الآية ٩٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩٤ من سورة البقرة

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٩٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) أي : ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب .

فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) قال أبو جعفر: وهذه الآية مما احتج الله بها لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره, وفضح بها أحبارهم وعلماءهم.

وذلك أن الله جل ثناؤه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف.

كما أمره الله أن يدعو الفريق الآخر من النصارى - إذ خالفوه في عيسى صلوات الله عليه وجادلوا فيه - إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة.

(1) وقال لفريق اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت, فإن ذلك غير ضاركم، إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنـزلة &; 2-362 &; من الله.

بل إن أعطيتم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جنانه, إن كان الأمر كما تزعمون: من أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا.

وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم.

فامتنعت اليهود من إجابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، لعلمها أنها تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها.

كما امتنع فريق النصارى - الذين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى ، إذْ دعوا إلى المباهلة - من المباهلة.

فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار.

ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا ".

1566 - حدثنا بذلك أبو كريب قال، حدثنا زكريا بن عدي قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو, عن عبد الكريم, عن عكرمة, عن ابن عباس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(2) &; 2-363 &; 1567 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام بن علي, عن الأعمش, عن ابن عباس في قوله: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.

(3) 1568 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عبد الكريم الجزري, عن عكرمة في قوله: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)، قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود الموت لماتوا.

(4) 1569 - حدثني موسى قال، أخبرنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن ابن عباس مثله.

1570 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد - قال أبو جعفر: فيما أروي: أنبأنا - عن سعيد، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: لو تمنوه يوم قال ذلك لهم, ما بقي على ظهر الأرض يهودي إلا مات.

(5) قال أبو جعفر: فانكشف - لمن كان مشكلا عليه أمر اليهود يومئذ - كذبهم وبهتهم وبغيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وظهرت حجة رسول الله وحجة أصحابه عليهم, ولم تزل والحمد لله ظاهرة عليهم وعلى غيرهم من سائر أهل الملل.

&; 2-364 &; وإنما أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: (تمنوا الموت إن كنتم صادقين)، لأنهم -فيما ذكر لنا- قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18]، وقالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: 111].

فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم إن كنتم صادقين فيما تزعمون، فتمنوا الموت.

فأبان الله كذبهم بامتناعهم من تمني ذلك, وأفلج حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * * وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو اليهود أن يتمنوا الموت, وعلى أي وجه أمروا أن يتمنوه.

فقال بعضهم: أمروا أن يتمنوه على وجه الدعاء على الفريق الكاذب منهما.

* ذكر من قال ذلك: 1571 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)، أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب.

(6) * * * وقال آخرون بما:- 1572 - حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس)، وذلك أنهم قالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: 111]، وقالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18] فقيل لهم: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين).

1573 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن &; 2-365 &; الربيع, عن أبي العالية قال: قالت اليهود: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، وقالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فقال الله: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)، فلم يفعلوا.

1574 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع قوله: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة) الآية, وذلك بأنهم قالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ، وقالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ .

(7) * * * وأما تأويل قوله: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة)، فإنه يقول: قل يا محمد: إن كان نعيم الدار الآخرة ولذاتها لكم يا معشر اليهود عند الله.

فاكتفى بذكر " الدار "، من ذكر نعيمها، لمعرفة المخاطبين بالآية معناها.

وقد بينا معنى " الدار الآخرة ".

فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(8) * * * وأما تأويل قوله: (خالصة)، فإنه يعني به: صافية.

كما يقال: " خلص لي فلان " بمعنى صار لي وحدي وصفا لي.

يقال منه: " خلص لي هذا الشيء فهو يخلص خلوصا وخالصة, و " الخالصة " مصدر مثل " العافية ".

ويقال للرجل: " هذا خُلْصاني", يعني خالصتي من دون أصحابي.

* * * وقد روي عن ابن عباس أنه كان يتأول قوله: (خالصة): خاصة.

وذلك تأويل قريب من معنى التأويل الذي قلناه في ذلك.

1575 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك، عن ابن عباس: (قل إن كانت لكم &; 2-366 &; الدار الآخرة)، قال: " قل " يا محمد لهم - يعني اليهود -: إن كانت لكم الدار الآخرة " - يعني: الجنة (9) -(عند الله خالصة)، يقول: خاصة لكم.

* * * وأما قوله: (من دون الناس)، فإن الذي يدل عليه ظاهر التنـزيل أنهم قالوا: لنا الدار الآخرة عند الله خالصة من دون جميع الناس.

ويبين أن ذلك كان قولهم - من غير استثناء منهم من ذلك أحدا من بني آدم - إخبار الله عنهم أنهم قالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ، إلا أنه روي عن ابن عباس قول غير ذلك: 1576 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (من دون الناس)، يقول: من دون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين استهزأتم بهم, وزعمتم أن الحق في أيديكم, وأن الدار الآخرة لكم دونهم.

* * * وأما قوله: (فتمنوا الموت) فإن تأويله: تشهوه وأريدوه.

وقد روي عن ابن عباس أنه قال في تأويله: فسلوا الموت.

ولا يعرف " التمني" بمعنى " المسألة " في كلام العرب.

ولكن أحسب أن ابن عباس وجه معنى " الأمنية " - إذ كانت محبة النفس وشهوتها - إلى معنى الرغبة والمسألة, إذْ كانت المسألة، هي رغبة السائل إلى الله فيما سأله.

1577 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك عن ابن عباس: (فتمنوا الموت)، فسلوا الموت، (إن كنتم صادقين).

------------------- الهوامش : (1) وذلك ما جاء في سورة آل عمران : 61 ، وانظر خبره في التفسير والسير .

(2) الحديث : 1566 - إسناده صحيح .

أبو كريب : هو محمد بن العلاء .

زكريا بن عدي ابن زريق التيمي الكوفي : ثقة جليل ورع قال ابن سعد : " كان رجلا صالحا صدوقا" .

وهو مترجم في التهذيب ، وفي الكبير للبخاري 2 /1 / 387 - 388 ، والصغير : 232 ، وابن سعد 6 : 284 ، وابن أبي حاتم 1/2/600 ، ووقع هنا في المطبوعة"أبو زكريا" وزيادة"أبو" خطأ من ناسخ أو طابع ، عبيد الله بن عمرو : هو أبو وهب الجزري الرقي ، ثقة معروف أخرج له أصحاب الكتب الستة ، وترجمته في التهذيب ، وابن سعد 7 /2 /182 ، والصغير للبخاري : 203 ، وابن أبي حاتم 2 /2 / 328 - 329 .

عبد الكريم : هو ابن مالك الجزري الحراني ، وهو ثقة ثبت صاحب سنة ، من شيوخ ابن جريج ومالك والثوري وأضرابهم .

ترجمته في التهذيب ، والصغير للبخاري : 148 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /58 - 59 .

والحديث رواه أحمد في المسند : 2226 ، عن أحمد بن عبد الملك الحراني ، عن عبيد الله ، وهو ابن عمرو ، بهذا الإسناد ، ولكن لم يذكر لفظه ، أحاله على الرواية قبله : 2225 ، من طريق فرات بن سلمان الحضرمي ، عن عبد الكريم ، به ، بزيادة في أوله .

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 228 ، عن الرواية المطولة ، وقال : "في الصحيح طرف من أوله" ، ثم قال : "رواه أحمد ، أبو يعلى ، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح" .

أقول : ورجال أحمد في الإسناد : 2226 - رجال الصحيح أيضًا .

وذكر السيوطي 1 : 89 بعضه ، ونسبه أيضًا إلى الشيخين ، والترمذي ، والنسائي ، وابن مردويه ، وأبي نعيم .

(3) الخبر : 1567 - هو موقوف على ابن عباس ، في معنى الحديث قبله .

ولكن إسناده هذا منقطع .

الأعمش : لم يدرك ابن عباس .

(4) الخبر : 1568- هو بعض الحديث السابق : 1566 ، وإسناده صحيح .

وظاهره هنا أنه موقوف على ابن عباس ، ولكنه مرفوع بالروايات الأخر .

(5) الأثر : 1570 - في ابن هشام 2 : 191 .

(6) الأثر : 1571 - في سيرة ابن هشام 2 : 191 ، وفيها : "أكذب عند الله" ، وانظر رقم : 1578 .

(7) الأثر : 1574 - في المطبوعة" .

.

حدثنا إسحاق قال حدثني أبو جعفر عن الربيع" وهذا إسناد فاسد ، وهو كثير الدوران في التفسير ، وأقرب ذلك رقم : 1563 (8) انظر ما سلف 1 : 245 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين لما ادعت اليهود دعاوى باطلة حكاها الله عز وجل عنهم في كتابه ، كقوله تعالى : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ، وقوله : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه أكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال قل لهم يا محمد : إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجنة .

فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في أقوالكم ; لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة في الدنيا ، لما يصير إليه من نعيم الجنة ، ويزول عنه من أذى الدنيا ، فأحجموا عن تمني ذلك فرقا من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه وحرصهم على الدنيا ، ولهذا قال تعالى مخبرا عنهم بقوله الحق : ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين تحقيقا لكذبهم .

وأيضا لو تمنوا الموت لماتوا ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من النار .

وقيل : إن الله صرفهم عن إظهار التمني ، وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمني .

وحكى عكرمة عن ابن عباس في قوله : فتمنوا الموت أن المراد ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم ، فما دعوا لعلمهم بكذبهم .فإن قيل : فالتمني يكون باللسان تارة وبالقلب أخرى ، فمن أين علم أنهم لم يتمنوه بقلوبهم ؟

قيل له : نطق القرآن بذلك بقوله ولن يتمنوه أبدا ولو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردا على النبي صلى الله عليه وسلم وإبطالا لحجته ، وهذا بين .قوله تعالى : خالصة نصب على خبر كان ، وإن شئت كان حالا ويكون عند الله في موضع الخبر .

أبدا ظرف زمان يقع على القليل والكثير ، كالحين والوقت ، وهو هنا من أول العمر إلى الموت .

وما في قوله بما بمعنى الذي والعائد محذوف ، والتقدير قدمته ، وتكون مصدرية ولا تحتاج إلى عائد .

وأيديهم في موضع رفع ، حذفت الضمة من [ ص: 34 ] الياء لثقلها مع الكسرة ، وإن كانت في موضع نصب حركتها ; لأن النصب خفيف ، ويجوز إسكانها في الشعر .

والله عليم بالظالمين ابتداء وخبر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { قُلْ } لهم على وجه تصحيح دعواهم: { إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ } يعني الجنة { خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ } كما زعمتم, أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى, وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، فإن كنتم صادقين بهذه الدعوى { فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } وهذا نوع مباهلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وليس بعد هذا الإلجاء والمضايقة لهم بعد العناد منهم, إلا أحد أمرين: إما أن يؤمنوا بالله ورسوله، وإما أن يباهلوا على ما هم عليه بأمر يسير عليهم, وهو تمني الموت الذي يوصلهم إلى الدار التي هي خالصة لهم, فامتنعوا من ذلك.

فعلم كل أحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ولرسوله, مع علمهم بذلك، ولهذا قال تعالى:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله} وذلك أن اليهود ادعوا دعاوى باطلة مثل قولهم {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} [80-البقرة]، {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} [111-البقرة]، وقولهم {نحن أبناء الله وأحباؤه} [18-المائدة]، فكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا محمد (إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله) يعني الجنة عند الله: {خالصة} أي خاصة.

{من دون الناس فتمنوا الموت} أي فأريدوه واسألوه لأن من علم أن الجنة مأواه حن إليها ولا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت فاستعجلوه بالتمني.

وقيل: فتمنوا الموت أي ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة.

وروي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات".

{إن كنتم صادقين} في قولكم.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» لهم «إن كانت لكم الدار الآخرة» أي الجنة «عند الله خالصة» خاصة «من دون الناس» كما زعمتم «فتمنوا الموت إن كنتم صادقين» تعلق بتمنوا الشرطان على أن الأول قيد في الثاني أي إن صدقتم في زعمكم أنها لكم ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها الموت فتمنوه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لليهود الذين يدَّعون أن الجنة خاصة بهم؛ لزعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس، وأنهم أبناؤه وأحباؤه: إن كان الأمر كذلك فادْعُوا على الكاذبين منكم أو من غيركم بالموت، إن كنتم صادقين في دعواكم هذه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - نبيه " صلى الله عليه وسلم " أن يرد على اليهود في دعواهم أن الجنة لن يدخلها إلا من كان على ملتهم فقال - تعالى - :( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة .

.

.

)معنى الآيات الكريمة إجمالا :قل - يا محمد - لأولئك اليهود الين ادعوا أن الجنة لن يدخلها إلأا من كان هودا : إن انت الجنة مختصة بكم ، وسالمة لكم دون غيركم ، وليس لأحد سواكم فيها حق .

فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في دعواكم ، لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وأحب الوصول إليها .ثم أخبر الله أن هذا التمني لن يحصل منهم فقال : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ) أي الموت ( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) أي بسبب ما ارتكبوه من كفر ومعصية ( والله عَلِيمٌ بالظالمين ) الذين وضعوا الأمور في غير موضعها ، فادعوا ما ليس لهم ، ونفوه عمن هو لهم .ثم أخبر القرآن بأن حرصهم على الحيباة لا نظير له ولا مثيل فقال : ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ ) متطاولة ( وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ) أي : وأحرص عليها - أيضاًٍ - من الذين أشركوا الذين لا يعرفون إلا الحياة الدنيا ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) أي يتمنى الوحد من هؤلاء اليهود أن يعيش السنين الكثيرة ولو تجاوزت الحدود المعقولة لعمر الإِنسان والحال أنه ما أحد منهم بمزحزحه ومنجيه تعميره من العذاب ( والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون ) أي : لا يخفى عليه أعمالهم ، فهو محاسبهم عليها ، ومجازيهم بما يستحقونه من عقاب .وقوله تعالى : ( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة عِندَ الله خَالِصَةً مِّن دُونِ الناس فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) رد على زعمهم الباطل أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً ، والمراد بالدار الآخرة : الجنة ونعيمها ، ومعنى ( خَالِصَةً ) سالمة لكم مختصة بكم ، لا يشارككم فيها أحد من الناس .قال الإِمام ابن جرير : " يقال : خلص لي فلان بمعنى صار لي وحدي وصفا لي ، ويقال منه خلص هذا الشيء ، فهو يخلص خلوصاً وخالصة ، والخالصة مصدر مثل العافية .

.

"وقوله تعالى : ( فَتَمَنَّوُاْ الموت ) التمنى هو ارتياح النفس ورغبتها القوية في الشيء .

بحيث توده وتحب المصير إليه ، وهو يستعمل في المعنى القائم بالقلب كما بينا ، ويستعمل في اللفظ الدال على هذا المعنى ، كأن يقول الإِنسان بلسانه ، ليتني أحصل على كذا .والاستعمال الثاني هو المراد بقول تعالى : ( فَتَمَنَّوُاْ الموت ) أي اذكروا بألسنتكم لفظاً يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه .

وإنما قلنا إن ذلك هو المراد من الآية لأن المعنى الكائن بالقلب لا يعرفه أحد سوى الله - تعالى - والتحدي لا يقع بتحصيل المعاني القائمة بالضمائر والقلوب .ومعنى الآية الكريمة .

قل يا محمد لليهود : إن كانت الجنة خاصة بكم ، ولا منازع لكم فيها ولا مزاحم كما تزعمون ، فتمنوا الموت بألسنتكم لكي تظفروا بنعيمها الدائم ، إن كنتم صادقين في دعواكم أنها خالصة لكم ، وإلا فإنكم لا تكونون صادقين في دعواكم ، إذ لا يقعل أن يرغب الإِنسان عن السعادة المحضة الدائمة المضمونة له في الآخرة ، إلى سعادة ممزجة بالشقاء في الدنيا .قال الإِمام الرازي : ( وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة .

ثم إن نعم الدنيا على قلتهها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم ، بالجدال والقتال ، ومن كان في النعم القليلة المنغصة .

ثم تيقن أنه بعد الموت لابد أن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا الموت وحيث كان الموت يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون هذا الإِنسان راضياً بالموت متمنياً له ، فثبت أن الدار الآخرة لو كانت خالصة لهم ، لوجب أن يتمنوا الموت .

ثم إن الله - تعالى - أخبر أنهم ما تمنوا الموت ، بل لن يتمنوه أبداً ، وحينئذ يلزم قطعاً بطلان ادعائها في قولهم : " إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس " .وتحديهم بتمنى الموت يكون بأن يقولوا بألسنتهم ليتنا نموت ، أو يقولوا ما في معنى هذه الكلمة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ، وهذا رأي جمهور المفسرين .وروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ذلك يكون عن طريق المباهلة ، بأن يحضروا مع المؤمنين في صعيد واحد ، ثم يدعو الفريقان بالموت على الكاذب منهما .ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ الذي نطقت به الآية وأقرب أيضاً إلى معناها .

إذ ليس في الآية إشارة ما إلى طلب المباهلة ، والقرآن حينما دعا إليها نصارى نجران ، جاء اللفظ بها صريحاً في قوله تعالى : ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه لا يجوز أن يقال على طريق الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح الزام الثاني عليه.

وثانيها: ما حكى الله عنهم في قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى  ﴾ وفي قوله: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ وفي قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً  ﴾ .

وثالثها: اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون لأن النسخ غير جائز في شرعهم، وأن سائر الفرق مبطلون.

ورابعها: اعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام أعني يعقوب وإسحاق وإبراهيم يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه، ثم إنهم لهذه الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله احتج على فساد قولهم بقوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الأخرة عِندَ الله خَالِصَةً مّن دُونِ الناس فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة، ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم بالجدال والقتال، ومن كان في النعم القليلة المنغصة، ثم إن تيقن أنه بعد الموت لابد وأن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة فإنه لابد وأن يكون راغباً في الموت لأن تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وما يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون مطلوباً فوجب أن يكون هذا الإنسان راضياً بالموت متمنياً له، فثبت أن الدار الآخرة لو كانت لهم خالصة لوجب أن يتمنوا الموت.

ثم إن الله تعالى أخبر أنهم ما تمنوا الموت بل لن يتمنوه أبداً، وحينئذ يلزم قطعاً بطلان ادعائهم في قولهم إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس.

فإن قيل لا نسلم أنه لو كانت لهم الدار الآخرة خالصة لوجب أن يتمنوا الموت، قوله لأن نعيم الآخرة مطلوب ولا سبيل إليه إلا بالموت والذي يتوقف عليه المطلوب، لابد وأن يكون مطلوباً.

قلنا: قلنا الذي يتوقف عليه المطلوب يجوز أن يكون مطلوباً نظراً إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب إلا أنه يكون مكروهاً نظراً إلى ذاته والموت مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة وما كانوا يطيقونها فلا جرم ما تمنوا الموت.

السؤال الثاني: أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد صلى الله عليه وسلم فيقولوا: إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر فإن كان الأمر كذلك فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك، فإنا نراك ونرى أمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال وبعد الموت فإنكم تتخلصون إلى نعيم الجنة فوجب أن ترضوا بقتلكم!

السؤال الثالث: لعلهم كانوا يقولون الدار الآخرة خالصة لمن كان على دينهم لكن بشرط الاحتراز عن الكبائر، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى مخلداً في النار أبداً لأنهم كانوا وعيدية أو لأنهم جوزوا في صاحب الكبيرة أن يصير معذباً فلأجل هذا ما تمنوا الموت وليس لأحد أن يدفع هذا السؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة لأن كل يوم من أيام القيامة كألف سنة مما تعدون فكانت هذه الأيام وإن كانت قليلة بحسب العدد لكنها طويلة بحسب المدة فلا جرم ما تمنوا الموت بسبب هذا الخوف.

السؤال الرابع: أنه عليه الصلاة والسلام نهي عن تمني الموت فقال: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي وتوفني إن كانت الوفاة خيراً لي وأيضاً قال الله تعالى في كتابه: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ فكيف يجوز أن ينهى عن الاستعجال، ثم إنه يتحدى القوم بذلك.

السؤال الخامس: أن لفظ التمني مشترك بين التمني الذي هو المعنى القائم بالقلب وبين اللفظ الدال على ذلك المعنى وهو قول القائل: ليتني مت، لليهود أن يقولوا إنك طلبت منا التمني والتمني لفظ مشترك، فإن ذكرناه باللسان فله أن يقول: ما أردت به هذا اللفظ، وإنما أردت به المعنى الذي في القلب وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقلب فله أن يقول: كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه.

السؤال السادس: هب أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنوا الموت فلم قلتم إنهم ما تمنوا الموت والاستدلال بقوله تعالى: ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ ضعيف لأن الاستدلال بهذا إنما يصح لو ثبت كون القرآن حقاً، والنزاع ليس إلا فيه.

الجواب: قوله (أولاً) كون الموت متضمناً للألم يكون كالصارف عن تمنيه، قلنا كما أن الألم الحاصل عند الحجامة لا يصرف عن الحجامة للعلم الحاصل بأن المنفعة الحاصلة بسبب الحجامة عظيمة وجب أن يكون الأمر هاهنا كذلك.

قوله ثانياً: إنهم لو قلبوا الكلام على محمد صلى الله عليه وسلم لزمه أن يرضى بالقتل، قلنا: الفرق بين محمد عليه السلام وبينهم أن محمداً كان يقول إني بعثت لتبليغ الشرائع إلى أهل التواتر، وهذا المقصود لم يحصل بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقتل وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق، قوله ثالثاً: كانوا خائفين من عقاب الكبائر، قلنا: القوم ادعوا كون الآخرة خالصة لهم وذلك يؤمنهم من امتزاج ثوابها بالعقاب قوله رابعاً: نهى عن تمني الموت قلنا هذا النهي طريقة الشرع فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأوقات، روي أن علياً رضي الله عنه كان يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بزي المحاربين فقال يا بني لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه يسقط الموت، وقال عمار رضي الله عنه بصفين: الآن ألقي الأحبة *** محمداً وحزبه وقد ظهر عن الأنبياء في كثير من الأوقات تمني الموت على أن هذا النهي مختص بسبب مخصوص فإنه عليه الصلاة والسلام حرم أن يتمنى الإنسان الموت عند الشدائد لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضاء بما قسم الله، فأين هذا من التمني الذي يدل على صحة النبوة.

قوله خامساً: إنهم ما عرفوا أن المراد هو التمني باللسان أو بالقلب، قلنا: التمني في لغة العرب لا يعرف إلا ما يظهر (منه) كما أن الخبر لا يعرف إلا ما يظهر بالقول والذي في القلب من ذلك لا يسمى بهذا الاسم، وأيضاً فمن المحال أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام لهم تمنوا الموت ويريد بذلك ما لا يمكن الوقوف عليه مع أن الغرض بذلك لا يتم إلا بظهوره، قوله سادساً: ما الدليل على أنه ما وجد التمني، قلنا من وجوه، أحدها: أنه لو حصل ذلك لنقل نقلاً متواتراً لأنه أمر عظيم فإن بتقدير عدمه يثبت القول بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبتقدير حصول هذا التمني يبطل القول بنبوته وما كان كذلك كان من الوقائع العظيمة، فوجب أن ينقل نقلاً متواتراً، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد.

وثانيها: أنه عليه الصلاة والسلام مع تقدمه في الرأي والحزم وحسن النظر في العاقبة والوصول إلى المنصب الذي وصل إليه في الدنيا والدين والوصول إلى الرياسة العظيمة التي انقاد لها المخالف قهراً والموافق طوعاً لا يجوز وهو غير واثق من جهة ربه بالوحي النازل عليه أن يتحداهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه ولا يأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجة لأن العاقل الذي لم يجرب الأمور لا يكاد يرضى بذلك فكيف الحال في أعقل العقلاء فيثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما أقدم على تحرير هذه الأدلة إلا وقد أوحى الله تعالى إليه بأنهم لا يتمنونه.

وثالثها: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً، وقال ابن عباس: لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا، وبالجملة فالأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا بلغت مبلغ التواتر فحصلت الحجة، فهذا آخر الكلام في تقرير هذا الاستدلال، ولنرجع إلى التفسير.

أما قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الأخرة ﴾ فالمراد الجنة لأنها هي المطلوبة من دار الآخرة دون النار لأنهم كانوا يزعمون أن لهم الجنة.

وأما قوله تعالى: ﴿ عَندَ الله ﴾ فليس المراد المكان بل المنزلة ولا العند أيضاً في حمله على المكان فلعل اليهود كانوا مشبهة فاعتقدوا العندية المكانية فأبطل الله كل ذلك بالدلالة التي ذكرها.

وأما قوله تعالى: ﴿ خَالِصَةً ﴾ فنصب على الحال من الدار الآخرة، أي سالمة لكم خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق، يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى و(الناس) للجنس، وقيل: للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله إلا من كان هوداً أو نصارى ولأنه لم يوجد هاهنا معهود.

وأما قوله: ﴿ مّن دُونِ الناس ﴾ فالمراد به سوى لا معنى المكان كما يقول القائل لمن وهب منه ملكاً: هذا لك من دون الناس.

وأما قوله تعالى: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا أمر معلق على شرط مفقود وهو كونهم صادقين فلا يكون الأمر موجوداً والغرض منه التحدي وإظهار كذبهم في دعواهم.

المسألة الثانية: في هذا التمني قولان، أحدهما: قول ابن عباس إنهم يتحدوا بأن يدعو الفريقان بالموت على أي فريق كان أكذب.

والثاني: أن يقولوا ليتنا نموت وهذا الثاني أولى لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ ﴾ فخبر قاطع عن أن ذلك لا يقع في المستقبل وهذا إخبار عن الغيب لأن مع توفر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة، أخبر بأنهم لا يأتون بذلك فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضده فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي.

وأما قوله تعالى: ﴿ أَبَدًا ﴾ فهو غيب آخر لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد ولا في شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما غيبان.

وأما قوله تعالى: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ فبيان للعلة التي لها لا يتمنون (الموت) لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت.

وأما قوله تعالى: ﴿ والله عليهم بالظالمين ﴾ فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالماً بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر فإن قيل: إنه تعالى قال هاهنا: ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ وقال في سورة الجمعة: ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً ﴾ فلم ذكر هاهنا (لن) وفي سورة الجمعة لا قلنا: إنهم في هذه السورة، ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ: لن لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ لا لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ خَالِصَةً ﴾ نصب على الحال من الدار الآخرة.

والمراد الجنة، أي سالمة لكم، خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق.

يعني إن صحّ قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً.

و ﴿ الناس ﴾ للجنس وقيل: للعهد وهم المسلمون ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب، كما روى عن المبشرين بالجنة ما روى.

كان علي رضي الله عنه يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزيّ المحاربين.

فقال: يا بنيّ لا يبالي أبوك على الموت سقط، أم عليه سقط الموت.

وعن حذيفة رضي الله عنه أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم.

يعني على التمني.

وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه.

وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحنّ إليه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي» ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ بما أسلفوا من موجبات النار من الكفر بمحمد وبما جاء به، وتحريف كتاب الله، وسائر أنواع الكفر والعصيان.

وقوله: ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله: ﴿ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا؟

قلت: لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذرّ، وليس أحد منهم نقل ذلك.

فإن قلت: التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت: أنهم لم يتمنوا؟

قلت: ليس التمني من أعمال القلوب إنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى، وليت: كلمة التمني، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد تمنينا الموت في قلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك فإن قلت: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدّقون.

قلت: كم حكى عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا، فكيف يمتنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه، مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدّق مع احتمال أن يكون كاذباً لأنه أمر خافٍ لا سبيل إلى الاطلاع عليه ﴿ والله عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ تهديد لهم ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين في قولهم: وجدت زيداً ذا الحفاظ ومفعولاه (هم أحرص).

فإن قلت: لم قال: ﴿ على حياة ﴾ بالتنكير؟

قلت: لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبيّ ﴿ على الحياة ﴾ ﴿ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس.

فإن قلت: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟

قلت: بلى، ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد.

ويجوز أن يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة أحرص الناس عليه.

وفيه توبيخ عظيم: لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ.

فإن قلت: لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟

قلت: لأنهم علموا لعلمهم بحالهم أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.

وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو قول الأعاجم: زي هزار سال.

وقيل: ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ كلام مبتدأ، أي ومنهم ناس ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾ على حذف الموصوف كقوله: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [الصافات: 164] والذين أشركوا على هذا مشارٌ به إلى اليهود، لأنهم قالوا: عزير ابن الله.

والضمير في ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ لأحدهم و ﴿ أَن يُعَمَّرَ ﴾ فاعل (بمزحزحه)، أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره.

وقيل: الضمير لما دلّ عليه (يعمر) من مصدره، وأن (يعمر) بدل منه.

ويجوز أن يكون (هو) مبهماً، وأن ﴿ يعمر ﴾ موضحه.

والزحزحة: التبعيد والإنحاء فإن قلت: يودّ أجدهم ما موقعه؟

قلت: هو بيان لزيادة حرصهم على طريق الإستئناف.

فإن قلت: كيف اتصل لو يعمر بيودّ أحدهم؟

قلت: هو حكاية لودادتهم.

و (لو) في معنى التمني، وكان القياس: لو أعمر، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾ كقولك: حلف بالله ليفعلنّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً ﴾ خاصَّةً بِكم كَما قُلْتُمْ: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا ﴾ ونَصَبَها عَلى الحالِ مِنَ الدّارِ.

﴿ مِن دُونِ النّاسِ ﴾ سائِرِهِمْ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، أوِ المُسْلِمِينَ واللّامُ لِلْعَهْدِ ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ لِأنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ اشْتاقَها، وأحَبَّ التَّخَلُّصَ إلَيْها مِنَ الدّارِ ذاتِ الشَّوائِبِ، كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (لا أُبالِي سَقَطْتُ عَلى المَوْتِ، أوْ سَقَطَ المَوْتُ عَلَيَّ) .

وَقالَ عَمّارٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِصِفِّينَ: (الآنَ أُلاقِي الأحِبَّةَ مُحَمَّدًا وحِزْبَهُ) وَقالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ احْتَضَرَ: (جاءَ حَبِيبٌ عَلى فاقَةٍ لا أفْلَحَ مِن نَدِمَ) أيْ: عَلى التَّمَنِّي، سِيَّما إذا عَلِمَ أنَّها سالِمَةٌ لَهُ لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ.

﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ مِن مُوجِباتِ النّارِ، كالكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ  ، والقُرْآنِ، وتَحْرِيفِ التَّوْراةِ.

ولَمّا كانَتِ اليَدُ العامِلَةُ مُخْتَصَّةً بِالإنْسانِ، آلَةً لِقُدْرَتِهِ بِها عامَّةَ صَنائِعِهِ ومِنها أكْثَرُ مَنافِعِهِ، عَبَّرَ بِها عَنِ النَّفْسِ تارَةً والقُدْرَةُ أُخْرى، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ وكانَ كَما أخْبَرَ، لِأنَّهم لَوْ تَمَنَّوْا لَنُقِلَ واشْتُهِرَ، فَإنَّ التَّمَنِّيَ لَيْسَ مِن عَمَلِ القَلْبِ لِيَخْفى، بَلْ هو أنْ يَقُولَ: لَيْتَ لِي كَذا، ولَوْ كانَ بِالقَلْبِ لَقالُوا: تَمَنَّيْنا.

وعَنِ النَّبِيِّ  «لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَغَصَّ كُلُّ إنْسانٍ بِرِيقِهِ فَماتَ مَكانَهُ، وما بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ يَهُودِيٌّ» ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم ظالِمُونَ في دَعْوى ما لَيْسَ لَهُمْ، ونَفْيِهِ عَمَّنْ هو لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة} أي الجنة {عند الله} ظرف ولكم خبر كان {خَالِصَةً} حال من الدار الآخرة أي سالمة لكم ليس لأحد سواكم فيها حق إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً {مّن دُونِ الناس} هو للجنس {فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين} فيما تقولون لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها تخلصاً من الدار ذات الشوائب كما نقل عن العشرة

البقرة (٩٥ _ ٩٧)

المبشرين بالجنة أن كل واحد منهم كان يحب الموت ويحن إليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ ﴾ رَدٌّ لِدَعْوى أُخْرى لَهم بَعْدَ رَدِّ دَعْوى الإيمانِ، بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، ولِاخْتِلافِ الغَرَضِ لَمْ يَعْطِفْ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ مَعَ ظُهُورِ المُناسَبَةِ المُصَحِّحَةِ لِلذِّكْرِ، والآيَةُ نَزَلَتْ فِيما حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عِنْدَ ما قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ إلّا لِإسْرائِيلَ وبَنِيهِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: سَبَبُ نُزُولِها قَوْلُهم: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ﴾ إلَخْ، و ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ ﴾ إلَخْ، و ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ ﴾ إلَخْ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، والضَّمِيرُ في (قُلْ)، إمّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِمَن يَبْغِي إقامَةَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو الشّائِعُ، واسْتَحْسَنَ في البَحْرِ تَقْدِيرَ مُضافٍ، أيْ نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ.

﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ في حُكْمِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ، المَرْتَبَةُ والشَّرَفُ، وحَمْلُها عَلى عِنْدِيَّةِ المَكانِ كَما قِيلَ بِهِ احْتِمالًا، بَعِيدٌ، ﴿ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ ﴾ أيْ مَخْصُوصَةً بِكم كَما تَزْعُمُونَ، والخالِصُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ، أوْ ما زالَ عَنْهُ شَوْبُهُ، ونَصْبُ (خالِصَةً) عَلى الحالِ مِنَ الدّارِ الَّذِي هو اسْمُ كانَ، (ولَكُمْ) خَبَرُها قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ، أوْ لِإفادَةِ الحَصْرِ، وما بَعْدَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا إنْ جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ اسْمِ كانَ، وهو الأصَحُّ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْ بِناءً عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِفاعِلٍ جَعَلَها حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، وقِيلَ: (خالِصَةً) هو الخَبَرُ، (ولَكُمْ) ظَرْفُ لَغْوٍ (لِكانَ)، أوْ (لِخالِصَةً)، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، فَإنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ولا وجْهَ لِتَقْدِيمِ مُتَعَلِّقِ الخَبَرِ عَلى الِاسْمِ مَعَ لُزُومِ تَوَسُّطِ الظَّرْفِ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، وأبْعَدَ المَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا فَجَعَلا (خالِصَةً) حالًا، (وعِنْدَ اللَّهِ) هو الخَبَرُ، مَعَ أنَّ الكَلامَ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ وحْدَهُ، (ودُونَ) هُنا لِلِاخْتِصاصِ، وقَطْعِ الشَّرِكَةِ يُقالُ: هَذا لِي دُونَكَ، وأنْتَ تُرِيدُ لا حَقَّ لَكَ فِيهِ مَعِي ولا نَصِيبَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(خالِصَةً)، والمُرادُ (بِالنّاسِ) الجِنْسُ وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ، وقِيلَ: النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحْدَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قالُوا: ويُطْلَقُ (النّاسُ) ويُرادُ بِهِ الرَّجُلُ الواحِدُ، ولَعَلَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَجازًا بِتَنْزِيلِ الواحِدِ مَنزِلَةَ الجَماعَةِ، ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَكُمْ، فَإنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ اخْتارَ أنْ يَنْتَقِلَ إلى دارِ القَرارِ، وأحَبَّ أنْ يَخْلُصَ مِنَ المُقامِ في دارِ الأكْدارِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ في غُلالَةٍ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: ما هَذا؟

بِزِيِّ المُحارِبِينَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ، لا يُبالِي أبُوكَ سَقَطَ عَلى المَوْتِ، أمْ سَقَطَ عَلَيْهِ المَوْتُ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَواحَةَ يُنْشِدُ وهو يُقاتِلُ الرُّومَ: يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِرابُها طَيِّبَةٌ وبارِدٌ شَرابُها والرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنا عَذابُها وقالَ عَمّارٌ بِصِفِّينَ: غَدًا نَلْقى الأحِبَّهْ ∗∗∗ مُحَمَّدًا وصَحْبَهْ ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ كانَ يَتَمَنّى المَوْتَ، فَلَمّا احْتُضِرَ قالَ: حَبِيبٌ جاءَ عَلى فاقَةٍ، وعَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَهُ قَتْلُ مَن قُتِلَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ قالَ: «(يا لَيْتَنِي غُودِرْتُ مَعَهُمْ، في لُحُفِ الجَبَلِ)،» ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ تَمَنِّيَ المَوْتِ لِأجْلِ الِاشْتِياقِ إلى دارِ النَّعِيمِ، ولِقاءِ الكَرِيمِ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، إنَّما النَّهْيُ عَنْهُ تَمَنِّيهِ لِأجْلِ ضُرٍّ أصابَهُ، فَإنَّهُ أثَرُ الجَزَعِ وعَدَمُ الرِّضا بِالقَضاءِ، وفي الخَبَرِ: «(لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وإنْ كانَ ولا بُدَّ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وأمِتْنِي ما كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي)،» والمُرادُ بِالتَّمَنِّي قَوْلُ الشَّخْصِ: لَيْتَ كَذا، ولَيْتَ مِن أعْمالِ القَلْبِ، أوِ الِاشْتِهاءِ بِالقَلْبِ، ومَحَبَّةِ الحُصُولِ مَعَ القَوْلِ، فَمَعْنى الآيَةِ: سَلُوا المَوْتَ بِاللِّسانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوِ اشْتَهُوهُ بِقُلُوبِكُمْ، وسَلُوهُ بِألْسِنَتِكُمْ، قالَهُ قَوْمٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، الأمْرُ بِالتَّمَنِّي حَقِيقَةٌ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: تَعَرَّضُوا لِلْمَوْتِ، ولا تَحْتَرِزُوا عَنْهُ، كالمُتَمَنِّي، فَحارِبُوا مَن يُخالِفُكُمْ، ولا تَكُونُوا مِن أهْلِ الجِزْيَةِ والصَّغارِ، أوْ كُونُوا عَلى وجْهٍ يَكُونُ المُتَمَنُّونَ لِلْمَوْتِ المُشْتَهُونَ لِلْجَنَّةِ عَلَيْهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ مِمّا لا تُساعِدُهُ الآثارُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا: «(لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَشَرِقَ أحَدُهم بِرِيقِهِ)،» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «(لا يَقُولُها رَجُلٌ مِنهم إلّا غَصَّ بِرِيقِهِ)،» والبُخارِيُّ مَرْفُوعًا عَنْهُ أيْضًا: «(لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا)،» وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ (فَتَمَنَّوِا المَوْتَ) بِكَسْرِ الواوِ، وحَكى الحَسَنُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي عَمْرٍو فَتْحَها، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا اخْتِلاسُ ضَمَّتِها، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ أي الجنة.

وذلك أن اليهود كانوا يقولون: إن الجنة لنا خاصة من دون سائر الناس.

قال الله تعالى لمحمد  : قل لهم: إن كان الأمر كما يقولون إن الجنة لكم خالصة خاصة.

فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، أي سلوا الله الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن الجنة لكم.

فقال لهم النبيّ  : «قُولُوا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: اللهمّ أمتنا، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَقُولُهَا رَجُلٌ مِنْكُمْ إلاّ غَصَّ بِرِيقِهِ» ، يعني يموت مكانه.

فأبوا أن يقولوا ذلك، فنزل قوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني بما عملوا من المعاصي.

قال الزجاج: في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة رسالته  ، لأنه قال لهم: فتمنوا الموت، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبداً فلم يتمنه واحد منهم.

وفي هذه الآية دليل أن «لن» لا تدل على التأبيد، لأنهم يتمنون الموت في الآخرة خلافاً لقول المعتزلة في قولهم: لن تراني ويقال: إن قوله (لن) إنما يقع على الحياة الدنيا خاصة، ولم يقع على الآخرة لأنهم يتمنون الموت في النار إذا كانوا في جهنم، ولو أنهم سألوا الموت في الدنيا ولم يموتوا، وكان في ذلك تكذيباً لقول النبيّ  ، وكان في ذلك أيضاً ذهاب معجزته.

فلما لم يتمنوا الموت، ثبت بذلك عندهم أنه رسول الله وظهر عندهم معجزته، وظهر أن الأمر كما قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، فهو عليم بهم وبغيرهم من الظالمين وإنما الفائدة هاهنا أنه عليم بمجازاتهم.

ثم قال عز وجل: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ، يعني أن اليهود أحرص الناس على البقاء.

وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، يعني أحرص من الذين أشركوا.

قال الكلبي: الذين أشركوا يعني المجوس.

وقال مقاتل: أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا يعني مشركي العرب.

فإن قيل: كيف يصح تفسير الكلبي والمجوس لا يسمون مشركين؟

قيل له: المجوس مشركون في الحقيقة، لأنهم قالوا بإلهين اثنين: النور والظلمة.

قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ، يعني المجوس يقولون لملوكهم في تحيتهم: عش عشرة آلاف سنة وكل ألف نيروز.

وقال مقاتل: يود أحدهم- يعني اليهود- لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ، ثم قال: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ، يعني طول حياته لا يبعده ولا يمنعه من العذاب وإن عاش ألف كما تمنى.

وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي عالم بمجازاتهم بأعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وبِغَضَبٍ معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلم على غَضَبٍ متقدِّم من اللَّه تعالى عليهم، قيل: لعبادتهم العِجْلَ.

وقيل: لكفرهم بعيسى- عليه السلام- فالمعنى: على غَضَبٍ قد باءَ به أسلافهم، حظُّ هؤلاءِ منْهُ وافرٌ بسبب رضاهم بتلك الأفعال، وتصويبهم لها.

ومُهِينٌ: مأخوذ من «الهَوَانِ» ، وهو الخلود في النَّار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذابِ الذي يقام عليه الحدُّ، لا هوان فيه، بل هو تطهيرٌ له.

وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني لليهود: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمّد صلّى الله عليه وسلم، وهو القرآن، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنون: التوراةَ، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ قال قتادة: أي: بما بعده «١» ، قال الفَرَّاء «٢» .

أي: بما سواه «٣» ، ويعني به:

القرآن، ووصف تعالى القرآن بأنه الحق ومُصَدِّقاً: حالٌ مؤكِّدة عند سيبَوَيْهِ.

وقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ردٌّ من اللَّه تعالى عليهم، وتكذيب لهم في ذلك، واحتجاج عليهم.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ: بِالْبَيِّناتِ: التوراة، والعصا، وفرق البحر، وسائر الآيات، وخُذُوا ما/ آتَيْناكُمْ: يعني: التوراة والشرع بِقُوَّةٍ، أي: ٢٩ ب

بعزمٍ، ونشاطٍ.

وجِدٍّ.

وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ: أي: حبَّ العجْلِ، والمعنى: جُعِلَتْ قلوبهم تَشْربه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارة عن تمكُّن أمر العِجْل في قلوبهم.

وقوله تعالى: بِكُفْرِهِمْ يحتمل أن تكون باء السببِ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مَعَ» .

وقوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أن يوبِّخهم لأنَّه بئس هذه الأشياء التي فَعَلْتُمْ، وأمركم بها إِيمانُكُم الذي زعمتُمْ في قولكم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا.

وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ...

الآية: أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أنْ يوبِّخهم، والمعنى: إِن كان لكم نعيمُهَا وحُظْوَتُهَا، وخيرها، فذلك يقتضي حرْصَكُم على الوصُول إِليها، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، والدَّارُ: اسمُ «كان» ، و «خالصة» : خبرها ومِنْ دُونِ النَّاسِ يحتملُ أن يراد ب «النَّاس» : محمّد صلّى الله عليه وسلم، ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم، وهذه آية بيّنة أعطاها الله رسوله محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأن اليهود قالَتْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] ، وشبه ذلك من القول، فأمر اللَّه نبيَّه أن يدعوهم إلى تمنِّي الموت، وأن يعلمهم أنه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيّ صلّى الله عليه وسلم ذلك، فعلموا صدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عن تمنِّيه فَرَقاً من اللَّه لِقبحِ أفعالهم ومعرفتهم بكذبِهم، وحرصاً منهم على الحَيَاة، وقيل: إِن اللَّه تعالى منعهم من التمنِّي، وقصرهم على الإِمساك عنه لتظهر الآية لنبيّه صلّى الله عليه وسلم.

ت: قال عِيَاضٌ «١» : ومن الوجوه البَيِّنة في إِعجاز القُرْآن آيٌ وردتْ بتعجيز قومٍ في قضايا «٢» ، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فَعَلُوا ولا قَدَرُوا على ذلك كقوله تعالى لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً «٣» ...

الآية: قال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاج «٤» في هذه الآية: أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحَّة الرسالة لأنهُ قال لهم:

فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وأعلمهم أنهم لَنْ يتمنَّوْهُ أبداً، فلم يتمنَّهُ وَاحِدٌ منهم، وعن النبيِّ صلى الله

تعالى عليه وسلم «والَّذي نَفُسِي بيَدِهِ، لا يقولها رجُلٌ منهم إلا غصَّ بِرِيقِهِ» «١» ، يعني:

يموتُ مكانه، قال أبو محمَّدٍ الأصيليُّ «٢» : من أَعجب أمرهم أنَّهُ لا تُوجَدُ منهم جماعةٌ ولا واحدٌ من يومِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذلك نبيَّهُ يقدَّم عليه «٣» ، ولا يجيب إليه، وهذا موجودٌ مشاهَدٌ لمن أراد أن يمتحنه منهم.

انتهى من «الشّفا» .

والمراد بقوله: فَتَمَنَّوُا: أريدوهُ بقلوبكم، واسْألوهُ، هذا قَوْلُ جماعة من المفسِّرين، وقال ابن عبَّاس: المراد به السؤالُ فقطْ، وإِن لم يكن بالقَلْب «٤» ، ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنَّونه أبداً، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إِلى الأيدي إِذ الأَكْثَرُ من كسب «٥» العبد الخير والشرَّ، إِنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ ﴾ كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ إلّا لِإسْرائِيلَ ووَلَدِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى عِلْمِهِمْ بِأنَّ النَّبِيَّ  صادِقٌ، أنَّهم ما تَمَنَّوُا المَوْتَ، وأكْبَرُ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ﴾ فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ مِنهم.

والَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ: قَتْلُ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبُهم، وتَبْدِيلُ التَّوْراةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ اللّامُ: لامُ القَسَمِ، والنُّونُ تَوْكِيدٌ لَهُ، والمَعْنى: ولَتَجِدَنَّ اليَهُودَ في حالِ دُعائِهِمْ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ، وأحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا.

وفي "الَّذِينَ أشْرَكُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَجُوسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ في الهاءِ والمِيمِ مِن "أحَدِهِمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ، قالَ مُقاتِلٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما ذَكَرَ "ألْفَ سَنَةٍ" لِأنَّها نِهايَةٌ ما كانَتِ المَجُوسُ تَدْعُو بِها لِمُلُوكِها، كانَ المَلِكُ يَحْيا بِأنْ يُقالَ: لَهُ عِشْ ألْفَ نَيْرُوزَ، وألْفَ مَهْرَجانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هُوَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، أحَدُهُما: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ أحَدِهِمُ الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ، تَقْدِيرُهُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ هو كِنايَةٌ عَمّا جَرى مِنَ التَّعْمِيرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما تَعْمِيرُهُ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ جَعَلَ "أنْ يُعَمَّرَ" مُبَيِّنًا عَنْهُ، كَأنَّهُ قالَ: ذَلِكَ الشَّيْءُ الدَّنِيءُ لَيْسَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ "البَيِّناتُ": التَوْراةُ، والعَصا، وفَرَقُ البَحْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ ﴾ تَدَلُّ "ثُمَّ" عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في ذَنْبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العَجْلَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ مِن بَعْدِهِ حِينَ غابَ عنكم في المُناجاةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عَلى المَجِيءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ في أنَّ مَن آمَنَ بِما نُزِّلَ عَلَيْهِ لا يَتَّخِذُ العَجَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ ورَفْعِ الطُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ ، يَعْنِي التَوْراةَ، والشَرْعَ.

و"بِقُوَّةٍ" أيْ بِعَزْمٍ، ونَشاطٍ، وجِدٍّ، "واسْمَعُوا" مَعْناهُ هُنا: وأطِيعُوا، ولَيْسَ مَعْناهُ الأمْرُ بِإدْراكِ القَوْلِ فَقَطْ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم ﴿ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ ، ونَطَقُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ مُبالَغَةً في التَعَنُّتِ والمَعْصِيَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بـِ "سَمِعْنا وعَصَيْنا" ولَكِنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضاهُ، كَما قالَ الشاعِرُ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي..................

وهَذا أيْضًا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في كَذِبِ قَوْلِهِمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ ، التَقْدِيرُ: حُبُّ العِجْلِ، والمَعْنى: جَعَلَتْ قُلُوبَهم تَشْرَبُهُ، وهَذا تَشْبِيهٌ ومَجازٌ عِبارَةٌ عن تَمَكُّنِ أمْرِ العَجَلِ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ شُرْبُهُمُ الماءَ الَّذِي ألْقى فِيهِ مُوسى بُرادَةَ العِجْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ بَرَدَهُ بِالمَبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ، وقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اشْرَبُوا مِن ذَلِكَ الماءِ، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَةُ الذَهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ.

وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمُ ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ فِيهِمْ حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءُ الجِنُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكُفْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ بِئْسَما ﴾ الآيَةُ، أمَرَ لِمُحَمَّدٍ  أنْ يُوَبِّخَهم بِأنَّهُ بِئْسَ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي فَعَلْتُمْ، وأمْرُكم بِها إيمانُكُمُ الَّذِي زَعَمْتُمْ في قَوْلِكُمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا  ﴾ ، و"ما": في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: بِئْسَ الشَيْءُ قَتْلٌ واتِّخاذُ عِجْلٍ، وقَوْلُ ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ شَرْطٌ، وقَدْ يَأْتِي الشَرْطُ والشارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ  ﴾ وقَدْ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، كَذَلِكَ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، والقائِلُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ إقامَةُ حُجَّةٍ بِقِياسٍ بَيِّنٍ، وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" هُنا نافِيَةٌ بِمَنزِلَةِ "ما" كالَّتِي تَقَدَّمَتْ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ "بِهُوَ إيمانُكُمْ" بِرَفْعِ الهاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ  أنْ يُوَبِّخَهُمْ، والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم نَعِيمُها وحَظْوَتُها وخَيْرُها فَذَلِكَ يَقْتَضِي حِرْصُكم عَلى الوُصُولِ إلَيْها ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ ، و"الدارُ": اسْمُ كانَتْ، و"خالِصَةً" خَبَرُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "خالِصَةً" عَلى الحالِ، و"عِنْدَ اللهِ" خَبَرُ كانَ، و ﴿ مِن دُونِ الناسِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بـِ "الناسِ" مُحَمَّدٌ  ومَن تَبِعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ العُمُومُ التامُّ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ فِيما حُفِظَ عنهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِ الواوِ مِن "تَمَنَّوْا" لِلِالتِقاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "تُمَنَّوا المَوْتَ" بِفَتْحِ الواوِ، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ في الرَفْعِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِضَمِّ الواوِ.

وهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ أعْطاها اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا  ، لِأنَّ اليَهُودَ قالَتْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ  ﴾ ، وشِبْهُ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ، فَفَعَلَ النَبِيُّ  ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عن تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللهِ لِقُبْحِ أعْمالِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ  ﴾ ، وحِرْصًا مِنهم عَلى الحَياةِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ مَنَعَهم مِنَ التَمَنِّي، وقَصَرَهم عَلى الإمْساكِ عنهُ، لِتَظْهَرَ الآيَةُ لِنَبِيِّهِ  .

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "تُمَنُّوا" أرِيدُوهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ فِيهِ السُؤالُ فَقَطْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرُوا بِالدُعاءِ بِالمَوْتِ عَلى أرْدَأ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أو مِنهم.

وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ مُدَّةَ حَياةِ النَبِيِّ  وارْتَفَعَتْ بِمَوْتِهِ.

والصَحِيحُ أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَصارى مِن أهْلِنَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ سَبَبَ هَذا الدُعاءِ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أنَّ النَبِيَّ  أرادَ بِهِ هَلاكَ الفَرِيقِ المُكَذِّبِ، أو قَطْعَ حُجَّتِهِمْ، لا أنَّ عِلَّتَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ  ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم بِعَجْزِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ، و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمانٍ، وإذا كانَتْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي فَتَحْتاجُ إلى عائِدٍ تَقْدِيرُهُ: قَدَّمَتْهُ، وإذا كانَتْ مَعَ "قَدَّمَتْ" بِمَثابَةِ المَصْدَرِ غَنِيَتْ عَنِ الضَمِيرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يَرى الضَمِيرَ في المَصْدَرِيَّةِ.

وأضافَ ذُنُوبَهم واجْتِرامَهم إلى الأيْدِي، وأسْنَدَ تَقْدِيمَها إلَيْها، إذِ الأكْثَرُ مِن كَسْبِ العَبْدِ الخَيْرَ والشَرَّ إنَّما هو بِيَدَيْهِ، فَحَمَلَ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ ظاهِرُها الخَبَرُ، ومُضَمِّنُها الوَعِيدُ، لِأنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ وغَيْرُهُمْ، فَفائِدَةُ تَخْصِيصِهِمْ حُصُولُ الوَعِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إبطال لدعوى قارة في نفوسهم اقتضاها قولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] الذي أرادوا به الاعتذار عن إعراضهم عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بعذر أنهم متصلبون في التمسك بالتوراة لا يعدونها وأنهم بذلك استحقوا محبة الله إياهم وتكون الآخرة لهم فلما أبطلت دعوى إيمانهم بما أنزل عليهم بإلزامهم الكذب في دعواهم بسند ما أتاه سلفهم وهم جدودهم من الفظائع مع أنبيائهم والخروج عن أوامر التوراة بالإشراك بالله تعالى بعبادة العجل، عقب ذلك بإبطال ما في عقائدهم من أنهم أهل الانفراد برحمة الله ما داموا متمسكين بالتوراة وأن من خالفها لا يكون له حظ في الآخرة، وارتكب في إبطال اعتقادهم هذا طريقة الإحالة على ما عقدوا عليه اعتقادهم من الثقة بحسن المصير أو على شكهم في ذلك فإذا ثبت لديهم شكهم في ذلك علموا أن إيمانهم بالتوراة غير ثابت على حقه وذلك أشد ما يفت في أعضادهم ويسقط في أيديهم لأن ترقب الحظ الأخروي أهم ما يتعلق به المعتقد المتدين فإن تلك هي الحياة الدائمة والنعيم المقيم.

وقد قيل: إن هذه الآية رد لدعوى أخرى صدرت من اليهود تدل على أنهم يجعلون الجنة خاصة بهم مثل قولهم نحن ﴿ أبناء الله وأحباؤه ﴾ [المائدة: 18] وقولهم ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ﴾ [البقرة: 111]، وإلى هذا مال القرطبي والبيضاوي، وعليه فيكون ذكر الرد عليهم بينا لمجرد المناسبة في رد معتقد لهم باطل أيضاً لا في خصوص الغرض المسوق فيه الآيات المتقدمة بناءً على أن الآيات لا يلزم أن تكون متناسبة تمام المناسبة، ونحن لا نساعد على ذلك فعلى هذا الوجه تكون هاته الآية هنا نزلت مع سوابقها للرد على أقوالهم المتفرقة المحكية في آيات أخرى وإنما اتصلت مع الآيات الراجعة إلى رد دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم للمناسبة بجمع رد جميع دعاويهم ولكن فيما ذكرناه غنية.

وأيّاً ما كان فهذه الآية تحدت اليهود كما تحدى القرآن مشركي العرب بقوله: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ [البقرة: 23].

وإنما فصلت هاته الجملة عما قبلها لاختلاف السياق لأن هذه الآية إلقاء حجة عليهم والآيات السابقة تفظيع لأحوالهم وإن كان في كل من ذلك احتجاج لكن الانتقال من أسلوب إلى أسلوب كان محسناً للفصل دون العطف لا سيما مع افتتاح الاحتجاج بقل.

والكلام في ﴿ لكم ﴾ مشعر بأن المراد من الدار الآخرة نعيمها و ﴿ لكم ﴾ خبر ﴿ كانت ﴾ قدم للحصر بناء على اعتقادهم كتقديمه في قول الكميت يمدح هشاماً بن عبد الملك حين عفا عنه من قصيدة: لكم مسجداً الله المزوران والحصى *** لكم قبضة من بين أثري وأقترا و ﴿ عند الله ﴾ ظرف متعلق بكانت والعندية عندية تشريف وادخار أي مدخرة لكم عند الله وفي ذلك إيذان بأن الدار الآخرة مراد بها الجنة.

وانتصب ﴿ خالصة ﴾ على الحال من اسم (كان) ولا وجه لتوقف بعض النحاة في مجيء الحال من اسم (كان).

ومعنى الخالصة السالمة من مشاركة غيركم لكم فيها فهو يؤول إلى معنى خاصة بكم.

وقوله: ﴿ من دون الناس ﴾ دون في الأصل ظرف للمكان الأقرب من مكان آخر غير متصرف وهو مجاز في المفارقة فلذلك تدل على تخالف الأوصاف أو الأحوال، تقول هذا لك دون زيد أي لاحق لزيد فيه فقوله: ﴿ من دون الناس ﴾ توكيد لمعنى الاختصاص المستفاد من تقديم الخبر ومن قوله: ﴿ خالصة ﴾ لدفع احتمال أن يكون المراد من الخلوص الصفاء من المشارك في درجاتهم مع كونه له حظ من النعيم.

والمراد من الناس جميع الناس فاللام فيه للاستغراق لأنهم قالوا: ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ﴾ [البقرة: 111].

وقوله: ﴿ فتمنوا الموت ﴾ جواب الشرط ووجه الملازمة بين الشرط وهو أن الدار الآخرة لهم وجزائه وهو تمني الموت أن الدار الآخرة لا يخلص أحد إليها إلا بالروح حين تفارق جسده ومفارقة الروح الجسد هو الموت فإذا كان الموت هو سبب مصيرهم إلى الخيرات كان الشأن أن يتمنوا حلوله كما كان شأن أصحاب النبيء صلى الله عليه وسلم كما قال عمير بن الحمام رضي الله عنه: جرياً إلى الله بغير زاد *** إلا التقى وعملَ المعاد وارتجز جعفر بن أبي طالب يوم غزوة مؤتة حين اقتحم على المشركين بقوله: يا حبذا الجنةُ واقترابُها *** طيبة وبارد شرابها وقال عبد الله بن رواحة عند خروجه إلى غزوة مؤتة ودعا المسلمون له ولمن معه أن يردهم الله سالمين: لكني أسأل الرحمان مغفرةً *** وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنةً من يدي حران مُجهِزة *** بحربة تُنفِذُ الأحشاءَ والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي *** أرشدك الله من غاز وقد رشدا وجملة ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ إلى آخره معترضة بين جملة ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ وبين جملة ﴿ قل من كان عدواً لجبريل ﴾ [البقرة: 97] والكلام موجه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إعلاماً لهم ليزدادوا يقيناً وليحصل منه تحد لليهود إذ يسمعونه ويودون أن يخالفوه لئلا ينهض حجة على صدق المخبر به فيلزمهم أن الدار الآخرة ليست لهم.

وقوله: ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ يشير إلى أنهم قد صاروا في عقيدة مختلطة متناقضة كشأن عقائد الجهلة المغرورين فهم يعتقدون أن الدار الآخرة لهم بما دل عليه قولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] وقولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ [المائدة: 18] ثم يعترفون بأنهم اجترأوا على الله واكتسبوا السيئات حسبما سطر ذلك عليهم في التوراة وفي كتب أنبيائهم فيعتذرون بأن النار تمسهم أياماً معدودة ولذلك يخافون الموت فراراً من العذاب.

والمراد بما قدمت أيديهم ما أتوه من المعاصي سواء كان باليد أم بغيرها بقرينة المقام، فقيل عبر باليد هنا عن الذات مجازاً كما في قوله: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ [البقرة: 195] وكما عبر عن الذات بالعين في باب التوكيد لأن اليد أهم آلات العمل.

وقيل: أريد بها الأيدي حقيقة لأن غالب جنايات الناس بها وهو كناية عن جميع الأعمال قاله الواحدي ولعل التكني بها دون غيرها لأن أجمع معاصيها وأفظعها كان باليد فالأجمع هو تحريف التوراة والأفظع هو قتل الأنبياء لأنهم بذلك حرموا الناس من هدي عظيم.

وإسناد التقديم للأيدي على الوجه الأول حقيقة وعلى الوجه الثاني مجاز عقلي.

وقوله: ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ خبر مستعمل في التهديد لأن القدير إذا علم بظلم الظالم لم يتأخر عن معاقبته فهذا كقول زهير: فمهما يكتم الله يعلم *** وقد عدت هذه الآية في دلائل نبوة النبيء صلى الله عليه وسلم لأنها نفت صدور تمني الموت مع حرصهم على أن يظهروا تكذيب هذه الآية.

ولا يقال لعلهم تمنوا الموت بقلوبهم لأن التمني بالقلب لو وقع لنطقوا به بألسنتهم لقصد الإعلان بإبطال هذه الوصمة فسكوتهم يدل على عدم وقوعه وإن كان التمني موضعه القلب لأنه طلب قلبي إذ هو محبة حصول الشيء وتقدم في قوله: ﴿ إلا أماني ﴾ [البقرة: 78] أن الأمنية ما يقدر في القلب.

وهذا بالنسبة إلى اليهود المخاطبين زمن النزول ظاهر إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه تمنى الموت كما أخبرت الآية.

وهي أيضاً من أعظم الدلائل عند أولئك اليهود على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم قد أيقن كل واحد منهم أنه لا يتمنى الموت وأيقن أن بقية قومه لا يتمنونه لأنه لو تمناه أحد لأعلن بذلك لعلمهم بحرص كل واحد منهم على إبطال حكم هذه الآية، ويفيد بذلك إعجازاً عاماً على تعاقب الأجيال كما أفاد عجز العرب عن المعارضة علم جميع الباحثين بأن القرآن معجز وأنه من عند الله.

على أن الظاهر أن الآية تشمل اليهود الذين يأتون بعد يهود عصر النزول إذ لا يعرف أن يهودياً تمنى الموت إلى اليوم فهذا ارتقاء في دلائل النبوة.

وجملة ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ في موضع الحال من ضمير الرفع في ﴿ يتمنوه ﴾ أي علم الله ما في نفوسهم فأخبر رسوله بأن يتحداهم وهذا زيادة في تسجيل امتناعهم من تمني الموت، والمراد بالظالمين اليهود فهو من وضع الظاهر موضع الضمير ليصفهم بالظلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن دُونِ النّاسِ كُلِّهِمْ.

والثّانِي: مِن دُونِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَقِيلَ: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ لِأنَّهُ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانَ المَوْتُ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الحَياةِ، لِما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن نِعَمِ الجَنَّةِ، ويَزُولُ عَنْهُ مِن أذى الدُّنْيا، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا ورَأوْا مَقامَهم مِنَ النّارِ)» .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ تَحْقِيقًا لِكَذِبِهِمْ، وفي تَرْكِهِمْ إظْهارَ التَّمَنِّي قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا، كَما قالَهُ النَّبِيُّ  ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَمَنَّوْهُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ صَرَفَهم عَنْ إظْهارِ التَّمَنِّي، لِيَجْعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِنَبِيِّهِ  .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي المَجُوسَ، لِأنَّ المَجُوسَ هُمُ الَّذِينَ يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ، كانَ قَدْ بَلَغَ مِن حُبِّهِمْ في الحَياةِ أنْ جَعَلُوا تَحِيَّتَهم (عِشْ ألْفَ سَنَةٍ) حِرْصًا عَلى الحَياةِ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (أنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ خالِصَةً) أحَبُّ في الحَياةِ مِن جَمِيعِ النّاسِ ومِن هَؤُلاءِ.

﴿ وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ ﴾ أيْ بِمُباعِدِهِ مِنَ العَذابِ ﴿ أنْ يُعَمَّرَ ﴾ لِأنَّهُ لَوْ عُمِّرَ ما تَمَنّى، لِما دَفَعَهُ طُولُ العُمْرِ مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى مَعاصِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: ﴿ قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ [ البقرة: 111] ، وقالوا ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ [ المائدة: 18] فأنزل الله: ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴾ فلم يفعلوا.

وأخرج ابن جرير عن قتادة.

مثله.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في هذه الآية قال: قل لهم يا محمد إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجنة كما زعمتم ﴿ خالصة من دون الناس ﴾ يعني المؤمنين ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴾ انها لكم خالصة من دون المؤمنين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن كنتم في مقالتكم صادقين قولوا اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه فمات مكانه، فأبوا أن يفعلوا وكرهوا ما قال لهم، فنزل ﴿ ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم ﴾ يعني عملته أيديهم ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ إنهم لن يتمنوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية: والله لا يتمنونه أبداً» .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتمنوا الموت ﴾ أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب فأبوا ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ يعني الجنة ﴿ خالصة ﴾ خاصة ﴿ فتمنوا الموت ﴾ فاسألوا الموت ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ لأنهم يعلمون أنهم كاذبون ﴿ بما قدمت ﴾ قال: أسلفت.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: لو تمنى اليهود الموت لماتوا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ الآية، كانت اليهود تقول: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا  ﴾ ، وقالوا أيضًا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ، فقيل لهم: إن كنتم عند أنفسكم صادقين فتمنوّا الموتَ، فإنّ مَنْ كان لا يشكّ في أنه صائرٌ إلى الجنة، فالجنة آثرُ عنده من الدنيا (١) والمعنى: إن كانَتْ لكم نعمة الدار الآخرة، فحذف لدلالة الكلام عليه.

وقوله تعالى: ﴿ خَالِصَةً ﴾ يجوز أن يكون فاعلةً من الخُلوص، فيكون انتصابها على خبر كان، ويجوز أن يكون مصدرًا، كالكاذبة والصافية والخائنَة، فيكون المعنى: خلصتْ خالِصَةً، ويكون انتصابها على المصدر (٢) ومعنى قوله: ﴿ مِّن دُونِ النَّاسِ ﴾ الاختصاص كقولك: هذا لي دونك، أي: أنا مختص به (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ معنى التمني: هو قولٌ يقدر فيه معنًى يحبه الطبع، وذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿ إِلَّا أَمَانِىَّ ﴾ وَيُدَلّ على التمني بأداةٍ تميِّزُه من الإخبار، كقولك: ليت الله غفر لي، (وليت) أصل في التمني (٤) ﴿ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ ﴾ (٥) (٦) (١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 177، وينظر في هذا: "تفسير الطبري" 1/ 422 - 423 عن قتادة وأبي العالية والربيع، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 284، "معاني القرآن" للفراء 1/ 62، "تفسير الثعلبي" 1/ 1036، "البحر المحيط" 1/ 310.

(٢) ذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 310 الخلاف في إعراب خالصة فقيل: نصب على الحال، ولم يحك الزمخشري غيره، وقيل: خبر كان، فيجوز في (لكم) أن يتعلق بـ (كانت)، ويجوز أن يتعلق بـ (خالصة) ويجوز أن تكون للتبيين، فيتعلق بمحذوف تقديره: لكم أعني، ولم يذكر الانتصاب على المصدرية، وكذا القرطبي في "تفسيره" 2/ 33.

(٣) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 310.

(٤) ينظر: "مغني اللبيب" 1/ 285.

(٥) كذا أورده في مقام التمني: "القرطبي" 7/ 218.

(٦) ينظر: "مغني اللبيب" 1/ 69.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنْ كُنْتُمْ ﴾ شرط أو نفي ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ بالقلب أو اللسان أو باللسان خاصة، وهذا أمر على وجه التعجيز والتبكيت، لأنه من علم أنه من أهل الجنة اشتاق إليها، وروي أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، وقيل: إن ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم دامت طول حياته ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ﴾ إن قيل: لم قال في هذه السورة: ولن يتمنوه، وفي سورة الجمعة: ولا يتمنونه فنفى هنا بلن، التي تخص الاستقبال ولما كان الشرط في الجمعة حالاً، وهو قوله: إن زعمتم أنكم أولياء لله جاء جوابه بلا: التي تدخل على الحال، أو تدخل على المستقبل ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ ﴾ أي لسبب ذنوبهم وكفرهم ﴿ عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ تهديد لهم ﴿ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفاً على ما قبله فيوصل به، ولمعنى أن اليهود أحرص على الحياة من الناس ومن الذين أشركوا، فحمل على المعنى كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا، وخص الذين أشركوابالذكر بعد دخولهم في عموم الناس لأنهم لا يؤمنون بالآخرة فإفراط حبهم للحياة الدنيا.

والآخر: أن يكون من الذين أشركوا ابتداء كلام فيوقف على ما قبله، والمعنى: من الذين أشركوا قوم ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ فحذف الموصوف، وقيل: أراد به المجوس، لأنهم يقولون لملوكهم عش ألف سنة، والأول أظهر؛ لأن الكلام إنما هو في اليهود، وعلى الثاني يخرج الكلام عنهم ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ ﴾ الآية: فيها وجهان؛ أحدهما: أن يكون هو عائد على أحدهم، وأن يعمر فاعل لمزحزحه، والآخر: أن يكون هو للتعمير وأن يعمر بدل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولقد جاءكم ﴾ مدغمة الدال في الجيم كل القرآن: أبو عمرو وحمزة وعلي خلف وهشام ﴿ جاءكم ﴾ وبابه بالإمالة: حمزة وخلف وابن ذكوان ﴿ قلوبهم العجل ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضم الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم وكذلك كل ما لقي الميم حرف ساكن وقبل الهاء كسرة ﴿ بما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.

والوقوف: ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لتقدير القول ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ بكفرهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ه) ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ أيديهم ﴾ (ط) ﴿ بالظالمين ﴾ (ه) ﴿ على حياة ﴾ (ج) على تقدير: ومن الذين أشركوا قوم يود أحدهم، ومن وقف على ﴿ أشركوا ﴾ فتقديره أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا و ﴿ يود ﴾ مستأنف للبيان وإنما لم يدخل من في الناس وأدخل في الذين أشركوا لأن اليهود من الناس وليسوا من المشركين كقولك "الياقوت أفضل الحجارة وأفضل من الديباج" ﴿ سنة ﴾ (ط) لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً ﴿ أن يعمر ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه).

التفسير: السبب في تكرير قصة اتخاذ العجل ههنا القدح بوجه آخر في قولهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا  ﴾ وبيان وصفهم بالعناد والتكذيب تسلية لرسول الله  وتثبيتاً له، فإن قوم موسى  بعد ظهور المعجزات الواضحات على يده اتخذوا العجل إلهاً ومع ذلك صبر وثبت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه.

وكرر ذكر رفع الطور للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قولهم ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ الدال على نهاية لجاجهم وذلك أنه قال لهم: اسمعوا سماع تقبل وطاعة.

فقالوا: سمعنا ولكن لا سماع طاعة، وظاهر الآية يدل على أنهم قالوا هذا القول أعني سمعنا وعصينا وعليه الأكثرون.

وعن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المعنى سمعوه وتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول مثل ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ.

وقوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الإشراب كقوله ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ وفي هذه الاستعارة لطيفة وهي أنه كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة للقبائح الصادرة عنهم.

وفي قوله ﴿ واشربوا ﴾ دلالة على أن فاعلاً غيرهم فعل ذلك بهم كالسامري وإبليس وشياطين الجن والإنس، وذلك بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه على الله  ولا ريب أن جميع الأسباب تنتهي إلى الله  وقد عرفت التحقيق في أمثال ذلك مراراً.

﴿ بئسما يأمركم ﴾ المخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئاً يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل، فليس في التوراة عبادة العجاجيل.

وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال قوم شعيب ﴿ أصلاتك تأمرك  ﴾ وكذلك إضافة الإيمان إليهم.

واعلم أن الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي، لكن الداعي إلى الفعل والسبب فيه قد يشبه بالأمر كقوله ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ الدار اسم "كان" وفي الخبر ثلاثة أوجه: الأول: ﴿ خالصة ﴾ و ﴿ عند ﴾ ظرف لخالصة أو للاستقرار الذي في ﴿ لكم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ عند ﴾ حالاً من الدار والعامل فيها "كان" أو الاستقرار.

وأما ﴿ لكم ﴾ فيكون على هذا متعلقاً بـ "كان" لأنها تعمل في حروف الجر، ويجوز أن يكون للتبيين فيكون موضعها بعد ﴿ خالصة ﴾ أي خالصة لكم فيتعلق بنفس خالصة، ويجوز أن يكون صفة لخالصة قدمت عليها فيتعلق حينئذ بمحذوف.

الثاني: أن يكون خبر كان ﴿ لكم ﴾ و ﴿ عند الله ﴾ ظرف و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل "كان" أو الاستقرار.

الثالث: أن يكون ﴿ عند الله ﴾ هو الخبر و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل فيها إما عند، و ما يتعلق به أو "كان" أو "لكم" وسوغ أن يكون ﴿ عند ﴾ خبر ﴿ كانت لكم ﴾ إذ كان فيه تخصيص وتبيين نحو ﴿ ولم يكن له كفواً أحد  ﴾ وقوله ﴿ من دون الناس ﴾ نصب بـ ﴿ خالصة ﴾ لأنك تقول: خلص كذا من كذا.

والمراد بالدار الآخرة الجنة لأنها هي المطلوبة من الدار الآخرة دون النار.

والمراد بقوله ﴿ عند الله ﴾ الرتبة والمنزلة، وحمله على عندية المكان ممكن ههنا إذ لعلهم كانوا مشبهة.

ومعنى خالصة لكم أي سالمة خاصة بكم لا حق لأحد فيها سواكم.

"ودون" ههنا يفيد التجاوز والتخطي في المكان كما تقول لمن وهبته منك ملكاً: هذا لك من دون الناس.

أي لا يتجاوز منك إلى غيرك.

والناس للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ولأنه لم يوجد ههنا معهود.

فإن قلت: من أين ثبت أنهم ادعوا ذلك؟

قلنا: لأنه لا يجوز أن يقال في معرض الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزامه بالثاني، ولقوله  ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ولما اعتقدوا في أنفسهم أنهم هم المحقون، لأن النسخ غير جائز عندهم، ولزعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ويوصلونهم إلى ثواب الله فلهذه الأسباب عظموا شأن أنفسهم وكانوا يفتخرون على العرب، وربما جعلوه كالحجة في أن النبي  المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب، وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد  ، فبين الله  فساد معتقدهم بالآية.

وبيان الملازمة أن متاع الدنيا قليل في جنب نعم الآخرة، وذلك القليل كان أيضاً منغصاً عليهم بعد ظهور محمد  ومنازعته معهم بالجدال والقتال.

فالموت خير لهم لا محالة لأنه يوصل إلى الخيرات الكثيرة الدائمة الصافية عن النغص، ولا يفوت إلا القليل النكد.

والوسيلة وإن كانت مكروهة نظراً إلى ذاتها لكنه لا يتركها العاقل نظراً إلى غايتها كالفصد ونحوه.

والنهي عن تمني الموت في قوله  "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان ولا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً إليّ وأمتني ما كانت الوفاة خيراً لي" محمول على تمن سببه عدم الصبر على الضر ونكد العيش كما قال قائل: ألا مـــوت يبــــاع فــأشتــريــه *** فهــذا العيــش مــا لا خيــر فيــه ألا رحــم المهيمــن روح عبـد *** تصــدق بــالــوفـاة علــى أخيــه فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقضاء ويدل على الجزع وضيق العطن وينافي قضية التوكل والتسليم، أو على تمن سببه الجزم بالوصول إلى نعيم الآخرة فإن ذلك خارج عن قانون الأدب، ونوع من الأخبار بالغيب لا يليق إلا ببعض أولياء الله.

روي أن علياً  كان يطوف بين الصفين في غلالة وهي شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضاً.

فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين.

فقال: يا بني، لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت.

وعن حذيفة أنه  كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال  : حبيب جاء على فاقة لا يفلح من ندم.

يعني على التمني.

وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة، محمداً وحزبه.

وكان كل واحد من العشرة المبشرة بالجنة يحب الموت ويحن إليه لجزمهم بلقاء الله و نيل ثوابه وذلك لمكان البشارة، فأما أحدنا فلا يليق به تمني الموت إلا على سبيل الرجاء وحسن الظن بالله "أنا عند ظن عبدي بي" وعن النبي  "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على الأرض يهودي" وليس لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد  فيقولوا: إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر، فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك فإنا نراك وأمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم، وبعد الموت تتخلصون إلى دار الكرامة والنعيم، لأنه  بعث لتبليغ الشرائع وتنفيذ الأحكام ولا يتم المقصود إلا بحياته وحياة أمته، فله  أن يقول لأجل هذا لا أرضى بالقتل مع أن المؤمن من هذه الأمة قلما يخلو من النزاع والشوق إلى لقاء ربه، فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده، والعبد الآبق يكره العود إلى مولاه، ولهذا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وبذلوا أرواحهم دون الدين والذب عن الملة الحنيفية ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر  ﴾ عن عبادة بن الصامت أن النبي  قال "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه.

وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه" ثم إنه  بين انتفاء اللازم بقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ وبرهن عليه بقوله ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ أي بما أسلفوا من موجبات النار كالكفر بمحمد  وبالقرآن وكتحريف كتاب الله وسائر قبائح أفعالهم.

وذكر الأيدي مجاز لأن أكثر الأعمال يتم بمباشرة اليد.

وقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ من المعجزات لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به كقوله ﴿ ولن تفعلوا  ﴾ وذلك أن التمني ليس من أعمال القلب حتى لا يطلع عليه أحد، وإنما هو قول الإنسان بلسانه تمنيت أو ليت لي كذا، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب.

فلو إنهم تمنوا لنقل ذلك كما ينقل سائر الحوادث العظام، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن أكثر من الذرّ.

وأيضاً لو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا قد تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك.

وأيضاً لولا أنه  أوحى إليه أنهم لم يتمنوا لم يكن في العقل رخصة الإقدام على مثل هذا الإلزام، لأنه في غاية السهولة، وإذا ثبت انتفاء اللازم ثبت انتفاء الملزوم بالضرورة وهو أن لا تكون الدال الآخرة لهم خالصة، وأما أنها ليست لهم بالاشتراك أيضاً، فيستفاد من الآية التالية.

وفي قوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ إشارة أيضاً إلى ذلك لأنه إذا كان محيطاً بسرهم وعلانيتهم وقد قدموا من القبائح ما قدموا فيجازيهم بما يحقون له.

وفي وضع الظاهر وهو بالظالمين مقام المضمر وهو بهم إشارة أخرى إلى سوء منقلبهم ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون  ﴾ واللام إما للعهد وإما للجنس، فيشملهم أولاً وغيرهم من الظلمة ثانياً.

فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا ﴿ ولن يتمنوه ﴾ وفي سورة الجمعة ﴿ ولا يتمنونه  ﴾ ؟

قلنا: لأن الدعوى هنا كون الدار الآخرة خالصة لهم، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، والأول مطلوب بالذات، والثاني وسيلة إليه، فناسب أن ينفي الأول بما هو أبلغ في إفادة النفي وهو "لن"، أو لأن الدعوى الثانية أخص فإنه لا يلزم أن يكون كل من له الدار الآخرة ولياً بمعنى أنه يلي النبي في الكمال والإكمال، ونفي العام أبعد من نفي الخاص كما أن إثبات الخاص في قولك "فلان ابن فلان موجود" أبعد من إثبات العام في قولك "الإنسان موجود".

فحيث كانت الدعوى الأولى أبعد احتيج إلى أداة هي في باب النفي أبلغ.

ثم إنه  لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت، أخبر بعد ذلك أنهم في غاية الحرص على الحياة، لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن لا يتمنى الحياة ولا الموت فقال ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس ﴾ مؤكداً باللام والنون والقسم المقدر وهو من وجد بمعنى علم.

وقوله ﴿ على حياة ﴾ بالتنكير لأنه أراد نوعاً من الحياة مخصوصاً وهي الحياة المتطاولة أو حياة وأيّ حياة.

وفي جعلهم أحرص من الذين أشركوا توبيخ عظيم، لأن المشركين لا يؤمنون بمعاد وعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فهي جنتهم، فلا يستبعد حرصهم عليها.

فإذا ازداد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان خليقاً بالتوبيخ.

وسبب زيادة حرصهم هو علمهم بأنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون غافلون عن ذلك.

وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان.

وعن ابن عباس: هو قول الأعاجم "زي هزار سال"، ويحسن أن يقال ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ كلام مبتدأ أي ومنهم ناس يودّ على حذف الموصوف كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا ملك لقوة الدلالة عليه بذكر ما اشتمل عليه قبله، فكأنه مذكور، وعلى هذا يلزم توبيخ اليهود من جهة أخرى وهي انضمامهم في زمرة المشركين وكونهم بعضاً منهم وذلك كقولهم ﴿ عزير ابن الله  ﴾ .

وقال أبو مسلم: في الآية تقديم وتأخير أي ولتجدنهم طائفة من الذين أشركوا وأحرص الناس على حياة، ثم فسر بقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ أي كل واحد يغرض لو يعمر.

و "لو" في معنى التمني و ﴿ لو يعمر ﴾ حكاية لودادتهم، وكان يجوز "لو أعمر" على الحكاية إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ مثل "حلف بالله ليفعلن" وتخصيص الألف بالذكر بناء على العرف ولأنه أول عقد يستحيل وقوعه في أعمار بني آدم أو يندر.

والضمير في قوله ﴿ وما هو ﴾ يعود إلى أحدهم و ﴿ أن يعمر ﴾ فاعل ﴿ بمزحزحه ﴾ أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره.

ويجوز أن يكون الضمير لما دل عليه ﴿ يعمر ﴾ من مصدره و ﴿ أن يعمر ﴾ بدل منه كأنه قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب أن يعمر.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبهماً و ﴿ أن يعمر ﴾ موضحه.

والزحزحة المباعدة والتنحية.

﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيه تهديد لأهل البغي والعناد، وزجر للعصاة عن الفساد.

والبصر قد يراد به العلم يقال فلان بصير بهذا الأمر أي عارف به، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها، وكلا الوصفين يصح عليه  ما لم يثبت له جارحة.

فإن قلنا: إن من الأعمال ما لا يصح أن يرى، تعين حمل البصر فيه على العلم والله أعلم بالصواب.

وإليه المرجع والمآب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .

والبينات: ما ذكرنا - فيما تقدم - من الآيات المعجزة، والحجج العجيبة، والبراهين الظاهرة على رسالته ونبوته، وصدق ما يدعوهم إليه، مما يدل كله أَنه من عند الله.

ثم - مع ما جاءَهم موسى بها - عبدوا العجل واتخذوه إلهاً، وكفروا بالله.

يُعَزِّي نبيه  ؛ لئلا يظن أَنه أَول مُكذَّب من الرسل، ولا أَول من كُفِر به؛ حتى لا يضيق صدره بما يقولون، ويستقبلونه بما يكره، وبالله التوفيق.

كقوله: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم ما فيه مقْنع، إن شاءَ الله  .

وقوله: ﴿ وَٱسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: اسمعوا، أَي: أَجيبوا.

ويحتمل: اسمعوا: أَطيعوا، لكن هذا فيما بين الخلق جائز السمع والطاعة.

وأََما إِضافة الطاعة إلى الله - عز وجل - فإِنه غير جائز؛ إذ لا يجوز أَن يقال: أَطاع الله.

وأَما السمع فإنه يجوز؛ لقوله: "سمع الله لمن حمده".

﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا ﴾ قولك، ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أَمرك.

لكن قولهم: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ لم يكن على أثر قولهم: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ، ولكن بعد ذلك بأَوقات؛ لأَنه قيل: لما أَبوا قبول التوراة؛ لما فيها من الشدائد والأَحكام، رفع الله الجبل فوقهم، فقبلوا؛ خوفاً من أَن يرسل عليهم الجبلَ، وقالوا: أَطعنا، فلما زايل الجبل، وعاد إلى مكانه، فعند ذلك قالوا: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ  ﴾ فالتولي منهم كان بعد ذلك بأَوقات.

وقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

قيل: أُشربوا، أَي: جُعل في قلوبهم حبُّ عبادة العجل بكفرهم بالله عز وجل.

وقيل: سُقُوا حُبَّ العجل.

وقيل: إِن موسى لما أَحرق العجل، ونسفه في البحر جعلوا يشربون منه لحبهم العجل.

وقيل: لما أَحرق ونسف في البحر جعلوا يلحسون الماء حتى اصفرت وجوههم.

وقيل: إنهم لما رأوا في التوراة ما فيها من الشدائد، قالوا عند ذلك: عبادةُ العجل علينا أَهون مما فيها من الشرائع.

وكله يرجع إلى واحد، وذلك كله آثار الحب.

وقوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: قل يا محمد: بئسما يأْمركم إيمانكم بالعجل الكفرَ بالله عز جل.

وقيلأ: إن اليهود ادعوا أَنهم مؤمنون بالتوراة؛ فقال: ﴿ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ ﴾ أي بالتوراة؛ إذ كفرتم بمحمد  ، وقد وجدتم فيها نعته وصفته.

وقوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

وذلك أَن أَعداءَ الله -  - كانوا يقولون: إن الجنة لنا في الآخرة، بقولهم ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ؛ فقال الله  لنبيه  : قل لهم: إن كانت لكم الدار الآخرة - كما تزعمون - وأَنكم أَبناءُ الله وأَحباؤه - كما تقولون - ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

وذلك أَن المرء لا يكره الانتقال إلى داره، وإلى بستانه، بل يتمنى ذلك، وكذلك المرءُ لا يكره القدوم على أبيه، ولا على ابنه، ولا على حبيبه، ولا يخاف نقمته ولا عذابه، بل يجد عنده الكرامات والهدايا.

فإن كان كما تقولون، فتمنوا الموت؛ حتى تنجوا من غم الدنيا، ومن تحمل الشدائد التي فيها إن كنتم صادقين في زعمكم: بأَن الآخرة لكم، وأَنكم أَبناءُ الله وأَحباؤه.

فإن قيل: إنكم تقولون: إن الآخرة للمؤمنين، ثم لا أَحد منهم يتمنى الموت إذا قيل له: تمنّ الموت، فما معنى الاحتجاج عليهم بذلك، وذلك على المؤمنين كهو عليهم؟

قيل: لوجهين: أَحدهما: أَن المؤمنين لم يجعلوا لأَنفسهم من الفضل والمنزلة عند الله ما جعلوا هم لأَنفسهم؛ فكان في تمنيهم صدقُ ما ادعَوْا لأَنفسهم، وفي الامتناع عن ذلك ظهورُ صدق رسول الله  .

والثاني: ما ذكرنا أَنهم ادعوا: أَنهم أَبناءُ الله وأَحباؤه، وفي تمنيهم الموت ردهم، وصرفهم إلى الحبيب، والأَب الذي ادعوه، ولا أَحد يرغب وينفر عن حبيبه وأَبيه؛ فدل امتناعهم عن ذلك: على كذبهم في دعاويهم.

وبالله نستعين.

فإن سأَلونا عن قوله: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ ﴾ أنهم إذا تمنوا ليس كان انقضاء عمرهم بدون الأَجَل الذي جعل لهم، وفي ذلك: تقديم الآجال عن الوقت الذي كان أَجَلا، وقال الله  : ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ .

قيل: إن الله علم منهم - في سابق علمه، وأَزليته - أَنهم لا يتمنون جعل أَجلهم ذلك.

ولو علم منهم أَنهم يتمنون الموت لكان يجعل أَجلهم ذلك في الابتداءِ، وكذلك هذا الجواب؛ لما روي: "أَن صلة الرحم تزيد في العمر" إنه كان كذلك يحتمل في الابتداءِ، لا أَن يجعل أَجله إلى وقت، ثم إذا وصل رحمه يزيد على ذلك الأَجل أَو ينقص، فيتمنى الموت عن الأَجل المجعول المضروب له، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ﴾ .

فيه دلالة إِثبات رسالة محمد  ، وذلك أَنه أَخبر - عز وجل - أَنهم لا يتمنون أَبداً، فكان كما قال؛ فدل أَنه من عند الله علم ذلك.

وقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ .

من الذنوب، والعصيان، والتكذيب بمحمد  ، والحسد له.

وهم - والله أعلم - قد عرفوا عن صنيعهم، وما لهم من عند الله من العذاب والجزاءِ، لكنهم قالوا ذلك؛ على التعنت، والمكابرة، والسفه؛ لذلك لم يتمنوا، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ ﴾ .

هو على الوعيد؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ  ﴾ .

ويحتمل: عليم بالظالمين؛ بما يفضحهم بالحجج، ويُظهر كذبهم في الدنيا؛ لئلا يظن أحد أَنه عن غفلة بما يعملون، بل خلقهم على علم منه بما يعملون.

خلقهم؛ ليعلم أنه لا لنفع له بخلقهم خلَقَهم، وأَن ذلك لا يضره.

وقوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ يعني اليهود.

﴿ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ ﴾ .

وعلى كراهية الموت.

فدل حرصهم على حياة الدنيا أَنهم كذبة فيما يزعمون ويدعون.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ﴾ .

يعني: المجوس.

أي: هم أحرص الناس على حياة الدنيا من المجوس؛ لأَن المجوس لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة، وهم يؤمنون بها؛ فهم - مع إيمانهم بالبعث، وتصديقهم بالقيامة - أَحرص على حياة الدنيا من المجوس الذين لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة.

وقيل: إِنَّه على الابتداءِ.

ولا يتنافى بقول: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ يعني: المجوس ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ؛ لأنهم يقولون فيما بينَهم: أَلف سنة تأْكل النيروز والمهرجان، ويقولون بالفارسية: هزار ساله بزه.

فأَخبر الله -  - أَن طول العمر في الدنيا لا ينجيه من العذاب في الآخرة، ولا يباعده عنه.

وهو قوله: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ  ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ  مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

هو على الوعيد أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها النبي-: إن كانت لكم -يا يهود- الجنّة في الدار الآخرة خالصة لا يدخلها غيركم من الناس؛ فتمنوا الموت واطلبوه؛ لتنالوا هذه المنزلة بسرعة، وتستريحوا من أعباء الحياة الدنيا وهمومها، إن كنتم صادقين في دعواكم هذه.

<div class="verse-tafsir" id="91.VmAqR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سبق التذكير باتخاذ العجل في قوله تعالى ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ ثم أعاده هنا بعبارة وأسلوب آخرين في سياق آخر.

أما اختلاف العبارة والأسلوب فظاهر وأما السياق فقد كان أولًا في تعداد النعم على بني إسرائيل وبيان ما قابلوها به من الكفران وهو هنا في ذكر الآيات ورد شبهاتهم المانعة بزعمهم من الإيمان بالنبي  ، فهناك يقول إن النعم التي أسبغها الله عليكم لم يكن لها من شكر عندكم إلا اتخاذ عجل تعبدونه من دونه.

وههنا يقول إن الآيات البينات على النبوة والوحدانية، لم تزدكم إلا إيغالًا في الشرك وانهماكًا في الوثنية، فكيف تعتذرون عن الإيمان بمحمد بأنكم لا تؤمنون إلا بما أنزل إليكم وهذا شأنكم فيه؟

ومجموع الآيتين ينبئ بفساد قلوب القوم وفساد عقولهم حتى لا مطمع في هداية أكثرهم من جهة الوجدان، ولا من ناحية العقل والجنان.

وهذه البينات التي ذكرها ههنا قد كانت في مصر قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة وأما النعم التي ذكرها هناك فقد كانت في أرض الميعاد كما تقدم.

ووجه الاتصال بين هذه الآية وما قبلها قد علم مما قلناه في السياق، وفيه المقابلة بين معاملتهم لموسى  ومعاملتهم للنبي  إذ قالوا: قلوبنا غلف: وادعوا أنهم مأمورون بأن لا يؤمنوا إلا بما أنزل عليهم خاصة.

وقد علم من هذه الحجج كلها بطلان شبههم وكذبهم في دعواهم وأنه لا عذر لهم في ترك الإيمان.

﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ أي من بعد هذا المجيء لا من بعد موسى، والمراد أنه لم يكن لهم عذر في ذلك الاتخاذ فإنه بعد بلوغ الدعوة وقيام الحجة، ولذلك قال ﴿ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ وأي ظلم أعظم من الشرك بالله تعالى؟

ولا تغفل عن الإيجاز في قوله ﴿ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ وحذف مفعول ﴿ اتَّخَذْتُمْ  ﴾ أي اتخذتموه إلهًا.

ثم ذكرهم هنا أيضًا بأخذ الميثاق ورفع الطور كما ذكرهم به في آية تقدمت، وقد قال هناك ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ  ﴾ وقال هنا ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا  ﴾ وأمرهم في تلك بالحفظ وأمرهم في هذه بالفهم والطاعة.

وقلنا في تفسير ﴿ وَاذْكُرُوا  ﴾ أن المراد الحث به على العمل فالعبارتان تتلاقيان في المعنى والمراد.

وفي اختلاف النظم والأسلوب حجة على الذين توهموا أن إعجاز القرآن في البلاغة إنما هو في السبق إلى العبارة التي يتأدى بها المعنى على أكمل الوجوه الممكنة في نظم الكلمات العربية.

رأى هؤلاء أن المعنى الذي يفيد علمًا بشيء ما له كلمات في اللغة تؤديه بوجوه من النظم وأن الكلمات والوجوه محدودة فمن سبق إلى أتمها أداء وأبلغها تأثيرًا كان كالسابق إلى انتقاء أكرم جوهرة من طائفة من الجواهر أمامه أو إلى أنفس عقد وأحسنه نظمًا من عقود عرضت عليه.

مثال ذلك قوله تعالى ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ  ﴾ قال علماء هذا الشأن إنه يتألف من هذه الكلمات عشرة ضروب من النظم بالتقديم والتأخير ما من ضرب منها إلا وهو منتقد بالخطل أو إيهام خلاف المراد أو الخطأ في الإعراب إلا نظم الآية فهو الذي يؤدي المعنى على أكمل الوجوه ولا يتأتى نظم آخر يؤدي مؤداه.

وزعم بعض الناس أن هذا الإعجاز ليس إلهيًا.

لو أخذ ما قالوه مسلمًا على إطلاقه لكان لنا أن نقول إنه ليس في قدرة أحد من البشر أن يأتي بكلام طويل يتجلى له في كل جملة منه جميع الكليات التي تدخل في تأدية المعنى المراد له وجميع ضروب النظم ووجوه الأساليب الممكنة في ترتيب تلك الكلمات وتأليفها فيختار الأحسن الأبلغ منها.

وإذا لم يكن هذا في قدرة البشر كما هو ظاهر فلا بد أن يكون من جاء به مؤيدًا بعناية من الله تعالى.

على أننا لا نسلم بما قالوه على إطلاقه فإنه لا يتجه إلا في ألفاظ معينة كألفاظ آية ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ إلخ وإذا نظرنا إلى المعاني، لا سيما الكلية، نراها تتجلى في صور كثيرة من النظم الذي تختلف ألفاظه.

وأمامنا الآن معنى الآية التي نفسرها وهو أن الله أخذ هذا العهد على بنى إسرائيل بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وأن يعملوا بشريعته ووصاياه، وكان أخذ هذا العهد في موقف رهبة وخشوع يعين على أخذه بالجد والعزيمة، إذ كان الجبل مرفوعًا فوقهم بصفة لم يعهدوها حتى ظنوا أنه يريد أن يقع بهم، ولكنهم لم يلبثوا أن نقضوا هذا الميثاق وتركوا العمل به وعبدوا العجل الذي صاغوه من حليهم بأيديهم عن حب متمكن من النفس، وغالب على العقل والحس، وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في كتابه غير مرة ولكن بعبارات مختلفة كالآية التي تقدمت وذكر هناك أنهم تولوا عن الميثاق بعد الأمر بحفظه والعمل به رجاء التقوى، وكآية الأعراف ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ  ﴾ وتقدمت الإشارة إليها هناك وكلاهما غاية في البلاغة .

وذكره هنا بنظم آخر تنتهي إليه البلاغة في سياق آخر فقال ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا  ﴾ ثم التفت عن خطاب الحاضرين إلى الحكاية عن الغابرين فقال ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا  ﴾ أي أنهم قبلوا الميثاق وفهموه ولكنهم لم يعملوا به بل خالفوه تعنتًا وتأولًا، وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا  ﴾ بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب، وفي هذا العهد، يعبرون عن حال الإنسان وغيره بقول يحيكه عن نفسه حتى حكي مثل ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضًا، وهو أسلوب أظن أنه يوجد في كل لغة أو في اللغات الراقية فقط.

ثم ذكر أقبح أمثلة هذا العصيان بعبارة مدهشة في بلاغتها فقال ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ هذه الاستعارة من فرائد الاستعارات يتمثل بها عند ذكر بلاغة القرآن.

وإشراب الشيء الشيء مخالطته إياه وامتزاجه به، يقال بياض مشرب بحمرة، أو هو من الشرب كان الشيء المحبوب شراب يساغ فهو يسري في قلب المحب ويمازجه كما يسري الشراب العذب البارد في لهاته.

وقد قدر الأكثرون هنا مضافًا محذوفًا فقالوا المراد"حب العجل" وذهب بعض الجامدين على الظواهر إلى أن المراد بالشرب هنا حقيقته وزعموا أن موسى لما سحق العجل وذراه في اليم طفقوا يشربون المسحوق مع الماء.

وغفل صاحب هذا الزعم عن قوله تعالى ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ والشراب الحقيقي لا يكون في القلب.

والشرب غير الإشراب.

ولبعض المفسرين مزاعم وقصص في العجل لا يدل عليها وحي منزل، ولا تاريخ صحيح ينقل، والباء في قوله ﴿ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ للسببية أي سبب هذا الحب الشديد لعبادة العجل هو ما كانوا عليه من الوثنية في مصر فقد رسخ الكفر في قلوبهم بطول الزمن وورثه الأبناء عن الآباء.

وأما السياق الذي وردت فيه هذه الآية بهذا النظم والأسلوب المخالفين لأسلوب تلك الآية مع الاتحاد في المعنى فهو إقامة الحجة على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي  ورد زعمهم أنهم مؤمنون بشريعة لا يطالبهم الله بالإيمان بغيرها، كما قلنا في التي قبلها، ولذلك ختم الآية بقوله تعالى مخاطبا للنبي  ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إن صح زعمكم أنكم مؤمنون بشريعة -والإيمان الحقيقي يقتضي العمل بما له من السلطان على الإرادة- فبئسما يأمركم به ذلك الإيمان من الأعمال التي منها عبادة العجل وقتل الأنبياء ونقض الميثاق.

لكن هذا الزعم مشكوك فيه بل يصح القطع بعدمه، بدليل الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرًا له.

هذه حجة عليهم بطبيعة الإيمان وأثره في عمل المؤمن.

وتليها حجة أخرى تتعلق بفائدة الإيمان ومثوبته في الحياة الأخرى وهي قوله  : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ المراد من الدار الآخرة ثوابها ونعيمها لأن حال الإنسان فيها لا يخلو من أحد الأمرين -المثوبة بالنعيم المقيم، والعقوبة بالعذاب الأليم، واستغنى عن التصريح بالنعيم أو الثواب بقوله ﴿ لكم  ﴾ فإنه يشعر بالمحذوف.

وإنما أوجز هنا في خطاب اليهود لأنه يحكي عن شيء يعرفونه في أنفسهم وقد أوضح المراد بقوله ﴿ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ  ﴾ والخالصة هي السالمة من الشوائب.

فسر مفسرنا "الجلال" الخالصة بالخاصة.

وقالوا إنه استعمال لم يعهد في الكلام الفصيح، والتخصيص مفهوم من قوله ﴿ مِنْ دُونِ النَّاسِ  ﴾ يقول إن صحت دعواكم وصدق قولكم إنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا وأنكم شعب الله المختار فلن تمسكم النار إلا أيامًا معدودات لا تزيد على أيام عبادة العجل ولا تتجاوز عابديه فتمنوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم، الذي لا منازع لكم فيه ولا مزاحم، وإن لم تتمنوا الموت فما أنتم بصادقين، إذ لا يعقل أن يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء عليها.

والتمني هو ارتياح النفس وتشوفها إلى الشيء توده وتحب المصير إليه، وروي عن ابن عباس تفسير التمني بالسؤال والطلب، وهو غير معروف عن غيره من العرب، ولعله فسره باللازم فإن من تمنى شيئًا طلبه بالقول أو الفعل أو بها.

وقد روي عن كثير من الصحابة  تمني الموت عند القتال وبعد القتال يعبرون بألسنتهم عما في نفوسهم، وما هو إلا صدق الإيمان بما أعد الله للمؤمنين في الدار الأخرة.

إن الكلام حجة على مدعي الإيمان واستحقاق ما أعده الله لأهله في الآخرة تقنعم في أنفسهم بأنهم إما صادقون في دعواهم وذلك إذا كانوا يتمنون في أنفسهم الموت والوصول إلى الدار الآخرة، ويبذلون أرواحهم في سبيل الله بارتياح إذا كان حفظ الحق يقتضي بذلها، وإما كاذبون فيها وذلك إذا كانوا شديدي الحرص على هذه الحياة.

وليس المراد به الحجة الإلزامية أمام الناس.

ولذلك كانت العبرة في الآية عامة، فهي واردة في سياق الاحتجاج على اليهود ويجب على المسلمين أن يتخذوها ميزانًا يزنون به دعواهم اليقين في الإيمان والقيام بحقوقه لأن الله أنزلها لذلك.

لو كان المراد بقوله ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا  ﴾ أنهم لن يقولوا: يا ليتنا نموت: أو كلمة هذا معناها، لكان الاحتجاج عليهم إنما هو بالتعجيز عن لفظ يحركون به ألسنتهم ولكان ذلك من الخوارق الكونية ولما صح تعليل نفي التمني يقوله ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ  ﴾ فإن هذا التعليل صريح بأن المانع لهم من تمني الموت هو أنهم يعرفون من أنفسهم أنهم عاصون مقترفون للذنوب التي يستحقون عليها العقوبة لا أن ألسنتهم عاجزة عن النطق بكلمة تدل على تمني الموت وإن كذبًا، وكثيرًا ما كانوا يكذبون، وقد أسند الفعل إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها ولذلك جرى عرف اللغة على جعلها كناية عن الشخص باعتبار أنه عامل مطلقًا.

وقد ختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  ﴾ ليبين أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم وأن غيرهم من الشعوب محروم منها وأن كل من كان مثلهم مفتاتًا على الله تعالى فهو ظالم مثلهم.

ثم بين حقيقة حالهم في الإخلاد إلى الأرض، والفناء في حب البقاء، وأنهم ليسوا على بينة مما يدعون، ولا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون، فقال ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ  ﴾ كذلك كانوا، وكذلك هم الآن، والظاهر من سيرتهم ونظام معيشتهم أنهم كذلك يكونون إلى ما شاء الله وإن كان الظاهر أن الكلام خاص بمن كانوا في عصر التنزيل يحاجهم النبي  ويشاغبونه ويجاحدونه معتزين بشعبهم، مغترين بكتابهم، بل ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد علماؤهم فقط.

ونكر الحياة للتحقير كأنه يقول إنهم شديدو الحرص على الحياة وإن كانت في بؤس وشقاء.

ثم خص طائفة من الناس بالذكر عرفوا بشدة الحرص على الحياة وتمني طول البقاء في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بحياة بعدها فقال ﴿ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا  ﴾ أي أنهم أحرص الناس من جميع الناس حتى من الذين أشركوا، ثم بين مثالًا من هذا الحرص مستأنفًا فقال ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ أي يتمنى لو يعمره الله ويبقيه ألف سنة، أو أكثر فإن لفظ الألف عند العرب منتهى أسماء العدد فيعبر به عن المبالغة في الكثرة لأنه يعرف من نفسه أنه مخالف لكتابه ويتوقع سخط الله وعقابه فيرى أن الدنيا على ما فيها من المنغصات خير له من الآخرة وما يتوقعه فيها.

قال تعالى ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ  ﴾ أي وما تعميره الطويل بمزحزحه أي منحيه ومبعده عن العذاب المعد له ولأمثاله فإنه ميت مهما طال عمره وكل ما له حد فهو منته إليه ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  ﴾ لا تخفى عليه خافية من أمرهم ولو عرفوه حق معرفته لعلموا أن طول العمر لا يخرجهم من قبضته، ولا ينجيهم من عقوبته، فإن المرجع إليه، والأمر كله بيديه.

ومن مباحث اللفظ أن الضمير في قوله ﴿ وَمَا هُوَ  ﴾ مبهم يفسره ما بعده، وأكثر المفسرين على أن ما حجازية والضمير العائد على ﴿ أَحَدُهُمْ  ﴾ اسمها وبمزحزحه خبرها والباء زائدة في الإعراب ﴿ أَنْ يُعَمَّرَ  ﴾ فاعل مزحزحه.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد