغة من البعد.

يقال: خسأ الكلب إذا بعد.

ويقال: خاسِئِينَ أي صاغرين ذليلين.

قوله تعالى: فَجَعَلْناها نَكالًا، يعني جعلنا تلك العقوبة نكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها، يعني لما سبق منهم من الذنب وَما خَلْفَها، أي عبرة لمن بعدهم.

ويقال: فجعلناها، يعني القرية، نكالاً لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى ليعتبروا بها.

وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، يعني نهيا لأمة محمد  وعبرة لهم، لكي لا يستحلوا ما حرم الله عليهم.

قال الفقيه: حدّثنا أبو القاسم عمر بن محمد قال: حدّثنا أبو بكر الواسطي قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا كثير بن هشام، عن المسعودي، عن علقمة بن مرثد، عن المستورد بن الأحنف قال: قيل لعبد الله بن مسعود: أرأيت القردة والخنازير، أمن نسل القرود والخنازير التي قد مسخت؟

قال عبد الله بن مسعود: إن الله تعالى لم يمسخ أمة فجعل لها نسلاً، ولكنها من نسل قرود وخنازير كانت قبل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عسْكَرهم، فجعل عليهم مثْلَ الظُّلَّة، وأخرج اللَّه تعالى البَحْرَ من ورائهم، وأضرم نَاراً من بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم: خذوها، وعليكُم الميثَاقُ، ولا تضيِّعوها، وإِلا سقط علَيْكم الجبَلُ، وأغرقكم البَحْر، وأحرقتكم النارُ، فَسَجَدُوا توبةً للَّه سبحانه، وأخذوا التوراةَ بالميثاقِ، قال الطبريُّ عن بعض العلماء: لو أخذوها أوَّلَ مرَّة، لم يكُنْ عليهم ميثاقٌ، وكانت سجدتهم على شِقٍّ لأنهم كانوا يرقبون الجَبَل خوْفاً، فلما رحمهم اللَّه سبحانه، قالوا: لا سجدَةَ أفضلُ من سَجْدة تقبَّلها اللَّه، ورَحِمَ بها، فأَمَرُّوا سجودَهم على شِقٍّ واحدٍ.

قال ع «١» : والذي لا يصحُّ سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقْتَ سجودهم الإِيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كُرْهاً، وقلوبهم غيرُ مطمئنة، قال: وقد اختصرْتُ ما سرد في قصصِ هذه الآية، وقصدت أَصَحَّهُ الذي تقتضيه ألفاظُ الآية، وخلط بعْضُ الناس صَعْقَةَ هذه القصَّة بصَعْقة السبعين.

وبِقُوَّةٍ: قال ابن عباس: معناه: بجِدٍّ واجتهاد «٢» .

وقال ابن زيد: معناه: بتصديق وتحقيق «٣» .

وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي: تدبُّروه واحْفَظُوا أوامره ووعيدَهُ، ولا تنسوه، ولا تضيِّعوه.

وقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ...

الآية: تولَّى: أصله الإِعراض والإِدبار عن الشيء بالجِسْمِ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمورِ، والأديانِ، والمعتقداتِ اتِّساعاً ومجازاً، وتَوَلِّيهِمْ من بعد ذلك: إما بالمعاصِي، فكان فضل اللَّه بالتوبة والإِمهال إِلَيْها، وإما أن يكون تَوَلِّيهم بالكُفْر، فلم يعاجلْهم سبحانه بالهَلاَكِ لِيَكُونَ من ذرِّيَّتهم من يؤمن.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ...

الآية: علمتمْ:

معناه: عرفتم، والسَّبْتُ مأْخوذٌ من السُّبُوت الَّذِي هو الراحةُ والدَّعَة، وإِما من السبت، وهو القَطْع لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتمَّت خِلْقَتُها، وقصَّة اعتدائهم فيه/ أن الله عز وجلّ أمر ٢٣ ب موسى عليه السلام بيَوْمِ الجُمُعَةِ، وعرَّفه فَضْلَه، كما أمر به سائر الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عَلَيْهِمْ، فذكر موسى ذلك لبني إِسرائيل عن اللَّه سبحانه، وأمرهم بالتشرُّع فيه، فأبوا وتعدَّوْه إلى يوم السَّبْت، فأوحى اللَّه إلى موسى أنْ دَعْهم، وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم بأنْ أمرهم بترك العَمَل فيه، وحرَّم عليهم صَيْدَ الحِيتَانِ، وشدَّد عليهم المِحْنَة بأن كانت الحِيتَانُ تأتي يوم السبْتِ حتى تخرج إلى الأفنية، قاله الحسن بن أبي الحسن.

وقيل حتى تخرج خراطيمُهَا من الماء، وذلك إِما بإِلهامٍ من اللَّه تعالى، أو بأمر لا يعلَّل، وإما بأن ألهمها معنى الأَمَنَةِ التي في اليومِ، مع تكراره كما فَهِمَ حمام مَكَّة الأَمَنَةَ، وكان أمر بني إِسرائيل بِأَيْلَةَ «١» على البحْر، فَإِذا ذهب السَّبْت، ذهبت الحيتان، فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقُوا على ذلك زماناً حتى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فعَمَدَ رجُلٌ يوم السبْتِ، فربط حوتاً بخزمة «٢» ، وضرب له وَتِداً بالساحل، فلما ذهب السَّبْتُ، جاء، فأخذه، فسَمِع قومٌ بفعْلِهِ، فصنعوا مثْلَ ما صنع.

وقيل: بل حفر رجُلٌ في غير السَّبْت حَفِيراً يخرج إِلَيْه البحر، فإِذا كان يوم السبت، خرج الحوت، وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر، ذهب الماء من طريق الحفير، وبقي الحوت، فجاء بعد السبت، فأخذه، ففعل قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادره يوم السبت علانيةً، وباعوه في الأسواقِ، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إِسرائيل فرقةٌ نهَتْ عن ذلك، فنجَتْ من العقوبة، وكانت منهم فرقةٌ لم تَعْصِ، ولم تَنْهَ، فقيل:

نجت مع الناهين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.

وكُونُوا: لفظةُ أمر، وهو أمر التكوينِ كقوله تعالى لكُلِّ شَيْءٍ: كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] قال ابن الحاجب «٣»

في مختصره الكَبِيرِ المسمى ب «منتهى الوُصُولِ» «١» : صيغةُ: افعل، وما في معناها قد صَحَّ إِطلاقها بإزاء خمسةَ عَشَرَ محملاً.

الوجوبُ: أَقِمِ الصَّلاةَ [الإسراء: ٧٨] والنَّدْبُ: فَكاتِبُوهُمْ [النور: ٣٣] .

والإِرشادُ: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] والإِباحةُ: فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] .

والتأديب: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» .

والامتنانُ: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأنعام: ١٤٢] .

والإِكرامُ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ [ق: ٣٤] والتَّهديد: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] والإِنذار: تَمَتَّعُوا [إبراهيم: ٣٠] والتسخيرُ: كُونُوا قِرَدَةً [الأعراف: ١٦٦] والإِهانة:

كُونُوا حِجارَةً [الإسراء: ٥٠] والتَّسويةُ: فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا [الطور: ١٦] والدعاءُ:

اغْفِرْ لَنا [آل عمران: ١٤٧] والتمنِّي: [الطويل] :

...

أَلاَ انجلي ...

«٢»

وكمالُ القدرة: كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] .

انتهى.

وزاد غيره كونها للتعجيزِ، أعني: صيغةَ «افعل» .

قال ابن الحاجِبِ: وقد اتفق على أنها مجازٌ فيما عَدَا الوُجُوبَ والنَّدْبَ والإِباحةَ والتهديدَ، ثم الجمهورُ على أنها حقيقةٌ في الوجوب «٣» .

انتهى.

وخاسِئِينَ: معناه: مُبْعَدِينَ أذلاَّء صاغِرِينَ كما يقال للكَلْب، وللمطْرُود:

اخسأ، وروي في قصصهم أنَّ اللَّه تعالى مسخ العاصِينَ قردَةً في الليل، فأصبح الناجون

إلى مساجِدِهِمْ، ومجتمعاتِهِمْ، فلم يروا أحداً من الهالكينَ، فقالوا: إِن للنَّاس لشأناً، ففتحوا عليهم الأبوابَ لما كانت مغْلَقة باللَّيْل، فوجدوهم قردَةً يعرفون الرجُلَ والمرأة.

وقيل: إن الناجينَ كانُوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القريَةَ بجِدَارٍ تَبَرِّياً منهم، فأصبحوا، ولم تفتحْ مدينةُ الهالكين، فتسوَّروا عليهم الجدارَ، فإِذَا هم قردةٌ يثبُ بعضهم ٢٤ أعلى بعض/.

وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وثبت أنَّ المُسُوخَ لا تنسل، ولا تأكل، ولا تشرَبُ، ولا تعيشُ أكثَرَ من ثلاثة أيام «١» ، ووقع في كتاب مسلم عنه صلّى الله عليه وسلم «أنّ أمّة من الأمم فقدت، وأراها

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ السَّبْتُ: اليَوْمُ المَعْرُوفُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى السَّبْتِ في كَلامِ العَرَبِ: القَطْعُ يُقالُ: قَدْ سَبَتَ رَأْسَهُ: إذا حَلَقَهُ وقَطَعَ الشَّعْرَ مِنهُ، ويُقالُ: نَعْلٌ سَبْتِيَّةٌ: إذا كانَتْ مَدْبُوغَةً بِالقَرْظِ مَحْلُوقَةَ الشَّعْرِ، فَسُمِّيَ السَّبْتُ سَبْتًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ الخَلْقَ فِيهِ، وقَطَعَ فِيهِ بَعْضَ خَلْقِ الأرْضِ، أوْ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ فِيهِ بِقَطْعِ الأعْمالِ وتَرْكِها.

قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ سَبْتًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِالاسْتِراحَةِ فِيهِ مِنَ الأعْمالِ، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّهُ يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ: سَبَتَ بِمَعْنى: اسْتَراحَ.

وَفِي صِفَةِ اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ السَّبْتِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم حَبَسُوها يَوْمَ السَّبْتِ وأخَذُوها يَوْمَ الأحَدِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْفِرُ الحَفِيرَةَ؛ ويَجْعَلُ لَها نَهْرًا إلى البَحْرِ، فَإذا كانَ يَوْمَ السَّبْتِ فَتَحَ النَّهْرَ، وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ العَمَلَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَيُقْبِلُ المَوْجُ بِالحِيتانِ حَتّى يُلْقِيَها في الحَفِيرَةِ، فَيُرِيدُ الحُوتُ الخُرُوجَ فَلا يُطِيقُ، فَيَأْخُذُها يَوْمَ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ مَسْخِهِمْ.

رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: نُودِيَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ ثَلاثَةَ أصْواتٍ.

نُودُوا يا أهْلَ القَرْيَةِ، فانْتَبَهَتْ طائِفَةٌ أكْثَرُ مِنَ الأُولى، ثُمَّ نُودُوا: يا أهْلَ القَرْيَةِ، فانْتَبَهَ الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبْيانُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ فَجَعَلَ الَّذِينَ نَهَوْهم يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ: يا فُلانُ ألَمْ نَنْهَكُمْ؟

فَيَقُولُونَ بِرُؤُوسِهِمْ: بَلى.

قالَ قَتادَةُ: فَصارَ القَوْمُ قِرَدَةً تَعاوى، لَها أذْنابٌ بَعْدَما كانُوا رِجالًا ونِساءً.

وَفِي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ: صارَ الشُّبّانُ قِرَدَةً، والشُّيُوخُ خَنازِيرَ، وما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا، وهَلَكَ سائِرُهم.

وقالَ غَيْرُهُ: كانُوا نَحْوًا مِن سَبْعِينَ ألْفًا، وعَلى هَذا القَوْلِ العُلَماءُ، غَيْرَ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم ولَمْ تُمْسَخْ أبْدانُهم، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُحْيَوْا عَلى الأرْضِ إلّا ثَلاثَةَ أيّامٍ، ولَمْ يَحْياْ مَسْخٌ في الأرْضِ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ ولَمْ يَنْسِلْ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم عاشُوا سَبْعَةَ أيّامٍ، وماتُوا في اليَوْمِ الثّامِنِ، وهَذا كانَ في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خاسِئِينَ ﴾ : الخاسِئُ في اللُّغَةِ: المُبْعَدُ، يُقالُ لِلْكَلْبِ اخْسَأْ، أيْ: تَباعَدْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

فِي المُكَنّى عَنْها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الخَطِيئَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العُقُوبَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: الهاءُ: كِنايَةٌ عَنِ المُسْخَةِ الَّتِي مُسِخُوها.

والثّالِثُ: أنَّها القَرْيَةُ، والمُرادُ أهْلُها، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها الأُمَّةُ الَّتِي مُسِخَتْ، قالَهُ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ.

وَفِي النَّكالِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العُقُوبَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: العِبْرَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ القُرى وما خَلْفَها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ الذُّنُوبِ، وما خَلْفَها: ما عَمِلُوا بَعْدَها، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ السِّنِينَ الَّتِي عَمِلُوا فِيها بِالمَعاصِي، وما خَلْفَها: ما كانَ بَعْدَهم في بَنِي إسْرائِيلَ لِئَلّا يَعْمَلُوا بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

وَفِي المُتَّقِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُتَّقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وذَكَرَهُ عَطِيَّةُ وسُفْيانُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ ﴿ فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ "عَلِمْتُمُ" مَعْناهُ: عَرَفْتُمْ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ زَيْدًا بِمَعْنى عَرَفْتُهُ فَلا يَتَعَدّى العَلَمُ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، و"اعْتَدَوْا" مَعْناهُ: تَجاوَزُوا الحَدَّ مُصَرَّفٌ مِنَ الِاعْتِداءِ، و"فِي السَبْتِ" مَعْناهُ: في يَوْمِ السَبْتَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في حُكْمِ السَبْتِ، و"السَبْتُ" مَأْخُوذٌ مِنَ السُبُوتِ الَّذِي هو الراحَةُ والدَعَةُ، وإمّا مِنَ السَبْتِ وهو القَطْعُ، لِأنَّ الأشْياءَ فِيهِ سَبَتَتْ وتَمَّتْ خِلْقَتُها.

وقِصَّةُ اعْتِدائِهِمْ فِيهِ: أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَوْمِ الجُمْعَةَ، وعَرَّفَهُ فَضْلَهُ، كَما أمَرَ بِهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنِ اللهِ، وأمَرَهم بِالتَشَرُّعِ فِيهِ، فَأبَوْا، وتَعَدُّوهُ إلى يَوْمِ السَبْتِ، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى أنْ دَعْهم وما اخْتارُوا مِن ذَلِكَ، وامْتَحَنَهم فِيهِ بِأنْ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ الحِيتانِ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ المِحْنَةَ بِأنْ كانَتِ الحِيتانُ تَأْتِي يَوْمَ السَبْتَ حَتّى تَخْرُجَ إلى الأفْنِيَةِ.

قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقِيلَ: حَتّى تُخْرِجَ خَراطِيمَها مِنَ الماءِ، وذَلِكَ إمّا بِالإلْهامِ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِأمْرٍ لا يُعَلَّلُ، وإمّا بِأنْ فَهِمَها مَعْنى الأمَنَةِ الَّتِي في اليَوْمِ مَعَ تَكْرارِهِ حَتّى فَهِمْتُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ألْهَمَ الدَوابَّ مَعْنى الخَوْفِ الَّذِي في يَوْمِ الجُمْعَةِ مَن أمْرِ القِيامَةِ؟

يَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : «وَما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةَ فَرْقًا مِنَ الساعَةِ» وحَمامُ مَكَّةَ قَدْ فَهِمَ الأمَنَةَ أمّا أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقُرْبِ فَهْمِها.

وكانَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بَأيْلَةَ عَلى البَحْرِ، فَإذا ذَهَبَ السَبْتُ ذَهَبَتِ الحِيتانُ فَلَمْ تَظْهَرْ إلى السَبْتِ الآخَرِ، فَبَقُوا عَلى ذَلِكَ زَمانًا حَتّى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فَعَمَدَ رَجُلٌ يَوْمَ السَبْتِ فَرَبَطَ حُوتًا بِخْزَمَةْ وضَرَبَ لَهُ وتَدًا بِالساحِلِ، فَلَمّا ذَهَبَ السَبْتُ جاءَ وأخَذَهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ بِفِعْلِهِ فَصَنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ، وقِيلَ: بَلْ حَفَرَ رَجُلٌ في غَيْرِ السَبْتِ حَفِيرًا، يَخْرُجُ إلَيْهِ البَحْرُ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ خَرَجَ الحُوتُ وحَصَلَ في الحَفِيرِ، فَإذا جَزَرَ البَحْرُ ذَهَبَ الماءُ مِن طَرِيقِ الحَفِيرِ وبَقِيَ الحُوتُ، فَجاءَ بَعْدَ السَبْتِ فَأخَذَهُ، فَفَعَلَ قَوْمٌ مِثْلَ فِعْلِهِ، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى صادُوهُ يَوْمَ السَبْتِ عَلانِيَةً، وباعُوهُ في الأسْواقِ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ الِاعْتِداءِ، وكانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فِرْقَةٌ نَهَتْ عن ذَلِكَ، فَنَجَتْ مِنَ العُقُوبَةِ، وكانَتْ مِنهم فِرْقَةٌ لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، فَقِيلَ: نَجَتْ مَعَ الناهِينَ، وقِيلَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِينَ.

وَ"كُونُوا" لَفْظَةَ أمْرٍ، وهو أمْرُ التَكْوِينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ: ( كُنْ فَيَكُونُ ) ولَمْ يُؤْمَرُوا في المَصِيرِ إلى حالِ المَسْخِ بِشَيْءٍ يَفْعَلُونَهُ ولا لَهم فِيهِ تَكَسُّبٌ، و"خاسِئِينَ" مَعْناهُ: مُبْعَدِينَ أذِلّاءَ صاغِرِينَ كَما يُقالُ لِلْكَلْبِ ولِلْمَطْرُودِ: اخْسَأْ، تَقُولُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأ، ومَوْضِعُهُ مِنَ الإعْرابِ، النَصْبُ عَلى الحالِ، أو عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ.

ورُوِيَ في قَصَصِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى مَسَخَ العاصِينَ قِرَدَةً بِاللَيْلِ، فَأصْبَحَ الناجُونَ إلى مَساجِدِهِمْ ومُجْتَمَعاتِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا مِنَ الهالِكِينَ، فَقالُوا: إنْ لِلنّاسِ لَشَأْنًا، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الأبْوابَ كَما كانَتْ مُغْلَقَةً بِاللَيْلِ، فَوَجَدُوهم "قِرَدَةً"، يَعْرِفُونَ الرَجُلَ والمَرْأةَ، وقِيلَ: إنَّ الناجِينَ كانُوا قَدْ قَسَّمُوا بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ القَرْيَةَ بِجِدارٍ، تَبَرِّيًا مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا ولَمْ تُفْتَحْ مَدِينَةُ الهالِكِينَ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الجِدارَ، فَإذا هم قِرَدَةٌ يَثِبُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  وثَبَتَ، أنَّ المَمْسُوخَ لا يَنْسَلُّ ولا تَأْكُلُ، ولا تَشْرَبُ، ولا تَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، ووَقَعَ في كِتابِ مُسْلِمٍ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ وأراها الفَأْرَ»، وظاهِرُ هَذا أنَّ المَمْسُوخَ تَنْسَلُّ، فَإنْ كانَ أرادَ هَذا فَهو ظَنٌّ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ لا مَدْخَلَ لَهُ في التَبْلِيغِ، ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ المَمْسُوخَ لا تَنْسَلُّ.

ونَظِيرُ ما قُلْناهُ نُزُولُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى مِياهِ بَدْرٍ، وأمَرَهُ بِاطِّراحِ تَذْكِيرِ النَخْلِ، وقَدْ قالَ  : «إذا أُخْبَرْتُكم بِرَأْيٍ في أُمُورِ الدُنْيا فَإنَّما أنا بَشَرٌ».

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما مُسِخَتْ قُلُوبُهم فَقَطْ، ورُدَّتْ أفْهامُهم كَأفْهامِ القِرَدَةِ، والأوَّلُ أقْوى وأظْهَرُ.

والضَمِيرُ في "فَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ العَوْدَ عَلى المِسْخَةِ والعُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، ويُحْتَمَلُ عَلى القِرَدَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى القَرْيَةِ إذْ مَعْنى الكَلامِ يَقْتَضِيها وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحِيتانِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ.

والنَكالُ: الزَجْرُ بِالعِقابِ، والنَكْلِ والأنْكالِ قُيُودُ الحَدِيدِ، فالنَكالُ عِقابٌ يُنَكَلُ بِسَبَبِهِ غَيْرُ المُعاقَبِ عن أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ السُدِّيُّ: ما بَيْنَ يَدِي المِسْخَةِ ما قَبْلَها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، "وَما خَلْفَها" لِمَن يُذْنِبُ بَعْدَها مِثْلُ تِلْكَ الذُنُوبِ، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: ( ما بَيْنَ يَدَيْها ) أيْ مَن حَضَرَها مِنَ الناجِينَ، "وَما خَلْفَها" أيْ لِمَن يَجِيءُ بَعْدَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها ﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ الناسِ لِيُحَذِّرَ ويَتَّقِيَ، وما خَلْفَها، لِمَن بَقِيَ مِنهم عِبْرَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لِأنَّ دَلالَةَ ما بَيْنَ اليَدِ لَيْسَتْ كَما في القَوْلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ أيْ مِنَ القُرى، فَهَذا تَرْتِيبُ أجْرامٍ لا تَرْتِيبٌ في الزَمانِ.

و"مَوْعِظَةً" مُفْعِلَةً مِنَ الِاتِّعاظِ والِازْدِجارِ، و"لِلْمُتَّقِينَ" مَعْناهُ: لِلَّذِينِ نُهُوا ونَجَوْا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

واللَفْظُ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ تَذْكِيرُهم بِنَقْضِ سَلَفِهِمْ لِلْمِيثاقِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَأْمُرُكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ، ورُوِيَ عنهُ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ في "بارِئِكُمْ".

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أسَنَّ، وكانَ لَهُ مالٌ، واسْتَبْطَأ ابْنُ أخِيهِ مَوْتَهُ، وقِيلَ: أخُوهُ، وقِيلَ: ابْنا عَمِّهِ، وقِيلَ: ورَثَةُ كَثِيرٍ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وألْقاهُ في سَبْطٍ آخَرَ غَيْرِ سِبْطِهِ لِيَأْخُذَ دِيَتَهُ، ويُلَطِّخَهم بِدَمِهِ، وقِيلَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في قَرْيَتَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ فَألْقاهُ إلى بابِ إحْدى المَدِينَتَيْنِ، وهي الَّتِي لَمْ يُقْتَلْ فِيها، ثُمَّ جَعَلَ يَطْلُبُهُ هو وسِبْطُهُ حَتّى وجَدَهُ قَتِيلًا، فَتَعَلَّقَ بِالسِبْطِ أو بِسُكّانِ المَدِينَةِ الَّتِي وُجِدَ القَتِيلُ عِنْدَها، فَأنْكَرُوا قَتْلَهُ، فَوَقَعَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في ذَلِكَ لِحاءٌ حَتّى دَخَلُوا في السِلاحِ.

فَقالَ أهْلُ النَهْيِ مِنهُمْ: أنَقْتَتِلُ ورَسُولُ اللهِ مَعَنا؟، فَذَهَبُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ القِصَّةَ، وسَألُوهُ البَيانَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَذْبَحُوا بَقْرَةً فَيُضْرَبُ القَتِيلُ بِبَعْضِها فَيَحْيا ويُخْبِرُ بِقاتِلِهِ، فَقالَ لَهُمْ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ فَكانَ جَوابُهم أنْ قالُوا: ﴿ أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ .

قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أيَتَّخِذُنا" بِالياءِ عَلى مَعْنى أيَتَّخِذُنا اللهُ؟، وقَرَأ حَمْزَةُ: "هُزُؤًا" بِإسْكانِ الزايِ والهَمْزِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ "هُزُؤٌ" بِضَمٍّ الزاءِ والهاءِ والهَمْزِ، وقَرَأ أيْضًا دُونَ هَمْزٍ "هُزُوًا" حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِضَمِّ الهاءِ والزايِ، والهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ ضَمُّ الهاءِ وتَشْدِيدُ الزايِ "هُزًّا".

وهَذا القَوْلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ظاهِرُهُ فَسادُ اعْتِقادٍ مِمَّنْ قالَهُ، ولا يَصْحُّ الإيمانُ مِمَّنْ يَقُولُ لِنَبِيٍّ قَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزاتُهُ، وقالَ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ ، ولَوْ قالَ ذَلِكَ اليَوْمَ أحَدٌ عن بَعْضِ أقْوالِ النَبِيِّ  لَوَجَبَ تَكْفِيرُهُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ غِلْظِ الطَبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ، عَلى نَحْوِ ما قالَ القائِلُ لِلنَّبِيِّ  في قِسْمَةِ غَنائِمَ حَنِينٍ: «إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهَ اللهِ» وكَما قالَ لَهُ الآخَرُ: «أعْدِلْ يا مُحَمَّدُ»، وكُلٌّ مُحْتَمَلٌ واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ، يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الِاسْتِعاذَةُ مِنَ الجَهْلِ في أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللهِ تَعالى مُسْتَهْزِئًا، والآخَرُ مِنَ الجَهْلِ كَما جَهِلُوا في قَوْلِهِمْ ﴿ أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ لِمَن يُخْبِرُهم عَنِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه من جملة الأخبار التي ذكرها الله تعالى تذكيراً لليهود بما أتاه سلفهم من الاستخفاف بأوامر الله تعالى وبما عرض في خلال ذلك من الزواجر والرحمة والتوبة، وإنما خالف في حكاية هاته القصة أسلوب حكاية ما تقدمها وما تلاها من ذِكر ﴿ إذ ﴾ [البقرة: 63] المؤذنة بزمن القصة والمشعرة بتحقق وقوعها إلى قوله هنا: ﴿ ولقد علمتم ﴾ لمعنى بديع هو من وجوه إعجاز القرآن وذلك أن هذه القصة المشار إليها بهذه الآية ليست من القصص التي تضمنتها كتب التوراة مثل القصص الأخرى المأتي في حكايتها بكلمة (إذ) لأنها متواترة عندهم بل هذه القصة وقعت في زمن داود عليه السلام، فكانت غير مسطورة في الأسفار القديمة وكانت معروفة لعلمائهم وأحبارهم فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عليها وتلك معجزة غيبية وأوحى إليه في لفظها ما يؤذن بأن العلم بها أخفى من العلم بالقصص الأخرى فأسند الأمر فيها لعلمهم إذ قال: ﴿ ولقد علمتم ﴾ .

والاعتداء وزنه افتعال من العدو وهو تجاوز حد السير والحد والغاية.

وغلب إطلاق الاعتداء على مخالفة الحق وظلم الناس والمراد هنا اعتداء الأمر الشرعي لأن الأمر الشرعي يشبَّه بالحد في أنه يؤخذ بما شمله ولا يؤخذ بما وراءه والاعتداء الواقع منهم هو اعتداء أمر الله تعالى إياهم من عهد موسى بأن يحافظوا على حكم السبت وعدم الاكتساب فيه ليتفرغوا فيه للعبادة بقلب خالص من الشغل بالدنيا، فكانت طائفة من سكان أَيلة على البحر رأوا تكاثر الحيتان يوم السبت بالشاطئ لأنها إذا لم تر سفن الصيادين وشباكهم أمنت فتقدمت إلى الشاطئ تفتح أفواهها في الماء لابتلاع ما يكون على الشواطئ من آثار الطعام ومن صغير الحيتان وغيرها فقالوا لو حفرنا لها حياضاً وشرعنا إليها جداول يوم الجمعة فتمسك الحياض الحوت إلى يوم الأحد فنصطادها وفعلوا ذلك فغضب الله تعالى عليهم لهذا الحرص على الرزق أو لأنهم يشغلون بالهم يوم السبت بالفكر فيما تحصّل لهم أو لأنهم تحيلوا على اعتياض العمل في السبت، وهذا الذي أحسبه لما اقترن به من الاستخفاف واعتقادهم أنهم علموا ما لم تهتد إليه شريعتهم فعاقبهم الله تعالى بماذكره هنا.

فقوله: ﴿ في السبت ﴾ يجوز أن تكون (في) للظرفية.

والسبت مصدر سَبَتَ اليهودي من باب ضرب ونصر بمعنى احترم السبت وعظمه.

والمعنى اعتدوا في حال تعظيم السبت أو في زمن تعظيم السبت.

ويجوز أن تكون (في) للعلة أي اعتدوا اعتداء لأجل ما أوجبه احترام السبت من قطع العمل.

ولعل تحريم الصيد فيه ليكون أمناً للدواب.

ويجوز أن تكون (في) ظرفية والسبت بمعنى اليوم وإنما جعل الاعتداء فيه مع أن الحفر في يوم الجمعة لأن أثره الذي ترتب عليه العصيان وهو دخول الحيتان للحياض يقع في يوم السبت.

وقوله: ﴿ فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ كونوا أمر تكوين والقردة بكسر القاف وفتح الراء جمع قرد وتكوينهم قردة يحتمل أن يكون بتصيير أجسامهم أجسام قردة مع بقاء الإدراك الإنساني وهذا قول جمهور العلماء والمفسرين، ويحتمل أن يكون بتصيير عقولهم كعقول القردة مع بقاء الهيكل الإنساني، وهذا قول مجاهد والعبرة حاصلة على كلا الاعتبارين والأول أظهر في العبرة لأن فيه اعتبارهم بأنفسهم واعتبار الناس بهم بخلاف الثاني والثاني أقرب للتاريخ إذ لم ينقل مسخ في كتب تاريخ العبرانيين، والقدرة صالحة للأمرين والكل معجزة للشريعة أو لداود ولذلك قال الفخر: ليس قول مجاهد ببعيد جداً لكنه خلاف الظاهر من الآية وليس الآية صريحة في المسخ.

ومعنى كونهم قردة أنهم لما لم يتلقوا الشريعة بفهم مقاصدها ومعانيها وأخذوا بصورة الألفاظ فقد أشبهوا العجماوات في وقوفها عند المحسوسات فلم يتميزوا عن العجماوات إلا بالشكل الإنساني وهذه القردة تشاركهم في هذا الشبه وهذا معنى قول مجاهد هو مسخ قلوب لا مسخ ذوات.

ثم إن القائلين بوقوع المسخ في الأجسام اتفقوا أو كادوا على أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام وأنه لا يتناسل وروى ذلك ابن مسعود عن النبيء صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم» أنه قال: " لم يهلك الله قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً " وهو صريح في الباب ومن العلماء من جوز تناسل الممسوخ وزعموا أن الفيل والقرد والضب والخنزير من الأمم الممسوخة وقد كانت العرب تعتقد ذلك في الضب قال أحد بني سليم وقد جاء لزوجه بضب فأبت أن تأكله: قالت وكنت رجلاً فطيناً *** هذا لعمر الله إسرائينا حتى قال بعض الفقهاء بحرمة أكل الفيل ونحوه بناء على احتمال أن أصله نسل آدمي قال ابن الحاجب «وأما ما يذكر أنه ممسوخ كالفيل والقرد والضب ففي المذهب الجواز لعموم الآية والتحريم لما يذكر» أي لعموم آية المأكولات، وصحح صاحب «التوضيح» عن مالك الجواز وقد روى مسلم في أحاديث متفرقة من آخر «صحيحه» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أُراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته " اه.

وقد تأوله ابن عطية وابن رشد في «البيان» وغير واحد من العلماء بأن هذا قاله النبيء صلى الله عليه وسلم عن اجتهاد قبل أن يوقفه الله على أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ولا يتناسل كما هو صريح حديث ابن مسعود، قلت: يؤيد هذا أنه قال عن اجتهاد قوله: «ولا أُراها».

ولا شك أن هاته الأنواع من الحيوان موجودة قبل المسخ وأن المسخ إليها دليل على وجودها ومعرفة الناس بها.

وهذا الأمر التكويني كان لأجل العقوبة على ما اجترأوا من الاستخفاف بالأمر الإلهي حتى تحيلوا عليه وفي ذلك دليل على أن الله تعالى لا يرضى بالحيل على تجاوز أوامره ونواهيه فإن شرائع الله تعالى مشروعة لمصالح وحكم فالتحيل على خرق تلك الحكم بإجراء الأفعال على صور مشروعة مع تحقق تعطيل الحكمة منها جراءة، على الله تعالى، ولا حجة لمن ينتحل جواز الحيل بقوله تعالى في قصة أيوب: ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث ﴾ [ص: 44] لأن تلك فتوى من الله تعالى لنبيء لتجنب الحنث الذي قد يتفادى عنه بالكفارة ولكن الله لم يرض أصل الحنث لنبيه لأنه خلاف الأولى فأفتاه بما قاله، وذلك مما يعين على حكمة اجتناب الحنث لأن فيه محافظة على تعظيم اسم الله تعالى فلا فوات للحكمة في ذلك، ومسألة الحيل الشرعية لعلنا نتعرض لها في سورة ص وفيها تمحيص.

وقوله: ﴿ فجعلناها نكالاً ﴾ عاد فيه الضمير على العقوبة المستفادة من قوله: ﴿ فقنا لهم كونوا قردة ﴾ .

والنكال بفتح النون العقاب الشديد الذي يردع المعاقب عن العود للجناية ويردع غيره عن ارتكاب مثلها، وهو مشتق من نكل إذا امتنع ويقال نكّل به تنكيلاً ونكالاً معنى عاقبه بما يمنعه من العود.

والمراد بما بين يديها وما خلفها ما قارنها من معاصيهم وما سبق يعني أن تلك الفعلة كانت آخر ما فعلوه فنزلت العقوبة عندها ولما بين يديها من الأمم القريبة منها ولما خلفها من الأمم البعيدة.

والموعظة ما به الوعظ وهو الترهيب من الشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ ﴾ وفي اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أخَذُوا فِيهِ الحِيتانَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْلالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهم حَبَسُوها في يَوْمِ السَّبْتِ وأخَذُوها يَوْمَ الأحَدِ، والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السَّبْتَ هو اسْمٌ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الدَّهْرِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَتَ خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ، أيْ قُطِعَ وفُرِغَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّ اليَهُودَ يَسْبِتُونَ فِيهِ، أيْ يَقْطَعُونَ فِيهِ الأعْمالَ.

والرّابِعُ: أنَّ أصْلَ السَّبْتِ، الهُدُوءُ والسُّكُونُ في راحَةٍ ودَعَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلنّائِمِ مَسْبُوتٌ لِاسْتِراحَتِهِ وسُكُونِ جَسَدِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ فَسُمِّيَ بِهِ اليَوْمُ لِاسْتِراحَةِ اليَهُودِ فِيهِ.

وَفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُسِخُوا قِرَدَةً، فَصارُوا لِأجْلِ اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ في صُورَةِ القِرَدَةِ المَخْلُوقِينَ مِن قَبْلُ، في الأيّامِ السِّتَّةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: أنَّهم لَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا  ﴾ .

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خاسِئِينَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخاسِئَ المُبْعَدُ المَطْرُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: خَسَأْتَ الكَلْبَ، إذا باعَدْتَهُ وطَرَدْتَهُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أذِلّاءُ صاغِرُونَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خاسِئًا أيْ ذَلِيلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ وفي المَجْعُولِ نَكالًا، سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها العُقُوبَةُ.

والثّانِي: أنَّها الحِيتانُ.

والثّالِثُ: أنَّها القَرْيَةُ الَّتِي اعْتَدى أهْلُها.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأُمَّةُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا، وهم أهْلُ أيْلَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ المَمْسُوخُونَ قِرَدَةً.

والسّادِسُ: أنَّهُمُ القِرَدَةُ المَمْسُوخُ عَلى صُوَرِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَكالا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عُقُوبَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عِبْرَةٌ يُنَكَّلُ بِها مَن رَآها.

والثّالِثُ: أنَّ النَّكالَ الِاشْتِهارُ بِالفَضِيحَةِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها مِنَ القُرى، وهَذِهِ رِوايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ما بَيْنَ يَدَيْها يَعْنِي مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ، وما خَلْفَها، الَّذِينَ كانُوا مَعَهم باقِينَ، وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما بَيْنَ يَدَيْها، يَعْنِي مِن دُونِها، وما خَلْفَها، يَعْنِي لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ ذُنُوبِ القَوْمِ، وما خَلْفَها لِلْحِيتانِ الَّتِي أصابُوها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والخامِسُ: ما بَيْنَ يَدَيْها ما مَضى مِن خَطاياهُمْ، وما خَلْفَها: خَطاياهُمُ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولقد علمتم ﴾ قال: عرفتم، وهذا تحذير لهم من المعصية يقول: احذورا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصوني اعتدوا يقول: اجترأوا في السبت بصيد السمك فقلنا لهم ﴿ كونوا قردة خاسئين ﴾ فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، ولم يعش مسخ فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقاً، ثم هلكوا ما كان للمسخ نسل.

وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس قال: القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: انقطع ذلك النسل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ قال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم مثل الحمار يحمل أسفاراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: أحلت لهم الحيتان وحرمت عليهم يوم السبت ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، فكان القوم فيهم ثلاثة أصناف، فأما صنف فأمسك ونهى عن المعصية، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله، وأما صنف فانتهك المعصية ومرن على المعصية، فلما أبوا إلا عتواً عما نهاهم الله عنه ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ وصار القوم قروداً تعاوى لها الذئاب بعد ما كانوا رجالاً ونساء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ خاسئين ﴾ قال: ذليلين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ خاسئين ﴾ قال: صاغرين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فجعلناها نكالاً لما بين يديها ﴾ من الذنوب ﴿ وما خلفها ﴾ من القرى ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فجعلناها ﴾ يعني الحيتان ﴿ نكالاً لما بين يديها وما خلفها ﴾ من الذنوب التي عملوا قبل وبعد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فجعلناها ﴾ قال: فجعلنا تلك العقوبة وهي المسخة ﴿ نكالاً ﴾ عقوبة ﴿ لما بين يديها ﴾ يقول: ليحذر من بعدهم عقوبتي ﴿ وما خلفها ﴾ يقول: للذين بقوا معهم ﴿ وموعظة ﴾ تذكرة وعبرة للمتقين.

وأخرج عبد بن حميد عن سفيان في قوله: ﴿ نكالاً لما بين يديها وما خلفها ﴾ قال: من الذنوب ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ قال: لأمة محمد عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا ﴾ الآية، اختلفوا في الكناية، فقيل: إنها راجعة إلى القردة (١) وقال الفراء: الكناية تعود إلى المسخة (٢) ﴿ كُونُوا قِرَدَةً ﴾ مسخناهم قردة، فوقعت الكناية عن الكلام المتقدم (٣) وقال ابن عباس: فجعلنا تلك (٤) (٥) ﴿ كُونُوا قِرَدَةً ﴾ لأن ذلك يدل على المسخ، والمسخ عقوبة، ويقال: الهاء عائدة على الأمة (٦) ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ ﴾ (٧) (٨) وقال الزجاج: وجعلنا هذه الفعلة عبرة (٩) والنَّكَال (١٠) (١١) وأصل هذا من قولهم: نكل عن الأمر ينكُل نُكولًا، إذا جبن عنه، يقال: نَكَّلْت بفلان، إذا عاقبته في شيء أتاه عقوبةً تُنَكِّل غيره عن ارتكاب مثله، أي: تمنع وتردد.

والنِّكْل: القيد، لأنه يمنع الجري، والنِّكْلُ: حديد اللجام (١٢) وقوله تعالى: ﴿ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿ لِّمَا بَينَ يَدَيهَا ﴾ الأمم التي تراها، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ ما يكون بعدها (١٣) وقال الفراء: جعلت نكالا لما مضى من الذنوب، ولما (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ خَلْفَهَا ﴾ (١٨) وقيل: هذا على (١٩) (٢٠) (٢١) (١) انظر: "تفسير الطبري" 2/ 176، "تفسير الثعلبي" 1/ 81 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 375.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 43.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 333، "زاد المسير" 1/ 95.

(٤) (تلك) ساقط من (ج).

(٥) أخرجه الطبري عن الضحاك عن ابن عباس.

الطبري 1/ 333، وانظر: "الماوردي" 1/ 357، "زاد المسير" 1/ 95.

(٦) (الأمة) ساقط من (ب).

(٧) في (ب): (الذين اعتدوا).

(٨) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 121، و"تفسير الطبري" 1/ 333، وأورد أقوالا أخرى منها: أنها تعود على قرية القوم الذين مسخوا، أو تعود على الحيتان، وهي وإن لم يجر لها ذكر ففي الخبر دلالة عليها، "تفسير الطبري" 2/ 176، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 81 ب، "تفسير الماوردي" 1/ 357، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 44.

(٩) "معاني القرآن" 1/ 121، والنص من "تهذيب اللغة" (نكل) 10/ 247.

(١٠) في (ب): (النكل).

(١١) ذكره الأزهري عن الليث.

"تهذيب اللغة" 4/ 3665، وانظر: "اللسان" (نكل) 8/ 4544.

(١٢) ذكره الأزهري عن شمر.

"تهذيب اللغة" 4/ 3665، وانظر: "اللسان" 8/ 4544.

(١٣) ما ذكره أحد قولين أوردهما الزجاج في "المعاني" 1/ 121، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 333.

(١٤) في (ج): (يعملوا).

(١٥) في (ب): (ليخافون).

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 43، وهو قول للزجاج.

انظر: "المعاني" 1/ 121، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 333 - 334.

(١٧) في (ج): (تعود).

(١٨) رجح الطبري في "تفسيره" أنها تعود على (العقوبة) 1/ 335، وذكر مكي: ثلاثة أقوال وهي، أنها تعود على القردة، أو المسخة، أو العقوبة.

"المشكل" 1/ 52، وانظر: "البيان" 1/ 91.

(١٩) (على) ساقط من (ب).

(٢٠) في (ب): (أي التقديم).

(٢١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 81 ب، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 81.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ﴾ لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن يقبلوها فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن لم تأخذوها وقع عليكم ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ جدُّ في العلم بالتوراة أو العمل بها ﴿ اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت ﴾ اصطادوا فيه الحوت وكان محرماً عليهم ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ عبارة عن مسخهم، وخاسئين صفة أو خير ثان، ومعناه مبعدين كما يخسأ الكلب ﴿ فجعلناها ﴾ الضمير للفعلة وهي المسخ ﴿ نكالا ﴾ أي عقوبة لما تقدّم من ذنوبهم وما تأخر، وقيل: عبرة لمن تقدّم ومن تأخر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ النصارى ﴾ بالإمالة: أو عمرو وحمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري، والخراز عن هبيرة، وكذلك كل راء بعدها ياء.

وروى قتيبة بكسر الصاد والراء، وكذلك قوله ﴿ سكارى ﴾ و ﴿ أسارى ﴾ و ﴿ يوارى ﴾ و ﴿ أوارى ﴾ كلها بإمالة ما قبل الألف ﴿ والصابئين ﴾ بغير همزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الوقوف: ﴿ عند ربهم ﴾ (ز) لنوع عدول عن إثبات إلى نفي مع اتفاق الجملتين.

و ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لأن التقدير: قلنا لكم خذوا ﴿ تتقون ﴾ (ه) ﴿ من بعد ذلك ﴾ (ج) لأن "لولا" للابتداء وقد دخل الفاء فيه ﴿ الخاسرين ﴾ (ه) ﴿ خاسئين ﴾ (ه) (ج) للآية والعطف بالفاء ﴿ المتقين ﴾ (ه).

التفسير: قد انجرّ الكلام في الآي المتقدمة إلى وعيد أهل الكتاب ومن يقفو آثارهم، فقرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته  من ذكر الترغيب مع الترهيب فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ .

واختلف المفسرون ههنا لأن قوله في آخر الآية ﴿ من آمن ﴾ .

يدل على أن المراد من قوله ﴿ آمنوا ﴾ شيء آخر، كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمِنوا  ﴾ .

فعن ابن عباس: المراد أن الذين آمنوا قبل مبعث محمد  بعيسى  مع البراءة من أباطيل اليهود والنصارى كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري.

كأنه قيل: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد  ، والذين كانوا على الدين الباطل لليهود، والذين كانوا على الدين الباطل للنصارى، كل من آمن بعد مبعث محمد  بالله واليوم الآخر وبمحمد  فلهم أجرهم.

وعن سفيان الثوري: إن الذين آمنوا باللسان دون القلب وهم المنافقون، والذين تهوّدوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية، والنصارى، والصابئين، كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم كذا.

وقيل: الذين آمنوا هم المؤمنون بمحمد  في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي.

وكأنه قيل: إن الذين آمنوا في الماضي، واليهود والنصارى والصابئين، كل من آمن منهم وثبت على ذلك في المستقبل واستمر.

واشتقاق اليهود قيل من قولهم ﴿ إنا هدنا إليك  ﴾ أي تبنا ورجعنا.

عن ابن عباس: وقيل نسبوا إلى يهودا أكبر ولد يعقوب.

وقيل: إنهم يتهودون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة.

واشتقاق النصارى قبل من ناصرة قرية كان ينزلها عيسى  قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج.

وقيل: لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً.

وقيل: لأن عيسى  قال للحواريين من أنصاري إلى الله.

واحد النصارى نصران، ومؤنثه نصرانة: والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، والصابئين بالهمزة اشتقاقه من صبأ الرجل يصبأ صبواً إذا خرج من دينه إلى دين آخر.

وكانت العرب يسمون النبي  صابئاً لأنه  أظهر ديناً على خلاف أديانهم.

عن مجاهد والحسن: هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.

وعن قتادة: قوم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات.

وقيل: وهو الأقرب - إنهم قوم يعبدون الكواكب ثم فيهم قولان:الأوّل أن خالق العالم هو الله  إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء.

والثاني أنه  خلق الأفلاك والكواكب وفوّض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم إنها تعبد الله  .

وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم  ، فبين الله  أن هذه الفرق الأربع إذا آمنوا بالله ويدخل فيه الإيمان بكل ما أوجبه كالإيمان برسله وآمنوا باليوم الآخر وبما وعد فيه، فإن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند الله  .

ومحل ﴿ من آمن ﴾ رفع على أنه مبتدأ خبره ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والجملة خبر "إن"، أو نصب على أنه بدل من اسم "أن".

والمعطوفات عليه.

وخبر "أن" ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والفاء لتضمن من أو الذين معنى الشرط.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين لأنهم أهل كتاب، وعكس الترتيب في الحج لأن الصابئين مقدمة على النصارى بالزمان، وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير، لأن تقديره: والصابئون كذلك.

وقوله  ﴿ وإذا أخذنا ميثاقكم ﴾ مخاطبة فيها معاتبة لاستمالها على تذكير النعم وتقدير المنعم.

وللمفسرين في هذا الميثاق أقوال: أحدها: أنه ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وقدرته وحكمته وعلى صدق أنبيائه ورسله وهو أقوى المواثيق والعهود، لأنه لا يحتمل الخلف والكذب والتبدل بوجه من الوجوه وهو قول الأصم، وثانيها ما روي عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن موسى  لما رجع من عند ربه بالألواح، قرأوا ما فيها من الأخبار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها، أمر جبرائيل بقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم فحينئذ قبلوا وأعطوا الميثاق.

وعن ابن عباس: إن لله ميثاقين الأول، حين أخرجهم من صلب آدم على أنفسهم، والثاني أنه  ألزم الناس متابعة الأنبياء.

والمراد ههنا هو هذا العهد.

وإنما قال ﴿ ميثاقكم ﴾ ولم يقل "مواثيقكم" للعلم بذلك كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أي كل واحد منكم، أو لأن الميثاق بشيء واحد أخذه من كل واحد منهم.

ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر.

والواو في ﴿ ورفعنا ﴾ إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدماً على رفع الجبل كما في قول الأصم وابن عباس، وإما واو الحال إن جعل مقارناً للرفع، كأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور.

قيل: الجبل مطلقاً.

وعن ابن عباس: أنه جبل من جبال فلسطين.

وقيل: جبل معهود، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه، وقد يجوز أن ينقله الله  إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم، فإن القادر على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل: بقوة ربانية ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟

﴿ لعلكم تتقون ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا ﴿ ثم توليتم ﴾ معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به.

ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير ﴿ من بعد ذلك ﴾ أي من بعد القبول والالتزام.

قال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم.

ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي في عسكره، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرأونها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد  من الكتاب، وجحودهم لحقه  وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر ﴿ فلولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم ﴿ لكنتم من الخاسرين ﴾ أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله  تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم.

فإن كلمة "لولا" تدل على امتناع الثاني لوجود الأول، فامتنع الخسران لوجود فضل الله.

ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ ويكون قوله ﴿ فلولا فضل الله ﴾ رجوعاً بالكلام إلى أوّله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم للكتاب، ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولطف بكم بذلك حتى تبتم.

قوله عز من قائل ﴿ ولقد علمتم ﴾ اللام للابتداء، ولا تكاد تدخل الماضي بدون قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو: لزيد قائم، أو لتأكيد المضارع نحو: ليضرب زيد.

لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع تناسب معنى "قد".

ومعنى "اللام" في التحقيق، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله.

عن ابن عباس: إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود  بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشأم، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.

فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً.

فقيل لهم: لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب والهلاك.

فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا.

قال بعضهم: وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك.

والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء فيه، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم واشتغلوا بالصيد، وإما الاصطياد مع استحلاله.

وقوله ﴿ كونوا ﴾ المراد منه سرعة الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ ﴿ وقردة خاسئين ﴾ خبر "إن" أي كونوا جامعين بين القردة، والخسوء وهو الصغار والطرد.

عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً  ﴾ ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: كن حماراً.

واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنساناً، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قرداً.

وأيضاً لو جوزنا ذلك لم نأمن في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً وذلك شك في المشاهدات.

وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما يقوله الفلاسفة.

وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول  ، ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل، والفهم باقٍ فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوّه الصورة وعدم القدرة على النطق وسائر الخواص الإنسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون، ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله، وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا، الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا ﴿ فجعلناها ﴾ أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة ﴿ نكالاً ﴾ عقوبة شديدة رادعة عن الإقدام على المعصية.

والنكول عن اليمين الامتناع عنها.

ولم يقصد بذلك ما يقصده الناس من التشفي وإطفاء نائرة الغيظ، وإنما جعلناها عبرة لما قبلها ومعها وبعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها وسيبلغ خبرها إلى الآخرين فيعتبرون، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم، أو جعلناها عقوبة لجميع ما ارتكبوه قبل هذا الفعل وبعده، هكذا قال بعضهم، والأولى عندي أن يقال: جعلناها عقوبة لأجل ذنوب تقدمت المسخة، ولأجل ذنوب تأخرت عنها، لأنهم إن لم يكونوا ممسوخين لم ينتهوا عنها فهم في حكم المرتكبين لها.

ولا يلزم من ذلك تجويز العقاب على الذنب المفروض الموهوم لأنه أمر اعتباري، والعقوبة في نفسها واحدة ثابتة على حالها لم تزدد لأجل الذنب المتأخر شيئاً، فليس الأمر فيه كمن ضرب عبده لأجل الإباق المتقدم مائة جلدة، ولأجل الإباق المتأخر المترقب مائة أخرى، ولكنه كمن قيد عبده أو حبسه لأجل الإباق المتقدم والإباق المترقب والله أعلم ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ لأن منفعة الاتعاظ تعود إليهم لا إلى غيرهم مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ أو ليعظ المتقون بعضهم بعضاً.

وقيل: للمتقين الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم: أَن ميثاق الله، وعهده على وجهين: عهد خلقه وفطرة، وعهد رسالة ونبوةٍ.

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ في التوراة أَن يعملوا بما فيها، فنقضوا ذلك العهد لما رأَوا فيها الحدود، والأَحكام، والشرائع كرهوا؛ فرفع الله الجبل فوقهم، فقبلوا ذلك.

ويحتمل ما ذكرنا من عهد خلقة وفطرة فنقضوا ذلك.

وقوله: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ .

قيل: خذوا التوراة بالجد والمواظبة.

وقيل: "بقوة" يعني: بالطاعة له والخضوع.

ثم احتج بعض المعتزلة بهذه الآية على تقدم القدرة الفعلَ؛ لأَنه أمرهم - عز وجل - بالقبول له، والأَخذ والعمل بما فيها.

فلو لم يعطهم قوة الأَخذ والقبول له قبل الأَخذ له والفعل، لكان لا يأْمرهم بذلك؛ لأَنهم يقولون: لا قوة لنا على ذلك؛ فدل أَنه قد أعطاهم قبل ذلك، لكنه غلط عندنا؛ لأَنه لو كان أَعطاهم القوة قبل الفعل، ووقت الأَمر به، ثم تذهب عنهم تلك القوة وقت الفعل - لكان الفعل بلا قوة؛ إذ من قولهم: أن القوة لا تبقى وقتين؛ فدل: أَنها تحدث بحدوث الفعل، لا يتقدم ولا يتأَخر، ولكن يَكونان معاً.

ولأَنها سميت: قدرة الفعل، فلو كانت تتقدم الفعل، لم يكن لإضافة الفعل إليها معنى، والله أعلم.

والأَصل في ذلك: أَن الله -  - قال: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ ومعلوم أَن المرادَ من ذلك الأَخذُ بقوة الآخذ.

ثم فيه وجهان: أَحدهما: أَن للأَخذ قوة غير التي للترك.

والثاني: أَنه ذكر الأَخذ بقوة، فإذا لم تكن معه لم يكن بها أَن يرى أَن الوقت إذا تباعد لم يحتمل بما تقدم من القوة أَوقاتاً؛ فمثله وقت واحد.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: اذكروا، واحفظوا ما فيه من أَمره ونهيه، ولا تضيعوه؛ لعلكم تتقون المعاصي والمآثم.

ويحتمل: اذكروا ما فيه من التوحيد والإيمان؛ لعلكم تتقون الشرك والكفر.

ويحتمل: اذكروا ما فيه من الأَحكام والشرائع.

ويحتمل: الثواب والعقاب، والوعد والوعيد.

وكله واحد.

وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ .

يعني: من بعد القبول.

دل هذا على: أَنهم كانوا قَبِلوا ذلك مرة، قبل أَن يأْتيهم موسى  بها؛ فلما أَتاهم - ورأَوا التشديد، والمشقة - أَبوا قبولها، وتركوا العمل بما فيها من الأَحكام والشرائع؛ فخُوِّفُوا برفع الجبل فوقهم؛ فقبلوا ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: قيل: فضل الله عليكم الإسلام ورحمته: القرآن.

وقيل: فضل الله عليكم بمحمد  ، بعث إليكم رسولاً؛ ليجمعكم، ويؤلف بينكم، ويدعوكم إلى دين الله الحق، بعد ما كنتم في فترة من الرسل، وانقطاع من الدين والعمل.

ويحتمل: فضل الله عليكم؛ لما أَنجا آباءَكم من العذاب، ولم يرسل عليهم الجبل، وإلا ما توالدتم أَنتم.

وقيل: فضل الله عليكم؛ لما أَعطاهم التوراة، ووفقهم على قبولها، وإلا كنتم من الخاسرين.

وبعضه قريب من بعض.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ .

فيه دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ كأنه قال: ولقد علمتم أَن محمداً  لم يكن يعلم الذين اعتدوا منكم في السبت، ولا كان علم ما فُعِل بهم، ثم علم ذلك؛ فإنما علم بالله - عز وجل - لأَنه لم يكن قرأَ كتابكم، ولا كان يختلف إلى أَحد ممن يعرف ذلك؛ فبالله - عزوجل - عرف ذلك، وبه علم؛ فدل: أَنه رسول الله إليكم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ .

أي: علمتم ما أَصاب أُولئك باعتدائهم يومَ السبت بالاصطياد، وكنتم تقولون: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

يعني: أَبْناءُ رسل الله وأَحباؤُه.

فلو كان كما تقولون، لم يكن ليجعلهم قردةً - وهي أَقبحُ خلق الله، وأَوخشُه - إذ مثل ذلك لا يُفعل بالأَحبَّاء ولا بالأَبناءِ.

أَو أَن يحمل على التحذير لهؤلاء؛ لئلا يُكذِّبوا محمداً  ولا يعصوه في أَمره، فيصيبكم ما أَصاب أولئك؛ بتكذيبهم موسى، وعصيانهم أَمرَه، والله أعلم.

ثم سبب تحريم الاصطياد في السبْت كان - والله أعلم - لما قيل: إنّ موسىَ  أراد أن يجعل يوماً لله، خالصاً للطاعة له، والعبادةِ فيه - وهو يوم الجمعة - فخالفوا هم أَمره ونهيَه، وقالوا: نجعل ذلك اليوم السبت؛ لأَنه لم يُخلق لعمل.

فحرم الاصطياد في ذلك اليوم لذلك وحولوا قردةً؛ عقوبة لهم لما نهوا عن الاصطياد في ذلك اليوم فاصطادوا.

وعلى ذلك تأْويل قوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ  ﴾ يعني: يوم الجمعة.

وقيل: ﴿ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ ، يعني: في الله.

ثم اختلف فى قوله: ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ : قال قوم: قوله: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ من الأَصل؛ على ذهاب الإنسانية منهم.

وقيل: حَوَّل جَوْهَرهم إلى جوهر القردة، على إبقاءِ الإنسانية فيهم؛ من الفهم والعقل؛ لأَنه قيل: إن الذين كانوا يَنْهَوْنهم عن الاصطياد في ذلك اليوم دخلوا عليهم، فيقولون لهم: أَلم نَنْهكم عن ذلك، ونزجرْكم؟!

فَأَومئوا: أَي نعم.

ودموعهم تفيض على خدودهم.

فلو كان التحويل على ذهاب جميع الإنسانيه منهم لكانوا لا يفهمون ذلك، ولا حزنوا على ما أَصابهم؛ لأَن كلَّ ذي جوهر راضٍ بجوهره الذي خلقه الله  يُسَرّ به.

ولأَن تحويله إياهم قردةً عقوبةً لتمردهم في التكذيب، وجرأَتهم على الله؛ ليعلموا ذلك، ويروا أَنفسهم أَقبحَ خلقِ الله وأَوخشَه.

وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأَنهم يقولون: ليس في خلق الله قبيح.

فلو لم يكن في خلق الله قبيحٌ لم يكن لتحويل صورتهم من صورة الإنسان، إلى أَقبح صورةٍ معنىً؛ ليروا قبح أَنفسهم؛ عقوبةً لهم بما عَصَوْا أَمر الله، ودخلوا في نهيه.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً ﴾ .

قيل: الهاء راجعة إلى القرية التي كانوا فيها.

وقوله: ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ .

من أَهل القرية.

وقوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .

حواليها.

وقيل: أَراد بالهاءِ: القرية، ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ من القرى، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ من القرى.

وقيل: أَراد بالهاءِ: العقوبة والنكالَ، ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ يعني: لما مضى من الذنوب.

﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ يعني: ما بَقي، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ .

قيل: الخاسىء: الصاغرُ.

وقيل: الخاسىء: الذليلُ.

وقيل: البعيدُ.

وكله يرجع إلى واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فجعلنا هذه القرية المعتدية عبرة لما جاورها من القرى، وعبرة لمن يأتي بعدها؛ حتَّى لا يعمل بعملها فيستحق عقوبتها، وجعلناها تذكرة للمتقين الذين يخافون عقاب الله وانتقامه مِمَّن يتعدى حدوده.

<div class="verse-tafsir" id="91.zkQmZ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أباح الله تعالى لبني إسرائيل العمل في ستة أيام من الأسبوع وحظر عليهم العمل في يوم واحد وهو يوم السبت، وفرض عليهم في هذا اليوم الاجتهاد في الأعمال الدينية إحياء للشعور الديني في قلوبهم، وإضعافًا لشرههم في جمع الحطام وحبهم للدنيا، فتجاوز طائفة منهم حدود الله في السبت واعتدوها، فكان جزاؤهم على ذلك جزاء من لم يرض نفسه بآداب الدين، وجزاء مثله هو الخروج من محيط الكمال الإنساني، والرتوع في مراتع البهيمية، كالقرد في نزواته، والخنزير في شهواته، وقد سجل الله تعالى عليهم ذلك بحكم سنة الفطرة، والنواميس التي أقام بها نظام الخليقة، وذلك قوله  ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ  ﴾ أي وأقسم أنكم لقد علمتم نبأ الذين تجاوزوا حدود حكم الكتاب في ترك العمل الدنيوي يوم السبت -وسيأتي نبؤهم مفصلًا في سورة الأعراف- ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ  ﴾ روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال: ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا  ﴾ ومثل هذا قوله تعالى ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ  ﴾ والخسوء هو الطرد والصغار، وإنما يكون للعقلاء.

والأمر للتكوين، أي فكانوا بحسب سنة الله في طبع الإنسان وأخلاقه كالقردة المستذلة المطرودة من حضرة الناس.

والمعنى أن هذا الاعتداء الصريح لحدود هذه الفريضة قد جرأهم على المعاصي والمنكرات بلا خجل ولا حياء حتى صار كرام الناس يحتقرونهم ولا يرونهم أهلًا لمجالستهم ومعاملتهم.

وفي كتب التفسير أن هؤلاء هم أهل القرية التي كانت حاضرة البحر، كما في سورة الأعراف.

وذهب جمهور المفسرين إلى أن تلك القرية "أيلة" وقيل "طبرية" أو "مدين" وقالوا إن ذلك كان في زمن داود  ، والقرآن لم يعين المكان ولا الزمان، والعبرة المقصودة لا تتوقف على تعيين هذه الجزئيات، فالحجة فيما ذكر قائمة على بني إسرائيل ومبينة أن مجاحدتهم ومعاندتهم للنبي  ليست بدعًا من أمرهم.

ثم إنها عبرة بينة لكل من يفسق عن أمر ربه فيتخذ إلهه هواه ويعيش عيشة بهيمية.

وذهب الجمهور أيضًا إلى أن معنى "كونوا قردة أن صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين، والآية ليست نصًا فيه ولم يبق إلا النقل ولو صح لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة لأنهم يعلمون بالمشاهدة أن الله لا يمسخ كل عاص فيخرجه عن نوع الإنسان، إذ ليس ذلك من سنته في خلقه، وإنما العبرة الكبرى في العلم بأن من سنن الله تعالى في الذين خلوا من قبل أن من يفسق عن أمر ربه، وتنكب الصراط الذي شرعه له، ينزل عن مرتبة الإنسان، ويلتحق بعجماوات الحيوان.

وسنة الله تعالى واحدة، فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية، ولذلك قال: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ أي جعلنا هذه العقوبة نكالًا وهو ما يفعل بشخص من إيذاء وإهانة ليعتبر غيره، أي عبرة ينكل من يعلم بها أي يمتنع من اعتداء الحدود، ومن هذه المادة (النكل) للقيد أو هو أصلها ومنها النكول عن اليمين في الشرع وهو الامتناع، وما بين يديها يراد به من وقعت في زمنهم كما يراد بما خلفها من بعدهم إلى ما شاء الله تعالى.

وأما كونها موعظة للمتقين فهو أن المتقي يتعظ بها في نفسه بالتباعد عن الحدود التي يخشى اعتداؤها ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا  ﴾ ويعظ بها غيره أيضًا.

ولا يتم كون تلك العقوبة نكالًا للمتقدمين والمتأخرين وموعظة للمتقين، إلا إذا كانت جارية على السنة المطردة في تربية الأمم وتهذيب الطباع، وذلك ما هو معروف لأهل البصائر ومشهور عند عرفاء الأوائل والأواخر، وحديث المسخ والتحويل وأن أولئك قد تحولوا من أناس إلى قردة وخنازير إنما قصد به التهويل والإغراب، فاختيار ما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة والأجدر بتحريك الفكرة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر