الآية ٥٩ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٥٩ من سورة طه

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فعند ذلك ) قال ) لهم موسى ( موعدكم يوم الزينة ) وهو يوم عيدهم ونوروزهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم ; ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء ، ومعجزات الأنبياء ، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية ، ولهذا قال : ( وأن يحشر الناس ) أي : جميعهم ) ضحى ) أي : ضحوة من النهار ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح ، وهكذا شأن الأنبياء ، كل أمرهم واضح ، بين ، ليس فيه خفاء ولا ترويج ; ولهذا لم يقل " ليلا " ولكن نهارا ضحى .

قال ابن عباس : وكان يوم الزينة يوم عاشوراء .

وقال السدي ، وقتادة ، وابن زيد : كان يوم عيدهم .

وقال سعيد بن جبير : يوم سوقهم .

ولا منافاة .

قلت : وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده ، كما ثبت في الصحيح .

وقال وهب بن منبه : قال فرعون : يا موسى ، اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه .

قال موسى : لم أومر بهذا ، إنما أمرت بمناجزتك ، إن أنت لم تخرج دخلت إليك .

فأوحى الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا وقل له أن يجعل هو .

قال فرعون : اجعله إلى أربعين يوما .

ففعل .

وقال مجاهد ، وقتادة : ( مكانا سوى ) منصفا .

وقال السدي : عدلا .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( مكانا سوى ) مستو يتبين الناس ما فيه ، لا يكون صوب ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض ، مستو حتى يرى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا ) لا نتعدّاه، لنجيء بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه، لا نخلف ذلك الموعد ( نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ) يقول: بمكان عدل بيننا وبينك ونَصَف.

وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين ( مَكانا سِوًى) بكسر السين، وقرأته عامة قراء الكوفة ( مَكَانًا سُوًى ) بضمها.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما لغتان، أعني الكسر والضم في السين من " سوى " مشهورتان في العرب ، وقد قرأت بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، مع اتفاق معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وللعرب في ذلك إذا كان بمعنى العدل والنصف لغة هي أشهر من الكسر والضم وهو الفتح، كما قال جلّ ثناؤه تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ وإذا فتح السين منه مدّ ، وإذا كسرت أو ضمت قصر، كما قال الشاعر: فــإنَّ أبانــا كــانَ حَـلَّ بِبَلْـدَةٍ سُـوًى بيـنَ قَيْسٍ قَيْسَ عَيْلانَ والفِزْرِ (1) ونظير ذلك من الأسماء: طُوَى، وطَوَى، وثنى وثُنَى، وعَدَى، وعُدَى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( مَكَانًا سُوًى ) قال: منصفا بينهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( مَكَانًا سُوًى ) : أي عادلا بيننا وبينك.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، قوله ( مَكَانًا سُوًى ) قال: نصفا بيننا وبينك.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى) قال: يقول: عدلا.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (مَكانا سُوًى) قال: مكانا مستويا يتبين للناس ما فيه، لا يكون صوب ولا شيء فيغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى.

-------------------- الهوامش : (1) البيت لموسى بن جابر الحنفي ( اللسان : سوى ) قال : قال الأخفش : سوى إذا كان بمعنى غير أو العدل يكون فيه ثلاث لغات : إن ضمت السين أو قصرت فيهما جميعا ، وإن فتحت مددت .

تقول : ما كان سوى وسوى وسواء : أي عدل ووسط بين الفريقين ، قال موسى بن جابر : " وجدنا أبانا .

.

.

البيت " .

والفزر : أبو قبيلة من تميم ، وهو سعد بن زياد مناة بن تميم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

واختلف في يوم الزينة ، فقيل هو يوم عيد كان لهم يتزينون ويجتمعون فيه ؛ قاله قتادة والسدي وغيرهما .

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : كان يوم عاشوراء .

وقال سعيد بن المسيب : يوم سوق كان لهم يتزينون فيها ؛ وقاله قتادة أيضا .

وقال الضحاك : يوم السبت .

وقيل : يوم النيروز ؛ ذكره الثعلبي .

وقيل : يوم يكسر فيه الخليج ؛ وذلك أنهم كانوا يخرجون فيه يتفرجون ويتنزهون ؛ وعند ذلك تأمن الديار المصرية من قبل النيل .

وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفي والسلمي وهبيرة عن حفص يوم الزينة بالنصب .

ورويت عن أبي عمرو ؛ أي في يوم الزينة إنجاز موعدنا .

الباقون بالرفع على أنه خبر الابتداء .وأن يحشر الناس ضحى أي وجمع الناس ؛ ف ( أن ) في موضع رفع على قراءة من قرأ ( يوم ) بالرفع .

وعطف وأن يحشر يقوي قراءة الرفع ؛ لأن أن لا تكون ظرفا ، وإن كان المصدر الصريح يكون ظرفا كمقدم الحاج ؛ لأن من قال آتيك مقدم الحاج لم يقل آتيك أن يقدم الحاج .

النحاس : وأولى من هذا أن يكون في موضع خفض عطفا على الزينة .

والضحا مؤنثة تصغرها العرب بغير هاء لئلا يشبه تصغيرها ضحوة ؛ قاله النحاس .

وقال الجوهري : ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ، ثم بعده الضحى وهي حين تشرق الشمس ؛ مقصورة تؤنث وتذكر ؛ فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة ؛ ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على فعل مثل صرد ونغر ؛ وهو ظرف غير متمكن مثل سحر ؛ تقول : لقيته ضحا ؛ وضحا إذا أردت به ضحا يومك لم تنونه ، ثم بعده الضحاء ممدود مذكر ، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى .

وخص الضحى لأنه أول النهار ، فلو امتد الأمر فيما بينهم كان في النهار متسع .

وروي عن ابن مسعود والجحدري وغيرهما ( وأن يحشر الناس ضحا ) على معنى وأن يحشر الله الناس ونحوه .

وعن بعض القراء ( وأن تحشر الناس ) والمعنى وأن تحشر أنت يا فرعون الناس وعن الجحدري أيضا ( وأن نحشر ) بالنون وإنما واعدهم ذلك اليوم ؛ ليكون علو كلمة الله ، وظهور دينه ، وكبت الكافر ، وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد ، وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في الحق ، ويكل حد [ ص: 132 ] المبطلين وأشياعهم ، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر ، ويشيع في جمع أهل الوبر والمدر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال موسى: { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } وهو عيدهم، الذي يتفرغون فيه ويقطعون شواغلهم، { وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } أي: يجمعون كلهم في وقت الضحى، وإنما سأل موسى ذلك، لأن يوم الزينة ووقت الضحى فيه يحصل فيه من كثرة الاجتماع، ورؤية الأشياء على حقائقها، ما لا يحصل في غيره

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال موعدكم يوم الزينة ) قال مجاهد ، وقتادة ، ومقاتل ، والسدي : كان يوم عيد لهم ، يتزينون فيه ، ويجتمعون في كل سنة .

وقيل : هو يوم النيروز .

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : يوم عاشوراء .

( وأن يحشر الناس ضحى ) أي : وقت الضحوة نهارا جهارا ، ليكون أبعد من الريبة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال» موسى «موعدكم يوم الزينة» يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون «وأن يُحشر الناس» يجمع أهل مصر «ضحى» وقته للنظر فيما يقع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال موسى لفرعون: موعدكم للاجتماع يوم العيد، حين يتزيَّن الناس، ويجتمعون من كل فج وناحية وقت الضحى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولقد حكى القرآن أن موسى - عليه السلام - قد قيل تحدى فرعون ، ورد عليه يقول : ( قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى ) .والمراد بيوم الزينة : يوم كانوا يتزينون فيه ، ويجتمعون فيه ، لأنه يوم عيد لهم .قيل إنه كان يوم عاشوراء ، وقيل يوم النيروز .

.

.أى : قال موسى لفرعون : موعد المنازلة بينى وبينكم هو يوم زينتكم وعيدكم ، وفى هذا اليوم أطلب منكم أن يجمع الناس جميعا فى وقت الضحى عند ارتفاع الشمس ، لكى يشهدوا ما سيكون بينى وبين سحرتك يا فرعون .وبذلك نرى أن موسى - عليه السلام - قد قابل تهديد فرعون له ، بتهديد أشد وأعظم ، فقد طلب منه أن يكون موعد المبارزة يوم العيد ، كما طلب منه - أيضا - أن يجمع الناس فى وقت الضحى لكى يشاهدوا تلك المبارة .قال صاحب الكشاف : وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم ، ليكون علو كلمة الله ، وظهور دينه ، وكبت الكافر ، وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد وفى المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب فى اتباع الحق ، ويكل حد المبطلين واشياعهم ، ويكثر الحديث بذلك فى كل بدو وحضر ، ويشيع فى جميع أهل الوبر والمدر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: يحتمل أن قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ ﴾ أن يكون من قول فرعون فبين الوقت ويحتمل أن يكون من قول موسى عليه السلام، قال القاضي والأول أظهر لأنه المطالب بالاجتماع دون موسى عليه السلام، وعندي الأظهر أنه من كلام موسى عليه السلام لوجوه: أحدها: أنه جواب لقول فرعون فاجعل بيننا وبينك موعداً.

وثانيها: وهو أن تعيين يوم الزينة يقتضي اطلاع الكل على ما سيقع فتعيينه إنما يليق بالمحق الذي يعرف أن اليد له لا المبطل الذي يعرف أنه ليس معه إلا التلبيس.

وثالثها: أن قوله: موعدكم خطاب للجمع فلو جعلناه من فرعون إلى موسى وهرون لزم إما حمله على التعظيم وذلك لا يليق بحال فرعون معهما أو على أن أقل الجمع إثنان وهو غير جائز أما لو جعلناه من موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه استقام الكلام.

المسألة الثانية: يوم الزينة قرأ بعضهم بضم الميم وقرأ الحسن بالنصب قال الزجاج: إذا رفع فعلى خبر المبتدأ والمعنى وقت موعدكم يوم الزينة ومن نصب فعلى الظرف معناه موعدكم يقع يوم الزينة وقوله: ﴿ وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى ﴾ معناه موعدكم حشر الناس ضحى فموضع أن يكون رفعاً ويجوز فيه الخفض عطفاً على الزينة كأنه قال موعدكم يوم الزينة ويوم يحشر الناس ضحى فإن قيل ألستم قلتم في تفسير قوله: ﴿ أَجَعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً  ﴾ إن التقدير اجعل مكان موعد لا نخلفه مكاناً سوى فهذا كيف يطابقه الجواب بذكر الزمان؟

قلنا هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظاً لأنهم لابد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان معين مشهود باجتماع الناس في ذلك اليوم فبذكر الزمان علم المكان.

المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في يوم الزينة وجوهاً: أحدها: أنه يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وثانيها: قال مقاتل يوم النيروز.

وثالثها: قال سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

ورابعها: قال ابن عباس يوم عاشوراء، وإنما قال يحشر فإنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حاشر لهم، وقرئ وأن يحشر الناس بالياء والتاء يريد وأن تحشر الناس يا فرعون وأن يحشر اليوم ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون ذكره بلفظ الغيبة، إما على العادة التي تخاطب بها الملوك أو خاطب القوم بقوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ ﴾ وجعل ضمير يحشر لفرعون وإنما أوعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله تعالى وظهور دينه وكبت الكافر وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد في المجمع العام ليكثر المحدث بذلك الأمر العجيب في كل بدو وحضر ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر، قال القاضي: إنه عين اليوم بقوله: ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ ثم عين من اليوم وقتاً معيناً بقوله: ﴿ وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى ﴾ وأما قوله: ﴿ فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى ﴾ فاعلم أن التولي قد يكون إعراضاً وقد يكون انصرافاً والظاهر هاهنا أنه بمعنى الانصراف وهو مفارقته موسى عليه السلام على الموعد الذي تواعدوا للاجتماع فيه، قال مقاتل: فتولى أي أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ودخل تحت قوله: ﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ﴾ السحرة وسائر من يجتمع لذلك ويدخل فيه الآلات وسائر ما أوردته السحرة ﴿ ثُمَّ أتى ﴾ دخل تحت أتى الموضع بالسحرة وبالقوم وبالآلات قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا وقيل كانوا أربعمائة وقيل أكثر من ذلك ثم ضربت لفرعون قبة فجلس فيها ينظر إليهم وكان طول القبة سبعين ذراعاً ثم بين تعالى أن موسى عليه السلام قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير مما قالوه وأقدموا عليه فقال: ﴿ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً ﴾ بأن تزعموا بأن الذي جئت به ليس بحق وأنه سحر فيمكنكم معارضتي، قال الزجاج: يجوز في انتصاب ويلكم أن يكون المعنى ألزمهم الله ويلا إن افتروا على الله كذبا ويجوز على النداء كقوله: ﴿ ياويلتا ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ  ﴾ ، ﴿ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا  ﴾ وقوله: ﴿ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ﴾ أي يعذبكم عذاباً مهلكاً مستأصلاً وقرأ حمزة وعاصم والكسائي برفع الياء من الإسحات والباقون بفتحها من السحت والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم والسحت لغة أهل الحجاز فكأنه تعالى قال: من افترى على الله كذباً حصل له أمران: أحدهما: عذاب الاستئصال في الدنيا أو العذاب الشديد في الآخرة وهو المراد من قوله: ﴿ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ﴾ .

والثاني: الخيبة والحرمان عن المقصود وهو المراد بقوله: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى ﴾ ثم بين سبحانه وتعالى أنه لم قال موسى عليه السلام ذلك أعرضوا عن قوله: ﴿ فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ وفي تنازعوا قولان: أحدهما: تفاوضوا وتشاوروا ليستقروا على شيء واحد.

والثاني: قال مقاتل: اختلفوا فيما بينهم ثم قال بعضهم: دخل في التنازع فرعون وقومه ومنهم من يقول: بل هم السحرة وحدهم والكلام محتمل وليس في الظاهر ما يدل على الترجيح وذكروا في قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى ﴾ وجوهاً: أحدها: أنهم أسروها من فرعون وعلى هذا التقدير فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما إن نجواهم قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه.

والثاني: قال قتادة إن كان ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر.

الثالث: قال وهب لما قال: ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ الآية قالوا ما هذا بقول ساحر.

القول الثاني: أنهم أسروا النجوى من موسى وفرعون ونجواهم هو قولهم: ﴿ إِنْ هاذان لساحران يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ  ﴾ وهو قول السدي.

الوجه الثالث: أنهم أسروا النجوى من موسى وهرون ومن فرعون وقومه أيضاً وكان نجواهم أنهم كيف يجب تدبير أمر الحبال والعصي وعلى أي وجه يجب إظهارها فيكون أوقع في القلوب وأظهر للعيوب وهو قول الضحاك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لا يخلو الموعد في قوله: ﴿ فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً ﴾ من أن يجعل زماناً أو مكاناً أو مصدراً.

فإن جعلته زماناً نظراً في أن قوله تعالى: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ مطابق له، لزمك شيئان أن تجعل الزمان مخلفاً، وأن يعضل عليك ناصب مكاناً: وإن جعلته مكاناً لقوله تعالى: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ لزمك.

أيضاً أن توقع الإخلاف على المكان، وأن لا يطابق قوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ وقراءة الحسن غير مطابقة له مكاناً وزمانا جميعاً، لأنه قرأ ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ بالنصب، فبقي أن يجعل مصدراً بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف، أي: مكان موعد، ويجعل الضمير في ﴿ نُخْلِفُهُ ﴾ للموعد و ﴿ مَكَاناً ﴾ بدل من المكان المحذوف.

فإن قلت: فكيف طابقه قوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ ولا بد من أن تجعله زماناً، والسؤال واقع عن المكان لاعن الزمان؟

قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظاً، لأنهم لابد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه، مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان.

وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير.

والمعنى: إنجاز وعدكم يوم الزينة.

وطباق هذا أيضاً من طريق المعنى.

ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف، ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه.

فإن قلت: فيم ينتصب مكاناً؟

قلت: بالمصدر.

أو بفعل يدل عليه المصدر.

فإن قلت: فكيف يطابقه الجواب؟

قلت: أما على قراءة الحسن فظاهر.

وأما على قراءة العامة فعلى تقدير: وعدكم وعد يوم الزينة.

ويجوز على قراءة الحسن أن يكون ﴿ موعدكم ﴾ مبتدأ، بمعنى الوقت.

و ﴿ ضُحًى ﴾ خبره، على نية التعريف فيه لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه.

وقيل في يوم الزينة: يوم عاشوراء، ويوم النّيروز، ويوم عيد كان لهم في كل عام، ويوم كانوا يتخذون فيه سوقاً ويتزينون ذلك اليوم.

قرئ ﴿ نخلفه ﴾ بالرفع على الوصف للموعد.

وبالجزم على جواب الأمر.

وقرئ ﴿ سوى ﴾ وسوى، بالكسر والضم، ومنوّناً وغير منوّن.

ومعناه: منصفاً بيننا وبينك عن مجاهد، وهو من الاستواء؛ لأنّ المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية لا تفاوت فيها.

ومن لم ينوّن فوجهه أن يجري الوصل مجرى الوقف.

قرئ: ﴿ وأن تحشر الناس ﴾ بالتاء والياء.

يريد: وأن تحشر يا فرعون.

وأن يحشر اليوم.

ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون ذكره بلفظ الغيبة إما على العادة التي يخاطب بها الملوك، أو خاطب القوم بقوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ ﴾ وجعل ﴿ يُحْشَرُ ﴾ لفرعون.

ومحل ﴿ وَأَن يُحْشَرَ ﴾ الرفع أو الجرّ، عطفاً على اليوم أو الزينة: وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علوّ كلمة الله وظهور دينه وكبت الكافر، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد وفي المجمع الغاصّ لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكلّ حدّ المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ يَدُلُّ عَلى مَكانٍ مُشْتَهِرٍ بِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ بِإضْمارٍ مِثْلَ مَكانَ مَوْعِدِكم مَكانَ يَوْمِ الزِّينَةِ كَما هو عَلى الأوَّلِ، أوْ وعْدُكم وعْدُ يَوْمِ الزِّينَةِ، وقُرِئَ «يَوْمَ» بِالنَّصْبِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِهِما المَصْدَرُ، ومَعْنى ﴿ سُوًى ﴾ مُنْتَصِفًا يَسْتَوِي مَسافَتُهُ إلَيْنا وإلَيْكَ وهو في النَّعْتِ كَقَوْلِهِمْ: قَوْمٌ عَدِيٌّ في الشُّذُوذِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالضَّمِّ، وقِيلَ في يَوْمِ الزِّينَةِ يَوْمُ عاشُوراءَ، أوْ يَوْمُ النَّيْرُوزِ، أوْ يَوْمُ عِيدٍ كانَ لَهم في كُلِّ عامٍ، وإنَّما عَيَّنَهُ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ويَزْهَقَ الباطِلُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ ويَشِيعَ ذَلِكَ في الأقْطارِ.

﴿ وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى ﴾ عُطِفَ عَلى الـ ( يَوْمُ ) أوِ ( الزِّينَةِ )، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ فِرْعَوْنَ والياءِ عَلى أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ الـ ( يَوْمُ ) أوْ ضَمِيرَ ( فِرْعَوْنُ ) عَلى أنَّ الخِطابَ لِقَوْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال موعدكم يوم الزينة} مبتدأ وخبر وهو يوم عيد كان لهم أو يوم النيروز أو يوم عاشوراء وإنما استقام الجواب بالزمان وان كان السؤال عن المكان على تأويل الأول لأن اجتماعهم يوم الزينة يكون في مكان لا محالة فبذكر الزمان علم المكان وعلى الثاني تقديره وعدكم وعد يوم الزينة {وأن يحشر الناس} أي تجمع في موضع رفع أو جر عطفا على يوم أو الزينة {ضحى} أي وقت الضحوة

طه (٦٣ - ٦٠)

لنكون أبعد عن الريبة وأبين لكشف الحق وليشيع في جميع اهل الوبر والمدر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ في البَحْرِ: وأبْعَدُ مَن قالَ إنَّ القائِلَ فِرْعَوْنُ ولَعَمْرِي إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وكَأنَّ الَّذِي اضْطَرَّ قائِلُهُ الخَبَرَ السّابِقَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَلْيَتَذَكَّرْ ﴿ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ هو يَوْمُ عِيدٍ كانَ لَهم في كُلِّ عامٍ يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ ويُزَيِّنُونَ أسْواقَهم كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وقِيلَ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ وكانَ رَأْسُ سَنَتِهِمْ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَوْمُ عاشُوراءَ وبِذَلِكَ فُسِّرَ في قَوْلِهِ  : ( «مَن صامَ يَوْمَ الزِّينَةِ أدْرَكَ ما فاتَهُ مِن صِيامِ تِلْكَ السَّنَةِ، ومَن تَصَدَّقَ يَوْمَئِذَ بِصَدَقَةٍ أدْرَكَ ما فاتَهُ مِن صَدَقَةِ تِلْكَ السَّنَةِ» )، وقِيلَ: يَوْمَ كَسْرِ الخَلِيجِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ باقٍ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: يَوْمَ سُوقٍ لَهم، وقِيلَ: يَوْمُ السَّبْتِ وكانَ يَوْمَ راحَةٍ ودَعَةٍ فِيما بَيْنَهم كَما هو اليَوْمُ كَذَلِكَ بَيْنَ اليَهُودِ، وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ اخْتِيارُ أنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ صادَفَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وكانَ يَوْمَ سَبْتٍ.

والظّاهِرُ أنَّ المَوْعِدَ هاهُنا اسْمُ زَمانٍ لِلْإخْبارِ عَنْهُ بِيَوْمِ الزِّينَةِ أيْ زَمانَ وعْدِكُمُ اليَوْمَ المُشْتَهِرَ فِيما بَيْنَكم، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَعْدِ بَلْ صَرَّحَ بِزَمانِهِ مَعَ أنَّهُ أوَّلُ ما طَلَبَهُ اللَّعِينُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْغَبُ مِنهُ فِيهِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن قَطْعِ الشُّبْهَةِ وإقامَةِ الحُجَّةِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ طَلَبِهِ إيّاهُ فَلا يَنْبَغِي لَهُ طَلَبُهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ وُثُوقِهِ مِن أمْرِهِ، ولِذا خَصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الأزْمِنَةِ يَوْمَ الزِّينَةِ الَّذِي هو يَوْمٌ مَشْهُودٌ ولِلِاجْتِماعِ مَعْدُودٌ، ولَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ السَّلامُ المَكانَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّعِينُ لِأنَّهُ بِناءً عَلى المَعْنى الأوَّلِ والثّالِثِ فِيهِ إنَّما ذَكَرَهُ اللَّعِينُ إيهامًا لِلتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يُرِيدُ بِذَلِكَ إظْهارَ الجَلادَةِ فَأعْرَضَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذِكْرِهِ مُكْتَفِيًا بِذِكْرِ الزَّمانِ المَخْصُوصِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِغْنائِهِ عَنْ ذَلِكَ وأنَّ كُلَّ الأمْكِنَةِ بَعْدَ حُصُولِ الِاجْتِماعِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ.

وأمّا عَلى المَعْنى الثّانِي فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اكْتَفى عَنْ ذَلِكَ بِما يَسْتَدْعِيهِ يَوْمُ الزِّينَةِ فَإنَّ مِن عادَةِ النّاسِ في الأعْيادِ في كُلِّ وقْتٍ وكُلِّ بَلَدٍ الخُرُوجَ إلى الأمْكِنَةِ المُسْتَوِيَةِ والِاجْتِماعِ في الأرْضِ السَّهْلَةِ الَّتِي لا يَمْنَعُ فِيها شَيْءٌ عَنْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِالجُمْلَةِ قَدْ أخْرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّسْلِيمُ جَوابَهُ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ الكَلِيمِ ودَرُّهُ النَّظِيمُ، وقِيلَ: المَوْعِدُ هاهُنا مَصْدَرٌ أيْضًا ويُقَدَّرُ مُضافٌ لِصِحَّةِ الأخْبارِ أيْ وعْدُكم وعْدُ يَوْمِ الزِّينَةِ، ويَكْتَفِي عَنْ ذِكْرِ المَكانِ بِدَلالَةِ يَوْمِ الزِّينَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَوْعِدُ في السُّؤالِ اسْمُ مَكانٍ وجَعْلُهُ مُخَلَّفًا عَلى التَّوَسُّعِ كَما في قَوْلِهِ: ويَوْمًا شَهِدْنا أوِ الضَّمِيرُ في ﴿ لا نُخْلِفُهُ ﴾ لِلْوَعْدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ اسْمُ المَكانِ عَلى حَدِّ ﴿ اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ أوْ لِلْمَوْعِدِ بِمَعْنى الوَعْدِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، والجُمْلَةُ في الِاحْتِمالَيْنِ مُعْتَرِضَةٌ.

ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً إذْ لا بُدَّ في جُمْلَةِ الصِّفَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُوفِ بِعَيْنِهِ، والقَوْلُ بِحَذْفِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ و(مَكانًا) عَلى ما قالَ أبُو عَلِيٍّ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأجْعَلَ، وقِيلَ: بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، والمَوْعِدُ في الجَوابِ اسْمُ زَمانٍ ومُطابَقَةُ الجَوابِ مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ يَدُلُّ عَلى مَكانٍ مُشْتَهِرٍ بِاجْتِماعِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ فِيهِ أوْ هو اسْمُ مَكانٍ أيْضًا، ومَعْناهُ مَكانُ وُقُوعِ المَوْعُودِ بِهِ لا مَكانَ لَفْظِ الوَعْدِ كَما تُوُهِّمَ ويُقَدَّرُ مُضافٌ لِصِحَّةِ الأخْبارِ أيْ مَكانَ يَوْمِ الزِّينَةِ والمُطابَقَةُ ظاهِرَةٌ، وقِيلَ: المَوْعِدُ في الأوَّلِ مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ أعْنِي مَكانَ وأُقِيمَ هو مَقامَهُ ويَجْعَلُ (مَكانًا) تابِعًا لِلْمُقَدَّرِ أوْ مَفْعُولًا ثانِيًا؛ وفي الثّانِي إمّا اسْمُ زَمانٍ ومَعْناهُ زَمانُ وُقُوعِ المَوْعُودِ بِهِ لا لَفْظُ الوَعْدِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: قالُوا الفِراقُ فَقُلْتُ مَوْعِدُهُ غَدِ والمُطابَقَةُ مَعْنَوِيَّةٌ وإمّا اسْمُ مَكانٍ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ في الخَبَرِ والمُطابَقَةُ ظاهِرَةٌ كَما سَمِعْتَ، وإمّا مَصْدَرٌ أيْضًا ويُقَدَّرُ مُضافانِ أحَدُهُما في جانِبِ المُبْتَدَأِ والآخَرُ في جانِبِ الخَبَرِ أيْ مَكانُ وعْدِكم مَكانُ يَوْمِ الزِّينَةِ وأمْرُ المُطابَقَةَ لا يَخْفى، وقِيلَ: يُقَدَّرُ في الأوَّلِ مُضافانِ أيْ مَكانُ إنْجازِ وعْدِكم أوْ مُضافٌ واحِدٌ لَكِنْ تَصِيرُ الإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، والأظْهَرُ تَأْوِيلُ المَصْدَرِ بِالمَفْعُولِ وتَقْدِيرُ مُضافٍ في الثّانِي أيْ مَوْعِدُكم مَكانَ يَوْمِ الزِّينَةِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَوَهُّمٍ باطِلٍ أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: هو في الأوَّلِ والثّانِي اسْمُ زَمانٍ ولا (نُخْلِفُهُ) مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ والأصْلُ لا نَخْلُفُ فِيهِ و(مَكانًا) ظَرْفٌ لِاجْعَلْ وإلى هَذا أشارَ في الكَشْفِ فَقالَ: لَعَلَّ الأقْرَبَ مَأْخَذًا أنْ يُجْعَلَ المَكانُ مُخَلَّفًا عَلى الِاتِّساعِ والطِّباقِ مِن حَيْثُ المَعْنى أوِ المَعْنى اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ في مَكانٍ سُوًى مُنْصِفٍ زَمانَ وعْدٍ لا نُخْلِفُ فِيهِ فالمُطابَقَةُ حاصِلَةٌ لَفْظًا ومَعْنًى و(مَكانًا) ظَرْفُ لَغْوٍ.

انْتَهى.

واعْتُرِضَ بِما لا يَخْفى رَدُّهُ عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِأطْرافِ كَلامِنا.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاحْتِمالاتِ في هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا والأوْلى مِنها ما هو أوْفَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ مَعَ قِلَّةِ الحَذْفِ والخُلُوِّ عَنْ نَزْعِ الخَفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وقَتادَةُ الجَحْدَرِيُّ، وهُبَيْرَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ( يَوْمَ الزِّينَةِ ) بِنَصْبِ ( يَوْمَ ) وهو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالمَوْعِدِ المَصْدَرُ لِأنَّ المَكانَ والزَّمانَ لا يَقَعانِ في زَمانٍ بِخِلافِ الحَدَثِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ لِحُصُولِهِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الزَّمانَ لا يَكُونُ ظَرْفًا لِلزَّمانِ ظَرْفِيَّةً حَقِيقِيَّةً لِأنَّهُ يَلْزَمُ حُلُولُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، وأمّا مِثْلُ ضُحى اليَوْمِ في اليَوْمِ فَهو مِن ظَرْفِيَّةِ الكُلِّ لِأجْزائِهِ وهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ كَذا قِيلَ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ.

وقِيلَ: إنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِظاهِرِ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ المَوْعِدِ أوَّلًا مَصْدَرًا أيْضًا لِأنَّ الثّانِيَ عَيْنُ الأوَّلِ لِإعادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً، وفي الكَشْفِ لَعَلَّ الأقْرَبَ مَأْخَذًا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ زَمانًا، والثّانِي مَصْدَرًا أيْ وعْدُكم كائِنٌ يَوْمَ الزِّينَةِ.

والجَوابُ مُطابِقٌ مَعْنًى دُونَ تَكَلُّفٍ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ: زَمانُ الوَعْدِ يَوْمُ كَذا رَفْعًا وبَيْنَ: الوَعْدُ يَوْمَ كَذا نَصْبًا في الحاصِلِ بَلْ هو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِاشْتِمالِهِ عَلى زِيادَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى ﴾ عَطْفٌ عَلى الزِّينَةِ، وقِيلَ: عَلى يَوْمٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى التَّأْوِيلِ، وانْتَصَبَ (ضُحًى) عَلى الظَّرْفِ وهو ارْتِفاعُ النَّهارِ ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، والضَّحاءُ بِفَتْحِ الضّادِ مَمْدُودٌ مُذَكَّرٌ، وهو عِنْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ الأعْلى.

وجُوِّزَ عَلى القِراءَةِ بِنَصْبِ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ (مَوْعِدُكُمْ) مُبْتَدَأً بِتَقْدِيرِ وقْتٍ مُضافٍ إلَيْهِ عَلى أنَّهُ مِن بابِ أتَيْتُكَ خُفُوقَ النَّجْمِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ (وضُحًى) خَبَرُهُ عَلى نِيَّةِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِأنَّهُ ضُحى ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ ولَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَمْ يَكُنْ مُطابِقًا لِمَطْلَبِهِمْ حَيْثُ سَألُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْعِدًا مُعَيَّنًا لا يُخْلَفُ وعْدُهُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْعِدُ زَمانًا (وضُحًى) خَبَرُهُ و(يَوْمُ الزِّينَةِ) حالًا مُقَدَّمًا وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنْ تَعْرِيفِ ضُحًى ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّعْرِيفَ بِمَعْنى التَّعْيِينِ مَعْنًى لا عَلى مَعْنى جَعَلَ (ضُحًى) أحَدَ المَعارِفِ الِاصْطِلاحِيَّةِ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أنْ يُحْشَرَ) عَطْفًا عَلى المَوْعِدِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْجازُ مَوْعِدِكم وحَشْرُ النّاسِ ضُحًى في يَوْمِ الزِّينَةِ.

وكَأنَّهُ جَعَلَ المَوْعِدَ عِبارَةً عَمّا يَتَجَدَّدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وغَيْرِهِما سِوى الحَشْرِ ثُمَّ عَطْفُ الحَشْرِ عَلَيْهِ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ ا هـ وهو كَما تَرى.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والجَحْدَرِيُّ وأبُو عُمْرانَ الجَوْنِيُّ وأبُو نَهِيكٍ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ ( تَحْشُرَ النّاسَ ) بِتاءِ الخِطابِ ونَصْبِ ( النّاسَ ) والمُخاطَبُ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ.

ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم قَرَؤُوا بِياءِ الغَيْبَةِ ونَصْبِ ( النّاسَ ) والضَّمِيرُ في ( يُحْشَرَ ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وجِيءَ بِهِ غائِبًا عَلى سُنَنِ الكَلامِ مَعَ المُلُوكِ، وإمّا لِلْيَوْمِ والإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما في صامَ نَهارَهُ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: الفاعِلُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ وأنْ يَحْشُرَ الحاشِرُ النّاسَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ الفاعِلِ في مِثْلِ هَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، نَعَمْ قِيلَ في مَثَلِهِ: إنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى اسْمِ الفاعِلِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مِنْها خَلَقْناكُمْ، يعني: آدم  خلقناه من الأرض، وَفِيها نُعِيدُكُمْ بعد موتكم، وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ يعني: نحييكم ونخرجكم من الأرض تارَةً أُخْرى.

ثم رجع إلى قصة فرعون فقال: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها، يعني: العلامات والدلائل، فَكَذَّبَ بالآيات، وَأَبى أن يسلم.

قالَ فرعون وقومه: أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً ، يعني: لا نجاوزه مكاناً سوى ذلك المكان، وهذه قراءة نافع وأبي عمرو والكسائي وابن كثير يقرءون بالكسر، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة سُوىً بضم السين ومعناه: الإنصاف، وقال بعضهم: سُوى وسِوَى لغتان، وقال مجاهد: مكاناً منصفاً بينهم، وقال السدي: أي: عدلاً بينهم، وقال القتبي: أي وسطاً بين الفريقين.

قوله عز وجل: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، يعني: يوم عيد لهم، وهو يوم النيروز.

وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «هو يوم عاشوراء» .

وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى، يعني: إذا حشر الناس واجتمعوا على وقت الضحى، فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ يعني: رجع إلى أهله، فَجَمَعَ كَيْدَهُ يعني: سحرته، ثُمَّ أَتى يعني: أتى الميعاد.

قرأ بعضهم: يَوْمُ الزِّينَةِ بنصب الميم، والمعنى: يقع في يَوْمُ الزِّينَةِ وقراءة العامة يَوْمُ الزِّينَةِ رفع على معنى خبر الابتداء.

ثم قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً، يعني: ضيّق الله عليكم الدنيا، لا تختلقوا على الله كذباً قال الزجاج: وَيْلَكُمْ منصوب على أن ألزمهم الله ويلاً، قال: ويجوز أن يكون على النداء كما قال: يا وَيْلَتَنا [الكهف: 49] فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ، يعني: يأخذكم بعذاب ويهلككم.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص فَيُسْحِتَكُمْ بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ الباقون فَيُسْحِتَكُمْ بالنصب وهما لغتان.

يقال: سحته وأسحته إذا استأصله وأهلكه.

وَقَدْ خابَ، يعني: خسر مَنِ افْتَرى يعني: اختلق على الله كذبا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ ...

الآية جُمْلَةَ ما دُعي إليه فرعون الإيمان، وإرْسال بني إسْرَائِيل، وأَما تعذِيبُه بني إسْرَائيل، فبذبح أَولادِهم، وتسخِيرهم وإذْلاَلهم.

وقولهما: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يحتمل أنْ يكون آخر كلام فيقوى أنْ يكون السلامُ بمعنى التَّحِيَّة كأَنَّهما رَغِبَا بها عنه، وجَرَيَا على العُرْف في التسلِيم عند الفَرَاغِ مِنَ القول.

ويحتمل أَنْ يكون في دَرْجِ القول، فيكون خبراً بأن السلامة للمهتدين، وبهذين المعنيين قالت كلّ فرقة من العلماء.

وقوله سبحانه: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قالت فرقة: المعنى أَعطى كل موجود من مخلوقاتِه خلْقته، وصورته، أي: أكمل ذلك له، وأتقنه ثُمَّ هَدى، أي: يسّر كُلَّ شيء لمنافعه وهذا أحسنُ ما قيل هنا، وأشرف معنىً وأعم في الموجودات.

وقول فرعونَ: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يحتمل أن يريد ما بال القرون الأولى لم تبعث لها، ولم يوجدْ أمرك عندها؟

ويحتمل أن يريد فرعون قطعَ الكلام، والرجوعَ إلى/ ١٠ ب سؤال موسى عن حالة مَنْ سلف من الأمم روغاناً في الحجّة، وحَيْدَةً.

وقيل: البالُ: الحالُ، فكأنه سأله عن حالهم، وقولُ موسى [عليه السلام] : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يريد في اللّوح المحفوظ، ولا يَضِلُّ: معناه لا ينتلف ويعمه، «والأزواج» هنا: بمعنى الأنواع.

وقوله: شَتَّى نعت للأزواج، أي: مختلفة.

وقوله كُلُوا وَارْعَوْا بمعنى هي صالحةٌ للأكل والرعي، فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال، وأهزها للنفوس.

والنُّهى جمع نُهْيَةٍ، والنُّهْيَةُ: العَقْلُ النَّاهِي عن القبائح.

وقوله سبحانه: مِنْها خَلَقْناكُمْ يريد من الأَرض وَفِيها نُعِيدُكُمْ أَيْ: بالموت، والدفن.

وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ أيْ: بالبعث ليوم القيامة.

وقوله: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا إخبار لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم.

وقوله كُلَّها عائد على الآيات التي رآها فرعون، لا أنه رأى كلَّ آية للَّه عز وجل وإنما المعنى: أن اللَّه أراه آيات ما كاليد، والعصا، والطّمْسة، وغير ذلك.

وكانت رؤيتُه لهذه الآياتِ مستوعبة يرى الآياتِ كلَّها كاملةً.

ومعنى سُوىً أَيْ: عَدْلاً ونصفَه، أي:

حالنا فيه مُستَوِيَة.

وقالت فرقة: معناه مستوياً من الأرض لا وهْدَ فيه، ولا نشز، فقال موسَى:

مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وروي أَنَّ يوم الزينة كان عيداً لهم، ويوماً مشهوراً.

وقيل: هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم.

وقوله: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ عطفاً على الزِّينَةِ فهو في موضع خفض.

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي: جمع السحرةَ، وأمرهم بالاِسْتعدَادِ لموسى، فهذا هو كيدُه.

ثُمَّ أَتى فرعونُ بجمعه، فقال موسى للسحرة: وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً وهذه مُخَاطَبةُ مُحَذّر «١» ، وندبَهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه، وألّا يباهتوا بكذب فَيُسْحِتَكُمْ أيّ: فيهلككم، ويذهبكم، فلما سمع السَّحَرَةُ هذه المقالةَ، هالهم هذا المنزع، ووقع في نفوسهم من هَيْبتِه شديد الموقع.

وفَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ والتنازُعُ يقتضي اختلافا كان بينهم في السرِّ فقائلٌ منهم يقول: هو محقٌّ، وقائل يقول: هو مُبْطل، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى عليه السلام والنَّجْوى المسارة، أي: كل واحد يناجي مَنْ يليه سِرّاً مخافةً من فرعون أن يتبين له فيهم ضعف.

وقالت فرقة: إنما كان تناجِيهم بالآية التي بعد هذا.

إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ والكسائيُّ «١» : «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ» فقالت فرقةٌ: قوله: «إِن» بمعنى: نعم كما قال صلى الله عليه وسلّم إن الحمدُ للَّه، برفع الحمد.

وقالت فرقةٌ: إنّ هذه القراءةَ على لغةِ بَلْحَارِث بن كعْب، وهي إبقاء ألف التثنية في حال النَّصْبِ، والخِفْضِ، وتعزى هذه اللغة لكِنَانةَ، وتُعْزى لخثْعَم.

وقال الزجاج «٢» : في الكلام ضميرٌ تقديره: إنه هذان لساحران وقرأ أبو عَمْرو وَحْدَه: «إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ» .

[وقرأ ابنُ كثيرٍ: «إنْ هَذَانِّ لسَاحِرَانِّ» بتخفيف إنَّ، وتشديد نون هذان لساحران] .

«٣» .

وقرأ حفصٌ عن عاصِمٍ: «إنْ» بالتخفيف «هَذَانِ» خفيفة أَيْضاً «لَسَاحِرَانِ» .

وعبّر كَثيرٌ من المفسرين عن الطريقة بالسادة أهْل العَقْل والحِجَا وحكوا/ أن ١١ أالعرب تقول: فلان طريقة قومه، أي: سيدهم، والأظهر في الطريقة هنا أَنها السِّيرة، والمملكة، والحال الّتي كانوا عليها.

والْمُثْلى تأنِيث أَمثل، أي: الفاضلة الحسنة.

وقرأَ جمهورُ «٤» القرَّاء: «فأَجْمِعوا» : بقطْع الهمزة، وكسْرِ الميم على معنى:

انفذوا «٥» ، واعزموا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرَيْناهُ ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿ آياتِنا كُلَّها ﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ ؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿ وَأبى ﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿ قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا ﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿ بِسِحْرِكَ ﴾ ؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ﴾ ؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا ﴾ ؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿ لا نُخْلِفُهُ ﴾ ؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ.

﴿ سُوًى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ.

﴿ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ.

وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ.

فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ.

﴿ وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ ضُحًى ﴾ ؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) .

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ.

﴿ فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى.

﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ﴾ ؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ ثُمَّ أتى ﴾ ؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ.

﴿ قالَ لَهم مُوسى ﴾ ؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ.

وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُسْحِتَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) .

قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ ؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ.

وقِيلَ: ﴿ أسَرُّوا ﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا.

وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ .

.

.

" الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ.

فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] .

وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ  ﴾ ؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ.

فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ.

وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ.

وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ.

وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ ﴾ ؟

وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ.

وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ.

والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما.

قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ.

فَأمّا ﴿ المُثْلى ﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم.

قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ ؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ صَفًّا ﴾ ؛ أيْ: صُفُوفًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا.

قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ.

٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ﴾ ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى ﴾ ﴿ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِينَةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضُحًى ﴾ هَذِهِ المُقاوَلَةُ مِن فِرْعَوْنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ كانَ قَوِيَ، وكَثُرَ مُتَّبِعُوهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ووَقَعَ أمْرُهُ في نُفُوسِ الناسِ، وذَلِكَ أنَّها مُقاوَلَةُ مَن يَحْتاجُ إلى الحُجَّةِ لا مَن يَصْدَعُ بِأمْرِ نَفْسِهِ.

وأرْضُهم هي أرْضُ مِصْرَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا نَخْلُفُهُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا نَخْلُفْهُ" بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، و"نَحْنُ" تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ مِن حَيْثُ احْتاجَ الكَلامُ إلى العَطْفِ عَلَيْهِ أكَّدَ.

و"مَوْعِدًا" مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ "اجْعَلْ"، و"مَكانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ.

وهَذا الَّذِي اخْتارَ أبُو عَلِيٍّ، ومَنَعَ أنْ يَكُونَ "مَكانًا" مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: "مَوْعِدًا" لَأنَّهُ قَدْ وصَفَ، وهَذِهِ الأسْماءُ العامِلَةُ عَمَلَ الفِعْلِ إذا نُعِتَتْ أو عُطِفَ عَلَيْها أو أُخْبِرَ عنها أو صُغِّرَتْ أو جُمِعَتْ وتَوَغَّلَتْ في الِاسْمِيَّةِ بِمِثْلِ هَذا لَمْ تَعْمَلْ ولا تَعَلَّقَ بِها شَيْءٌ هو مِنها، وقَدْ يُتَوَسَّعُ في الظُرُوفِ فَتُعَلَّقُ بَعْدَ ما ذَكَرْناهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ  ﴾ ، فَقَوْلُهُ: "إذْ" مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: "لَمَقْتُ اللهِ" وهو قَدْ أخْبَرَ عنهُ، وإنَّما جازَ هَذا في الظَرْفِ خاصَّةً، وكَذَلِكَ مَنَعَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ "مَكانًا" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ السادِّ مَسَدَّ المَفْعُولِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، ومَنعَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ "مَكانًا" نَصْبًا عَلى المَفْعُولِ الثانِي بِـ "نُخْلِفُهُ"، وجَوَّزَهُ جَماعَةٌ مِنَ النُحاةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَتَّسِعَ في أنْ يُخْلِفَ المَوْعِدَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "سِوًى" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "سُوًى" بِضَمِّها، والجُمْهُورُ نَوَّنَ النُونَ، وقَرَأ الحَسَنُ: "سِوى" بِكَسْرِ السِينِ غَيْرَ نُونِ الواوِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: تَرْكُ الصَرْفِ هُنا مُشْكِلٌ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الوَقْفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَواءً"، ذَكَرَهُ أبُو عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أبِي عَيْلَةَ، ومَعْنى "سِوى" أيْ: عَدْلًا ونَصَفَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَكَأنَّهُ قالَ: مَكانًا قَرِيبًا مِنّا قُرْبَهُ مِنكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّما أرادَ: حالُنا فِيهِ مُسْتَوِيَةٌ، فَيَعُمْ ذَلِكَ القُرْبَ، وأنْ تَكُونَ المَنازِلُ فِيهِ واحِدَةً في تَعاطِي الحَقِّ، أيْ: لا يَعْتَرِضُكم فِيهِ الرِياسَةُ، وإنَّما تُقْصَدُ الحُجَّةُ، و"سُوًى" لُغَةً في "سِوى"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سُوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والفِزْرِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ لا وهْدَ فِيهِ ولا نَجْدَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: سُوًى مَكانًا هَذا.

فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِينَةِ ﴾ ، اتَّسَعَ في الظَرْفِ مَن قَرَأهُ بِرَفْعِ "يَوْمُ" فَجَعَلَهُ خَبَرًا، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، والثَقَفِيُّ: "يَوْمَ" بِالنَصْبِ عَلى الظَرْفِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، ورُوِيَ أنْ يَوْمَ الزِينَةِ كانَ عِيدًا لَهم ويَوْمًا مَشْهُورًا، وصادَفَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وكانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقِيلَ: هو يَوْمُ كَسْرِ الخَلِيجِ الباقِي إلى اليَوْمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْ يُحْشَرَ ﴾ عَطْفٌ عَلى "الزِينَةِ" فَهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: مَوْعِدُكم أنْ يَحْشُرَ، وتَعَلَّقَ عَطْفُهُ عَلى "يَوْمُ"، وفِيهِ نَظَرٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُحْشَرَ" بِرَفْعِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: "يَحْشُرَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ ونَصْبِ "الناسَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَحْشُرَ" بِالنُونِ، و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، ومَعْناهُ: نَحْشُرُ الناسَ لِمُشاهَدَةِ المُعارَضَةِ والتَهَيُّؤِ لِقَبُولِ الحَقِّ حَيْثُ كانَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة متصلة بجملة ﴿ قال فما بال القرون الأولى ﴾ [طه: 51] وجواب موسى عنها.

وافتتاحُها بفعل ﴿ قَالَ ﴾ وعدم عطفه لا يترك شكّاً في أن هذا من تمام المحاورة.

وقوله ﴿ أجِئتَنَا لِتُخْرِجَنَا من أرْضِنَا بِسِحْرِكَ ﴾ يقتضي أنه أراه آية انقلاب العصا حَيّة، وانقلاب يَده بيضاء.

وذلك ما سمّاه فرعون سِحراً.

وقد صُرح بهذا المقتضى في قوله تعالى حكاية عنهما: ﴿ قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين قال أو لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره...

﴾ الآية في سورة [الشعراء: 29- 35].

وقد استغنى عن ذكره هنا بما في جملة ﴿ ولقد أريناه آياتنا كلها ﴾ [طه: 56] من العموم الشامل لآية انقلاب العصا حيّة.

وإضافته السحرَ إلى ضمير موسى قُصد منها تحقير شأن هذا الذي سمّاه سحراً.

وأسنَدَ الإتيان بسحرٍ مثله إلى ضمير نفسه تعظيماً لشأنه.

ومعنى إتيانه بالسحر: إحضار السحرة بين يديه، أي فلنأتينك بسحر ممنْ شأنهم أن يأتوا بالسحر، إذ السحر لا بد له من ساحر.

والمماثلة في قوله ﴿ مِثْلِهِ ﴾ مماثلة في جنس السحر لا في قوته.

وإنما جعل فرعون العلّة في مجيء موسى إليه: أنها قصده أن يخرجهم من أرضهم قياساً منه على الذين يقومون بدعوة ضد الملوك أنهم إنما يبغون بذلك إزالتهم عن الملك وحلولَهم محلّهم، يعني أن موسى غرّته نفسه فحسب أنه يستطيع اقتلاع فرعون من ملكه، أي حسبتَ أنّ إظهار الخوارق يطوّع لك الأمة فيجعلونك ملكاً عليهم وتخرجني من أرضي.

فضمير المتكلم المشارك مستعمل في التعظيم لا في المشاركة، لأنّ موسى لم يصدر عنه ما يشمّ منه إخراجهم من أرضهم.

ويجوز أن يكون ضمير المتكلم المشارك مستعملاً في الجماعة تغليباً، ونزّل فرعون نفسه واحداً منها.

وأراد بالجماعة جماعة بني إسرائيل حيث قال له موسى ﴿ فأرسِلْ معنا بني إسرائيل ﴾ [طه: 47]، أي جئت لتخرج بعض الأمة من أرضنا وتطمع أن يتبعك جميع الأمّة بما تظهر لهم من سحرك.

والاستفهام في ﴿ أجِئْتَنَا ﴾ إنكاري، ولذلك فرّع عليه القسم على أن يأتيه بسحر مثله، والقسم من أساليب إظهار الغضب.

واللام لام القسم، والنون لتوكيده.

وقصد فرعون من مقابلة عمل موسى بمثله أن يزيل ما يخالج نفوس الناس من تصديق موسى وكونه على الحق، لعلّ ذلك يفضي بهم إلى الثورة على فرعون وإزالته من ملك مصر.

وفرّع على ذلك طلب تعيين موعد بينه وبين موسى ليُحضر له فيه القائمين بسحر مثل سحره.

والموعد هنا يجوز أن يراد به المصدر الميمي، أي الوعد وأن يراد به مكان الوعد، وهذا إيجاز في الكلام.

وقوله ﴿ مكاناً ﴾ بدل اشتمال من ﴿ موعداً ﴾ بأحد معنييه، لأنّ الفعل يقتضي مكاناً وزماناً فأبدل منه مكانُه.

وقوله ﴿ لا نُخْلِفُهُ ﴾ في قراءة الجمهور برفع الفعل صفةً ل ﴿ موعداً ﴾ باعتبار معناه المصدري.

وقرأه أبو جعفر بجزم الفاء من (نخلفْه) على أن (لا) ناهية.

والنهي تحذير من إخلافه.

و ﴿ سِوىً ﴾ قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي بكسر السين.

وقرأه عاصم، وحمزة، وابن عامر، ويعقوب، وخلف بضم السين وهما لغتان، فالكسر بوزن فِعَل، قال أبو عليّ: وزن فِعَل يقلُّ في الصفات، نحو: قوم عِدىً.

وقال أبو عبيدة، وأبو حاتم، والنحاس: كسر السين هو اللغة العالية الفصيحة، وهو اسم وصف مشتق من الاستواء: فيجوز أن يكون الاستواء استواء التوسط بين جهتين.

وأنشد أبو عبيدة لموسى ابن جابر الحنفي: وإن أبانا كانَ حلّ ببلدة *** سِوىً بين قيسسٍ قيس عيلان والفِزْر (الفِزر: لقب لسعد بن زيد مناةَ بن تميم هو بكسر الفاء).

والمعنى: قال مجاهد: إنه مكان نصف، وكأنّ المرادَ أنّه نصف من المدينة لئلا يشق الحضور فيه على أهل أطراف المدينة.

وعن ابن زيد: المعنى مكاناً مستوياً، أي ليس فيه مرتفعات تحجب العين، أراد مكاناً منكشفاً للناظرين ليشهدوا أعمال موسى وأعمال السحرة.

ثم تعيين الموعد غيرِ المخلَف يقتضي تعيين زمانه لا محالة، إذ لا يتصوّر الإخلاف إلاّ إذا كان للوعد وقت معيّن ومكان معيّن، فمن ثم طابقه جواب موسى بقوله ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينةِ وأن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً ﴾ .

فيقتضي أن محشر الناس في يوم الزينة كان مكاناً معروفاً.

ولعلّه كان بساحة قصر فرعون، لأنّهم يجتمعون بزينتهم ولهوهم بمرأى منه ومن أهله على عادة الملوك في المواسم.

فقوله ﴿ يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ تعيين للوقت، وقوله ﴿ وأن يُحْشَرَ النَّاسُ ﴾ تعيين للمكان، وقوله ﴿ ضُحىً ﴾ تقييد لمطلق الوقت.

والضحى: وقت ابتداء حرارة الشمس بعد طلوعها.

ويوم الزينة كان يوم عيد عظيم عند القبط، وهو يوم كسر الخليج أوالخِلجان، وهي المنافذ والترع المجعولة على النيل لإرسال الزائد من مياهه إلى الأرضين البعيدة عن مجراه للسقي، فتنطلق المياه في جميع النواحي التي يمكن وصولها إليها ويزرعون عليها.

وزيادة المياه في النيل هو توقيت السنة القبطيّة، وذلك هو أول يوم من شهر (توت) القبطي، وهو (أيلول) بحسب التاريخ الإسكندري، وذلك قبل حلول الشمس في برج الميزان بثمانية عشر يوماً، أي قبل فصل الخريف بثمانية عشر يوماً، فهو يوافق اليوم الخامس عشر من شهر تشرين (سبتمبر).

وأول أيام شهر (توت) هو يوم النيروز عند الفرس، وذلك مبني على حساب انتهاء زيادة النيل لا على حساب بروج الشمس.

واختار موسى هذا الوقت وهذا المكان لأنه يعلم أن سيكون الفلَجُ له، فأحبّ أن يكون ذلك في وقت أكثرَ مشاهِداً وأوضح رؤيةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَكانًا سُوًى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُنْصِفًا بَيْنَهم.

الثّانِي: عَدْلًا بَيْنَنا وبَيْنَكَ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: عَدْلًا وسَطًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ: وإنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سِوى بَيْنِ قَيْسٍ قَيْسَ عَيْلانِ والغَزَرْ الرّابِعُ: مَكانًا مُسْتَوِيًا يَتَبَيَّنُ لِلنّاسِ ما بَيَّنّاهُ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيُقْرَأُ سُوًى بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها، وفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظُهُما.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُما، فَهو بِالضَّمِّ المُنْصِفُ، وبِالكَسْرِ العَدْلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمَ عِيدٍ كانَ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ إسْحاقَ.

الثّانِي: يَوْمُ السَّبْتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: عاشُوراءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ يَوْمَ سُوقٍ كانُوا يَتَزَيَّنُونَ فِيها، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ قال: يوم عاشوراء.

وأخرج ابن المنذر، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة، ومن تصدق يومئذ بصدقة أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة» يعني يوم عاشوراء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال موعدكم يوم الزينة ﴾ قال: هو يوم عيد كان لهم.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال موعدكم يوم الزينة ﴾ قال: هو عيدهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ قال: يوم السوق.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه قال: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ قال: يوم العيد: يوم يتفرغ الناس من الأعمال، ويشهدون ويحضرون ويرون.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأن يحشر الناس ضحى ﴾ قال: يجتمعون لذلك الميعاد الذي واعدوه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي نهيك أنه قرأ ﴿ وأن تحشر الناس ضحى ﴾ بالتاء وأن تشحر الناس أنت قال: فرعون يحشر قومه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ ﴾ أي: موسى: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ \[إن جعلت الموعد اسمًا لزمان الوعد رفعت اليوم على خبر الابتداء، من حيث كان الثاني هو الأوّل كما ذكرنا في البيت الذي أنشده أبو الحسن\] (١) (٢) وقال أبو علي: (اليوم ظرف أشبه فيه، فجعله الأوّل لما كان فيه، وأخرج من أن يكون ظرفًا ويدل على هذا قوله: ﴿ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴾ ألا ترى أن قوله: ﴿ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ﴾ ليس من الظروف في شيء، فلولا أن اليوم في قوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ قد خرج من أن يكون ظرفًا لم يعطف عليه ما لا يكون ظرفًا) (٣) ومن قرأ: يومَ الزينة بالنصب (٤) (٥) قال أبو علي: (وعلى هذه القراءة يضمر قوله: ﴿ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴾ ما يكون مبنيًا عليه، كأنه قيل: موعدكم يقع يوم الزينة، وموعدكم أن يحشر الناس ضحى.

وإن عطفت وأن يحشر على الزينة لم يحتج إلى إضمار، ويكون المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس) (٦) واختلفوا في ﴿ يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ فقال الأكثرون: (كان ذلك يوم عيد لهم يتزينون فيه) هذا قول مجاهد، وقتادة، ومقاتل، وابن جريج، والسدي، وابن زيد، ومحمد بن إسحاق، والكلبي (٧) قال الكلبي: (ويقال: يوم سوق كانت تكون لهم يتزينون فيها) (٨) وقال سعيد بن جبير: (كان ذلك يوم عاشورا) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴾ يعني ضحى ذلك اليوم، ويريد بالناس: أهل مصر.

قال الكلبي: (يقول: يحشرون إلى العيد ضحى فينظرون إلى أمري وأمرك) (١٠) وقال الفراء: (يقول: إذا رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى فذلك الموعد) (١١) (١٢) (١٣) ﴿ أَنْ ﴾ رفع يرد على اليوم، وخفض يرد على الزينة، ويكون التقدير: يوم الزينة والحشر) (١٤) ﴿ أَنْ ﴾ رفع، المعنى: موعدكم حشر الناس ضحى، وتأويله: إذا رأيتم الناس قد حشروا ضحى.

قال: ويجوز أن يكون في موضع خفض عطفاً على الزينة، المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى) (١٥) قال الليث: (الضحو ارتفاع النهار، والضحى فوق ذلك) (١٦) وقال أبو الهيثم: (الضُّحَى على فُعَل: حين تطلع الشمس فيصفوا ضؤها، والضَحاء بالفتح والمد: إذا ارتفع النهار) (١٧) (١) ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.

(٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 227.

(٤) قرا الحسن، والمطوعي: (يومَ الزينة) بنصب يوم.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 227، "القراءات الشاذة" للقاضي ص 67.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.

(٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 227.

(٧) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "جامع البيان" 16/ 177، "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "النكت والعيون" 3/ 409، "معالم التنزيل" 5/ 279، "زاد المسير" 5/ 205، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 173، "الدر المنثور" 4/ 540، "تفسير مقاتل" 3 ب.

(٨) ذكره القرطبي في "تفسيره" 11/ 213، ونسبة لسعيد بن المسيب، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 174، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 540، ونسباه لسعيد بن جبير.

(٩) "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "بحر العلوم" 2/ 346، "معالم التنزيل" 5/ 279، "زاد المسير" 5/ 294، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 213.

(١٠) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 177، "معالم التنزيل" 5/ 279، "النكت والعيون" 3/ 409، "زاد المسير" 5/ 294، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 173، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 213.

(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 182.

(١٢) في (ص): (النا)، وهو تصحيف.

(١٣) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "جامع البيان" 16/ 177، "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "النكت والعيون" 3/ 409، "معالم التنزيل" 5/ 279، "زاد المسير" 5/ 294، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 173، "الدر المنثور" 4/ 540.

(١٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 182.

(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.

(١٦) "تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2094.

(١٧) "تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2094.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً ﴾ يحتمل أن يكون الموعد اسم مصدر أو اسم زمان أو اسم مكان، ويدل على أنه اسم مكان قوله: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ ، ولكن يضعف بقوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ ، لأنه أجاب بظرف الزمان، ويدل على أن الموعد اسم زمان قوله: ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ ولكن يضعفه بقوله: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ .

ويدل على أنه اسم مصدر بمعنى الوعد قوله: ﴿ لاَّ نُخْلِفُهُ ﴾ لأن الإخلاف إنما يوصف به الوعد لا الزمان ولا المكان.

ولكن يضعف ذلك بقوله: ﴿ مَكَاناً ﴾ وبقوله: ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ ، فلابد على كل وجه من تأويل أو إضمار، ويختلف إعراب قوله: مكاناً باختلاف تلك الوجوه.

فأما إن كان الموعد اسم مكان فيكون قوله: ﴿ مَوْعِداً ﴾ و ﴿ مَكَاناً ﴾ مفعولين لقوله: ﴿ فاجعل ﴾ ، ويطابقه قوله: ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ من طريق المعنى، لا من طريق اللفظ، وذلك أن الاجتماع في المكان يقتضي الزمان ضرورة، وإن كان الموعد اسم زمان فينتصب قوله: ﴿ مَكَاناً ﴾ على أنه ظرف زمان، والتقدير: موعداً كائناً في مكان وإن كان الموعد اسم مصدر فينتصب ﴿ مَكَاناً ﴾ على أنه مفعول بالمصدر وهو الموعد، أو بفعل من معناه، ويطابقه قوله: ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ على حذف مضاف تقديره موعدكم وعد يوم الزينة، وقرأ الحسن يوم الزينة بالنصب وذلك يطابق أن يكون الموعد اسم مصدر من غير تقدير محذوف ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ معناه: مستو في القرب منا ومنكم، وقيل: معناه مستوي الأرض ليس فيه انخفاض ولا ارتفاع، وقرئ بكسر السين وضمها، والمعنى متفق ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ يوم عيد لهم وقيل يوم عاشوراء ﴿ وَأَن يُحْشَرَ ﴾ عطف على الزينة، فهو في موضع خفض أو على اليوم فهو في موضع رفع وقصد موسى أن يكون موعدكم عند اجتماع الناس على رؤوس الأشهاد لتظهر معجزته ويستبين الحق للناس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا ﴾ لم يره جميع آياته، إنما أراه بعض آياته، لكن إن كان المراد منها الإعلام له، فقد أعلم الآيات كلها؛ لأنه إنما أراه آية واحدة أو بعض الآيات، فرؤية آية واحدة وبعضها يدل على إعلام غيرها من الآيات، فهو على الإعلام قد أعلمه كلها، وهو ما قال له موسى: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ علم اللعين أنها الآيات وليست بسحر.

أو أن يكون يريد بالآيات كلها الآيات التي أرسلها إلى موسى، فقد أراه آياته كلها، فكذب بتلك الآيات وأبى أن يصدّقها ويقبلها فيسلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ قد علم اللّعين أنه لم يجئهم ليخرجهم من أرضهم، ولكنه يريد منهم الإسلام، لكنه أراد أن يغري قومه عليه، كقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ فهذا إغراء منه قومه عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى ﴾ : قال بعضهم: ﴿ سُوًى ﴾ المكان الذي نحن فيه الآن، وغير هذا المجلس.

وقال بعضهم: مكاناً عدلاً لا نخلف نحن و [لا] أنت ذلك المكان.

وقال بعضهم: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ أي: منصفاً.

وقال القتبي: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ ، أي: وسطاً بين فريقين.

وقال الكسائي: سُوى وسِوى يريد به سواء، وهما لغتان، إلا أنه يقرأ: "سوى" وقال أبو عبيدة: هو مثل ﴿ طُوًى ﴾ وهو المنصف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ ﴾ : قال بعضهم: يوم عاشوراء.

وقال بعضهم: يوم العيد.

وقال بعضهم: يوم سوقهم، لكنّا لا نعلم ذلك، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، وهم قوم قد عرفوا ذلك، حيث رضوا بذلك ولم يتنازعوا فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ﴾ بيّنوا اليوم، وبيّنوا الوقت، وهو وقت الضحى.

﴿ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ﴾ قال بعضهم: أي: نهاراً جهاراً، كقوله: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى  ﴾ نهاراً، يعني: جهاراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ ﴾ ، أي: أقبل على أمره، وجمع كيده، ليس على الإعراض عما دعوا إليه، ثم أتى بهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: أقبل على السعي في الأرض بالفساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تفتروا على الله كذباً فيما بان لكم الحق، وظهر لكم الحجة باتخاذكم فرعون إلهاً؛ لأنكم إذا اتخذتم دونه سواه إلهاً - ولا إله غيره - فقد افتريتم عليه.

والثاني: لا تفتروا على الله كذباً فيما بأن لكم الحق وظهر لكم الحجة، فلا تفتروا على الله كذباً بقوله: إنه سحر، وإنه كذاب.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ﴾ برفع الياء ونصبها جميعاً.

﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ : قال أبو معاذ: يقال: أسحته وسحته، قهره وأقهره.

وقال أهل التأويل: أي: يهلككم ويستأصلكم بعذاب.

ثم يحتمل ذلك العذاب في الدّنيا، أوعدهم بعذاب يأتيهم إذا افتروا على الله كذباً بعدما بان الحق، وظهر لهم البرهان والحجة.

وقوله: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ﴾ في الدنيا والآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ أي: [تناجى] السحرة فيما بينهم سرّاً من فرعون، فذلك قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ من فرعون، فقال لهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ يعنون: موسى وهارون.

وقال بعضهم: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ من موسى وهارون، فنجواهم أن قالوا: ﴿ قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ﴾ والأشبه هنا أنهم اعتزلوا قومهم وأسرّوا النجوى عنهم فيما بينهم أنهما كذا.

ثم قوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ ﴾ بالألف، قال أبو عبيدة: هذه لغة قوم من العرب، يقال: مررت ورأيت رجلان، فهو على تلك اللّغة.

وقال بعضهم: إن هذه الألف لا تسقط في الوحدان بحال، يقال: مررت بهذا ورأيت هذا، ونحوه، فهو الأصل لا يحتمل السقوط في الأحوال كلها في الوحدان والتثنية.

وقال بعضهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ ، أي: نعم هذان، وذلك لغة قوم أيضاً، يقولون: (إن) مكان (نعم)، كقول القائل في آخر بيته: ....

.....

.....

*** فقُلْتُ إِنَّهْ أي نعم.

وقال بعضهم: لا، ولكن هذا خطأ من الكاتب، وكذلك عن عثمان: أنه لما نظر في الكتاب فقال: إني أرى فيه خطاباً فيقومها العرب بألسنتها، أو نحو هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ﴾ هذا القول إنما أخذوا من فرعون، حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ...

﴾ الآية [الشعراء: 35]، وقوله أيضاً حيث قال: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، علم فرعون أن ذلك ليس بسحر لكنه أراد أن يغري قومه عليه؛ لئلا يتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: بعيشكم أمثل العيش؛ لأنهم كانوا جبابرة وفراعنة، وكانوا بنو إسرائيل لهم خدماً وخولاً يستخدمونهم ويستعملونهم في حوائجهم، فكان تعيشهم بهم، فقال: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: يذهبا بأمثل عيشكم، حيث قال له موسى: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: يذهبا بدينكم ومذهبكم الأمثل؛ لأنه يقول: إن الذي يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعوهم موسى إليه هو باطل، وإنه سحر وفساد، كقوله: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ  ﴾ ، وحيث قال: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ  ﴾ ، وحيث قالوا: ﴿ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  ﴾ ، ونحوه، يدعى أن ما يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعو موسى إليه هو السحر والفساد.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: خياركم وأشرافكم والأمثل منكم.

قال القتبي: ﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ ، أي: يهلككم ويستأصلكم، يقال: سحته الله، وأسحته، وقال: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: الأشراف، ويقال: هؤلاء طريقة قومهم، أي: أشرافهم، اشتقاق الطريقة من الشريف، ويقال: أراد: بسنتكم ودينكم، و ﴿ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ : مؤنت أمثل، مثل كبرى وأكبر.

﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ ، أي: حيلتكم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: بدينكم الأفضل، وهو من الأمثل.

وقال أبو عبيدة: ﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ أي: مصلى، والصف: المصلى، وقال: حكى عن بعضهم أنه قال: ما استطعت أن آتي الصف اليوم أي: المصلى.

وقال القتبي: ﴿ صَفّاً ﴾ : أي: جميعاً، وكذلك [قال] غيره من أهل التأويل.

وقوله: ﴿ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ أي: غلب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ حرف الإجماع يستعمل في العزم مرة والاجتماع ثانياً:BR>أما في العزم فما ذكر في الخبر: "لاَ صَوْمَ لِمَنْ لَم يَجْمَع رَأيَهُ مِنَ اللَّيْل" أي: لمن لم يعزم، على ما روي في الخبر: "لا صَوْمَ لمن لم يَعْزِمُ مِنَ الليل" وأما الاجتماع فظاهر، فإن كان على الاجتماع، فكأنه قال: فاجتمعوا على عمل واحد لا تختلفوا فيه.

وعلى العزم، أي: اعرفوا شيئاً واحداً؛ واقصدوا أمراً واحداً لكي تغلبوا.

﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ قال بعضهم: جميعاً غير متفرقين، وقال بعضهم: ﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ أي: المصلى الذي كان موعود الاجتماع، وهو يوم الزينة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ قيل: من غلب، كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: غلب.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ أي: من طلب العلو، وأراد أن يسعد بما وعد فرعون للسحرة من الأجر إذا كانوا هم الغالبين، كقوله: ﴿ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ  قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ  ﴾ فذلك هو ما طلبوا منه، فأخبر أنهم يظفرون بذلك، هذا إذا كان القول من فرعون، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال موسى  لفرعون: الموعد بيننا وبينكم يوم العيد حيث يجتمع الناس محتفلين بعيدهم ضحى.

<div class="verse-tafsir" id="91.gJvel"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد