الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦٥ من سورة البقرة
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 108 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦٥ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( ولقد علمتم ) يا معشر اليهود ، ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره ، إذ كان مشروعا لهم ، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت ، بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت ، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل ، فلم تخلص منها يومها ذلك ، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت .
فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة ، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة .
فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن ، كان جزاؤهم من جنس عملهم .
وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف ، حيث يقول تعالى : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ) [ الأعراف : 163 ] القصة بكمالها .
وقال السدي : أهل هذه القرية هم أهل أيلة .
وكذا قال قتادة ، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة .
وقوله : ( كونوا قردة خاسئين ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) قال : مسخت قلوبهم ، ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه الله ( كمثل الحمار يحمل أسفارا ) [ الجمعة : 5 ] .
ورواه ابن جرير ، عن المثنى ، عن أبي حذيفة .
وعن محمد بن عمرو الباهلي ، عن أبي عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، به .
وهذا سند جيد عن مجاهد ، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره ، قال الله تعالى : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ) الآية [ المائدة : 60 ] .
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) فجعل [ الله ] منهم القردة والخنازير .
فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير .
وقال شيبان النحوي ، عن قتادة : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) فصار القوم قرودا تعاوى لها أذناب بعد ما كانوا رجالا ونساء .
وقال عطاء الخراساني : نودوا : يا أهل القرية ، ( كونوا قردة خاسئين ) فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون : يا فلان ، ألم ننهكم ؟
فيقولون برؤوسهم ، أي بلى .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة ، حدثنا محمد بن مسلم - يعني الطائفي - عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقا ثم هلكوا .
ما كان للمسخ نسل .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : فمسخهم الله قردة بمعصيتهم ، يقول : إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام ، قال : ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل .
وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكرها الله في كتابه ، فمسخ [ الله ] هؤلاء القوم في صورة القردة ، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء .
ويحوله كما يشاء .
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : ( كونوا قردة خاسئين ) قال : يعني أذلة صاغرين .
وروي عن مجاهد ، وقتادة والربيع ، وأبي مالك ، نحوه .
وقال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، قال : قال ابن عباس : إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة - فخالفوا إلى السبت فعظموه ، وتركوا ما أمروا به .
فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه ، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره .
وكانوا في قرية بين أيلة والطور ، يقال لها : مدين ؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان : صيدها وأكلها .
وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم ، حتى إذا ذهب السبت ذهبن ، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا .
حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعا ، حتى إذا ذهب السبت ذهبن ، فكانوا كذلك ، حتى إذا طال عليهم الأمد وقرموا إلى الحيتان ، عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت ، فخزمه بخيط ، ثم أرسله في الماء ، وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه ، ثم تركه .
حتى إذا كان الغد جاء فأخذه ، أي : إني لم آخذه في يوم السبت ثم انطلق به فأكله .
حتى إذا كان يوم السبت الآخر ، عاد لمثل ذلك ، ووجد الناس ريح الحيتان ، فقال أهل القرية : والله لقد وجدنا ريح الحيتان ، ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل .
قال : ففعلوا كما فعل ، وصنعوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق .
فقالت طائفة منهم من أهل البقية : ويحكم ، اتقوا الله .
ونهوهم عما يصنعون .
فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ، ولم تنه القوم عما صنعوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ) لسخطنا أعمالهم ( ولعلهم يتقون ) [ الأعراف : 164 ] .
قال ابن عباس : فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم وفقدوا الناس فلم يرونهم قال : فقال بعضهم لبعض : إن للناس لشأنا!
فانظروا ما هو .
فذهبوا ينظرون في دورهم ، فوجدوها مغلقة عليهم ، قد دخلوها ليلا فغلقوها على أنفسهم ، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة ، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد ، والمرأة بعينها وإنها لقردة ، والصبي بعينه وإنه لقرد .
قال : يقول ابن عباس : فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الجميع منهم ، قال : وهي القرية التي قال الله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) الآية [ الأعراف : 163 ] .
وروى الضحاك عن ابن عباس نحوا من هذا .
قال السدي في قوله تعالى : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) قال : فهم أهل أيلة ، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر ، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت - وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا - لم يبق في البحر حوت إلا خرج ، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء ، فإذا كان يوم الأحد لزمن مقل البحر ، فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت ، فذلك قوله تعالى : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم [ كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ] ) .
فاشتهى بعضهم السمك ، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ، ويجعل لها نهرا إلى البحر ، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة ، فيريد الحوت أن يخرج ، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر ، فيمكث فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه ، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره ، فيصنع مثل ما صنع جاره ، حتى فشا فيهم أكل السمك ، فقال لهم علماؤهم : ويحكم!
إنما تصطادون يوم السبت ، وهو لا يحل لكم ، فقالوا : إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه .
فقال العلماء لا ولكنكم صدتموه يوم فتحكم الماء فدخل ، قال : وغلبوا أن ينتهوا .
فقال بعض الذين نهوهم لبعض : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) يقول : لم تعظوهم ، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟
فقال بعضهم : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) [ الأعراف : 164 ] فلما أبوا قال المسلمون : والله لا نساكنكم في قرية واحدة .
فقسموا القرية بجدار ، ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا ، ولعنهم داود ، عليه السلام ، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم ، والكفار من بابهم ، فخرج المسلمون ذات يوم ، ولم يفتح الكفار بابهم ، فلما أبطؤوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط ، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض ، ففتحوا عنهم ، فذهبوا في الأرض ، فذلك قول الله تعالى : ( فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) [ الأعراف : 166 ] وذلك حين يقول : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ) [ المائدة : 78 ] .
فهم القردة .
قلت : والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ، رحمه الله ، من أن مسخهم إنما كان معنويا لا صوريا بل الصحيح أنه معنوي صوري ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (ولقد علمتم)، ولقد عرفتم.
(46) كقولك: " قد علمت أخاك ولم أكن أعلمه ", يعني عرفته، ولم أكن أعرفه, كما قال جل ثناؤه: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [ الأنفال: 60]، يعني: لا تعرفونهم الله يعرفهم.
* * * وقوله: (الذين اعتدوا منكم في السبت)، أي الذين تجاوزوا حدي، وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت، وعصوا أمري.
وقد دللت -فيما مضى- على أن " الاعتداء "، أصله تجاوز الحد في كل شيء.
بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(47) * * * قال أبو جعفر: وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها, مما عدد جل ثناؤه فيها على بني إسرائيل - الذين كانوا بين خلال دور الأنصار زمان النبي صلى الله عليه وسلم، الذين ابتدأ بذكرهم في أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقه - (48) ما كانوا يبرمون من العقود, وحذر المخاطبين بها أن يحل بهم - بإصرارهم على كفرهم، ومقامهم على جحود نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم اتباعه والتصديق بما جاءهم به من عند ربه - مثل الذي حل بأوائلهم من المسخ والرجف والصعق, وما لا قبل لهم به من غضب الله وسخطه.
كالذي:- 1138 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) يقول: ولقد عرفتم.
وهذا تحذير لهم من المعصية.
يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني, اعتدوا - يقول: اجترؤوا - في السبت.
قال: لم يبعث الله نبيا إلا أمره بالجُمعة ، &; 2-168 &; وأخبره بفضلها وعظمها في السموات وعند الملائكة, وأن الساعة تقوم فيها.
فمن اتبع الأنبياء فيما مضى كما اتبعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، قبل الجمعة وسمع وأطاع، وعرف فضلها وثبت عليها، كما أمر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم.
(49) ومن لم يفعل ذلك، كان بمنـزلة الذين ذكر الله في كتابه فقال: " وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ".
وذلك أن اليهود قالت لموسى - حين أمرهم بالجمعة، وأخبرهم بفضلها -: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها, والسبت أفضل الأيام كلها، لأن الله خلق السموات والأرض والأقوات في ستة أيام، وسبت له كل شيء مطيعا يوم السبت, (50) وكان آخر الستة؟
قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريم - حين أمرهم بالجمعة - قالوا له: كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها, والأول أفضل, والله واحد, والواحد الأول أفضل؟
فأوحى الله إلى عيسى: أن دعهم والأحد, ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا.
- مما أمرهم به.
فلم يفعلوا, فقص الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم.
قال: وكذلك قال الله لموسى - حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت -: أن دعهم والسبت، فلا يصيدوا فيه سمكا ولا غيره, ولا يعملوا شيئا كما قالوا.
قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء، فهو قوله: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا [ الأعراف: 163]، يقول: ظاهرة على الماء, ذلك لمعصيتهم موسى - وإذا كان غير يوم السبت، صارت صيدا كسائر الأيام فهو قوله: وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [ الأعراف: 163].
ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله.
فلما رأوها كذلك، طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة, فتناول بعضهم &; 2-169 &; منها فلم تمتنع عليه, وحذر العقوبة التي حذرهم موسى من الله تعالى.
فلما رأوا أن العقوبة لا تحل بهم، عادوا، وأخبر بعضهم بعضا بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء, فكثَّروا في ذلك، وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلا.
وهو قول الله جل ثناؤه: " وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ " - يقول: لهؤلاء الذين صادوا السمك - فمسخهم الله قردة بمعصيتهم.
يقول: إذًا لم يحيوا في الأرض إلا ثلاثة أيام.
[ قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام] (51) ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل.
وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكر الله في كتابه.
فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة, وكذلك يفعل بمن شاء، كما يشاء, ويحوله كما يشاء.
1139 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثنا محمد بن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم -يوم الجمعة-.
فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به.
فلما أبوا إلا لزوم السبت، ابتلاهم الله فيه, فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره.
وكانوا في قرية بين أيلة والطور يقال لها " مدين ".
فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها.
وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم, حتى إذا ذهب السبت ذهبن, فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا.
حتى إذا كان يوم السبت أتين إليهم شرعا, حتى إذا ذهب السبت ذهبن.
فكانوا كذلك, حتى إذا طال عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتان, (52) عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت، فخزمه بخيط, ثم أرسله في الماء, وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه، ثم تركه.
حتى إذا كان الغد، جاء فأخذه - أي: إني لم آخذه في &; 2-170 &; يوم السبت - ثم انطلق به فأكله.
حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان!
ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل.
(53) قال: ففعلوا كما فعل, وأكلوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم بعقوبة، حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق.
وقالت طائفة منهم من أهل البقيّة: (54) ويحكم!
اتقوا الله!
ونهوهم عما كانوا يصنعون.
وقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لسخطنا أعمالهم - وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الأعراف: 164]، قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم, وفقدوا الناس فلا يرونهم.
فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنا!
فانظروا ما هو!
فذهبوا ينظرون في دورهم, فوجدوها مغلقة عليهم, قد دخلوا ليلا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم, فأصبحوا فيها قردة, وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد, والمرأة بعينها وإنها لقردة, والصبي بعينه وإنه لقرد.
قال: يقول ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء، لقلنا أهلك الجميع منهم.
قالوا: وهي القرية التي قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية [ الأعراف: 163] .
1140 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة &; 2-171 &; خاسئين): أحلت لهم الحيتان، وحرمت عليهم يوم السبت بلاء من الله، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.
فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونهى عن المعصية, وأما صنف فأمسك عن حرمة الله، وأما صنف فانتهك حرمة الله ومرد على المعصية.
فلما أبوا إلا الاعتداء إلى ما نهوا عنه, قال الله لهم: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فصاروا قردة لها أذناب, تعاوى بعد ما كانوا رجالا ونساء.
1141 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت)، قال: نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت, فكانت تشرع إليهم يوم السبت, وبلوا بذلك، فاعتدوا فاصطادوها, فجعلهم الله قردة خاسئين.
1142 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ " قال: فهم أهل " أيلة ", وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت - وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا - لم يبق في البحر حوت إلا خرج، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء.
فإذا كان يوم الأحد لزمن سُفل البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت.
فذلك قوله: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [ الأعراف: 163]، فاشتهى بعضهم السمك, فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرا إلى البحر.
فإذا كان يوم السبت فتح النهر, فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة.
ويريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر, فيمكث [فيها].
(55) فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه.
فجعل الرجل يشوي &; 2-172 &; السمك, فيجد جاره ريحه, فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره.
حتى إذا فشا فيهم أكل السمك، قال لهم علماؤهم: ويحكم!
إنما تصطادون السمك يوم السبت وهو لا يحل لكم!
فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه, فقال الفقهاء: لا ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل.
فقالوا: لا!
وعتوا أن ينتهوا.
فقال بعض الذين نهوهم لبعض: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [ الأعراف: 164]، يقول: لم تعظونهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟
فقال بعضهم: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الأعراف: 164].
فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة.
فقسموا القرية بجدار, ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا, ولعنهم داود.
فجعل المسلمون يخرجون من بابهم والكفار من بابهم.
فخرج المسلمون ذات يوم، ولم يفتح الكفار بابهم.
فلما أبطئوا عليهم، تسور المسلمون عليهم الحائط, فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض, ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض.
فذلك قول الله عز وجل: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [ الأعراف: 166]، فذلك حين يقول: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [ المائدة: 78]، فهم القردة.
1143 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ " .
قال: لم يمسخوا، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا (56) .
1144 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن &; 2-173 &; ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ".
قال: مسخت قلوبهم, ولم يمسخوا قردة, وإنما هو مثل ضربه الله لهم، كمثل الحمار يحمل أسفارا.
* * * قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف.
(57) وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت, (58) كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء: 153]، وأن الله تعالى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم، وأنهم عبدوا العجل, فجعل توبتهم قتل أنفسهم, وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [ المائدة: 24] فابتلاهم بالتيه.
فسواء قائل قال: (59) هم لم يمسخهم قردة, وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم.
(60) ومن أنكر شيئا من ذلك وأقر بآخر منه, سئل البرهان على قوله، وعورض -فيما أنكر من ذلك- بما أقر به, ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح.
هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه.
وكفى دليلا على فساد قول، إجماعها على تخطئته.
* * * &; 2-174 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) قال أبو جعفر: يعني بقوله: (فقلنا لهم) أي: فقلنا للذين اعتدوا في السبت - يعني في يوم السبت.
* * * وأصل " السبت " الهدوّ والسكون في راحة ودعة, ولذلك قيل للنائم " مسبوت " لهدوّه وسكون جسده واستراحته, كما قال جل ثناؤه: وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا [ النبأ: 9] أي راحة لأجسادكم.
وهو مصدر من قول القائل: " سبت فلان يسبت سبتا ".
وقد قيل: إنه سمي" سبتا "، لأن الله جل ثناؤه فرغ يوم الجمعة - وهو اليوم الذي قبله - من خلق جميع خلقه.
* * * وقوله: (كونوا قردة خاسئين)، أي: صيروا كذلك.
* * * و " الخاسئ" المبعد المطرود، كما يخسأ الكلب يقال منه: " خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا, وهو يخسأ خسوءا ".
قال: ويقال: " خسأته فخسأ وانخسأ ".
ومنه قول الراجز: كالكلـب إن قلـت له اخســأ انخســأ (61) يعني: إن طردته انطرد ذليلا صاغرا.
فكذلك معنى قوله: (كونوا قردة خاسئين) أي، مبعدين من الخير أذلاء صغراء، (62) كما:- 1145 - حدثنا محمد بن بشار, (63) قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (كونوا قردة خاسئين) قال: صاغرين.
1146 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن رجل, عن مجاهد مثله.
1147 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
1148 - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: (خاسئين)، قال: صاغرين.
1149 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: (كونوا قردة خاسئين)، أي أذلة صاغرين.
1150 - وحدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: خاسئا، يعني ذليلا.
--------------------- الهوامش : (46) سيأتي دليل هذا من تفسير ابن عباس في رقم : 1138 .
(47) انظر ما مضى من هذا الجزء : 2 : 142 .
(48) سياق عبارته : مما عدد الله على بني إسرائيل .
.
.
ما كانوا يبرمون من العقود" ، وما بينهما فصل بصفة"بني إسرائيل" .
(49) في المطبوعة : "بما أمره الله تعالى به ونبيه صلى الله عليه وسلم" ، وهي جملة غير صحيحة ، صححتها كما ترى .
(50) سبت : سكن ، وقولهم : "سبت له" ، يريدون : خشع له وانقطع عن كل عمل إلا عبادته سبحانه وانظر ما سيأتي ص : 174 .
(51) هذه الزيادة من تفسير ابن كثير 1 : 193 ، والدر المنثور 1 : 75 ، وهي زيادة لا بد منها .
وفي المطبوعة بعدها؛"ولم تأكل ولم تشرب ، ولم تنسل" خطأ .
(52) القرم : شدة الشهوة إلى اللحم ، قرم يقرم (بفتح الراء) قرما (بفتحتين) .
(53) عثر على الأمر : اطلع عليه وكان خافيا .
وفي المطبوعة : "على ما صنع" ، وأثبت نص ابن كثير في التفسير 1 : 194 .
(54) في المطبوعة : "من أهل التقية" ، وهو خطأ محض .
أهل البقية : هم أهل التمييز والفهم ، يبقون على أنفسهم بطاعة الله ، وبتمسكهم بالدين المرضي .
وفلان بقية : فيه فضل وخير فيما يمدح به وسيأتي بعد على الصواب .
وقال الله تعالى : ( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ) [سورة هود : 116] .
(55) الزيادة من تفسير ابن كثير 1 : 195 .
(56) سورة الجمعة: 54 .
(57) انظر معنى"ظاهر" فيما سلف 2 : 15 والمراجع .
(58) سورة المائدة : 60 .
(59) في المطبوعة : "فسواء قال قائل" ، وسياق العبارة يقتضي التقديم .
لقوله"وآخر قال" .
(60) في المطبوعة : "والعقوبات والأنكال" ، ليس صوابا .
والنكال : العذاب الشديد يكون عبرة للناس حتى ينكلوا عن شيء ويخافوه .
وأما"الأنكال" فجمع نكل : وهو القيد .
(61) لسان العرب : (خسأ) ، وروايته : "إن قيل له" .
(62) صاغر ، جمعه صغرة (بفتحات) .
وهذا ما نصوا عليه ، ولم أجد"صغراء" على وزن جهلاء ، وهو جمع في بعض الصفات التي على وزن"فاعل" ، مثل شاعر وشعراء ، وعالم وعلماء .
فهم يشبهون"فاعلا" بـ "فعيل" نحو كريم وكرماء ، فيجمعونه كجمعه .
(63) في المطبوعة"حدثنا بشار" وهو خطأ لا شك فيه ، وأقرب إسناد مثله مر بنا هو رقم : 1062 .
قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئينفيه سبع مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت علمتم معناه عرفتم أعيانهم .
وقيل : علمتم أحكامهم .
والفرق بينهما أن المعرفة متوجهة إلى ذات المسمى .
والعلم متوجه إلى أحوال المسمى .
فإذا قلت : عرفت زيدا ، فالمراد شخصه ، وإذا قلت : علمت زيدا ، فالمراد به العلم بأحواله من فضل ونقص .
فعلى الأول يتعدى الفعل إلى مفعول واحد ، وهو قول سيبويه : علمتم بمعنى عرفتم .
وعلى الثاني إلى مفعولين ، وحكى الأخفش ولقد علمت زيدا ولم أكن أعلمه .
وفي التنزيل : لا تعلمونهم الله يعلمهم كل هذا بمعنى المعرفة ، فاعلم .
الذين اعتدوا منكم في السبت صلة الذين .
والاعتداء .
التجاوز ، وقد تقدم .الثانية : روى النسائي عن صفوان بن عسال قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي .
فقال له صاحبه : لا تقل نبي لو سمعك ، فإن له أربعة أعين .
فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات ، فقال لهم : لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ، ولا تسحروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تقذفوا المحصنة ، ولا تولوا يوم الزحف ، وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت .
فقبلوا يديه ورجليه وقالوا : نشهد أنك نبي .
قال : فما يمنعكم أن تتبعوني ؟
قالوا : إن داود دعا بألا يزال من ذريته نبي ، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود .
وخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
وسيأتي لفظه في سورة " سبحان " إن شاء الله تعالى .الثانية : روى النسائي عن صفوان بن عسال قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي .
فقال له صاحبه : لا تقل نبي لو سمعك ، فإن له أربعة أعين .
فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات ، فقال لهم : لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ، ولا تسحروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تقذفوا المحصنة ، ولا تولوا يوم الزحف ، وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت .
فقبلوا يديه ورجليه وقالوا : نشهد أنك نبي .
قال : فما يمنعكم أن تتبعوني ؟
قالوا : إن داود دعا بألا يزال من ذريته نبي ، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود .
وخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
وسيأتي لفظه في سورة " سبحان " إن شاء الله تعالى .الثالثة : في السبت معناه في يوم السبت ، ويحتمل أن يريد في حكم السبت .
والأول قول الحسن ، وأنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال .
وروى أشهب عن مالك قال : زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل منهم خيطا ويضع فيه وهقة وألقاها في ذنب الحوت ، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى الأحد ، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع لا يبتلى ، حتى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق ، وأعلن الفسقة بصيده .
فقامت فرقة [ ص: 411 ] فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت .
ويقال : إن الناهين قالوا : لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار .
فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن للناس لشأنا ، فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة ، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم ، فعرفت القردة أنسابها من الإنس ، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة ، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فيقول : ألم ننهكم ؟
فتقول برأسها : نعم .
قال قتادة : صار الشبان قردة ، والشيوخ خنازير ، فما نجا إلا الذين نهوا ، وهلك سائرهم .
وسيأتي في " الأعراف " قول من قال : إنهم كانوا ثلاث فرق .
وهو أصح من قول من قال : إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين .
والله أعلم .والسبت مأخوذ من السبت وهو القطع ، فقيل : إن الأشياء سبتت وتمت خلقتها .
وقيل : هو مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة .واختلف العلماء في الممسوخ هل ينسل على قولين .
قال الزجاج : قال قوم : يجوز أن تكون هذه القردة منهم .
واختاره القاضي أبو بكر بن العربي .
وقال الجمهور : الممسوخ لا ينسل ، وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك ، والذين مسخهم الله قد هلكوا ولم يبق لهم نسل ؛ لأنه قد أصابهم السخط والعذاب ، فلم يكن لهم قرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام .
قال ابن عباس : لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل .
قال ابن عطية : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أن الممسوخ لا ينسل ، ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام .قلت : هذا هو الصحيح من القولين .
وأما ما احتج به ابن العربي وغيره على صحة القول الأول من قوله صلى الله عليه وسلم : فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ؛ ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته .
رواه أبو هريرة أخرجه مسلم ، وبحديث الضب ، رواه مسلم أيضا عن أبي سعيد وجابر ، قال جابر : أتي [ ص: 412 ] النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه ، وقال : ( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ) فمتأول على ما يأتي .
قال ابن العربي : وفي البخاري عن عمرو بن ميمون أنه قال : رأيت في الجاهلية قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم .
ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها ، وثبت في نص الحديث " قد زنت " وسقط هذا اللفظ عند بعضهم .
قال ابن العربي : فإن قيل : وكأن البهائم بقيت فيهم معارف الشرائع حتى ورثوها خلفا عن سلف إلى زمان عمرو ؟
قلنا : نعم ، كذلك كان ؛ لأن اليهود غيروا الرجم فأراد الله أن يقيمه في مسوخهم حتى يكون أبلغ في الحجة على ما أنكروه من ذلك وغيروه ، حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم ومسوخهم ، حتى يعلموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، ويحصي ما يبدلون وما يغيرون ، ويقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون وينصر نبيه عليه السلام ، وهم لا ينصرون .قلت : هذا كلامه في الأحكام ، ولا حجة في شيء منه .
وأما ما ذكره من قصة عمرو فذكر الحميدي في جمع الصحيحين : حكى أبو مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون الأودي في الصحيحين حكاية من رواية حصين عنه قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة فرجموها فرجمتها معهم .
كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أي موضع أخرجه البخاري من كتابه ، فبحثنا عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها ، فذكر في كتاب " أيام الجاهلية " .وليس في رواية النعيمي عن الفربري أصلا شيء من هذا الخبر في القردة ، ولعلها من المقحمات في كتاب البخاري .
والذي قال البخاري في التاريخ الكبير : قال لي نعيم بن حماد أخبرنا هشيم عن أبي بلج وحصين عن عمرو بن ميمون قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم .
وليس فيه " قد زنت " .
فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاري دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يبال بظنه الذي ظنه في الجاهلية .
وذكر أبو عمر في " الاستيعاب " : عمرو بن ميمون وأن كنيته أبو عبد الله " معدود في كبار التابعين من الكوفيين ، وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة إن صح ذلك ؛ لأن رواته مجهولون .
وقد ذكره البخاري عن نعيم عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون الأودي مختصرا قال : رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها - يعني القردة - فرجمتها معهم .
ورواه عباد بن العوام عن حصين كما رواه هشيم مختصرا .
وأما القصة بطولها فإنها تدور على [ ص: 413 ] عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان ، وليسا ممن يحتج بهما .
وهذا عند جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنى إلى غير مكلف ، وإقامة الحدود في البهائم .
ولو صح لكانوا من الجن ؛ لأن العبادات في الإنس والجن دون غيرهما " .
وأما قوله عليه السلام في حديث أبي هريرة : ( ولا أراها إلا الفأر ) وفي الضب : ( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ) وما كان مثله - فإنما كان ظنا وخوفا لأن يكون الضب والفأر وغيرهما مما مسخ ، وكان هذا حدسا منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل للمسخ نسلا ، فلما أوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوف ، وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ ، وعند ذلك أخبرنا بقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن القردة والخنازير : هي مما مسخ ، فقال : إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك .
وهذا نص صريح صحيح رواه عبد الله بن مسعود ، أخرجه مسلم في كتاب القدر .
وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم ينكر ، فدل على صحة ما ذكرنا .
وبالله توفيقنا .
وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط ، وردت أفهامهم كأفهام القردة .
ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم ، والله أعلم .قوله تعالى : فقلنا لهم كونوا قردة " قردة " خبر كان .
" خاسئين " نعت ، وإن شئت جعلته خبرا ثانيا ل " كان " ، أو حالا من الضمير في " كونوا " .
ومعناه مبعدين .
يقال : خسأته فخسأ وخسئ ، وانخسأ أي : أبعدته فبعد .
وقوله تعالى : ينقلب إليك البصر خاسئا أي : مبعدا .
وقوله : " اخسئوا فيها " أي : تباعدوا تباعد سخط .
قال الكسائي : خسأ الرجل خسوءا ، وخسأته خسأ .
ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر القميء .
يقال : قمؤ الرجل قماء وقماءة صار قميئا ، وهو الصاغر الذليل .
وأقمأته : صغرته وذللته ، فهو قميء على فعيل .
أي: ولقد تقرر عندكم حالة { الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ } وهم الذين ذكر الله قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف في قوله: { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ } الآيات.
فأوجب لهم هذا الذنب العظيم, أن غضب الله عليهم وجعلهم { قِرَدَةً خَاسِئِينَ } حقيرين ذليلين.
قوله تعالى: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} أي جاوزوا الحد.
وأصل السبت: القطع، قيل: سمي يوم السبت بذلك لأن الله تعالى قطع فيه الخلق، وقيل: لأن اليهود أمروا فيه بقطع الأعمال.
والقصة فيه: أنهم كانوا زمن داود عليه السلام بأرض يقال لها أيلة حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك حتى يخرجن خراطيمهن من الماء لأمنها، حتى لا يرى الماء من كثرتها، فإذا مضى السبت تغرقن ولزمن مقل البحر، فلا يرى شيء منها فذلك قوله تعالى: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [163-الأعراف].
ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر، وشرعوا منها إليها الأنهار، فإذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها، فإذا كان يوم الأحد أخذوها.
وقيل: كانوا يسوقون الحيتان إلى (الحياض) يوم السبت ولا يأخذونها ثم يأخذوها يوم الأحد.
وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشخوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد ففعلوا ذلك زماناً ولم تنزل عليهم عقوبة فتجرؤوا على الذنب وقالوا: ما نرى السبت إلا وقد أحل لنا فأخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا واشتروا وكثر مالهم، فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية، وكان نحواً من سبعين ألفاً، ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفاً، فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وعبروا بذلك سنتين، فلعنهم داود عليه السلام، وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية، فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم، فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم جميعاً قردة لها أذناب يتعاوون.
قال قتادة: "صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث مسخ ثلاثة أيام ولم يتوالدوا".
قال الله تعالى: {فقلنا لهم كونوا قردة} أمر تحويل وتكوين.
{خاسئين} مبعدين مطرودين.
وقيل: فيه تقديم وتأخير أي كونوا خاسئين قردة ولذلك لم يقل خاسئات، والخسأ الطرد والإبعاد، وهو لازم ومتعد يقال: خسأته خسأً فخسأ خسوءاً مثل: رجعته رجعاً فرجع رجوعاً.
«ولقد» لام قسم «علمتم» عرفتم «الذين اعتدوا» تجاوزوا الحد «منكم في السبت» بصيد السمك وقد نهيناهم عنه وهم أهل آيلة «فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين» مبعدين فكانوا وهلكوا بعد ثلاثة أيام.
ولقد علمتم -يا معشر اليهود- ما حلَّ من البأس بأسلافكم من أهل القرية التي عصت الله، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، فاحتالوا لاصطياد السمك في يوم السبت، بوضع الشِّباك وحفر البِرَك، ثم اصطادوا السمك يوم الأحد حيلة إلى المحرم، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله قردة منبوذين.
ثم ذكرهم - سبحانهن - بسوء عاقبة الذين اعتدوا منهم في السبت ، وحذرهم من أن بنهجوا نهجهم فقال - تعالى - :( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي .
.
.
)الاعتداء : مجاوزة الحد ، يقال : اعتدى فلان وتعدى إذا ظلم .والسبت : المراد به اليوم المسمى بهذا الاسم ، وأصل السبت - كما قال ابن جرير - الهدوء والسكون في راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم : مسبوت لهدوئه وسكون جسده واستراحته كما قال - جل ثناؤه - ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ) أي راحة لأبدانكم ، وهو مصدر ، من قول القائل سبت فلان يَسبِت سبتاً .وملخص قصة اعتداء بني إسرائيل في يوم السبت ، أن الله - تعالى - أخذ عليهم عهداً بأن يتفرغو لعبادته في ذلك اليوم ، وحرم عليهم الاصطياد فيه دون سائر الأيام ، وقد أراد - سبحانه - أن يختبر استعدادهم للوفاء بعودهم ، فابتلاهم بتكاثر الحيتان في يوم السبت دون غيره ، فكانت تتراءى لهم على الساحل في ذلك اليوم قريبة المأخذ سهلة الاصطياد فقالوا : لو حفرنا إلى جانب ذلك البحر الذي يزخر بالأسماك يوم السبت حياضاً تنساب إليها المياه في ذلك اليوم ثم نصطادها من تلك الحياض في يوم الأحد وما بعده ، وبذلك نجمع بين حترام ما عهد إلينا في يوم السبت ، وبين ما تشتهيه أنفسنا من الحصول على تلك الأسماك ، فنصحهم فريق منهم بأن عملهم هذا إنما هو امتثال ظاهري لأمر الله ، ولكنه في حقيقته خروج عن أمره من ترك الصيد في يوم السبت ، فلم يعبأ أكثرهم بذلك ، بل نفذ تلك الحيلة ، فغضب الله عليهم ومسخهم قردة ، وجعلهم عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم .والحديث عن أصحاب السبت قد جاء ذكره مفصلا في سورة الأعراف كما جاءت الإِشارة إليه في سورتي النحل والنساء .ثم بين - سبحانه - العقوبة التي حلت بهم بسبب اعتدائهم في يوم السبت ، وتحايلهم على استحلال محارم الله فقال - تعالى : -( كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) .أي : صاغرين مطرودين مبعدين عن الخير أذلاء .والخسوء : الطرد والإِبعاد ، يقال : خسأت الكلب خسأ وخسوءاً - من باب منع - طردته وزجرته ، وذلك إذا قلت له : اخسأ .وجمهور المفسرين على أنهم مسخوا على الحقيقة ثم ماتوا بعد ذلك بوقت قصير .ويرى مجاهد أنهم لم تمسخ صورهم ولكن مسخت قلوبهم ، أي : إنهم مسخوا مسخاً نفسياً فصاروا كالقردة في شرورها وإفسادها لما تصل إليه أيديها .وتلك العقوبة كانت بسبب إمعانهم في المعاصي ، وتأبيهم عن قبول النصيحة ، وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم ، وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم عن خصائص الإِنسان ، فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان .والضمير في قوله : ( فَجَعَلْنَاهَا ) يعود إلى العقوبة التي هي مسخهم قردة و ( نَكَالاً ) أي عبرة تنكل المعتبر بها بحيث تمنعه وتردعه من ارتكاب الشر .يقال : نكل به تنكيلا إذا صنع به صنعاً يردعه ويجعل غيره يخاف ويحذر .والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك ، وأصله من النكل - بالكسر - وهو القيد الشديد وجمعه أنكال .
اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم: أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم ﴾ ففيه بحثان: الأول: اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوهاً، أحدها: ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه ألبتة وهو قول الأصم.
وثانيها: ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم: إن فيها كتاب الله فقالوا: لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول: هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك: خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علماً لموسى عليه السلام علماً مضافاً إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهداً موثقاً جعلوه لله على أنفسهم، وهذا هو اختيار أبي مسلم.
وثالثها: أن لله ميثاقين، فالأول: حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم، والثاني: أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد هاهنا هو هذا العهد.
هذا قول ابن عباس وهو ضعيف.
الثاني: قال القفال رحمه الله: إنما قال: (ميثاقكم) ولم يقل مواثيقكم لوجهين، أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ أي كل واحد منكم.
والثاني: أنه كان شيئاً واحداً أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقاً واحداً ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا فوقكم الطور ﴾ فنظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: الواو في قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا ﴾ واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال: فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم.
الثاني: قيل: إن الطور كل جبل قال العجاج: داني جناحيه من الطور فمر *** تقضي البازي إذا البازي كسر أما الخليل فقال في كتابه: إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم، والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضاً على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد، وقال ابن عباس: أمر تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان المعسكر فرسخاً في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجوداً يلاحظون الجبل، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم.
الثالث: من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب أن يكون الله قادراً عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول.
الرابع: قال بعضهم: إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف.
أجاب القاضي بأنه لا يلجيء لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز هاهنا أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف.
أما قوله تعالى: ﴿ خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ﴾ أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل، قال الجبائي: هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال: خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال: اكتب بالقلم ولا قلم، وأجاب أصحابنا بأن المراد: خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل.
وأما قوله تعالى: ﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه.
فإن قيل: هلا حملتموه على نفس الذكر؟
قلنا: لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به.
فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال.
أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي لكي تتقوا، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل، وجوابه ما تقدم.
واعلم أن المفهوم من قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ﴾ أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذاً للميثاق ولا صح قوله من بعد: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فدل ذلك منهم على القبول والالتزام.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك ﴾ أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به، قال القفال رحمه الله: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله.
والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ الخاسرين ﴾ ففيه بحثان: الأول: ذكر القفال في تفسيره وجهين: الأول: لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا.
الثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك ﴾ ثم قيل: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ رجوعاً بالكلام إلى أوله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم.
البحث الثاني: أن لقائل أن يقول كلمة ﴿ لَوْلاَ ﴾ تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى.
وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة: أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم: لولا أن أباك فضلك لكنت فقيراً، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة نصوا على أن: لولا تفيد اتنفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي ساقط جداً.
إن الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون ﴿ والذين هَادُواْ ﴾ والذين تهوّدوا.
يقال: هاد يهود.
وتهوّد إذا دخل في اليهودية، وهو هائد، والجمع هود.
﴿ والنصارى ﴾ وهو جمع نصران.
يقال: رجل نصران، وامرأة نصرانة، قال: نصرانة لم تحنف.
والياء في نصرانيّ للمبالغة كالتي في أحمريّ.
سموا لأنهم نصروا المسيح.
﴿ والصابئين ﴾ وهو من صبأ: إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة ﴿ مَنْ ءامَنَ ﴾ من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً ودخل في ملة الإسلام دخولاً أصيلاً ﴿ وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم.
فإن قلت: ما محل من آمن؟
قلت: الرفع إن جعلته مبتدأ خبره ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والنصب إن جعلته بدلاً من اسم إنّ المعطوف عليه.
فخبر إنّ في الوجه الأول الجملة كما هي وفي الثاني فلهم أجرهم.
والفاء لتضمن ﴿ مَنْ ﴾ معنى الشرط.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ﴾ بِاتِّباعِ مُوسى والعَمَلِ بِالتَّوْراةِ.
﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ حَتّى أعْطَيْتُمُ المِيثاقَ، رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ فَرَأوْا ما فِيها مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ وأبَوْا قَبُولَها، فَأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَلَعَ الطُّورَ فَظَلَّلَهُ فَوْقَهم حَتّى قَبِلُوا.
﴿ خُذُوا ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ: ﴿ ما آتَيْناكُمْ ﴾ مِنَ الكِتابِ بِقُوَّةٍ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ.
﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ ادْرُسُوهُ ولا تَنْسَوْهُ، أوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ بِالقَلْبِ، أوِ اعْمَلُوا بِهِ.
﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ لِكَيْ تَتَّقُوا المَعاصِيَ، أوْ رَجاءً مِنكم أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ.
ويَجُوزُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالقَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ: قُلْنا خُذُوا واذْكُرُوا إرادَةَ أنْ تَتَّقُوا.
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ بَعْدَ أخْذِهِ.
﴿ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ، أوْ بِمُحَمَّدٍ يَدْعُوكم إلى الحَقِّ ويَهْدِيكم إلَيْهِ.
﴿ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ المَغْبُونِينَ بِالِانْهِماكِ في المَعاصِي، أوْ بِالخَبْطِ والضَّلالِ في فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ.
ولَوْ في الأصْلِ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَإذا دَخَلَ عَلى (لا) أفادَ إثْباتًا وهو امْتِناعُ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ واجِبُ الحَذْفِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وسَدَّ الجَوابُ مَسَدَّهُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} عرفتم فيتعدى إلى مفعول واحد {الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت} هو مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت وقد اعتدوا فيه أى جاوزوا ماحدلهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد وذلك أن الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت ثم ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت فإذا مضى تفرقت فحفورا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد فكانوا يسدون مشارعها من
البقرة (٦٥ _ ٦٨)
البحر فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ} بتكويننا إياكم {قِرَدَةً خاسئين} خبر كان أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء وهو الصغار والطرد
﴿ ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ ﴾ اللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، وعَلِمَ هُنا كَعَرَفَ، فَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وظاهِرُ هَذا أنَّهم عَلِمُوا أعْيانَ المُعْتَدِينَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا، أيِ اعْتِداءَ الَّذِينَ، وقِيلَ: أحْكامَهُمْ، (ومِنكُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، والسَّبْتُ اسْمٌ لِلْيَوْمِ المَعْرُوفِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبْتِ الَّذِي هو القَطْعُ، لِأنَّهُ سُبِتَ فِيهِ خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وعَمَلُهُ، وقِيلَ: مِنَ السُّبُوتِ، وهو الرّاحَةُ، والدَّعَةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا اليَوْمُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ في حُكْمِ السَّبْتِ، لِأنَّ الِاعْتِداءَ والتَّجاوُزَ لَمْ يَقَعْ في اليَوْمِ، بَلْ وقَعَ في حُكْمِهِ بِناءً عَلى ما حُكِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ يَوْمًا خالِصًا لِلطّاعَةِ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ فَخالَفُوهُ، وقالُوا: نَجْعَلُهُ يَوْمَ السَّبْتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ دَعْهُمْ، وما اخْتارُوا، ثُمَّ امْتَحَنَهم فِيهِ، فَأمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ صَيْدَ الحِيتانِ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَدَوْا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ قَرْيَةً عَلى السّاحِلِ يُقالُ لَها أيْلَةُ، وإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ في البَحْرِ إلّا حُظِرَ هُناكَ، وأخْرَجَ خُرْطُومَهُ، وإذا مَضى تَفَرَّقَتْ، فَحَفَرُوا حِياضًا، وأشْرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ، وكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ بِالمَوْجِ، فَلا تَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ لِبُعْدِ العُمْقِ، وقِلَّةِ الماءِ، فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ، ورُوِيَ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ زَمانًا فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ، فاسْتَبْشَرُوا، وقالُوا: قَدْ أُحِلَّ لَنا العَمَلُ في السَّبْتِ، فاصْطادُوا فِيهِ عَلانِيَةً وباعُوا في الأسْواقِ، وعَلى هَذا يَصِحُّ جَعْلُ اليَوْمِ ظَرْفًا لِلِاعْتِداءِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّبْتِ هُنا مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، ولَيْسَ بِمَعْنى اليَوْمِ، فَحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، إذْ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُمُ اعْتَدَوْا في التَّعْظِيمِ، وهَتَكُوا الحُرْمَةَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ تَسْمِيَةَ العَرَبِ لِلْأيّامِ بِهَذِهِ الأسْماءِ المَشْهُورَةِ حَدَثَتْ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ أسْماءَها قَبْلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: أُؤَمِّلُّ أنْ أعِيشَ وأنَّ يَوْمِي بِأوَّلَ أوْ بِأهْوَنَ أوْ جُبارِ أوِ التّالِي دُبارٍ فَإنْ أفُتْهُ فَمُونِسٍ ∗∗∗ أوْ عَرُوبَةَ أوْ شِبارِ واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الحِيَلِ في الأُمُورِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ كالرِّبا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ، فَلا تَجُوزُ عِنْدَهُ بِحالٍ، قالَ الكَواشِيُّ: وجَوَّزَها أكْثَرُهم ما لَمْ يَكُنْ فِيها إبْطالُ حَقٍّ، أوْ إحْقاقُ باطِلٍ، وأجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ فَأنَّها لَيْسَتْ حِيلَةٌ، وإنَّما هي عَيْنُ المَنهِيِّ عَنْهُ، لِأنَّهم إنَّما نُهُوا عَنْ أخْذِها، ولا يَخْفى ما في هَذا الجَوابِ، وتَحْقِيقُهُ في كُتُبِ الفِقْهِ، ﴿ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ القِرَدَةُ جَمْعُ قِرْدٍ، وهو مَعْرُوفٌ ويُجْمَعُ فِعْلٌ الِاسْمُ قِياسًا عَلى فُعُولٍ وقَلِيلًا عَلى فِعَلَةٍ، والخُسُوُّ الصَّغارُ والذِّلَّةُ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْكَلْبِ: أخْسَأْ، وقِيلَ: الخُسُوءُ والخَسْأُ مَصْدَرُ خَسَأ الكَلْبُ بَعُدَ، وبَعْضُهم ذَكَرَ الطَّرْدَ عِنْدَ تَفْسِيرِ الخُسُوءِ كالإبْعادِ، فَقِيلَ: هو لِاسْتِيفاءِ مَعْناهُ لا لِبَيانِ المُرادِ، وإلّا لَكانَ الخاسِئُ بِمَعْنى الطّارِدِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ في المَفْهُومِ إلّا أنَّهُ بِالمَعْنى المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ الإبْعادُ، فالخاسِئُ الصّاغِرُ المُبْعَدُ المَطْرُودُ، وظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً عَلى الحَقِيقَةِ، وعَلى ذَلِكَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهو الصَّحِيحُ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنهم أنَّهم بَعْدَ أنْ مُسِخُوا لَمْ يَأْكُلُوا، ولَمْ يَشْرَبُوا، ولَمْ يَتَناسَلُوا، ولَمْ يَعِيشُوا أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم عاشُوا سَبْعَةَ أيّامٍ، وماتُوا في اليَوْمِ الثّامِنِ، واخْتارَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ أنَّهم عاشُوا، وأنَّ القِرَدَةَ المَوْجُودِينَ اليَوْمَ مِن نَسْلِهِمْ، ويَرُدُّهُ ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِمَن سَألَهُ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ أهِيَ مِمّا مُسِخَ؟
(إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)،» ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ ما مُسِخَتْ صُوَرُهم ولَكِنْ مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، فَلا تَقْبَلُ وعْظًا، ولا تَعِي زَجْرًا، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَشْبِيهُهم بِالقِرَدَةِ كَقَوْلِهِ: إذا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ ولَمْ تَدْرِ ما الهَوى ∗∗∗ فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدا (وكُونُوا) عَلى الأوَّلِ لَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقَةً لِأنَّ صَيْرُورَتَهم إلى ما ذُكِرَ لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لَهُمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ أعْيانِهِمْ، بَلِ المُرادُ مِنهُ سُرْعَةُ التَّكْوِينِ، وأنَّهم صارُوا كَذَلِكَ، كَما أرادَ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ، ولا لُبْثٍ.
وعَلى الثّانِي يَكُونُ الأمْرُ مَجازًا عَنِ التَّخْلِيَةِ، والتَّرْكِ، والخِذْلانِ، كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(اصْنَعْ ما شِئْتَ)،» وقَدْ قَرَّرَهُ العَلّامَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا ﴾ والمَنصُوبانِ خَبَرانِ لِلْفِعْلِ النّاقِصِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ خاسِئِينَ حالًا مِنَ الِاسْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ(قِرَدَةً)، والمُرادُ وصْفُهم بِالصَّغارِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنْ يُجْعَلَ مُسْخُهم وتَعْجِيلُ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا لِدَفْعِ ذُنُوبِهِمْ، ورَفْعِ دَرَجاتِهِمْ.
واعْتُرِضَ أنَّهُ لَوْ كانَ صِفَةً لَها لَوَجَبَ أنْ يَقُولَ: خاسِئَةً لِامْتِناعِ الجَمْعِ بِالواوِ والنُّونِ في غَيْرِ ذَوِي العِلْمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى تَشْبِيهِهِمْ بِالعُقَلاءِ، كَما في ساجِدِينَ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، أوْ بِأنَّ المَسْخَ إنَّما كانَ بِتَبَدُّلِ الصُّورَةِ فَقَطْ، وحَقِيقَتُهم سالِمَةٌ عَلى ما رُوِيَ أنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ يَأْتِيهِ الشَّخْصُ مِن أقارِبِهِ الَّذِينَ نَهَوْهم فَيَقُولُ لَهُ: ألَمْ أنْهَكَ؟
فَيَقُولُ: بَلى، ثُمَّ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلى خَدِّهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ في الآيَةِ بِمَسْخِ شَيْءٍ مِنهم خَنازِيرَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الشَّبابَ صارُوا قِرَدَةً، والشُّيُوخَ صارُوا خَنازِيرَ، وما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا، وهَلَكَ سائِرُهُمْ، وقُرِئَ (قَرِدَةً) بِفَتْحِ القافِ، وكَسْرِ الرّاءِ، و(خاسِينَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ، قال ابن عباس: هما ميثاقان الميثاق الأول: حين أخرجهم من صلب آدم- - والميثاق الثاني: الذي أخذ في التوراة وسائر الكتب.
وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وذلك أن موسى- -، لما أتاهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التغليظ والأمر والنهي، شق ذلك عليهم فأبوا أن يقبلوها.
وإن الله تعالى قد منّ على هذه الأمة حيث فرض عليهم الفرائض واحداً بعد واحد، ولم يفرض عليهم جملة، فإذا استقر الواحد في قلوبهم فرض الآخر.
وأما بنو إسرائيل، فقد فرض عليهم دفعة واحدة فشق ذلك عليهم ولم يقبلوا، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا جبلاً من جبال فلسطين فوق رؤوسهم، وكان عسكر موسى فرسخاً في فرسخ والجبل مثل ذلك، فلما رأوا أنه لا مهرب لهم منه، قبلوا التوراة وسجدوا من المهابة والفزع، وهم يلاحظون في سجودهم الجبل، فمن ذلك يسجد بعض اليهود على أنصاف وجوههم، فذلك قوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ.
والطور: اسم جبل بالسريانية: ويقال: هو جبل ذو أشجار.
ثم قال تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ، أي قيل لهم: اعملوا بما آتيناكم بجد ومواظبة واعملوا في طاعة الله وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ.
قال بعضهم: اعملوا بما فيه.
وقال بعضهم: اذكروا ما فيه من الثواب والعقاب، لكي يسهل عليكم القبول.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أي لكي تتقوا عقوبته في المعصية فتمتنعوا عنها.
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، أي أعرضتم مِن بَعْدِ ذلك الإقرار، يعني من بعد ما رفع عنكم الجبل.
فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أي منّ الله عليكم وَرَحْمَتُهُ بتأخير العذاب، لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ بالعقوبة.
ويقال: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال الرسل إليكم لكيلا تقيموا على الكفر، لكنتم من الخاسرين بالعقوبة.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)
وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ...
الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة «١» ، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز «٢» ، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس «٣» ، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير «٤» .
ت: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ.
انتهى.
وأَدْنى: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ «٥» .
مأخوذٌ من الدّنيء البيّن الدناءة بمعنى:
الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنى بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ.
وجمهور النَّاس يقرءون «مِصْراً» بالتنوين «١» ، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن «٢» ، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ» : وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، واستعبادكم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم.
انتهى.
وقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم، ووَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «٣» معناه: الزموها كما قالت العرب: ضربة لازب، وَباؤُ بِغَضَبٍ: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ.
انتهى.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأشارة ب ذلِكَ إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ تعظيم
للشنعة «١» ، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب.
ويَعْتَدُونَ: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ...
الآية.
اختلف في المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية.
فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقّا بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك لقولهم:
هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦] ، أي: تبنا، وَالنَّصارى لفظةٌ مشتقَّة من/ النَّصْرِ.
قال ص «٢» : وَالصَّابِئِينَ: قرأ الأكثر بالهمز صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع «٣» بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ ومنه: [الهزج]
إلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ...
وهند مثلها يصبي «٤»
انتهى.
قال ع «٥» : والصّابئ في اللغة: من خرج من دين إلى دين.
وأما المشار إليهم في قوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ فقال السديُّ: هم فرقة من أهل
الكتاب «١» ، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم «٢» ، وقال ابنُ جْرَيْج «٣» : هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة «٤» ، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ «٥» ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان «٦» ، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ «٧» .
وقوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ...
الآية: الطُّورَ: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى عليه السلام عليه.
قاله ابنُ عبَّاس «٨» ، وقال مجاهدٌ وغيره: الطُّورَ: اسمٌ لكلِّ جبلٍ «٩» ، وقصص هذه الآية أنَّ موسى عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، والتزموها، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ «١٠» طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ العَمَلِ بِما فِيهِ مِن بَعْدِ إعْطاءِ المَواثِيقِ لَتَأْخُذُنَّهُ بِجِدٍّ، فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ بِالعُقُوبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بـِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وقَرَنَهم بِاليَهُودِ والنَصارى والصابِئِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمُ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن جَمِيعِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ ﴾ -فِي المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ- مَن حَقَّقَ وأخْلَصَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ مَن دَخَلَ في الإيمانِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ يَكُونُ فِيهِمْ، بِمَعْنى: مَن ثَبَتَ ودامَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ بِمَعْنى مَن دَخَلَ فِيهِ.
وقالَ السُدِّيُّ: هم أهْلُ الحَنِيفِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا كَزَيْدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلَ، ﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ، إلّا مَن كَفَرَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، "والنَصارى" كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ، "والصابِئِينَ" كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وذَكَرَ لَهُ الطَبَرِيُّ قِصَّةً طَوِيلَةً، وحَكاها أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ، مُقْتَضاها: أنَّهُ صَحِبَ عُبّادًا مِنَ النَصارى فَقالَ لَهُ آخِرُهُمْ: إنَّ زَمانَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، فَإنْ لَحِقَتْهُ فَآمَنَ بِهِ، ورَأى مِنهم عِبادَةً عَظِيمَةً، فَلَمّا جاءَ إلى النَبِيِّ وأسْلَمَ، ذَكَرَ لَهُ خَبَرَهُمْ، وسَألَهُ عنهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وقَرَّرَ اللهُ بِها أنَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، ومَن بَقِيَ عَلى يَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ وصابِئِيَّتِهِ، وهو يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلَهُ أجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ ما قَرَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ ورُدَّتِ الشَرائِعُ كُلُّها إلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ .
﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: تُبْنا، فاسْمُهم عَلى هَذا مِن هادَ، يَهُودُ.
وقالَ الشاعِرُ: إنِّي امْرُؤٌ مِن مِدْحَتِي هائِدٌ أيْ تائِبٌ، وقِيلَ: نُسِبُوا إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا عُرِّبَ الِاسْمُ لَحِقَهُ التَغْيِيرُ كَما تُغَيِّرُ العَرَبُ في بَعْضِ ما عَرَّبَتْ مِن لُغَةِ غَيْرِها، وحَكى الزَهْراوِيُّ: أنَّ التَهْوِيدَ النُطْقُ في سُكُونٍ ووَقارٍ ولِينٍ، وأنْشَدَ: وخُودٌ مِنَ اللائِي تَسَمَّعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ قَرِيضُ الرُدافى بِالغِناءِ المُهَوَّدِ قالَ: ومِن هَذا سُمِّيَتِ اليَهُودُ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ "هادُوا" بِفَتْحِ الدالِ.
"والنَصارى" لَفْظَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَصْرِ، إمّا لِأنَّ قَرْيَتَهم تُسَمّى ناصِرَةً، ويُقالُ: نَصَرْيا، ويُقالُ: نَصَرْتا، وإمّا لِأنَّهم تَناصَرُوا، وإمّا لِقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللهِ ﴾ : قالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهم نَصْرانُ، ونَصْرانَةُ كَنَدْمانُ ونَدْمانَةُ ونَدامى، وأنْشَدَ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسَها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ∗∗∗ ويُضَحِّي لَدَيْها وهو نَصْرانُ شامِسُ قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ في الكَلامِ إلّا بِياءِ نَسَبٍ، قالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَصارى نَصْرِيُّ كَمُهْرِيُّ ومَهارى.
والصابِئُ في اللُغَةِ" مَن خَرَجَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ لِمَن أسْلَمَ: قَدْ صَبَأ، وقِيلَ: إنَّها سَمَّتْهم بِذاكَ لَمّا أنْكَرُوا الآلِهَةَ، تَشْبِيهًا بِالصابِئِينَ في المُوصِلِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِرٌّ إلّا قَوْلُهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ".
وطائِفَةٌ هَمَزَتْهُ وجَعَلَتْهُ مِن صَبَأتِ النُجُومُ إذا طَلَعَتْ وصَبَأتْ ثَنْيَةُ الغُلامِ إذا خَرَجَتْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ: صَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى طَرَأتْ، فالصابِئُ التارِكُ لِدِينِهِ الَّذِي شَرَعَ لَهُ، إلى دِينِ غَيْرِهِ، كَما أنَّ الصابِئَ عَلى القَوْمِ تارِكٌ لِأرْضِهِ ومُنْتَقِلٌ إلى سِواها، وبِالهَمْزِ قَرَأ القُرّاءُ غَيْرُ نافِعٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَهْمِزْهُ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ جَعَلَهُ مِن صَبا يَصْبُو إذا مالَ، أو يَجْعَلُهُ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُهُ إلّا في الشِعْرِ.
وأمّا المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "والصابِئِينَ" فَقالَ السُدِّيُّ: هم فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهُمْ، لَيْسُوا بِيَهُودٍ ولا نَصارى، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: هم قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمٌ يَقُولُونَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِجَزِيرَةِ المَوْصِلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ، ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عنهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ.
و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" داخِلَةٌ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "مَن"، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ"، ويُحْتَمَلُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ومَعْناها الشَرْطُ، والفاءُ في قَوْلِهِ "فَلَهُمْ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَها، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ كُلُّها خَبَرُ "إنَّ"، والعائِدُ عَلى "الَّذِينَ" مَحْذُوفٌ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿ مَن آمَنَ مِنهم بِاللهِ ﴾ .
وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ انْدَرَجَ الإيمانُ بِالرُسُلِ والكُتُبِ، ومِنهُ يَتَفَهَّمُ -لِأنَّ البَعْثَ لَمْ يُعْلَمْ إلّا بِإخْبارِ رُسُلِ اللهِ عنهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وجَمَعَ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لِهَمِّ أجْرِهِمْ )، بَعْدَ أنْ وحَّدَ في ﴿ مَن آمَنَ ﴾ لِأنَّ "مَن" تَقَعُ عَلى الواحِدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَجائِزٌ أنْ يَخْرُجَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا عَلى لَفْظِها، أو مُثَنًّى أو مَجْمُوعًا عَلى مَعْناهُ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ ، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى، وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ ، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى.
وقالَ الفَرَزْدَقُ: تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فَثَنّى عَلى المَعْنى.
وإذا جَرى ما بَعْدُ مَن عَلى اللَفْظِ فَجائِزٌ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى المَعْنى، وإذا جَرى ما بَعْدَها عَلى المَعْنى فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الإلْباسَ يَدْخُلُ في الكَلامِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا خَوْفَ" نُصِبَ عَلى التَبْرِئَةِ، وأمّا الرَفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ﴾ ، "إذْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والمِيثاقُ مِفْعالٌ مِن وثَقَ يَثِقُ مِثْلُ مِيزانٍ مِن وزَنَ يَزِنُ.
/ و"الطُورَ" اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي نُوجِيَ مُوسى عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: "الطُورَ" اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ العَجّاجِ: دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُورِ فَمَرَّ ∗∗∗ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الطُورُ كُلُّ جَبَلٍ يَنْبُتُ، وكُلُّ جَبَلٍ لا يَنْبُتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ اللَفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ: هي سُرْيانِيَّةٌ، اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ.
وقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى بِالألْواحِ فِيها التَوْراةُ قالَ لَهُمْ: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا، ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهُمْ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُلَّةِ، وأخْرَجَ اللهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأحاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، وقِيلَ لَهُمْ: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ ألّا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُالجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَوْراةَ بِالمِيثاقِ وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ، وكانَتْ سَجْدَتُهم عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا، فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ، أنَّ اللهَ تَعالى اخْتَرَعَ -وَقْتَ سُجُودِهِمُ- الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطَمْئِنَّةٍ، وقَدْ اخْتَصَرْتُ ما سَرَدَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَصَدْتُ أصَحَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ صَعْقَةَ هَذِهِ القِصَّةِ بِصَعْقَةِ السَبْعِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا: خُذُوا.
و"آتَيْناكُمْ" مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ، و"بِقُوَّةٍ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ دَرْسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ بِتَصْدِيقٍ وتَحْقِيقٍ.
وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ بِطاعَةِ اللهِ.
﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ ، أيْ تَدَبَّرُوهُ واحْفَظُوا أوامِرَهُ ووَعِيدَهُ ولا تَنْسَوْهُ وتُضَيِّعُوهُ.
والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿ ما آتَيْناكُمْ ﴾ ، ويَعْنِي التَوْراةَ، وتَقْدِيرُ صِلَةِ "ما" واذْكُرُوا ما اسْتَقَرَّ فِيهِ، و ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ، تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ الآيَةُ، تَوَلّى تَفَعَّلَ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والإدْبارُ عَنِ الشَيْءِ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا.
و ﴿ فَضْلُ اللهِ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ لِلِاسْتِغْناءِ عنهُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم تَدارَكَكُمْ، "وَرَحْمَتُهُ" عَطْفٌ عَلى "فَضْلٍ".
قالَ قَتادَةُ فَضْلُ اللهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ "عَلَيْكُمْ" لَفْظًا ومَعْنًى مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَعْنى مَن سَلَفَ، و"لَكُنْتُمْ" جَوابُ "لَوْلا"، و ﴿ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ خَبَرُ "كانَ"، والخُسْرانُ، النُقْصانُ.
وتَوَلِّيهِمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: إمّا بِالمَعاصِي، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِالتَوْبَةِ والإمْهالِ إلَيْها، وإمّا أنْ يَكُونَ تَوَلِّيهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِأنَّ لَمْ يُعاجِلْهم بِالإهْلاكِ؛ لِيَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، أو يَكُونُ المُرادُ مَن لَحِقَ مُحَمَّدًا ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وعَلَيْهِ يَتَّجِهُ قَوْلُ قَتادَةَ: إنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَحْمَةَ القُرْآنُ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ والرَحْمَةِ إدْراكُهم مُدَّةَ مُحَمَّدٍ .
<div class="verse-tafsir"
تذكير بقصة أخرى أرى الله تعالى أسلافهم فيها بطشه ورحمته فلم يرتدعوا ولم يشكروا وهي أن أخذ الميثاق عليهم بواسطة موسى عليه السلام أن يعملوا بالشريعة وذلك حينما تجلى الله لموسى عليه السلام في الطور تجلياً خاصاً للجبل فتزعزع الجبل وتزلزل وارتجف وأحاط به دخان وضباب ورعود وبرق كما ورد في صفة ذلك في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج وفي الفصل الخامس من سفر التثنية فلعل الجبل من شدة الزلازل وما ظهر حوله من الأسحبة والدخان والرعود صار يلوح كأنه سحابة، ولذلك وصف في آية الأعراف (171) بقوله: ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ﴾ [نتقه: زعزعه ونقضه] حتى يخيل إليهم أنه يهتز وهذا نظير قولهم استطاره إذا أزعجه فاضطرب فأعطوا العهد وامتثلوا لجميع ما أمرهم الله تعالى وقالوا: «كل ما تكلم الله به نفعله فقال الله لموسى فليؤمنوا بك إلى الأبد» وليس في كتب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير.
وضمائر الخطاب لتحميل الخلف تبعات السلف كيلا يقعوا في مثلها وليستغفروا لأسلافهم عنها.
والميثاق في هاته الآية كالعهد في الآيات المتقدمة مراد به الشريعة ووعدهم بالعمل بها وقد سمته كتبهم عهداً كما قدمنا وهو إلى الآن كذلك في كتبهم.
وهذه معجزة علمية لرسولنا صلى الله عليه وسلم والطُّور علم على جبل ببرية سينا، ويقال إن الطور اسم جنس للجبال في لغة الكنعانيين نقل إلى العربية وأنشدوا قول العجاج: دَانَى جَناحيه من الطورِ فمَرْ *** تَقَضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَر فإذا صح ذلك فإطلاقه على هذا الجبل علم بالغلبة في العبرية لأنهم وجدوا الكنعانيين يذكرونه فيقولون الطور يعنون الجبل كلمة لم يسبق لهم أن عرفوها فحسبوها علماً له فسموه الطور.
وقوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ مقول قول، محذوف تقديره قائلين لهم خذوا، وذلك هو الذي أخذ الميثاق عليه.
والأخذ مجاز عن التلقي والتفهم.
والقوة مجاز في الإيعاء وإتقان التلقي والعزيمة على العمل به كقوله تعالى: ﴿ يا يحيى خُذ الكتاب بقوة ﴾ [مريم: 12].
ويجوز أن يكون الذكر مجازاً عن الامتثال أي اذكروه عند عزمكم على الأعمال حتى تكون أعمالكم جارية على وفق ما فيه، أو المراد بالذكر التفهم بدليل حرف (في) المؤذن بالظرفية المجازية أي استنباط الفروع من الأصول.
والمراد بما آتاهم ما أوحاه إلى موسى وهو الكلمات العشر التي هي قواعد شريعة التوراة.
وجملة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ علة للأمر بقوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ﴾ ولذلك فصلت بدون عطف.
والرجاء الذي يقتضيه حرف (لعل) مستعمل في معنى تقريب سبب التقوى بحضهم على الأخذ بقوة، وتعهد التذكر لما فيه، فذلك التقريب والتبيين شبيهٌ برجاء الراجي.
ويجوز أن يكون (لعل) قرينة استعارة تمثيل شأن الله حين هيأ لهم أسباب الهداية بحال الراجي تقواهم وعلى هذا محمل موارد كلمة (لعل) في الكلام المسند إلى الله تعالى.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ [البقرة: 21] الآية.
وقوله: ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل في مدة مناجاة موسى وأن الله تاب عليهم بفضله ولولا ذلك لكانوا من الخاسرين الهالكين في الدنيا أو فيها وفي الآخرة.
ولا حاجة بنا إلى الخوض في مسألة التكليف الإلجائي ومنافاة الإلجاء للتكليف وهي مسألة تكليف المُلْجأ، المذكورة في الأصول لأنها بنيت هنا على أطلال الأخبار المروية في قلع الطور ورفعه فوقهم وقول موسى لهم إما أن تؤمنوا أويقع عليكم الطور، على أنه لو صحت تلك الأخبار لما كان من الإلجاء في شيء إذ ليس نصب الآيات والمعجزات والتخويف من الإلجاء وإنما هو دلالة وبرهان على صدق الرسول وصحة ما جاء به والممتنع في التكليف هو التكليف في حالة الإلجاء لا التخويف لإتمام التكليف، فلا تغفلوا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ وفي الطُّورِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، وأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ دُونَ غَيْرِهِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الطُّورَ ما أنْبَتَ مِنَ الجِبالِ خاصَّةً، دُونَ ما لَمْ يُنْبِتْ، وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الطُّورَ اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، إلّا أنَّ مُجاهِدًا قالَ: هو اسْمُ كُلِّ جَبَلٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ هو اسْمٌ عَرَبِيٌّ، قالَ العَجّاجُ: دانِي جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرَّ تَقَضِّي البازِيِّ إذا البازِيُّ كَرَّ قالَ مُجاهِدٌ: رُفِعَ الجَبَلُ فَوْقَهم كالظُّلَّةِ، فَقِيلَ: لَتُؤْمِنُنَّ أوْ لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَآمَنُوا.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ القُوَّةَ الجِدُّ والِاجْتِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: يَعْنِي بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ العَمَلُ بِما فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ﴾ فقال: جبل نزلوا بأصله فَرُفِعَ فوقهم، فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الطور الجبل الذي أنزلت عليه التوراة، وكان بنو إسرائيل أسفل منه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الطور الجبل بالسريانية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: النبط يسمون الجبل الطور.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوّة ﴾ قال: بجد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ يقول: اقرأوا ما في التوراة واعملوا به.
وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ قال: لعلكم تنزعون عما أنتم عليه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ العلم (١) ﴿ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ، ولولاه لاقتضى مفعولًا ثانيا، ألا ترى أنك إذا قلت: علمت زيدًا قائمَّاً [كان قائما] (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ﴾ أي: جاوزوا (٥) (٦) والسبت في كلام العرب معناه: القطع، يقال للحلق: السبت، لأنه قطع للشعر (٧) (٨) (٩) ومنه قول حميد (١٠) ............
أمّا نَهارُها ...
فَسَبْتٌ (١١) والسبت: السُّبَاتُ.
قال الزجاج: تأويله أنه يقطع الحركة (١٢) (١٣) وغَنِيتُ سَبْتًا (١٤) قال أبو بكر بن الأنباري: السبت القطع، وسمي السبت من الأيام سبتًا، لأن الله ابتدأ الخلق فيه، وقطع بعض الخلق، وخلق (١٥) قال: وأخطأ من قال: سمي السبت لأن الله أمر فيه بني إسرائيل بالاستراحة، وخلق هو عز وجل السموات والأرض في ستة أيام آخرها يوم الجمعة، ثم استراح في يوم السبت.
قال: وهذا خطأ، لأنه لا يعلم في كلام العرب (سَبَتَ) بمعنى استراح، وإنما معنى سَبَتَ: قطع، ولا يوصف الله تعالى بالاستراحة لأنه لا يتعب (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً ﴾ أي: كونوا بتكويننا إياكم وتغييرنا خلقكم قردة (١٨) قال ابن الأنباري: كن (١٩) (٢٠) ﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴾ يريد لوكنتم حجارة أو حديدا لنزل بكم الموت ووصل إليكم ألمه، ويقول الرجل للرجل إذا لم يتعلم (٢١) إِذَا كُنْتَ عِزْهَاةً عَنِ اللَّهْو والصِّبَا ...
فَكُنْ حَجَرًا مِنْ يَابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدَا (٢٢) أي فعُدَّ نفسك من الحجارة.
فقال الله تعالى: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً ﴾ ] (٢٣) أي بتغييرنا (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال (٢٧) ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [ (٢٨) ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ ﴾ ، والإذن: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ ، والتهديد: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ (٢٩) ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ ﴾ ، الآية، والتحدي: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا ﴾ ، وفيه معنى الإلزام، إلا أن من الإلزام ما لا يكون في المقدور أصلًا كقوله: ﴿ قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم ﴾ [[[البقرة: 111، والأنبياء: 24، والنمل: 64].]] وليس يصح برهان على صدقهم.
وأمَّا بمعنى الخبر فقوله: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً ﴾ [[[البقرة: 65، والأعراف: 166].]] أي: جعلناهم قردة (٣٠) ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ، أي قد استوى الحالان في أنه لا يغفر.
والقردة جمع قرد، يقال: قرد، وثلاثة أَقْرِدة (٣١) (٣٢) و (٣٣) ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ الخَسْءُ: الطرد والإبعاد، يقال: خَسأتُه خَسْأً فَخَسَأ [وانْخَسَأ (٣٤) (٣٥) قال الفراء والكسائي: يقال: خَساتُه خَسْأً فَخَسَأ] (٣٦) (٣٧) (٣٨) وَإذا زَجَرْتُ الْكَلْبَ قُلْتُ اخْسَأ لَهُ ...
وَالْكَلْبُ مِثْلُكَ ياخُرَيْمُ سَوَاءُ (٣٩) (٤٠) لاَ تَجْعَلَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْزِلِي ...
يَا رَبِّ (٤١) (٤٢) وتقدير الآية: كونوا خاسئين قردة، لأنه لولا التقديم والتأخير لكان: قردة خاسئة (٤٣) (١) في (ب): (علمتم).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٤) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 277، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 120، و"تفسير الماوردي" 1/ 355، "تفسير ابن عطية" 1/ 333 - 334، "البحر المحيط" 1/ 245.
(٥) في (ب): (جاوزا).
(٦) ذكره الزجاج في "المعاني" 1/ 120، وفيه (لأن صيدهم منعها ..) أي أن حبس == الحيتان ومنعها من التصرف صيد.
وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، "تفسير الثعلبي" 1/ 81 أ.
(٧) في (ب): (الشعر).
(٨) "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607.
(٩) في (ب): (الطريق).
(١٠) هو حميد بن ثور بن عبد الله الهلالي، أحد المخضرمين من الشعراء أدرك الجاهلية والإسلام، وقيل إنه رأى النبي مات في خلافة عثمان ما.
انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" 247، "معجم الأدباء" 11/ 8.
(١١) وتمام البيت: وَمطْويَّةُ الأَقْراب أَما نهارُها ...
فسبت وأَمَّا لَيْلُها فذمِيلُ قوله: (الأقراب): جمع قرب، وهو الخاصرة، و (السبت): السير السريع، و (الذمِيل): السير البطيء.
ويروى شطره الأول: بمقورة الألياط أما نهارها والاقورار هنا: الضمور، و (الألياط) جمع ليط وهو الجلد، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607، "جمهرة أمثال العرب" (سبت) 1/ 195، "مقاييس اللغة" 3/ 124، وكذا في الصحاح 1/ 251، و"اللسان" 4/ 1912، و"المخصص" 7/ 107، و"البحر المحيط" 1/ 240، و"ديون حميد بن ثور" ص 116.
(١٢) في "تهذيب اللغة" (وقال الزجاج): السبات: أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه ..)، (سبت) 2/ 1607.
(١٣) في (ب): (السبوت).
(١٤) تمام البيت: وغَنَيِتُ سَبْتاَ قبل مُجْرَى داحس ...
لو كان للنفس اللجُوجِ خُلُودُ ويروى (بعد مجرى) وعَمَرْتُ كَرْسًا.
غنيت: عشت (سبتا): دهرا، (داحس) اسم فرس.
ورد البيت في "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607، "اللسان" (سبت) 4/ 1912، و (عمر) 5/ 310، و"حماسة البحتري" ص 100، "المخصص" 2/ 64، "الخزانة" 2/ 251، "البحر المحيط" 1/ 240، وديوان لبيد مع شرحه ص 35.
(١٥) كذا العبارة في جميع النسخ، وفي "الزاهر" (وقطع فيه بعض خلق الأرض ..) 2/ 145، ومثله في "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607، والنص منه.
(١٦) منهج السلف في باب الصفات التزام النص، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله وينفون عنه ما أنفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله، وما لم يرد فيه نص فيلتزمون فيه الخفي المجمل من دون تفصيل في النفي.
ولم ترد الاستراحة في نص.
(١٧) "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 145، "تهذيب اللغة" (سبت) 2/ 1607.
(١٨) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، و"تفسير البغوي" 1/ 81، و"البيان" 1/ 90، "تفسير ابن عطية" 1/ 336.
(١٩) في (ج): (كمن في).
(٢٠) في (ب): (تنتنى).
(٢١) كذا في (أ)، (ج)، وفي (ب) غير واضحة، ولعل الصواب (تتعلم).
(٢٢) ويروى شطره الأول كما في شعر الأحوص: إِذَا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدرِ مَا الْهَوَى وفي كتاب الزينة: إِذَا أنْتَ لَمْ تَطْرَبْ وَلَم تَشْهَدِ الْخَنَا و (العِزْهَاةُ): الذى لا يحب اللهو ولا يَطْرب، ورد البيت في "الزينة" 1/ 124، "المخصص" 16/ 175، "الخصائص" 1/ 229، "الشعر والشعراء" ص 346، و"أمالي الزجاجي" ص 75، و"أساس البلاغة" (عزه) ص 2/ 115، "اللسان" (عزه) 5/ 2933، و"شعر الأحوص" ص 98.
(٢٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (ب).
(٢٤) في (ب): (بتغيير)، وفي (ج): (بتغيرنا).
(٢٥) في (ج): (امرتكم).
(٢٦) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 366 - 377، و"البيان" 1/ 90، و"البحر" 1/ 246.
(٢٧) (الواو) ساقطة من (ب).
(٢٨) البقرة: 43، 83، 110، والنساء: 77، والنور: 56، والمزمل: 20 (٢٩) في (أ)، (ج): (اعملوا) تصحيف.
(٣٠) ذكر الغزالي في المستصفى الوجوه التي يأتي عليها الأمر، ومنها الوجوه التي == وردت عند المؤلف هنا ومما ذكر: التسخير كقوله: ﴿ كُونُوا قِرَدَةَ ﴾ "المستصفى" ص 293.
(٣١) في (ب): (أقراد) وكلها وردت في "تهذيب اللغة" عن الليث (قرد) 3/ 2921.
(٣٢) انظر: "مقاييس اللغة" (قرد) 5/ 83، 84، "الصحاح" (قرد) 2/ 523، "اللسان" (قرد) 6/ 3576.
(٣٣) (الواو) ساقطة من (ج).
(٣٤) في (ج): (الخسأ).
(٣٥) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 329، "تهذيب اللغة" (خسأ) 1/ 1028، "جمهرة أمثال العرب" 3/ 237، "الصحاح" (خسأ) 1/ 47.
(٣٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٧) في (ج): قال الفراء والكسائي: (خَسَأتُه مخسأ خسأ فخسا خسوءا).
(٣٨) انظر: "الزاهر" 2/ 48، و"الوسيط" 1/ 125، "تفسير القرطبي" 1/ 443.
(٣٩) لم أعثر على هذا البيت فيما اطلعت عليه، والله أعلم.
(٤٠) في (ج): (عمر بن الخطاب).
وابن حطان: هو عمران بن حطان من بني عمرو بن سيبان بن ذهل، كان رأس القَعدة من الصُّفْرية إحدى فرق الخوارج، وكان خطيبًا شاعرا، توفي سنة أربع وثمانين ذكر الجاحظ أخباره في "البيان والتبيين" 1/ 47، والمبرد في "الكامل" 3/ 167، وانظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 317.
(٤١) في (ج): (يارب منزلى).
(٤٢) لم أجد هذا البيت فيما اطلعت عليه من شعر عمران بن حطان ضمن "ديوان الخوارج" جمع نايف محمود معروف، ولا في "شعر الخوارج" لـ (إحسان عباس).
(٤٣) أي لو كان (خاسئين) صفة لقردة لقال: (خاسئة)، انظر "الوسيط" 1/ 125، وللعلماء في إعرابه وجوه: الأول: أنه خبر ثانٍ لـ (كان)، أو حال من (الواو) في كونوا، أو نعت لقردة، وهذا الوجه رده المؤلف.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 184، و"المشكل" لمكي 1/ 52، "تفسير ابن عطية" 1/ 336، و"البيان" 1/ 90، و"الإملاء" 1/ 41، "الدر المصون" 1/ 414.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: نسختها ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85] وقيل معناها: لأن هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيماناً صحيحاً فله أجره فيكون في حق المؤمنين الثبات إلى الموت، وفي حق غيرهم الدخول في الإسلام، فلا نسخ، وقيل: إنها فيمن كان قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا نسخ ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ مبتدأ، خبر أن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: عامة القراء ﴿ اثنتا عشرة ﴾ بسكون الشين للتخفيف ﴿ عليهم الذلة ﴾ بضم الهاء والميم: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، وكذلك كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة، وافق سهل إذا كانت قبل الياء فتحة فقط.
وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم.
﴿ النبيين ﴾ وبابه بالهمزة: نافع إلا في موضعين في الأحزاب ﴿ إن وهبت نفسها للنبي ﴾ و ﴿ بيوت النبي ﴾ إلا فروي إسماعيل وقالون عنه بغير همزة.
الوقوف: ﴿ الحجر ﴾ (ط) الحق المحذوف أي فضرب فانفجرت ﴿ عيناً ﴾ (ط) ﴿ مشربهم ﴾ (ط) ﴿ مفسدين ﴾ (ه) ﴿ وبصلها ﴾ (ط) ﴿ هو خير ﴾ (ط) ﴿ سألتم ﴾ (ط) لأن قوله ﴿ وضربت ﴾ ابتداء إخبار عما يؤل إليه حالهم ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ بغير الحق ﴾ (ط) ﴿ يعتدون ﴾ (ه).
التفسير: جمهور المفسرين سوى أبي مسلم، على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، عطشوا فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر، أما العصا فقال الحسن: كانت عصا أخذها من بعض الأشجار.
وقيل: كانت من الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة.
وأما الحجر فاللام إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه وكان حجراً مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا.
وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل ورماه بنو إسرائيل بالأدرة ففرّ به، فقال له جبريل: يقول الله : ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته.
وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.
وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة.
ثم إنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة؟
فحمل حجراً في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه، وأما الصنف والشكل فقيل: كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع.
وقيل: مثل رأس الإنسان.
وقيل: له أربعة أوجه كما مر، وهذا إذا لم يعتبر الفوقاني ومقابله.
وأما الضرب فقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً، فأوحى الله إليه: لا تقرع الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون.
والفاء في قوله ﴿ فانفجرت ﴾ فاء فصيحة كما سبق في ﴿ فتاب عليكم ﴾ وفي هذا الحذف دلالة على أن موسى لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشك عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به.
والانفجار والانبجاس واحد ومعناه خروج الماء بسعة وكثرة.
وأصل الفجر الشق ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بمخالفتهم.
وقيل: الانبجاس خروج الماء قليلاً، ووجه بأن الفجر في الأصل هو الشق، والبجس الشق الضيق فلا يتناقضان كما لا يتناقض المطلق والمقيد والعام والخاص، أو لعله انبجس أوّلاً ثم انفجر ثانياً وكذا العيون تظهر الماء قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه، أو لعل حاجتهم تشتد تارة فينفجر وتضعف أخرى فينبجس.
﴿ قد علم كل أناس ﴾ أي كل سبط ﴿ مشربهم ﴾ كأنه أمر كل سبط أن لا يشرب إلا من جدول معين حسماً لمادة التشاجر، فإن العادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين.
وهذا أيضاً من تمام النعمة عليهم، وإنما فقد العاطف لأن قوله ﴿ قد علم ﴾ بيان وتفصيل لما أجمل في قوله ﴿ اثنتا عشرة ﴾ كأنه قيل: هذا المجموع مشاع بينهم أو مقسوم فقيل قد علم ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا أي قال لهم موسى كلوا من المن والسلوى الذي رزقناكم بلا تعب ولا نصب، واشربوا من هذا الماء.
وقيل: إن الأغذية لا تنبت إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنما أعطاهم المأكول والمشروب.
والعثو أشد الفساد، و ﴿ مفسدين ﴾ قيل: نصب على الحال المؤكدة وهو ضعيف، فإن من شرطها أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية.
وقيل: حال منتقلة ومعناه النهي عن التمادي في حالة الإفساد، إما مطلقاً أو مقيداً بأنه إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع.
ويرد على هذا القول أن الإفساد منهي عنه مطلقاً، وهذا التفسير يقتضي أن يكون المنهي عنه هو التمادي في الإفساد لا نفس الإفساد.
والصحيح أن يقال: إن المنصوبات في نحو قوله عز من قائل ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ وفي نحو قولهم "تعال جائياً وقم قائماً" من الصفات القائمة مقام المصدر نحو "أقاعداً وقد سار الركب" بقي في الآية بحث، وهو أنه كيف يعقل خروج المياه الكثيرة من الحجر الصغير؟
والجواب أما على القول بالفاعل المختار فظاهر فإن له أن يحدث أيّ فعل خارق شاء من غير أن يطلب له سبب وواسطة، وأما عند طالب الأسباب والوسائط فإن العناصر الأربعة لها هيولي مشتركة عندهم.
وجوّز وانقلاب صور بعضها إلى بعض، فجاز استمداد الماء الكامن في الحجر من الهواء المجاور له، ومثل هذا ما رواه أنس أنه أتى النبي بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم.
قال قتادة قلت لأنس: كم كنتم؟
قال: ثلثمائة أو زهاء ثلثمائة.
بل معجزة نبينا أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد، قال أهل الإشارة: الروح الإنساني وصفاته في عالم القالب بمثابة موسى وقومه، وإنه يستسقي ربه لإروائها من ماء الحكمة والمعرفة فيضرب بعصا لا إله إلا الله.
ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات النفس على حجر القلب فيتفجر اثنتا عشرة عيناً من ماء الحكمة بعدد حروف لا إله إلا الله، قد علم كل سبط من أسباط الإنسان وهي خمس حواس ظاهرة، وخمس باطنة مع القلب والنفس مشربهم فيستوي في حظه بحسب مشربه.
قوله ﴿ وإذ قلتم يا موسى ﴾ الآية.
زعم بعض المفسرين أن هذا السؤال منهم كان معصية، فإن اللائق بحال المكلف الصبر على ما ساقه الله إليه خصوصاً إذا كان نعمة وعفواً وصفواً، ولا سيما إذا كان المسؤول أدون وأحقر.
ولهذا أنكره موسى عليهم ﴿ قال أتستبدلون ﴾ .
وقال الآخرون: إنه غير معصية لأن قوله ﴿ كلوا واشربوا ﴾ عند إنزال المن والسلوى، وانفجار الماء أمر إباحة لا إيجاب.
ثم إنهم كانوا أهل فلاحة فرغبوا إلى مألوفهم، ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لا يعتاد وإن كان شريفاً.
ولعلهم سئموا من التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم البلاد.
وأيضاً المواظبة على الطعام الواحد تميت الشهوة وتضعف الهضم، فيصح أن يكون التبديل مطلوباً للعقلاء، ولهذا أجابهم الله إلى ما سألوا، ولو كان معصية لم يجبهم إلى ذلك، اللهم إلا أن يكون من قبيل ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ﴾ وإنما صح إطلاق الطعام الواحد على المن والسلوى، لأنهم أرادوا بالوحدة نفي التبدل والاختلاف، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها ويأكلها كل يوم لا يبدلها.
قيل: لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً.
ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والترفه، ونحن أهل زراعة ما نريد إلا ما ألفناه.
ومعنى يخرج لنا يوجد ويظهر.
والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر كالنعناع والكرفس والكراث وغير ذلك من أطايب البقول التي يأكلها الناس عادة.
والقثاء الخيار، والفوم الثوم، ويدل عليه قراءة عبد الله ﴿ وثومها ﴾ وهو بالعدس والبصل أوفق.
وقال بعضهم: الفوم الحمص لغة شامية، ويقال: هو الحنطة.
ومنه قولهم "فوّموا لنا" أي اختبزوا.
قال الفراء: هي لغة قديمة ﴿ الذي هو أدنى ﴾ أي أقرب منزلة وأدون مقداراً كقولهم في ضده "هو بعيد المحل وبعيد الهمة" يعنون الرفعة والعلو ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ أي انحدروا إليه من التيه.
يقال: هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج.
وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنسرين اثنا عشر فرسخاً في ثمانية.
ومصر إما مصر فرعون، والتنوين فيه في القراءات المعتبرة مع أن فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في نوح ولوط، وفيهما العلمية والعجمية.
وإما مصر من الأمصار كأنه قيل لهم: ادخلوا بلداً أيّ بلد كان لتحدوا فيه هذه الأشياء.
ولما ذكر الله صنوف نعمه على بني إسرائيل إجمالاً ثم تفصيلاً، أراد أن يبين مآل حالهم ليكون عبرة للنظار وتبصرة لأولي الأبصار وتحذيراً للإنسان عن الجحود والكفران المستتبعين للخزي والهوان فقال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ أي جعلت محيطة بهم مشتملة عليهم كالقبة المضروبة على الشخص، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلصق به.
فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية.
وهذا من جملة الأخبار عن الغيب الدال على كون القرآن وحياً نازلاً من السماء على محمد .
هذا حالهم في الدنيا، وأما حالهم في العقبى فذلك قوله ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ من قولك "باء فلان بفلان" إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه وهو إرادة انتقامه ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والخلافة بالغضب، بسبب كفرهم بآيات الله أي القرآن، بل وبالتوراة لأن الكفر به مستلزم للكفر بها، وقتلهم الأنبياء، وقد قتلت اليهود - لعنوا - شعيباً وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق أي من غير ما شبهة عندهم توجب استحقاق القتل.
فإن الآتي بالباطل قد يكون اعتقده حقاً لشبهة عنت له، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً.
ولا شك أن الثاني أقبح وأدخل في القحة، أو كرر للتأكيد نحو ﴿ ومن يدع مع الله الهاً آخر لا برهان له به ﴾ \[المؤمنون: 117\] ومحال أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان.
والنبيء بالهمزة "فعيل" بمعنى فاعل من نبأ بالتخفيف أي أخبر لأنه نبأ عن الله .
قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول تنبأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية والخابية إلا أهل مكة، فإنهم يهمزون هذه الأحرف ولا يهمزون غيرها ويخالفون العرب في ذلك.
وقيل: أصله من نبأت من أرض إلى أرض أي خرجت منها إلى أخرى.
وهذا المعنى أراد الأعرابي بقوله "يا نبيء الله" أي يا من خرج من مكة إلى المدينة.
فأنكر عليه الهمزة.
وقيل: النبي بالإدغام من النبوة وهي ما ارتفع من الأرض، أي أنه شرف على سائر الخلق "فعيل" بمعنى "مفعول"، والجمع أنبياء.
وعلى الأول إنما جمع على أنبياء لأن الهمز لما أبدل وألزم الإبدال جمع جمع ما أصل لامه حرف العلة ﴿ ذلك بما عصوا ﴾ تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول كقول السيد لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها "هذا بما عصيتني وخالفت أمري.
هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي" ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر والقتل على معنى انهمكوا في العصيان والاعتداء حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو تكون الباء بمعنى "مع" أي ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا سائر أنواع المعاصي، واعتدوا حدود الله في كل شيء.
وقيل: هو اعتداؤهم في السبت.
واعلم أنه لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين سبب ذلك أولاً بما فعلوه في حق الله وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه، ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء، ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم وذلك في نهاية الترتيب.
وقيل: الأول إشارة إلى متقدميهم، والثاني إشارة إلى من كان في عصر رسول الله ، فكأنه بيَّن سبب ما نزل بالفريقين من البلاء والمحنة ليظهر للخلائق أن ذلك على قانون العدالة وقضية الحكمة.
فإن قيل: لم قيل ههنا ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق ﴾ وفي "آل عمران" ﴿ ويقتلون الأَنبياءَ بغير حق ﴾ منكراً؟
قلت: الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ما في قوله "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق" فالحق المعرف إشارة إلى هذا، وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم، أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة.
<div class="verse-tafsir"
قيل: إن اليهود والنصارى وهؤلاء جائز أَن يكون لهم تعلق بظاهر هذه الآية؛ لأنهم كانوا يقولون: إن آمنا بالله، وآمنا باليوم الآخر، فليس علينا خوف ولا حزن.
لكن الجواب لهذا وجوه: أَحدها: أَنَّه ذكر المؤمنين بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، وإيمانهم ما ذكر في آية أخرى وهو قوله: ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ .
وهم قد فرقوا بين الرسل، بقولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ .
وفرقوا بين الكتب أيضاً: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
فهؤلاء الذين ذكرهم - عز وجل - في هذه الآية، هم الذين آمنوا بجميع الرسل، وآمنوا بجميع الكتب أيضاً.
فإذا كان هذا إيمانهم لم يكن عليهم خوف ولا حزن.
والثاني: ذَكَر الإيمان بالله.
والإيمان بالله هو الإيمانُ بجميع الرسل، وبجميع الكتب.
ولكنهم لا يؤمنون بالله، ولا يعرفونه في الحقيقة.
أَو أَن يقال: ذكَر عملَ الصالحات، والكفرُ ببعض الرسل ليس من عمل الصالحات؛ لذلك بطل تعلقهم بهذا، والله أعلم.
وقيل: ذلك على التقديم والتأْخير؛ كأَنه قال: إن الذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر، والذين آمنوا...
الآية.
وللمعتزلة تعلق أيضاً بظاهر قوله: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
وصاحب الكبيرة عليه خوف وحزن، فلو كان مؤمناً لكان لا خوف عليه ولا حزن؛ لأَنه أَخبر أَن المؤمن لا خوف عليه ولا حزن؛ فدل: أَنه يخرج من إيمانه إذا ارتكب كبيرة.
فيقال لهم: لم ينف عنهم الخوف، والحزن في كل الوقت.
فيحتمل: أَن يكون عليه خوف في وقت، ولا يكون عليه خوف في وقت آخر؛ لأَن لكل مؤمن خوفَ البعث وفزعه حتى الرسل، بقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ ؛ لشدة فزعهم من هول ذلك اليوم.
فإذا دخلوا الجنَّة، ونزلوا منازلهم، ذهب ذلك الخَوف والفزع عنهم.
فعلى ذلك المؤمن: يكون له خوف في وقت، ولا يكون عليه خوف في وقت آخر، والله أعلم.
واختلف في الصابئين: قيل: الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويقرءُون الزبور.
وقيل: إنهم قوم يعبدون الكواكب.
وقيل: هم قوم بين المجوس والنصارى.
وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس.
وقيل: هم قوم يذهبون مذهب الزنادقة؛ يقولون باثنين لا كتاب لهم، ولا علم لنا بهم.
<div class="verse-tafsir"
ولقد علمتم خبر أسلافكم علمًا لا لبس فيه؛ حيث اعتدوا بالصيد يوم السبت الَّذي حُرِّم عليهم الصيد فيه، فاحتالوا على ذلك بنصب الشباك قبل يوم السبت، واستخراجها يوم الأحد؛ فجعل الله هؤلاء المتحايلين قردة منبوذين عقوبة لهم على تحايلهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.nmb7V"
أطمع الله تعالى بالآية السابقة بني إسرائيل في رحمته بعد ما قرعهم بالنذر التي تكاد توقع اليأس في قلوبهم، وبين لهم ولسائر الناس أن المنفذ إلى هذا الطمع، بل الباب الذي يؤدي إلى هذا الرجاء، هو الجمع بين الأمرين اللذين بعث لتقريرهما الأنبياء عليهم السلام وهما الإيمان الصحيح اليقيني والعمل الصالح.
وإشراك غير بني إسرائيل في هذا الحكم لا يقضي بانتهاء السياق، بل لا يزال الكلام في بني إسرائيل، ولذلك عقب ذلك الإطماع بالتذكير ببعض الوقائع التي استحقوا فيها العقوبة فحالت دون وقوعها الرحمة فقال: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ وهو العهد الذي أخذه عليهم وتقدم الكلام فيه.
وأما قوله ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ فقد ذكر المفسرون فيه قصة وهي أن الله تعالى ظلل بني إسرائيل بالطور وهو الجبل المعروف وخوفهم برفعه فوقهم ليذعنوا ويؤمنوا.
ثم اعترض عليه بعضهم بأنه إكراه على الإيمان وإلجاء إليه وذلك ينافي التكليف، وأجيب بأجوبة منها أن ما يفعل بالإكراه يعود اختياريًا بعد زوال ما به الإكراه، ومنها أن مثل هذا الإلجاء والإكراه كان جائزًا في الأمم السابقة، ويزيد من قال هذا أن نفي الإكراه في الدين خاص بالإسلام لقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ وقوله ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ .
ولا حاجة لنا في فهم كتاب الله إلى غير ما يدل عليه بأسلوبه الفصيح، فهو لا يحتاج في فهمه إلى إضافات ولا ملحقات، وقد ذكر لنا مسألة رفع الطور فوق بني إسرائيل ولم يقل إنه أراد بذلك الإكراه على الإيمان، وإنما حكي عنهم في آية أخرى أنهم ظنوا أنه واقع بهم فقد قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ والنتق الزعزعة والهز والجذب والنقض ونتق الشيء ينتقه وينتقه -من بأبي ضرب ونصر- نتقًا جذبه واقتلعه وقد يكون ذلك في الآية بضرب من الزلزال كما يدل عليه التعبير بالنتق وهو في الأصل بمعنى الزعزعة والنقض، والمفهوم من أخذ الميثاق أنهم قبلوا الإيمان وعاهدوا موسى عليه.
فرفع الطور وظنهم أنه واقع بهم من الآيات التي رأوها بعد أخذ الميثاق كل لأجل أخذ ما أوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد لأن رؤية الآيات تقوي الإيمان، وتحرك الشعور والوجدان، ولذلك خاطبهم عند رؤية تلك الآية بقوله ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ أي تمسكوا به واعملوا بجد ونشاط، لا يلابس نفوسكم فيه ضعف، ولا يصحبها وهن ولا هم، ثم قال ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ أي بالمحافظة على العمل به، فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخًا في النفس مستقرًا عندها، ويؤثر عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال: يهتف العلم بالعمل.
فإن أجابه وإلا ارتحل.
وذلك أن العلم إنما يحضر في النفس مجملًا غير سالم من إبهام وغموض، فإذا برز للوجود بالعمل صار تفصيليًا جليًا، ثم ينقلب النظري منه بالتكرار والمواظبة بديهيًا ضروريًا، وبذلك يثبت فلا ينسى.
وأما النسيان فإنه حليف الكفر وإنه ليصل بالإنسان إلى حد يساوي فيه من لم تسبق له معرفة بالشيء قط لأنه لا أثر له في النفس ولا في الظاهر.
ولا فرق بين من بلغته دعوة الهداية فسلم بها وقبلها ثم ترك العمل بها حتى نسيها، وبين من لم تبلغه البتة ومن بلغته على وجه غير مقنع فلم يؤمن، إلا بما تكون الحجة به على الأول أظهر، وكونه بالمؤاخذة أجدر، والثاني معذور عند الجماهير، وكذلك الثالث إذا استمر على النظر من غير تقصير، فعلى هذا تكون منزلة الناسي هي التي تلي منزلة الجاحد المعاند، وهو خليق بأن يحشر يوم القيامة أعمى عن طريق النجاة والسعادة، حتى إذا لقي ربه قال (رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟
قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى).
إن في هذا لعبرة لقراء القرآن الذين ليس لهم منه إلا التغني بألفاظه وأفئدتهم هواء لا أثر فيه للقرآن وأعمالهم لا تنطبق على ما جاء به القرآن وهذا شر نوعي النسيان.
وقد ضرب له الإمام الغزالي مثل عبيد قطعهم سيدهم بستانًا وكلفهم بإصلاحه وعمارته وكتب لهم كتابًا يبين لهم كيف يسيرون في هذا الإصلاح وكيف تكون حياتهم فيه ووعدهم بمكافأة أجر فوق ما يستفيدونه من ثمرات البستان وغلاته وتوعدهم على الإساءة في العمل بالعقوبة الشديدة وراء ما يفوتهم من خيرات البستان وما يذوقون من مرارة سوء المعاملة فيما بينهم، فكان حظهم من الكتاب تعظيم رقه وورقه والتغني بلفظه وتكرار تلاوته بدون مبالاة بالأمر والنهي ولا اعتبار بالوعد والوعيد، بل عاثوا في أرض البستان مفسدين فأهلكوا الحرث والنسل.
فهل يكون حظ هؤلاء من الكتاب غير أنه حجة عليهم وقاطع لألسنة العند منهم؟؟
أمرهم بالذكر الذي يثبت بالعمل، ووصله بذكر فائدته وهي إعداده النفس لتقوى الله ، فقال ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ فإن المواظبة على العمل بما يرشد إليه الكتاب تطبع في النفس ملكة مراقبة الله تعالى فتكون بها تقية نقية، راضية مرضية ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ .
وبعد أن ذكر لهم تلك الآية، وما اتصل بها من هداية، ذكرهم بما كان منهم من التولي عن الطاعة والإعراض عن القبول، ثم امتن عليهم بما عاملهم به من الفضل والرحمة والصفح عما يستحقونه من المؤاخذة والعقوبة، فقال ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أي ثم أعرضتم وانصرفتم عن الطاعة من بعد أخذ الميثاق ومشاهدة الآيات التي تؤثر في القلوب وتستكين لها النفوس ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ أي إنكم بتوليكم استحققتم العقاب، ولكن حال دون نزوله بكم فضل الله عليكم ورحمته بكم، ولولا ذلك لخسرتم سعادة الدنيا وهي التمكن في الأرض المقدسة التي تفيض لبنًا وعسلًا، ثم خسرتم سعادة الآخرة وهي خير ثوابًا وخير أملًا، فمن فضله وإحسانه أن وفقكم للعمل بالميثاق بعد ذلك.
<div class="verse-tafsir"