الآية ٩٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩٣ من سورة البقرة

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٩٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يعدد ، تبارك وتعالى ، عليهم خطأهم ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم عنه ، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه ; ولهذا قال : ( قالوا سمعنا وعصينا ) وقد تقدم تفسير ذلك .

( وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( وأشربوا في قلوبهم العجل [ بكفرهم ] ) قال : أشربوا [ في قلوبهم ] حبه ، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم .

وكذا قال أبو العالية ، والربيع بن أنس .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عصام بن خالد ، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني ، عن خالد بن محمد الثقفي ، عن بلال بن أبي الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حبك الشيء يعمي ويصم " .

ورواه أبو داود عن حيوة بن شريح عن بقية ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به وقال السدي : أخذ موسى ، عليه السلام ، العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد ، ثم ذراه في البحر ، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه ، ثم قال لهم موسى : اشربوا منه .

فشربوا ، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب .

فذلك حين يقول الله تعالى : ( وأشربوا في قلوبهم العجل ) وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب ، قال : عمد موسى إلى العجل ، فوضع عليه المبارد ، فبرده بها ، وهو على شاطئ نهر ، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب .

وقال سعيد بن جبير : ( وأشربوا في قلوبهم العجل ) قال : لما أحرق العجل برد ثم نسف ، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران .

وحكى القرطبي عن كتاب القشيري : أنه ما شرب منه أحد ممن عبد العجل إلا جن [ ثم قال القرطبي ] وهذا شيء غير ما هاهنا ; لأن المقصود من هذا السياق ، أنه ظهر النقير على شفاههم ووجوههم ، والمذكور هاهنا : أنهم أشربوا في قلوبهم حب العجل ، يعني : في حال عبادتهم له ، ثم أنشد قول النابغة في زوجته عثمة : تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منها أطير لو ان إنسانا يطير وقوله : ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) أي : بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه ، من كفركم بآيات الله ومخالفتكم الأنبياء ، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا أكبر ذنوبكم ، وأشد الأمور عليكم إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين ، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة ، من نقضكم المواثيق ، وكفركم بآيات الله ، وعبادتكم العجل ؟

!

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإذ أخذنا ميثاقكم)، واذكروا إذ أخذنا عهودكم، بأن خذوا ما آتيناكم من التوراة - التي أنـزلتها إليكم أن تعملوا بما فيها من أمري, وتنتهوا عما نهيتكم فيها - بجد منكم في ذلك ونشاط, فأعطيتم على العمل بذلك ميثاقكم, إذ رفعنا فوقكم الجبل.

(54) وأما قوله: (واسمعوا)، فإن معناه: واسمعوا ما أمرتكم به وتقبلوه بالطاعة، كقول الرجل للرجل يأمره بالأمر: " سمعت وأطعت ", يعني بذلك: سمعت قولك، وأطعت أمرك، كما قال الراجز: الســـمع والطاعـــة والتســليم خـــير وأعفـــى لبنــي تميــمْ (55) &; 2-357 &; يعني بقوله: " السمع "، قبول ما يسمع، و " الطاعة " لما يؤمر.

فكذلك معنى قوله: (واسمعوا)، اقبلوا ما سمعتم واعملوا به.

* * * قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذ أخذنا ميثاقكم أن خذوا ما آتيناكم بقوة, واعملوا بما سمعتم, وأطيعوا الله, ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك.

* * * وأما قوله: (قالوا سمعنا)، فإن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد أن كان الابتداء بالخطاب, فإن ذلك كما وصفنا، (56) من أن ابتداء الكلام، إذا كان حكاية، فالعرب تخاطب فيه ثم تعود فيه إلى الخبر عن الغائب، وتخبر عن الغائب ثم تخاطب، كما بينا ذلك فيما مضى قبل.

(57) فكذلك ذلك في هذه الآية، لأن قوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم)، بمعنى: قلنا لكم، فأجبتمونا.

* * * وأما قوله: (قالوا سمعنا)، فإنه خبر من الله - عن اليهود الذين أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة، وأن يطيعوا الله فيما يسمعون منها - أنهم قالوا حين قيل لهم ذلك: سمعنا قولك، وعصينا أمرك.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: وأشربوا في قلوبهم حب العجل.

* ذكر من قال ذلك: 1561 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، قال: أشربوا حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.

&; 2-358 &; 1562 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، قال: أشربوا حب العجل بكفرهم.

1563 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه, عن الربيع: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، قال: أشربوا حب العجل في قلوبهم.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك أنهم سقوا الماء الذي ذري فيه سحالة العجل.

(58) * ذكر من قال ذلك: 1564 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: لما رجع موسى إلى قومه، أخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه، فذبحه, ثم حرقه بالمبرد, (59) ثم ذرّاه في اليم, فلم يبق بحر يومئذ يجري إلا وقع فيه شيء منه.

ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا منه, فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب.

فذلك حين يقول الله عز وجل: (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم).

(60) 1565 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال: لما سحل فألقي في اليم، استقبلوا جرية الماء, فشربوا حتى ملئوا بطونهم, فأورث ذلك من فعله منهم جبنا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه: (وأشربوا &; 2-359 &; في قلوبهم العجل) تأويل من قال: وأشربوا في قلوبهم حب العجل.

لأن الماء لا يقال منه: أشرب فلان في قلبه, وإنما يقال ذلك في حب الشيء, فيقال منه: " أشرب قلب فلان حب كذا ", بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه، كما قال زهير: فصحـوت عنهـا بعـد حـب داخـل والحــــب يُشْـــرَبُه فـــؤادُك داء (61) قال أبو جعفر: ولكنه ترك ذكر " الحب " اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام.

إذ كان معلوما أن العجل لا يُشرِب القلب, وأن الذي يشرب القلب منه حبه, كما قال جل ثناؤه: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [سورة الأعراف: 163]، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا [يوسف: 82]، وكما قال الشاعر: (62) ألا إننــي سُــقِّيت أســود حالكـا ألا بَجَلِـي مــن الشــراب ألا بَجَـل (63) &; 2-360 &; يعني بذلك سُمّا أسود, فاكتفى بذكر " أسود " عن ذكر " السم " لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله: " سقيت أسود ".

ويروى: ألا إنني سقيت أسود سالخا (64) وقد تقول العرب: " إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم، أو إلى حاتم ", (65) فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله، إذا كان معروفا بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفات، ومنه قول الشاعر: يقولـون جـاهد يـا جـميل بغـزوة وإن جهــادا طيــئ وقتالهـــا (66) * * * القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل: بئس الشيء يأمركم به إيمانكم؛ إن كان يأمركم بقتل أنبياء الله ورسله, &; 2-361 &; والتكذيب بكتبه, وجحود ما جاء من عنده.

ومعنى " إيمانهم ": تصديقهم الذي زعموا أنهم به مصدقون من كتاب الله, إذْ قيل لهم: آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ .

فقالوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا .

وقوله: (إن كنتم مؤمنين)، أي: إن كنتم مصدقين كما زعمتم بما أنـزل الله عليكم، (67) وإنما كذبهم الله بذلك - لأن التوراة تنهي عن ذلك كله، وتأمر بخلافه.

فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة، إن كان يأمرهم بذلك، فبئس الأمر تأمر به.

وإنما ذلك نفي من الله تعالى ذكره عن التوراة، أن تكون تأمر بشيء مما يكرهه الله من أفعالهم, وأن يكون التصديق بها يدل على شيء من مخالفة أمر الله، وإعلام منه جل ثناؤه أن الذي يأمرهم بذلك أهواؤهم, والذي يحملهم عليه البغي والعدوان.

* * * -------------- الهوامش : (54) سلف شرحه لألفاظ هذه الآية : "ميثاق" ، "الطور" ، "الإيتاء" ، "قوة" ، فاطلبه في المواضع الآتية 2 : 156 ، 157 ، 160 والمراجع .

(55) قائلة رجل من ضبة ، من بني ضرار يدعى جبير بن الضحاك ، ومن خبره أن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي والي البصرة في سنة 55 ، خطب على منبرها فحصبه جبير هذا ، فأمر به عبد الله بن عمرو فقطعت يده .

فقال الرجز .

ورفعوا الأمر إلى معاوية فعزله (تاريخ الطبري 6 : 167) .

(56) في المطبوعة : "مما وصفنا" ، ليست شيئا .

(57) انظر ما سلف 1 : 153 - 154 ، وهذا الجزء 2 : 293 ، 294 .

(58) السحالة : ما سقط من الذهب والفضة ونحوهما إذا سحلا ، أي بردا بالمبرد .

(59) حرقه : برده بالمبرد ، وانظر ما سلف من هذا الجزء 2 : 74 .

(60) الأثر : 1564 - سلف برقم : 937 .

(61) ديوانه : 339 ، وهو هناك"تشربه" بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء ونصب"فؤادك" ، وشرحه فيه دليل على ذلك ، فإنه قال : "تدخله" وقال : "تشربه" تلزمه ولكن استدلال الطبري ، كما ترى يدل على ضبطه مبنيا للمجهول ، ورفع"فؤادك" .

وحب داخل ، وداء داخل : قد خالط الجوف فأدخل الفساد على العقل والبدن .

(62) هو طرفة بن العبد .

(63) ديوانه : 343 (أشعار الستة الجاهليين) ، ونوادر أبي زيد : 83 ، واللسان (سود) .

واختلف فيما أراد بقوله : "أسود" .

قيل : الماء ، وقيل : المنية والموت .

قال أبو زيد في نوادره : "يقال ما سقاني فلان من سويد قطرة ، (سويد : بالتصغير) هو الماء ، يدعى الأسود" .

واستدل بالبيت .

والصواب في ذلك أن يقال كما قال الطبري ، ويعني به : سوء ما لقى من هم وشقاء حالك في حب صاحبته الحنظلية ، التي ذكرها في شعره هذا قبل البيت : فقــل لخيــال الحنظليــة ينقلـب إليهـا, فـإني واصـل حبل من وصل ألا إنمــا أبكــى ليــوم لقيتــه بجـرثم قـاس, كـل مـا بعـده جلل إذا جـاء مـا لا بـد منـه فمرحبـا بـه حـين يـأتي - لا كذاب ولا علل ألا إننـــــي .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

ويروى : "ألا بجلى من الحياة" ، وهي أجود .

.

ورواية الديوان واللسان : (ألا إنني شربت) ، والتي هنا أجود .

وقوله : "بجل" ، أي حسبي ما سقيت منك ومن الحياة .

(64) السالخ من الحيات : الأسود الشديد السواد ، وهو أقتل ما يكون إذا سلخ جلده في إبانه من كل عام .

(65) هرم بن سنان ، صاحب زهير بن أبي سلمى ، وحاتم : هو الطائي الذي لا يخفى له ذكر .

وأكثر هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 61 - 62 .

(66) معاني القرآن للفراء 1 : 62 ، ومجالس ثعلب : 76 ، واللسان (غزا) ، ونسبه لجميل ، ولا أظنه إلا أخطأ ، لذكر جميل في البيت ، ولمشابهته لقول جميل : يقولـون : جـاهد يـا جـميل بغزوة!

وأي جهـــاد غـــيرهن أريــد? ولكن البيت من شعر آخر ، لم أهتد إليه بعد البحث ، ويريد الأول : وإن الجهاد جهاد طيئ وقتالها ، فحذف واجتزأ .

(67) انظر ما سلف في معنى"الإيمان" 1 : 235 ، 2 : 143 وغيرهما .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنينقوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا تقدم الكلام في هذا .

ومعنى اسمعوا أطيعوا ، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط ، وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه ، ومنه قولهم : سمع الله لمن حمده ، أي قبل وأجاب .

قال :دعوت الله حتى خفت ألا يكون الله يسمع ما أقولأي يقبل ، وقال الراجز :والسمع والطاعة والتسليم خير وأعفى لبني تميمقالوا سمعنا وعصينا اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا ، أو يكونون فعلوا فعلا قام مقام القول فيكون مجازا ، كما قال :امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني[ ص: 32 ] وهذا احتجاج عليهم في قولهم : نؤمن بما أنزل علينا .قوله تعالى : وأشربوا في قلوبهم العجل أي حب العجل والمعنى : جعلت قلوبهم تشربه ، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم .

وفي الحديث : تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء .

.

.

.

الحديث ، خرجه مسلم .

يقال أشرب قلبه حب كذا ، قال زهير :فصحوت عنها بعد حب داخل والحب تشربه فؤادك داءوإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها ، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها .

وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة ، وكان عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وكان محبا لها :تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسيرتغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرورأكاد إذا ذكرت العهد منها أطير لو ان إنسانا يطيروقال السدي وابن جريج : إن موسى عليه السلام برد العجل وذراه في الماء ، وقال لبني إسرائيل : اشربوا من ذلك الماء ، فشرب جميعهم ، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه .

وروي أنه ما شربه أحد إلا جن ، حكاه القشيري .قلت : أما تذريته في البحر فقد دل عليه قوله تعالى : ثم لننسفنه في اليم نسفا ، وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاه فيرده قوله تعالى : وأشربوا في قلوبهم العجل والله تعالى أعلم .قوله تعالى : قل بئسما يأمركم به إيمانكم أي إيمانكم الذي زعمتم في قولكم : نؤمن بما أنزل علينا .

وقيل : إن هذا الكلام خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أمر أن يوبخهم ، أي قل لهم يا محمد : بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم .

وقد مضى الكلام في ( بئسما ) والحمد لله وحده .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا } أي: سماع قبول وطاعة واستجابة، { قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } أي: صارت هذه حالتهم { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ } بسبب كفرهم.

{ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي: أنتم تدعون الإيمان وتتمدحون بالدين الحق, وأنتم قتلتم أنبياء الله, واتخذتم العجل إلها من دون الله, لما غاب عنكم موسى, نبي الله, ولم تقبلوا أوامره ونواهيه إلا بعد التهديد ورفع الطور فوقكم, فالتزمتم بالقول, ونقضتم بالفعل، فما هذا الإيمان الذي ادعيتم, وما هذا الدين؟.

فإن كان هذا إيمانا على زعمكم, فبئس الإيمان الداعي صاحبه إلى الطغيان, والكفر برسل الله, وكثرة العصيان، وقد عهد أن الإيمان الصحيح, يأمر صاحبه بكل خير, وينهاه عن كل شر، فوضح بهذا كذبهم, وتبين تناقضهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا} أي استجيبوا وأطيعوا.

سُمِيت الطاعة والإجابة سمعاً على المجاورة لأنه سبب للطاعة والإجابة.

{قالوا سمعنا} قولك.

{وعصينا} أمرك، وقيل: سمعنا بالأذن وعصينا بالقلوب، قال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لما سمعوا وتلقوه بالعصيان فنسب ذلك إلى القول اتساعاً.

{وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أي حب العجل، أي معناه: أدخل في قلوبهم حب العجل وخالطها، كإشراب اللون لشدة الملازمة يقال: فلان مشرب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة.

وفي القصص: أن موسى أمر أن يبرد العجل بالمبرد ثم يذره في النهر وأمرهم بالشرب منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه.

قوله عز وجل: {قل بئسما يأمركم به إيمانكم} أن تعبدوا العجل من دون الله أي بئس إيمان يأمركم بعبادة العجل.

{إن كنتم مؤمنين} بزعمكم، وذلك أنهم قالوا: (نؤمن بما أنزل علينا) فكذبهم الله عز وجل.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ أخذنا ميثاقكم» على العمل بما في التوراة «و» قد «رفعنا فوقكم الطور» الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم وقلنا «خذوا ما آتيناكم بقوة» بجد واجتهاد «واسمعوا» ما تؤمرون به سماع قبول «قالوا سمعنا» قولك «وعصينا» أمرك «وأشربوا في قلوبهم العجل» أي خالط حبه قلوبهم كما يخالط الشراب «بكفرهم، قل» لهم «بئسما» شيئا «يأمركم به إيمانكم» بالتوراة عبادة العجل «إن كنتم مؤمنين» بها كما زعمتم.

المعنى لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل، والمراد آباؤهم: أي فكذلك أنتم لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذَّبتم محمداً والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا بقَبول ما جاءكم به موسى من التوراة، فنقضتم العهد، فرفعنا جبل الطور فوق رؤوسكم، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بجدٍّ، واسمعوا وأطيعوا، وإلا أسقطنا الجبل عليكم، فقلتم: سمعنا قولك وعصينا أمرك؛ لأن عبادة العجل قد امتزجت بقلوبكم بسبب تماديكم في الكفر.

قل لهم -أيها الرسول-: قَبُحَ ما يأمركم به إيمانكم من الكفر والضلال، إن كنتم مصدِّقين بما أنزل الله عليكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر القرآن الكريم جناية أخرى تكذبهم في دعواهم : أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم - وهي إباؤهم التوراة عناداً واستكباراً فقال تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واسمعوا قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) .ومعنى الآية الكريمة : واذكروا - يا بني إسرائيل - وقت أن أخذنا الميثاق عليكم بأن تعملوا بما في التوراة ، وتتلقوا أحكامها بالتقبل والطاعة ورفعنا فوقكم الطور لنريكم آية من آياتنا العظمى التي تقوى قلوبكم ، وتجعلكم تقبلون على تعاليم التوراة برغبة واستجابة ، وقلنا لكم خذوا ما آتيناكم بجد وحزم ، واسمعوا ما أمرناكم به سماع تدبر وطاعة ، ولكنكم - يا بني إسرائيل - يا من تدعون الإِيمان بما أنزل عليكم - أعرضتم عما أمرتم به من قبول التوراة وقلتم لنبيكم سمعنا قولك وعصينا أمرك ، وخالط حب عبادة العجل قلوبكم كما يخالط الماء أعماق البدن ولم تأبهوا بما جاءكم في التوراة من الهدى والنور وبما صحب عرضها عليكم من الآية البينة وهي رفع الجبل فوقكم حتى ظننتم أنه وافع بكم فكفرتم بذلك كله ولازالت نفوسكم تحن إلى عبادة العجل ولقد سرتم على منهج أسلافكم في العناد والجحود والإِعراض عما ينزله الله من الحق ، وإذا كان هذا شأنكم فكيف تدعون الإِيمان بما أنزل عليكم؟ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على تخرصاتهم فقال تعالى : ( قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) .وقوله تعالى : ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ) معناه : أننا حركناه ونقلناه معلقاً فوقكم في الهواء ، لتروا بأعينكم آية كونية من شأنها أنها تحملكم على الإِيمان والطاعة إن كانت لكم عقول تعقل .ومعنى قوله تعالى : ( خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واسمعوا ) : قلنا لكم خذوا ما أمرناكم به في التوراة بجد واجتهاد في تأديته ، واسمعوا ما تؤمرون به سماع طاعة وتفهم .

فقوله تعالى ( واسمعوا ) ليس المراد به مجرد السماع للقول فقط ، بل المقصود منه السماع الذي يصحبه التدبر والاستجابة للأمر : فهو مؤكد ومقرر لقوله تعالى : ( خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ) .ثم حكى - سبحانه - جوابهم الذي يدل على عنادهم فقال : ( قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قوله جوابهم؟

قلت طابقه من حيث إنه قال لهم اسمعوا : وليكن سماعكم تقبل وطاعة ، فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة .وقد اختلف المفسرون هل صدر متهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقاص أو أنهم فعلوا فعلا مقام القول فيكون مجازاً؟قال الفخر الرازي : الأكثرون من المفسرين على أنهم قالوا هذا القول حقيقة .

وقال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول ولم يقولوه ، كقوله تعالى ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ) قال : والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل لا يجوز .وقوله تعالى : ( وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ ) عطف على قولهم سمعنا وعصينا والإِشراب؛ السقي وجعل الشيء شارباً ، واستعمل على وجه التجوز في خلط لون بأخر كأن أحد اللونين سقى الآخر ، يقال : بياض مشرب بحمرة أي مختلط ، وفلان أشرب قلبه حب كذا بمعنى خالط حبه قلبهقال الإِمام الرازي : قوله تعالى : ( وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل ) في وجه هذه الاستعارة وجهان : الأول : معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب ، وقوله في قلوبهم بيان لمكان الإِشراب كقوله :( إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ) الثاني : كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض ، فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال .وفي الجملة الكريمة ( وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل ) مضاف محذوف وهو لفظ ( حب ) لدلالة المعنى عليه .والمعنى : إن هؤلاء اليهود الذين مردوا على العصيان قد خالط حب العجل نفوسهم حتى استقر في قلوبهم كما يخالط الماء أعماق الجسد .

وحذف لفظ الحب من الجملة الكريمة ، يشعر بشدة تعلق قلوبهم بالعجل حتى لكأنهم أشروبا ذاته .والتعبير بقوله : ( وَأُشْرِبُواْ ) يشير إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي ال اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه .وقوله تعالى : ( بِكُفْرِهِمْ ) دليل على أن محبتهم للعجل ناشئة عن كفر سابق ، وجحود متأصل فكفرهم الذي ترتب على عبادتهم للعجل ، قد سبقه كفر آخر ، فهو كفر على كفر .ثم أمر الله - تعالى - نبيه في ختام الآية الكريمة بتوبيخهم فقال تعالى :( قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) أي : قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين يدعون الإِيمان بما أنزل عليهم - قل لهم - بئس الشيء الذي يأمركم به إيمانكم قتل الأنبياء وعبادة العجل والعصيان إن كنتم مصدقين - كما زعمتم - بالتوراة ، والحق أن التوراة ما أمرتكم بشيء من ذلك فلما أنتم مؤمنين بها ولا بغيرها من كتب الله ، لأنها لا تأمر بالفحشاء .فالجملة الكريمة خلاصة لإِبطال قولهم ( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) بعد أن أبطله الله - تعالى - فيما سبق بشواهد متعددة ، لأنهم لما زعموا ذلك ، وكانوا مع هذا يفعلون أفعالا قبيحة تناقض الإِيمان بأي كتاب سماوي ، أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذمهم على هذه الأفعال التي تناقض الإِيمان بما أنزل عليهم لكي يعلم الناس جميعاً أن دعواهم لا أساس لها من الصحة .وأضاف - سبحانه - الإِيمان إليهم فقال ( إِيمَانُكُمْ ) ولم يقل الإِيمان ، لأنه ليس إيماناً صحيحاً وإنما هو إيمان مزعوم ، فإضافة الإِيمان إليهم من باب التهكم بهم والاستهزاء بعقولهم .وقوله تعالى : ( إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) أي إن كنتم مصدقين كما زعمتم بما أنزل الله عليكم .

وإنما كذبهم الله بذلك لأن التوراة تنهى عن ذلك كله ، وتأمر بخلافه ، فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة إن كان يأمرهم بذلك ، فبئس الأمر تأمر به .

وإنما ذلك نفي من الله - تعالى - عن التوراة أن تكون تأمر بشيء مما يكرهه الله من أفعالهم وأن يكون التصديق بها يدل على شيء من مخالفة أمر الله ، وإعلام منه - جل ثناؤه - أن الذي يأمرهم بذلك أهواؤهم ، والذي يحملهم عليه البغي والعدوان " .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة ، والبراهين القاطعة على كذب اليهود في دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم ، ووبختهم على مزاعمهم الباطلة ، وأقوالهم الفاسدة .هذا ، ولفضيلة أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز كلام رصين عند حديثه عن هذه الآيات ، فقد قال - رحمه الله - :يقول الله تعالى في ذكر حجاج اليهود : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ .

.

.

) .هذا قطعة من فصل من قصة بني إسرائيل ، والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة نلخص فيما يلي :1 - مقالة ينصح بها الناصح لليهود : إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن .2 - إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوي على مقصدين .3 - الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه .وأٌسم لو أن محامياً بليغاً وكلت إليه الخصومة بلسان القرآن في هذه القضية ، ثم هدى إلى استنباط هذه المعاني التي تحتاج في نفس الداعي لما وسعه في أدائها أضعاف أضعاف هذه الكلمات ، ولعله بعد ذلك لا يفى بما حولها من إشارات واحتراسات وآداب وأخلاق .قال الناصح لليهود : آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة ، ألستم قد أمنتم بالتوراة التي جاء بها موسى لأنها أنزلها الله؟

فالقرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنزله الله ، فآمنوا به كما آمنتم بها .فانظر كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير في هذه اللفظ الوجيز ( آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ ) .

وسر ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى كنايته .

فجعل دعاءهم إلى الإِيمان به دعاء إلى الشيء بحجته ، وبذلك أخرج الدليل والدعوى في لفظ واحد .ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه فلم يقل : آمنوا بما أنزل الله ( على محمد ) ، مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة .أتدري لم ذلك؟

لأنه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائداً ، وفي نظر الحكمة الإِرشادية مفسداً .أما الأول فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها في الإِلزام ، فأدير الأمر على القدر المشترك وعلى الحد الأوسط الذي هو عمود الدليل .وأما الثاني فلأن إلقاء هذا الاسم على مسامع الأعداء من شأنه أن يخرج أضغانهم ويثير أحقادهم فيؤدي إلى عكس ما قصده الداعي من التأليف والإِصلاح .كان جواب اليهود أن قالوا : إن الذي دعانا للإِيمان بالتوراة ليس هو كونها أنزلها الله فحسب ، بل إننا آمنا بها لأن الله أنزلها علينا .

والقرآن لم ينزله علينا ، فلكم قرآنكم ولنا توراتنا ، ولكل أمة شرعة ومنهاج .هذا هو المعنى الذي أوجزه القرآن في قوله : ( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) وهذا هو المقصد الأول ، وقد زاد إيجاز هذه العبارة أن حذف منها فاعل الإِنزال وهو لفظ الجلالة ، لأنه تقدم ذكره في نظيرتها .ومن البين أن اقتصارهم على الإِيمان بما أنزل عليهم يومئ إلى كفرانهم بما أنزل على غيرهم ، وهذا هو المقصد الثاني ، ولكنهم تحاشوا التصريح به لما فيه من شناعة التسجيل على أنفسهم بالكفر ، فأراد القرآن أن يبرزه ، أنظر كيف أبرزه؟

إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهباً له ، ولم يدخل مضمون قولهم في جملة ما نقله من كلامهم ، بل أخرجه في معرض الشرح والتعليق على مقالتهم فقال :( وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ) أليس ذلك هو غاية الأمانة في النقل؟

.

.

ثم جاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه .فتراه لا يبدأ بمحاورتهم في دعوى إيمانهم بكتابهم ، بل يتركها مؤقتاً كأنها مسلمة ليس عليهم وجوب الإِيمان بغيره من الكتب فيقول : كيف يكون الإِيمان بكتابهم باعثاً على الكفر بما هو حق مثله؟

لا بل هو الحق كله ، وهل يعارض الحق الحق حتى يكون الإِيمان بأحدهما موجباً للكفر بالآخر؟ثم يترقى فيقول : وليس الأمر بين هذا الكتاب الجديد وبين الكتب السالفة عليه كالأمر بين كل حق وحق ، فقد يكون الشيء حقاص وغيره حقاً فلا يتكاذبان ، ولكنهما في شأنهما مختلفين ، فلا يشهد بعضها لبعض ، أما هذا الكتاب فإنه جاء شاهداً ومصدقاً لما بين يديه من الكتب ، فكيف يكذب به من يؤمن بها .فانظر إلى الإِحكام في صنعه البيان : إنما هي كلمة رفعت وأخرى وضعت في مكانها عند الحاجة إليها ، فكانت هذه الكلمة حسما لكل عذر ، وسداً لكل باب من أبواب الهرب ، بل كانت هذه الكلمة وحدها بمثابة حركة تطويق للخصم تمت خطوة واحدة ، وفي غير ما جلبه ولا طنطنة .ولما قضى وطر النفس من هذا الجانب المطوي الذي ساقه مساق الاعتراض والاستطراد ، استوى إلى الرد على المقصد الأصلي الذي تبجحوا بإعالنه والافتخار به ، وهو دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم ، فأوسعهم إكذاباً وتفنيداً .

وبين أن داء الجحود فيهم داء قديم ، قد أشربوهن في قلوبهم ومضت عليه القرون حتى أصبح مرضاً مزمناً وأن الذي أتوه اليوم من الكفر بما أنزل على محمد ما هو إلا حلقه متصلة بسلسلة كفرهم بما أنزل عيلهم ، وساق على ذلك الشواهد التاريخية المفظة التي لا سبيل لإنكارها في جهلهم بالله ، وانتهاكهم لحرمة أنبيائه ، وتمردهم على أوامره .( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) .تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استعدت له في آخر المرحلة السابقة ، إذ يفهم السامع من تكذيبهم لما يصدق كتابهم أنهم صاروا مكذبين لكتابهم نفسه ، وهو الذي يكذب من يصدقك يبقى مصدقاً لك؟؟

..ثم انظر بعد أن سجل القرآن على بني إسرائيل أفحش الفحش وهو وضعهم البقر الذي هو مثل في البلادة موضع المعبود الأقدس ، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم في تأبيهم على أوامر الله مع حملهم عليها بالآيات الرهيبة .

بعد كل ذلك تراه لا يزيد على أن يقول في أول الأمر : إن هذا " ظلم " وفي الثانية ( بئسما ) صنعتم ، أذلك كل ما تقابل به هذه الشناعات؟

نعم إنهما كلمتان وافيتان بمقدار الجريمة لو فهمتا على وجههما ، ولكن أين حدة الألم وحرارة الاندفاع في الانتقام؟

بل أين الإِقذاع والتشنيع؟

وأين الإِسراف والفجور الذي تراه في كلام الناس ، إذا أحفظوا بالنيل من مقامهم .تالله ما أعف هذه الخصومة وما أعز هذا الجانب ، وأغناه عن شكر الشاكرين وكفر الكافرين ، وتالله إن هذا الكلام لا يصدر عن نفس بشر " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الإعادة وجوهاً: أحدها: أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب.

وثانيها: أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم: ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ وذلك يدل على نهاية لجاجهم.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم: ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد.

المسألة الثانية: الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول، قال أبو مسلم: وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى: ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ وكقوله: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: واشربوا في قلوبهم حب العجل، وفي وجه هذا الاستعارة وجهان، الأول: معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله: ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ بيان لمكان الإشراف كقوله: ﴿ وَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  ﴾ .

الثاني: كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ واشربوا ﴾ يدل على أن فاعلاً غيرهم فعل بهم ذلك، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله، أجابت المعتزلة عنه من وجهين: الأول: ما أراد الله أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان: معجب بنفسه.

الثاني: أن المراد من أَشْرب أي زَيَّنه عندهم ودعاهم إليه كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن.

أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل، ولما أقمنا الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن بنا حاجة إلى ترك هذا الظاهر.

أما قوله تعالى: ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى.

أما قوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب: ﴿ أَصلاتُكَ تَأْمُرُكَ  ﴾ وكذلك إضافة الإيمان إليهم.

المسألة الثانية: الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَنتُمْ ظالمون ﴾ يجوز أن يكون حالاً، أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، وأن يكون اعتراضاً بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم.

وكرّر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول مع ما فيه من التوكيد ﴿ واسمعوا ﴾ ما أمرتم به في التوراة ﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا ﴾ قولك ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك.

فإن قلت: كيف طابق قوله جوابهم؟

قلت: طابقه من حيث إنه قال لهم: ﴿ اسمعوا ﴾ وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ولكن لا سماع طاعة ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل ﴾ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبيغ.

وقوله: ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ بيان لمكان الإشراب كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ [النساء: 10] .

﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ بسبب كفرهم ﴿ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم ﴾ بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجاجيل.

وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب ﴿ أصلاتكَ تَأْمُرُكَ ﴾ [هود: 87] وكذلك إضافة الإيمان إليهم وقوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا ﴾ أيْ قُلْنا لَهُمْ: خُذُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ في التَّوْراةِ بِجِدٍّ واسْمَعُوا سَماعَ طاعَةٍ.

﴿ قالُوا سَمِعْنا ﴾ قَوْلَكَ ﴿ وَعَصَيْنا ﴾ أمْرَكَ ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ تَداخَلَهم حُبُّهُ ورَسَخَ في قُلُوبِهِمْ صُورَتُهُ، لِفَرْطِ شَغَفِهِمْ بِهِ، كَما يَتَداخَلُ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، والشَّرابُ أعْماقَ البَدَنِ.

وفي قُلُوبِهِمْ: بَيانٌ لِمَكانِ الإشْرابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا ﴾ ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُجَسِّمَةً أوْ حُلُولِيَّةً ولَمْ يَرَوْا جِسْمًا أعْجَبَ مِنهُ، فَتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ ما سَوَّلَ لَهُمُ السّامِرِيُّ ﴿ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ ﴾ أيْ بِالتَّوْراةِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ نَحْوَ هَذا الأمْرِ، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِن قَبائِحِهِمُ المَعْدُودَةِ في الآياتِ الثَّلاثِ إلْزامًا عَلَيْهِمْ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْقَدَحِ.

في دَعْواهُمُ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ، وتَقْدِيرُهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِها لَمْ يَأْمُرْكم بِهَذِهِ القَبائِحِ ولا يُرَخِّصْ لَكم فِيها إيمانُكم بِها، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِها فَبِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم بِها، لِأنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ لا يَتَعاطى إلّا ما يَقْتَضِيهِ إيمانُهُ، لَكِنَّ الإيمانَ بِها لا يَأْمُرُ بِهِ، فَإذًا لَسْتُمْ بِمُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ ما آتيناكُمْ بِقُوَّةٍ} كرر ذكر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى {واسمعوا} ما أمرتم به في التوراة {قَالُواْ سَمِعْنَا} قولك {وَعَصَيْنَا} أمرك وطابق قوله جوابهم من حيث إنه قال لهم اسمعوا وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة

فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل} أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب وقوله في قلوبهم بيان لمكان الإشراب والمضاف وهو الحب محذوف {بكفرهم} سبب كفرهم واعتقادهم التشبيه {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم} بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم وكذا إضافة الإيمان اليهم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ أيْ قُلْنا لَهم خُذُوا ما أمَرْتُكم بِهِ في التَّوْراةِ بِجِدٍّ وعَدَمِ فُتُورٍ، واسْمَعُوا، أيْ سَماعَ تَقَبُّلٍ وطاعَةٍ، إذْ لا فائِدَةَ في الأمْرِ بِالمُطْلَقِ بَعْدَ الأمْرِ بِالأخْذِ بِقُوَّةٍ بِخِلافِهِ عَلى تَقْدِيرِ التَّقْيِيدِ، فَإنَّهُ يُؤَكِّدُهُ ويُقَرِّرُهُ لِاقْتِضائِهِ كَمالَ إبائِهِمْ عَنْ قَبُولِ ما آتاهم إيّاهُ، ولِذا رُفِعَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ، وكَثِيرًا ما يُرادُ مِنَ السَّماعِ القَبُولُ، ومِن ذَلِكَ ”سَمْع اللَّهِ لِمَن حَمْدُهُ“ وقَوْلُهُ: دَعَوْتُ اللَّهَ حَتّى خِفْتُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ ما أقُولُ ﴿ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ أيْ سَمِعْنا قَوْلَكَ: خُذُوا، واسْمَعُوا، وعَصَيْنا أمْرَكَ، فَلا نَأْخُذُ، ولا نَسْمَعُ سَماعَ الطّاعَةِ، ولَيْسَ هَذا جَوابًا لِاسْمَعُوا، بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ أمْرَيْنِ، لِأنَّهُ يَبْقى خُذُوا بِلا جَوابٍ، وذَهَبَ الجَمُّ إلى ذَلِكَ، وأوْرَدُوا هُنا سُؤالًا وجَوابًا، حاصِلُ الأوَّلِ أنَّ السَّماعَ في الأمْرِ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَوْلُهُمْ: سَمِعْنا طاعَةٌ، وعَصَيْنا مُناقِضٌ وإنْ كانَ القَبُولَ، فَإنْ كانَ في الجَوابِ كَذَلِكَ كَذِبٌ وتَناقُضٌ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالسُّؤالِ، وزُبْدَةُ الجَوابِ أنَّ السَّماعَ هُناكَ مُقَيَّدٌ، والأمْرَ مُشْتَمِلٌ عَلى أمْرَيْنِ سَماعِ قَوْلِهِ، وقَبُولِهِ بِالعَمَلِ، فَقالُوا: نَمْتَثِلُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، ومَرْجِعُهُ إلى القَوْلِ بِالمُوجِبِ، ونَظِيرُهُ ﴿ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنٌ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ وقِيلَ: المَعْنى قالُوا بِلِسانِ القالِ سَمِعْنا، وبِلِسانِ الحالِ عَصَيْنا، أوْ سَمِعْنا أحْكامًا قَبْلُ وعَصَيْنا، فَنَخافُ أنْ نَعْصِيَ بَعْدَ سَماعِ قَوْلِكَ هَذا، وقِيلَ: ”سَمِعْنا“ جَوابُ ”اسْمَعُوا“ و”عَصَيْنا“ جَوابُ ”خُذُوا“ وقالَ أبُو مَنصُورٍ: إنَّ قَوْلَهم ”عَصَيْنا“ لَيْسَ عَلى إثْرِ قَوْلِهِمْ ”سَمْعنا“ بَلْ بَعْدَ زَمانٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فَلا حاجَةَ إلى الدَّفْعِ بِما ذُكِرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ بَعْدَ ما سَمِعْتَ كَما لا يَخْفى.

﴿ وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قالُوا، أوْ مُسْتَأْنَفٌ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ: قَدْ، أوْ بِدُونِهِ، والعامِلُ قالُوا، والإشْرابُ مُخالَطَةُ المائِعِ الجامِدَ، وتُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ في اللَّوْنَيْنِ، ومِنهُ بَياضٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ حُبَّ العِجْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العِجْلُ مَجازًا عَنْ صُورَتِهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى الحَذْفِ، وذِكْرُ القُلُوبِ لِبَيانِ مَكانِ الإشْرابِ، وذِكْرُ المَحَلِّ المُتَعَيِّنِ يُفِيدُ مُبالَغَةً في الإثْباتِ، والمَعْنى: داخَلَهم حُبُّ العِجْلِ ورَسَخَ في قُلُوبِهِمْ صُورَتُهُ لِفَرْطِ شَغَفِهِمْ بِهِ، كَما داخَلَ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وأنْشَدُوا: إذا ما القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ ∗∗∗ فَلا تَأْمُلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرافا وقِيلَ: أُشْرِبُوا مِن أُشْرِبَتِ البَعِيرُ إذا شَدَدْتَ في عُنُقِهِ حَبْلًا، كَأنَّ العِجْلَ شُدَّ في قُلُوبِهِمْ لِشَغَفِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: مِنَ الشَّرابِ، ومِن عادَتِهِمْ أنَّهم إذا عَبَّرُوا عَنْ مُخامَرَةِ حُبٍّ، أوْ بُغْضٍ اسْتَعارُوا لَهُ اسْمَ الشَّرابِ، إذْ هو أبْلَغُ مُنْساغٍ في البَدَنِ، ولِذا قالَ الأطِبّاءُ: الماءُ مَطِيَّةُ الأغْذِيَةِ، والأدْوِيَةِ، ومَرْكَبُها الَّذِي تُسافِرُ بِهِ إلى أقْطارِ البَدَنِ، وقالَ الشّاعِرُ: تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرابٌ ∗∗∗ ولا حُزْنٌ ولَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ وقِيلَ: مِنَ الشُّرْبِ حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّ السُّدِّيَّ نَقَلَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَرَدَ العِجْلَ بِالمِبْرَدِ، ورَماهُ في الماءِ، وقالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا، فَشَرِبُوا جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بِرادَتُهُ عَلى شَفَتَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمُ ﴾ يُبْعِدُ هَذا القَوْلَ جِدًّا، عَلى أنَّ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا في كِتابِهِ عَمّا فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِجْلِ يُبْعِدُ ظاهِرَ هَذِهِ الرِّوايَةِ أيْضًا، وبِناءُ أُشْرِبُوا لِلْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ، ولا فاعِلَ سِواهُ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو عَلى حَدِّ قَوْلِ القائِلِ: أنَسِيتَ كَذا، ولَمْ يُرِدْ أنَّ غَيْرَهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وإنَّما المُرادُ نَسِيتَ وأنَّ الفاعِلَ مَن زَيَّنَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، ودَعاهم إلَيْهِ كالسّامِرِيِّ ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا مُجَسِّمَةً، يُجَوِّزُونَ أنْ يَكُونَ جِسْمٌ مِنَ الأجْسامِ إلَهًا، أوْ حُلُولِيَّةً يُجَوِّزُونَ حُلُولَهُ فِيهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَمْ يَرَوْا جِسْمًا أعْجَبَ مِنهُ، فَتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ ما سُوِّلَ لَهُمْ، وثُعْبانُ العَصا كانَ لا يَبْقى زَمانًا مُمْتَدًّا، ولا يَبْعُدُ مِن أُولَئِكَ أنْ يَعْتَقِدُوا عِجْلًا صَنَعُوهُ عَلى هَيْئَةِ البَهائِمِ إلَهًا، وإنْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما تَرى مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ الَّذِينَ كانَ أكْثَرُهم أعْقَلَ مِن كَثِيرٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ مَصْحُوبًا بِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ.

﴿ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ حَسْبَما تَدَّعُونَ، وإسْنادُ الأمْرِ إلى الإيمانِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلتَّهَكُّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ ﴾ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ قَتْلُ الأنْبِياءِ، وكَذا وكَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ مَخْصُوصًا بِقَوْلِهِمْ: عَصَيْنا أمْرَكَ، وأُراهُ عَلى القُرْبِ بَعِيدًا.

﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قَدْحٌ في دَعْواهُمُ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ، وإبْطالٌ لَها، وجَوابُ الشَّرْطِ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في رَدِّ دَعْواهُمُ الإيمانَ، أوِ الجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ السّابِقَةُ، إمّا بِتَأْوِيلٍ، أوْ بِلا تَأْوِيلٍ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ما رَخَّصَ لَكم إيمانُكم بِالقَبائِحِ الَّتِي فَعَلَّكُمْ، بَلْ مَنَعَ عَنْها، فَتَناقَضْتُمْ في دَعْواكم لَهُ، فَتَكُونُ باطِلًا، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِها فَبِئْسَما أمَرَكم بِهِ إيمانُكم بِها، أوْ فَقَدْ أمَرَكم إيمانُكم بِالباطِلِ، لَكِنَّ الإيمانَ بِها لا يَأْمُرُ بِهِ، فَإذَنْ لَسْتُمْ بِمُؤْمِنِينَ، والمُلازَمَةُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ عَلى الأوَّلِ، بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الأمْرِ، وإبْطالِ الدَّعْوى بِلُزُومِ التَّناقُضِ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ المُلازَمَةُ بِالنَّظَرِ إلى حالِهِمْ مِن تَعاطِي القَبائِحِ مَعَ ادِّعائِهِمُ الإيمانَ، والمُؤْمِنُ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَتَعاطى إلّا ما يُرَخِّصُهُ إيمانُهُ، وإبْطالُ التّالِي بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الأمْرِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم في هَذا، ونَظائِرِهِ كَوْنَ الجَزاءِ مَعْرِفَةَ السّابِقِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تَعْرِفُونَ أنَّهُ بِئْسَ المَأْمُورُ بِهِ، وقِيلَ: (إنْ) نافِيَةٌ، وقِيلَ: لِلتَّشْكِيكِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الكَشّافِ، وفِيهِ أنَّ المَقْصِدَ إبْطالُ دَعَوَتُهم بِإبْرازِ إيمانِهِمُ القَطْعِيِّ العَدَمِ مَنزِلَةَ ما لا قَطْعَ بِعَدَمِهِ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ، لا لِلتَّشْكِيكِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمالُ (إنْ) لِتَشْكِيكِ السّامِعِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (بِهُو إيمانُكُمْ) بِضَمِّ الهاءِ، ووَصْلِها بِواوٍ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَآ آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ، أي بجد ومواظبة في طاعة الله تعالى وَاسْمَعُوا، أي قيل لهم اسمعوا، قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا.

قال في رواية الكلبي: قالوا: سمعنا قولك وعصينا أمرك، ولولا مخافة الجبل ما قبلنا.

ويقال: إنهم يقولون في الظاهر: سمعنا، ويضمرون في أنفسهم: وعصينا أمرك.

وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ، أي جعل حلاوة عبادة العجل في قلوبهم مجازاة لكفرهم.

ويقال: حب عبادة العجل فحذف الحب، وأقيم العجل مقامه ومثل هذا يجري في كلام العرب.

كما قال في آية أخرى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] ، أي أهل القرية، ثم قال تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ، أي بئس الإيمان الذي يأمركم بالكفر.

وقال مقاتل: معناه إن كان حب عبادة العجل في قلوبكم يعدل حب عبادة خالقكم، فبئس ما يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كما تزعمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وبِغَضَبٍ معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلم على غَضَبٍ متقدِّم من اللَّه تعالى عليهم، قيل: لعبادتهم العِجْلَ.

وقيل: لكفرهم بعيسى- عليه السلام- فالمعنى: على غَضَبٍ قد باءَ به أسلافهم، حظُّ هؤلاءِ منْهُ وافرٌ بسبب رضاهم بتلك الأفعال، وتصويبهم لها.

ومُهِينٌ: مأخوذ من «الهَوَانِ» ، وهو الخلود في النَّار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذابِ الذي يقام عليه الحدُّ، لا هوان فيه، بل هو تطهيرٌ له.

وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني لليهود: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمّد صلّى الله عليه وسلم، وهو القرآن، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنون: التوراةَ، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ قال قتادة: أي: بما بعده «١» ، قال الفَرَّاء «٢» .

أي: بما سواه «٣» ، ويعني به:

القرآن، ووصف تعالى القرآن بأنه الحق ومُصَدِّقاً: حالٌ مؤكِّدة عند سيبَوَيْهِ.

وقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ردٌّ من اللَّه تعالى عليهم، وتكذيب لهم في ذلك، واحتجاج عليهم.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ: بِالْبَيِّناتِ: التوراة، والعصا، وفرق البحر، وسائر الآيات، وخُذُوا ما/ آتَيْناكُمْ: يعني: التوراة والشرع بِقُوَّةٍ، أي: ٢٩ ب

بعزمٍ، ونشاطٍ.

وجِدٍّ.

وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ: أي: حبَّ العجْلِ، والمعنى: جُعِلَتْ قلوبهم تَشْربه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارة عن تمكُّن أمر العِجْل في قلوبهم.

وقوله تعالى: بِكُفْرِهِمْ يحتمل أن تكون باء السببِ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مَعَ» .

وقوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أن يوبِّخهم لأنَّه بئس هذه الأشياء التي فَعَلْتُمْ، وأمركم بها إِيمانُكُم الذي زعمتُمْ في قولكم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا.

وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ...

الآية: أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أنْ يوبِّخهم، والمعنى: إِن كان لكم نعيمُهَا وحُظْوَتُهَا، وخيرها، فذلك يقتضي حرْصَكُم على الوصُول إِليها، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، والدَّارُ: اسمُ «كان» ، و «خالصة» : خبرها ومِنْ دُونِ النَّاسِ يحتملُ أن يراد ب «النَّاس» : محمّد صلّى الله عليه وسلم، ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم، وهذه آية بيّنة أعطاها الله رسوله محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأن اليهود قالَتْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] ، وشبه ذلك من القول، فأمر اللَّه نبيَّه أن يدعوهم إلى تمنِّي الموت، وأن يعلمهم أنه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيّ صلّى الله عليه وسلم ذلك، فعلموا صدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عن تمنِّيه فَرَقاً من اللَّه لِقبحِ أفعالهم ومعرفتهم بكذبِهم، وحرصاً منهم على الحَيَاة، وقيل: إِن اللَّه تعالى منعهم من التمنِّي، وقصرهم على الإِمساك عنه لتظهر الآية لنبيّه صلّى الله عليه وسلم.

ت: قال عِيَاضٌ «١» : ومن الوجوه البَيِّنة في إِعجاز القُرْآن آيٌ وردتْ بتعجيز قومٍ في قضايا «٢» ، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فَعَلُوا ولا قَدَرُوا على ذلك كقوله تعالى لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً «٣» ...

الآية: قال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاج «٤» في هذه الآية: أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحَّة الرسالة لأنهُ قال لهم:

فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وأعلمهم أنهم لَنْ يتمنَّوْهُ أبداً، فلم يتمنَّهُ وَاحِدٌ منهم، وعن النبيِّ صلى الله

تعالى عليه وسلم «والَّذي نَفُسِي بيَدِهِ، لا يقولها رجُلٌ منهم إلا غصَّ بِرِيقِهِ» «١» ، يعني:

يموتُ مكانه، قال أبو محمَّدٍ الأصيليُّ «٢» : من أَعجب أمرهم أنَّهُ لا تُوجَدُ منهم جماعةٌ ولا واحدٌ من يومِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذلك نبيَّهُ يقدَّم عليه «٣» ، ولا يجيب إليه، وهذا موجودٌ مشاهَدٌ لمن أراد أن يمتحنه منهم.

انتهى من «الشّفا» .

والمراد بقوله: فَتَمَنَّوُا: أريدوهُ بقلوبكم، واسْألوهُ، هذا قَوْلُ جماعة من المفسِّرين، وقال ابن عبَّاس: المراد به السؤالُ فقطْ، وإِن لم يكن بالقَلْب «٤» ، ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنَّونه أبداً، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إِلى الأيدي إِذ الأَكْثَرُ من كسب «٥» العبد الخير والشرَّ، إِنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ما في الألْواحِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الآَياتُ التِّسْعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي هاءِ "بَعْدَهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى مُوسى، فَمَعْناهُ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِهِ إلى الجَبَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى المَجِيءِ، لِأنَّ "جاءَكُمْ" يَدُلُّ عَلى المَجِيءِ وفي ذِكْرِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا إذا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ، قالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، وإذا نَظَرُوا إلى الكِتابِ؛ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ أيْ: سُقُوا حُبَّ العِجْلِ، فَحَذَفَ المُضافَ، وهو الحُبُّ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ  ﴾ [أيْ: وقْتَ الحَجِّ ] وقَوْلُهُ: ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ  ﴾ [أيْ: أجَعَلْتُمْ صاحِبَ سِقايَةِ الحاجِّ ] .

وقَوْلُهُ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ [أيْ: أهْلُهُا ] وقَوْلُهُ: ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ  ﴾ .

أيْ: ضِعْفُ عَذابِ الحَياةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ  ﴾ .

أيْ: بُيُوتُ صَلَواتٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ  ﴾ .

أيْ: مَكْرُكم فِيهِما.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ  ﴾ أيْ: أهْلُهُ.

وَمِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: أُنْبِئَتُ أنَّ النّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ أيْ: أهْلُ المَجْلِسِ.

وقالَ الآَخَرُ وشَرُّ المَنايا مَيِّتٌ بَيْنَ أهْلِهِ أيْ: وشَرُّ المَنايا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ بَيْنَ أهْلِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ ﴾ أيْ: أنْ تُكَذِّبُوا المُرْسَلِينَ، وتَقْتُلُوا النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وتَكْتُمُوا الهُدى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: الجَحْدِ، فالمَعْنى: ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إذْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ، وعَبَدْتُمُ العِجْلَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ "إنْ" شَرْطًا مُعَلَّقًا بِما قَبْلَهُ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ فَبِئْسَ الإيمانُ إيمانٌ يَأْمُرُكم بِعِبادَةِ العِجْلِ، وقَتْلُ الأنْبِياءِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ "البَيِّناتُ": التَوْراةُ، والعَصا، وفَرَقُ البَحْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ ﴾ تَدَلُّ "ثُمَّ" عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في ذَنْبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العَجْلَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ مِن بَعْدِهِ حِينَ غابَ عنكم في المُناجاةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عَلى المَجِيءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ في أنَّ مَن آمَنَ بِما نُزِّلَ عَلَيْهِ لا يَتَّخِذُ العَجَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ ورَفْعِ الطُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ ، يَعْنِي التَوْراةَ، والشَرْعَ.

و"بِقُوَّةٍ" أيْ بِعَزْمٍ، ونَشاطٍ، وجِدٍّ، "واسْمَعُوا" مَعْناهُ هُنا: وأطِيعُوا، ولَيْسَ مَعْناهُ الأمْرُ بِإدْراكِ القَوْلِ فَقَطْ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم ﴿ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ ، ونَطَقُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ مُبالَغَةً في التَعَنُّتِ والمَعْصِيَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بـِ "سَمِعْنا وعَصَيْنا" ولَكِنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضاهُ، كَما قالَ الشاعِرُ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي..................

وهَذا أيْضًا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في كَذِبِ قَوْلِهِمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ ، التَقْدِيرُ: حُبُّ العِجْلِ، والمَعْنى: جَعَلَتْ قُلُوبَهم تَشْرَبُهُ، وهَذا تَشْبِيهٌ ومَجازٌ عِبارَةٌ عن تَمَكُّنِ أمْرِ العَجَلِ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ شُرْبُهُمُ الماءَ الَّذِي ألْقى فِيهِ مُوسى بُرادَةَ العِجْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ بَرَدَهُ بِالمَبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ، وقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اشْرَبُوا مِن ذَلِكَ الماءِ، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَةُ الذَهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ.

وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمُ ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ فِيهِمْ حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءُ الجِنُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكُفْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ بِئْسَما ﴾ الآيَةُ، أمَرَ لِمُحَمَّدٍ  أنْ يُوَبِّخَهم بِأنَّهُ بِئْسَ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي فَعَلْتُمْ، وأمْرُكم بِها إيمانُكُمُ الَّذِي زَعَمْتُمْ في قَوْلِكُمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا  ﴾ ، و"ما": في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: بِئْسَ الشَيْءُ قَتْلٌ واتِّخاذُ عِجْلٍ، وقَوْلُ ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ شَرْطٌ، وقَدْ يَأْتِي الشَرْطُ والشارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ  ﴾ وقَدْ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، كَذَلِكَ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، والقائِلُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ إقامَةُ حُجَّةٍ بِقِياسٍ بَيِّنٍ، وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" هُنا نافِيَةٌ بِمَنزِلَةِ "ما" كالَّتِي تَقَدَّمَتْ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ "بِهُوَ إيمانُكُمْ" بِرَفْعِ الهاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ  أنْ يُوَبِّخَهُمْ، والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم نَعِيمُها وحَظْوَتُها وخَيْرُها فَذَلِكَ يَقْتَضِي حِرْصُكم عَلى الوُصُولِ إلَيْها ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ ، و"الدارُ": اسْمُ كانَتْ، و"خالِصَةً" خَبَرُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "خالِصَةً" عَلى الحالِ، و"عِنْدَ اللهِ" خَبَرُ كانَ، و ﴿ مِن دُونِ الناسِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بـِ "الناسِ" مُحَمَّدٌ  ومَن تَبِعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ العُمُومُ التامُّ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ فِيما حُفِظَ عنهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِ الواوِ مِن "تَمَنَّوْا" لِلِالتِقاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "تُمَنَّوا المَوْتَ" بِفَتْحِ الواوِ، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ في الرَفْعِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِضَمِّ الواوِ.

وهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ أعْطاها اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا  ، لِأنَّ اليَهُودَ قالَتْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ  ﴾ ، وشِبْهُ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ، فَفَعَلَ النَبِيُّ  ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عن تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللهِ لِقُبْحِ أعْمالِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ  ﴾ ، وحِرْصًا مِنهم عَلى الحَياةِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ مَنَعَهم مِنَ التَمَنِّي، وقَصَرَهم عَلى الإمْساكِ عنهُ، لِتَظْهَرَ الآيَةُ لِنَبِيِّهِ  .

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "تُمَنُّوا" أرِيدُوهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ فِيهِ السُؤالُ فَقَطْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرُوا بِالدُعاءِ بِالمَوْتِ عَلى أرْدَأ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أو مِنهم.

وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ مُدَّةَ حَياةِ النَبِيِّ  وارْتَفَعَتْ بِمَوْتِهِ.

والصَحِيحُ أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَصارى مِن أهْلِنَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ سَبَبَ هَذا الدُعاءِ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أنَّ النَبِيَّ  أرادَ بِهِ هَلاكَ الفَرِيقِ المُكَذِّبِ، أو قَطْعَ حُجَّتِهِمْ، لا أنَّ عِلَّتَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ  ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم بِعَجْزِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ، و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمانٍ، وإذا كانَتْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي فَتَحْتاجُ إلى عائِدٍ تَقْدِيرُهُ: قَدَّمَتْهُ، وإذا كانَتْ مَعَ "قَدَّمَتْ" بِمَثابَةِ المَصْدَرِ غَنِيَتْ عَنِ الضَمِيرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يَرى الضَمِيرَ في المَصْدَرِيَّةِ.

وأضافَ ذُنُوبَهم واجْتِرامَهم إلى الأيْدِي، وأسْنَدَ تَقْدِيمَها إلَيْها، إذِ الأكْثَرُ مِن كَسْبِ العَبْدِ الخَيْرَ والشَرَّ إنَّما هو بِيَدَيْهِ، فَحَمَلَ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ ظاهِرُها الخَبَرُ، ومُضَمِّنُها الوَعِيدُ، لِأنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ وغَيْرُهُمْ، فَفائِدَةُ تَخْصِيصِهِمْ حُصُولُ الوَعِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ فلم تقتلون أنبياء الله ﴾ [البقرة: 91] والقصد منه تعليم الانتقال في المجادلة معهم إلى ما يزيد إبطال دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم خاصة، وذلك أنه بعد أن أكذبهم في ذلك بقوله: ﴿ فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ﴾ كما بينا، ترقى إلى ذكر أحوالهم في مقابلتهم دعوة موسى الذي يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بما جاءهم به فإنهم مع ذلك قد قابلوا دعوته بالعصيان قولاً وفعلاً فإذا كانوا أعرضوا عن الدعوة المحمدية بمعذرة أنهم لا يؤمنون إلا بما أنزل عليهم فلماذا قابلوا دعوة أنبيائهم بعد موسى بالقتل؟

ولماذا قابلوا؟

دعوة موسى بما قابلوا.

فهذا وجه ذكر هذه الآيات هنا وإن كان قد تقدم نظائرها فيما مضى، فإن ذكرها هنا في محاجة أخرى وغرض جديد، وقد بينتُ أن القرآن ليس مثل تأليف في علم يُحال فيه على ما تقدم بل هو جامع مواعظ وتذكيرات وقوارع ومجادلات نزلت في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة فلذلك تتكرر فيه الأغراض لاقتضاء المقام ذكرها حينئذ عند سبب نزول تلك الآيات.

وفي «الكشاف» أن تكرير حديث رفع الطور هنا لما نيط به من الزيادة على ما في الآية السابقة معنى في قوله: ﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾ الآية وهي نكتة في الدرجة الثانية.

وقال البيضاوي إن تكرير القصة للتنبيه على أن طريقتهم مع محمد صلى الله عليه وسلم طريقة أسلافهم مع موسى وهي نكتة في الدرجة الأولى وهذا إلزام لهم بعمل أسلافهم بناءً على أن الفرع يَتْبَع أصله والولد نسخة من أبيه، وهو احتجاج خطابي.

والقول في هاته الآيات كالقول في سابقتها [البقرة: 63] وكذلك القول في (البينات).

إلا أن قوله: ﴿ واسمعوا ﴾ مراد به الامتثال فهو كناية كما تقول فلان لا يسمع كلامي أي لا يمتثل أمري إذ ليس الأمر هنا بالسماع بمعنى الإصغاء إلى التوراة فإن قوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ يتضمنه ابتداء لأن المراد من الأخذ بالقوة الاهتمام به وأول الاهتمام بالكلام هو سماعه والظاهر أن قوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ لا يشمل الامتثال فيكون قوله: ﴿ واسمعوا ﴾ دالاً على معنى جديد وليس تأكيداً، ولك أن تجعله تأكيداً لمدلول ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ بأن يكون الأخذ بقوة شاملاً لنية الامتثال وتكون نكتة التأكيد حينئذ هي الإشعار بأنهم مظنة الإهمال والإخلال حتى أكد عليهم ذلك قبل تبين عدم امتثالهم فيما يأتي ففي هذه الآية زيادة بيان لقوله في الآية الأولى: ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ [البقرة: 63].

واعلم أن من دلائل النبوة والمعجزات العلمية إشارات القرآن إلى العبارات الني نطق بها موسى في بني إسرائيل وكتبت في التوراة فإن الأمر بالسماع تكرر في مواضع مخاطباتتِ موسى لملإ بني إسرائيل بقوله: اسمع يا إسرائيل، فهذا من نكت اختيار هذا اللفظ للدلالة على الامتثال دون غيره مما هو أوضح منه وهذا مثل ما ذكرنا في التعبير بالعهد.

وقوله: ﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾ يحتمل أنهم قالوه في وقت واحد جواباً لقوله: ﴿ واسمعوا ﴾ وإنما أجابوه بأمرين لأن قوله: ﴿ اسمعوا ﴾ تضمن معنيين معنى صريحاً ومعنى كنائياً فأجابوا بامتثال الأمر الصريح وأما الأمر الكنائي فقد رفضوه وذلك يتضمن جواب قوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ أيضا لأنه يتضمن ما تضمنه ﴿ واسمعوا ﴾ وفي هذا الوجه بعد ظاهر إذ لم يعهد منهم أنهم شافهوا نبيهم بالعزم على المعصية وقيل: إن قوله: ﴿ سمعنا ﴾ جواب لقوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم ﴾ أي سمعنا هذا الكلام، وقوله: ﴿ وعصينا ﴾ جواب لقوله: ﴿ واسمعوا ﴾ لأنه بمعنى امتثلوا ليكون كل كلام قد أجيب عنه ويبعده أن الإتيان في جوابهم بكلمة ﴿ سمعنا ﴾ مشير إلى كونه جواباً لقوله: ﴿ اسمعوا ﴾ لأن شأن الجواب أن يشتمل على عبارة الكلام المجاب به وقوله: ليكون كل كلام قد أجيب عنه قد علمت أن جعل ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ جواباً لقوله: ﴿ واسمعوا ﴾ يغني عن تطلب جواب لقوله: ﴿ خذوا ﴾ ففيه إيجاز، فالوجه في معنى هذه الآية هوما نقله الفخر عن أبي مسلم أن قولهم: ﴿ عصينا ﴾ كان بلسان الحال يعني فيكون ﴿ قالوا ﴾ مستعملاً في حقيقته ومجازه أي قالوا: سمعنا وعصوا فكأن لسانهم يقول عصينا.: ويحتمل أن قولهم ﴿ عصينا ﴾ وقع في زمن متأخر عن وقت نزول التوراة بأن قالوا عصينا في حثهم على بعض الأوامر مثل قولهم لموسى حين قال لهم: ادخلوا القرية ﴿ لن ندخلها أبداً ﴾ [المائدة: 24] وهذان الوجهان أقرب من الوجه الأول.

وفي هذا بيان لقوله في الآية الأولى: ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ [البقرة: 64].

والإشراب هو جعل الشيء شارباً، واستعير لجعل الشيء متصلاً بشيء وداخلاً فيه ووجه الشبه هو شدة الاتصال والسريان لأن الماء أسرى الأجسام في غيره ولذا يقول الأطباء الماء مطية الأغذية والأدوية ومَركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن فلذلك استعاروا الإشراب لشدة التداخل استعارة تبعية قال بعض الشعراء: تغلغل حب عثمة في فؤادي *** فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب *** ولا حزن ولم يبلغ سرور ومنه قولهم أشرب الثوب الصبغ، قال الراغب: من عادتهم إذا أرادوا مخامرة حب وبغض أن يستعيروا لذلك اسم الشراب اه.

وقد اشتهر المعنى المجازي فهجر استعمال الإشراب بمعنى السقي وذكر القلوب قرينة على أن إشراب العجل على تقدير مضاف من شأن القلب مثل عبادة العجل أو تأليه العجل.

وإنما جعل حبهم العجل إشراباً لهم للإشارة إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي لا اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه كقولهم أُولِع بكذا وشُغِف.

والعجلَ مفعول ﴿ أشربوا ﴾ على حذف مضاف مشهور في أمثاله من تعليق الأحكام وإسنادها إلى الذوات مثل ﴿ حُرِّمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] أي أكل لحمها.

وإنما شغفوا به استحساناً واعتقاداً أنه إلههم وأن فيه نفعهم لأنهم لما رأوه من ذهب قدسوه من فرط حبهم الذهب.

وقد قوي ذلك الإعجاب به بفرط اعتقادهم ألوهيته ولذلك قال تعالى: ﴿ بكفرهم ﴾ فإن الاعتقاد يزيد المعتقد توغلاً في حب معتقده.

وإسناد الإشراب إلى ضمير ذواتهم ثم توضيحه بقوله: ﴿ في قلوبهم ﴾ مبالغة وذلك مثل ما يقع في بدل البعض والاشتمال وما يقع في تمييز النسبة.

وقريب منه قوله تعالى: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ [النساء: 10] وليس هو مثل ما هنا لأن الأكل متمحض لكونه منحصراً في البطن بخلاف الإشراب فلا اختصاص له بالقلوب.

وقوله: ﴿ قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ﴾ تذييل واعتراض ناشئ عن قولهم ﴿ سمعنا وعَصَيْنا ﴾ هو خلاصة لإبطال قولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] بعد أن أبطل ذلك بشواهد التاريخ وهي قوله: ﴿ قل فلم تقتلون أنبئاء الله ﴾ [البقرة: 91] وقوله: ﴿ ولقد جاءكم موسى بالبينات ﴾ وقوله: ﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾ ولذلك فَصَله عن قوله: ﴿ قل فلم تقتلون أنبئاء الله ﴾ لأنه يجري من الأول مجرى التقرير والبيان لحاصله، والمعنى قل لهم إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم كما زعمتم يعني التوراة فبئسما أمركم به هذا الإيمان إذ فعلتم ما فعلتم من الشنائع من قتل الأنبياء ومن الإشراك بالله في حين قيام التوراة فيكم فكيف وأنتم اليوم لا تعرفون من الشريعة إلا قليلاً، وخاصة إذا كان هذا الإيمان بزعمهم يصدهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فالجملة الشرطية كلها مقول ﴿ قل ﴾ والأمر هنا مستعمل مجازاً في التسبب.

وإنما جعل هذا مما أمرهم به إيمانهم مع أنهم لم يدعوا ذلك لأنهم لما فعلوه وهم يزعمون أنهم متصلبون في التمسك بما أنزل إليهم حتى أنهم لا يخالفونه قيد فتر ولا يستمعون لكتاب جاء من بعده فلا شك أن لسان حالهم ينادي بأنهم لا يفعلون فعلاً إلا وهو مأذون فيه من كتابهم، هذا وجه الملازمة وأما كون هذه الأفعال مذمومة شنيعة فذلك معلوم بالبداهة فأنتج ذلك أن إيمانهم بالتوراة يأمرهم بارتكاب الفظائع وهذا ظاهر الكلام والمقصود منه القدح في دعواهم الإيمان بالتوراة وإبطال ذلك بطريق يستنزل طائرهم ويرمي بهم في مهواة الاستسلام للحجة فأظهر إيمانهم المقطوع بعدمه في مظهر الممكن المفروض ليتوصل من ذلك إلى تبكيتهم وإفحامهم نحو: ﴿ قل إن كان للرحمن من ولد فأنا أول العابدين ﴾ [الزخرف: 81] ولهذا أضيف الإيمان إلى ضميرهم لإظهار أن الإيمان المذموم هو إيمانهم أي الذي دخله التحريف والاضطراب لما هو معلوم من أن الإيمان بالكتب والرسل إنما هو لصلاح الناس والخروج بهم من الظلمات إلى النور فلا جرم أن يكون مرتكبو هاته الشنائع ليسوا من الإيمان بالكتاب الذي فيه هدى ونور في شيء فبطل بذلك كونهم ﴿ مؤمنين ﴾ وهو المقصود فقوله: ﴿ بئسما يأمركم ﴾ جواب الشرط مقدم عليه أو ﴿ قل ﴾ دليل الجواب ولأجل هذا جيء في هذا الشرط بإن التي من شأن شرطها أن يكون مشكوك الحصول وينتقل من الشك في حصوله إلى كونه مفروضاً كما يفرض المحال وهو المراد هنا؛ لأن المتكلم عالم بانتفاء الشرط ولأن المخاطبين يعتقدون وقوع الشرط فكان مقتضى ظاهر حال المتكلم أن لا يؤتى بالشرط المتضمن لكونهم ﴿ مؤمنين ﴾ إلا منفياً ومقتضى ظاهر حال المخاطب أن لا يؤتى به إلا مع إذا ولكن المتكلم مع علمه بانتفاء الشرط فرضه كما يفرض المحال استنزالاً لطائرهم.

وفي الإتيان بإن إشعار بهذا الفرض حتى يقعوا في الشك في حالهم وينتقلوا من الشك إلى اليقين بأنهم غير مؤمنين حين مجيء الجواب وهو ﴿ بئسما يأمركم ﴾ وإلى هذا أشار صاحب «الكشاف» كما قاله التفتزاني وهو لا ينافي كون القصد التبكيت لأنها معان متعاقبة يفضي بعضها إلى بعض فمن الفرض يتولد التشكيك ومن التشكيك يظهر التبكيت.

ولا معنى لجعل ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ابتداء كلام وجوابه محذوفاً تقديره فإيمانكم لا يأمركم بقتل الأنبياء وعبادة العجل إلخ لأنه قطع لأواصر الكلام وتقدير بلا داع مع أن قوله: ﴿ قل بئسما يأمركم به إيمانكم ﴾ إلخ يتطلبه مزيد تطلب ونظائره في آيات القرآن كثيرة.

على أن معنى ذلك التقدير لا يلاقي الكلام المتقدم المثبت أن إيمانهم أمَرهم بهذا المذام فكيف ينفي بَعْد ذلك أن يكون إميانهم يأمرهم؟

و ﴿ بئسما ﴾ هنا نظير بئسما المتقدم في قوله: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ [البقرة: 90] سوى أن هذا لم يؤت له باسممٍ مخصوص بالذم لدلالة قوله: ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ﴾ والتقدير بئسما يأمركم به إيمانكم عبادةُ العجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ يَعْنِي بِجِدٍّ واجْتِهادٍ.

﴿ واسْمَعُوا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فاعْمَلُوا بِما سَمِعْتُمْ.

الثّانِي: أيِ اقْبَلُوا ما سَمِعْتُمْ، كَما قِيلَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أيْ قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَهُ، وقالَ الرّاجِزُ: السَّمْعُ والطّاعَةُ والتَّسْلِيمُ خَيْرٌ وأعْفى لِبَنِي تَمِيمِ ﴿ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ حَقِيقَةً، ومَعْناهُ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ.

والثّانِي: أنَّهم لَمْ يَقُولُوهُ ولَكِنْ فَعَلُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَقامَ الفِعْلُ مِنهم مَقامَ القَوْلِ كَما قالَ الشّاعِرُ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى بَرَدَ العِجْلَ وذَرّاهُ في الماءِ، فَكانَ لا يَشْرَبُهُ أحَدٌ يُحِبُّ العِجْلَ إلّا ظَهَرَتْ نُخالَةُ الذَّهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهم أُشْرِبُوا حُبَّ العِجْلِ في قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ كَذا، قالَ زُهَيْرٌ: ؎ فَصَحَوْتُ عَنْها بَعْدَ حُبٍّ داخِلٍ ∗∗∗ والحُبُّ تُشْرِبُهُ فُؤادَكَ داءُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ قال: أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَاسْمَعُواْ ﴾ أي: ما فيه من حلاله وحرامه، ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا ﴾ ما فيه، ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ ما أمرنا به، هذا هو الظاهر.

وقال أهل المعاني: معنى (اسمعوا) هاهنا: استجيبوا وأطيعوا، عُبِّر بالسمع؛ لأنه سَبَب الإجابة والطاعة (١) دعوتُ اللهَ حتى خِفتُ أن لا ...

يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ (٢) أي: يجيب (٣) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ بعض المفسرين يقولون: إنهم تلفظوا بهذه اللفظة، فقالوا: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ لما أطل الجبل فوقهم، فلما كشف عنهم قالوا: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ (٤) وقال الحسن: قالوا: سمعنا بألسنتهم، وعصينا بقلوبهم (٥) فقال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكنهم لما سمعوا الأمر، وتلقَّوه بالعصيان نسب ذلك منهم إلى القول اتساعًا (٦) ومَنْهَلٍ ذِبَّانُه في غَيْطَلِ ...

يَقُلْنَ للرائدِ أعْشَبْتَ انْزِلِ (٧) وقال امرؤ القيس: نواعِمُ يُتْبعنَ الهوى سُبُلَ الردَى ...

يقلن لأهل الحِلم ضُلًّا بَتْضلال (٨) قالوا: المعنى: يُضللن ذا الحلم، وليس الغرض حكاية قولهن.

وقوله تعالى: ﴿ وَأُشْرِبُواْ ﴾ الإشرابُ في اللُّغةِ خَلْطَ لونٍ بلون، يقال: أبيض مُشرَبٌ حُمرةً، إذا كان يعلوه حُمرة (٩) (١٠) (١١) وقال أبو عبيدة (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ الْعِجْلَ ﴾ أراد: حُبّ العجل فحذف المضاف (١٥) ﴿ وَسْئَلِ القَرْيَةَ ﴾ (١٦) ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ  ﴾ ، وكقول الشاعر: وكيف تُوَاصل مَنْ أصبَحتْ ...

خِلاَلَتُه كأبي مَرْحَبِ (١٧) حَسِبْتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا ...

وما هي وَيْبَ غيرِك بالعَنَاقِ (١٨) وقوله تعالى: ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ قال بعضهم: أي، باعتقادهم التشبيه؛ لأنهم طلبوا ما يتصوّرُ في نفوسهم (١٩) ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفرِهِم  ﴾ (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ معناه: إن كنتم مؤمنين فبئس الإيمان إيمانٌ يأمر بالكُفْر، وهذا تكذيب لهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، وذلك أنهم قالوا: ﴿ نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ ، فكذّبهم الله عز وجل، وعيَّرهم بعبادة العجل، وذلك أنّ آباءهم ادعوا الإيمان ثم عبدوا العجل (٢١) وقوله تعالى: ﴿ يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ ﴾ من المجاز وسعة العربية؛ لأن الإيمان لا يأمُر، وهو كقوله: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]، وكما تقول في الكلام: بئسما يأمرك العقل بشتم الناسِ، معناه: إِن كنْتَ عاقلًا لم تشتمهم، كذلك المعنى في الآية: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل (٢٢) (١) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 422، "تفسير الثعلبي" 1/ 1034 "تفسير القرطبي" 2/ 27.

(٢) البيت، لشمير بن الحارث الضبي، في "تاج العروس" 11/ 227 (مادة: سمع)، و"نوادر أبي زيد" ص 124، وبلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 1/ 1034 و"لسان العرب" 4/ 2095.

(٣) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1035.

(٤) بنحوه عن ابن عباس كما في "البحر المحيط" 1/ 308 واستحسنه أبو حيان قال: لأنا لا نصير إلى التأويل مع إمكان حمل الشيء على ظاهره لا سيما إذا لم يقم دليل على خلافه اهـ.

وحكى الواحدي في "الوسيط" 1/ 176 أن المفسرين اتفقوا على أنهم قالوا (سمعنا) لما أطل الجبل فوقهم، فلمَّا كشف عنهم قالوا (عصينا).

(٥) ذكره في "الوسيط" 1/ 176، وذكره في "البحر المحيط" 1/ 308 ولم ينسبه.

(٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 1035، عزاه لأهل المعاني.

(٧) البيت لأبي النجم العِجْلي.

ينظر: "الحيوان" 3/ 314 و 7/ 259، وذكر الشطر الآخر منه "تهذيب اللغة" 3/ 2448، "اللسان" 5/ 2951، "التاج" 2/ 233، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1035 بلا نسبة.

والغيطل: شجر ملتف أو عشب ملتف.

(٨) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" ص 126.

(٩) ينظر "تاج العروس" 2/ 103.

(١٠) هو أبو عثمان بكر بن بقية، وقيل: بكر بن محمد بن عدي بن حبيب المازني، تقدمت ترجمته.

(١١) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1848، "اللسان" 4/ 2224 (شرب).

(١٢) في "مجاز القرآن" 1/ 47.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 175، وينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1848، "اللسان" 4/ 2224.

(١٤) ينظر: "الزاهر" 2/ 101 و"غريب القرآن" ص 48 "البحر المحيط" 2/ 1848 وقال: وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل، لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها ..

وأما الطعام، فقالوا: هو مجاور لها غير متغلغل فيها، ولا يصل إلى القلب منه إلا اليسير.

(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 175، ونقله في "اللسان" 4/ 2224، وقال في "البحر المحيط" 1/ 309: وأسند الإشراب إلى العجل مبالغة كأنه بصورته أشربوه.

(١٦) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 61، الطبري في "تفسيره" 1/ 423.

(١٧) البيت للنابغة الجعدي، ينظر: "ديوانه" ص 26، "تفسير الثعلبي" 1/ 1035، "الكتاب" لسيبويه 1/ 110، "أمالي القالي" 1/ 192 "معاني القرآن" للزجاج 1/ 93، 175، "لسان العرب" 4/ 2224 مادة (اشرب) و 1/ 252 مادة (برد) قال ابن منظور: وأبو مرحب كنية الظِّل والظل منتقل، ويقال: هو كنية عرقوب، الذي قيل عنه: مواعيد عرقوب، والمراد على الأول: كيف تصاحب من لا يدوم على مودة، وإنما هو منتقل غير ثابت.

(١٨) البيت لذي الخرق الطهوي، ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 62، و"لسان العرب" 1/ 320 مادة (بغم)، 5/ 3053 (مادة: عقا) يخاطب الشاعر ذئبًا تبعه في طريقه، وقبله: ألم تعجب لذئب بات يسري ...

ليؤذن صاحبًا له باللحاق وقوله ويب كلمة مثل: ويل، تقول: وْيبَك وويب زيد، معناه: ألزمك الله ويلًا، نصب نصب المصدر.

بُغام الناقة: صوت لا تفصح به، والعناق: الأنثى من المعز.

وقوله: حسبت بغامَ راحلتي عناقًا، أي: بغام عناق.

(١٩) ينظر "البحر المحيط" 1/ 308 - 309.

(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 176.

(٢١) "تفسير الثعلبي" 1/ 1036، "الوسيط" 1/ 176.

(٢٢) "البحر المحيط" 1/ 309 "الوسيط" 1/ 176.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بالبينات ﴾ يعني المعجزات: كالعصا، وفلق البحر، وغير ذلك ﴿ اتخذتم العجل ﴾ ذكر هنا على وجه ألزم لهم، والإبطال بقولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ وكذلك رفع الطور، وذكر قبل هذا على وجه تعداد النعم لقوله: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم ﴾ [البقرة: 52] ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ [البقرة: 64] وعطفه بثم في الموضعين إشارة إلى قبح ما فعلوه من ذلك ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ الضمير لموسى عليه السلام: أي من بعد غيبته في مناجاة الله على جبل الطور ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك، ويحتمل أن يكونوا قالوه بلسان المقال، أو بلسان الحال ﴿ وَأُشْرِبُواْ ﴾ عبارة عن تمكن حب العجل في قلوبهم، فهو مجاز، تشبيهاً بشرب الماء، أو بشرب الصبغ في الثوب وفي الكلام محذوف أي أشربوا حب العجل وقيل: إن موسى برد العجل بالمبرد ورمى برادته في الماء فشربوه، فالشرب على هذا حقيقة، ويردّ هذا قوله: في قلوبهم ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ الباء سببية للتعليل، أو بمعنى المصابة ﴿ يَأْمُرُكُمْ ﴾ إسناد الأمر إلى إيمانهم، فهو مجاز على وجه التهكم، فهو كقولهم: ﴿ أصلاوتك تَأْمُرُكَ ﴾ [هود: 87] كذلك إضافة الإيمان إليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولقد جاءكم ﴾ مدغمة الدال في الجيم كل القرآن: أبو عمرو وحمزة وعلي خلف وهشام ﴿ جاءكم ﴾ وبابه بالإمالة: حمزة وخلف وابن ذكوان ﴿ قلوبهم العجل ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضم الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم وكذلك كل ما لقي الميم حرف ساكن وقبل الهاء كسرة ﴿ بما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.

والوقوف: ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لتقدير القول ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ بكفرهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ه) ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ أيديهم ﴾ (ط) ﴿ بالظالمين ﴾ (ه) ﴿ على حياة ﴾ (ج) على تقدير: ومن الذين أشركوا قوم يود أحدهم، ومن وقف على ﴿ أشركوا ﴾ فتقديره أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا و ﴿ يود ﴾ مستأنف للبيان وإنما لم يدخل من في الناس وأدخل في الذين أشركوا لأن اليهود من الناس وليسوا من المشركين كقولك "الياقوت أفضل الحجارة وأفضل من الديباج" ﴿ سنة ﴾ (ط) لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً ﴿ أن يعمر ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه).

التفسير: السبب في تكرير قصة اتخاذ العجل ههنا القدح بوجه آخر في قولهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا  ﴾ وبيان وصفهم بالعناد والتكذيب تسلية لرسول الله  وتثبيتاً له، فإن قوم موسى  بعد ظهور المعجزات الواضحات على يده اتخذوا العجل إلهاً ومع ذلك صبر وثبت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه.

وكرر ذكر رفع الطور للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قولهم ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ الدال على نهاية لجاجهم وذلك أنه قال لهم: اسمعوا سماع تقبل وطاعة.

فقالوا: سمعنا ولكن لا سماع طاعة، وظاهر الآية يدل على أنهم قالوا هذا القول أعني سمعنا وعصينا وعليه الأكثرون.

وعن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المعنى سمعوه وتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول مثل ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ.

وقوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الإشراب كقوله ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ وفي هذه الاستعارة لطيفة وهي أنه كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة للقبائح الصادرة عنهم.

وفي قوله ﴿ واشربوا ﴾ دلالة على أن فاعلاً غيرهم فعل ذلك بهم كالسامري وإبليس وشياطين الجن والإنس، وذلك بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه على الله  ولا ريب أن جميع الأسباب تنتهي إلى الله  وقد عرفت التحقيق في أمثال ذلك مراراً.

﴿ بئسما يأمركم ﴾ المخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئاً يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل، فليس في التوراة عبادة العجاجيل.

وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال قوم شعيب ﴿ أصلاتك تأمرك  ﴾ وكذلك إضافة الإيمان إليهم.

واعلم أن الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي، لكن الداعي إلى الفعل والسبب فيه قد يشبه بالأمر كقوله ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ الدار اسم "كان" وفي الخبر ثلاثة أوجه: الأول: ﴿ خالصة ﴾ و ﴿ عند ﴾ ظرف لخالصة أو للاستقرار الذي في ﴿ لكم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ عند ﴾ حالاً من الدار والعامل فيها "كان" أو الاستقرار.

وأما ﴿ لكم ﴾ فيكون على هذا متعلقاً بـ "كان" لأنها تعمل في حروف الجر، ويجوز أن يكون للتبيين فيكون موضعها بعد ﴿ خالصة ﴾ أي خالصة لكم فيتعلق بنفس خالصة، ويجوز أن يكون صفة لخالصة قدمت عليها فيتعلق حينئذ بمحذوف.

الثاني: أن يكون خبر كان ﴿ لكم ﴾ و ﴿ عند الله ﴾ ظرف و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل "كان" أو الاستقرار.

الثالث: أن يكون ﴿ عند الله ﴾ هو الخبر و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل فيها إما عند، و ما يتعلق به أو "كان" أو "لكم" وسوغ أن يكون ﴿ عند ﴾ خبر ﴿ كانت لكم ﴾ إذ كان فيه تخصيص وتبيين نحو ﴿ ولم يكن له كفواً أحد  ﴾ وقوله ﴿ من دون الناس ﴾ نصب بـ ﴿ خالصة ﴾ لأنك تقول: خلص كذا من كذا.

والمراد بالدار الآخرة الجنة لأنها هي المطلوبة من الدار الآخرة دون النار.

والمراد بقوله ﴿ عند الله ﴾ الرتبة والمنزلة، وحمله على عندية المكان ممكن ههنا إذ لعلهم كانوا مشبهة.

ومعنى خالصة لكم أي سالمة خاصة بكم لا حق لأحد فيها سواكم.

"ودون" ههنا يفيد التجاوز والتخطي في المكان كما تقول لمن وهبته منك ملكاً: هذا لك من دون الناس.

أي لا يتجاوز منك إلى غيرك.

والناس للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ولأنه لم يوجد ههنا معهود.

فإن قلت: من أين ثبت أنهم ادعوا ذلك؟

قلنا: لأنه لا يجوز أن يقال في معرض الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزامه بالثاني، ولقوله  ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ولما اعتقدوا في أنفسهم أنهم هم المحقون، لأن النسخ غير جائز عندهم، ولزعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ويوصلونهم إلى ثواب الله فلهذه الأسباب عظموا شأن أنفسهم وكانوا يفتخرون على العرب، وربما جعلوه كالحجة في أن النبي  المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب، وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد  ، فبين الله  فساد معتقدهم بالآية.

وبيان الملازمة أن متاع الدنيا قليل في جنب نعم الآخرة، وذلك القليل كان أيضاً منغصاً عليهم بعد ظهور محمد  ومنازعته معهم بالجدال والقتال.

فالموت خير لهم لا محالة لأنه يوصل إلى الخيرات الكثيرة الدائمة الصافية عن النغص، ولا يفوت إلا القليل النكد.

والوسيلة وإن كانت مكروهة نظراً إلى ذاتها لكنه لا يتركها العاقل نظراً إلى غايتها كالفصد ونحوه.

والنهي عن تمني الموت في قوله  "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان ولا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً إليّ وأمتني ما كانت الوفاة خيراً لي" محمول على تمن سببه عدم الصبر على الضر ونكد العيش كما قال قائل: ألا مـــوت يبــــاع فــأشتــريــه *** فهــذا العيــش مــا لا خيــر فيــه ألا رحــم المهيمــن روح عبـد *** تصــدق بــالــوفـاة علــى أخيــه فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقضاء ويدل على الجزع وضيق العطن وينافي قضية التوكل والتسليم، أو على تمن سببه الجزم بالوصول إلى نعيم الآخرة فإن ذلك خارج عن قانون الأدب، ونوع من الأخبار بالغيب لا يليق إلا ببعض أولياء الله.

روي أن علياً  كان يطوف بين الصفين في غلالة وهي شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضاً.

فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين.

فقال: يا بني، لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت.

وعن حذيفة أنه  كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال  : حبيب جاء على فاقة لا يفلح من ندم.

يعني على التمني.

وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة، محمداً وحزبه.

وكان كل واحد من العشرة المبشرة بالجنة يحب الموت ويحن إليه لجزمهم بلقاء الله و نيل ثوابه وذلك لمكان البشارة، فأما أحدنا فلا يليق به تمني الموت إلا على سبيل الرجاء وحسن الظن بالله "أنا عند ظن عبدي بي" وعن النبي  "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على الأرض يهودي" وليس لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد  فيقولوا: إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر، فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك فإنا نراك وأمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم، وبعد الموت تتخلصون إلى دار الكرامة والنعيم، لأنه  بعث لتبليغ الشرائع وتنفيذ الأحكام ولا يتم المقصود إلا بحياته وحياة أمته، فله  أن يقول لأجل هذا لا أرضى بالقتل مع أن المؤمن من هذه الأمة قلما يخلو من النزاع والشوق إلى لقاء ربه، فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده، والعبد الآبق يكره العود إلى مولاه، ولهذا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وبذلوا أرواحهم دون الدين والذب عن الملة الحنيفية ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر  ﴾ عن عبادة بن الصامت أن النبي  قال "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه.

وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه" ثم إنه  بين انتفاء اللازم بقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ وبرهن عليه بقوله ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ أي بما أسلفوا من موجبات النار كالكفر بمحمد  وبالقرآن وكتحريف كتاب الله وسائر قبائح أفعالهم.

وذكر الأيدي مجاز لأن أكثر الأعمال يتم بمباشرة اليد.

وقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ من المعجزات لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به كقوله ﴿ ولن تفعلوا  ﴾ وذلك أن التمني ليس من أعمال القلب حتى لا يطلع عليه أحد، وإنما هو قول الإنسان بلسانه تمنيت أو ليت لي كذا، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب.

فلو إنهم تمنوا لنقل ذلك كما ينقل سائر الحوادث العظام، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن أكثر من الذرّ.

وأيضاً لو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا قد تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك.

وأيضاً لولا أنه  أوحى إليه أنهم لم يتمنوا لم يكن في العقل رخصة الإقدام على مثل هذا الإلزام، لأنه في غاية السهولة، وإذا ثبت انتفاء اللازم ثبت انتفاء الملزوم بالضرورة وهو أن لا تكون الدال الآخرة لهم خالصة، وأما أنها ليست لهم بالاشتراك أيضاً، فيستفاد من الآية التالية.

وفي قوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ إشارة أيضاً إلى ذلك لأنه إذا كان محيطاً بسرهم وعلانيتهم وقد قدموا من القبائح ما قدموا فيجازيهم بما يحقون له.

وفي وضع الظاهر وهو بالظالمين مقام المضمر وهو بهم إشارة أخرى إلى سوء منقلبهم ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون  ﴾ واللام إما للعهد وإما للجنس، فيشملهم أولاً وغيرهم من الظلمة ثانياً.

فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا ﴿ ولن يتمنوه ﴾ وفي سورة الجمعة ﴿ ولا يتمنونه  ﴾ ؟

قلنا: لأن الدعوى هنا كون الدار الآخرة خالصة لهم، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، والأول مطلوب بالذات، والثاني وسيلة إليه، فناسب أن ينفي الأول بما هو أبلغ في إفادة النفي وهو "لن"، أو لأن الدعوى الثانية أخص فإنه لا يلزم أن يكون كل من له الدار الآخرة ولياً بمعنى أنه يلي النبي في الكمال والإكمال، ونفي العام أبعد من نفي الخاص كما أن إثبات الخاص في قولك "فلان ابن فلان موجود" أبعد من إثبات العام في قولك "الإنسان موجود".

فحيث كانت الدعوى الأولى أبعد احتيج إلى أداة هي في باب النفي أبلغ.

ثم إنه  لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت، أخبر بعد ذلك أنهم في غاية الحرص على الحياة، لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن لا يتمنى الحياة ولا الموت فقال ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس ﴾ مؤكداً باللام والنون والقسم المقدر وهو من وجد بمعنى علم.

وقوله ﴿ على حياة ﴾ بالتنكير لأنه أراد نوعاً من الحياة مخصوصاً وهي الحياة المتطاولة أو حياة وأيّ حياة.

وفي جعلهم أحرص من الذين أشركوا توبيخ عظيم، لأن المشركين لا يؤمنون بمعاد وعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فهي جنتهم، فلا يستبعد حرصهم عليها.

فإذا ازداد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان خليقاً بالتوبيخ.

وسبب زيادة حرصهم هو علمهم بأنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون غافلون عن ذلك.

وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان.

وعن ابن عباس: هو قول الأعاجم "زي هزار سال"، ويحسن أن يقال ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ كلام مبتدأ أي ومنهم ناس يودّ على حذف الموصوف كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا ملك لقوة الدلالة عليه بذكر ما اشتمل عليه قبله، فكأنه مذكور، وعلى هذا يلزم توبيخ اليهود من جهة أخرى وهي انضمامهم في زمرة المشركين وكونهم بعضاً منهم وذلك كقولهم ﴿ عزير ابن الله  ﴾ .

وقال أبو مسلم: في الآية تقديم وتأخير أي ولتجدنهم طائفة من الذين أشركوا وأحرص الناس على حياة، ثم فسر بقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ أي كل واحد يغرض لو يعمر.

و "لو" في معنى التمني و ﴿ لو يعمر ﴾ حكاية لودادتهم، وكان يجوز "لو أعمر" على الحكاية إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ مثل "حلف بالله ليفعلن" وتخصيص الألف بالذكر بناء على العرف ولأنه أول عقد يستحيل وقوعه في أعمار بني آدم أو يندر.

والضمير في قوله ﴿ وما هو ﴾ يعود إلى أحدهم و ﴿ أن يعمر ﴾ فاعل ﴿ بمزحزحه ﴾ أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره.

ويجوز أن يكون الضمير لما دل عليه ﴿ يعمر ﴾ من مصدره و ﴿ أن يعمر ﴾ بدل منه كأنه قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب أن يعمر.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبهماً و ﴿ أن يعمر ﴾ موضحه.

والزحزحة المباعدة والتنحية.

﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيه تهديد لأهل البغي والعناد، وزجر للعصاة عن الفساد.

والبصر قد يراد به العلم يقال فلان بصير بهذا الأمر أي عارف به، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها، وكلا الوصفين يصح عليه  ما لم يثبت له جارحة.

فإن قلنا: إن من الأعمال ما لا يصح أن يرى، تعين حمل البصر فيه على العلم والله أعلم بالصواب.

وإليه المرجع والمآب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .

والبينات: ما ذكرنا - فيما تقدم - من الآيات المعجزة، والحجج العجيبة، والبراهين الظاهرة على رسالته ونبوته، وصدق ما يدعوهم إليه، مما يدل كله أَنه من عند الله.

ثم - مع ما جاءَهم موسى بها - عبدوا العجل واتخذوه إلهاً، وكفروا بالله.

يُعَزِّي نبيه  ؛ لئلا يظن أَنه أَول مُكذَّب من الرسل، ولا أَول من كُفِر به؛ حتى لا يضيق صدره بما يقولون، ويستقبلونه بما يكره، وبالله التوفيق.

كقوله: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم ما فيه مقْنع، إن شاءَ الله  .

وقوله: ﴿ وَٱسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: اسمعوا، أَي: أَجيبوا.

ويحتمل: اسمعوا: أَطيعوا، لكن هذا فيما بين الخلق جائز السمع والطاعة.

وأََما إِضافة الطاعة إلى الله - عز وجل - فإِنه غير جائز؛ إذ لا يجوز أَن يقال: أَطاع الله.

وأَما السمع فإنه يجوز؛ لقوله: "سمع الله لمن حمده".

﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا ﴾ قولك، ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أَمرك.

لكن قولهم: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ لم يكن على أثر قولهم: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ، ولكن بعد ذلك بأَوقات؛ لأَنه قيل: لما أَبوا قبول التوراة؛ لما فيها من الشدائد والأَحكام، رفع الله الجبل فوقهم، فقبلوا؛ خوفاً من أَن يرسل عليهم الجبلَ، وقالوا: أَطعنا، فلما زايل الجبل، وعاد إلى مكانه، فعند ذلك قالوا: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ  ﴾ فالتولي منهم كان بعد ذلك بأَوقات.

وقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

قيل: أُشربوا، أَي: جُعل في قلوبهم حبُّ عبادة العجل بكفرهم بالله عز وجل.

وقيل: سُقُوا حُبَّ العجل.

وقيل: إِن موسى لما أَحرق العجل، ونسفه في البحر جعلوا يشربون منه لحبهم العجل.

وقيل: لما أَحرق ونسف في البحر جعلوا يلحسون الماء حتى اصفرت وجوههم.

وقيل: إنهم لما رأوا في التوراة ما فيها من الشدائد، قالوا عند ذلك: عبادةُ العجل علينا أَهون مما فيها من الشرائع.

وكله يرجع إلى واحد، وذلك كله آثار الحب.

وقوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: قل يا محمد: بئسما يأْمركم إيمانكم بالعجل الكفرَ بالله عز جل.

وقيلأ: إن اليهود ادعوا أَنهم مؤمنون بالتوراة؛ فقال: ﴿ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ ﴾ أي بالتوراة؛ إذ كفرتم بمحمد  ، وقد وجدتم فيها نعته وصفته.

وقوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

وذلك أَن أَعداءَ الله -  - كانوا يقولون: إن الجنة لنا في الآخرة، بقولهم ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ؛ فقال الله  لنبيه  : قل لهم: إن كانت لكم الدار الآخرة - كما تزعمون - وأَنكم أَبناءُ الله وأَحباؤه - كما تقولون - ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

وذلك أَن المرء لا يكره الانتقال إلى داره، وإلى بستانه، بل يتمنى ذلك، وكذلك المرءُ لا يكره القدوم على أبيه، ولا على ابنه، ولا على حبيبه، ولا يخاف نقمته ولا عذابه، بل يجد عنده الكرامات والهدايا.

فإن كان كما تقولون، فتمنوا الموت؛ حتى تنجوا من غم الدنيا، ومن تحمل الشدائد التي فيها إن كنتم صادقين في زعمكم: بأَن الآخرة لكم، وأَنكم أَبناءُ الله وأَحباؤه.

فإن قيل: إنكم تقولون: إن الآخرة للمؤمنين، ثم لا أَحد منهم يتمنى الموت إذا قيل له: تمنّ الموت، فما معنى الاحتجاج عليهم بذلك، وذلك على المؤمنين كهو عليهم؟

قيل: لوجهين: أَحدهما: أَن المؤمنين لم يجعلوا لأَنفسهم من الفضل والمنزلة عند الله ما جعلوا هم لأَنفسهم؛ فكان في تمنيهم صدقُ ما ادعَوْا لأَنفسهم، وفي الامتناع عن ذلك ظهورُ صدق رسول الله  .

والثاني: ما ذكرنا أَنهم ادعوا: أَنهم أَبناءُ الله وأَحباؤه، وفي تمنيهم الموت ردهم، وصرفهم إلى الحبيب، والأَب الذي ادعوه، ولا أَحد يرغب وينفر عن حبيبه وأَبيه؛ فدل امتناعهم عن ذلك: على كذبهم في دعاويهم.

وبالله نستعين.

فإن سأَلونا عن قوله: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ ﴾ أنهم إذا تمنوا ليس كان انقضاء عمرهم بدون الأَجَل الذي جعل لهم، وفي ذلك: تقديم الآجال عن الوقت الذي كان أَجَلا، وقال الله  : ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ .

قيل: إن الله علم منهم - في سابق علمه، وأَزليته - أَنهم لا يتمنون جعل أَجلهم ذلك.

ولو علم منهم أَنهم يتمنون الموت لكان يجعل أَجلهم ذلك في الابتداءِ، وكذلك هذا الجواب؛ لما روي: "أَن صلة الرحم تزيد في العمر" إنه كان كذلك يحتمل في الابتداءِ، لا أَن يجعل أَجله إلى وقت، ثم إذا وصل رحمه يزيد على ذلك الأَجل أَو ينقص، فيتمنى الموت عن الأَجل المجعول المضروب له، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ﴾ .

فيه دلالة إِثبات رسالة محمد  ، وذلك أَنه أَخبر - عز وجل - أَنهم لا يتمنون أَبداً، فكان كما قال؛ فدل أَنه من عند الله علم ذلك.

وقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ .

من الذنوب، والعصيان، والتكذيب بمحمد  ، والحسد له.

وهم - والله أعلم - قد عرفوا عن صنيعهم، وما لهم من عند الله من العذاب والجزاءِ، لكنهم قالوا ذلك؛ على التعنت، والمكابرة، والسفه؛ لذلك لم يتمنوا، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ ﴾ .

هو على الوعيد؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ  ﴾ .

ويحتمل: عليم بالظالمين؛ بما يفضحهم بالحجج، ويُظهر كذبهم في الدنيا؛ لئلا يظن أحد أَنه عن غفلة بما يعملون، بل خلقهم على علم منه بما يعملون.

خلقهم؛ ليعلم أنه لا لنفع له بخلقهم خلَقَهم، وأَن ذلك لا يضره.

وقوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ يعني اليهود.

﴿ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ ﴾ .

وعلى كراهية الموت.

فدل حرصهم على حياة الدنيا أَنهم كذبة فيما يزعمون ويدعون.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ﴾ .

يعني: المجوس.

أي: هم أحرص الناس على حياة الدنيا من المجوس؛ لأَن المجوس لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة، وهم يؤمنون بها؛ فهم - مع إيمانهم بالبعث، وتصديقهم بالقيامة - أَحرص على حياة الدنيا من المجوس الذين لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة.

وقيل: إِنَّه على الابتداءِ.

ولا يتنافى بقول: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ يعني: المجوس ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ؛ لأنهم يقولون فيما بينَهم: أَلف سنة تأْكل النيروز والمهرجان، ويقولون بالفارسية: هزار ساله بزه.

فأَخبر الله -  - أَن طول العمر في الدنيا لا ينجيه من العذاب في الآخرة، ولا يباعده عنه.

وهو قوله: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ  ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ  مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

هو على الوعيد أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا حين أخذنا عليكم عهدًا مؤكدًا باتباع موسى  ، وقبول ما جاء به من عند الله، ورفعنا فوقكم الجبل تخويفًا لكم، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم من التوراة بجد واجتهاد، واسمعوا سماع قبول وانقياد، وإلا أسقطنا الجبل عليكم، فقلتم: سمعنا بآذاننا وعصينا بأفعالنا، وتمكنت عبادة العجل في قلوبهم بسبب كفرهم.

من فوائد الآيات اليهود أعظم الناس حسدًا؛ إذ حملهم حسدهم على الكفر بالله وردِّ ما أنزل، بسبب أن الرسول  لم يكن منهم.

أن الإيمان الحق بالله تعالى يوجب التصديق بكل ما أَنزل من كتب، وبجميع ما أرسل من رسل.

من أعظم الظلم الإعراض عن الحق والهدى بعد معرفته وقيام الأدلة عليه.

من عادة اليهود نقض العهود والمواثيق، وهذا ديدنهم إلى اليوم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ov7lQ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سبق التذكير باتخاذ العجل في قوله تعالى ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ ثم أعاده هنا بعبارة وأسلوب آخرين في سياق آخر.

أما اختلاف العبارة والأسلوب فظاهر وأما السياق فقد كان أولًا في تعداد النعم على بني إسرائيل وبيان ما قابلوها به من الكفران وهو هنا في ذكر الآيات ورد شبهاتهم المانعة بزعمهم من الإيمان بالنبي  ، فهناك يقول إن النعم التي أسبغها الله عليكم لم يكن لها من شكر عندكم إلا اتخاذ عجل تعبدونه من دونه.

وههنا يقول إن الآيات البينات على النبوة والوحدانية، لم تزدكم إلا إيغالًا في الشرك وانهماكًا في الوثنية، فكيف تعتذرون عن الإيمان بمحمد بأنكم لا تؤمنون إلا بما أنزل إليكم وهذا شأنكم فيه؟

ومجموع الآيتين ينبئ بفساد قلوب القوم وفساد عقولهم حتى لا مطمع في هداية أكثرهم من جهة الوجدان، ولا من ناحية العقل والجنان.

وهذه البينات التي ذكرها ههنا قد كانت في مصر قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة وأما النعم التي ذكرها هناك فقد كانت في أرض الميعاد كما تقدم.

ووجه الاتصال بين هذه الآية وما قبلها قد علم مما قلناه في السياق، وفيه المقابلة بين معاملتهم لموسى  ومعاملتهم للنبي  إذ قالوا: قلوبنا غلف: وادعوا أنهم مأمورون بأن لا يؤمنوا إلا بما أنزل عليهم خاصة.

وقد علم من هذه الحجج كلها بطلان شبههم وكذبهم في دعواهم وأنه لا عذر لهم في ترك الإيمان.

﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ أي من بعد هذا المجيء لا من بعد موسى، والمراد أنه لم يكن لهم عذر في ذلك الاتخاذ فإنه بعد بلوغ الدعوة وقيام الحجة، ولذلك قال ﴿ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ وأي ظلم أعظم من الشرك بالله تعالى؟

ولا تغفل عن الإيجاز في قوله ﴿ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ وحذف مفعول ﴿ اتَّخَذْتُمْ  ﴾ أي اتخذتموه إلهًا.

ثم ذكرهم هنا أيضًا بأخذ الميثاق ورفع الطور كما ذكرهم به في آية تقدمت، وقد قال هناك ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ  ﴾ وقال هنا ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا  ﴾ وأمرهم في تلك بالحفظ وأمرهم في هذه بالفهم والطاعة.

وقلنا في تفسير ﴿ وَاذْكُرُوا  ﴾ أن المراد الحث به على العمل فالعبارتان تتلاقيان في المعنى والمراد.

وفي اختلاف النظم والأسلوب حجة على الذين توهموا أن إعجاز القرآن في البلاغة إنما هو في السبق إلى العبارة التي يتأدى بها المعنى على أكمل الوجوه الممكنة في نظم الكلمات العربية.

رأى هؤلاء أن المعنى الذي يفيد علمًا بشيء ما له كلمات في اللغة تؤديه بوجوه من النظم وأن الكلمات والوجوه محدودة فمن سبق إلى أتمها أداء وأبلغها تأثيرًا كان كالسابق إلى انتقاء أكرم جوهرة من طائفة من الجواهر أمامه أو إلى أنفس عقد وأحسنه نظمًا من عقود عرضت عليه.

مثال ذلك قوله تعالى ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ  ﴾ قال علماء هذا الشأن إنه يتألف من هذه الكلمات عشرة ضروب من النظم بالتقديم والتأخير ما من ضرب منها إلا وهو منتقد بالخطل أو إيهام خلاف المراد أو الخطأ في الإعراب إلا نظم الآية فهو الذي يؤدي المعنى على أكمل الوجوه ولا يتأتى نظم آخر يؤدي مؤداه.

وزعم بعض الناس أن هذا الإعجاز ليس إلهيًا.

لو أخذ ما قالوه مسلمًا على إطلاقه لكان لنا أن نقول إنه ليس في قدرة أحد من البشر أن يأتي بكلام طويل يتجلى له في كل جملة منه جميع الكليات التي تدخل في تأدية المعنى المراد له وجميع ضروب النظم ووجوه الأساليب الممكنة في ترتيب تلك الكلمات وتأليفها فيختار الأحسن الأبلغ منها.

وإذا لم يكن هذا في قدرة البشر كما هو ظاهر فلا بد أن يكون من جاء به مؤيدًا بعناية من الله تعالى.

على أننا لا نسلم بما قالوه على إطلاقه فإنه لا يتجه إلا في ألفاظ معينة كألفاظ آية ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ إلخ وإذا نظرنا إلى المعاني، لا سيما الكلية، نراها تتجلى في صور كثيرة من النظم الذي تختلف ألفاظه.

وأمامنا الآن معنى الآية التي نفسرها وهو أن الله أخذ هذا العهد على بنى إسرائيل بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وأن يعملوا بشريعته ووصاياه، وكان أخذ هذا العهد في موقف رهبة وخشوع يعين على أخذه بالجد والعزيمة، إذ كان الجبل مرفوعًا فوقهم بصفة لم يعهدوها حتى ظنوا أنه يريد أن يقع بهم، ولكنهم لم يلبثوا أن نقضوا هذا الميثاق وتركوا العمل به وعبدوا العجل الذي صاغوه من حليهم بأيديهم عن حب متمكن من النفس، وغالب على العقل والحس، وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في كتابه غير مرة ولكن بعبارات مختلفة كالآية التي تقدمت وذكر هناك أنهم تولوا عن الميثاق بعد الأمر بحفظه والعمل به رجاء التقوى، وكآية الأعراف ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ  ﴾ وتقدمت الإشارة إليها هناك وكلاهما غاية في البلاغة .

وذكره هنا بنظم آخر تنتهي إليه البلاغة في سياق آخر فقال ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا  ﴾ ثم التفت عن خطاب الحاضرين إلى الحكاية عن الغابرين فقال ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا  ﴾ أي أنهم قبلوا الميثاق وفهموه ولكنهم لم يعملوا به بل خالفوه تعنتًا وتأولًا، وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا  ﴾ بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب، وفي هذا العهد، يعبرون عن حال الإنسان وغيره بقول يحيكه عن نفسه حتى حكي مثل ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضًا، وهو أسلوب أظن أنه يوجد في كل لغة أو في اللغات الراقية فقط.

ثم ذكر أقبح أمثلة هذا العصيان بعبارة مدهشة في بلاغتها فقال ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ هذه الاستعارة من فرائد الاستعارات يتمثل بها عند ذكر بلاغة القرآن.

وإشراب الشيء الشيء مخالطته إياه وامتزاجه به، يقال بياض مشرب بحمرة، أو هو من الشرب كان الشيء المحبوب شراب يساغ فهو يسري في قلب المحب ويمازجه كما يسري الشراب العذب البارد في لهاته.

وقد قدر الأكثرون هنا مضافًا محذوفًا فقالوا المراد"حب العجل" وذهب بعض الجامدين على الظواهر إلى أن المراد بالشرب هنا حقيقته وزعموا أن موسى لما سحق العجل وذراه في اليم طفقوا يشربون المسحوق مع الماء.

وغفل صاحب هذا الزعم عن قوله تعالى ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ والشراب الحقيقي لا يكون في القلب.

والشرب غير الإشراب.

ولبعض المفسرين مزاعم وقصص في العجل لا يدل عليها وحي منزل، ولا تاريخ صحيح ينقل، والباء في قوله ﴿ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ للسببية أي سبب هذا الحب الشديد لعبادة العجل هو ما كانوا عليه من الوثنية في مصر فقد رسخ الكفر في قلوبهم بطول الزمن وورثه الأبناء عن الآباء.

وأما السياق الذي وردت فيه هذه الآية بهذا النظم والأسلوب المخالفين لأسلوب تلك الآية مع الاتحاد في المعنى فهو إقامة الحجة على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي  ورد زعمهم أنهم مؤمنون بشريعة لا يطالبهم الله بالإيمان بغيرها، كما قلنا في التي قبلها، ولذلك ختم الآية بقوله تعالى مخاطبا للنبي  ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إن صح زعمكم أنكم مؤمنون بشريعة -والإيمان الحقيقي يقتضي العمل بما له من السلطان على الإرادة- فبئسما يأمركم به ذلك الإيمان من الأعمال التي منها عبادة العجل وقتل الأنبياء ونقض الميثاق.

لكن هذا الزعم مشكوك فيه بل يصح القطع بعدمه، بدليل الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرًا له.

هذه حجة عليهم بطبيعة الإيمان وأثره في عمل المؤمن.

وتليها حجة أخرى تتعلق بفائدة الإيمان ومثوبته في الحياة الأخرى وهي قوله  : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ المراد من الدار الآخرة ثوابها ونعيمها لأن حال الإنسان فيها لا يخلو من أحد الأمرين -المثوبة بالنعيم المقيم، والعقوبة بالعذاب الأليم، واستغنى عن التصريح بالنعيم أو الثواب بقوله ﴿ لكم  ﴾ فإنه يشعر بالمحذوف.

وإنما أوجز هنا في خطاب اليهود لأنه يحكي عن شيء يعرفونه في أنفسهم وقد أوضح المراد بقوله ﴿ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ  ﴾ والخالصة هي السالمة من الشوائب.

فسر مفسرنا "الجلال" الخالصة بالخاصة.

وقالوا إنه استعمال لم يعهد في الكلام الفصيح، والتخصيص مفهوم من قوله ﴿ مِنْ دُونِ النَّاسِ  ﴾ يقول إن صحت دعواكم وصدق قولكم إنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا وأنكم شعب الله المختار فلن تمسكم النار إلا أيامًا معدودات لا تزيد على أيام عبادة العجل ولا تتجاوز عابديه فتمنوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم، الذي لا منازع لكم فيه ولا مزاحم، وإن لم تتمنوا الموت فما أنتم بصادقين، إذ لا يعقل أن يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء عليها.

والتمني هو ارتياح النفس وتشوفها إلى الشيء توده وتحب المصير إليه، وروي عن ابن عباس تفسير التمني بالسؤال والطلب، وهو غير معروف عن غيره من العرب، ولعله فسره باللازم فإن من تمنى شيئًا طلبه بالقول أو الفعل أو بها.

وقد روي عن كثير من الصحابة  تمني الموت عند القتال وبعد القتال يعبرون بألسنتهم عما في نفوسهم، وما هو إلا صدق الإيمان بما أعد الله للمؤمنين في الدار الأخرة.

إن الكلام حجة على مدعي الإيمان واستحقاق ما أعده الله لأهله في الآخرة تقنعم في أنفسهم بأنهم إما صادقون في دعواهم وذلك إذا كانوا يتمنون في أنفسهم الموت والوصول إلى الدار الآخرة، ويبذلون أرواحهم في سبيل الله بارتياح إذا كان حفظ الحق يقتضي بذلها، وإما كاذبون فيها وذلك إذا كانوا شديدي الحرص على هذه الحياة.

وليس المراد به الحجة الإلزامية أمام الناس.

ولذلك كانت العبرة في الآية عامة، فهي واردة في سياق الاحتجاج على اليهود ويجب على المسلمين أن يتخذوها ميزانًا يزنون به دعواهم اليقين في الإيمان والقيام بحقوقه لأن الله أنزلها لذلك.

لو كان المراد بقوله ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا  ﴾ أنهم لن يقولوا: يا ليتنا نموت: أو كلمة هذا معناها، لكان الاحتجاج عليهم إنما هو بالتعجيز عن لفظ يحركون به ألسنتهم ولكان ذلك من الخوارق الكونية ولما صح تعليل نفي التمني يقوله ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ  ﴾ فإن هذا التعليل صريح بأن المانع لهم من تمني الموت هو أنهم يعرفون من أنفسهم أنهم عاصون مقترفون للذنوب التي يستحقون عليها العقوبة لا أن ألسنتهم عاجزة عن النطق بكلمة تدل على تمني الموت وإن كذبًا، وكثيرًا ما كانوا يكذبون، وقد أسند الفعل إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها ولذلك جرى عرف اللغة على جعلها كناية عن الشخص باعتبار أنه عامل مطلقًا.

وقد ختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  ﴾ ليبين أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم وأن غيرهم من الشعوب محروم منها وأن كل من كان مثلهم مفتاتًا على الله تعالى فهو ظالم مثلهم.

ثم بين حقيقة حالهم في الإخلاد إلى الأرض، والفناء في حب البقاء، وأنهم ليسوا على بينة مما يدعون، ولا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون، فقال ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ  ﴾ كذلك كانوا، وكذلك هم الآن، والظاهر من سيرتهم ونظام معيشتهم أنهم كذلك يكونون إلى ما شاء الله وإن كان الظاهر أن الكلام خاص بمن كانوا في عصر التنزيل يحاجهم النبي  ويشاغبونه ويجاحدونه معتزين بشعبهم، مغترين بكتابهم، بل ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد علماؤهم فقط.

ونكر الحياة للتحقير كأنه يقول إنهم شديدو الحرص على الحياة وإن كانت في بؤس وشقاء.

ثم خص طائفة من الناس بالذكر عرفوا بشدة الحرص على الحياة وتمني طول البقاء في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بحياة بعدها فقال ﴿ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا  ﴾ أي أنهم أحرص الناس من جميع الناس حتى من الذين أشركوا، ثم بين مثالًا من هذا الحرص مستأنفًا فقال ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ أي يتمنى لو يعمره الله ويبقيه ألف سنة، أو أكثر فإن لفظ الألف عند العرب منتهى أسماء العدد فيعبر به عن المبالغة في الكثرة لأنه يعرف من نفسه أنه مخالف لكتابه ويتوقع سخط الله وعقابه فيرى أن الدنيا على ما فيها من المنغصات خير له من الآخرة وما يتوقعه فيها.

قال تعالى ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ  ﴾ أي وما تعميره الطويل بمزحزحه أي منحيه ومبعده عن العذاب المعد له ولأمثاله فإنه ميت مهما طال عمره وكل ما له حد فهو منته إليه ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  ﴾ لا تخفى عليه خافية من أمرهم ولو عرفوه حق معرفته لعلموا أن طول العمر لا يخرجهم من قبضته، ولا ينجيهم من عقوبته، فإن المرجع إليه، والأمر كله بيديه.

ومن مباحث اللفظ أن الضمير في قوله ﴿ وَمَا هُوَ  ﴾ مبهم يفسره ما بعده، وأكثر المفسرين على أن ما حجازية والضمير العائد على ﴿ أَحَدُهُمْ  ﴾ اسمها وبمزحزحه خبرها والباء زائدة في الإعراب ﴿ أَنْ يُعَمَّرَ  ﴾ فاعل مزحزحه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله