الآية ٤٣ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٤٣ من سورة طه

ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( اذهبا إلى فرعون إنه طغى ) أي : تمرد وعتا وتجهرم على الله وعصاه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اذهبا إلى فرعون بها إنه تمرّد في ضلاله وغيه، فأبلغاه رسالاتي ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) يقول: ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فإن ذكركما إياي يقوي عزائمكما، ويثبت أقدامكما، لأنكما إذا ذكرتماني، ذكرتما منِّي عليكما نِعَما جمَّة، ومننا لا تحصى كثرة ، يقال منه: ونى فلان في هذا الأمر، وعن هذا الأمر: إذا ضعف، وهو يَنِي ونيا كما قال العجاج: فَمَــا وَنــى مُحَـمَّدٌ مُـذْ أنْ غفـر لَـهُ الإلـهُ مـا مَضَـى وَمـا غَـيَرْ (2) وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (ولا تَنِيا) يقول: لا تبطئا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) يقول: ولا تضعفا في ذكري.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) قال: لا تضعفا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد (تَنِيا) تضعفا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتَادة، قوله ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) يقول: لا تضعفا في ذكري.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) قال: لا تضعفا.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا مُعاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) يقول: لا تضعفا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) قال: الواني: هو الغافل المفرط ذلك الواني.

--------------- الهوامش: (2) هذان بيتان من مشطور الرجز ( 14، 15 ) من أرجوز للعجاج ( ديوانه طبع ليبسج 1903 ص 15) وألوانا ، كما في ( اللسان : وفى ) الفترة في الأعمال والأمور ، وقد وني يني ونيا وونيا ( على فعول ) .

أي ضعف .

وتوانى في حاجته قصر .

وفي حديث عائشة تصف أباها ، رضي الله عنهما : " سبق إذا ونيتم " : أي قصرت وفترتم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وله : اذهبا إلى فرعون إنه طغىقوله تعالى : اذهبا قال في أول الآية : اذهب أنت وأخوك بآياتي وقال هنا اذهبا فقيل : أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون ، وخاطب أولا موسى وحده تشريفا له ؛ ثم كرر للتأكيد .

وقيل بين بهذا أنه لا يكفي ذهاب أحدهما .

وقيل : الأول أمر بالذهاب إلى كل الناس ، والثاني بالذهاب إلى فرعون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } أي: جاوز الحد، في كفره وطغيانه، وظلمه وعدوانه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( اذهبا إلى فرعون إنه طغى ) قرأ أبو عمرو ، وأهل الحجاز : " لنفسي اذهب " ، و " ذكري اذهبا " ، و " إن قومي اتخذوا " ( الفرقان - 30 ) ، " من بعدي اسمه " ( الصف - 6 ) بفتح الياء فيهن ، ووافقهم أبو بكر : " من بعدي اسمه " ، وقرأ الباقون بإسكانها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«اذهبا إلى فرعون إنه طغى» بادعائه الربوبية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اذهب - يا موسى - أنت وأخوك هارون بآياتي الدالة على ألوهيتي وكمال قدرتي وصدق رسالتك، ولا تَضْعُفا عن مداومة ذكري.

اذهبا معًا إلى فرعون؛ إنه قد جاوز الحد في الكفر والظلم، فقولا له قولا لطيفًا؛ لعله يتذكر أو يخاف ربه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أرشدهما - سبحانه - إلى الوجهة التى يتوجهان إليها فقال : ( اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى ) .أى : اذهبا إلى فرعون لتبلغاه دعوتى ، ولتأمراه بعبادتى ، فإنه قد طغى وتجاوز حدوده ، وأفسد فى الأرض ، وقال لقومه : أنا ربكم الأعلى .

وقال لهم - أيضا - ما علمت لكم من إله غيرى .قال الجمل : وقوله : ( اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ ) جمعهما فى صيغة أمر الحاضر مع أن هارون لم يكن حاضرا محل المناجاة بل كان فى ذلك الوقت بمصر - للتغليب فغلب الحاضر على غيره ، وكذا الحال فى صيغة النهى .

أى : قوله ( وَلاَ تَنِيَا ) روى أنه - تعالى - أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليه السلام - وقيل : سمع بإقباله فتلقاه .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن السؤال هو الطلب فعل بمعنى مفعول كقولك خبز بمعنى مخبوز وأكل بمعنى مأكول، واعلم أن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية، وكان من المعلوم أن قيامه بما كلف به تكليف لا يتكامل إلا بإجابته إليها، لا جرم أجابه الله تعالى إليها ليكون أقدر على الإبلاغ على الحد الذي كلف به فقال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ وعد ذلك من النعم العظام عليه لما فيه من وجوه المصالح ثم قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى ﴾ فنبه بذلك على أمور: أحدها: كأنه تعالى قال: إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال.

وثانيها: إني كنت قد ربيتك فلو منعتك الآن مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي.

وثالثها: إنا لما أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك من حالة نازلة إلى درجة عالية دل هذا على أنا نصبناك لمنصب عال ومهم عظيم فكيف يليق بمثل هذه الرتبة المنع من المطلوب، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أن هذه اللفظة لفظة مؤذية والمقام مقام التلطف؟

والجواب إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصلت إليه ما كان مستحقاً لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها بمحض التفضل والإحسان.

السؤال الثاني: لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر منناً كثيرة؟

والجواب: لم يعن بمرة أخرى مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير.

واعلم أن المنن المذكورة هاهنا ثمانية: المنة الأولى: قوله: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى * أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ أما قوله: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا ﴾ فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء وكيف لا نقول ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والإمامة بل عند الشافعي رحمه الله لا تمكن من تزويجها نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ  ﴾ وهذا صريح في الباب، وأيضاً فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين  ﴾ ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه: أحدها: المراد رؤيا رأتها أم موسى عليه السلام وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت وقذفه في البحر وأن الله تعالى يرده إليها.

وثانيها: أن المراد عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة فكل من تفكر فيما وقع إليه ظهر له الرأي الذي هو أقرب إلى الخلاص ويقال لذلك الخاطر إنه وحي.

وثالثها: المراد منه الإلهام لكنا متى بحثنا عن الإلهام كان معناه خطور رأي بالبال وغلبة على القلب فيصير هذا هوالوجه الثاني وهذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأن الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساوٍ للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني.

والجواب: لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان إفضاء الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون.

ورابعها: لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إن ذلك النبي عرفها، إما مشافهة أو مراسلة، واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها من أنواع الخوف ما لحقها.

والجواب: أن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن الله تعالى كان يأمره بالذهاب إليه مراراً.

وخامسها: لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة.

وسادسها: لعل الله تعالى بعث إليها ملكاً لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله: ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً  ﴾ وأما قوله: ﴿ مَا يوحى ﴾ فمعناه وأوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى وإنما وجب ذلك الوحي لأن الواقعة واقعة عظيمة ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي فكان الوحي واجباً أما قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقذفيه ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول.

المسألة الثانية: القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب  ﴾ .

المسألة الثالثة: روى أنها اتخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً محلوجاً ووضعت فيه موسى عليه السلام وقيرت رأسه وشقوقه بالقار ثم ألقته في النيل وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء فلما رآه فرعون أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجهاً فلما رآه فرعون أحبه وسيأتي تمام القصة في سورة القصص، قال مقاتل: إن الذي صنع التابوت حزقيل مؤمن آل فرعون.

المسألة الرابعة: اليم هو البحر والمراد به هاهنا نيل مصر في قول الجميع واليم اسم يقع على البحر وعلى النهر العظيم.

المسألة الخامسة: قال الكسائي الساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك لأن الماء يسحله أي يقذفه إلى أعلاه.

المسألة السادسة: قال صاحب الكشاف الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يؤدي إلى تنافر النظم فإن قيل المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل قلنا لا بأس بأن يقال المقذوف والملقى هو موسى عليه السلام في جوف التابوت حتى لا تتفرق الضمائر ولا يحصل التنافر.

المسألة السابعة: لما كان تقدير الله تعالى أن يجري ماء اليم ويلقي بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل فليلقه اليم بالساحل أما قوله: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: قوله: ﴿ يَأْخُذْهُ ﴾ جواب الأمر أي اقذفيه يأخذه.

البحث الثاني: في كيفية الأخذ قولان، أحدهما: أن امرأة فرعون كانت بحيث تستسقي الجواري فبصرت بالتابوت فأمرت به فأخذت التابوت فيكون المراد من أخذ فرعون التابوت قبوله له واستحبابه إياه.

الثاني: أن البحر ألقى التابوت بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون ثم أداه النهر إلى بركة فرعون فلما رآه أخذه.

البحث الثالث: قوله: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ فيه إشكال وهو أن موسى عليه السلام لم يكن ذلك الوقت بحيث يعادى.

وجوابه: أما كونه عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر وأما كونه عدواً لموسى عليه السلام فيحتمل من حيث إنه لو ظهر له حالة لقتله ويحتمل أنه من حيث يؤول أمره إلى ما آل إليه من العداوة.

المنة الثانية: قوله: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ وفيه قولان: الأول: وألقيت عليك محبة هي مني قال الزمخشري: ﴿ مِنّي ﴾ لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما أن يتعلق بمحذوف وهذا هو القول الثاني ويكون ذلك المحذوف صفة لمحبة أي وألقيت عليك محبة حاصلة مني واقعة بخلقي فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت: ﴿ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ  ﴾ يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه وهو كقوله تعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً  ﴾ قال القاضي: هذا الوجه أقرب لأنه في حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين لأن ذلك إنما يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب والمراد أن ما ذكرنا من كيفيته في الخلقة يستحلي ويغتبط فكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته وسهل الله تعالى له منهما في التربية ما لا مزيد عليه ويمكن أن يقال بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار وهو أن يقال: وألقيت عليك محبة حاصلة مني وواقعة بتخليقي وعلى التقدير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار بقي قوله: إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله تعالى قلنا: لا نسلم فإن محبة الله تعالى يرجع معناها إلى إيصال النفع إلى عباده وهذا المعنى كان حاصلاً في حقه في حال صباه وعلم الله تعالى أن ذلك يستمر إلى آخر عمره فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة.

المنة الثالثة: قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ قال القفال: لترى على عيني أي على وفق إرادتي، ومجاز هذا أن من صنع لإنسان شيئاً وهو حاضر ينظر إليه صنعه له كما يحب ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه فكذا هاهنا وفي كيفية المجاز قولان: الأول: المراد من العين العلم أن ترى على علم مني ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

الثاني: المراد من العين الحراسة وذلك لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما يؤذيه فالعين كأنها سبب الحراسة فأطلق اسم السبب على المسبب مجازاً وهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى  ﴾ ويقال: عين الله عليك إذا دعا لك بالحفظ والحياطة، قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ الحفظ والحياطة كقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ فرجعناك إلى أُمّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ فصار ذلك كالتفسير لحياطة الله تعالى له، بقي هاهنا بحثان: الأول: الواو في قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كأنه قيل: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ ألقيت عليك محبة مني ثم يكون قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ متعلقاً بأول الكلام وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى * إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى ﴾ و ﴿ إذ تمشي أختك ﴾ .

وثانيها: يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ متعلقاً بما بعده وهو قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي ﴾ وذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين  ﴾ .

وثالثها: يجوز أن تكون الواو مقحمة أي وألقيت عليك محبة مني لتصنع وهذا ضعيف.

الثاني: قرئ ولتصنع بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وقرئ ولتصنع بفتح التاء والنصب أي وليكون عملك وتصرفك على علم مني.

المنة الرابعة: قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ واعلم أن العامل في إذ تمشى ألقيت أو تصنع، يروى أنه لما فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاماً في النيل وكان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها لأن الله تعالى قد حرم عليه المراضع غير أمه اضطروا إلى تتبع النساء فلما رأت ذلك أخت موسى جاءت إليهم متنكرة فقالت: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ  ﴾ ثم جاءت بالأم فقبل ثديها فرجع إلى أمه بما لطف الله تعالى له من هذا التدبير.

أما قوله تعالى: ﴿ فرجعناك إلى أُمّكَ ﴾ أي رددناك، وقال في موضع آخر: ﴿ فرددناه إلى أُمّهِ  ﴾ وهو كقوله: ﴿ قَالَ رَبّ ارجعون  ﴾ أي ردوني إلى الدنيا، أما قوله: ﴿ كَي تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ فالمراد أن المقصود من ردك إليها حصول السرور لها وزوال الحزن عنها، فإن قيل: لو قال كي لا تحزن وتقر عينها كان الكلام مفيداً لأنه لا يلزم من نفي الحزن حصول السرور لها، وأما لما قال أولاً كي تقر عينها كان قوله بعد ذلك: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ ﴾ فضلاً لأنه متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة، قلنا: المراد أنه تقر عينها بسبب وصولك إليها فيزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك.

والمنة الخامسة: قوله: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فنجيناك مِنَ الغم ﴾ فالمراد به وقتلت بعد كبرك نفساً وهو الرجل الذي قتله خطأ بأن وكزه حيث استغاثه الإسرائيلي عليه وكان قبطياً فحصل له الغم من وجهين، أحدهما: من عقاب الدنيا وهو اقتصاص فرعون منه ما حكى الله تعالى عنه: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي المدينة خَائِفاً يَتَرَقَّبُ  ﴾ والآخر من عقاب الله تعالى حيث قتله لا بأمر الله فنجاه الله تعالى من الغمين، أما من فرعون فحين وفق له المهاجرة إلى مدين وأما من عقاب الآخرة فلأنه سبحانه وتعالى غفر له ذلك.

المنة السادسة: قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: في قوله: ﴿ فُتُوناً ﴾ وجهان: أحدهما: أنه مصدر كالعكوف والجلوس والمعنى وفتناك حقاً وذلك على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر كقوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً  ﴾ ، والثاني: أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة أي فتناك ضروباً من الفتن وهاهنا سؤالان.

السؤال الأول: إن الله تعالى عدد أنواع مننه على موسى عليه السلام في هذا المقام فكيف يليق بهذا الموضع قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ .

الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الفتنة تشديد المحنة، يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أُوذِىَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله  ﴾ وقال تعالى: ﴿ الٓمٓ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ  ﴾ وقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والَّذِينَ آمَنُوا مَعهُ متَى نَصْرَ الله  ﴾ فالزلزلة المذكورة في الآية ومس البأساء والضراء هي الفتنة والفتون، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب لا جرم عده الله تعالى من جملة النعم.

وثانيها: ﴿ فتناك فُتُوناً ﴾ أي خلصناك تخليصاً من قولهم: فتنت الذهب من الفضة إذا أردت تخليصه وسأل سعيد بن جبير ابن عباس عن الفتون فقال: نستأنف له نهاراً يا ابن جبير.

ثم لما أصبح أخذ ابن عباس يقرأ عليه الآيات الواردة في شأن موسى عليه السلام من ابتداء أمره فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة إلقاء موسى عليه السلام في اليم والتقاط آل فرعون إياه وامتناعه من الإرتضاع من الأجانب، ثم قصة أن موسى عليه السلام أخذ لحية فرعون ووضعه الجمرة في فيه، ثم قصة قتل القبطي، ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيراً لشعيب عليه السلام، ثم عوده إلى مصر وأنه أخطأ الطريق في الليلة المظلمة واستئناسة بالنار من الشجرة وكان عند تمام كل واحدة منها يقول هذا من الفتون يا ابن جبير.

السؤال الثاني: هل يصح إطلاق اسم الفتان عليه سبحانه اشتقاقاً من قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ والجواب لا لأنه صفة ذم في العرف وأسماء الله تعالى توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ينبغي.

المنة السابعة: قوله تعالى: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ﴾ واعلم أن التقدير: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ فخرجت خائفاً إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم، أما مدة اللبث فقال أبو مسلم: إنها مشروحة في قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل  ﴾ وهي إما عشرة وإما ثمان لقوله تعالى: ﴿ على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ  ﴾ وقال وهب: لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانياً وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته، والآية تدل على أنه عليه السلام لبث عنده عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر، واعلم أن قوله: ﴿ فَلَبِثَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ بعد قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ كالدلالة على أن لبثه في مدين من الفتون وكذلك كان، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر والغربة محناً كثيرة، واحتاج إلى أن آجر نفسه، أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ﴾ فلابد من حذف في الكلام لأنه على قدر أمر من الأمور، وذكروا في ذلك المحذوف وجوهاً: أحدها: أنه سبق في قضائي وقدري أن أجعلك رسولاً لي في وقت معين عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر لا قبله ولا بعده، ومنه قوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ  ﴾ .

وثانيها: على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة.

وثالثها: أن القدر هو الموعد فإن ثبت أنه تقدم هذا الموعد صح حمله عليه، ولا يمتنع ذلك لاحتمال أن شعيباً عليه السلام أو غيره من الأنبياء كانوا قد عينوا ذلك الموعد، فإن قيل: كيف ذكر الله تعالى مجيء موسى عليه السلام في ذلك الوقت من جملة مننه عليه، قلنا: لأنه لولا توفيقه له لما تهيأ شيء من ذلك.

المنة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ واصطنعتك لِنَفْسِي ﴾ والاصطناع اتخاذ الصنعة، وهي افتعال من الصنع.

يقال: اصطنع فلان فلاناً أي اتخذه صنيعه، فإن قيل: إنه تعالى غني عن الكل فما معنى قوله لنفسي.

والجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا تمثيل لأنه تعالى لما أعطاه من منزلة التقريب والتكريم والتكليم مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه أهلاً لأن يكون أقرب الناس منزلة إليه وأشدهم قرباً منه.

وثانيها: قالت المعتزلة: إنه سبحانه وتعالى إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم ومن جملة الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً فلو لم يصطنعه بالرسالة لبقي في عهدة الواجب فصار موسى عليه السلام كالنائب عن ربه في أداء ما وجب على الله تعالى، فصح أن يقول: واصطنعتك لنفسي، قال القفال واصطنعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلاناً إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وجريح فلان وقوله لنفسي: أي لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل بغير ما أمرتك به وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا لغيرك، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد عليه المنن الثمانية في مقابلة تلك الالتماسات الثمانية رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً، أما الأمر فهو أنه سبحانه وتعالى أعاد الأمر بالأول فقال: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي ﴾ واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال: ﴿ واصطنعتك لِنَفْسِي ﴾ عقبه بذكر ماله اصطنعه وهو الإبلاغ والأداء ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: الباء هاهنا بمعنى مع وذلك لأنهما لو ذهبا إليه بدون آية معهما لم يلزمه الإيمان وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

المسألة الثانية: اختلفوا في الآيات المذكورة هاهنا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها اليد والعصا لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي اقتص الله تعالى فيها حديث موسى عليه السلام فإنه تعالى لم يذكر في شيء منها أنه عليه السلام قد أوتي قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى عنه: ﴿ قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ  فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ  وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ  ﴾ وقال: ﴿ فَذَانِكَ برهانان مِن رَّبّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ  ﴾ فإذا قيل لهؤلاء كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين أجابوا بوجوه: الأول: أن العصا ما كانت آية واحدة بل كانت آيات فإن انقلاب العصا حيواناً آية ثم إنها في أول الأمر كانت صغيرة لقوله تعالى: ﴿ تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ  ﴾ ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى، ثم كانت تصير ثعباناً وهذه آية أخرى.

ثم إن موسى عليه السلام كان يدخل يده في فيها فما كانت تضر موسى عليه السلام فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم زوالهما بعد حصولهما آية أخرى فصح أنهما كانتا آيات كثيرة لا آيتان.

الثاني: هب أن العصا أمر واحد لكن فيها آيات كثيرة لأن انقلابها حية يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم ويدل على نبوة موسى عليه السلام ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً فهذه آيات كثيرة ولذلك قال: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً  ﴾ إلى قوله: ﴿ فِيهِ ءايات بينات مَّقَامُ إبراهيم  ﴾ فإذا وصف الشيء الواحد بأن فيه آيات فالشيئان أولى بذلك.

الثالث: من الناس من قال: أقل الجمع إثنان على ما عرفت في أصول الفقه.

القول الثاني: أن قوله: ﴿ اذهبا بِآياتِي ﴾ معناه أني أمدكما بآياتي وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه فاذهبا فإن آياتي معكما كما يقال اذهب فإن جندي معك أي أني أمدك بهم متى احتجت.

القول الثالث: أن الله تعالى آتاه العصا واليد وحل عقدة لسانه وذلك أيضاً معجز فكانت الآيات ثلاثة هذا هو شرح الأمر أما النهي فهو قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ الوني الفتور والتقصير وقرئ ولا تنيا بكسر حرف المضارعة للاتباع ثم قيل فيه أقوال: أحدها: المعنى لا تنيا بل اتخذا ذكرى آلة لتحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري والحكمة فيه أن من ذكر جلال الله استحقر غيره فلا يخاف أحداً ولأن من ذكر جلال الله تقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في المقصود، ولأن ذاكر الله تعالى لابد وأن يكون ذاكراً لإحسانه وذاكر إحسانه لا يفتر في أداء أوامره.

وثانيها: المراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها فكان جديراً بأن يطلق عليه اسم الذكر.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ عند فرعون وكيفية الذكر هو أن يذكرا لفرعون وقومه أن الله تعالى لا يرضى منهم بالكفر ويذكرا لهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب.

ورابعها: أن يذكرا لفرعون آلاء الله ونعماءه وأنواع إحسانه إليه ثم قال بعد ذلك: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى ﴾ وفيه سؤالان: الأول: ما الفائدة في ذلك بعد قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي ﴾ قال القفال فيه وجهان.

أحدهما: أن قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي ﴾ يحتمل أن يكون كل واحد منهما مأموراً بالذهاب على الانفراد فقيل مرة أخرى اذهبا ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعاً لا أن ينفرد به هرون دون موسى.

والثاني: أن قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي ﴾ أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون، ثم إن قوله: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ أمر بالذهاب إلى فرعون وحده.

السؤال الثاني: قوله: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ خطاب مع موسى وهارون عليهما السلام وهذا مشكل لأن هارون عليه السلام لم يكن حاضراً هناك وكذلك في قوله تعالى: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يطغى  ﴾ أجاب القفال عنه من وجوه.

أحدها: أن الكلام كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه كان متبوع هارون فجعل الخطاب معه خطاباً مع هارون وكلام هارون على سبيل التقدير فالخطاب في تلك الحالة وإن كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا  ﴾ وقوله: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل  ﴾ وحكي أن القائل هو عبد الله بن أبي وحده.

وثانيها: يحتمل أن الله تعالى لما قال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ سكت حتى لقي أخاه، ثم إن الله تعالى خاطبهما بقوله: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ .

وثالثها: أنه حكى أنه في مصحف ابن مسعود وحفصة: ﴿ قَالاَ رَبُّنَا إِنَّنَا نَخَافُ ﴾ أي قال موسى: أنا وأخي نخاف فرعون أما قوله تعالى: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: لم أمر الله تعالى موسى عليه السلام باللين مع الكافر الجاحد.

الجواب لوجهين: الأول: أنه عليه السلام كان قد رباه فرعون فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق وهذا تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين.

الثاني: أن من عادة الجبابرة إذا غلظ لهم في الوعظ أن يزدادوا عتواً وتكبراً، والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر فلهذا أمر الله تعالى بالرفق.

السؤال الثاني: كيف كان ذلك الكلام اللين.

الجواب: ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما حكى الله تعالى بعضه فقال: ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ  وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ  ﴾ وذكر أيضاً في هذه السورة بعض ذلك فقال: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى  ﴾ .

وثانيها: أن تعداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

وثالثها: كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ورابعها: حكي عن عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة سنة وتسع سنين فقال له موسى عليه السلام: «إن أطعتني عمرت مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة» واعترضوا على هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة.

أما الأول: فقيل لو حصلت له هذه الأمور الثلاثة في هذه المدة الطويلة لصار ذلك كالإلجاء إلى معرفة الله تعالى وذلك لا يصح مع التكليف.

وأما الثاني: فلأن خطابه بالكنية أمر سهل فلا يجوز أن يجعل ذلك هو المقصود من قوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً ﴾ بل يجوز أن يكون ذلك من جملة المراد.

وأما الثالث: فالاعتراض عليه كما في الأول أما قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ فاعلم أنه ليس المراد أنه تعالى كان شاكاً في ذلك لأن ذلك محال عليه تعالى وإنما المراد: فقولا له قولاً ليناً، على أن تكونا راجيين لأن يتذكر هو أو يخشى.

واعلم أن أحوال القلب ثلاثة.

أحدها: الإصرار على الحق.

وثانيها: الإصرار على الباطل.

وثالثها: التوقف في الأمرين، وأن فرعون كان مصراً على الباطل وهذا القسم أردأ الأقسام فقال تعالى: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ فيرجع من إنكاره إلى الإقرار بالحق وإن لم ينتقل من الإنكار إلى الإقرار لكنه يحصل في قلبه الخوف فيترك الإنكار وإن كان لا ينتقل إلى الإقرار فإن هذا خير من الإصرار على الإنكار واعلم أن هذا التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى لأنه تعالى لما علم أنه لا يؤمن قط كان إيمانه ضداً لذلك العلم الذي يمتنع زواله فيكون سبحانه عالماً بامتناع ذلك الإيمان وإذا كان عالماً بذلك فكيف أمر موسى عليه السلام بذلك الرفق وكيف بالغ في ذلك الأمر بتلطيف دعوته إلى الله تعالى مع علمه استحالة حصول ذلك منه؟

ثم هب أن المعتزلة ينازعون في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في هذا السؤال ولكنهم سلموا أنه كان عالماً بأنه لايحصل ذلك الإيمان وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى عليه السلام إلا استحقاق العقاب والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بها بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان إليه؟

يا أخى العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار ولا سبيل فيها إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان، ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة: فقولا له قولاً ليناً وسأقسي قلبه فلا يؤمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الونى.

الفتور والتقصير.

وقرئ ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة للإتباع، أي: لا تنسياني ولا أزال منكما على ذكر حيثما تقلبتما، واتخذا ذكري جناحاً تصيران به مستمدين بذلك العون والتأييد مني، معتقدين أن أَمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري.

ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة، فإن الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلِّها وأعظمها، فكان جديراً بأن يطلق عليه اسم الذكر.

روي: أن الله تعالى أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: سمع بمقبله.

وقيل: ألهم ذلك.

قرئ ﴿ لينا ﴾ بالتخفيف والقول اللين.

نحو قوله تعالى: ﴿ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ فتخشى ﴾ [النازعات: 18] لأنّ ظاهره الاستفهام والمشورة، وعرض ما فيه من الفوز العظيم.

وقيل: عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن تبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

وقيل: لا تجبهاه بما يكره، وألطفاً له في القول، لما له من حق تربية موسى عليه الصلاة والسلام، ولما ثبت له من مثل حق الأبّوة.

وقيل: كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرّة والترجي لهما، أي: اذهبا على رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه.

فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه.

وجدوى إرسالهما إليه مع العلم بأن لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أهلكناهم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك ﴾ [طه: 134] أي: يتذكر ويتأمّل فيبذل النصفة من نفسه والإذعان للحق ﴿ أَوْ يخشى ﴾ أن يكون الأمر كما تصفان، فيجرّه إنكاره إلى الهلكة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ أُمِرَ بِهِ أوَّلًا مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحْدَهُ وها هُنا إيّاهُ وأخاهُ فَلا تَكْرِيرَ.

قِيلَ أوْحى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، وقِيلَ سَمِعَ بِمَقْبَلِهِ فاسْتَقْبَلَهُ.

﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ﴾ مِثْلَ ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ ﴿ وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى ﴾ فَإنَّهُ دَعْوَةٌ في صُورَةِ عَرْضٍ ومَشُورَةٍ حَذَرًا أنْ تَحْمِلَهُ الحَماقَةُ عَلى أنْ يَسْطُوَ عَلَيْكُما، أوِ احْتِرامًا لِما لَهُ مِن حَقِّ التَّرْبِيَةِ عَلَيْكَ.

وقِيلَ كَنَّياهُ وكانَ لَهُ ثَلاثُ كُنى: أبُو العَبّاسِ وأبُو الوَلِيدِ وأبُو مُرَّةَ.

وقِيلَ عَداهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يَزُولُ إلّا بِالمَوْتِ.

﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( اذْهَبا ) أوْ «قُولا» أيْ: باشِرا الأمْرَ عَلى رَجائِكُما.

وطَمَعِكُما أنَّهُ يُثْمِرُ ولا يَخِيبُ سَعْيُكُما، فَإنَّ الرّاجِيَ مُجْتَهِدٌ والآيِسَ مُتَكَلِّفٌ، والفائِدَةُ في إرْسالِهِما والمُبالَغَةِ عَلَيْهِما في الِاجْتِهادِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ إلْزامُ الحُجَّةِ وقَطْعُ المَعْذِرَةِ وإظْهارُ ما حَدَثَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والتَّذَكُّرِ لِلْمُتَحَقِّقِ والخَشْيَةِ لِلْمُتَوَهِّمِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الأوَّلَ أيْ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ صِدْقُكُما ولَمْ يَتَذَكَّرْ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَتَوَهَّمَهُ فَيَخْشى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{اذهبا إلى فرعون} كرر لأن

طه (٤٨ - ٤٣)

الأول مطلق والثاني مقيد {إِنَّهُ طغى} جاوز الحد بإدعائه الربوبية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلِهِ تَعالى ﴿ اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ ورُوِيَ أنَّهُ أُوحِيَ إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: أُلْهِمَ ذَلِكَ، وقِيلَ: سَمِعَ بِإقْبالِهِ فَتَلَقّاهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى الطُّورِ واجْتَمَعا هُناكَ فَخُوطِبا مَعًا، ويُحْتَمَلُ أنَّ هَذا الأمْرَ بَعْدَ إقْبالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطُّورِ إلى مِصْرَ واجْتِماعِهِ بِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقْبِلًا إلَيْهِ مِن مِصْرَ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ ﴾ بِأنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هُناكَ مَن يَذْهَبُ إلَيْهِ وبَيَّنَ هُنا، وبَعْضٌ آخَرُ بِأنَّهُ أُمِرا هُنا بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وكانَ الأمْرُ هُناكَ بِالذَّهابِ إلى عُمُومِ أهْلِ الدَّعْوَةِ، وبَعْضٌ آخَرُ بِأنَّهُ لَمْ يُخاطَبْ هارُونُ هُناكَ وخُوطِبَ هُنا، وبَعْضٌ آخَرُ بِأنَّ الأمْرَ هُناكَ بِذَهابِ كُلٍّ مِنهُما عَلى الِانْفِرادِ نَصًّا أوِ احْتِمالًا والأمْرُ هُنا بِالذَّهابِ عَلى الِاجْتِماعِ نَصًّا، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الفُرُوقِ مِنَ النَّظَرِ، والفَرْقُ ظاهِرٌ بَيْنَ هَذا الأمْرِ والأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى أوَّلًا خِطابًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، يعني: اخترتك للرسالة والنبوة ولإقامة حجتي.

فقال موسى: يا رب حسبي حسبي فقد تمت كرامتي، فقال الله عزَّ وَجَلَّ: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي، يعني: آياتي التسع، وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي يعني: لا تفترا ولا تضعفا ولا تعجزا عن أداء رسالتي.

اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى، يعني: تكبر وعلا.

فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً، يعني: كلاماً باللين والشفقة والرفق، لأن الرؤساء بكلام اللين أقرب إلى الانقياد من الكلام العنيف.

أي: قولا له: أيها الملك، ويقال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لوجوب حقه عليك بما رباك، وإن كان كافراً.

وروى أسباط عن السدي قال: القول اللين، أن موسى جاءه فقال له: تسلم وتؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين، على أن لك شباباً لا يهرم أبدا، وتكون ملكا لا ينزع منك أبداً حتى تموت، ولا ينتزع منك لذة الطعام والشراب والجماع أبداً حتى تموت، فإذا مت دخلت الجنة.

قال: فكأنه أعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمراً دون هامان، وكان هامان غائباً فقال له فرعون: إن لي من أوامره وهو غائب حتى يقدم أي لأشاوره.

فلم يلبث أن قدم هامان، فقال له فرعون: علمت بأن ذلك الرجل أتاني؟

فقال هامان: ومن ذلك الرجل؟

فقال: هو موسى.

قال: فما قال؟

فأخبره بالذي دعاه إليه.

قال: فما قلت له؟

قال: لقد دعاني إلى أمر أعجبني.

فقال له هامان: قد كنت أرى لك عقلاً وأن لك رأياً بيناً، أنت رب أفتريد أن تكون مربوبا، وبينا أن تعبد أفتريد أن تعبد غيرك؟

فغلبه على رأيه فأبى.

ثم قال تعالى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى، يعني: يتعظ أو يسلم.

وقال الزجاج: «لعل» في اللغة ترجّي وتطمّع، يقول: لعله يصير إلى خير.

والله سبحانه وتعالى خاطب العباد بما يعقلون، والمعنى عند سيبويه: اذهبا على رجائكما وطمعكما، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى، إلا أن الحجة إنما تجب بإبائه.

وقال بعض الحكماء: إذا أردت أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فعليك باللين لأنك لست بأفضل من موسى وهارون، ولا الذي تأمره بالمعروف ليس بأسوأ من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى بأن يأمراه باللين، فأنت أولى أن تأمر وتنهى باللين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ مَا يُوحى قيل:

هو وَحْي إلهام، وقِيلَ: بملك، وقِيلَ: برؤْيَا رَأَتْهَا، وكان مِنْ قصة موسى عليه السلام فيما رُوي أن فرعون ذُكرَ له أَنَّ خرابَ مُلْكِه يكونُ عَلَى يد غُلاَمٍ من بني إسرائيل فأمر بقتل ٩ ب كُلِّ/ مَوْلُودٍ يولَدُ لبني إسرائيل، ثم إنه رَأَى مع أَهْل مملكته: أَنَّ فناء بني إسرائيل يعودُ على القِبْطِ بالضَرَرِ إذْ هم كانوا عَمَلَةَ الأَرْضِ، والصناع، ونحو هذا فعزم على أَنْ يقتُلَ الوِلْدَانَ سنةً، ويَسْتَحْيِيَهُم سنةً، فولد هرون عليه السلام في سَنَةِ الاِسْتِحْيَاءِ، ثم ولد موسى عليه السلام في العام الرابع سَنَةَ القَتْلِ، فخافت عليه أُمُّه فأوحى اللَّه إلَيْها: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فأخذَت «١» تابُوتاً فقذفَتْ فيه موسى راقِداً في فِرَاشٍ، ثم قذفتْهُ في يَمِّ النيل، وكان فرعون جَالِساً في مَوْضِع يُشْرِفُ منه على النِّيلِ إذْ رَأَى التَّابُوتَ فأمَر به، فسِيقَ إليه، وامرأته معه، ففُتِحَ فرأَوْهُ فَرَحِمتْهُ «٢» امرأته وطلبتْهُ لتتَّخذَهُ ابنا، فأباح لها ذلك، ثم إنَّها عرضَتْهُ للرِّضَاعِ، فلم يقبلِ «٣» امرأة فجعلت تنادي عليه في المدينة، ويُطافُ به يُعْرَضُ للمَرَاضِعِ، فكلما عُرِضَتْ عليه امرأةٌ أَباهَا، وكانت أمه قالَتْ لأُخْتِه: قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ [القصص: ١١] وفهمت أمره، فقالت لهم: أنا أدلُّكم على أهْل بيت يَكْفلُونه لَكُمْ، وهم له نَاصِحُون، فتعلَّقُوا بِهَا، وقالوا: أنْتِ تَعْرِفينَ هذا الصبيَّ، فأنْكَرتْ، وقَالَتْ: لاَ، غير أني أعلم من أهل هذا البيْتِ الحِرْصَ على التقرُّبِ إلى المملكةِ، والجدّ في خِدْمتها، ورِضَاهَا، فتَرَكُوها وسَأَلُوها الدَّلاَلة، فجاءت بِأُمِّ مُوسَى، فلما قَرَّبَتْهُ، شَرِبَ ثَدْيَهَا، فسُرّت بذلك آسِيَةُ امرأة فِرْعون (رضي اللَّه عنها) وقالت لها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فقالت لها: ما كُنْتُ لأَدَعَ بيتي وَوَلَدِي، ولكنه يِكُون عِنْدِي، فقالت: نعم، فأَحسنت إلى أَهْل ذلك البيت غاية الإحسان،

واعتزَّ بنو إسْرَائِيل بهذا الرِّضاعِ، والسبب من المَمْلَكَةِ، وأقام موسى عليه السلام حتى كَمَلَ رضاعه، فأرسلت إليها آسية: أن جئيني بولدي لِيَوْمِ كذا، وأمَرتْ خَدَمَها، ومَنْ مَعَها أنْ يلقينه بالتحَفِ، والهَدَايا، واللّباس فوصل إليها على ذلك، وهو بخير حال وأجمل ثياب، فسُرّت بِهِ، ودخَلتْ به عَلَى فِرْعَوْن؟

ليراه ويهب له «١» فرآه وأعْجَبه، وقرَّبَهُ فأخذ موسى عليه السلام بلِحْيَةِ فرعون، وجَبَذَهَا، فاسْتَشَاطَ فرعونُ، وقال: هذا عَدُوٌّ لي، وأمَر بذبْحِهِ، فَنَاشَدَتْهُ فيه امرأته، وقالَتْ: إنه لاَ يَعْقِلُ، فقال فِرْعَونُ: بل يَعْقِلُ، فاتَّفَقَا عَلَى تَجْرِيبه بالجمْرَةِ «٢» والياقُوتِ حَسَبَ ما تقدَّمَ، فنجاه اللَّهُ من فرعون ورَجَعَ إلى أمّه، فشبّ عندها، فاعتزّ به بنو إسْرَائِيل «٣» إلى أن تَرَعْرَعَ، وكان فَتًى جَلداً «٤» فَاضِلاً كَامِلاً، فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرِّضاع، وكان يحميهم، ويكون ضِلعَهُ مَعهم، وهو يَعْلَمُ مِنْ نفسه أنه مِنْهُم، ومِنْ صَمِيمِهم، فكانت بصيرته في حمايتهم أكِيدة، وكان يَعْرِفُ ذلك أَعيانُ بني إسْرَائِيل، ثم وقعت له قِصَّةُ القِبْطِيِّ المتقاتل مع الإسرائيلي على ما سيأتي إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالى، وعدد اللَه سبحانه على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القِصَّة: مِنْ لُطْفه سُبْحَانه به في كُلِّ فَصْل، وتخليصه من قِصَّةٍ إلَى أخرى، وهذه الفُتُون التي فتنه بها، أيْ: اختبره بها، وخلَّصَهُ حتى صلح لِلنّبوّةِ، وسلم لها.

وقوله مَا يُوحى / إبهامٌ يتضمن عِظَمَ الأَمْر وَجَلالَتِه وهذا كَقَوْلِهِ تعالى: إِذْ ١٠ أيَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى [النجم: ١٦] فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى

[النجم: ١٠] .

وهو كثيرٌ في القرآن، والكلام الفصيح.

وقوله: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ خبرٌ خرج في صِيغَةِ الأَمر «٥» [مُبالغةً ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ» فأخرج الخبر في صِيغَة الأمْرِ لنفسه، مُبَالغةً] «٦» ، وهذا كَثِيرٌ، والمرادُ بالعدُوِّ في الآية: فرعونُ ثم أخبر تعالى مُوسَى عليه السلام أَنه ألْقى عليه مَحَبَّةً منه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ فائِدَةُ تَكْرارِ الأمْرِ بِالذَّهابِ التَّوْكِيدُ.

وقَدْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿ إنَّهُ طَغى  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( لَيْنًا ) بِإسْكانِ الياءِ؛ أيْ: لَطِيفًا رَفِيقًا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُولا لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ ﴿ وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى  ﴾ ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: كَنَّياهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

فَأمّا اسْمُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٤٩ )، وفي كُنْيَتِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أبُو مُرَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أبُو مُصْعَبٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّالِثُ: أبُو العَبّاسِ.

والرّابِعُ: أبُو الوَلِيدِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ: أنَّ مُوسى أتاهُ فَقالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِما جِئْتُ بِهِ وتَعْبُدُ رَبَّ العالَمِينَ عَلى أنَّ لَكَ شَبابَكَ فَلا تَهْرَمُ، وتَكُونُ مَلِكًا لا يُنْزَعُ مِنكَ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا مُتَّ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ؛ فَلَمّا جاءَ هامانُ أخْبَرَهُ بِما قالَ مُوسى، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أرى أنَّ لَكَ رَأْيًا، أنْتَ رَبٌّ أرَدْتَ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ؟

فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وحُكِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنا إلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنْتَ إلَهٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " لَعَلَّ " في اللُّغَةِ: تَرَجٍّ وطَمَعٌ، تَقُولُ: لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ، فَخاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ.

والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما.

والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والبُرْهانِ، وإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبِلُ مِنها أمْ لا، وهم يَرْجُونَ ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهم، ومَعْنى " لَعَلَّ " مُتَصَوِّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَذْهَبُ الفَرّاءِ في هَذا: كَيْ يَتَذَكَّرَ.

ورَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، قالَ: واللَّهِ ما كانَ فِرْعَوْنُ لِيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ.

وقالَ كَعْبٌ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ، إنَّهُ لِمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقْسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ هارُونُ يَوْمَئِذٍ غائِبًا بِمِصْرَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، فَتَلَقّاهُ عَلى مَرْحَلَةٍ، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آتِيَ فِرْعَوْنَ، فَسَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَكَ مَعِي؛ فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا حِينَ التَقَيا قالا: رَبَّنا إنَّنا نَخافُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ مُوسى وحْدَهُ، وأخَبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمّا ضَمَّ إلَيْهِ هارُونَ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ التَّثْنِيَةَ عَلى الواحِدِ، فَتَقُولُ: يا زَيْدُ قُوما، يا حَرَسِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو العالِيَةِ: ( أنْ يُفْرِطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( أنْ يَفْرَطَ ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( أنْ يُفْرَطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ؛ أيْ: قَدْ بَدَرَ، وقَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ: إذا اشْتَطَّ فِيهِ، وفَرَّطَ في الشَّيْءِ: إذا قَصَرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الفَرْطَ في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» " قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أنْ يَطْغى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْتَعْصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: يُجاوِزُ الحَدَّ في الإساءَةِ إلَيْنا.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ كَلامَكَ وأمْرَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنِي مَعَكُما ﴾ ؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ، ﴿ أسْمَعُ ﴾ أقْوالَكم، ﴿ وَأرى ﴾ أفْعالَكم.

قالَ الكَلْبِيُّ: أسْمَعُ جَوابَهُ لَكُما، وأرى ما يُفْعَلُ بِكُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ؛ أيْ: خَلِّ عَنْهم، ﴿ وَلا تُعَذِّبْهُمْ ﴾ وكانَ يَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ﴿ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي العَصا.

قالَ مُقاتِلٌ: أظْهَرَ اليَدَ في مَقامٍ والعَصا في مَقامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ التَّحِيَّةَ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ، أنَّهُ لَيْسَ بِابْتِداءِ لِقاءٍ وخِطابٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى مَن كَذَّبَ ﴾ ؛ أيْ: بِما جِئْنا بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي ﴾ ﴿ اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى ﴾ ﴿ قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أو أنْ يَطْغى ﴾ ﴿ قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنُفُوذِ إلى دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وخاطَبَ مُوسى وحْدَهُ تَشْرِيفًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هارُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ مَلِكٍ أنْ يُنَفِّذَ، و"بِآياتِي" مَعْناهُ: بِعَلاماتِي الَّتِي أعْطَيْتُكُما مِن مُعْجِزَةٍ وآيَةِ وحْيٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ كالتَوْراةِ، و"تَنِيا" مَعْناهُ: تَضْعُفا وتُبْطِئا، تَقُولُ: ونى فَلانٌ في أمْرِ كَذا إذا تَباطَأ فِيهِ عن ضَعْفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .............................

فَما أنا بِالوانِي ولا الضَرَعِ الغُمْرِ والوَنى: الكَلالُ والفَشَلُ في البَهائِمْ والإنْسِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَهِنا في ذَكَرِي"، مَعْناهُ: ولا تَلِينا، مِن قَوْلِكَ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ.

و"القَوْلُ اللَيِّنُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: كَنِّياهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهُما بِتَحْسِينِ الكَلِمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الوَجْهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن يُرِيدُ دُعاءَ إنْسانٍ إلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، فَإنَّما الوَجْهُ أنْ يُحَرِّرَ في عِبارَتِهِ المَعْنى الَّذِي يُرِيدُ حَتّى لا يُخِلَّ بِهِ ولا يَخِرَّ مِنهُ، ثُمْ يَجْتَهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْ تَكُونَ عِبارَتُهُ لَطِيفَةً ومُقابَلَتُهُ لَيِّنَةً، فَذَلِكَ أجْلَبُ لِلْمُرادِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسْلُكا مَعَ فِرْعَوْنَ إكْمالَ الدَعْوَةِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ.

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُ" مَعْناهُ: عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَوَقُّعُ فِيها إنَّما هو راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "يَفْرُطَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ومَعْناهُ: يُعَجِّلُ ويَتَسَرَّعُ بِمَكْرُوهٍ فِينا، ومِنهُ الفارِطُ في الماءِ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ إلَيْهِ، قالَ الشاعِرَ: فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "يُفْرِطَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَشْتَطُّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُفْرَطُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناها أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى التَسَرُّعِ إلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنِي مَعَكُما ﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والقُدْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: الأمِيرُ مَعَ فُلانٍ إذا أرَدْتَ أنَّهُ يَحْمِيهِ.

"أسْمَعُ وأرى" عِبارَتانِ عَنِ الإدْراكِ الَّذِي لا تَخْفى مَعَهُ خافِيَةٌ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون انتقال إلى خطاب موسى وهارون.

فيقتضي أن هارون كان حاضراً لهذا الخطاب، وهو ظاهر قوله بعده ﴿ قالا ربنا إننا نخاف ﴾ [طه: 45]، وكان حضور هارون عند موسى بوحي من الله أوحاه إلى هارون في أرض «جاسان» حيث منازل بني إسرائيل من أرض قرب (طِيبة).

قال في التّوراة في الإصحاح الرابع من سفر الخروج «وقال (أي الله) ها هو هارون خارجاً لاستقبالك فتكلمه أيضاً».

وفيه أيضاً «وقال الرب لهارون اذهب إلى البرية لاستقبال موسى فذهب والتقيا في جبل الله» أي جبل حُوريب، فيكون قد طُوي ما حدث بين تكليم الله تعالى موسى في الوادي عند النار وما بين وصول موسى مع أهله إلى جبل (حوريب) في طريقِه إلى أرض مصر، ويكون قوله ﴿ قالا ربنا إننا نخاف ﴾ الخ، جواباً عن قول الله تعالى لهما: ويجوز أن تكون جملة اذْهَبَا إلى فِرْعَونَ } بدلاً من جملة ﴿ اذْهَب أنتَ وأخوك ﴾ [طه: 42]، فيكون قوله وجملة إنَّهُ طغى} تعليل للأمر بأن يذهبا إليه.

فعُلم أنه لقصد كفّه عن طغيانه.

وفعل ﴿ طغى ﴾ رسم في المصحف آخره ألفاً مُمالة، أي بصورة الياء للإشارة إلى أنّه من طَغِي مثل رَضي.

ويجوز فيه الواو فيقال: يطغو مثل يدعو.

والقول الليّنُ: الكلام الدال على معاني الترغيب والعرض واستدعاء الامتثال، بأن يظهر المتكلّم للمخاطب أنّ له من سداد الرأي ما يتقبّل به الحق ويميّز به بين الحق والباطل مع تجنب أن يشتمل الكلام على تسفيه رأي المخاطب أو تجهيله.

فشبه الكلام المشتمل على المعاني الحسنة بالشيء الليّننِ.

واللين، حقيقة من صفات الأجسام، وهو: رطوبة ملمس الجسم وسهولة ليّه، وضد الليّن الخشونة.

ويستعار الليّن لسهولة المعاملة والصفح.

وقال عمرو بن كلثوم: فإن قناتنا يا عَمْرو أعيَت *** على الأعداءِ قبلَكَ أن تلينا واللين من شعار الدعوة إلى الحق، قال تعالى: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ [النحل: 125] وقال: ﴿ فبما رحمة من الله لِنتَ لهم ﴾ [آل عمران: 159].

ومن اللين في دعوة موسى لفرعون قوله تعالى: ﴿ فقل هل لك إلى أن تَزّكّى وأهديَك إلى ربك فتخشى ﴾ [النازعات: 18، 19] وقوله: ﴿ والسلام على من اتبّع الهدى ﴾ [الكهف: 47]، إذ المقصود من دعوة الرسل حصول الاهتداء لا إظهار العظمة وغلظة القول بدون جدوى.

فإذا لم ينفع اللين مع المدعوّ وأعرض واستكبر جاز في موعظته الإغلاظ معه، قال تعالى: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم ﴾ [العنكبوت: 46]، وقال تعالى عن موسى: ﴿ إنّا قد أوحي إلينا أن العَذاب على من كذّب وتولّى ﴾ [طه: 48].

والتّرجي المستفاد من (لعلّ) إما تمثيل لشأن الله في دعوة فرعون بشأن الراجي، وإما أن يكون إعلاماً لموسى وفرعون بأن يرجوَا ذلك، فكان النطق بحرف الترجي على لسانهما، كما تقول للشخص إذا أشرت عليه بشيء: فلعلّه يصادفك تيْسير، وأنت لا تريد أنّك ترجو ذلك ولكن بطلب رجاء من المخاطب.

وقد تقدمت نظائره في القرآن غير مرّة.

والتذكّر: من الذُّكر بضم الذال أي النظر، أي لعلّه ينظر نظر المتبصّر فيعرف الحق أو يخشى حلولَ العقاب به فيُطيع عن خشية لا عن تبصر.

وكان فرعون من أهل الطغيان واعتقاد أنه على الحق، فالتذكر: أن يعرف أنه على الباطل، والخشيةُ: أن يتردد في ذلك فيخشى أن يكون على الباطل فيحتاط لنفسه بالأخذ بما دعاه إليه موسى.

وهنا انتهى تكليم الله تعالى موسى عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ يُحْتَمَلُ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَلَقْتُكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّنْعَةِ.

الثّانِي: اخْتَرْتُكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّنِيعَةِ.

﴿ لِنَفْسِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِمَحَبَّتِي.

الثّانِي: لِرِسالَتِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنِيا في ذِكْرِي ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا تَفْتُرا في ذِكْرِي، قالَ الشّاعِرُ: فَما ونى مُحَمَّدٌ مُذْ أنْ غَفَرْ لَهُ الإلَهُ ما مَضى وما غَبَرْ الثّانِي: لا تَضْعُفا في رِسالَتِي، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لا تُبْطِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: لا تَزالا، حَكاهُ أبانٌ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ طَرَفَةَ: كَأنَّ القُدُورَ الرّاسِياتِ أمامَهم ∗∗∗ قِبابٌ بَنُوها لا تَنِي أبَدًا تَغْلِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَطِيفًا رَقِيقًا.

الثّانِي: كَنِّياهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ إنَّ كُنْيَةَ فِرْعَوْنَ أبُو مُرَّةَ، وقِيلَ أبُو الوَلِيدِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَبْدَأهُ بِالرَّغْبَةِ قَبْلَ الرَّهْبَةِ، لِيَلِينَ بِها فَيَتَوَطَّأُ بَعْدَها مِن رَهْبَةٍ ووَعِيدٍ، قالَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ: يا رَبِّ هَذا رِفْقُكَ لِمَن عاداكَ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن والاكَ؟

وقِيلَ إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُحْسِنُ لِمُوسى حِينَ رَبّاهُ، فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ رِفْقَهُ بِهِ مُكافَأةً لَهُ حِينَ عَجَزَ مُوسى عَنْ مُكافَأتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر، عن أسماء بنت عميس قال: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بإزاء ثبير وهو يقول: «أشرق ثبير أشرق ثبير اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن تيسر لي أمري وأن تحل عقدة من لساني ﴿ يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً ﴾ » .

وأخرج السلفي في الطيوريات بسند واه، عن أبي حعفر محمد بن علي قال: «لما نزلت ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي اشدد به أزري ﴾ كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على جبل، ثم دعا ربه وقال: اللهم اشدد أزري بأخي علي» فأجابه إلى ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ واحلل عقدة من لساني ﴾ قال: عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه، عن أمر امرأة فرعون تدرأ به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل.

قال: هذا عدوّ لي، فقالت امرأته: إنه لا يعقل.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي ﴾ قال: كان أكبر من موسى.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية في قوله: ﴿ اشدد به أزري ﴾ قال ظهري.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ اشدد به أزري ﴾ يقول: اشدد به أمري وقوّني به، فإن لي به قوّة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأشركه في أمري ﴾ قال: نُبِئَ هرون ساعتئذ حين نبئ موسى عليهما السلام.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة أن عائشة سمعت رجلاً يقول: إني لأدري أي أخ في الدنيا كان أنفع لأخيه: موسى حين سأل لأخيه النبوّة.

فقالت: صدق والله.

وأخرج الحاكم، عن وهب قال: كان هرون فصيحاً بين النطق يتكلم في تؤدة ويقول بعلم وحلم، وكان أطول من موسى طولاً، وأكبرهما في السن، وأكثرهما لحماً، وأبيضهما جسماً، وأعظمهما ألواحاً، وكان موسى جعداً آدم طوالاً، كأنه من رجال شنوأة، ولم يبعث الله نبياً إلا وقد كان عليه شامة النبوّة في يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا- صلى الله عليه وسلم- فإن شامة النبوّة كانت بين كتفيه.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ ﴿ كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً ﴾ بنصب الكاف الأولى في كلهن.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش: أنه كان يجزم هذه الكافات كلها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاقذفيه في اليم ﴾ قال هو النيل.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سلمة بن كهيل رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: حببتك إلى عبادي.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: حيث نظرت آسية وجه موسى، فرأت حسناً وملاحة، فعندها قالت لفرعون: ﴿ قرة عين لي ولك لا تقتلوه ﴾ [ القصص: 9] .

وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي رجاء في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: الملاحة والحلاوة.

وأخرج ابن عساكر، عن قتادة في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: حلاوة في عيني موسى، لم ينظر إليه خلق إلا أحبه.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كنت مع عبدالله بن عمر رضي الله عنه فتلقاه الناس يسلمون عليه ويحيونه ويثنون عليه ويدعون له- فيضحك ابن عمر- فإذا انصرفوا عنه، أقبل علي فقال: إن الناس ليجيئون حتى لو كنت أعطيهم الذهب والفضة ما زادوا عليه، ثم تلا هذه الآية ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي نهيك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ قال: ولتعمل على عيني.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ قال: تربى بعين الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ قال: ولتغذى على عيني.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في الآية يقول: أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ﴿ إذ تمشي أختك ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب، عن ابن عمر: «سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ.

يقول الله: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ قال: من قتل النفس ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: أخلصناك إخلاصاً.

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: ابتليناك إبتلاء.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: ابتليناك ببلاء نعمة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: اختبرناك اختباراً.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: بلاء إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط آل فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً يترقب.

وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده، وعبد بن حميد، والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ فسألت عن الفتون ما هو؟

فقال: استأنف النهار يا ابن جبير، فإن لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحت غدوت على ابن عباس، لأتنجز ما وعدني من حديث الفتون فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل- وعد إبراهيم عليه السلام- من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً.

فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هذا كان وعد الله إبراهيم.

قال فرعون: فكيف ترون؟

فائتمروا وأجمعوا أمرهم، على أن يبعث رجالاً- معه الشفار- يطوفون في بني إسرائيل: فلا يجدون مولوداً إلا ذبحوه، ففعلوا فلما رأوا أن الكبار يموتون بآجالهم، وإن الصغار يذبحون قالوا: يوشك أن يفني بنو إسرائيل، فتصيروا تباشروا الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر، فتقل أبناؤهم.

ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم، فاجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أم موسى بهرون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدت علانية آمنة، حتى إذا كان في قابل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهم والحزن، فذلك من الفتون يا ابن جبير، لما دخل عليه في بطن أمه ما يراد به، فأوحى الله إليها: أن: ﴿ لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ﴾ [ القصص: 7] وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها- أتاها الشيطان- وقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟!

لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.

فانطلق به الماء حتى أوفى به عند مستقى جواري امرأة فرعون، فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهن لبعض: إن في هذا لمالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه بهيئته لم يحركن منه شيئاً، حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقي عليها محبة لم تلق منها على أحد من البشر قط، ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ [ القصص: 10] من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت للذباحين: إن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، وإني آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فلما أتت به فرعون قالت: ﴿ قرة عين لي ولك لا تقتلوه ﴾ [ القصص: 9] قال فرعون: يكون لك، وأمَّا لي فلا حاجة لي فيه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي يحلف به، لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له، كما قالت امرأته لهداه الله به، كما هدى به امرأته ولكن الله- عز وجل- حرمه ذلك، فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظئراً، فكلما أخذته امرأة منهن لترضعه، لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمنتع من اللبن، فيموت فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق، ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً يأخذ منها، فلم يفعل، وأصبحت أم موسى والهاً، فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً؟

أحي أم قد أكلته الدواب؟

ونسيت الذي كان وعد الله ﴿ فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون ﴾ والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه، وهو لا يشعر به (فقالت)- من الفرح حين أعياهم الظوائر- ﴿ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ﴾ فأخذوها، فقالوا: وما يدريك ما نصحهم له؟

هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك؟

وذلك من الفتون يا ابن جبير.

فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في جانب الملك رجاء شفقته.

فتركوها فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها: إنا قد وجدنا لابنك ظئراً.

فأرسلت إليها فأتيت بها وبه، فلما رأت ما يصنع قالت لها: امكثي عندي أرضعي ابني هذا- فإني لم أحب حبه شيئاً قط- قالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه؟

فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي.

فذكرت أم موسى ما كان الله عز وجل وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك، وأيقنت أن الله عز وجل منجز وعده.

فرجعت بابنها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل- وهم يجتمعون في ناحية القرية- يمتنعون به من الظلم والسخرة منذ كان فيهم، فلما ترعرع، قالت امرأة فرعون لأم موسى: أريد أن تريني ابني، فوعدتها يوماً تزورها فيه به.

فقالت لخزانها وجواريها وقهارمتها: لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة أرى ذلك فيه، وأنا باعثة أميناً يحضر ما صنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها، فلما دخل عليها أكرمته ونحلته وفرحت به وأعجبها، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت لأنطلقن به إلى فرعون فلينحلنه وليكرمنه.

فلما دخلت به عليه وجعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقالت له الغواة- من أعداء الله-: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم؟

إنه يرثك ويصرعك ويعلوك.

فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه.

وذلك من الفتون يا ابن جبير، بعد كل بلاء ابتلي به، وأريد به فتوناً.

فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟

قال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني!؟

قالت له: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أن يعقل، وإن هو تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، فاعلم أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل.

فلما قرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين أخذ الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا بدنه.

فقال للمرأة: لا يذبح.

وصرفه الله عنه بعد أن كان هم به، وكان الله بالغ أمره فيه، فلما بلغ أشده- وكان من الرجال- لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم، ولا بسخرة حتى امتنعوا كل الإمتناع.

فبينما هو يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان- أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون- فاستغاثة الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه، لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل، وحفظه لهم: لا يعلم إلا أن ذلك من الرضاع من أم موسى، إلا أن يكون الله تعالى أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع غيره عليه، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله، وموسى والإسرائيلي.

(فقال) موسى: حين قتل الرجل ﴿ هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ﴾ [ القصص: 15] ثم ﴿ قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له، وأصبح في المدينة خائفاً يترقب ﴾ [ القصص: 17] الأخبار، فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم.

فقال ائتوني به ومن شهد عليه، فإن الملك- وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له، أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون فلا يجدون بينة ولا ثبتاً، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان من وكزه الذي رأى، فغضب من الإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال: ﴿ إنك لغوي مبين ﴾ [ القصص: 18] فنظر الإسرائيلي إلى موسى حين قال له ما قال- فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس- فخاف بعدما قال له: ﴿ إنك لغوي مبين ﴾ [ القصص: 18] أن يكون إياه أراد، وإنما الفرعوني ﴿ فقال يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ [ القصص: 19] وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى؛ فليقتله فيتداركا، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي حين يقول: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ [ القصص: 19] فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ﴿ وجاء رجل ﴾ من شيعة موسى ﴿ من أقصى المدينة ﴾ [ القصص: 20] فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فخرج موسى متوجهاً نحو مدين، لم يلق بلاء مثل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه، فإنه ﴿ قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ [ القصص: 22] ﴿ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان ﴾ [ القصص: 23] يعني فلم تسقيا غنمهما قال: ﴿ ما خطبكما ﴾ [ القصص: 23] معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟

قالتا: ليست لنا قوة نزاحم القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم ﴿ فسقى لهما ﴾ [ القصص: 24] فجعل يغرف في الدلو ماءً كثيراً حتى كانتا أول الرعاة فراغاً- فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما، وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً وقال: إن لكما اليوم لشأناً: فحدثتاه بما صنع موسى.

فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتته فدعته.

فلما كلمه ﴿ قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾ [ القصص: 25] ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته.

قالت ابنته: ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ [ القصص: 26] فحملته الغيرة أن قال: وما يدريك ما قوته؟

وما أمانته؟

قالت: أما قوته: فما رأيت منه حين سقى لنا، لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا.

وأمانته: فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة، صوب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إليّ حين أقبلت إليه، حتى بلغته رسالتك.

فقال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يقل هذا إلا وهو أمين، فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت.

فقال: هل لك ﴿ أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ﴾ [ القصص: 27] ففعل وكانت على موسى ثماني حجج واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عدته فأتمها عشراً.

قال سعيد: فسألني رجل من أهل النصرانية من علمائهم: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟

قلت: لا.

وأنا يومئذ لا أعلم.

فلقيت ابن عباس، فذكرت له الذي قال النصراني فقال: أما كنت تعلم أن ثمانياً واجبة؟

لم يكن موسى لينتقص منها، وتعلم أن الله تعالى كان قاضياً عن موسى عدته التي وعد؟

فإنه قضى عشراً، فأخبرت النصراني فقال: الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك.

قلت؛ أجل وأولى!

﴿ سار موسى بأهله ﴾ ورأى من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن، وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه- فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام- فسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون؛ ليكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به، فأتاه الله سؤاله فحل عقدة من لسانه، وأوحى إلى هارون، وأمره أن يلقى موسى، فاندفع موسى بالعصا، ولقي هارون فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما ببابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ فقال: ﴿ ومن ربكما يا موسى ﴾ فأخبراه بالذي قص الله في القرآن.

قال: فما تريدان؟

وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل.

فأبى عليه ذلك.

وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين فألقى عصاه، فتحوّلت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون،- فلما رأى فرعون أنها قاصدة إليه- خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى: أن يكفها عنه ففعل، ﴿ وأخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء ﴾ يعني برص، ثم أعادها إلى كمه فصارت إلى لونها الأول.

فاستشار الملأ فيما رأى، فقالوا له: ﴿ هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ يعنون ملكهم الذي هم فيه، والعيش، فأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب.

وقالوا له: اجمع لهم السحرة- فإنهم بأرضنا كثير- حتى تغلب بسحرهم سحرهما ﴿ فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ﴾ [ الشعراء: 54] فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر.

قالوا: يعمل بالحيات والحبال.

وقالوا: فلا والله، ما في الأرض قوم يعملون بالحيات والحبال والعصي بالسحر ما نعمل به!

فما أجرنا إن غلبناه؟

قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع بكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا ليوم الزينة ﴿ وأن يحشر الناس ضحى ﴾ قال سعيد: فحدثني ابن عباس: أن يوم الزينة- اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة- وهو يوم عاشوراء، فلما اجتمعوا في صعيد واحد.

قال الناس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا فلنحضر هذا الأمر و ﴿ نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ﴾ [ الشعراء: 40] - يعنون بذلك موسى وهارون استهزاء بهما- فقالوا: يا موسى- لقدرتهم بسحرهم- ﴿ إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ [ الأعراف: 115] قال: ألقوا ﴿ فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ﴾ [ الأعراف: 44] فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة.

فأوحى الله إليه ﴿ أن ألق عصاك ﴾ [ القصص: 31] فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فاغرة فاها، فجعل العصا بدعوة موسى تلتبس بالحبال، حتى صارت جرداً إلى الثعبان، حتى تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلاً إلا ابتلعته، فلما عاين السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحراً لم تبتلع من سحرنا كل هذا!

ولكن هذا من أمر الله عز وجل.

فآمنا بالله، وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا فيه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، فظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴿ فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ﴾ [ الأعراف: 119] وامرأة فرعون بارزة متبذلة- تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون- فمن رآها- من آل فرعون ظن أنها تبذلت شفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى.

فلما طال مكث موسى لمواعد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كشف ذلك عنه، نكث عهده واختلف وعده، حتى أمر موسى بقومه، فخرج بهم ليلاً.

فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا بعث في المدينة وحولها حاشرين، فتبعهم جنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى فانفرق له اثني عشر فرقاً، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق بعد على من بقي من قوم فرعون وأشياعه.

فنسي موسى أن يضرب بعصاه، فدفع إلى البحر وله قصيف؛ مخافة أن يضربه بعصاه وهو غافل فيصير عاصياً ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ وتقاربا ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ [ الشعراء: 61] فافعل ما أمرك به ربك فإنك لم تكذب ولم تكذب.

قال: وعدني ربي إذا انتهيت إلى البحر أن ينفرق لي حتى أجوز، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر- حين دنا أوائل جند فرعون- من أواخر جند موسى فانفرق البحر- كما أمره الله وكما وعد موسى، فلما جاز أصحاب موسى كلهم، ودخل أصحاب فرعون كلهم، التقى البحر عليهم كما أمره الله عز وجل، فما أن جاوز البحر ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ [ الشعراء: 61] إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نأمن هلاكه!

فدعا ربه فأخرجه له ببدنه من البحر، حتى استيقنوا.

ثم مروا بعد ذلك ﴿ على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة.

قال إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ﴾ [ الأعراف: 138] قد رأيتم من العبر ما يكفيكم وسمعتم به، فمضى حتى أنزلهم منزلاً، ثم قال لهم: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، وإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً- فصامهن ليلهن ونهارهن- كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغه.

فقال له ربه:- حين أتاه- لم أفطرت؟

وهو أعلم بالذي كان.

قال: يا رب، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح.

قال: وما علمت يا موسى، أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك!

ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم ائتني.

ففعل موسى الذي أمره الله به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك.

وقد كان هارون خطبهم وقال له: إنكم خرجتم من مصر وعندكم ودائع لقوم فرعون وعوار، ولكم فيهم مثل ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما كان لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها أو عارية، ولسنا نرى أداء شيء من ذلك إليهم، ولا مُمْسِكيه.

فحفر حفرة وأمر كل قوم عندهم شيء من ذلك من متاع أو حلية بأن يدفنوه في الحفرة، ثم أوقد عليه النار فأحرقه وقال: لا يكون لنا ولا لهم.

وكان السامري رجلاً من قوم يعبدون البقر، ليس من بني إسرائيل، جار لهم، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثر الفرس، فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون: يا سامري.

ألا تلقي ما في يديك؟- وهو قابض عليه لا يراه أحد (طوال ذلك) فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها، أن يكون ما أريد.

قال: فألقاها ودعا له هارون.

فقال: أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع: نحاس أو حديد أو حلى، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح له خوار.

فقال ابن عباس: والله ما كان له صوت، ولكن الريح كانت تدخل في دبره وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك.

فتفرق بنو إسرائيل فقالت فرقة: يا سامري، ما هذا فإنك أنت أعلم به؟

فقال: هذا ربكم، ولكن موسى أخطأ الطريق.

فقالوا: لا نكذب بهذا ﴿ حتى يرجع إلينا موسى ﴾ [ طه: 91] فإن يك ربنا لم يكن ضيعنا وعجزنا حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإننا نتبع قول موسى.

وقال فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس ربنا ولا نصدق به ولا نؤمن به.

وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل: وأعلنوا التكذيب و ﴿ قال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ﴾ وليس بهكذا.

قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين ليلة، ثم أخلفنا فهذه أربعون ليلة: فقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه، فلما كلم الله موسى وقال ما قال له، وأخبره بما لقي قومه من بعده، ﴿ فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ [ الأعراف: 150] فقال لهم ما سمعتم في القرآن ﴿ وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ﴾ [ الأعراف: 150] من الغضب غير أنه عذر أخاه، واستغفر ربه، ثم انصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟

فقال: ﴿ قبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ وفطنت وعميت عليكم ﴿ فقذفتها وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ ﴿ قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ إلى قوله: ﴿ في اليم نسفاً ﴾ ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك!

فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم رأي هارون، فقالوا: يا موسى، سل ربك أن يفتح لنا باب توبة نعملها ونكفر عنا ما عملنا ﴿ فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً ﴾ [ الأعراف: 155] لذلك لا يألوا لخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم ليسأل ربهم التوبة، فرجفت الأرض بهم فاستحيا موسى عليه السلام من قومه، ووفده حين فعل بهم ذلك فقال: ﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء ﴾ [ الأعراف: 155] الآية.

ومنهم من قد اطلع الله منه على ما أشرب قلبه العجل والإيمان به؛ فلذلك رجفت بهم الأرض.

فقال: ﴿ رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ﴾ [ الأعراف: 155] إلى قوله: ﴿ والإنجيل ﴾ [ الأعراف: 156] فقال: رب سألتك التوبة لقومي فقلت: إن رحمتك كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخرتني حتى أخرج في أمة ذلك الرجل المرحومة.

قال الله عز وجل: فإن توبتهم، أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد أو ولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قبل ذلك الموطن فتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، وما اطلع الله عليهم من ذنوبهم فاعترفوا بها.

وفعلوا ما أمروا به فغفر الله للقاتل والمقتول، ثم سار بهم موسى متوجهاً نحو الأرض المقدسة، فأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمره الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا بها، حتى نتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون الأرض، والكتاب الذي أخذوه بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا فيها مدينة جبارين، خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها!

فقالوا: يا موسى ﴿ إن فيها قوماً جبارين ﴾ [ المائدة: 22] لا طاقة لنا اليوم بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها ﴿ فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ قال رجلان من الجبارين: آمنا بموسى، فخرجا إليه فقالا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم ليس لهم قلوب ولا منعة عندهم، ﴿ فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ [ المائدة: 23] ويقول أناس إنهما من قوم موسى، وزعم سعيد أنهما من الجبارين، آمنا بموسى.

يقول: ﴿ من الذين يخافون أنعم الله عليهما ﴾ [ المائدة: 33] وإنما يعني بذلك الذين يخافهم بنو إسرائيل.

فقالوا: ﴿ يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ [ المائدة: 24] فأغضبوا موسى فدعا عليهم، فسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك، لما رأى فيهم من المعصية وإساءتهم- حتى كان يومئذ- فدعا عليهم فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين ﴿ فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ﴾ [ المائدة: 26] يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ [ البقرة: 60] في كل ناحية ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، لا يرتحلون بها من مرحلة إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأوّل» .

رفع الحديث ابن عباس، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وصدق ذلك عندي: أن معاوية بن أبي سفيان سمع من ابن عباس هذا الحديث، فأنكر عليه: أن يكون الفرعوني هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل.

وقال: إنما أفشى عليه الإسرائيلي، فأخذ ابن عباس بيده فانطلق إلى سعد بن مالك الزهري فقال: أرأيت يوم حدثنا النبي- صلى الله عليه وسلم- عن قتيل موسى من آل فرعون، من أفشى عليه؟

الإسرائيلي أو الفرعوني؟

قال: أفشى عليه الفرعوني، بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلبثت سنين في أهل مدين ﴾ [ طه: 40] قال: عشر سنين ﴿ ثم جئت على قدر يا موسى ﴾ [ طه: 40] قال على موعد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم جئت على قدر ﴾ قال: الميقات.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم جئت على قدر ﴾ قال: على موعد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنيا في ذكري ﴾ قال لا تضعفا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه مثله.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله- عز وجل- ﴿ ولا تنيا عن ذكري ﴾ قال: ولا تضعفا عن أمري.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: إني وجدك ما ونيت وإنني ** أبغي الفكاك له بكل سبيل وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنيا ﴾ قال: لا تبطئا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال: كنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال: كنِّياه.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري: ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال: كنياه يا أبا مرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال اعذرا إليه، وقولا له: إن لك رباً ولك معاداً وإن بين يديك جنة وناراً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الفضل بن عيسى الرقاشي أنه تلا هذه الآية ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ فقال: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولى ويناديه؟.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعله يتذكر ﴾ قال: هل يتذكر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا نخاف أن يفرط علينا ﴾ قال: يعجل ﴿ أو أن يطغى ﴾ قال: يعتدي.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ﴾ قال: عقوبة منه.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ﴾ قال: أسمع ما يقول ﴿ وأرى ﴾ ما يجاوبكما، فأوحي إليكما فتجاوباه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم بسند جيد، عن ابن مسعود قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون، قال: رب، أي شيء أقول؟

قال: قل أهيا شراً هيا.

قال الأعمش: تفسير ذلك، الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء.

وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عباس قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال: «لا يغرنكما لباسه الذي ألبسته، فإن ناصيته بيدي، فلا ينطق ولا يطرف إلا بإذني، ولا يغرنكما ما متع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين، فلو شئت أن أزينكما من زينة الدنيا بشيء، يعرف فرعون أن قدرته تعجز عن ذلك لفعلت، وليس ذلك لهوانكما علي، ولكني ألبستكما نصيبكما من الكرامة على أن لا تنقصكما الدنيا شيئاً، وإني لأذود أوليائي عن الدنيا، كما يذود الراعي إبله عن مبارك الغيرة، وإني لأجنبهم كما يجنب الراعي إبله عن مراتع الهلكة، أريد أن أنور بذلك صدورهم، وأطهر بذلك قلوبهم فيَّ، سيماهم الذين يعرفون وأمرهم الذي يفتخرون به، وأعلم: أنه من أخاف لي ولياً فقد بارزني، وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم وابن مردويه من طريق ابن عباس، عن أبي سفيان بن حرب أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتب إلى هرقل «من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في الشعب، عن قتادة قال: التسليم على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم أن تقول: السلام على من اتبع الهدى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ ﴾ تكرير الأمر بالذهاب للتأكيد.

﴿ إنه طغى ﴾ قد مر في هذه السورة (١) (١) عند قوله سبحانه: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَنِيَا ﴾ أي لا تضعفا ولا تقصرا، والوني هو الضعف عن الأمور والتقصير فيها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي ﴾ : هو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ ، أي: لا تضعفا في الدعاء إلى ديني وتوحيدي.

[و] في حرف عبد الله بن مسعود: (ولا تهينا في ذكرى) في البلاغ ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ أمرهما ألا يقصرا ولا يعجزا في تبليغ الرسالة إليه، والدعاء إلى دينه، حيث قال: ﴿ ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ؛ أي: تربى بعيني، وسئل عن العين، فقال: العين: العلم هاهنا، والعين في غير هذا: المال، والعين: الأديم المتخرق، والعين: المصدر من عان يعين، فهو عائن، والمفعول به معيون: إذا أصابه بعين، والعين: الحقيقة، كقولك: هذا بعينه، أي: بحقيقته، قال: والعينة: السلف، ومثله قوله: ﴿ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا  ﴾ .

﴿ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ أي: يضمه لا يضمنه.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، أي: وقت المجيء ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ ﴾ ، أي: أخلصتك ﴿ لِنَفْسِي ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ أي: لا تقصرا ولا تعجزا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ ؛ لأن القول اللّين يكون أقرّ وأثبت في القلوب، وأنجع، وأقرب إلى الإجابة والقبول من القول الخشن البارد، وخاصّة في الملوك والرّؤساء؛ إذ طباعهم لا تحتمل ذلك، ولا تنجع فيهم، بل أكثر صولتهم على من دونهم إنما يكون عند استقبالهم بالخلاف وبما يكرهون، فأمر - عز وجل - رسوله موسى وهارون أن يقولا له قولاً ليناً، ويلطفا معاملته؛ ليكون أقرب وأثبت في قلبه وأنجع؛ ولذلك قال: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ .

قال الحسن: كل (لعل) من الله فهو على الإيجاب؛ لأنه قد تذكر وخشي، حيث قال: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ...

﴾ الآية [الأعراف: 134]، وحيث قال: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ  ﴾ لكن لم ينفعه إيمانه في ذلك الوقت؛ لأنه إيمان دفع واضطرار.

وقال بعضهم: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ في علومكم، فإن كان على هذا فهو يحتمل الشك، وإن كان على الأوّل فهو على الإيجاب لا يحصل الشك.

ثم اختلف في القول اللّين: قال ابن عباس: هو قول الله: ﴿ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ  وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ  ﴾ [أي:] فتوحّد، قال: هذا القول اللّين.

وعن الحسن: ﴿ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ : قولا له: إن لك معاداً، إن لك مرجعاً.

وقال بعضهم: ﴿ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ : قول: لا إله إلا الله.

وقال بعضهم: أي: ليناً، ونحوه، وأصله ما ذكرنا بدءاً.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ ، قال أهل التأويل: قوله: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ ، أي: يعجل بالعقوبة من قبل أن يسمع حجتنا.

أو أن يطغى بقتلنا بعدما سمع الحجة منا.

وجائز أن يكون أحد هذين في الفعل، والآخر في القول: أن يفرط علينا أو أن يطغى أيهما كان؟

لأنه قال في الجواب لهما: ﴿ قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ ، أي: أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، فهذا يدل - والله أعلم - أن قوله: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ يرجع أحدهما إلى القول، والآخر إلى الفعل؛ لأنه قال في وقت: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخَافَآ ﴾ ، يحتمل على نفي الخوف، والأمن منه، كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ليس على النهي عن الحزن، فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَآ ﴾ : في النصر والمعونة لكم والذب عنكم والدفع، ﴿ أَسْمَعُ ﴾ ما يقول ﴿ وَأَرَىٰ ﴾ ما يفعل، وقد كان منه إليهما: النصر والمعونة لهما، والدفع عنهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ﴾ : يشبه أن يكون ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ هذا، أي: لا تضعفا في تبليغ الرسالة، ولكن قولا: ﴿ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ لا يحتمل أن يكون أوّل ما أتياه قالا: ﴿ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ [ولكن] قد سبق منهما الدعاء إلى توحيد الله والإفراد له بالألوهية والربوبية؛ فإذا ترك الإجابة، فعند ذلك قالا له: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ .

[و] هذا يحتمل وجهين: أحدهما: كأنه كان يمنع بني إسرائيل عن الإسلام، وهم أرادوا الإسلام، فقالا: أرسل معنا بني إسرائيل ولا تمنعهم عن الإسلام.

أو: كان يستعبدهم، فأمره أن يستنقذهم من يديه، كقوله: ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ ألا ترى أنّه قال: ﴿ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ﴾ وهو ما قال: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

هذا يدل على أنه لا يبدأ بالسلام على أهل الكفر، ولكن يبدأ بأهل الإسلام، وفيه أن تحية أهل الإسلام هو السلام، لا قول الناس: (أطال الله بقاءك)، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ كأنه قال: والسلام على من اتبع الهدى، والعذاب على من كذب وتولى.

والسلام هو اسم كل خير وبر.

وقال القتبي: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ أي: يعجل ويقدم، قالوا: الفرط: التقدم والسبق، وفي الخبر عن رسول الله  : "أنَا فَرَطكم على الحَوْض" ، وهو من السبق، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ أي: يعجل، يقال: فرط يفرط فرطاً: أي: عجل، وقال: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ أي: لا تقصرا ولا تعجزا في البلاغ، ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ ﴾ أي: استخلصتك لنفسي، فإذا لم يفهم من قوله: ﴿ لِنَفْسِي ﴾ : ذاته فكيف يفهم ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ما لم يفهم من الخلق، ولا يتصور هذا وأمثاله إلا في وهم من اعتقد التشبيه ولم يعرف ربّه، وإلاّ لو عرف ربّه حق معرفته، لكان لا يتصور في وهمه تشبيه الخلق به، ولا تشبيهه بخلقه،  وتعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ الآية [الشعراء: 23-24]، ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ  ﴾ ، سأله عن ماهيته، فأجابه موسى عن آثار صنعه في خلقه، وأنه ربّ كل شيء، وربّ ما ذكر، لم يجبه عما سأله من ماهيته وكيفيته، حيث قال: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ ﴾ ، فجوابه عن الماهية: ربنا فلان، وأنه كذا، ففيه دلالة أن الله لا يعرف من جهة الماهية والكيفية؛ أذ لا ماهية ولا كيفيّة؛ إذ هما أوصاف الخلق، فالله  يتعالى عن أن يوصف بشيء من صفات الخلق.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ وجوهاً: أحدها: أعطى كل شيء يكون، صورة ما قد كان معاشه وقوامه؛ ليعلم أنه قادر على بعثهم على الصّورة التي كانت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ فهو على قوله: أعطى كل شيء ثم هدى، فإن كان التأويل: أعطى كل شيء صورته وهيئته، فقوله: ﴿ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ للنجاة، وإن كان أعطى جنسه وشكله ثم هداه للنسل، وإن كان قوله: ﴿ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ ﴾ ما به معاشهم وقوامهم، ثم هداه لما يتعيشون به، ويقومون به، وهداه لما يصلح لهم وما لا يصلح لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ﴾ .

قال بعضهم: إنما سأل فرعون موسى عن القرون الأولى؛ لأنه سمع من ذلك الرجل المؤمن حين قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ  ﴾ ولم يكن لموسى بهم علم، فوكل علمهم إلى الله، ثم أنزل الله عليه التوراة، فبيّن له فيها أمرهم.

وقال بعضهم: سأل فرعون موسى ذلك؛ لأن موسى أخبر أنه يبعث، وخوفه على ذلك، فعند ذلك قال: ﴿ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ ﴾ لم يبعثوا منذ أهلكوا؟

فقال له ما قال.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ ﴾ إنمّا سأله عن حال القرون الأولى أهم في الجنة أو في النار، فقال: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ .

وقال بعضهم: إنما سأله عن أعمالهم: فما أعمال القرون الأولى؟

فقال: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ أي: أعمالهم عند ربي في كتاب مرقوم، وقوله: ﴿ سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ  ﴾ وقوله: ﴿ فِي كِتَابٍ ﴾ قال بعضهم: الكتاب الذي أثبتت فيه أعمالهم، وقال بعضهم: في اللوح المحفوظ، ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ﴾ قال: هما واحد: لا يضل ولا ينسى ذلك الكتاب، وقرئ: (يُضِلُّ) ولا يُضِلُّ من ختم بالهدى، و ﴿ لاَّ يَضِلُّ ﴾ أي: لا يَضِلُّ ذلك الكتاب الذي ذكر، ليس أنه يرجع إلى قوله: ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ﴾ هو على قوله: ﴿ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ﴾ أي: فراشاً، والذي ﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ﴾ يذكر نعمه التي أنعمها عليهم؛ يقول: جعل لكم الأرض بحيث تفترشون، وتعيشون فيها، وتقرون عليها بعدما كانت تميد بكم، ﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾ أي: طرقاً تسلكون فيها، وتختلفون إلى البلدان النائية في حوائجكم وما به معاشكم وقوامكم ما لولا ذلك ما قام معاشكم، ولا قضيت حوائجكم ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ أي: الماء ﴿ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ ﴾ : ما به معاشكم وقوامكم وقوام أنعامكم، على اختلاف ما جعل لكل دابة من ذلك قوتاً وغذاء، ولم يجعل ذلك لغيرها؛ لأن من الدواب ما يأكل النبات؛ ومنها ما يأكل الحب، ومنها ما يأكل اللحم، ونحوه.

﴿ كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ﴾ ، أي: كلوا أنتم وارعوا أنعامكم فيما به قوامها.

﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ أي: لأولي العقول.

وقال الحسن: إن في ذلك لآيات للذين يتناهون عما نهوا عنه.

وقال بعضهم: لآيات لأولي الورع، وأولي النهى: هم أهل العقول؛ لأنه بالعقل ينهى، وبه ينتهي، وبه يؤمر ويؤتمر، فذلك آيات لهم، وكذلك قال القتبي: لأولي النهي: أولي العقول، وقال: النهية: العقل.

وقال بعضهم: ﴿ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، أي: ما حالها؟

يقال: أصلح الله بالك، أي: حالك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ وجوهاً: أحدها: منها خلقنا أصلكم، وهو خلق آدم، لكنه أضاف خلقنا إليها وإن لم نخلق منها كما أضاف الإنسان إلى النطفة وإن لم يكن الإنسان منها، لكنه أضاف إليها؛ لأنها أصل الإنسان؛ فعلى ذلك إضافة خلق أنفسنا إلى الأرض.

والثاني: نسب إليها؛ لأنا من أول ما ننشأ إلى آخر ما ننتهي إليه يكون قوامنا ومعاشنا من الخارج من الأرض؛ فنسب خلقنا إليه، وهو ما قال: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً  ﴾ واللّباس على هيئته ما هو لم ينزل من السماء، لكنّه أضافه إليها؛ لأنه كان بأسباب من السماء وأصله منها.

وقال بعضهم: ذكر أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب ذلك المكان الذي يدفن فيه الإنسان فيذره على النطفة التي قضى الله منها الولد؛ فيخلق من التراب والنطفة، فذلك معنى الإضافة إليهما، لكن هذا سمعيّ لا يعرف إلا بالخبر، فإن ثبت فهو هو، وإلاّ لا يجوز أن يقال ذلك رأياً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ إذا متم، أي: تقبرون فيها، فيخرج مخرج الامتنان علينا، وذلك لنا خاصّة دون غيرنا من الحيوان، لئلا نتأذى بهم، كقوله: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ  ﴾ أو أن يكون قوله: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ ، أي: تصيرون تراباً إذا متم، فيخبر عن قدرته وسلطانه، أي: من قدر على أن صيّر الإنسان تراباً، بعد أن لم يكن تراباً لقادر على أن يصيره إنساناً على ما كان بعدما صار تراباً، وهو ما قال: ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴾ أي: منها نبعثكم وننشئكم مرة أخرى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اذهبا إلى فرعون، فإنه تجاوز الحد في الكفر والتمرّد على الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.NdyB2"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله