الآية ٦٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦٥ من سورة البقرة

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 123 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ولقد علمتم ) يا معشر اليهود ، ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره ، إذ كان مشروعا لهم ، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت ، بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت ، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل ، فلم تخلص منها يومها ذلك ، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت .

فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة ، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة .

فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن ، كان جزاؤهم من جنس عملهم .

وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف ، حيث يقول تعالى : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ) [ الأعراف : 163 ] القصة بكمالها .

وقال السدي : أهل هذه القرية هم أهل أيلة .

وكذا قال قتادة ، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة .

وقوله : ( كونوا قردة خاسئين ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) قال : مسخت قلوبهم ، ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه الله ( كمثل الحمار يحمل أسفارا ) [ الجمعة : 5 ] .

ورواه ابن جرير ، عن المثنى ، عن أبي حذيفة .

وعن محمد بن عمرو الباهلي ، عن أبي عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، به .

وهذا سند جيد عن مجاهد ، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره ، قال الله تعالى : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ) الآية [ المائدة : 60 ] .

وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) فجعل [ الله ] منهم القردة والخنازير .

فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير .

وقال شيبان النحوي ، عن قتادة : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) فصار القوم قرودا تعاوى لها أذناب بعد ما كانوا رجالا ونساء .

وقال عطاء الخراساني : نودوا : يا أهل القرية ، ( كونوا قردة خاسئين ) فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون : يا فلان ، ألم ننهكم ؟

فيقولون برؤوسهم ، أي بلى .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة ، حدثنا محمد بن مسلم - يعني الطائفي - عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقا ثم هلكوا .

ما كان للمسخ نسل .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : فمسخهم الله قردة بمعصيتهم ، يقول : إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام ، قال : ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل .

وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكرها الله في كتابه ، فمسخ [ الله ] هؤلاء القوم في صورة القردة ، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء .

ويحوله كما يشاء .

وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : ( كونوا قردة خاسئين ) قال : يعني أذلة صاغرين .

وروي عن مجاهد ، وقتادة والربيع ، وأبي مالك ، نحوه .

وقال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، قال : قال ابن عباس : إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة - فخالفوا إلى السبت فعظموه ، وتركوا ما أمروا به .

فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه ، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره .

وكانوا في قرية بين أيلة والطور ، يقال لها : مدين ؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان : صيدها وأكلها .

وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم ، حتى إذا ذهب السبت ذهبن ، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا .

حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعا ، حتى إذا ذهب السبت ذهبن ، فكانوا كذلك ، حتى إذا طال عليهم الأمد وقرموا إلى الحيتان ، عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت ، فخزمه بخيط ، ثم أرسله في الماء ، وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه ، ثم تركه .

حتى إذا كان الغد جاء فأخذه ، أي : إني لم آخذه في يوم السبت ثم انطلق به فأكله .

حتى إذا كان يوم السبت الآخر ، عاد لمثل ذلك ، ووجد الناس ريح الحيتان ، فقال أهل القرية : والله لقد وجدنا ريح الحيتان ، ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل .

قال : ففعلوا كما فعل ، وصنعوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق .

فقالت طائفة منهم من أهل البقية : ويحكم ، اتقوا الله .

ونهوهم عما يصنعون .

فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ، ولم تنه القوم عما صنعوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ) لسخطنا أعمالهم ( ولعلهم يتقون ) [ الأعراف : 164 ] .

قال ابن عباس : فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم وفقدوا الناس فلم يرونهم قال : فقال بعضهم لبعض : إن للناس لشأنا!

فانظروا ما هو .

فذهبوا ينظرون في دورهم ، فوجدوها مغلقة عليهم ، قد دخلوها ليلا فغلقوها على أنفسهم ، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة ، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد ، والمرأة بعينها وإنها لقردة ، والصبي بعينه وإنه لقرد .

قال : يقول ابن عباس : فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الجميع منهم ، قال : وهي القرية التي قال الله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) الآية [ الأعراف : 163 ] .

وروى الضحاك عن ابن عباس نحوا من هذا .

قال السدي في قوله تعالى : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) قال : فهم أهل أيلة ، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر ، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت - وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا - لم يبق في البحر حوت إلا خرج ، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء ، فإذا كان يوم الأحد لزمن مقل البحر ، فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت ، فذلك قوله تعالى : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم [ كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ] ) .

فاشتهى بعضهم السمك ، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ، ويجعل لها نهرا إلى البحر ، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة ، فيريد الحوت أن يخرج ، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر ، فيمكث فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه ، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره ، فيصنع مثل ما صنع جاره ، حتى فشا فيهم أكل السمك ، فقال لهم علماؤهم : ويحكم!

إنما تصطادون يوم السبت ، وهو لا يحل لكم ، فقالوا : إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه .

فقال العلماء لا ولكنكم صدتموه يوم فتحكم الماء فدخل ، قال : وغلبوا أن ينتهوا .

فقال بعض الذين نهوهم لبعض : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) يقول : لم تعظوهم ، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟

فقال بعضهم : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) [ الأعراف : 164 ] فلما أبوا قال المسلمون : والله لا نساكنكم في قرية واحدة .

فقسموا القرية بجدار ، ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا ، ولعنهم داود ، عليه السلام ، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم ، والكفار من بابهم ، فخرج المسلمون ذات يوم ، ولم يفتح الكفار بابهم ، فلما أبطؤوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط ، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض ، ففتحوا عنهم ، فذهبوا في الأرض ، فذلك قول الله تعالى : ( فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) [ الأعراف : 166 ] وذلك حين يقول : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ) [ المائدة : 78 ] .

فهم القردة .

قلت : والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ، رحمه الله ، من أن مسخهم إنما كان معنويا لا صوريا بل الصحيح أنه معنوي صوري ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (ولقد علمتم)، ولقد عرفتم.

(46) كقولك: " قد علمت أخاك ولم أكن أعلمه ", يعني عرفته، ولم أكن أعرفه, كما قال جل ثناؤه: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [ الأنفال: 60]، يعني: لا تعرفونهم الله يعرفهم.

* * * وقوله: (الذين اعتدوا منكم في السبت)، أي الذين تجاوزوا حدي، وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت، وعصوا أمري.

وقد دللت -فيما مضى- على أن " الاعتداء "، أصله تجاوز الحد في كل شيء.

بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(47) * * * قال أبو جعفر: وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها, مما عدد جل ثناؤه فيها على بني إسرائيل - الذين كانوا بين خلال دور الأنصار زمان النبي صلى الله عليه وسلم، الذين ابتدأ بذكرهم في أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقه - (48) ما كانوا يبرمون من العقود, وحذر المخاطبين بها أن يحل بهم - بإصرارهم على كفرهم، ومقامهم على جحود نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم اتباعه والتصديق بما جاءهم به من عند ربه - مثل الذي حل بأوائلهم من المسخ والرجف والصعق, وما لا قبل لهم به من غضب الله وسخطه.

كالذي:- 1138 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) يقول: ولقد عرفتم.

وهذا تحذير لهم من المعصية.

يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني, اعتدوا - يقول: اجترؤوا - في السبت.

قال: لم يبعث الله نبيا إلا أمره بالجُمعة ، &; 2-168 &; وأخبره بفضلها وعظمها في السموات وعند الملائكة, وأن الساعة تقوم فيها.

فمن اتبع الأنبياء فيما مضى كما اتبعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، قبل الجمعة وسمع وأطاع، وعرف فضلها وثبت عليها، كما أمر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم.

(49) ومن لم يفعل ذلك، كان بمنـزلة الذين ذكر الله في كتابه فقال: " وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ".

وذلك أن اليهود قالت لموسى - حين أمرهم بالجمعة، وأخبرهم بفضلها -: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها, والسبت أفضل الأيام كلها، لأن الله خلق السموات والأرض والأقوات في ستة أيام، وسبت له كل شيء مطيعا يوم السبت, (50) وكان آخر الستة؟

قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريم - حين أمرهم بالجمعة - قالوا له: كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها, والأول أفضل, والله واحد, والواحد الأول أفضل؟

فأوحى الله إلى عيسى: أن دعهم والأحد, ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا.

- مما أمرهم به.

فلم يفعلوا, فقص الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم.

قال: وكذلك قال الله لموسى - حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت -: أن دعهم والسبت، فلا يصيدوا فيه سمكا ولا غيره, ولا يعملوا شيئا كما قالوا.

قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء، فهو قوله: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا [ الأعراف: 163]، يقول: ظاهرة على الماء, ذلك لمعصيتهم موسى - وإذا كان غير يوم السبت، صارت صيدا كسائر الأيام فهو قوله: وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [ الأعراف: 163].

ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله.

فلما رأوها كذلك، طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة, فتناول بعضهم &; 2-169 &; منها فلم تمتنع عليه, وحذر العقوبة التي حذرهم موسى من الله تعالى.

فلما رأوا أن العقوبة لا تحل بهم، عادوا، وأخبر بعضهم بعضا بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء, فكثَّروا في ذلك، وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلا.

وهو قول الله جل ثناؤه: " وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ " - يقول: لهؤلاء الذين صادوا السمك - فمسخهم الله قردة بمعصيتهم.

يقول: إذًا لم يحيوا في الأرض إلا ثلاثة أيام.

[ قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام] (51) ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل.

وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكر الله في كتابه.

فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة, وكذلك يفعل بمن شاء، كما يشاء, ويحوله كما يشاء.

1139 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثنا محمد بن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم -يوم الجمعة-.

فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به.

فلما أبوا إلا لزوم السبت، ابتلاهم الله فيه, فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره.

وكانوا في قرية بين أيلة والطور يقال لها " مدين ".

فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها.

وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم, حتى إذا ذهب السبت ذهبن, فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا.

حتى إذا كان يوم السبت أتين إليهم شرعا, حتى إذا ذهب السبت ذهبن.

فكانوا كذلك, حتى إذا طال عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتان, (52) عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت، فخزمه بخيط, ثم أرسله في الماء, وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه، ثم تركه.

حتى إذا كان الغد، جاء فأخذه - أي: إني لم آخذه في &; 2-170 &; يوم السبت - ثم انطلق به فأكله.

حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان!

ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل.

(53) قال: ففعلوا كما فعل, وأكلوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم بعقوبة، حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق.

وقالت طائفة منهم من أهل البقيّة: (54) ويحكم!

اتقوا الله!

ونهوهم عما كانوا يصنعون.

وقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لسخطنا أعمالهم - وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الأعراف: 164]، قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم, وفقدوا الناس فلا يرونهم.

فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنا!

فانظروا ما هو!

فذهبوا ينظرون في دورهم, فوجدوها مغلقة عليهم, قد دخلوا ليلا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم, فأصبحوا فيها قردة, وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد, والمرأة بعينها وإنها لقردة, والصبي بعينه وإنه لقرد.

قال: يقول ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء، لقلنا أهلك الجميع منهم.

قالوا: وهي القرية التي قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية [ الأعراف: 163] .

1140 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة &; 2-171 &; خاسئين): أحلت لهم الحيتان، وحرمت عليهم يوم السبت بلاء من الله، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.

فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونهى عن المعصية, وأما صنف فأمسك عن حرمة الله، وأما صنف فانتهك حرمة الله ومرد على المعصية.

فلما أبوا إلا الاعتداء إلى ما نهوا عنه, قال الله لهم: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فصاروا قردة لها أذناب, تعاوى بعد ما كانوا رجالا ونساء.

1141 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت)، قال: نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت, فكانت تشرع إليهم يوم السبت, وبلوا بذلك، فاعتدوا فاصطادوها, فجعلهم الله قردة خاسئين.

1142 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ " قال: فهم أهل " أيلة ", وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت - وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا - لم يبق في البحر حوت إلا خرج، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء.

فإذا كان يوم الأحد لزمن سُفل البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت.

فذلك قوله: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [ الأعراف: 163]، فاشتهى بعضهم السمك, فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرا إلى البحر.

فإذا كان يوم السبت فتح النهر, فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة.

ويريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر, فيمكث [فيها].

(55) فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه.

فجعل الرجل يشوي &; 2-172 &; السمك, فيجد جاره ريحه, فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره.

حتى إذا فشا فيهم أكل السمك، قال لهم علماؤهم: ويحكم!

إنما تصطادون السمك يوم السبت وهو لا يحل لكم!

فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه, فقال الفقهاء: لا ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل.

فقالوا: لا!

وعتوا أن ينتهوا.

فقال بعض الذين نهوهم لبعض: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [ الأعراف: 164]، يقول: لم تعظونهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟

فقال بعضهم: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الأعراف: 164].

فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة.

فقسموا القرية بجدار, ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا, ولعنهم داود.

فجعل المسلمون يخرجون من بابهم والكفار من بابهم.

فخرج المسلمون ذات يوم، ولم يفتح الكفار بابهم.

فلما أبطئوا عليهم، تسور المسلمون عليهم الحائط, فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض, ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض.

فذلك قول الله عز وجل: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [ الأعراف: 166]، فذلك حين يقول: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [ المائدة: 78]، فهم القردة.

1143 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ " .

قال: لم يمسخوا، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا (56) .

1144 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن &; 2-173 &; ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ".

قال: مسخت قلوبهم, ولم يمسخوا قردة, وإنما هو مثل ضربه الله لهم، كمثل الحمار يحمل أسفارا.

* * * قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف.

(57) وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت, (58) كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء: 153]، وأن الله تعالى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم، وأنهم عبدوا العجل, فجعل توبتهم قتل أنفسهم, وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [ المائدة: 24] فابتلاهم بالتيه.

فسواء قائل قال: (59) هم لم يمسخهم قردة, وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم.

(60) ومن أنكر شيئا من ذلك وأقر بآخر منه, سئل البرهان على قوله، وعورض -فيما أنكر من ذلك- بما أقر به, ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح.

هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه.

وكفى دليلا على فساد قول، إجماعها على تخطئته.

* * * &; 2-174 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) قال أبو جعفر: يعني بقوله: (فقلنا لهم) أي: فقلنا للذين اعتدوا في السبت - يعني في يوم السبت.

* * * وأصل " السبت " الهدوّ والسكون في راحة ودعة, ولذلك قيل للنائم " مسبوت " لهدوّه وسكون جسده واستراحته, كما قال جل ثناؤه: وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا [ النبأ: 9] أي راحة لأجسادكم.

وهو مصدر من قول القائل: " سبت فلان يسبت سبتا ".

وقد قيل: إنه سمي" سبتا "، لأن الله جل ثناؤه فرغ يوم الجمعة - وهو اليوم الذي قبله - من خلق جميع خلقه.

* * * وقوله: (كونوا قردة خاسئين)، أي: صيروا كذلك.

* * * و " الخاسئ" المبعد المطرود، كما يخسأ الكلب يقال منه: " خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا, وهو يخسأ خسوءا ".

قال: ويقال: " خسأته فخسأ وانخسأ ".

ومنه قول الراجز: كالكلـب إن قلـت له اخســأ انخســأ (61) يعني: إن طردته انطرد ذليلا صاغرا.

فكذلك معنى قوله: (كونوا قردة خاسئين) أي، مبعدين من الخير أذلاء صغراء، (62) كما:- 1145 - حدثنا محمد بن بشار, (63) قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (كونوا قردة خاسئين) قال: صاغرين.

1146 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن رجل, عن مجاهد مثله.

1147 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

1148 - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: (خاسئين)، قال: صاغرين.

1149 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: (كونوا قردة خاسئين)، أي أذلة صاغرين.

1150 - وحدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: خاسئا، يعني ذليلا.

--------------------- الهوامش : (46) سيأتي دليل هذا من تفسير ابن عباس في رقم : 1138 .

(47) انظر ما مضى من هذا الجزء : 2 : 142 .

(48) سياق عبارته : مما عدد الله على بني إسرائيل .

.

.

ما كانوا يبرمون من العقود" ، وما بينهما فصل بصفة"بني إسرائيل" .

(49) في المطبوعة : "بما أمره الله تعالى به ونبيه صلى الله عليه وسلم" ، وهي جملة غير صحيحة ، صححتها كما ترى .

(50) سبت : سكن ، وقولهم : "سبت له" ، يريدون : خشع له وانقطع عن كل عمل إلا عبادته سبحانه وانظر ما سيأتي ص : 174 .

(51) هذه الزيادة من تفسير ابن كثير 1 : 193 ، والدر المنثور 1 : 75 ، وهي زيادة لا بد منها .

وفي المطبوعة بعدها؛"ولم تأكل ولم تشرب ، ولم تنسل" خطأ .

(52) القرم : شدة الشهوة إلى اللحم ، قرم يقرم (بفتح الراء) قرما (بفتحتين) .

(53) عثر على الأمر : اطلع عليه وكان خافيا .

وفي المطبوعة : "على ما صنع" ، وأثبت نص ابن كثير في التفسير 1 : 194 .

(54) في المطبوعة : "من أهل التقية" ، وهو خطأ محض .

أهل البقية : هم أهل التمييز والفهم ، يبقون على أنفسهم بطاعة الله ، وبتمسكهم بالدين المرضي .

وفلان بقية : فيه فضل وخير فيما يمدح به وسيأتي بعد على الصواب .

وقال الله تعالى : ( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ) [سورة هود : 116] .

(55) الزيادة من تفسير ابن كثير 1 : 195 .

(56) سورة الجمعة: 54 .

(57) انظر معنى"ظاهر" فيما سلف 2 : 15 والمراجع .

(58) سورة المائدة : 60 .

(59) في المطبوعة : "فسواء قال قائل" ، وسياق العبارة يقتضي التقديم .

لقوله"وآخر قال" .

(60) في المطبوعة : "والعقوبات والأنكال" ، ليس صوابا .

والنكال : العذاب الشديد يكون عبرة للناس حتى ينكلوا عن شيء ويخافوه .

وأما"الأنكال" فجمع نكل : وهو القيد .

(61) لسان العرب : (خسأ) ، وروايته : "إن قيل له" .

(62) صاغر ، جمعه صغرة (بفتحات) .

وهذا ما نصوا عليه ، ولم أجد"صغراء" على وزن جهلاء ، وهو جمع في بعض الصفات التي على وزن"فاعل" ، مثل شاعر وشعراء ، وعالم وعلماء .

فهم يشبهون"فاعلا" بـ "فعيل" نحو كريم وكرماء ، فيجمعونه كجمعه .

(63) في المطبوعة"حدثنا بشار" وهو خطأ لا شك فيه ، وأقرب إسناد مثله مر بنا هو رقم : 1062 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئينفيه سبع مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت علمتم معناه عرفتم أعيانهم .

وقيل : علمتم أحكامهم .

والفرق بينهما أن المعرفة متوجهة إلى ذات المسمى .

والعلم متوجه إلى أحوال المسمى .

فإذا قلت : عرفت زيدا ، فالمراد شخصه ، وإذا قلت : علمت زيدا ، فالمراد به العلم بأحواله من فضل ونقص .

فعلى الأول يتعدى الفعل إلى مفعول واحد ، وهو قول سيبويه : علمتم بمعنى عرفتم .

وعلى الثاني إلى مفعولين ، وحكى الأخفش ولقد علمت زيدا ولم أكن أعلمه .

وفي التنزيل : لا تعلمونهم الله يعلمهم كل هذا بمعنى المعرفة ، فاعلم .

الذين اعتدوا منكم في السبت صلة الذين .

والاعتداء .

التجاوز ، وقد تقدم .الثانية : روى النسائي عن صفوان بن عسال قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي .

فقال له صاحبه : لا تقل نبي لو سمعك ، فإن له أربعة أعين .

فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات ، فقال لهم : لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ، ولا تسحروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تقذفوا المحصنة ، ولا تولوا يوم الزحف ، وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت .

فقبلوا يديه ورجليه وقالوا : نشهد أنك نبي .

قال : فما يمنعكم أن تتبعوني ؟

قالوا : إن داود دعا بألا يزال من ذريته نبي ، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود .

وخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

وسيأتي لفظه في سورة " سبحان " إن شاء الله تعالى .الثانية : روى النسائي عن صفوان بن عسال قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي .

فقال له صاحبه : لا تقل نبي لو سمعك ، فإن له أربعة أعين .

فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات ، فقال لهم : لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ، ولا تسحروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تقذفوا المحصنة ، ولا تولوا يوم الزحف ، وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت .

فقبلوا يديه ورجليه وقالوا : نشهد أنك نبي .

قال : فما يمنعكم أن تتبعوني ؟

قالوا : إن داود دعا بألا يزال من ذريته نبي ، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود .

وخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

وسيأتي لفظه في سورة " سبحان " إن شاء الله تعالى .الثالثة : في السبت معناه في يوم السبت ، ويحتمل أن يريد في حكم السبت .

والأول قول الحسن ، وأنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال .

وروى أشهب عن مالك قال : زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل منهم خيطا ويضع فيه وهقة وألقاها في ذنب الحوت ، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى الأحد ، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع لا يبتلى ، حتى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق ، وأعلن الفسقة بصيده .

فقامت فرقة [ ص: 411 ] فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت .

ويقال : إن الناهين قالوا : لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار .

فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن للناس لشأنا ، فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة ، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم ، فعرفت القردة أنسابها من الإنس ، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة ، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فيقول : ألم ننهكم ؟

فتقول برأسها : نعم .

قال قتادة : صار الشبان قردة ، والشيوخ خنازير ، فما نجا إلا الذين نهوا ، وهلك سائرهم .

وسيأتي في " الأعراف " قول من قال : إنهم كانوا ثلاث فرق .

وهو أصح من قول من قال : إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين .

والله أعلم .والسبت مأخوذ من السبت وهو القطع ، فقيل : إن الأشياء سبتت وتمت خلقتها .

وقيل : هو مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة .واختلف العلماء في الممسوخ هل ينسل على قولين .

قال الزجاج : قال قوم : يجوز أن تكون هذه القردة منهم .

واختاره القاضي أبو بكر بن العربي .

وقال الجمهور : الممسوخ لا ينسل ، وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك ، والذين مسخهم الله قد هلكوا ولم يبق لهم نسل ؛ لأنه قد أصابهم السخط والعذاب ، فلم يكن لهم قرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام .

قال ابن عباس : لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل .

قال ابن عطية : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أن الممسوخ لا ينسل ، ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام .قلت : هذا هو الصحيح من القولين .

وأما ما احتج به ابن العربي وغيره على صحة القول الأول من قوله صلى الله عليه وسلم : فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ؛ ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته .

رواه أبو هريرة أخرجه مسلم ، وبحديث الضب ، رواه مسلم أيضا عن أبي سعيد وجابر ، قال جابر : أتي [ ص: 412 ] النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه ، وقال : ( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ) فمتأول على ما يأتي .

قال ابن العربي : وفي البخاري عن عمرو بن ميمون أنه قال : رأيت في الجاهلية قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم .

ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها ، وثبت في نص الحديث " قد زنت " وسقط هذا اللفظ عند بعضهم .

قال ابن العربي : فإن قيل : وكأن البهائم بقيت فيهم معارف الشرائع حتى ورثوها خلفا عن سلف إلى زمان عمرو ؟

قلنا : نعم ، كذلك كان ؛ لأن اليهود غيروا الرجم فأراد الله أن يقيمه في مسوخهم حتى يكون أبلغ في الحجة على ما أنكروه من ذلك وغيروه ، حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم ومسوخهم ، حتى يعلموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، ويحصي ما يبدلون وما يغيرون ، ويقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون وينصر نبيه عليه السلام ، وهم لا ينصرون .قلت : هذا كلامه في الأحكام ، ولا حجة في شيء منه .

وأما ما ذكره من قصة عمرو فذكر الحميدي في جمع الصحيحين : حكى أبو مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون الأودي في الصحيحين حكاية من رواية حصين عنه قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة فرجموها فرجمتها معهم .

كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أي موضع أخرجه البخاري من كتابه ، فبحثنا عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها ، فذكر في كتاب " أيام الجاهلية " .وليس في رواية النعيمي عن الفربري أصلا شيء من هذا الخبر في القردة ، ولعلها من المقحمات في كتاب البخاري .

والذي قال البخاري في التاريخ الكبير : قال لي نعيم بن حماد أخبرنا هشيم عن أبي بلج وحصين عن عمرو بن ميمون قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم .

وليس فيه " قد زنت " .

فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاري دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يبال بظنه الذي ظنه في الجاهلية .

وذكر أبو عمر في " الاستيعاب " : عمرو بن ميمون وأن كنيته أبو عبد الله " معدود في كبار التابعين من الكوفيين ، وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة إن صح ذلك ؛ لأن رواته مجهولون .

وقد ذكره البخاري عن نعيم عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون الأودي مختصرا قال : رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها - يعني القردة - فرجمتها معهم .

ورواه عباد بن العوام عن حصين كما رواه هشيم مختصرا .

وأما القصة بطولها فإنها تدور على [ ص: 413 ] عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان ، وليسا ممن يحتج بهما .

وهذا عند جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنى إلى غير مكلف ، وإقامة الحدود في البهائم .

ولو صح لكانوا من الجن ؛ لأن العبادات في الإنس والجن دون غيرهما " .

وأما قوله عليه السلام في حديث أبي هريرة : ( ولا أراها إلا الفأر ) وفي الضب : ( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ) وما كان مثله - فإنما كان ظنا وخوفا لأن يكون الضب والفأر وغيرهما مما مسخ ، وكان هذا حدسا منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل للمسخ نسلا ، فلما أوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوف ، وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ ، وعند ذلك أخبرنا بقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن القردة والخنازير : هي مما مسخ ، فقال : إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك .

وهذا نص صريح صحيح رواه عبد الله بن مسعود ، أخرجه مسلم في كتاب القدر .

وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم ينكر ، فدل على صحة ما ذكرنا .

وبالله توفيقنا .

وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط ، وردت أفهامهم كأفهام القردة .

ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم ، والله أعلم .قوله تعالى : فقلنا لهم كونوا قردة " قردة " خبر كان .

" خاسئين " نعت ، وإن شئت جعلته خبرا ثانيا ل " كان " ، أو حالا من الضمير في " كونوا " .

ومعناه مبعدين .

يقال : خسأته فخسأ وخسئ ، وانخسأ أي : أبعدته فبعد .

وقوله تعالى : ينقلب إليك البصر خاسئا أي : مبعدا .

وقوله : " اخسئوا فيها " أي : تباعدوا تباعد سخط .

قال الكسائي : خسأ الرجل خسوءا ، وخسأته خسأ .

ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر القميء .

يقال : قمؤ الرجل قماء وقماءة صار قميئا ، وهو الصاغر الذليل .

وأقمأته : صغرته وذللته ، فهو قميء على فعيل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولقد تقرر عندكم حالة { الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ } وهم الذين ذكر الله قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف في قوله: { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ } الآيات.

فأوجب لهم هذا الذنب العظيم, أن غضب الله عليهم وجعلهم { قِرَدَةً خَاسِئِينَ } حقيرين ذليلين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} أي جاوزوا الحد.

وأصل السبت: القطع، قيل: سمي يوم السبت بذلك لأن الله تعالى قطع فيه الخلق، وقيل: لأن اليهود أمروا فيه بقطع الأعمال.

والقصة فيه: أنهم كانوا زمن داود عليه السلام بأرض يقال لها أيلة حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك حتى يخرجن خراطيمهن من الماء لأمنها، حتى لا يرى الماء من كثرتها، فإذا مضى السبت تغرقن ولزمن مقل البحر، فلا يرى شيء منها فذلك قوله تعالى: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [163-الأعراف].

ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر، وشرعوا منها إليها الأنهار، فإذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها، فإذا كان يوم الأحد أخذوها.

وقيل: كانوا يسوقون الحيتان إلى (الحياض) يوم السبت ولا يأخذونها ثم يأخذوها يوم الأحد.

وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشخوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد ففعلوا ذلك زماناً ولم تنزل عليهم عقوبة فتجرؤوا على الذنب وقالوا: ما نرى السبت إلا وقد أحل لنا فأخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا واشتروا وكثر مالهم، فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية، وكان نحواً من سبعين ألفاً، ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفاً، فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وعبروا بذلك سنتين، فلعنهم داود عليه السلام، وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية، فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم، فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم جميعاً قردة لها أذناب يتعاوون.

قال قتادة: "صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث مسخ ثلاثة أيام ولم يتوالدوا".

قال الله تعالى: {فقلنا لهم كونوا قردة} أمر تحويل وتكوين.

{خاسئين} مبعدين مطرودين.

وقيل: فيه تقديم وتأخير أي كونوا خاسئين قردة ولذلك لم يقل خاسئات، والخسأ الطرد والإبعاد، وهو لازم ومتعد يقال: خسأته خسأً فخسأ خسوءاً مثل: رجعته رجعاً فرجع رجوعاً.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد» لام قسم «علمتم» عرفتم «الذين اعتدوا» تجاوزوا الحد «منكم في السبت» بصيد السمك وقد نهيناهم عنه وهم أهل آيلة «فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين» مبعدين فكانوا وهلكوا بعد ثلاثة أيام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد علمتم -يا معشر اليهود- ما حلَّ من البأس بأسلافكم من أهل القرية التي عصت الله، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، فاحتالوا لاصطياد السمك في يوم السبت، بوضع الشِّباك وحفر البِرَك، ثم اصطادوا السمك يوم الأحد حيلة إلى المحرم، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله قردة منبوذين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانهن - بسوء عاقبة الذين اعتدوا منهم في السبت ، وحذرهم من أن بنهجوا نهجهم فقال - تعالى - :( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي .

.

.

)الاعتداء : مجاوزة الحد ، يقال : اعتدى فلان وتعدى إذا ظلم .والسبت : المراد به اليوم المسمى بهذا الاسم ، وأصل السبت - كما قال ابن جرير - الهدوء والسكون في راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم : مسبوت لهدوئه وسكون جسده واستراحته كما قال - جل ثناؤه - ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ) أي راحة لأبدانكم ، وهو مصدر ، من قول القائل سبت فلان يَسبِت سبتاً .وملخص قصة اعتداء بني إسرائيل في يوم السبت ، أن الله - تعالى - أخذ عليهم عهداً بأن يتفرغو لعبادته في ذلك اليوم ، وحرم عليهم الاصطياد فيه دون سائر الأيام ، وقد أراد - سبحانه - أن يختبر استعدادهم للوفاء بعودهم ، فابتلاهم بتكاثر الحيتان في يوم السبت دون غيره ، فكانت تتراءى لهم على الساحل في ذلك اليوم قريبة المأخذ سهلة الاصطياد فقالوا : لو حفرنا إلى جانب ذلك البحر الذي يزخر بالأسماك يوم السبت حياضاً تنساب إليها المياه في ذلك اليوم ثم نصطادها من تلك الحياض في يوم الأحد وما بعده ، وبذلك نجمع بين حترام ما عهد إلينا في يوم السبت ، وبين ما تشتهيه أنفسنا من الحصول على تلك الأسماك ، فنصحهم فريق منهم بأن عملهم هذا إنما هو امتثال ظاهري لأمر الله ، ولكنه في حقيقته خروج عن أمره من ترك الصيد في يوم السبت ، فلم يعبأ أكثرهم بذلك ، بل نفذ تلك الحيلة ، فغضب الله عليهم ومسخهم قردة ، وجعلهم عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم .والحديث عن أصحاب السبت قد جاء ذكره مفصلا في سورة الأعراف كما جاءت الإِشارة إليه في سورتي النحل والنساء .ثم بين - سبحانه - العقوبة التي حلت بهم بسبب اعتدائهم في يوم السبت ، وتحايلهم على استحلال محارم الله فقال - تعالى : -( كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) .أي : صاغرين مطرودين مبعدين عن الخير أذلاء .والخسوء : الطرد والإِبعاد ، يقال : خسأت الكلب خسأ وخسوءاً - من باب منع - طردته وزجرته ، وذلك إذا قلت له : اخسأ .وجمهور المفسرين على أنهم مسخوا على الحقيقة ثم ماتوا بعد ذلك بوقت قصير .ويرى مجاهد أنهم لم تمسخ صورهم ولكن مسخت قلوبهم ، أي : إنهم مسخوا مسخاً نفسياً فصاروا كالقردة في شرورها وإفسادها لما تصل إليه أيديها .وتلك العقوبة كانت بسبب إمعانهم في المعاصي ، وتأبيهم عن قبول النصيحة ، وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم ، وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم عن خصائص الإِنسان ، فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان .والضمير في قوله : ( فَجَعَلْنَاهَا ) يعود إلى العقوبة التي هي مسخهم قردة و ( نَكَالاً ) أي عبرة تنكل المعتبر بها بحيث تمنعه وتردعه من ارتكاب الشر .يقال : نكل به تنكيلا إذا صنع به صنعاً يردعه ويجعل غيره يخاف ويحذر .والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك ، وأصله من النكل - بالكسر - وهو القيد الشديد وجمعه أنكال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولاً ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات، وهذا هو النوع الأول وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة وهي القرية المذكورة في قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت  ﴾ فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة فلما طال العهد استسن الأبناء بسنة الآباء واتخذوا الأموال فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً، فقيل لهم: لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا.

المسألة الثانية: المقصود من ذكر هذه القصة أمران.

الأول: إظهار معجزة محمد عليه السلام فإن قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه السلام فلما أخبرهم محمد عليه السلام عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه عليه السلام إنما عرفه من الوحي.

الثاني: أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به أصحاب السبت فكأنه يقول لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم ونظيره قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ءامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أدبارها  ﴾ .

المسألة الثالثة: الكلام فيه حذف كأنه قال: ولقد علمتم اعتداء من اعتدى منكم في السبت لكي يكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك، ولفظ الاعتداء يدل على أن الذي فعلوه في السبت كان محرماً عليهم وتفصيل ذلك غير مذكور في هذه الآية لكنه مذكور في قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر ﴾ ثم يحتمل أن يقال: إنهم إنما تعدوا في ذلك الاصطياد فقط، وأن يقال: إنما تعدوا لأنهم اصطادوا مع أنهم استحلوا ذلك الاصطياد.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت.

فإن قيل: لما كان الله نهاهم عن الإصطياد يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال: ﴿ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك نَبْلُوهُم  ﴾ وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الاضلال.

قلنا: أما على مذهب أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: (قردة خاسئين) خبر: أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ ليس بأمر لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ وكقوله تعالى: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال لهم؛ ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ صاروا كذلك أي لما أراد ذلك بهم صاروا كما أراد وهو كقوله: ﴿ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً  ﴾ ولا يمتنع أيضاً أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة.

فإن قيل: لما لم يكن لهذا القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه؟

قلنا: أما عندنا فأحكام الله تعالى وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح ألبتة، وأما عند المعتزلة فلعل هذا القول يكون لفظاً لبعض الملائكة أو لغيرهم.

المسألة الثالثة: المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً  ﴾ ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه: كن حماراً.

واحتج على امتناعه بأمرين.

الأول: أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداماً للإنسان وإيجاداً للقرد فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنساناً وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قرداً فهذا يكون إعداماً وإيجاداً لا أنه يكون مسخاً.

والثاني: إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات.

وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سميناً بعد أن كان هزيلاً، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجوداً والباقي غير الزائل، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وذلك الأمر إما أن يكون جسماً سارياً في البدن أو جزءاً في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجوداً مجرداً على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في المالك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام.

وعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما ذكره غير مستبعد جداً، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور ألبتة.

بقي هاهنا سؤالان: السؤال الأول: أنه بعد أن يصير قرداً لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم فلا يعلم ما نزل به من العذاب ومجرد القردية غير مؤلم بدليل أن القرود حال سلامتها غير متألمة فمن أين يحصل العذاب بسببه؟

الجواب: لم لا يجوز أن يقال إن الأمر الذي به يكون الإنسان إنساناً عاقلاً فاهماً كان باقياً إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة لا جرم أنها ما كانت تقدر على النطق والأفعال الإنسانية إلا أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصية وكانت في نهاية الخوف والخجالة، فربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة العرضية.

السؤال الثاني: أولئك القردة بقوا أو أفناهم الله، وإن قلنا إنهم بقوا فهذه القردة التي في زماننا هل يجوز أن يقال إنها من نسل أولئك الممسوخين أم لا؟

الجواب: الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا.

المسألة الرابعة: قال أهل اللغة: الخاسئ الصاغر المبعد المطرود كالكلب إذا دنا من الناس قيل له اخسأ، أي تباعد وانطرد صاغراً فليس هذا الموضع من مواضعك، قال الله تعالى: ﴿ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ  ﴾ يحتمل صاغراً ذليلاً ممنوعاً عن معاودة النظر لأنه تعالى قال: ﴿ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ  ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ  ﴾ ، فكأنه قال: ردد البصر في السماء ترديد من يطلب فطوراً فإنك وإن أكثرت من ذلك لم تجد فطوراً فيرتد إليك طرفك ذليلاً كما يرتد الخائب بعد طول سعيه في طلب شيء ولا يظفر به فإنه يرجع خائباً صاغراً مطروداً من حيث كان يقصده من أن يعاوده.

أما قوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه: أحدها: قال الفراء: (جعلناها) يعني المسخة التي مسخوها.

وثانيها: قال الأخفش: أي جعلنا القردة نكالاً.

وثالثها: جعلنا قرية أصحاب السبت نكالاً.

رابعها: جعلنا هذه الأمة نكالاً لأن قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت ﴾ يدل على الأمة والجماعة أو نحوها والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم، أما النكال فقال القفال رحمه الله: إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها، ويقال للقيد النكل، وللجام الثقيل أيضاً نكل لما فيهما من المنع والحبس، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً  ﴾ وقال الله تعالى: ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً  ﴾ والمعنى: أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة، قال القاضي: اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاء ونكالاً وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة للصورة، ويكون محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله: ﴿ فجعلناها نكالا ﴾ أنه تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم.

أما قوله تعالى: ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ﴾ ففيه وجوه: أحدها: لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين.

وثانيها: أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم.

وثالثها: المراد أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ ففيه وجهان.

أحدهما: أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلاً فلابد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم.

وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم.

الثاني: أن يكون معنى قوله: ﴿ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ أن يعظ المتقون بعضهم بعضاً أي جعلناها نكالاً وليعظ به بعض المتقين بعضاً فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها، وهذا خاص لهم دون غير المتقين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم ﴾ بالعمل على ما في التوراة ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ﴾ حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق.

وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة، فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا أُلقي عليكم، حتى قبلوا.

﴿ خُذُواْ ﴾ على إرادة القول ﴿ مَا ءاتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بجدّ وعزيمة ﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا.

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بتوفيقكم للتوبة لخسرتم.

وقرئ: ﴿ خذوا ما آتيتكم، وتذكروا ﴾ و ﴿ واذكروا ﴾ و ﴿ السبت ﴾ مصدر سبتت اليهودإذا عظمت يوم السبت.

وإن ناساً منهم اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد.

وذلك أن الله ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرّقت.

كما قال: ﴿ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك نَبْلُوهُم ﴾ [الأعراف: 163] فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.

فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم.

﴿ قِرَدَةً خاسئين ﴾ خبران أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ يعني المسخة ﴿ نكالا ﴾ عبرة تنكل من اعتبر بها أي تمنعه.

ومنه النكل: القيد ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ لما قبلها ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين: أو أريد بما بين يديها: ما بحضرتها من القرى والأمم.

وقيل نكالاً: عقوبة منكلة لما بين يديها لأجل ما تقدّمها من ذنوبهم وما تأخر منها ﴿ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق سمعها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ، والسَّبْتُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، وأصْلُهُ القَطْعُ أُمِرُوا بِأنْ يُجَرِّدُوهُ لِلْعِبادَةِ فاعْتَدى فِيهِ ناسٌ مِنهم في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واشْتَغَلُوا بِالصَّيْدِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ قَرْيَةً عَلى ساحِلٍ يُقالُ لَها أيْلَةُ، وإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ في البَحْرِ إلّا حَضَرَ هُناكَ وأخْرَجَ خُرْطُومَهُ، فَإذا مَضى تَفَرَّقَتْ فَحَفَرُوا حِياضًا وشَرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ وكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ.

﴿ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ جامِعِينَ بَيْنَ صُورَةِ القِرَدَةِ والخُسُوءِ: وهو الصَّغارُ والطَّرْدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما مُسِخَتْ صُوَرُهم ولَكِنْ قُلُوبُهُمْ، فَمُثِّلُوا بِالقِرَدَةِ كَما مُثِّلُوا بِالحِمارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ كُونُوا ﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ إذْ لا قُدْرَةَ لَهم عَلَيْهِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ سُرْعَةُ التَّكْوِينِ، وأنَّهم صارُوا كَذَلِكَ كَما أرادَ بِهِمْ، وقُرِئَ « قَرِدَةً» بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الرّاءِ، و « خاسِينَ» بِغَيْرِ هَمْزَةٍ.

﴿ فَجَعَلْناها ﴾ أيِ المِسْخَةَ، أوِ العُقُوبَةَ.

﴿ نَكالا ﴾ عِبْرَةً تُنَكِّلُ المُعْتَبِرَ بِها، أيْ تَمْنَعُهُ.

ومِنهُ النِّكْلُ لِلْقَيْدِ.

﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ لِما قَبْلَها وما بَعْدَها مِنَ الأُمَمِ إذْ ذُكِرَتْ حالُهم في زُبُرِ الأوَّلِينَ، واشْتُهِرَتْ قِصَّتُهم في الآخِرِينَ، أوْ لِمُعاصِرِيهِمْ ومَن بَعْدَهُمْ، أوْ لِما بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى وما تَباعَدَ عَنْها، أوْ لِأهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ وما حَوالَيْها، أوْ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْها مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ مِنها.

﴿ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ مِن قَوْمِهِمْ، أوْ لِكُلِّ مُتَّقٍ سَمِعَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} عرفتم فيتعدى إلى مفعول واحد {الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت} هو مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت وقد اعتدوا فيه أى جاوزوا ماحدلهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد وذلك أن الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت ثم ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت فإذا مضى تفرقت فحفورا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد فكانوا يسدون مشارعها من

البقرة (٦٥ _ ٦٨)

البحر فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ} بتكويننا إياكم {قِرَدَةً خاسئين} خبر كان أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء وهو الصغار والطرد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ ﴾ اللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، وعَلِمَ هُنا كَعَرَفَ، فَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وظاهِرُ هَذا أنَّهم عَلِمُوا أعْيانَ المُعْتَدِينَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا، أيِ اعْتِداءَ الَّذِينَ، وقِيلَ: أحْكامَهُمْ، (ومِنكُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، والسَّبْتُ اسْمٌ لِلْيَوْمِ المَعْرُوفِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبْتِ الَّذِي هو القَطْعُ، لِأنَّهُ سُبِتَ فِيهِ خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وعَمَلُهُ، وقِيلَ: مِنَ السُّبُوتِ، وهو الرّاحَةُ، والدَّعَةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا اليَوْمُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ في حُكْمِ السَّبْتِ، لِأنَّ الِاعْتِداءَ والتَّجاوُزَ لَمْ يَقَعْ في اليَوْمِ، بَلْ وقَعَ في حُكْمِهِ بِناءً عَلى ما حُكِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ يَوْمًا خالِصًا لِلطّاعَةِ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ فَخالَفُوهُ، وقالُوا: نَجْعَلُهُ يَوْمَ السَّبْتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ دَعْهُمْ، وما اخْتارُوا، ثُمَّ امْتَحَنَهم فِيهِ، فَأمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ صَيْدَ الحِيتانِ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَدَوْا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ قَرْيَةً عَلى السّاحِلِ يُقالُ لَها أيْلَةُ، وإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ في البَحْرِ إلّا حُظِرَ هُناكَ، وأخْرَجَ خُرْطُومَهُ، وإذا مَضى تَفَرَّقَتْ، فَحَفَرُوا حِياضًا، وأشْرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ، وكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ بِالمَوْجِ، فَلا تَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ لِبُعْدِ العُمْقِ، وقِلَّةِ الماءِ، فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ، ورُوِيَ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ زَمانًا فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ، فاسْتَبْشَرُوا، وقالُوا: قَدْ أُحِلَّ لَنا العَمَلُ في السَّبْتِ، فاصْطادُوا فِيهِ عَلانِيَةً وباعُوا في الأسْواقِ، وعَلى هَذا يَصِحُّ جَعْلُ اليَوْمِ ظَرْفًا لِلِاعْتِداءِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّبْتِ هُنا مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، ولَيْسَ بِمَعْنى اليَوْمِ، فَحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، إذْ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُمُ اعْتَدَوْا في التَّعْظِيمِ، وهَتَكُوا الحُرْمَةَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ تَسْمِيَةَ العَرَبِ لِلْأيّامِ بِهَذِهِ الأسْماءِ المَشْهُورَةِ حَدَثَتْ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ أسْماءَها قَبْلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: أُؤَمِّلُّ أنْ أعِيشَ وأنَّ يَوْمِي بِأوَّلَ أوْ بِأهْوَنَ أوْ جُبارِ أوِ التّالِي دُبارٍ فَإنْ أفُتْهُ فَمُونِسٍ ∗∗∗ أوْ عَرُوبَةَ أوْ شِبارِ واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الحِيَلِ في الأُمُورِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ كالرِّبا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ، فَلا تَجُوزُ عِنْدَهُ بِحالٍ، قالَ الكَواشِيُّ: وجَوَّزَها أكْثَرُهم ما لَمْ يَكُنْ فِيها إبْطالُ حَقٍّ، أوْ إحْقاقُ باطِلٍ، وأجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ فَأنَّها لَيْسَتْ حِيلَةٌ، وإنَّما هي عَيْنُ المَنهِيِّ عَنْهُ، لِأنَّهم إنَّما نُهُوا عَنْ أخْذِها، ولا يَخْفى ما في هَذا الجَوابِ، وتَحْقِيقُهُ في كُتُبِ الفِقْهِ، ﴿ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ القِرَدَةُ جَمْعُ قِرْدٍ، وهو مَعْرُوفٌ ويُجْمَعُ فِعْلٌ الِاسْمُ قِياسًا عَلى فُعُولٍ وقَلِيلًا عَلى فِعَلَةٍ، والخُسُوُّ الصَّغارُ والذِّلَّةُ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْكَلْبِ: أخْسَأْ، وقِيلَ: الخُسُوءُ والخَسْأُ مَصْدَرُ خَسَأ الكَلْبُ بَعُدَ، وبَعْضُهم ذَكَرَ الطَّرْدَ عِنْدَ تَفْسِيرِ الخُسُوءِ كالإبْعادِ، فَقِيلَ: هو لِاسْتِيفاءِ مَعْناهُ لا لِبَيانِ المُرادِ، وإلّا لَكانَ الخاسِئُ بِمَعْنى الطّارِدِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ في المَفْهُومِ إلّا أنَّهُ بِالمَعْنى المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ الإبْعادُ، فالخاسِئُ الصّاغِرُ المُبْعَدُ المَطْرُودُ، وظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً عَلى الحَقِيقَةِ، وعَلى ذَلِكَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهو الصَّحِيحُ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنهم أنَّهم بَعْدَ أنْ مُسِخُوا لَمْ يَأْكُلُوا، ولَمْ يَشْرَبُوا، ولَمْ يَتَناسَلُوا، ولَمْ يَعِيشُوا أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم عاشُوا سَبْعَةَ أيّامٍ، وماتُوا في اليَوْمِ الثّامِنِ، واخْتارَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ أنَّهم عاشُوا، وأنَّ القِرَدَةَ المَوْجُودِينَ اليَوْمَ مِن نَسْلِهِمْ، ويَرُدُّهُ ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِمَن سَألَهُ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ أهِيَ مِمّا مُسِخَ؟

(إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)،» ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ ما مُسِخَتْ صُوَرُهم ولَكِنْ مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، فَلا تَقْبَلُ وعْظًا، ولا تَعِي زَجْرًا، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَشْبِيهُهم بِالقِرَدَةِ كَقَوْلِهِ: إذا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ ولَمْ تَدْرِ ما الهَوى ∗∗∗ فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدا (وكُونُوا) عَلى الأوَّلِ لَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقَةً لِأنَّ صَيْرُورَتَهم إلى ما ذُكِرَ لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لَهُمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ أعْيانِهِمْ، بَلِ المُرادُ مِنهُ سُرْعَةُ التَّكْوِينِ، وأنَّهم صارُوا كَذَلِكَ، كَما أرادَ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ، ولا لُبْثٍ.

وعَلى الثّانِي يَكُونُ الأمْرُ مَجازًا عَنِ التَّخْلِيَةِ، والتَّرْكِ، والخِذْلانِ، كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(اصْنَعْ ما شِئْتَ)،» وقَدْ قَرَّرَهُ العَلّامَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا ﴾ والمَنصُوبانِ خَبَرانِ لِلْفِعْلِ النّاقِصِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ خاسِئِينَ حالًا مِنَ الِاسْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ(قِرَدَةً)، والمُرادُ وصْفُهم بِالصَّغارِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنْ يُجْعَلَ مُسْخُهم وتَعْجِيلُ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا لِدَفْعِ ذُنُوبِهِمْ، ورَفْعِ دَرَجاتِهِمْ.

واعْتُرِضَ أنَّهُ لَوْ كانَ صِفَةً لَها لَوَجَبَ أنْ يَقُولَ: خاسِئَةً لِامْتِناعِ الجَمْعِ بِالواوِ والنُّونِ في غَيْرِ ذَوِي العِلْمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى تَشْبِيهِهِمْ بِالعُقَلاءِ، كَما في ساجِدِينَ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، أوْ بِأنَّ المَسْخَ إنَّما كانَ بِتَبَدُّلِ الصُّورَةِ فَقَطْ، وحَقِيقَتُهم سالِمَةٌ عَلى ما رُوِيَ أنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ يَأْتِيهِ الشَّخْصُ مِن أقارِبِهِ الَّذِينَ نَهَوْهم فَيَقُولُ لَهُ: ألَمْ أنْهَكَ؟

فَيَقُولُ: بَلى، ثُمَّ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلى خَدِّهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ في الآيَةِ بِمَسْخِ شَيْءٍ مِنهم خَنازِيرَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الشَّبابَ صارُوا قِرَدَةً، والشُّيُوخَ صارُوا خَنازِيرَ، وما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا، وهَلَكَ سائِرُهُمْ، وقُرِئَ (قَرِدَةً) بِفَتْحِ القافِ، وكَسْرِ الرّاءِ، و(خاسِينَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ، أي اصطادوا، ويقال: استحلوا أخذ الحيتان يوم السبت.

والسبت في اللغة هو الراحة، كما قال في آية أخرى وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [النبأ: 9] أي راحة.

فيوم السبت كان راحة لليهود عن أشغال الدنيا.

وهذه الآية على معنى التحذير والتهديد، فكأنه يقول: إنكم تعلمون ما أصاب الذين استحلوا أخذ السمك في يوم السبت من العقوبة، فاحذروا كيلا يصيبكم مثل ما أصابهم، وذلك أن مدينة يقال لها آيلة على ساحل البحر كان يجتمع فيها السمك يوم السبت حتى يأخذ وجه الماء، وفي سائر الأيام لا يأتيهم إلا قليل.

وقال بعض أهل القصص: إنما كانت الحيتان تجتمع هناك لزيارة السمكة التي كان في بطنها يونس-  - ففي كل سبت يجتمعون لزيارتها.

وقال بعضهم: لم يكن لهذا المعنى، ولكن كانت محنة أولئك القوم، فاحتالوا وحبسوا ذلك السمك في يوم السبت وأخذوه يوم الأحد، فلما لم تصبهم العقوبة لفعلهم ذلك أمنوا، واستحلوا أخذها فمسخهم الله قردة.

وقد بيّن قصتهم في سورة الأعراف في قوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ [الأعراف: 163] .

ثم قال تعالى: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، يعني مبعدين من رحمة الله.

وأصله في اللغة من البعد.

يقال: خسأ الكلب إذا بعد.

ويقال: خاسِئِينَ أي صاغرين ذليلين.

قوله تعالى: فَجَعَلْناها نَكالًا، يعني جعلنا تلك العقوبة نكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها، يعني لما سبق منهم من الذنب وَما خَلْفَها، أي عبرة لمن بعدهم.

ويقال: فجعلناها، يعني القرية، نكالاً لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى ليعتبروا بها.

وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، يعني نهيا لأمة محمد  وعبرة لهم، لكي لا يستحلوا ما حرم الله عليهم.

قال الفقيه: حدّثنا أبو القاسم عمر بن محمد قال: حدّثنا أبو بكر الواسطي قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا كثير بن هشام، عن المسعودي، عن علقمة بن مرثد، عن المستورد بن الأحنف قال: قيل لعبد الله بن مسعود: أرأيت القردة والخنازير، أمن نسل القرود والخنازير التي قد مسخت؟

قال عبد الله بن مسعود: إن الله تعالى لم يمسخ أمة فجعل لها نسلاً، ولكنها من نسل قرود وخنازير كانت قبل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عسْكَرهم، فجعل عليهم مثْلَ الظُّلَّة، وأخرج اللَّه تعالى البَحْرَ من ورائهم، وأضرم نَاراً من بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم: خذوها، وعليكُم الميثَاقُ، ولا تضيِّعوها، وإِلا سقط علَيْكم الجبَلُ، وأغرقكم البَحْر، وأحرقتكم النارُ، فَسَجَدُوا توبةً للَّه سبحانه، وأخذوا التوراةَ بالميثاقِ، قال الطبريُّ عن بعض العلماء: لو أخذوها أوَّلَ مرَّة، لم يكُنْ عليهم ميثاقٌ، وكانت سجدتهم على شِقٍّ لأنهم كانوا يرقبون الجَبَل خوْفاً، فلما رحمهم اللَّه سبحانه، قالوا: لا سجدَةَ أفضلُ من سَجْدة تقبَّلها اللَّه، ورَحِمَ بها، فأَمَرُّوا سجودَهم على شِقٍّ واحدٍ.

قال ع «١» : والذي لا يصحُّ سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقْتَ سجودهم الإِيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كُرْهاً، وقلوبهم غيرُ مطمئنة، قال: وقد اختصرْتُ ما سرد في قصصِ هذه الآية، وقصدت أَصَحَّهُ الذي تقتضيه ألفاظُ الآية، وخلط بعْضُ الناس صَعْقَةَ هذه القصَّة بصَعْقة السبعين.

وبِقُوَّةٍ: قال ابن عباس: معناه: بجِدٍّ واجتهاد «٢» .

وقال ابن زيد: معناه: بتصديق وتحقيق «٣» .

وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي: تدبُّروه واحْفَظُوا أوامره ووعيدَهُ، ولا تنسوه، ولا تضيِّعوه.

وقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ...

الآية: تولَّى: أصله الإِعراض والإِدبار عن الشيء بالجِسْمِ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمورِ، والأديانِ، والمعتقداتِ اتِّساعاً ومجازاً، وتَوَلِّيهِمْ من بعد ذلك: إما بالمعاصِي، فكان فضل اللَّه بالتوبة والإِمهال إِلَيْها، وإما أن يكون تَوَلِّيهم بالكُفْر، فلم يعاجلْهم سبحانه بالهَلاَكِ لِيَكُونَ من ذرِّيَّتهم من يؤمن.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ...

الآية: علمتمْ:

معناه: عرفتم، والسَّبْتُ مأْخوذٌ من السُّبُوت الَّذِي هو الراحةُ والدَّعَة، وإِما من السبت، وهو القَطْع لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتمَّت خِلْقَتُها، وقصَّة اعتدائهم فيه/ أن الله عز وجلّ أمر ٢٣ ب موسى عليه السلام بيَوْمِ الجُمُعَةِ، وعرَّفه فَضْلَه، كما أمر به سائر الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عَلَيْهِمْ، فذكر موسى ذلك لبني إِسرائيل عن اللَّه سبحانه، وأمرهم بالتشرُّع فيه، فأبوا وتعدَّوْه إلى يوم السَّبْت، فأوحى اللَّه إلى موسى أنْ دَعْهم، وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم بأنْ أمرهم بترك العَمَل فيه، وحرَّم عليهم صَيْدَ الحِيتَانِ، وشدَّد عليهم المِحْنَة بأن كانت الحِيتَانُ تأتي يوم السبْتِ حتى تخرج إلى الأفنية، قاله الحسن بن أبي الحسن.

وقيل حتى تخرج خراطيمُهَا من الماء، وذلك إِما بإِلهامٍ من اللَّه تعالى، أو بأمر لا يعلَّل، وإما بأن ألهمها معنى الأَمَنَةِ التي في اليومِ، مع تكراره كما فَهِمَ حمام مَكَّة الأَمَنَةَ، وكان أمر بني إِسرائيل بِأَيْلَةَ «١» على البحْر، فَإِذا ذهب السَّبْت، ذهبت الحيتان، فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقُوا على ذلك زماناً حتى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فعَمَدَ رجُلٌ يوم السبْتِ، فربط حوتاً بخزمة «٢» ، وضرب له وَتِداً بالساحل، فلما ذهب السَّبْتُ، جاء، فأخذه، فسَمِع قومٌ بفعْلِهِ، فصنعوا مثْلَ ما صنع.

وقيل: بل حفر رجُلٌ في غير السَّبْت حَفِيراً يخرج إِلَيْه البحر، فإِذا كان يوم السبت، خرج الحوت، وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر، ذهب الماء من طريق الحفير، وبقي الحوت، فجاء بعد السبت، فأخذه، ففعل قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادره يوم السبت علانيةً، وباعوه في الأسواقِ، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إِسرائيل فرقةٌ نهَتْ عن ذلك، فنجَتْ من العقوبة، وكانت منهم فرقةٌ لم تَعْصِ، ولم تَنْهَ، فقيل:

نجت مع الناهين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.

وكُونُوا: لفظةُ أمر، وهو أمر التكوينِ كقوله تعالى لكُلِّ شَيْءٍ: كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] قال ابن الحاجب «٣»

في مختصره الكَبِيرِ المسمى ب «منتهى الوُصُولِ» «١» : صيغةُ: افعل، وما في معناها قد صَحَّ إِطلاقها بإزاء خمسةَ عَشَرَ محملاً.

الوجوبُ: أَقِمِ الصَّلاةَ [الإسراء: ٧٨] والنَّدْبُ: فَكاتِبُوهُمْ [النور: ٣٣] .

والإِرشادُ: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] والإِباحةُ: فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] .

والتأديب: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» .

والامتنانُ: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأنعام: ١٤٢] .

والإِكرامُ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ [ق: ٣٤] والتَّهديد: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] والإِنذار: تَمَتَّعُوا [إبراهيم: ٣٠] والتسخيرُ: كُونُوا قِرَدَةً [الأعراف: ١٦٦] والإِهانة:

كُونُوا حِجارَةً [الإسراء: ٥٠] والتَّسويةُ: فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا [الطور: ١٦] والدعاءُ:

اغْفِرْ لَنا [آل عمران: ١٤٧] والتمنِّي: [الطويل] :

...

أَلاَ انجلي ...

«٢»

وكمالُ القدرة: كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] .

انتهى.

وزاد غيره كونها للتعجيزِ، أعني: صيغةَ «افعل» .

قال ابن الحاجِبِ: وقد اتفق على أنها مجازٌ فيما عَدَا الوُجُوبَ والنَّدْبَ والإِباحةَ والتهديدَ، ثم الجمهورُ على أنها حقيقةٌ في الوجوب «٣» .

انتهى.

وخاسِئِينَ: معناه: مُبْعَدِينَ أذلاَّء صاغِرِينَ كما يقال للكَلْب، وللمطْرُود:

اخسأ، وروي في قصصهم أنَّ اللَّه تعالى مسخ العاصِينَ قردَةً في الليل، فأصبح الناجون

إلى مساجِدِهِمْ، ومجتمعاتِهِمْ، فلم يروا أحداً من الهالكينَ، فقالوا: إِن للنَّاس لشأناً، ففتحوا عليهم الأبوابَ لما كانت مغْلَقة باللَّيْل، فوجدوهم قردَةً يعرفون الرجُلَ والمرأة.

وقيل: إن الناجينَ كانُوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القريَةَ بجِدَارٍ تَبَرِّياً منهم، فأصبحوا، ولم تفتحْ مدينةُ الهالكين، فتسوَّروا عليهم الجدارَ، فإِذَا هم قردةٌ يثبُ بعضهم ٢٤ أعلى بعض/.

وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وثبت أنَّ المُسُوخَ لا تنسل، ولا تأكل، ولا تشرَبُ، ولا تعيشُ أكثَرَ من ثلاثة أيام «١» ، ووقع في كتاب مسلم عنه صلّى الله عليه وسلم «أنّ أمّة من الأمم فقدت، وأراها

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ السَّبْتُ: اليَوْمُ المَعْرُوفُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى السَّبْتِ في كَلامِ العَرَبِ: القَطْعُ يُقالُ: قَدْ سَبَتَ رَأْسَهُ: إذا حَلَقَهُ وقَطَعَ الشَّعْرَ مِنهُ، ويُقالُ: نَعْلٌ سَبْتِيَّةٌ: إذا كانَتْ مَدْبُوغَةً بِالقَرْظِ مَحْلُوقَةَ الشَّعْرِ، فَسُمِّيَ السَّبْتُ سَبْتًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ الخَلْقَ فِيهِ، وقَطَعَ فِيهِ بَعْضَ خَلْقِ الأرْضِ، أوْ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ فِيهِ بِقَطْعِ الأعْمالِ وتَرْكِها.

قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ سَبْتًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِالاسْتِراحَةِ فِيهِ مِنَ الأعْمالِ، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّهُ يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ: سَبَتَ بِمَعْنى: اسْتَراحَ.

وَفِي صِفَةِ اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ السَّبْتِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم حَبَسُوها يَوْمَ السَّبْتِ وأخَذُوها يَوْمَ الأحَدِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْفِرُ الحَفِيرَةَ؛ ويَجْعَلُ لَها نَهْرًا إلى البَحْرِ، فَإذا كانَ يَوْمَ السَّبْتِ فَتَحَ النَّهْرَ، وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ العَمَلَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَيُقْبِلُ المَوْجُ بِالحِيتانِ حَتّى يُلْقِيَها في الحَفِيرَةِ، فَيُرِيدُ الحُوتُ الخُرُوجَ فَلا يُطِيقُ، فَيَأْخُذُها يَوْمَ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ مَسْخِهِمْ.

رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: نُودِيَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ ثَلاثَةَ أصْواتٍ.

نُودُوا يا أهْلَ القَرْيَةِ، فانْتَبَهَتْ طائِفَةٌ أكْثَرُ مِنَ الأُولى، ثُمَّ نُودُوا: يا أهْلَ القَرْيَةِ، فانْتَبَهَ الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبْيانُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ فَجَعَلَ الَّذِينَ نَهَوْهم يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ: يا فُلانُ ألَمْ نَنْهَكُمْ؟

فَيَقُولُونَ بِرُؤُوسِهِمْ: بَلى.

قالَ قَتادَةُ: فَصارَ القَوْمُ قِرَدَةً تَعاوى، لَها أذْنابٌ بَعْدَما كانُوا رِجالًا ونِساءً.

وَفِي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ: صارَ الشُّبّانُ قِرَدَةً، والشُّيُوخُ خَنازِيرَ، وما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا، وهَلَكَ سائِرُهم.

وقالَ غَيْرُهُ: كانُوا نَحْوًا مِن سَبْعِينَ ألْفًا، وعَلى هَذا القَوْلِ العُلَماءُ، غَيْرَ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم ولَمْ تُمْسَخْ أبْدانُهم، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُحْيَوْا عَلى الأرْضِ إلّا ثَلاثَةَ أيّامٍ، ولَمْ يَحْياْ مَسْخٌ في الأرْضِ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ ولَمْ يَنْسِلْ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم عاشُوا سَبْعَةَ أيّامٍ، وماتُوا في اليَوْمِ الثّامِنِ، وهَذا كانَ في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خاسِئِينَ ﴾ : الخاسِئُ في اللُّغَةِ: المُبْعَدُ، يُقالُ لِلْكَلْبِ اخْسَأْ، أيْ: تَباعَدْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

فِي المُكَنّى عَنْها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الخَطِيئَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العُقُوبَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: الهاءُ: كِنايَةٌ عَنِ المُسْخَةِ الَّتِي مُسِخُوها.

والثّالِثُ: أنَّها القَرْيَةُ، والمُرادُ أهْلُها، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها الأُمَّةُ الَّتِي مُسِخَتْ، قالَهُ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ.

وَفِي النَّكالِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العُقُوبَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: العِبْرَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ القُرى وما خَلْفَها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ الذُّنُوبِ، وما خَلْفَها: ما عَمِلُوا بَعْدَها، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ السِّنِينَ الَّتِي عَمِلُوا فِيها بِالمَعاصِي، وما خَلْفَها: ما كانَ بَعْدَهم في بَنِي إسْرائِيلَ لِئَلّا يَعْمَلُوا بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

وَفِي المُتَّقِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُتَّقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وذَكَرَهُ عَطِيَّةُ وسُفْيانُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ ﴿ فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ "عَلِمْتُمُ" مَعْناهُ: عَرَفْتُمْ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ زَيْدًا بِمَعْنى عَرَفْتُهُ فَلا يَتَعَدّى العَلَمُ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، و"اعْتَدَوْا" مَعْناهُ: تَجاوَزُوا الحَدَّ مُصَرَّفٌ مِنَ الِاعْتِداءِ، و"فِي السَبْتِ" مَعْناهُ: في يَوْمِ السَبْتَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في حُكْمِ السَبْتِ، و"السَبْتُ" مَأْخُوذٌ مِنَ السُبُوتِ الَّذِي هو الراحَةُ والدَعَةُ، وإمّا مِنَ السَبْتِ وهو القَطْعُ، لِأنَّ الأشْياءَ فِيهِ سَبَتَتْ وتَمَّتْ خِلْقَتُها.

وقِصَّةُ اعْتِدائِهِمْ فِيهِ: أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَوْمِ الجُمْعَةَ، وعَرَّفَهُ فَضْلَهُ، كَما أمَرَ بِهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنِ اللهِ، وأمَرَهم بِالتَشَرُّعِ فِيهِ، فَأبَوْا، وتَعَدُّوهُ إلى يَوْمِ السَبْتِ، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى أنْ دَعْهم وما اخْتارُوا مِن ذَلِكَ، وامْتَحَنَهم فِيهِ بِأنْ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ الحِيتانِ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ المِحْنَةَ بِأنْ كانَتِ الحِيتانُ تَأْتِي يَوْمَ السَبْتَ حَتّى تَخْرُجَ إلى الأفْنِيَةِ.

قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقِيلَ: حَتّى تُخْرِجَ خَراطِيمَها مِنَ الماءِ، وذَلِكَ إمّا بِالإلْهامِ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِأمْرٍ لا يُعَلَّلُ، وإمّا بِأنْ فَهِمَها مَعْنى الأمَنَةِ الَّتِي في اليَوْمِ مَعَ تَكْرارِهِ حَتّى فَهِمْتُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ألْهَمَ الدَوابَّ مَعْنى الخَوْفِ الَّذِي في يَوْمِ الجُمْعَةِ مَن أمْرِ القِيامَةِ؟

يَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : «وَما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةَ فَرْقًا مِنَ الساعَةِ» وحَمامُ مَكَّةَ قَدْ فَهِمَ الأمَنَةَ أمّا أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقُرْبِ فَهْمِها.

وكانَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بَأيْلَةَ عَلى البَحْرِ، فَإذا ذَهَبَ السَبْتُ ذَهَبَتِ الحِيتانُ فَلَمْ تَظْهَرْ إلى السَبْتِ الآخَرِ، فَبَقُوا عَلى ذَلِكَ زَمانًا حَتّى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فَعَمَدَ رَجُلٌ يَوْمَ السَبْتِ فَرَبَطَ حُوتًا بِخْزَمَةْ وضَرَبَ لَهُ وتَدًا بِالساحِلِ، فَلَمّا ذَهَبَ السَبْتُ جاءَ وأخَذَهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ بِفِعْلِهِ فَصَنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ، وقِيلَ: بَلْ حَفَرَ رَجُلٌ في غَيْرِ السَبْتِ حَفِيرًا، يَخْرُجُ إلَيْهِ البَحْرُ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ خَرَجَ الحُوتُ وحَصَلَ في الحَفِيرِ، فَإذا جَزَرَ البَحْرُ ذَهَبَ الماءُ مِن طَرِيقِ الحَفِيرِ وبَقِيَ الحُوتُ، فَجاءَ بَعْدَ السَبْتِ فَأخَذَهُ، فَفَعَلَ قَوْمٌ مِثْلَ فِعْلِهِ، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى صادُوهُ يَوْمَ السَبْتِ عَلانِيَةً، وباعُوهُ في الأسْواقِ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ الِاعْتِداءِ، وكانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فِرْقَةٌ نَهَتْ عن ذَلِكَ، فَنَجَتْ مِنَ العُقُوبَةِ، وكانَتْ مِنهم فِرْقَةٌ لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، فَقِيلَ: نَجَتْ مَعَ الناهِينَ، وقِيلَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِينَ.

وَ"كُونُوا" لَفْظَةَ أمْرٍ، وهو أمْرُ التَكْوِينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ: ( كُنْ فَيَكُونُ ) ولَمْ يُؤْمَرُوا في المَصِيرِ إلى حالِ المَسْخِ بِشَيْءٍ يَفْعَلُونَهُ ولا لَهم فِيهِ تَكَسُّبٌ، و"خاسِئِينَ" مَعْناهُ: مُبْعَدِينَ أذِلّاءَ صاغِرِينَ كَما يُقالُ لِلْكَلْبِ ولِلْمَطْرُودِ: اخْسَأْ، تَقُولُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأ، ومَوْضِعُهُ مِنَ الإعْرابِ، النَصْبُ عَلى الحالِ، أو عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ.

ورُوِيَ في قَصَصِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى مَسَخَ العاصِينَ قِرَدَةً بِاللَيْلِ، فَأصْبَحَ الناجُونَ إلى مَساجِدِهِمْ ومُجْتَمَعاتِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا مِنَ الهالِكِينَ، فَقالُوا: إنْ لِلنّاسِ لَشَأْنًا، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الأبْوابَ كَما كانَتْ مُغْلَقَةً بِاللَيْلِ، فَوَجَدُوهم "قِرَدَةً"، يَعْرِفُونَ الرَجُلَ والمَرْأةَ، وقِيلَ: إنَّ الناجِينَ كانُوا قَدْ قَسَّمُوا بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ القَرْيَةَ بِجِدارٍ، تَبَرِّيًا مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا ولَمْ تُفْتَحْ مَدِينَةُ الهالِكِينَ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الجِدارَ، فَإذا هم قِرَدَةٌ يَثِبُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  وثَبَتَ، أنَّ المَمْسُوخَ لا يَنْسَلُّ ولا تَأْكُلُ، ولا تَشْرَبُ، ولا تَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، ووَقَعَ في كِتابِ مُسْلِمٍ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ وأراها الفَأْرَ»، وظاهِرُ هَذا أنَّ المَمْسُوخَ تَنْسَلُّ، فَإنْ كانَ أرادَ هَذا فَهو ظَنٌّ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ لا مَدْخَلَ لَهُ في التَبْلِيغِ، ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ المَمْسُوخَ لا تَنْسَلُّ.

ونَظِيرُ ما قُلْناهُ نُزُولُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى مِياهِ بَدْرٍ، وأمَرَهُ بِاطِّراحِ تَذْكِيرِ النَخْلِ، وقَدْ قالَ  : «إذا أُخْبَرْتُكم بِرَأْيٍ في أُمُورِ الدُنْيا فَإنَّما أنا بَشَرٌ».

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما مُسِخَتْ قُلُوبُهم فَقَطْ، ورُدَّتْ أفْهامُهم كَأفْهامِ القِرَدَةِ، والأوَّلُ أقْوى وأظْهَرُ.

والضَمِيرُ في "فَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ العَوْدَ عَلى المِسْخَةِ والعُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، ويُحْتَمَلُ عَلى القِرَدَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى القَرْيَةِ إذْ مَعْنى الكَلامِ يَقْتَضِيها وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحِيتانِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ.

والنَكالُ: الزَجْرُ بِالعِقابِ، والنَكْلِ والأنْكالِ قُيُودُ الحَدِيدِ، فالنَكالُ عِقابٌ يُنَكَلُ بِسَبَبِهِ غَيْرُ المُعاقَبِ عن أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ السُدِّيُّ: ما بَيْنَ يَدِي المِسْخَةِ ما قَبْلَها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، "وَما خَلْفَها" لِمَن يُذْنِبُ بَعْدَها مِثْلُ تِلْكَ الذُنُوبِ، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: ( ما بَيْنَ يَدَيْها ) أيْ مَن حَضَرَها مِنَ الناجِينَ، "وَما خَلْفَها" أيْ لِمَن يَجِيءُ بَعْدَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها ﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ الناسِ لِيُحَذِّرَ ويَتَّقِيَ، وما خَلْفَها، لِمَن بَقِيَ مِنهم عِبْرَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لِأنَّ دَلالَةَ ما بَيْنَ اليَدِ لَيْسَتْ كَما في القَوْلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ أيْ مِنَ القُرى، فَهَذا تَرْتِيبُ أجْرامٍ لا تَرْتِيبٌ في الزَمانِ.

و"مَوْعِظَةً" مُفْعِلَةً مِنَ الِاتِّعاظِ والِازْدِجارِ، و"لِلْمُتَّقِينَ" مَعْناهُ: لِلَّذِينِ نُهُوا ونَجَوْا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

واللَفْظُ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ تَذْكِيرُهم بِنَقْضِ سَلَفِهِمْ لِلْمِيثاقِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَأْمُرُكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ، ورُوِيَ عنهُ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ في "بارِئِكُمْ".

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أسَنَّ، وكانَ لَهُ مالٌ، واسْتَبْطَأ ابْنُ أخِيهِ مَوْتَهُ، وقِيلَ: أخُوهُ، وقِيلَ: ابْنا عَمِّهِ، وقِيلَ: ورَثَةُ كَثِيرٍ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وألْقاهُ في سَبْطٍ آخَرَ غَيْرِ سِبْطِهِ لِيَأْخُذَ دِيَتَهُ، ويُلَطِّخَهم بِدَمِهِ، وقِيلَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في قَرْيَتَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ فَألْقاهُ إلى بابِ إحْدى المَدِينَتَيْنِ، وهي الَّتِي لَمْ يُقْتَلْ فِيها، ثُمَّ جَعَلَ يَطْلُبُهُ هو وسِبْطُهُ حَتّى وجَدَهُ قَتِيلًا، فَتَعَلَّقَ بِالسِبْطِ أو بِسُكّانِ المَدِينَةِ الَّتِي وُجِدَ القَتِيلُ عِنْدَها، فَأنْكَرُوا قَتْلَهُ، فَوَقَعَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في ذَلِكَ لِحاءٌ حَتّى دَخَلُوا في السِلاحِ.

فَقالَ أهْلُ النَهْيِ مِنهُمْ: أنَقْتَتِلُ ورَسُولُ اللهِ مَعَنا؟، فَذَهَبُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ القِصَّةَ، وسَألُوهُ البَيانَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَذْبَحُوا بَقْرَةً فَيُضْرَبُ القَتِيلُ بِبَعْضِها فَيَحْيا ويُخْبِرُ بِقاتِلِهِ، فَقالَ لَهُمْ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ فَكانَ جَوابُهم أنْ قالُوا: ﴿ أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ .

قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أيَتَّخِذُنا" بِالياءِ عَلى مَعْنى أيَتَّخِذُنا اللهُ؟، وقَرَأ حَمْزَةُ: "هُزُؤًا" بِإسْكانِ الزايِ والهَمْزِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ "هُزُؤٌ" بِضَمٍّ الزاءِ والهاءِ والهَمْزِ، وقَرَأ أيْضًا دُونَ هَمْزٍ "هُزُوًا" حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِضَمِّ الهاءِ والزايِ، والهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ ضَمُّ الهاءِ وتَشْدِيدُ الزايِ "هُزًّا".

وهَذا القَوْلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ظاهِرُهُ فَسادُ اعْتِقادٍ مِمَّنْ قالَهُ، ولا يَصْحُّ الإيمانُ مِمَّنْ يَقُولُ لِنَبِيٍّ قَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزاتُهُ، وقالَ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ ، ولَوْ قالَ ذَلِكَ اليَوْمَ أحَدٌ عن بَعْضِ أقْوالِ النَبِيِّ  لَوَجَبَ تَكْفِيرُهُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ غِلْظِ الطَبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ، عَلى نَحْوِ ما قالَ القائِلُ لِلنَّبِيِّ  في قِسْمَةِ غَنائِمَ حَنِينٍ: «إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهَ اللهِ» وكَما قالَ لَهُ الآخَرُ: «أعْدِلْ يا مُحَمَّدُ»، وكُلٌّ مُحْتَمَلٌ واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ، يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الِاسْتِعاذَةُ مِنَ الجَهْلِ في أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللهِ تَعالى مُسْتَهْزِئًا، والآخَرُ مِنَ الجَهْلِ كَما جَهِلُوا في قَوْلِهِمْ ﴿ أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ لِمَن يُخْبِرُهم عَنِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه من جملة الأخبار التي ذكرها الله تعالى تذكيراً لليهود بما أتاه سلفهم من الاستخفاف بأوامر الله تعالى وبما عرض في خلال ذلك من الزواجر والرحمة والتوبة، وإنما خالف في حكاية هاته القصة أسلوب حكاية ما تقدمها وما تلاها من ذِكر ﴿ إذ ﴾ [البقرة: 63] المؤذنة بزمن القصة والمشعرة بتحقق وقوعها إلى قوله هنا: ﴿ ولقد علمتم ﴾ لمعنى بديع هو من وجوه إعجاز القرآن وذلك أن هذه القصة المشار إليها بهذه الآية ليست من القصص التي تضمنتها كتب التوراة مثل القصص الأخرى المأتي في حكايتها بكلمة (إذ) لأنها متواترة عندهم بل هذه القصة وقعت في زمن داود عليه السلام، فكانت غير مسطورة في الأسفار القديمة وكانت معروفة لعلمائهم وأحبارهم فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عليها وتلك معجزة غيبية وأوحى إليه في لفظها ما يؤذن بأن العلم بها أخفى من العلم بالقصص الأخرى فأسند الأمر فيها لعلمهم إذ قال: ﴿ ولقد علمتم ﴾ .

والاعتداء وزنه افتعال من العدو وهو تجاوز حد السير والحد والغاية.

وغلب إطلاق الاعتداء على مخالفة الحق وظلم الناس والمراد هنا اعتداء الأمر الشرعي لأن الأمر الشرعي يشبَّه بالحد في أنه يؤخذ بما شمله ولا يؤخذ بما وراءه والاعتداء الواقع منهم هو اعتداء أمر الله تعالى إياهم من عهد موسى بأن يحافظوا على حكم السبت وعدم الاكتساب فيه ليتفرغوا فيه للعبادة بقلب خالص من الشغل بالدنيا، فكانت طائفة من سكان أَيلة على البحر رأوا تكاثر الحيتان يوم السبت بالشاطئ لأنها إذا لم تر سفن الصيادين وشباكهم أمنت فتقدمت إلى الشاطئ تفتح أفواهها في الماء لابتلاع ما يكون على الشواطئ من آثار الطعام ومن صغير الحيتان وغيرها فقالوا لو حفرنا لها حياضاً وشرعنا إليها جداول يوم الجمعة فتمسك الحياض الحوت إلى يوم الأحد فنصطادها وفعلوا ذلك فغضب الله تعالى عليهم لهذا الحرص على الرزق أو لأنهم يشغلون بالهم يوم السبت بالفكر فيما تحصّل لهم أو لأنهم تحيلوا على اعتياض العمل في السبت، وهذا الذي أحسبه لما اقترن به من الاستخفاف واعتقادهم أنهم علموا ما لم تهتد إليه شريعتهم فعاقبهم الله تعالى بماذكره هنا.

فقوله: ﴿ في السبت ﴾ يجوز أن تكون (في) للظرفية.

والسبت مصدر سَبَتَ اليهودي من باب ضرب ونصر بمعنى احترم السبت وعظمه.

والمعنى اعتدوا في حال تعظيم السبت أو في زمن تعظيم السبت.

ويجوز أن تكون (في) للعلة أي اعتدوا اعتداء لأجل ما أوجبه احترام السبت من قطع العمل.

ولعل تحريم الصيد فيه ليكون أمناً للدواب.

ويجوز أن تكون (في) ظرفية والسبت بمعنى اليوم وإنما جعل الاعتداء فيه مع أن الحفر في يوم الجمعة لأن أثره الذي ترتب عليه العصيان وهو دخول الحيتان للحياض يقع في يوم السبت.

وقوله: ﴿ فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ كونوا أمر تكوين والقردة بكسر القاف وفتح الراء جمع قرد وتكوينهم قردة يحتمل أن يكون بتصيير أجسامهم أجسام قردة مع بقاء الإدراك الإنساني وهذا قول جمهور العلماء والمفسرين، ويحتمل أن يكون بتصيير عقولهم كعقول القردة مع بقاء الهيكل الإنساني، وهذا قول مجاهد والعبرة حاصلة على كلا الاعتبارين والأول أظهر في العبرة لأن فيه اعتبارهم بأنفسهم واعتبار الناس بهم بخلاف الثاني والثاني أقرب للتاريخ إذ لم ينقل مسخ في كتب تاريخ العبرانيين، والقدرة صالحة للأمرين والكل معجزة للشريعة أو لداود ولذلك قال الفخر: ليس قول مجاهد ببعيد جداً لكنه خلاف الظاهر من الآية وليس الآية صريحة في المسخ.

ومعنى كونهم قردة أنهم لما لم يتلقوا الشريعة بفهم مقاصدها ومعانيها وأخذوا بصورة الألفاظ فقد أشبهوا العجماوات في وقوفها عند المحسوسات فلم يتميزوا عن العجماوات إلا بالشكل الإنساني وهذه القردة تشاركهم في هذا الشبه وهذا معنى قول مجاهد هو مسخ قلوب لا مسخ ذوات.

ثم إن القائلين بوقوع المسخ في الأجسام اتفقوا أو كادوا على أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام وأنه لا يتناسل وروى ذلك ابن مسعود عن النبيء صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم» أنه قال: " لم يهلك الله قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً " وهو صريح في الباب ومن العلماء من جوز تناسل الممسوخ وزعموا أن الفيل والقرد والضب والخنزير من الأمم الممسوخة وقد كانت العرب تعتقد ذلك في الضب قال أحد بني سليم وقد جاء لزوجه بضب فأبت أن تأكله: قالت وكنت رجلاً فطيناً *** هذا لعمر الله إسرائينا حتى قال بعض الفقهاء بحرمة أكل الفيل ونحوه بناء على احتمال أن أصله نسل آدمي قال ابن الحاجب «وأما ما يذكر أنه ممسوخ كالفيل والقرد والضب ففي المذهب الجواز لعموم الآية والتحريم لما يذكر» أي لعموم آية المأكولات، وصحح صاحب «التوضيح» عن مالك الجواز وقد روى مسلم في أحاديث متفرقة من آخر «صحيحه» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أُراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته " اه.

وقد تأوله ابن عطية وابن رشد في «البيان» وغير واحد من العلماء بأن هذا قاله النبيء صلى الله عليه وسلم عن اجتهاد قبل أن يوقفه الله على أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ولا يتناسل كما هو صريح حديث ابن مسعود، قلت: يؤيد هذا أنه قال عن اجتهاد قوله: «ولا أُراها».

ولا شك أن هاته الأنواع من الحيوان موجودة قبل المسخ وأن المسخ إليها دليل على وجودها ومعرفة الناس بها.

وهذا الأمر التكويني كان لأجل العقوبة على ما اجترأوا من الاستخفاف بالأمر الإلهي حتى تحيلوا عليه وفي ذلك دليل على أن الله تعالى لا يرضى بالحيل على تجاوز أوامره ونواهيه فإن شرائع الله تعالى مشروعة لمصالح وحكم فالتحيل على خرق تلك الحكم بإجراء الأفعال على صور مشروعة مع تحقق تعطيل الحكمة منها جراءة، على الله تعالى، ولا حجة لمن ينتحل جواز الحيل بقوله تعالى في قصة أيوب: ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث ﴾ [ص: 44] لأن تلك فتوى من الله تعالى لنبيء لتجنب الحنث الذي قد يتفادى عنه بالكفارة ولكن الله لم يرض أصل الحنث لنبيه لأنه خلاف الأولى فأفتاه بما قاله، وذلك مما يعين على حكمة اجتناب الحنث لأن فيه محافظة على تعظيم اسم الله تعالى فلا فوات للحكمة في ذلك، ومسألة الحيل الشرعية لعلنا نتعرض لها في سورة ص وفيها تمحيص.

وقوله: ﴿ فجعلناها نكالاً ﴾ عاد فيه الضمير على العقوبة المستفادة من قوله: ﴿ فقنا لهم كونوا قردة ﴾ .

والنكال بفتح النون العقاب الشديد الذي يردع المعاقب عن العود للجناية ويردع غيره عن ارتكاب مثلها، وهو مشتق من نكل إذا امتنع ويقال نكّل به تنكيلاً ونكالاً معنى عاقبه بما يمنعه من العود.

والمراد بما بين يديها وما خلفها ما قارنها من معاصيهم وما سبق يعني أن تلك الفعلة كانت آخر ما فعلوه فنزلت العقوبة عندها ولما بين يديها من الأمم القريبة منها ولما خلفها من الأمم البعيدة.

والموعظة ما به الوعظ وهو الترهيب من الشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ ﴾ وفي اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أخَذُوا فِيهِ الحِيتانَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْلالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهم حَبَسُوها في يَوْمِ السَّبْتِ وأخَذُوها يَوْمَ الأحَدِ، والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السَّبْتَ هو اسْمٌ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الدَّهْرِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَتَ خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ، أيْ قُطِعَ وفُرِغَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّ اليَهُودَ يَسْبِتُونَ فِيهِ، أيْ يَقْطَعُونَ فِيهِ الأعْمالَ.

والرّابِعُ: أنَّ أصْلَ السَّبْتِ، الهُدُوءُ والسُّكُونُ في راحَةٍ ودَعَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلنّائِمِ مَسْبُوتٌ لِاسْتِراحَتِهِ وسُكُونِ جَسَدِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ فَسُمِّيَ بِهِ اليَوْمُ لِاسْتِراحَةِ اليَهُودِ فِيهِ.

وَفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُسِخُوا قِرَدَةً، فَصارُوا لِأجْلِ اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ في صُورَةِ القِرَدَةِ المَخْلُوقِينَ مِن قَبْلُ، في الأيّامِ السِّتَّةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: أنَّهم لَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا  ﴾ .

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خاسِئِينَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخاسِئَ المُبْعَدُ المَطْرُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: خَسَأْتَ الكَلْبَ، إذا باعَدْتَهُ وطَرَدْتَهُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أذِلّاءُ صاغِرُونَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خاسِئًا أيْ ذَلِيلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ وفي المَجْعُولِ نَكالًا، سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها العُقُوبَةُ.

والثّانِي: أنَّها الحِيتانُ.

والثّالِثُ: أنَّها القَرْيَةُ الَّتِي اعْتَدى أهْلُها.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأُمَّةُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا، وهم أهْلُ أيْلَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ المَمْسُوخُونَ قِرَدَةً.

والسّادِسُ: أنَّهُمُ القِرَدَةُ المَمْسُوخُ عَلى صُوَرِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَكالا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عُقُوبَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عِبْرَةٌ يُنَكَّلُ بِها مَن رَآها.

والثّالِثُ: أنَّ النَّكالَ الِاشْتِهارُ بِالفَضِيحَةِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها مِنَ القُرى، وهَذِهِ رِوايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ما بَيْنَ يَدَيْها يَعْنِي مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ، وما خَلْفَها، الَّذِينَ كانُوا مَعَهم باقِينَ، وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما بَيْنَ يَدَيْها، يَعْنِي مِن دُونِها، وما خَلْفَها، يَعْنِي لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ ذُنُوبِ القَوْمِ، وما خَلْفَها لِلْحِيتانِ الَّتِي أصابُوها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والخامِسُ: ما بَيْنَ يَدَيْها ما مَضى مِن خَطاياهُمْ، وما خَلْفَها: خَطاياهُمُ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولقد علمتم ﴾ قال: عرفتم، وهذا تحذير لهم من المعصية يقول: احذورا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصوني اعتدوا يقول: اجترأوا في السبت بصيد السمك فقلنا لهم ﴿ كونوا قردة خاسئين ﴾ فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، ولم يعش مسخ فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقاً، ثم هلكوا ما كان للمسخ نسل.

وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس قال: القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: انقطع ذلك النسل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ قال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم مثل الحمار يحمل أسفاراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: أحلت لهم الحيتان وحرمت عليهم يوم السبت ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، فكان القوم فيهم ثلاثة أصناف، فأما صنف فأمسك ونهى عن المعصية، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله، وأما صنف فانتهك المعصية ومرن على المعصية، فلما أبوا إلا عتواً عما نهاهم الله عنه ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ وصار القوم قروداً تعاوى لها الذئاب بعد ما كانوا رجالاً ونساء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ خاسئين ﴾ قال: ذليلين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ خاسئين ﴾ قال: صاغرين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فجعلناها نكالاً لما بين يديها ﴾ من الذنوب ﴿ وما خلفها ﴾ من القرى ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فجعلناها ﴾ يعني الحيتان ﴿ نكالاً لما بين يديها وما خلفها ﴾ من الذنوب التي عملوا قبل وبعد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فجعلناها ﴾ قال: فجعلنا تلك العقوبة وهي المسخة ﴿ نكالاً ﴾ عقوبة ﴿ لما بين يديها ﴾ يقول: ليحذر من بعدهم عقوبتي ﴿ وما خلفها ﴾ يقول: للذين بقوا معهم ﴿ وموعظة ﴾ تذكرة وعبرة للمتقين.

وأخرج عبد بن حميد عن سفيان في قوله: ﴿ نكالاً لما بين يديها وما خلفها ﴾ قال: من الذنوب ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ قال: لأمة محمد عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ العلم (١) ﴿ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ  ﴾ ، ولولاه لاقتضى مفعولًا ثانيا، ألا ترى أنك إذا قلت: علمت زيدًا قائمَّاً [كان قائما] (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ﴾ أي: جاوزوا (٥) (٦) والسبت في كلام العرب معناه: القطع، يقال للحلق: السبت، لأنه قطع للشعر (٧) (٨) (٩) ومنه قول حميد (١٠) ............

أمّا نَهارُها ...

فَسَبْتٌ (١١) والسبت: السُّبَاتُ.

قال الزجاج: تأويله أنه يقطع الحركة (١٢) (١٣) وغَنِيتُ سَبْتًا (١٤) قال أبو بكر بن الأنباري: السبت القطع، وسمي السبت من الأيام سبتًا، لأن الله ابتدأ الخلق فيه، وقطع بعض الخلق، وخلق (١٥) قال: وأخطأ من قال: سمي السبت لأن الله أمر فيه بني إسرائيل بالاستراحة، وخلق هو عز وجل السموات والأرض في ستة أيام آخرها يوم الجمعة، ثم استراح في يوم السبت.

قال: وهذا خطأ، لأنه لا يعلم في كلام العرب (سَبَتَ) بمعنى استراح، وإنما معنى سَبَتَ: قطع، ولا يوصف الله تعالى بالاستراحة لأنه لا يتعب (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً ﴾ أي: كونوا بتكويننا إياكم وتغييرنا خلقكم قردة (١٨) قال ابن الأنباري: كن (١٩) (٢٠) ﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا  ﴾ يريد لوكنتم حجارة أو حديدا لنزل بكم الموت ووصل إليكم ألمه، ويقول الرجل للرجل إذا لم يتعلم (٢١) إِذَا كُنْتَ عِزْهَاةً عَنِ اللَّهْو والصِّبَا ...

فَكُنْ حَجَرًا مِنْ يَابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدَا (٢٢) أي فعُدَّ نفسك من الحجارة.

فقال الله تعالى: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً ﴾ ] (٢٣) أي بتغييرنا (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال (٢٧) ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [ (٢٨) ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ  ﴾ ، والإذن: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا  ﴾ ، والتهديد: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ  ﴾ (٢٩) ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ  ﴾ ، الآية، والتحدي: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا  ﴾ ، وفيه معنى الإلزام، إلا أن من الإلزام ما لا يكون في المقدور أصلًا كقوله: ﴿ قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم ﴾ [[[البقرة: 111، والأنبياء: 24، والنمل: 64].]] وليس يصح برهان على صدقهم.

وأمَّا بمعنى الخبر فقوله: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً ﴾ [[[البقرة: 65، والأعراف: 166].]] أي: جعلناهم قردة (٣٠) ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ ، أي قد استوى الحالان في أنه لا يغفر.

والقردة جمع قرد، يقال: قرد، وثلاثة أَقْرِدة (٣١) (٣٢) و (٣٣) ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ الخَسْءُ: الطرد والإبعاد، يقال: خَسأتُه خَسْأً فَخَسَأ [وانْخَسَأ (٣٤) (٣٥) قال الفراء والكسائي: يقال: خَساتُه خَسْأً فَخَسَأ] (٣٦) (٣٧) (٣٨) وَإذا زَجَرْتُ الْكَلْبَ قُلْتُ اخْسَأ لَهُ ...

وَالْكَلْبُ مِثْلُكَ ياخُرَيْمُ سَوَاءُ (٣٩) (٤٠) لاَ تَجْعَلَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْزِلِي ...

يَا رَبِّ (٤١) (٤٢) وتقدير الآية: كونوا خاسئين قردة، لأنه لولا التقديم والتأخير لكان: قردة خاسئة (٤٣) (١) في (ب): (علمتم).

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(٤) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 277، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 120، و"تفسير الماوردي" 1/ 355، "تفسير ابن عطية" 1/ 333 - 334، "البحر المحيط" 1/ 245.

(٥) في (ب): (جاوزا).

(٦) ذكره الزجاج في "المعاني" 1/ 120، وفيه (لأن صيدهم منعها ..) أي أن حبس == الحيتان ومنعها من التصرف صيد.

وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، "تفسير الثعلبي" 1/ 81 أ.

(٧) في (ب): (الشعر).

(٨) "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607.

(٩) في (ب): (الطريق).

(١٠) هو حميد بن ثور بن عبد الله الهلالي، أحد المخضرمين من الشعراء أدرك الجاهلية والإسلام، وقيل إنه رأى النبي  مات في خلافة عثمان  ما.

انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" 247، "معجم الأدباء" 11/ 8.

(١١) وتمام البيت: وَمطْويَّةُ الأَقْراب أَما نهارُها ...

فسبت وأَمَّا لَيْلُها فذمِيلُ قوله: (الأقراب): جمع قرب، وهو الخاصرة، و (السبت): السير السريع، و (الذمِيل): السير البطيء.

ويروى شطره الأول: بمقورة الألياط أما نهارها والاقورار هنا: الضمور، و (الألياط) جمع ليط وهو الجلد، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607، "جمهرة أمثال العرب" (سبت) 1/ 195، "مقاييس اللغة" 3/ 124، وكذا في الصحاح 1/ 251، و"اللسان" 4/ 1912، و"المخصص" 7/ 107، و"البحر المحيط" 1/ 240، و"ديون حميد بن ثور" ص 116.

(١٢) في "تهذيب اللغة" (وقال الزجاج): السبات: أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه ..)، (سبت) 2/ 1607.

(١٣) في (ب): (السبوت).

(١٤) تمام البيت: وغَنَيِتُ سَبْتاَ قبل مُجْرَى داحس ...

لو كان للنفس اللجُوجِ خُلُودُ ويروى (بعد مجرى) وعَمَرْتُ كَرْسًا.

غنيت: عشت (سبتا): دهرا، (داحس) اسم فرس.

ورد البيت في "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607، "اللسان" (سبت) 4/ 1912، و (عمر) 5/ 310، و"حماسة البحتري" ص 100، "المخصص" 2/ 64، "الخزانة" 2/ 251، "البحر المحيط" 1/ 240، وديوان لبيد مع شرحه ص 35.

(١٥) كذا العبارة في جميع النسخ، وفي "الزاهر" (وقطع فيه بعض خلق الأرض ..) 2/ 145، ومثله في "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607، والنص منه.

(١٦) منهج السلف في باب الصفات التزام النص، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله  وينفون عنه ما أنفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله، وما لم يرد فيه نص فيلتزمون فيه الخفي المجمل من دون تفصيل في النفي.

ولم ترد الاستراحة في نص.

(١٧) "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 145، "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607.

(١٨) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، و"تفسير البغوي" 1/ 81، و"البيان" 1/ 90، "تفسير ابن عطية" 1/ 336.

(١٩) في (ج): (كمن في).

(٢٠) في (ب): (تنتنى).

(٢١) كذا في (أ)، (ج)، وفي (ب) غير واضحة، ولعل الصواب (تتعلم).

(٢٢) ويروى شطره الأول كما في شعر الأحوص: إِذَا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدرِ مَا الْهَوَى وفي كتاب الزينة: إِذَا أنْتَ لَمْ تَطْرَبْ وَلَم تَشْهَدِ الْخَنَا و (العِزْهَاةُ): الذى لا يحب اللهو ولا يَطْرب، ورد البيت في "الزينة" 1/ 124، "المخصص" 16/ 175، "الخصائص" 1/ 229، "الشعر والشعراء" ص 346، و"أمالي الزجاجي" ص 75، و"أساس البلاغة" (عزه) ص 2/ 115، "اللسان" (عزه) 5/ 2933، و"شعر الأحوص" ص 98.

(٢٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (ب).

(٢٤) في (ب): (بتغيير)، وفي (ج): (بتغيرنا).

(٢٥) في (ج): (امرتكم).

(٢٦) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 366 - 377، و"البيان" 1/ 90، و"البحر" 1/ 246.

(٢٧) (الواو) ساقطة من (ب).

(٢٨) البقرة: 43، 83، 110، والنساء: 77، والنور: 56، والمزمل: 20 (٢٩) في (أ)، (ج): (اعملوا) تصحيف.

(٣٠) ذكر الغزالي في المستصفى الوجوه التي يأتي عليها الأمر، ومنها الوجوه التي == وردت عند المؤلف هنا ومما ذكر: التسخير كقوله: ﴿ كُونُوا قِرَدَةَ ﴾ "المستصفى" ص 293.

(٣١) في (ب): (أقراد) وكلها وردت في "تهذيب اللغة" عن الليث (قرد) 3/ 2921.

(٣٢) انظر: "مقاييس اللغة" (قرد) 5/ 83، 84، "الصحاح" (قرد) 2/ 523، "اللسان" (قرد) 6/ 3576.

(٣٣) (الواو) ساقطة من (ج).

(٣٤) في (ج): (الخسأ).

(٣٥) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، "تهذيب اللغة" (خسأ) 1/ 1028، "جمهرة أمثال العرب" 3/ 237، "الصحاح" (خسأ) 1/ 47.

(٣٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٧) في (ج): قال الفراء والكسائي: (خَسَأتُه مخسأ خسأ فخسا خسوءا).

(٣٨) انظر: "الزاهر" 2/ 48، و"الوسيط" 1/ 125، "تفسير القرطبي" 1/ 443.

(٣٩) لم أعثر على هذا البيت فيما اطلعت عليه، والله أعلم.

(٤٠) في (ج): (عمر بن الخطاب).

وابن حطان: هو عمران بن حطان من بني عمرو بن سيبان بن ذهل، كان رأس القَعدة من الصُّفْرية إحدى فرق الخوارج، وكان خطيبًا شاعرا، توفي سنة أربع وثمانين ذكر الجاحظ أخباره في "البيان والتبيين" 1/ 47، والمبرد في "الكامل" 3/ 167، وانظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 317.

(٤١) في (ج): (يارب منزلى).

(٤٢) لم أجد هذا البيت فيما اطلعت عليه من شعر عمران بن حطان ضمن "ديوان الخوارج" جمع نايف محمود معروف، ولا في "شعر الخوارج" لـ (إحسان عباس).

(٤٣) أي لو كان (خاسئين) صفة لقردة لقال: (خاسئة)، انظر "الوسيط" 1/ 125، وللعلماء في إعرابه وجوه: الأول: أنه خبر ثانٍ لـ (كان)، أو حال من (الواو) في كونوا، أو نعت لقردة، وهذا الوجه رده المؤلف.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 184، و"المشكل" لمكي 1/ 52، "تفسير ابن عطية" 1/ 336، و"البيان" 1/ 90، و"الإملاء" 1/ 41، "الدر المصون" 1/ 414.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ﴾ لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن يقبلوها فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن لم تأخذوها وقع عليكم ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ جدُّ في العلم بالتوراة أو العمل بها ﴿ اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت ﴾ اصطادوا فيه الحوت وكان محرماً عليهم ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ عبارة عن مسخهم، وخاسئين صفة أو خير ثان، ومعناه مبعدين كما يخسأ الكلب ﴿ فجعلناها ﴾ الضمير للفعلة وهي المسخ ﴿ نكالا ﴾ أي عقوبة لما تقدّم من ذنوبهم وما تأخر، وقيل: عبرة لمن تقدّم ومن تأخر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ النصارى ﴾ بالإمالة: أو عمرو وحمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري، والخراز عن هبيرة، وكذلك كل راء بعدها ياء.

وروى قتيبة بكسر الصاد والراء، وكذلك قوله ﴿ سكارى ﴾ و ﴿ أسارى ﴾ و ﴿ يوارى ﴾ و ﴿ أوارى ﴾ كلها بإمالة ما قبل الألف ﴿ والصابئين ﴾ بغير همزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الوقوف: ﴿ عند ربهم ﴾ (ز) لنوع عدول عن إثبات إلى نفي مع اتفاق الجملتين.

و ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لأن التقدير: قلنا لكم خذوا ﴿ تتقون ﴾ (ه) ﴿ من بعد ذلك ﴾ (ج) لأن "لولا" للابتداء وقد دخل الفاء فيه ﴿ الخاسرين ﴾ (ه) ﴿ خاسئين ﴾ (ه) (ج) للآية والعطف بالفاء ﴿ المتقين ﴾ (ه).

التفسير: قد انجرّ الكلام في الآي المتقدمة إلى وعيد أهل الكتاب ومن يقفو آثارهم، فقرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته  من ذكر الترغيب مع الترهيب فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ .

واختلف المفسرون ههنا لأن قوله في آخر الآية ﴿ من آمن ﴾ .

يدل على أن المراد من قوله ﴿ آمنوا ﴾ شيء آخر، كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمِنوا  ﴾ .

فعن ابن عباس: المراد أن الذين آمنوا قبل مبعث محمد  بعيسى  مع البراءة من أباطيل اليهود والنصارى كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري.

كأنه قيل: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد  ، والذين كانوا على الدين الباطل لليهود، والذين كانوا على الدين الباطل للنصارى، كل من آمن بعد مبعث محمد  بالله واليوم الآخر وبمحمد  فلهم أجرهم.

وعن سفيان الثوري: إن الذين آمنوا باللسان دون القلب وهم المنافقون، والذين تهوّدوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية، والنصارى، والصابئين، كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم كذا.

وقيل: الذين آمنوا هم المؤمنون بمحمد  في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي.

وكأنه قيل: إن الذين آمنوا في الماضي، واليهود والنصارى والصابئين، كل من آمن منهم وثبت على ذلك في المستقبل واستمر.

واشتقاق اليهود قيل من قولهم ﴿ إنا هدنا إليك  ﴾ أي تبنا ورجعنا.

عن ابن عباس: وقيل نسبوا إلى يهودا أكبر ولد يعقوب.

وقيل: إنهم يتهودون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة.

واشتقاق النصارى قبل من ناصرة قرية كان ينزلها عيسى  قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج.

وقيل: لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً.

وقيل: لأن عيسى  قال للحواريين من أنصاري إلى الله.

واحد النصارى نصران، ومؤنثه نصرانة: والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، والصابئين بالهمزة اشتقاقه من صبأ الرجل يصبأ صبواً إذا خرج من دينه إلى دين آخر.

وكانت العرب يسمون النبي  صابئاً لأنه  أظهر ديناً على خلاف أديانهم.

عن مجاهد والحسن: هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.

وعن قتادة: قوم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات.

وقيل: وهو الأقرب - إنهم قوم يعبدون الكواكب ثم فيهم قولان:الأوّل أن خالق العالم هو الله  إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء.

والثاني أنه  خلق الأفلاك والكواكب وفوّض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم إنها تعبد الله  .

وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم  ، فبين الله  أن هذه الفرق الأربع إذا آمنوا بالله ويدخل فيه الإيمان بكل ما أوجبه كالإيمان برسله وآمنوا باليوم الآخر وبما وعد فيه، فإن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند الله  .

ومحل ﴿ من آمن ﴾ رفع على أنه مبتدأ خبره ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والجملة خبر "إن"، أو نصب على أنه بدل من اسم "أن".

والمعطوفات عليه.

وخبر "أن" ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والفاء لتضمن من أو الذين معنى الشرط.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين لأنهم أهل كتاب، وعكس الترتيب في الحج لأن الصابئين مقدمة على النصارى بالزمان، وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير، لأن تقديره: والصابئون كذلك.

وقوله  ﴿ وإذا أخذنا ميثاقكم ﴾ مخاطبة فيها معاتبة لاستمالها على تذكير النعم وتقدير المنعم.

وللمفسرين في هذا الميثاق أقوال: أحدها: أنه ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وقدرته وحكمته وعلى صدق أنبيائه ورسله وهو أقوى المواثيق والعهود، لأنه لا يحتمل الخلف والكذب والتبدل بوجه من الوجوه وهو قول الأصم، وثانيها ما روي عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن موسى  لما رجع من عند ربه بالألواح، قرأوا ما فيها من الأخبار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها، أمر جبرائيل بقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم فحينئذ قبلوا وأعطوا الميثاق.

وعن ابن عباس: إن لله ميثاقين الأول، حين أخرجهم من صلب آدم على أنفسهم، والثاني أنه  ألزم الناس متابعة الأنبياء.

والمراد ههنا هو هذا العهد.

وإنما قال ﴿ ميثاقكم ﴾ ولم يقل "مواثيقكم" للعلم بذلك كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أي كل واحد منكم، أو لأن الميثاق بشيء واحد أخذه من كل واحد منهم.

ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر.

والواو في ﴿ ورفعنا ﴾ إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدماً على رفع الجبل كما في قول الأصم وابن عباس، وإما واو الحال إن جعل مقارناً للرفع، كأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور.

قيل: الجبل مطلقاً.

وعن ابن عباس: أنه جبل من جبال فلسطين.

وقيل: جبل معهود، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه، وقد يجوز أن ينقله الله  إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم، فإن القادر على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل: بقوة ربانية ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟

﴿ لعلكم تتقون ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا ﴿ ثم توليتم ﴾ معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به.

ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير ﴿ من بعد ذلك ﴾ أي من بعد القبول والالتزام.

قال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم.

ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي في عسكره، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرأونها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد  من الكتاب، وجحودهم لحقه  وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر ﴿ فلولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم ﴿ لكنتم من الخاسرين ﴾ أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله  تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم.

فإن كلمة "لولا" تدل على امتناع الثاني لوجود الأول، فامتنع الخسران لوجود فضل الله.

ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ ويكون قوله ﴿ فلولا فضل الله ﴾ رجوعاً بالكلام إلى أوّله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم للكتاب، ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولطف بكم بذلك حتى تبتم.

قوله عز من قائل ﴿ ولقد علمتم ﴾ اللام للابتداء، ولا تكاد تدخل الماضي بدون قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو: لزيد قائم، أو لتأكيد المضارع نحو: ليضرب زيد.

لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع تناسب معنى "قد".

ومعنى "اللام" في التحقيق، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله.

عن ابن عباس: إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود  بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشأم، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.

فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً.

فقيل لهم: لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب والهلاك.

فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا.

قال بعضهم: وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك.

والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء فيه، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم واشتغلوا بالصيد، وإما الاصطياد مع استحلاله.

وقوله ﴿ كونوا ﴾ المراد منه سرعة الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ ﴿ وقردة خاسئين ﴾ خبر "إن" أي كونوا جامعين بين القردة، والخسوء وهو الصغار والطرد.

عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً  ﴾ ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: كن حماراً.

واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنساناً، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قرداً.

وأيضاً لو جوزنا ذلك لم نأمن في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً وذلك شك في المشاهدات.

وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما يقوله الفلاسفة.

وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول  ، ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل، والفهم باقٍ فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوّه الصورة وعدم القدرة على النطق وسائر الخواص الإنسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون، ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله، وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا، الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا ﴿ فجعلناها ﴾ أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة ﴿ نكالاً ﴾ عقوبة شديدة رادعة عن الإقدام على المعصية.

والنكول عن اليمين الامتناع عنها.

ولم يقصد بذلك ما يقصده الناس من التشفي وإطفاء نائرة الغيظ، وإنما جعلناها عبرة لما قبلها ومعها وبعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها وسيبلغ خبرها إلى الآخرين فيعتبرون، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم، أو جعلناها عقوبة لجميع ما ارتكبوه قبل هذا الفعل وبعده، هكذا قال بعضهم، والأولى عندي أن يقال: جعلناها عقوبة لأجل ذنوب تقدمت المسخة، ولأجل ذنوب تأخرت عنها، لأنهم إن لم يكونوا ممسوخين لم ينتهوا عنها فهم في حكم المرتكبين لها.

ولا يلزم من ذلك تجويز العقاب على الذنب المفروض الموهوم لأنه أمر اعتباري، والعقوبة في نفسها واحدة ثابتة على حالها لم تزدد لأجل الذنب المتأخر شيئاً، فليس الأمر فيه كمن ضرب عبده لأجل الإباق المتقدم مائة جلدة، ولأجل الإباق المتأخر المترقب مائة أخرى، ولكنه كمن قيد عبده أو حبسه لأجل الإباق المتقدم والإباق المترقب والله أعلم ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ لأن منفعة الاتعاظ تعود إليهم لا إلى غيرهم مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ أو ليعظ المتقون بعضهم بعضاً.

وقيل: للمتقين الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم: أَن ميثاق الله، وعهده على وجهين: عهد خلقه وفطرة، وعهد رسالة ونبوةٍ.

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ في التوراة أَن يعملوا بما فيها، فنقضوا ذلك العهد لما رأَوا فيها الحدود، والأَحكام، والشرائع كرهوا؛ فرفع الله الجبل فوقهم، فقبلوا ذلك.

ويحتمل ما ذكرنا من عهد خلقة وفطرة فنقضوا ذلك.

وقوله: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ .

قيل: خذوا التوراة بالجد والمواظبة.

وقيل: "بقوة" يعني: بالطاعة له والخضوع.

ثم احتج بعض المعتزلة بهذه الآية على تقدم القدرة الفعلَ؛ لأَنه أمرهم - عز وجل - بالقبول له، والأَخذ والعمل بما فيها.

فلو لم يعطهم قوة الأَخذ والقبول له قبل الأَخذ له والفعل، لكان لا يأْمرهم بذلك؛ لأَنهم يقولون: لا قوة لنا على ذلك؛ فدل أَنه قد أعطاهم قبل ذلك، لكنه غلط عندنا؛ لأَنه لو كان أَعطاهم القوة قبل الفعل، ووقت الأَمر به، ثم تذهب عنهم تلك القوة وقت الفعل - لكان الفعل بلا قوة؛ إذ من قولهم: أن القوة لا تبقى وقتين؛ فدل: أَنها تحدث بحدوث الفعل، لا يتقدم ولا يتأَخر، ولكن يَكونان معاً.

ولأَنها سميت: قدرة الفعل، فلو كانت تتقدم الفعل، لم يكن لإضافة الفعل إليها معنى، والله أعلم.

والأَصل في ذلك: أَن الله -  - قال: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ ومعلوم أَن المرادَ من ذلك الأَخذُ بقوة الآخذ.

ثم فيه وجهان: أَحدهما: أَن للأَخذ قوة غير التي للترك.

والثاني: أَنه ذكر الأَخذ بقوة، فإذا لم تكن معه لم يكن بها أَن يرى أَن الوقت إذا تباعد لم يحتمل بما تقدم من القوة أَوقاتاً؛ فمثله وقت واحد.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: اذكروا، واحفظوا ما فيه من أَمره ونهيه، ولا تضيعوه؛ لعلكم تتقون المعاصي والمآثم.

ويحتمل: اذكروا ما فيه من التوحيد والإيمان؛ لعلكم تتقون الشرك والكفر.

ويحتمل: اذكروا ما فيه من الأَحكام والشرائع.

ويحتمل: الثواب والعقاب، والوعد والوعيد.

وكله واحد.

وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ .

يعني: من بعد القبول.

دل هذا على: أَنهم كانوا قَبِلوا ذلك مرة، قبل أَن يأْتيهم موسى  بها؛ فلما أَتاهم - ورأَوا التشديد، والمشقة - أَبوا قبولها، وتركوا العمل بما فيها من الأَحكام والشرائع؛ فخُوِّفُوا برفع الجبل فوقهم؛ فقبلوا ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: قيل: فضل الله عليكم الإسلام ورحمته: القرآن.

وقيل: فضل الله عليكم بمحمد  ، بعث إليكم رسولاً؛ ليجمعكم، ويؤلف بينكم، ويدعوكم إلى دين الله الحق، بعد ما كنتم في فترة من الرسل، وانقطاع من الدين والعمل.

ويحتمل: فضل الله عليكم؛ لما أَنجا آباءَكم من العذاب، ولم يرسل عليهم الجبل، وإلا ما توالدتم أَنتم.

وقيل: فضل الله عليكم؛ لما أَعطاهم التوراة، ووفقهم على قبولها، وإلا كنتم من الخاسرين.

وبعضه قريب من بعض.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ .

فيه دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ كأنه قال: ولقد علمتم أَن محمداً  لم يكن يعلم الذين اعتدوا منكم في السبت، ولا كان علم ما فُعِل بهم، ثم علم ذلك؛ فإنما علم بالله - عز وجل - لأَنه لم يكن قرأَ كتابكم، ولا كان يختلف إلى أَحد ممن يعرف ذلك؛ فبالله - عزوجل - عرف ذلك، وبه علم؛ فدل: أَنه رسول الله إليكم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ .

أي: علمتم ما أَصاب أُولئك باعتدائهم يومَ السبت بالاصطياد، وكنتم تقولون: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

يعني: أَبْناءُ رسل الله وأَحباؤُه.

فلو كان كما تقولون، لم يكن ليجعلهم قردةً - وهي أَقبحُ خلق الله، وأَوخشُه - إذ مثل ذلك لا يُفعل بالأَحبَّاء ولا بالأَبناءِ.

أَو أَن يحمل على التحذير لهؤلاء؛ لئلا يُكذِّبوا محمداً  ولا يعصوه في أَمره، فيصيبكم ما أَصاب أولئك؛ بتكذيبهم موسى، وعصيانهم أَمرَه، والله أعلم.

ثم سبب تحريم الاصطياد في السبْت كان - والله أعلم - لما قيل: إنّ موسىَ  أراد أن يجعل يوماً لله، خالصاً للطاعة له، والعبادةِ فيه - وهو يوم الجمعة - فخالفوا هم أَمره ونهيَه، وقالوا: نجعل ذلك اليوم السبت؛ لأَنه لم يُخلق لعمل.

فحرم الاصطياد في ذلك اليوم لذلك وحولوا قردةً؛ عقوبة لهم لما نهوا عن الاصطياد في ذلك اليوم فاصطادوا.

وعلى ذلك تأْويل قوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ  ﴾ يعني: يوم الجمعة.

وقيل: ﴿ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ ، يعني: في الله.

ثم اختلف فى قوله: ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ : قال قوم: قوله: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ من الأَصل؛ على ذهاب الإنسانية منهم.

وقيل: حَوَّل جَوْهَرهم إلى جوهر القردة، على إبقاءِ الإنسانية فيهم؛ من الفهم والعقل؛ لأَنه قيل: إن الذين كانوا يَنْهَوْنهم عن الاصطياد في ذلك اليوم دخلوا عليهم، فيقولون لهم: أَلم نَنْهكم عن ذلك، ونزجرْكم؟!

فَأَومئوا: أَي نعم.

ودموعهم تفيض على خدودهم.

فلو كان التحويل على ذهاب جميع الإنسانيه منهم لكانوا لا يفهمون ذلك، ولا حزنوا على ما أَصابهم؛ لأَن كلَّ ذي جوهر راضٍ بجوهره الذي خلقه الله  يُسَرّ به.

ولأَن تحويله إياهم قردةً عقوبةً لتمردهم في التكذيب، وجرأَتهم على الله؛ ليعلموا ذلك، ويروا أَنفسهم أَقبحَ خلقِ الله وأَوخشَه.

وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأَنهم يقولون: ليس في خلق الله قبيح.

فلو لم يكن في خلق الله قبيحٌ لم يكن لتحويل صورتهم من صورة الإنسان، إلى أَقبح صورةٍ معنىً؛ ليروا قبح أَنفسهم؛ عقوبةً لهم بما عَصَوْا أَمر الله، ودخلوا في نهيه.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً ﴾ .

قيل: الهاء راجعة إلى القرية التي كانوا فيها.

وقوله: ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ .

من أَهل القرية.

وقوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .

حواليها.

وقيل: أَراد بالهاءِ: القرية، ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ من القرى، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ من القرى.

وقيل: أَراد بالهاءِ: العقوبة والنكالَ، ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ يعني: لما مضى من الذنوب.

﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ يعني: ما بَقي، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ .

قيل: الخاسىء: الصاغرُ.

وقيل: الخاسىء: الذليلُ.

وقيل: البعيدُ.

وكله يرجع إلى واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد علمتم خبر أسلافكم علمًا لا لبس فيه؛ حيث اعتدوا بالصيد يوم السبت الَّذي حُرِّم عليهم الصيد فيه، فاحتالوا على ذلك بنصب الشباك قبل يوم السبت، واستخراجها يوم الأحد؛ فجعل الله هؤلاء المتحايلين قردة منبوذين عقوبة لهم على تحايلهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.nmb7V"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أباح الله تعالى لبني إسرائيل العمل في ستة أيام من الأسبوع وحظر عليهم العمل في يوم واحد وهو يوم السبت، وفرض عليهم في هذا اليوم الاجتهاد في الأعمال الدينية إحياء للشعور الديني في قلوبهم، وإضعافًا لشرههم في جمع الحطام وحبهم للدنيا، فتجاوز طائفة منهم حدود الله في السبت واعتدوها، فكان جزاؤهم على ذلك جزاء من لم يرض نفسه بآداب الدين، وجزاء مثله هو الخروج من محيط الكمال الإنساني، والرتوع في مراتع البهيمية، كالقرد في نزواته، والخنزير في شهواته، وقد سجل الله تعالى عليهم ذلك بحكم سنة الفطرة، والنواميس التي أقام بها نظام الخليقة، وذلك قوله  ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ  ﴾ أي وأقسم أنكم لقد علمتم نبأ الذين تجاوزوا حدود حكم الكتاب في ترك العمل الدنيوي يوم السبت -وسيأتي نبؤهم مفصلًا في سورة الأعراف- ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ  ﴾ روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال: ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا  ﴾ ومثل هذا قوله تعالى ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ  ﴾ والخسوء هو الطرد والصغار، وإنما يكون للعقلاء.

والأمر للتكوين، أي فكانوا بحسب سنة الله في طبع الإنسان وأخلاقه كالقردة المستذلة المطرودة من حضرة الناس.

والمعنى أن هذا الاعتداء الصريح لحدود هذه الفريضة قد جرأهم على المعاصي والمنكرات بلا خجل ولا حياء حتى صار كرام الناس يحتقرونهم ولا يرونهم أهلًا لمجالستهم ومعاملتهم.

وفي كتب التفسير أن هؤلاء هم أهل القرية التي كانت حاضرة البحر، كما في سورة الأعراف.

وذهب جمهور المفسرين إلى أن تلك القرية "أيلة" وقيل "طبرية" أو "مدين" وقالوا إن ذلك كان في زمن داود  ، والقرآن لم يعين المكان ولا الزمان، والعبرة المقصودة لا تتوقف على تعيين هذه الجزئيات، فالحجة فيما ذكر قائمة على بني إسرائيل ومبينة أن مجاحدتهم ومعاندتهم للنبي  ليست بدعًا من أمرهم.

ثم إنها عبرة بينة لكل من يفسق عن أمر ربه فيتخذ إلهه هواه ويعيش عيشة بهيمية.

وذهب الجمهور أيضًا إلى أن معنى "كونوا قردة أن صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين، والآية ليست نصًا فيه ولم يبق إلا النقل ولو صح لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة لأنهم يعلمون بالمشاهدة أن الله لا يمسخ كل عاص فيخرجه عن نوع الإنسان، إذ ليس ذلك من سنته في خلقه، وإنما العبرة الكبرى في العلم بأن من سنن الله تعالى في الذين خلوا من قبل أن من يفسق عن أمر ربه، وتنكب الصراط الذي شرعه له، ينزل عن مرتبة الإنسان، ويلتحق بعجماوات الحيوان.

وسنة الله تعالى واحدة، فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية، ولذلك قال: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ أي جعلنا هذه العقوبة نكالًا وهو ما يفعل بشخص من إيذاء وإهانة ليعتبر غيره، أي عبرة ينكل من يعلم بها أي يمتنع من اعتداء الحدود، ومن هذه المادة (النكل) للقيد أو هو أصلها ومنها النكول عن اليمين في الشرع وهو الامتناع، وما بين يديها يراد به من وقعت في زمنهم كما يراد بما خلفها من بعدهم إلى ما شاء الله تعالى.

وأما كونها موعظة للمتقين فهو أن المتقي يتعظ بها في نفسه بالتباعد عن الحدود التي يخشى اعتداؤها ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا  ﴾ ويعظ بها غيره أيضًا.

ولا يتم كون تلك العقوبة نكالًا للمتقدمين والمتأخرين وموعظة للمتقين، إلا إذا كانت جارية على السنة المطردة في تربية الأمم وتهذيب الطباع، وذلك ما هو معروف لأهل البصائر ومشهور عند عرفاء الأوائل والأواخر، وحديث المسخ والتحويل وأن أولئك قد تحولوا من أناس إلى قردة وخنازير إنما قصد به التهويل والإغراب، فاختيار ما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة والأجدر بتحريك الفكرة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 16 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.6 / 29.5
الإضاءة 91%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده