الآية ١٠٤ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ١٠٤ من سورة الأنبياء

يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍۢ نُّعِيدُهُۥ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ ١٠٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٤ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٤ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : هذا كائن يوم القيامة ، ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) كما قال تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) [ الزمر : 67 ] وقد قال البخاري : حدثنا مقدم بن محمد ، حدثني عمي القاسم بن يحيى ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين ، وتكون السماوات بيمينه " .

انفرد به من هذا الوجه البخاري ، رحمه الله .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن أبي الواصل ، عن أبي المليح الأزدي ، عن أبي الجوزاء الأزدي ، عن ابن عباس قال : يطوي الله السماوات السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة ، يطوي ذلك كله بيمينه ، يكون ذلك كله في يده بمنزلة خردلة .

وقوله : ( كطي السجل للكتب ) ، قيل : المراد بالسجل [ الكتاب .

وقيل : المراد بالسجل ] هاهنا : ملك من الملائكة .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا يحيى بن يمان ، حدثنا أبو الوفاء الأشجعي ، عن أبيه ، عن ابن عمر في قوله تعالى : ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) ، قال : السجل : ملك ، فإذا صعد بالاستغفار قال : اكتبها نورا .

وهكذا رواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن ابن يمان ، به .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن السجل ملك .

وقال السدي في هذه الآية : السجل : ملك موكل بالصحف ، فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى السجل فطواه ، ورفعه إلى يوم القيامة .

وقيل : المراد به اسم رجل صحابي ، كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا نوح بن قيس ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس : [ ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) ] ، قال : السجل : هو الرجل .

قال نوح : وأخبرني يزيد بن كعب - هو العوذي - عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال : السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم .

وهكذا رواه أبو داود والنسائي عن قتيبة بن سعيد ، عن نوح بن قيس ، عن يزيد بن كعب ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، قال : السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم .

ورواه ابن جرير عن نصر بن علي الجهضمي ، كما تقدم .

ورواه ابن عدي من رواية يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم كاتب يسمى السجل وهو قوله : ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) ، قال : كما يطوي السجل الكتاب ، كذلك نطوي السماء ، ثم قال : وهو غير محفوظ .

وقال الخطيب البغدادي في تاريخه : أنبأنا أبو بكر البرقاني ، أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي ، أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي ، أن حمدان بن سعيد حدثهم ، عن عبد الله بن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : السجل : كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم .

وهذا منكر جدا من حديث نافع عن ابن عمر ، لا يصح أصلا وكذلك ما تقدم عن ابن عباس ، من رواية أبي داود وغيره ، لا يصح أيضا .

وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه - وإن كان في سنن أبي داود - منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي ، فسح الله في عمره ، ونسأ في أجله ، وختم له بصالح عمله ، وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة ، ولله الحمد .

وقد تصدى الإمام أبو جعفر ابن جرير للإنكار على هذا الحديث ، ورده أتم رد ، وقال : لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل ، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم معروفون ، وليس فيهم أحد اسمه السجل ، وصدق رحمه الله في ذلك ، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث .

وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا ، فإنما اعتمد على هذا الحديث ، لا على غيره ، والله أعلم .

والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة ، قاله علي بن أبي طلحة والعوفي ، عنه .

ونص على ذلك مجاهد ، وقتادة ، وغير واحد .

واختاره ابن جرير; لأنه المعروف في اللغة ، فعلى هذا يكون معنى الكلام : ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) أي : على [ هذا ] الكتاب ، بمعنى المكتوب ، كقوله : ( فلما أسلما وتله للجبين ) [ الصافات : 103 ] ، أي : على الجبين ، وله نظائر في اللغة ، والله أعلم .

وقوله : ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) يعني : هذا كائن لا محالة ، يوم يعيد الله الخلائق خلقا جديدا ، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم ، وذلك واجب الوقوع ، لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل ، وهو القادر على ذلك .

ولهذا قال : ( إنا كنا فاعلين ) .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع وابن جعفر المعنى ، قالا : حدثنا شعبة ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : " إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده ، وعدا علينا إنا كنا فاعلين " ; وذكر تمام الحديث ، أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة .

ورواه البخاري عند هذه الآية في كتابه .

وقد روى ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحو ذلك .

وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) قال : نهلك كل شيء ، كما كان أول مرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ ، (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ) فيوم صلة من يحزنهم.

واختلف أهل التأويل في معنى السجلّ الذي ذكره الله في هذا الموضع فقال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة.

ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، قال : ثنا أبو الوفاء الأشجعيّ ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، في قوله ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) قال: السجِلّ: مَلَك ، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نورا.

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، قال: سمع السديّ يقول ، في قوله ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ ) قال: السجلّ: ملك.

وقال آخرون: السجلّ: رجل كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن علي ، قال : ثنا نوح بن قيس ، قال : ثنا عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس في هذه الآية ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) قال: كان ابن عباس يقول: هو الرجل.

قال : ثنا نوح بن قيس ، قال : ثنا يزيد بن كعب ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، قال: السجل: كاتب كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل هو الصحيفة التي يكتب فيها.

ذكر من قال ذلك: حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال: ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( كطي السجل للكتاب ) يقول: كطي الصحيفة على الكتاب.

حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي ، قالا ثني عمي ، قال: ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب ) يقول: كطيّ الصحف.

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال: السِّجلّ: الصحيفة.

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جُرَيج ، عن مجاهد ، قوله ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب ) قال: السجل: الصحيفة.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: السجل في هذا الموضع الصحيفة ، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب ، ولا يعرف لنبينا صلى الله عليه وسلم كاتب كان اسمه السجلّ ، ولا في الملائكة ملك ذلك اسمه.

فإن قال قائل: وكيف نطوي الصحيفة بالكتاب إن كان السجل صحيفة؟

قيل: ليس المعنى كذلك ، وإنما معناه: يوم نطوي السماء كطيّ السجل على ما فيه من الكتاب ، ثم جعل نطوي مصدرا ، فقيل ( كطي السجل للكتاب ) واللام في قوله للكتاب بمعنى على.

واختلف القرّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار ، سوى أبي جعفر القارئ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ ) بالنون ، وقرأ ذلك أبو جعفر ( يَوْم تُطْوَى السَّماءُ ) بالتاء وضمها ، على وجه ما لم يُسمّ فاعله.

والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار ، بالنون ، لإجماع الحجة من القرّاء عليه وشذوذ ما خالفه .

وأما السِّجلّ فإنه في قراءة جميعهم بتشديد اللام ، وأما الكتاب ، فإن قرّاء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة قرءوه بالتوحيد، كطي السجل للكتاب، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( للْكُتُبِ ) على الجماع.

وأولى القراءتين عندنا في ذلك بالصواب: قراءة من قرأه على التوحيد للكتاب ، لما ذكرنا من معناه ، فإن المراد منه: كطيّ السجلّ على ما فيه مكتوب ، فلا وجه إذ كان ذلك معناه لجميع الكتب إلا وجه نتبعه من معروف كلام العرب ، وعند قوله ( كَطَيِّ السِّجِلِّ ) انقضاء الخبر عن صلة قوله لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ ، ثم ابتدأ الخبر عما الله فاعل بخلقه يومئذ فقال تعالى ذكره ( كما بدأنا أول خلق نعيده ).

فالكاف التي في قوله (كَما) من صلة نعيد ، تقدّمت قبلها ، ومعنى الكلام: نعيد الخلق عُراة حفاة غُرْلا يوم القيامة ، كما بدأناهم أوّل مرّة في حال خلقناهم في بطون أمَّهاتهم ، على اختلاف من أهل التأويل في تأويل ذلك.

وبالذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ، وبه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلذلك اخترت القول به على غيره.

ذكر من قال ذلك والأثر الذي جاء فيه: حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى -وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) قال: حُفاة عُراة غُرْلا.

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله ( أول خلق نعيده ) قال: حفاة غلفا ، قال ابن جريج أخبرني إبراهيم بن ميسرة ، أنه سمع مجاهدا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحدى نسائه: " يَأْتُونَهُ حُفاةً عُرَاةً غُلْفا، فاسْتَتَرتْ بِكُمِّ دِرْعِها ، وقالَتْ وَا سَوأتاهُ" قال ابن جريج: أخبرت أنها عائشة قالت: يا نبيّ الله ، لا يحتشمُ الناس بعضهم بعضا؟

قال: " لكُلّ امْرئٍ يَوْمَئذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه ".

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، قال : ثنا سفيان ، قال: ثني المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " يُحْشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُرَاةً غُرْلا فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهيمُ" ثم قرأ ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا إسحاق بن يوسف ، قال : ثنا سفيان ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، قال: " وقام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة ، فذكره نحوه " .

حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن المغيرة بن النعمان النخَعيّ ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره نحوه " .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن شعبة ، قال : ثنا المغيرة بن النعمان النخَعيّ ، عن سعيد بن جُبير ، عن أبن عباس ، نحوه.

حدثنا عيسى بن يوسف بن الطباع أبو يحيى ، قال : ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: " إنكم مُلاقُو اللهِ مُشاةً غُرْلا ".

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن عائشة ، قالت: " دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر ، فقال: مَنْ هَذه العَجُوزُ يا عائِشةُ؟

فقلت: إحدى خالاتي ، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة ، فقال: إنّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها العَجَزةُ ، قالت: فأخذَ العجوز ما أخذها ، فقال: إنّ اللهَ يُنْشِئُهُنَّ خَلْقا غيرَ خَلْقِهِنَّ، ثم قال: يُحْشَرُونَ حُفاةً عُرَاةً غُلْفا ، فقالت: حاش لله من ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَلى إنّ الله قال: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا ) ...

إلى آخر الآية ، فأوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الله ".

حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : ثنا عبيد الله ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عطاء ، عن عقبة بن عامر الجهني ، قال: يجمع الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ، ويسمعهم الداعي ، حفاة عراة ، كما خلقوا أول يوم.

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني عباد بن العوام ، عن هلال بن حبان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يحشر الناس يوم القيامة حُفاة عراة مشاة غرلا قلت: يا أبا عبد الله ما الغرل؟

قال: الغلف ، فقال بعض أزواجه: يا رسول الله ، أينظر بعضنا إلى بعض إلى عورته؟

فقال لِكُلّ امْرئٍ يَوْمَئذٍ ما يَشْغَلُهُ عَن النَّظَر إلى عَوْرَة أَخِيهِ" ، قال هلال: قال سعيد بن جبير وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ قال: كيوم ولدته أمه ، يردّ عليه كل شيء انتقص منه مثل يوم وُلد.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: كما كنا ولا شيء غيرنا قبل أن نخلق شيئا ، كذلك نهلك الأشياء فنعيدها فانية ، حتى لا يكون شيء سوانا.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي ، قال: ثني عمي ، قال: ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) .

.

.

الآية ، قال: نهلك كل شيء كما كان أوّل مرّة.

وقوله ( وَعْدًا عَلَيْنَا ) يقول: وعدناكم ذلك وعدا حقا علينا أن نوفي بما وعدنا ، إنا كنا فاعلي ما وعدناكم من ذلك أيها الناس ، لأنه قد سبق في حكمنا وقضائنا أن نفعله ، على يقين بأن ذلك كائن ، واستعدوا وتأهبوا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يوم نطوي السماء قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والأعرج والزهري تطوى بتاء مضمومة السماء رفعا على ما لم يسم فاعله .

مجاهد ( يطوي ) على معنى يطوي الله السماء .

الباقون نطوي بنون العظمة .

وانتصاب يوم على البدل من الهاء المحذوفة في الصلة ؛ التقدير : الذي كنتم توعدونه يوم نطوي السماء .

أو يكون منصوبا ب ( نعيد ) من قوله : كما بدأنا أول خلق نعيده .

أو بقوله : لا يحزنهم أي لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم الذي نطوي فيه السماء .

أو على إضمار واذكر ، وأراد بالسماء الجنس ؛ دليله : والسماوات مطويات بيمينه .

( كطي السجل للكتاب ) قال ابن عباس ومجاهد : أي كطي الصحيفة على ما فيها ؛ فاللام بمعنى على .

وعن ابن عباس أيضا اسم كاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس بالقوي ؛ لأن كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معروفون ليس هذا منهم ، ولا في أصحابه من اسمه السجل .

وقال ابن عباس أيضا وابن عمر والسدي : السجل ملك ، وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه .

ويقال : إنه في السماء الثالثة ، ترفع إليه أعمال العباد ، يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل خميس واثنين ، وكان من أعوانه فيما [ ص: 253 ] ذكروا هاروت وماروت .

والسجل الصك ، وهو اسم مشتق من السجالة وهي الكتابة ؛ وأصلها من السجل وهو الدلو ؛ تقول : ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع دلوا ، ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة .

وقد سجل الحاكم تسجيلا .

وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب :من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكربثم بني هذا الاسم على فعل مثل حمر وطمر وبلي .

وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير ( كطي السجل ) بضم السين والجيم وتشديد اللام .

وقرأ الأعمش وطلحة ( كطي السجل ) بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام .

قال النحاس : والمعنى واحد إن شاء الله تعالى .

والتمام عند قوله : للكتاب .

والطي في هذه الآية يحتمل معنيين : أحدهما : الدرج الذي هو ضد النشر ، قال الله تعالى : والسماوات مطويات بيمينه .

والثاني : الإخفاء والتعمية والمحو ؛ لأن الله تعالى يمحو ويطمس رسومها ويكدر نجومها .قال الله تعالى : إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت ، وإذا السماء كشطت .

للكتاب وتم الكلام .

وقراءة الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيى وخلف : للكتب جمعا ثم استأنف الكلام فقال : كما بدأنا أول خلق نعيده أي نحشرهم حفاة عراة غرلا كما بدئوا في البطون .

وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا ، أول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم - عليه السلام - - ثم قرأ - كما بدأنا أول خلق نعيده أخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموعظة فقال : يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم - عليه السلام - وذكر الحديث .

وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب ( التذكرة ) مستوفى .

وذكر سفيان [ ص: 254 ] الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود قال : يرسل الله - عز وجل - ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت منه لحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأرض بالثرى .

وقرأ كما بدأنا أول خلق نعيده .

وقال ابن عباس : المعنى .

نهلك كل شيء ونفنيه كما كان أول مرة ؛ وعلى هذا فالكلام متصل بقوله : يوم نطوي السماء أي نطويها فنعيدها إلى الهلاك والفناء فلا تكون شيئا .

وقيل : نفني السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها ؛ كقوله : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات والقول الأول أصح وهو نظير قوله : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وقوله - عز وجل - : وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة وعدا نصب على المصدر ؛ أي وعدنا وعدا علينا إنجازه والوفاء به أي من البعث والإعادة ففي الكلام حذف .

ثم أكد ذلك بقوله جل ثناؤه : إنا كنا فاعلين قال الزجاج : معنى إنا كنا فاعلين إنا كنا قادرين على ما نشاء .

وقيل إنا كنا فاعلين أي ما وعدناكم وهو كما قال : كان وعده مفعولا .

وقيل : كان للإخبار بما سبق من قضائه .

وقيل : صلة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه يوم القيامة يطوي السماوات - على عظمها واتساعها - كما يطوي الكاتب للسجل أي: الورقة المكتوب فيها، فتنثر نجومها، ويكور شمسها وقمرها، وتزول عن أماكنها { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } أي: إعادتنا للخلق، مثل ابتدائنا لخلقهم، فكما ابتدأنا خلقهم، ولم يكونوا شيئا، كذلك نعيدهم بعد موتهم.

{ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } ننفذ ما وعدنا، لكمال قدرته، وأنه لا تمتنع منه الأشياء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يوم نطوي السماء ) قرأ أبو جعفر : " تطوى " بالتاء وضمها وفتح الواو و " السماء " رفع على المجهول وقرأ العامة بالنون وفتحها وكسر الواو ، و " السماء " نصب ، ( كطي السجل للكتب ) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم للكتب على الجمع وقرأ الآخرون للكتاب على الواحد واختلفوا في السجل فقال السدي : السجل ملك يكتب أعمال العباد واللام زائدة أي كطي السجل للكتب كقوله ( ردف لكم ) ( النمل 72 ) ، اللام فيه زائدة وقال ابن عباس ومجاهد والأكثرون : السجل الصحيفة للكتب أي لأجل ما كتب معناه كطي الصحيفة على مكتوبها ، والسجل اسم مشتق من المساجلة وهي المكاتبة والطي هو الدرج الذي هو ضد النشر ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة نظيره قوله تعالى : ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) ( الأنعام 94 ) ، وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إنكم محشورون حفاة عراة غرلا " ثم قرأ : ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) يعني الإعادة والبعث .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يوم» منصوب باذكر مقدراً قبله «نطوي السماء كطي السجل» اسم ملك «للكتاب» صحيفة ابن آدم عند موته واللام زائدة أو السجل الصحيفة والكتاب بمعنى المكتوب واللام بمعنى على وفي قراءة للكتب جمعاً «كما بدأنا أول خلق» من عدم «نُعيده» بعد إعدامه فالكاف متعلقة بنعيد وضميره عائد إلى أول وما مصدرية «وعداً علينا» منصوب بوعدنا مقدراً قبله وهو مؤكد لمضمون ما قبله «إنا كنا فاعلين» ما وعدناه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا يخيفهم الهول العظيم يوم القيامة، بل تبشرهم الملائكة: هذا يومكم الذي وُعِدتُم فيه الكرامة من الله وجزيل الثواب.

يوم نطوي السماء كما تُطْوى الصحيفة على ما كُتب فيها، ونبعث فيه الخلق على هيئة خَلْقنا لهم أول مرة كما ولدتهم أمهاتهم، ذلك وعد الله الذي لا يتخلَّف، وَعَدْنا بذلك وعدًا حقًا علينا، إنا كنا فاعلين دائمًا ما نَعِدُ به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - سورة الأنبياء ببيان جانب من أحوال هذا الكون يوم القيامة ، وببيان سننه فى خلقه ، وببيان نعمه على عباده ، وببيان ما أمر به نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى - : ( يَوْمَ نَطْوِي .

.

.

) .قوله - سبحانه - : ( يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ .

.

) الظرف فيه منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك ( لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ) أو بقوله - سحبانه - : ( وَتَتَلَقَّاهُمُ الملائكة ) وقوله : ( نَطْوِي ) من الطى وهو ضد النشر .

والسجل : الصحيفة التى يكتب فيها .والمراد بالكتب : ما كتب فيها من الألفاظ والمعانى ، فالكتب بمعنى المكتوبات .

واللام بمعنى على .والمعنى : إن الملائكة تتلقى هؤلاء الأخيار الذين سبقت لهم من الله - تعالى - الحسنى بالفرح والسرور ، يوم يطوى - سبحانه - السماء طيا مثل طى الصحيفة على ما فيها من كتابات .وفى هذا التشبيه إشعار بأن هذا الطى بالنسبة لقدرته - تعالى - فى منتهى السهولة واليسر ، حيث شبه طيه السماء بطى الصحيفة على ما فيها .وقيل : إن لفظ ( السجل ) اسم لملك من الملائكة ، وهو الذى يطوى كتب أعمال الناس بعد موتهم .والإضافة فى قوله ( كَطَيِّ السجل ) من إضافة المصدر إلى مفعوله ، والجار والمجرور صفة لمصدر مقدر .

أى : نطوى السماء طيا كطى الرجل أو الملك الصحيفة على ما كتب فيها .وقرأ أكثر القراء السبعة : ( للكتاب ) بالإفراد .

ومعنى القراءتين واحد لأن المراد به الجنس فيشمل كل الكتب .وقوله - تعالى - : ( كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ) بيان لصحة الإعادة قياسا على البدء ، إذ الكل داخل تحت قدرته - عز وجل - .أى : نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا إياه ، دون أن ينالنا تعب أو يمسنا لغوب ، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء : قال - تعالى - : ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .

.

) قال صاحب الكشاف : " وما أول الخلق حت يعيده كما بدأه؟

قلت : أوله إيجاده من العدم ، فكما أوجده أولا عن عدم .

يعيده ثانيا عن عدم " .وقوله - تالى - : ( وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) تأكيد للإعادة .

ولفظ " وعدا " منصوب بفعل محذوف .

و " علينا " فى موضع الصفة له .أى : هذه الإعادة وعدنا بها وعدا كائنا علينا باختيارنا وإرادتنا ، إنا كنا محققين هذا الوعد ، وقادرين عليه ، والعاقل من يقدم فى دنياه العلم الصالح الذى ينفعه عند بعثه للحساب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن التقدير لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء، أو وتتلقاهم الملائكة يوم نطوي السماء.

وقرئ يوم تطوى السماء على البناء للمفعول والسجل بوزن العتل والسجل بوزن الدلو وروى فيه الكسر، وفي السجل قولان: أحدهما: أنه اسم للطومار الذي يكتب فيه والكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على المكتوب، ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، فيكون معنى طي السجل للكتاب كون السجل ساتراً لتلك الكتابة ومخفياً لها لأن الطي ضد النشر الذي يكشف والمعنى نطوي السماء كما يطوى الطومار الذي يكتب فيه.

القول الثاني: أنه ليس اسماً للطومار ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما: السجل اسم ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه، وهو مروي عن علي عليه السلام، وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه إسم كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بعيد؛ لأن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا معروفين وليس فيهم من سمي بهذا، وقال الزجاج: هو الرجل بلغة الحبشة، وعلى هذه الوجوه فهو على نحو ما يقال: كطي زيد الكتاب واللام في للكتاب زائدة كما في قوله ردف لكم، وإذا قلنا: المراد بالسجل الطومار فالمصدر وهو الطي مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف والتقدير كطي الطاوي السجل، وهذا الأخير هو قول الأكثرين.

أما قوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء: انقطع الكلام عند قوله الكتاب ثم ابتدأ فقال: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا ﴾ ومنهم من قال: إنه تعالى لما قال: ﴿ وتتلقاهم الملئكة هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  ﴾ عقبه بقوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ ﴾ فوصف اليوم بذلك، ثم وصفه بوصف آخر فقال: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ .

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف رحمه الله: ﴿ أَوَّلَ خَلْقٍ ﴾ مفعول (نعيد) الذي يفسره نعيده والكاف مكفوفة بما والمعنى نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء، فإن قلت: ما بال خلق منكراً؟

قلت: هو كقولك أول رجل جاءني زيد، تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً، فكذلك معنى أول خلق أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع.

المسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية الإعادة فمنهم من قال: إن الله تعالى يفرق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم إنه يعيد تركيبها فذلك هو الإعادة، ومنهم من قال: إنه تعالى يعدمها بالكلية ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى وهذه الآية دلالة على هذا الوجه لأنه سبحانه شبه الإعادة بالإبتداء.

ولما كان الابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم، وجب أن يكون الحال في الإعادة كذلك واحتج القائلون بالمذهب الأول بقوله تعالى: ﴿ والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ  ﴾ فدل هذا على أن السموات حال كونها مطوية تكون موجودة، وبقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض  ﴾ وهذا يدل على أن أجزاء الأرض باقية لكنها جعلت غير الأرض.

أما قوله تعالى: ﴿ وَعْداً عَلَيْنَا ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أن وعداً مصدر مؤكد لأن قوله: ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ عدة للإعادة.

الثاني: أن يكون المراد حقاً علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه مع أن وقوع ما علم الله وقوعه واجب، ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا فاعلين ﴾ أي سنفعل ذلك لا محالة وهو تأكيد لما ذكره من الوعد.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها يعني الزبور كالحلوب والركوب يقال: زبرت الكتاب أي كتبته والمزبور بضم الزاي جمع زبر كقشر وقشور، ومعنى القراءتين واحد لأن الزبور هو الكتاب.

المسألة الثانية: في الزبور والذكر وجوه: أحدها: وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد الزبور هو الكتب المنزلة والذكر الكتاب الذي هو أم الكتاب في السماء، لأن فيها كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة وكتب الأنبياء عليهم السلام من ذلك الكتاب تنسخ.

وثانيها: الزبور هو القرآن والذكر هو التوراة وهو قول قتادة والشعبي.

وثالثها: الزبور زبور داود عليه السلام، والذكر هو الذي يروي عنه عليه السلام، قال: كان الله تعالى ولم يكن معه شيء، ثم خلق الذكر.

وعندي فيه وجه رابع: وهو أن المراد بالذكر العلم أي كتبنا ذلك في الزبور بعد أن كنا عالمين علماً لا يجوز السهو والنسيان علينا، فإن من كتب شيئاً والتزمه ولكنه يجوز السهو عليه فإنه لا يعتمد عليه، أما من لم يجز عليه السهو والخلف فإذا التزم شيئاً كان ذلك الشيء واجب الوقوع.

أما قوله تعالى: ﴿ أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون ﴾ ففيه وجوه: أحدها: الأرض أرض الجنة والعباد الصالحون هم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى فالمعنى أن الله تعالى كتب في كتب الأنبياء عليهم السلام وفي اللوح المحفوظ أنه سيورث الجنة من كان صالحاً من عباده وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية وهؤلاء أكدوا هذا القول بأمور: أما أولاً: فقوله تعالى: ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين  ﴾ ، وأما ثانياً: فلأنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت، وغيرهم إذا حصل معهم في الجنة فعلى وجه التبع، فأما أرض الدنيا فلأنها للصالح وغير الصالح.

وأما ثالثاً: فلأن هذه الأرض مذكورة عقيب الإعادة وبعد الإعادة الأرض التي هذا وصفها لا تكون إلا الجنة.

وأما رابعاً: فقد روى في الخبر أنها أرض الجنة فإنها بيضاء نقية.

وثانيها: أن المراد من الأرض أرض الدنيا فإنه سبحانه وتعالى سيورثها المؤمنين في الدنيا وهو قول الكلبي وابن عباس في بعض الروايات ودليل هذا القول قوله سبحانه: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله واصبروا إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ  ﴾ .

وثالثها: هي الأرض المقدسة يرثها الصالحون، ودليله قوله تعالى؛ ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها التى بَارَكْنَا فِيهَا  ﴾ ثم بالآخرة يورثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي هذا لبلاغا لّقَوْمٍ عابدين ﴾ فقوله هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة والبلاغ الكفاية وما تبلغ به البغية وقيل في العابدين إنهم العالمون وقيل بل العاملون والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين، لأن العلم كالشجر والعمل كالثمر، والشجر بدون الثمر غير مفيد، والثمر بدون الشجر غير كائن.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا، أما في الدين فلأنه عليه السلام بعث والناس في جاهلية وضلالة، وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم فبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام، ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والإستكبار وكان التوفيق قريناً له قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء ﴾ إلى قوله: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى  ﴾ وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه.

فإن قيل: كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال؟

قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة.

وقال: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا  ﴾ ثم قد يكون سبباً للفساد.

وثانيها: أن كل نبي قبل نبينا كان إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ لا يقال: أليس أنه تعالى قال: ﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات  ﴾ لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه.

وثالثها: أنه عليه السلام كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ  ﴾ وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدع على المشركين، قال: «إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً» وقال في رواية حذيفة: «إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة يوم القيامة».

ورابعها: قال عبد الرحمن بن زيد: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ يعني المؤمنين خاصة، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لما بينا أنه كان رحمة للكل لو تدبروا في آيات الله وآيات رسوله، فأما من أعرض واستكبر، فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه كما قال: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة لو كان الله تعالى أراد من الكافرين الكفر ولم يرد منهم القبول من الرسول، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه وخلق ذلك فيهم ولم يخلقهم إلا كذلك كما يقوله أهل السنة، لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذاباً عليهم لا رحمة وذلك على خلاف هذا النص، لا يقال: إن رسالته عليه السلام رحمة للكفار من حيث لم يعجل عذابهم في الدنيا، كما عجل عذاب سائر الأمم، لأنا نقول: إن كونه رحمة للجميع على حد واحد وما ذكرتموه للكفار فهو حاصل للمؤمنين أيضاً، فإذا يجب أن يكون رحمة للكافرين من الوجه الذي صار رحمة للمؤمنين.

وأيضاً فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته صلى الله عليه وسلم كحصولها بعده، بل كانت نعمهم في الدنيا قبل بعثته أعظم لأن بعد بعثته نزل بهم الغم والخوف منه، ثم أمر بالجهاد الذي فني أكثرهم فيه فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد.

والجواب: أن نقول لما علم الله سبحانه وتعالى أن أبا لهب لا يؤمن ألبتة وأخبر عنه أنه لا يؤمن كان أمره إياه بالإيمان أمراً يقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وذلك محال، فكان قد أمره بالمحال.

وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة، فلم لا يجوز أن يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر؟

ولأن قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم، وإن كانت صالحة للضدين توقف للترجيح على مرجح من قبل الله تعالى، قطعاً للتسلسل.

وحينئذ يعود الإلزام ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون رحمة للكافر بمعنى تأخير عذاب الاستئصال عنه؟

قوله: أولاً لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين، قلنا: ليس في الآية أنه عليه السلام رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين، فدعواك بكون الوجه واحداً تحكم.

قوله نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل قلنا: نعم ولكنه عليه السلام لكونه رحمة للمؤمنين لما بعث حصل الخوف للكفار من نزول العذاب، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار.

المسألة الثالثة: تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة، قالوا: لأن الملائكة من العالمين.

فوجب بحكم هذه الآية أن يكون عليه السلام رحمة للملائكة، فوجب أن يكون أفضل منهم.

والجواب: أنه معارض بقوله تعالى في حق الملائكة: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ  ﴾ وذلك رحمة منهم في حق المؤمنين، والرسول عليه السلام داخل في المؤمنين، وكذا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبي  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

العامل في ﴿ يَوْمَ نَطْوِى ﴾ لا يحزنهم.

أو الفزع.

أو تتلقاهم.

وقرئ ﴿ تطوى السماء ﴾ على البناء للمفعول و ﴿ السجل ﴾ بوزن العتلّ والسجل بلفظ الدلو.

وروي فيه الكسر: وهو الصحيفة، أي: كما يطوى الطومار للكتابة، أي: ليكتب فيه، أو: لما يكتب فيه؛ لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء؛ ثم يوقع على المكتوب، ومن جمع فمعناه: للمكتوبات، أي: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة.

وقيل ﴿ السجل ﴾ : ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه.

وقيل: كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

والكتاب- على هذا- اسم الصحيفة المكتوب فيها ﴿ أَوَّلَ خَلْقٍ ﴾ مفعول نعيد الذي يفسره ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ والكاف مكفوفة بما.

والمعنى: نعيد أوّل الخلق كما بدأناه، تشبيها للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء: فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟

قلت: أوّله إيجاده عن العدم، فكما أوجده أولا عن عدم، يعيده ثانياً عن عدم فإن قلت: ما بال ﴿ خَلْقٍ ﴾ منكراً؟

قلت: هو كقولك: هو أوّل رجل جاءني، تريد أوّل الرجال، ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً، فكذلك معنى ﴿ أَوَّلَ خَلْقٍ ﴾ : أوّل الخلق، بمعنى: أوّل الخلائق، لأن الخلق مصدر لا يجمع.

ووجه آخر، وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ وما موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده.

وأول خلق: ظرف لبدأنا، أي: أوّل ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى ﴿ وَعْداً ﴾ مصدر مؤكد، لأنّ قوله: ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ عدة للإعادة ﴿ إِنَّا كُنَّا فاعلين ﴾ أي قادرين على أن نفعل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ ظَرْفُ ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ ﴾ ، أوْ ( تَتَلَقّاهم ) أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مِن ﴿ تُوعَدُونَ ﴾ ، والمُرادُ بِالطَّيِّ ضِدُّ النَّشْرِ أوِ المَحْوُ مِن قَوْلِكَ اطْوِ عَنِّي هَذا الحَدِيثَ، وذَلِكَ لِأنَّها نُشِرَتْ مِظَلَّةٌ لِبَنِي آدَمَ فَإذا انْتَقَلُوا قُوِّضَتْ عَنْهم، وقُرِئَ بِالياءِ والتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ طَيًّا كَطَيِّ الطُّومارِ لِأجْلِ الكِتابَةِ أوْ لِما يُكْتَبُ أوْ كُتِبَ فِيهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَلى الجَمْعِ أيْ لِلْمَعانِي الكَثِيرَةِ المَكْتُوبَةِ فِيهِ.

وقِيلَ «السِّجِلُّ» مَلَكٌ يَطْوِي كُتُبَ الأعْمالِ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ أوْ كاتِبٌ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ  .

وقُرِئَ «السَّجْلِ» كالدَّلْوِ و «السُّجُلِّ» كالعُتُلِّ وهُما لُغَتانِ فِيهِ.

﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ أيْ نُعِيدُ ما خَلَقْناهُ مُبْتَدَأ إعادَةٍ مِثْلَ بَدْئِنا إيّاهُ في كَوْنِهِما إيجادًا عَنِ العَدَمِ، أوْ جَمْعًا بَيْنَ الأجْزاءِ المُتَبَدِّدَةِ والمَقْصُودُ بَيانُ صِحَّةِ الإعادَةِ بِالقِياسِ عَلى الإبْداءِ لِشُمُولِ الإمْكانِ الذّاتِيِّ المُصَحِّحِ لِلْمَقْدُورِيَّةِ.

وتَناوُلُ القُدْرَةِ القَدِيمَةِ لَهُما عَلى السَّواءِ، و «ما» كافَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ وأوَّلُ مَفْعُولٍ لِـ ﴿ بَدَأْنا ﴾ أوْ لِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ أوْ مَوْصُولَةٌ والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ أيْ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْنا وأوَّلُ خَلْقٍ ظَرْفٌ لِـ ﴿ بَدَأْنا ﴾ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَوْصُولِ المَحْذُوفِ.

﴿ وَعْدًا ﴾ مُقَدَّرٌ بِفِعْلِهِ تَأْكِيدًا لِـ ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ أوْ مُنْتَصِبٌ بِهِ لِأنَّهُ عِدَةٌ بِالإعادَةِ.

﴿ عَلَيْنا ﴾ أيْ عَلَيْنا إنْجازُهُ.

﴿ إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ذَلِكَ لا مَحالَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

العامل في {يَوْمَ نَطْوِى السماء} لا يحزنهم أو تتلقاهم تطوى السماء يزيد وطيها تكوير نجومها ومحو رسومها أو هو ضد النشر نجمعها ونطويها {كطي السجل} أي الصحيفة {لِلْكُتُبِ} حمزة وعلي وحفص أي للمكتوبات أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة وغيرهم الكتاب أي كما يطوي الطومار للكتابة أي لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب وقيل السجل ملك يطوي كتب بن آدمي إذا رفعت إليه وقيل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والكتاب على هذا اسم الصحيفة المكتوب فيها والطي مضاف إلى الفاعل وعلى الأول إلى المفعول {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}

انتصب الكاف بفعل

مضمر يفسره نعيده ما موصولة أي نعيده مثل الذي بدأناه نعيده وأول خلق ظرف لبدأنا أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى وأول الخق إيجاده أي فكما أوجده أو لا يعيده ثانياً تشبيهاً للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء والتنكير في خلق مثله في قولك هو أول رجل جاءني تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً فكذلك معنى أول خلق أول الخق بمعنى أول الخلائق لأن الخق مصدر لا يجمع {وعدا} ت مصدر مؤكد لأن قوله نعيده عدة للاعادة {علينا} أي عدا كائناً لا محالة {إِنَّا كُنَّا فاعلين} ذلك أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ﴾ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِلا يُحْزِنُهم، وقِيلَ لِلْفَزَعِ، والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ وإنْ كانَ ضَعِيفًا في العَمَلِ لا سِيَّما وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ إلّا أنَّ الظَّرْفَ مَحَلُّ التَّوَسُّعِ قالَهُ في الكَشْفِ.

وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ عَلى الصَّحِيحِ وإنْ كانَ الظَّرْفُ قَدْ يُتَوَسَّعُ فِيهِ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِتَتَلَقّاهم، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مِن ﴿ تُوعَدُونَ ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ وتُوُهِّمَ أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ذَلِكَ العائِدِ لِأنَّ يَوْمَ الطَّيِّ بَعْدَ الوَعْدِ.

وقَرَأ شَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ وجَماعَةٌ (يَطْوِي ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأُخْرى بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعُ (السَّماءُ ) عَلى النِّيابَةِ، والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ، وقِيلَ الإفْناءُ والإزالَةُ مِن قَوْلِكَ: اطْوِ عَنِّي هَذا الحَدِيثَ، وأنْكَرَ ابْنُ القَيِّمِ إفْناءَ السَّماءِ وإعْدامَها إعْدامًا صِرْفًا وادَّعى أنَّ النُّصُوصَ إنَّما تَدُلُّ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها مِن حالٍ إلى حال، ويُبْعِدُ القَوْلَ بِالإفْناءِ ظاهِرُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ ﴾ وهو الصَّحِيفَةُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ ونَسَبَهُ في مَجْمَعِ البَيانِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ أيْضًا، وخَصَّهُ بَعْضُهم بِصَحِيفَةِ العَهْدِ، وقِيلَ: هو في الأصْلِ حَجَرٌ يُكْتَبُ فِيهِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ كُلُّ ما يُكْتَبُ فِيهِ مِن قِرْطاسٍ وغَيْرِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ طَيًّا كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وصاحِبُهُ أبُو زَرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ (السُّجُلِّ ) بِضَمَّتَيْنِ وشَدِّ اللّامِ، والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وأبُو السَّمالِ ( السَّجْلِ ) بِفَتْحِ السِّينِ، والحَسَنُ وعِيسى بِكَسْرِها والجِيمُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ ساكِنَةٌ واللّامُ مُخَفَّفَةٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍ: وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ كالحَسَنِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلْكُتُبِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ﴿ السِّجِلِّ ﴾ أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ أيْ كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ أوِ الكائِنِ لِلْكُتُبِ فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً، وقَرَأ الأعْمَشُ (لِلْكُتْبِ ) بِإسْكانِ التّاءِ، وقَرَأ الأكْثَرُ (لِلْكِتابِ ) بِالإفْرادِ وهو إمّا مَصْدَرٌ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ كَما يُطْوى الطُّومارُ لِلْكِتابَةِ أيْ لِيُكْتَبَ فِيهِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اتِّخاذِهِ لَها ووَضْعِهِ مُسَوًّى مَطْوِيًّا حَتّى إذا احْتِيجَ إلى الكِتابَةِ لَمْ يُحْتَجْ إلى تَسْوِيَتِهِ فَلا يَرُدُّ أنَّ المَعْهُودَ نَشْرُ الطُّومارِ لِلْكِتابَةِ لا طَيُّهُ لَها، وإمّا اسْمٌ كالإمامِ فاللّامُ كَما ذُكِرَ أوَّلًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ السِّجِلَّ اسْمُ مَلَكٍ.

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّهُ مُوكَلٌ بِالصُّحُفِ فَإذا ماتَ الإنْسانُ وقَعَ كِتابُهُ إلَيْهِ فَطَواهُ ورَفَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واللّامُ عَلى هَذا قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِطَيِّ، وقِيلَ سَيْفُ خَطِيبٍ، وكَوْنُها بِمَعْنى عَلى كَما تَرى.

واعْتُرِضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ أقْوى ولا أشْهَرَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ أقْوى نَظَرًا لِما في أذْهانِ العامَّةِ مِن قُوَّةِ الطّاوِي وضَعْفِ المَطْوِيِّ وصِغَرِ حَجْمِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّماءِ أيْ نَظَرًا لِما في أذْهانِهِمْ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ فَتَأمَّلْ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ مِنهُمُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ  وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوَهُ، وضَعُفَ ذَلِكَ بَلْ قِيلَ إنَّهُ قَوْلٌ واهٍ جِدًّا لِأنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اسْمُهُ السِّجِلُّ ولا حَسُنَ لِلتَّشْبِيهِ عَلَيْهِ أيْضًا، وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الرَّجُلَ زادُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ، وقالَ بَعْضُهم: يُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوايَةِ السّابِقَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى هَذا والأكْثَرُ عَلى ما قِيلَ عَلى تَفْسِيرِ السِّجِلِّ بِالصَّحِيفَةِ.

واخْتُلِفَ في أنَّهُ عَرَبِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ فَذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ الأصَحُّ أنَّهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، هَذا ثُمَّ إنَّ الآيَةَ نَصٌّ في دُثُورِ السَّماءِ وهو خِلافُ ما شاعَ عَنِ الفَلاسِفَةِ، نَعَمْ ذَكَرَ صَدْرُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في كِتابِهِ الأسْفارِ أنَّ مَذْهَبَ أساطِينِ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ القَوْلُ بِالدُّثُورِ والقَوْلُ بِخِلافِ ذَلِكَ إنَّما هو لِمُتَأخِّرِيهِمْ لِقُصُورِ أنْظارِهِمْ وعَدَمِ صَفاءِ ضَمائِرِهِمْ، فَمِنَ الأساطِينِ أنْكِسِيمائِسُ المَلْطِيُّ قالَ: إنَّما ثَباتُ هَذا العالَمِ بِقَدْرِ ما فِيهِ مِن قَلِيلِ نُورِ ذَلِكَ العالَمِ وأرادَ بِهِ عالَمَ المُجَرَّداتِ المَحْضَةِ وإلّا لَما ثَبَتَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ويَبْقى ثَباتُهُ إلى أنْ يُصَفِّيَ جُزْؤُهُ المُمْتَزِجُ جُزْأها المُخْتَلِطَ فَإذا صُفِّيَ الجُزْءانِ عِنْدَ ذَلِكَ دُثِّرَتْ أجْزاءُ هَذا العالَمِ وفَسَدَتْ وبَقِيَتْ مُظْلِمَةً وبَقِيَتِ الأنْفُسُ الدَّنِسَةُ في هَذِهِ الظُّلْمَةِ لا نُورَ لَها ولا سُرُورَ ولا راحَةَ ولا سُكُونَ ولا سَلْوَةَ.

ومِنهم فِيثاغُورْسُ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ قُلْتَ بِإبْطالِ العالَمِ ؟

فَقالَ: لِأنَّهُ يَبْلُغُ العِلَّةَ الَّتِي مِن أجْلِها كانَ فَإذا بَلَغَها سَكَنَتْ حَرَكَتُهُ، ومِنهم أفْلاطُونُ حَكى الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ العامِرِيُّ أنَّهُ ذَكَرَ في كِتابِهِ المَعْرُوفِ بِطِيماوُسَ أنَّ العالَمَ مُكَوَّنٌ وأنَّ البارِي تَعالى قَدْ صَرَفَهُ مِن لا نِظامَ إلى نِظامٍ وأنَّ جَواهِرَهُ كُلَّها مُرَكَّبَةٌ مِنَ المادَّةِ والصُّورَةِ وأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُعَرَّضٌ لِلِانْحِلالِ، نَعَمْ إنَّهُ قالَ في أسُولُوطِيقُوسَ أيْ تَدْبِيرُ البَدَنِ.

إنَّ العالَمَ أبَدِيٌّ غَيْرُ مُكَوَّنٍ دائِمُ البَقاءِ وتَعَلَّقَ بِهَذا أبْرَقْلِسُ فَبَيْنَ كَلامَيْهِ تَنافٍ، قَدْ وفَّقَ بَيْنَهُما تِلْمِيذُهُ أرِسْطاطالِيسُ بِما فِيهِ نَظَرٌ، ولَعَلَّ الأوْفَقَ أنْ يُقالَ عَلى مَشْرَبِهِمْ: أرادَ بِالعالَمِ الأبَدِيِّ عالَمَ المُفارَقاتِ المَحْضَةِ، ومِنهم أرِسْطاطالِيسُ قالَ في كِتابِ أثُولُوجِيا إنَّ الأشْياءَ العَقْلِيَّةَ تَلْزَمُ الأشْياءَ الحِسِّيَّةَ والبارِي سُبْحانَهُ لا يَلْزَمُ الأشْياءَ الحِسِّيَّةَ والعَقْلِيَّةَ بَلْ هو سُبْحانَهُ مُمْسِكٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ غَيْرَ أنَّ الأشْياءَ العَقْلِيَّةَ هي آنِيّاتٌ حَقِّيَّةٌ لِأنَّها مُبْتَدَعَةٌ مِنَ العِلَّةِ الأُولى بِغَيْرِ وسَطٍ وأمّا الأشْياءُ الحِسِّيَّةُ فَهي آنِيّاتٌ دائِرَةٌ لِأنَّها رُسُومُ الآنِيّاتِ الحَقِّيَّةِ ومِثالُها وإنَّما قِوامُها ودَوامُها بِالكَوْنِ والتَّناسُلِ كَيْ تَدُومَ وتَبْقى تَشْبِيهًا بِالأشْياءِ العَقْلِيَّةِ الثّابِتَةِ الدّائِمَةِ، وقالَ في كِتابِ الرُّبُوبِيَّةِ: أبْدَعَ العَقْلُ صُورَةَ النَّفْسِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَرَّكَ تَشْبِيهًا بِالواحِدِ الحَقِّ وذَلِكَ أنَّ العَقْلَ أبْدَعَهُ الواحِدُ الحَقُّ وهو ساكِنٌ فَكَّكَ النَّفْسَ أبْدَعَها العَقْلُ وهو ساكِنٌ أيْضًا غَيْرَ أنَّ الواحِدَ الحَقَّ أبْدَعَ هُوِيَّةَ العَقْلِ وأبْدَعَ العَقْلُ صُورَةَ النَّفْسِ ولَمّا كانَتْ مَعْلُولَةً مِن مَعْلُولٍ لَمْ تَقْوَ أنْ تَفْعَلَ فِعْلَها بِغَيْرِ حَرَكَةٍ بَلْ فَعَلَتْهُ بِحَرَكَةٍ وأبْدَعَتْ صَنَمًا وإنَّما سُمِّيَ صَنَمًا لِأنَّهُ فِعْلٌ داثِرٌ غَيْرُ ثابِتٍ ولا باقٍ لِأنَّهُ كانَ بِحَرَكَةٍ والحَرَكَةُ لا تَأْتِي بِالشَّيْءِ الثّابِتِ الباقِي بَلْ إنَّما تَأْتِي بِالشَّيْءِ الدّاثِرِ وإلّا لَكانَ فِعْلُها أكْرَمُ مِنها وهو قَبِيحٌ جِدًّا، وسَألَهُ بَعْضُ الدَّهْرِيَّةِ إذا كانَ المُبْدِعُ لَمْ يَزَلْ ولا شَيْءَ غَيْرُهُ ثُمَّ أحْدَثَ العالَمَ فَلِمَ أحْدَثَهُ ؟

فَقالَ: لِمَ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلَيْهِ لِأنَّ لِمَ تَقْتَضِي عِلَّةً والعِلَّةُ مَحْمُولَةٌ فِيما هي عِلَّةٌ عَلَيْهِ مِن مُعِلٍّ فَوْقَهُ ولَيْسَ بِمُرَكَّبٍ يَتَحَمَّلُ ذاتُهُ العِلَلَ فَلِمَ عَنْهُ مَنفِيَّةٌ فَإنَّما فَعَلَ ما فَعَلَ لِأنَّهُ جَوادٌ فَقِيلَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لَمْ يَزَلْ لِأنَّهُ جَوادٌ لَمْ يَزَلْ فَقالَ: مَعْنى لَمْ يَزَلْ لا أوَّلَ لَهُ وفِعْلُ فاعِلٍ يَقْتَضِي أوَّلًا واجْتِماعٌ يَكُونُ ما لا أوَّلَ لَهُ وذا أوَّلُ في القَوْلِ والذّاتِ مَحْضٌ مُتَناقِضٌ، فَقِيلَ: فَهَلْ يُبْطِلُ هَذا العالَمَ ؟

قالَ: نَعَمْ فَقِيلَ: فَإذا أبْطَلَهُ بَطَلَ الجُودُ فَقالَ: يُبْطِلُ لِيَصُوغَهُ الصِّيغَةَ الَّتِي لا تَحْتَمِلُ الفَسادَ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَحْتَمِلُ الفَسادَ، ومِنهم فَرْفُورِيُوسُ واضِعُ إيساغُوجِي قالَ المُكَوِّناتُ كُلُّها إنَّما تَتَكَوَّنُ بِتَكَوُّنِ الصُّورَةِ عَلى سَبِيلِ التَّغَيُّرِ وتَفْسَدُ بِخُلُوِّ الصُّورَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأقْوالِهِمْ.

وذِكْرُ جَمِيعِ ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى المَلَلِ، ومَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلى الأسْفارِ وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ الصَّدْرِ، والحَقُّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ في كَلامِ مُتَقَدِّمِي الفَلاسِفَةِ كَثِيرًا مِمّا هو ظاهِرٌ في مُخالَفَةِ مَدْلُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ولا يَكادُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وهو مُقْتَضى أُصُولِهِمْ وما يَتَراءى مِنهُ المُوافَقَةَ فَإنَّما يَتَراءى مِنهُ المُوافَقَةَ في الجُمْلَةِ والتِزامُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ ما يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ في أمْرِ العالَمِ بِأسْرِهِ وما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ في ذَلِكَ كالتِزامِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ بَلْ كالتِزامِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ.

أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ هِيَ شامِيَّةٌ إذا ما اسْتَقَلَّتْ ∗∗∗ وسُهَيْلُ إذا ما اسْتَقَلَّ يَمانِي فَعَلَيْكَ بِما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ المُبِينُ أوْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ الأمِينِ  ، وما عَلَيْكَ إذا خالَفْتَ الفَلاسِفَةَ فَأغْلَبُ ما جاؤُوا بِهِ جَهْلٌ وسَفَهٌ ولَعَمْرِي لَقَدْ ضَلَّ بِكَلامِهِمْ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وباضَ وفَرَّخَ في صُدُورِهِمُ الوَسْواسُ الخَنّاسُ، وهو جَعْجَعَةٌ بِلا طِحْنٍ وقَعْقَعَةٌ كَقَعْقَعَةِ شَنٍّ ولَوْلا الضَّرُورَةُ الَّتِي لا أُبْدِيها والعِلَّةُ الَّتِي عَزَّ مُداوِيها لَما أضَعْتُ في دَرْسِهِ وتَدْرِيسِهِ شَرْخَ شَبابِي ولَما ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنهُ خِلالَ سُطُورِ كِتابِي، هَذا وأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِلتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ الحَقِّ الوَثِيقِ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ العَرْشَ لا يُطْوى كَما تُطْوى السَّماءُ فَإنْ كانَ هو المُحَدَّدَ كَما يَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ ومَن تَبِعَ آثارَهم فَعَدَمُ دُثُورِهِ بِخُصُوصِهِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ مِنَ الفَلاسِفَةِ الإسْكَنْدَرُ الإفْرُودِيسِي مِن كِبارِ أصْحابِ أرِسْطاطالِيسَ وإنْ خالَفَهُ في بَعْضِ المَسائِلِ ومَن حَمَلَ كَلامَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَسَّفَ وأتى بِما لا يُسَلَّمُ لَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْضًا مُشْعِرٌ بِعَدَمِ طَيِّهِ لِلِاقْتِصارِ فِيها عَلى طَيِّ السَّماءِ.

والشّائِعُ عَدَمُ إطْلاقِها عَلى العَرْشِ، ثُمَّ إنَّ الطَّيَّ لا يَخْتَصُّ بِسَماءٍ دُونَ سَماءٍ بَلْ تُطْوى جَمِيعُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ  ﴾ .

﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الكافَ جارَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرَ مَجْرُورٌ بِها والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ و(أوَّلَ ) مَفْعُولُ بَدَأْنا أيْ نُعِيدُ أوَّلَ خَلْقٍ إعادَةً مِثْلَ بَدْئِنا إيّاهُ أيْ في السُّهُولَةِ وعَدَمِ التَّعَذُّرِ وقِيلَ: أيْ في كَوْنِها إيجادًا بَعْدَ العَدَمِ أوْ جَمْعًا مِنَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ، ولا يَخْفى أنَّ في كَوْنِ الإعادَةِ إيجادًا بَعْدَ العَدَمِ مُطْلَقًا بَحْثًا، نَعَمْ قالَ اللَّقانِيُّ: مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْدِمُ الذَّواتِ بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ يُعِيدُها وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِصِحَّةِ الفَناءِ عَلى الأجْسامِ بَلْ وُقُوعُهُ.

وقالَ البَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ والآمِدِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ.

والقَوْلُ بِأنَّ الإعادَةَ عَنْ تَفْرِيقٍ مَحْضٍ قَوْلُ الأقَلِّ وحَكاهُ جَمْعٌ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لَكِنْ في المَواقِفِ وشَرْحُهُ هَلْ يَعْدِمُ اللَّهُ تَعالى الأجْزاءَ البَدَنِيَّةَ ثُمَّ يُعِيدُها أوْ يُفَرِّقُها ويُعِيدُ فِيها التَّآلُفَ ؟

الحَقُّ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ شَيْءٌ بِلا جَزْمٍ فِيهِ نَفْيًا ولا إثْباتًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.

وفي الِاقْتِصادِ لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ فَإنْ قِيلَ هَلْ تُعْدَمُ الجَواهِرُ والأعْراضُ ثُمَّ تُعادانِ جَمِيعًا أوْ تُعْدَمُ الأعْراضُ دُونَ الجَواهِرِ وتُعادُ الأعْراضُ ؟

قُلْنا: كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ، والحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ في الشَّرْعِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى تَعْيِينِ أحَدِ هَذِهِ المُمْكِناتِ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الحَقُّ وُقُوعُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا إعادَةُ ما انْعَدَمَ بِعَيْنِهِ وإعادَةُ ما تَفَرَّقَ بِأعْراضِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأخْبارَ صَحَّتْ بِبَقاءِ عَجْبِ الذَّنَبِ مِنَ الإنْسانِ فَإعادَةُ الإنْسانِ لَيْسَتْ كَبَدْئِهِ، وكَذا رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَزَّ وجَلَّ حَرَّمَ عَلى الأرْضِ أجْسادَ الأنْبِياءِ وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ عِنْدَ ابْنِ العَرَبِيِّ، وقالَ غَيْرُهُ: صَحِيحٌ، وجاءَ نَحْوُ ذَلِكَ في المُؤَذِّنِينَ احْتِسابًا وحَدِيثُهم في الطَّبَرانِيِّ وفي حَمَلَةِ القُرْآنِ وحَدِيثُهم عِنْدَ ابْنِ مِندَدٍ، وفِيمَن لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ وحَدِيثُهم عَنِ المُرَوَّزِيِّ فَلا تَغْفُلْ، وكَذا في كَوْنِ البَدْءِ جَمْعًا مِنَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ إنْ صَحَّ في المُرَكَّبِ مِنَ العَناصِرِ كالإنْسانِ لا يَصِحُّ في نَفْسِ العَناصِرِ مَثَلًا لِأنَّها لَمْ تُخْلَقْ أوَّلًا مِن أجْزاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ فَلَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ في وجْهِ الشَّبَهِ أبْعَدُ عَنِ القالِ والقِيلِ.

واعْتُرِضَ جَعْلُ ( أوَّلَ ) مَفْعُولَ بَدَأْنا بِأنَّ تَعَلُّقَ البُداءَةِ بِأوَّلِ الشَّيْءِ المَشْرُوعِ فِيهِ رَكِيكٌ لا يُقالُ بَدَأْتُ أوَّلَ كَذا وإنَّما يُقالُ بَدَأْتُ كَذا وذَلِكَ لِأنَّ بِدايَةَ الشَّيْءِ هي المَشْرُوعُ فِيهِ والمَشْرُوعُ يُلاقِي الأوَّلَ لا مَحالَةَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ تَكْرارًا.

ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ المُرادَ بَدَأْنا ما كانَ أوَّلًا سابِقًا في الوُجُودِ ولَيْسَ المُرادُ بِالأوَّلِ أوَّلَ الأجْزاءِ حَتّى يُتَوَهَّمَ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: ﴿ أوَّلَ خَلْقٍ ﴾ مَفْعُولُ نُعِيدُ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما أيْ نُعِيدُ أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وقَدْ تَمَّ الكَلامُ بِذَلِكَ ويَكُونُ ﴿ كَما بَدَأْنا ﴾ جُمْلَةً مُنْقَطِعَةً عَنْ ذَلِكَ عَلى مَعْنى تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِثْلَ تَحَقُّقِهِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى إعادَةٍ مِثْلَ البَدْءِ، ومَحَلُّ الكافِ في مِثْلِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا، والمَقامُ يَقْتَضِيهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّذْنِيبُ فَلا يُقالُ: إنَّهُ لا داعِيَ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، وتَنْكِيرُ ( خَلْقٍ ) لِإرادَةِ التَّفْصِيلِ وهو قائِمٌ مَقامَ الجَمْعِ في إفادَةِ تَناوُلِ الجَمِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ نُعِيدُ المَخْلُوقِينَ الأوَّلِينَ.

وجُوِّزَ أنْ تُنْصَبَ الكافُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ وما مَوْصُولَةٌ و( أوَّلَ ) ظَرْفٌ لَبَدَأْنا لِأنَّ المَوْصُولَ يَسْتَدْعِي عائِدًا فَإذا قُدِّرَ هُنا يَكُونُ مَفْعُولًا، ولِأوَّلَ قابِلِيَّةُ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ فَيُنْصَبُ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ذَلِكَ العائِدِ، وحاصِلُ المَعْنى نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ في أوَّلِ خَلْقٍ أوْ كائِنًا أوَّلَ خَلْقٍ، والخَلْقُ عَلى الأوَّلِ مَصْدَرٌ وعَلى الثّانِي بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ما مَوْصُوفَةً وباقِي الكَلامِ بِحالِهِ.

وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ نَصْبَ الكافِ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِاسْمِيَّتِها ولَيْسَ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ وإنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ سِواهُ أنَّ كَوْنَها اسْمًا مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ، وأوْرَدَ نَحْوَهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ في الوَجْهِ السّابِقِ، وإذا قِيلَ بِأنَّ لِلْمَكْفُوفَةِ مُتَعَلِّقًا كَما اخْتارَهُ بَعْضُهم خِلافًا لِلرَّضِيِّ ومَن مَعَهُ فَلْيَكُنْ مُتَعَلِّقُها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُناكَ، ورُجِّحَ كَوْنُ المُرادِ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ في أوَّلِ خَلْقٍ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ  وعِنْدِي عَجُوزٌ مِن بَنِي عامِرٍ فَقالَ: مَن هَذِهِ العَجُوزُ يا عائِشَةُ ؟

فَقُلْتُ: إحْدى خالاتِي فَقالَتِ: ادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها العُجُزُ فَأخَذَ العَجُوزَ ما أخَذَها فَقالَ  : إنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْشِئُهُنَّ خَلْقًا غَيْرَ خَلْقِهِنَّ ثُمَّ قالَ: تُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُلْفًا فَقالَتْ: حاشَ لِلَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : بَلى إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ » ومِثْلُ هَذا المَعْنى حاصِلٌ عَلى ما جَوَّزَهُ ابْنُ الحاجِبِ مِن كَوْنِ ﴿ كَما بَدَأْنا ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ أيْ نُعِيدُ أوَّلَ خَلْقٍ مُماثِلًا لِلَّذِي بَدَأْناهُ، ولا تَغْفُلْ عَمّا يَقْتَضِيهِ التَّشْبِيهُ مِن مُغايَرَةِ الطَّرَفَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ الإخْبارُ بِالبَعْثِ ولَيْسَتْ ما في شَيْءٍ مِنَ الأوْجُهِ خاصَّةً بِالسَّماءِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ ولا اللَّفْظُ يُساعِدُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى الآيَةِ نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَدَبُّرٍ فَتَدَبَّرْ.

﴿ وعْدًا ﴾ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ تَأْكِيدًا لَهُ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مَنصُوبٌ بِنُعِيدُ لِأنَّهُ عِدَةٌ بِالإعادَةِ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، واسْتَجْوَدَ الأوَّلَ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّ القُرّاءَ يَقِفُونَ عَلى ( نُعِيدُهُ عَلَيْنا ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِوَعْدًا أيْ وعْدًا لازِمًا عَلَيْنا، والمُرادُ لَزِمَ إنْجازُهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَكَلُّفِ الِاسْتِخْدامِ ﴿ إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ذَلِكَ بِالفِعْلِ لا مَحالَةَ، والأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى وُقُوعَها كالماضِيَةِ في التَّحَقُّقِ ولِذا عُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ قادِرِينَ عَلى أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، يعني: واذكر يوم نطوي السماء، كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ.

قال السدي: السجل ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنسان، رفع كتابه إلى السجل فطواه، ويقال: السجل الصحيفة، ويقال: السجل الكاتب.

وروى أبو الجوزاء، عن ابن عباس قال: «السجل كان كاتب النبيّ  فأخبره الله عز وجل أنه يطوي السماء يوم القيامة، كما يطوي السجل الكتاب» .

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص لِلْكُتُبِ بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون: للكتاب بلفظ الوحدان، وقرأ أبو حفص المدني تطوى السماء بالتاء والضم على فعل ما لم يسم فاعله وقراءة العامة نَطْوِي السَّماءَ بالنون والنصب.

وقرأ بعضهم: السِّجِلِّ بجزم الجيم والتخفيف، وقراءة العامة بكسر الجيم والتشديد.

ثم استأنف الكلام فقال تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، يعني: كما خلقهم في الدنيا يعيدهم في الآخرة ويقال: كما بدأناهم شقياً وسعيداً في الدنيا.

فكذلك يكونون في الآخرة.

ويقال: كما بدأنا أول خلق من نطفة في الدنيا، نعيده أي: تمطر السماء أربعين يوماً كمني الرجال فينبتون فيه.

وَعْداً عَلَيْنا، يعني: وعدنا البعث صدقاً وحقاً لا خلف فيه، كقوله لا رَيْبَ فِيها [السجدة: 2] وَعْداً صار نصباً للمصدر.

إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ بهم، أي باعثين بعد الموت.

وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله  أنه قال «إنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يوم القيامة عراة حفاة عزّلا بُهْماً، ثمَّ قال: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لأنها تحصب به، أي: تُرْمَى، وإمَّا أنْ يكون لغة في الحطب إذا رُمِيَ، وإمَّا قبل أنْ يرمى فلا يُسَمَّى حصباً إلاَّ بتجوز، وحرق الأصنام بالنار على جهة التوبيخ لعابديها، ومن حيث تقع «ما» لمن يعقل في بعض المواضع، اعترَضَ في هذه الآية عبدُ الله بنُ الزِّبعري على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: إنَّ عِيسَى وعُزَيراً وَنَحْوَهُمَا قَدْ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا حَصَباً لجهنم فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية.

والورود في هذه الآية:

ورودُ الدخولِ، والزفيرُ: صوت المُعَذِّبِ، وهو كنهيق الحمير وشبهه إلاَّ أَنه من الصدر.

لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)

وقوله سبحانه: لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَها هذه صفة الذين سبقت لهم الحسنى، وذلك بعد دخولهم الجنة لأَنَّ الحديث يقتضى أَنَّ في الموقف تزفر جهنم زفرةً لا يبقى نبيٌّ ولا مَلَكٌ إلاَّ جثا على ركبتيه، قال البخاريُّ «١» : الحسيس والحس: واحد، وهو الصوتُ الخفيُّ، انتهى.

والفزع الأكبر عامٌّ في كلِّ هول يكون يوم القيامة، فكأَنَّ يوم القيامة بجملته هو الفَزَعُ الأكبر.

وقوله سبحانه: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يريد: بالسلام عليهم والتبشير لهم، أي: هذا يومكم الذي وعدتهم فيه الثواب والنعيم، والسِّجِلِّ في قول فرقة: هو الصحيفة التي يُكْتَبُ فيها، والمعنى: كما يطوى السِّجِلُّ من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول وهكذا قال البخاري «٢» : السجل: الصحيفة، انتهى، وما خَرَّجه أبو داودَ في «مراسيله» من أَنَّ السجل: اسم رجل من كتّاب النبي صلى الله عليه وسلّم «٣» .

قال السهيليُّ فيه: هذا غير معروف.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ، وقالُوا: شَتَمَ آلِهَتَنا، فَجاءَ ابْنُ الزِّبَعْرى فَقالَ: ما لَكم ؟

قالُوا: شَتَمَ آلِهَتَنا، قالَ: وما قالَ ؟

فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: ادْعُوهُ لِي، فَلَمّا دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَ: يا مُحَمَّدُ؛ هَذا شَيْءٌ لِآلِهَتِنا خاصَّةً، أوْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ ؟

قالَ: " لا، بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ "، فَقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البِنْيَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ المَلائِكَةَ عِبادٌ صالِحُونَ، وأنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ، وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ، فَهَذِهِ بَنُو مُلَيْحٍ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ النَّصارى تَعْبُدُ عِيسى، وهَذِهِ اليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما تَعْبُدُونَ ﴾ : الأصْنامَ دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ المَلائِكَةَ والنّاسَ لَقالَ: ( ومَن ) .

وقِيلَ: " إنَّ " بِمَعْنى ( إلّا )، فَتَقْدِيرُهُ: إلّا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي نَهِيكٍ، فَإنَّهُما قَرَءا: ( إلّا الَّذِينَ ) .

ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: أنا مِنهم، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ.

وَفِي المُرادِ " بِالحُسْنى " قَوْلانِ: أحَدُهُما: الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: السَّعادَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَنْها ﴾ ؛ أيْ: عَنْ جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها.

﴿ مُبْعَدُونَ ﴾ والبُعْدُ: طُولُ المَسافَةِ، والحَسِيسُ: الصَّوْتُ تَسْمَعُهُ مِنَ الشَّيْءِ إذا مَرَّ قَرِيبًا مِنكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ أهْلِ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو جَعْفَرٍ الشِّيْزَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: ( لا يُحْزِنُهم ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ.

وَفِي الفَزَعِ الأكْبَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهَذِهِ النَّفْخَةِ يَقُومُ النّاسُ مِن قُبُورِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ إطْباقُ النّارِ عَلى أهْلِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ذَبْحُ المَوْتِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ حِينَ يُؤْمَرُ بِالعَبْدِ إلى النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

وَفِي مَكانِ تَلَقِّي المَلائِكَةِ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُكُمُ ﴾ فِيهِ إضْمارٌ: يَقُولُونَ، هَذا يَوْمُكُمُ ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فِيهِ الجَنَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ﴾ وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ: ( تُطْوى ) بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ ( السَّماءُ ) بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ بِمَحْوِ رُسُومِها، وتَكْدِيرِ نُجُومِها، وتَكْوِيرِ شَمْسِها.

﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( السِّجِلِّ ) بِكَسْرِ السِّينِ والجِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وَأبُو الجَوْزاءِ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( السِّجْلِ ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ الجِيمِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الجِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْكُتُبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( لِلْكِتابِ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( لِلْكُتُبِ ) عَلى الجَمْعِ.

وَفِي ( السِّجِلِّ ) أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ كاتِبٌ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ السِّجِلَّ بِمَعْنى: الرَّجُلِ، رَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: السِّجِلُّ: هو الرَّجُلُ.

قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: وقَدْ قِيلَ: ( السِّجِلُّ ) بِلُغَةِ الحَبَشَةِ: الرَّجُلُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الصَّحِيفَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ، قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ، يَعْنِي - ابْنَ دُرَيْدٍ -: السِّجِلُّ: الكِتابُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ولا ألْتَفِتُ إلى قَوْلِهِمْ: إنَّهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والمَعْنى: كَما يُطْوى السِّجِلُّ عَلى ما فِيهِ مِن كِتابٍ.

واللّامُ بِمَعْنى عَلى.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالكِتابِ: المَكْتُوبُ، فَلَمّا كانَ المَكْتُوبُ يَنْطَوِي بِانْطِواءِ الصَّحِيفَةِ، جُعِلَ السِّجِلُّ كَأنَّهُ يَطْوِي الكِتابَ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ الخَلْقُ هاهُنا مَصْدَرٌ، ولَيْسَ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كَما بَدَأْناهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، كَذَلِكَ نُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «يُحْشُرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عُراةً حُفاةً غُرْلًا كَما خُلِقُوا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ "»، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنّا نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ السَّماءَ تُمْطِرُ أرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَنِيِّ الرِّجالِ، فَيَنْبُتُونَ بِالمَطَرِ في قُبُورِهِمْ كَما يَنْبُتُونَ في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: قُدْرَتُنا عَلى الإعادَةِ كَقُدْرَتِنا عَلى الِابْتِداءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ بِمَعْنى: وعَدْنا هَذا وعْدًا.

﴿ إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ؛ أيْ: قادِرِينَ عَلى فِعْلِ ما نَشاءُ.

وقالَ غَيْرُهُ: إنّا كُنّا فاعِلِينَ ما وعَدْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الزَّبُورَ: جَمِيعُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّماءِ، والذِّكْرَ: أُمُّ الكِتابِ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ، فَإنَّهُ قالَ: الزَّبُورُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، والذِّكْرُ: الَّذِي في السَّماءِ.

والثّانِي: أنَّ الزَّبُورَ: الكُتُبُ، والذِّكْرَ: التَّوْراةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الزَّبُورَ: القُرْآنُ، والذِّكْرَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الزَّبُورَ: زَبُورُ داوُدَ، والذِّكْرَ: ذِكْرُ مُوسى، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

وفي الأرْضِ المَذْكُورَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرْضُ الجَنَّةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أرْضُ الدُّنْيا، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ: تَرِثُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ أرْضَ الدُّنْيا بِالفُتُوحِ.

والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ صالِحٍ، قالَهُ بَعْضُ فُقَهاءِ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في هَذا ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ لَبَلاغًا ﴾ ؛ أيْ: لَكِفايَةً، والمَعْنى: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وعَمِلَ بِهِ، كانَ القُرْآنُ بَلاغَهُ إلى الجَنَّةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ عابِدِينَ ﴾ قالَ كَعْبٌ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، ويَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا عامٌّ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، فَمَن آمَنَ بِهِ تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن كَفَرَ بِهِ صُرِفَتْ عَنْهُ العُقُوبَةُ إلى المَوْتِ والقِيامَةِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو رَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ خاصَّةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَماءَ كَطَيِّ السِجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَبُورِ مِن بَعْدِ الذِكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصالِحُونَ ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَطْوِي" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَطْوِي السَماءَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى مَعْنى: يَطْوِي اللهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُطْوى" بِتاءْ مَضْمُومَةٍ وبِرَفْعِ "السَماءِ" عَلى ما لَمْ يُسَّمَ فاعِلُهُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "السِجِلِّ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِجِلُّ: مَلَكٌ يَطْوِي الصُحُفَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِجِلُّ: رَجُلٌ كانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ  .

وهَذا كُلُّهُ وما شاكَلَهُ ضَعِيفٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِجِلُّ: الصَحِيفَةُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها، والمَعْنى: "كَطَيِّ السِجِلِّ" أيْ: كَما يُطْوى السِجِلُّ مِن أجْلِ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ: كَما يَطْوِي السِجِلُّ الكِتابَ الَّذِي فِيهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَوْمَ نَطْوِي كالهَيْئَةِ الَّتِي فِيها طَيُّ السِجِلِّ لِلْكِتابِ، فَفي التَشْبِيهِ تَجَوُّزٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "السِجْلِ" بِشَدِّ السِينِ وسُكُونِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وفَتَحَ أبُو السَمالِ السِينَ فَقَرَأها: "السَجْلَ"، وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: "السُجُلُ" بَضَمِّ السِينِ وشَدِّها وضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِلْكِتابِ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "لِلْكُتُبِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ البَعْثِ، أيْ: كَما اخْتَرَعْنا الخَلْقَ أولًا عَلى غَيْرِ مِثالٍ كَذَلِكَ نُنْشِئُهم تارَةً أُخْرى فَنَبْعَثُهم مِنَ القُبُورِ، والثانِي أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن أنَّ كُلَّ شَخْصٍ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى هَيْئَتِهِ الَّتِي خَرَجَ بِها إلى الدُنْيا، ويُؤَيُّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «يُحْشَرُ الناسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ».

والكافُ في قَوْلِهِ: "كَما بَدَأْنا" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "نُعِيدُهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى أنَّ الأمْرَ واجِبٌ فِيهِ ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الزَبُورُ": اسْمٌ يَعُمْ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مَن "زَبَرْتُ الكِتابَ": إذا كَتَبْتُهُ، قالَتْ فَرِقَّةٌ: و"الذِكْرُ" أرادَ بِهِ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الذِكْرُ الَّذِي في السَماءِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزَبُورُ هو زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، والذِكْرُ أرادَ بِهِ التَوْراةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزَبُورُ ما بَعْدَ التَوْراةِ مِنَ الكُتُبِ، والذِكْرُ التَوْراةُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "الزَبُورَ" بِضَمِّ الزايِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الأرْضَ" أرادَ بِها أرْضَ الدُنْيا، أيْ كُلَّ ما يَنالُهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأرْضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ أرْضَ الجَنَّةِ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأورَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الإخْبارَ عَمّا كانَ صَنَعَهُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: فاعْلَمُوا أنّا كُنّا وفِينا لَهم بِما وعَدْناهُمْ، فَكَذَلِكَ نُنْجِزُ لَكم ما وعَدْناكم مِنَ النُصْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة مستأنفة قصد منها إعادة ذكر البعث والاستدلال على وقوعه وإمكانِه إبطالاً لإحالة المشركين وقوعه بعلة أن الأجساد التي يدّعي بعثها قد انتابها الفناء العظيم ﴿ وقالوا أإذا كنا تراباً وعظاماً أإنا لفي خلق جديد ﴾ [السجدة: 10] والمناسبة في هذا الانتقال هو ما جرى من ذكر الحشر والعقاب والثواب من قوله تعالى ﴿ لهم فيها زفير ﴾ [الأنبياء: 100] وقوله تعالى: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ [الأنبياء: 101] الآية.

وقد رُتّب نظم الجملة على التقديم والتأخير لأغراض بليغة.

وأصل الجملة: نعيد الخلق كما بدأنا أولَ خلق يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب وعْداً علينا.

فحُوّل النظم فقدم الظرف بادئ ذي بَدء للتشويق إلى متعلقه، ولما في الجملة التي أضيف إليها الظرف من الغرابة والطباققِ إذ جعل ابتداءُ خلق جديد وهو البعث مؤقتاً بوقت نقض خَلق قديم وهو طي السماء.

وقدم ﴿ كما بدأنا أول خلق ﴾ وهو حال من الضمير المنصوب في ﴿ نعيده ﴾ للتعجيل بإيراد الدليل قبل الدعوى لتتمكن في النفس فضلَ تمكّن.

وكل ذلك وجوه للاهتمام بتحقيق وقوع البعث، فليس قوله ﴿ يوم نطوي السماء ﴾ متعلقاً بما قبله من قوله تعالى: ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ [الأنبياء: 103].

وعقب ذلك بما يفيد تحقق حصول البعث من كونه وعداً على الله بتضمين الوعد معنى الإيجاب، فعدي بحرف (على) في قوله تعالى: ﴿ وعداً علينا ﴾ أي حقاً واجباً.

وجملة ﴿ إنا كنا فاعلين ﴾ مؤكّدة بحرف التوكيد لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر قدرة الله لأنهم لما نَفَوا البعث بعلة تعذر إعادة الأجسام بعد فنائها فقد لزمهم إحالتهم ذلك في جانب قدرة الله.

والمراد بقوله ﴿ فاعلين ﴾ أنه الفاعل لِما وُعد به، أي القادر.

والمعنى: إنا كنا قادرين على ذلك.

وفي ذكر فعل الكون إفادة أن قدرته قد تحققت بما دل عليه دليل قوله ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ .

والطّيُّ: رَدُّ بعض أجزاء الجسم الليِّن المطلوق على بعْضه الآخر، وضدّه النشر.

والسجل: بكسر السين وكسر الجيم هنا، وفيه لغات.

يطلق على الورقة التي يكتب فيها، ويُطلق على كاتب الصحيفة، ولعله تسمية على تقدير مضاف محذوف، أي صاحب السجل، وقيل سجل: اسم ملك في السماء ترفع إليه صحائف أعمال العباد فيحفظها.

ولا يحسن حملهُ هنا على معنى الصحيفة لأنه لا يلائم إضافة الطيّ إليه ولا إردافه لقوله ﴿ للكتاب ﴾ أو ﴿ للكتب، ﴾ ولا حملهُ على معنى المَلَك الموكَل بصحائف الأعمال لأنه لم يكن مشهوراً فكيف يشبه بفعله.

فالوجه: أن يراد بالسجل الكاتب الذي يكتب الصحيفة ثم يطويها عند انتهاء كتابتها، وذلك عمل معروف.

فالتشبيه بعمله رشيق.

وقرأ الجمهور ﴿ للكتاب ﴾ بصيغة الإفراد، وقرأه حفص وحمزة والكسائي وخلف ﴿ للكُتب ﴾ بضم الكاف وضم التاء بصيغة الجمع.

ولما كان تعريف السجل وتعريفُ الكتاب تعريفَ جنس استوى في المعرّف الإفرادُ والجمعُ.

فأما قراءتهما بصيغة الإفراد ففيها محسن مراعاة النظير في الصيغة، وأما قراءة الكتب بصيغة الجمع مع كون السِجل مفرداً ففيها حسن التفنن بالتضاد.

ورسمُها في المصحف بدون ألف يحتمل القراءتين لأن الألف قد يُحذف في مثله.

واللام في قوله ﴿ للكتاب ﴾ لتقوية العامل فهي داخلة على مفعول ﴿ طَيّ ﴾ .

ومعنى طي السماء تغييرُ أجرامها من موقع إلى موقع أو اقترابُ بعضها من بعض كما تتغير أطراف الورقة المنشورة حين تطوى ليَكتب الكاتب في إحدى صفحتيها، وهذا مظهر من مظاهر انقراض النظام الحالي، وهو انقراض له أحوال كثيرة وُصف بعضها في سُور من القرآن.

وليس في الآية دليل على اضمحلال السماوات بل على اختلال نظامها، وفي [سورة الزمر: 67] ﴿ والسماوات مطويات بيمينه ﴾ ومسألة دثور السماوات (أي اضمحلالها) فَرَضَها الحكماء المتقدمون ومال إلى القول باضمحلالها في آخر الأمر (انكسمائس) المَلْطي و(فيثاغورس) و(أفلاطون).

وقرأ الجمهور نطوي } بنون العظمة وكسر الواو ونصب ﴿ السماء ﴾ .

وقرأه أبو جعفر بضم تاء مضارعة المؤنث وفتح الواو مبنياً للنائب وبرفع ﴿ السماء ﴾ .

والبَدء: الفعل الذي لم يُسبق مماثله بالنسبة إلى فاعللٍ أو إلى زماننٍ أو نحو ذلك.

وبَدْء الخلق كونه لم يكن قبل، أي كما جعلنا خلْقاً مبدوءاً غير مسبوق في نوعه.

وخلق: مصدر بمعنى المفعول.

ومعنى إعادة الخلق: إعادة مماثلة في صورته فإن الخلق أي المخلوق باعتبار أنه فرد من جنس إذَا اضمحل فقيل فإنما يعاد مثله لأن الأجناس لا تحقق لها في الخارج إلا في ضمن أفرادها كما قال تعالى: ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ أي مثل سيرتها في جنسها، أي في أنها عصا من العصيّ.

وظاهر ما أفاده الكاف من التشبيه في قوله تعالى: ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ أن إعادة خلق الأجسام شبّهت بابتداء خلقها.

ووجه الشبه هو إمكان كليهما والقدرة عليهما وهو الذي سيق له الكلام على أن التشبيه صالح للمماثلة في غير ذلك.

روى مسلم عن ابن عباس قال: «قام فينا رسول الله بموعظة فقال: يا أيها الناس إنكم تُحشرون إلى الله حُفاة عراة غُرْلاً ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ﴾ » الحديث.

فهذا تفسير لبعض ما أفاده التشبيه وهو من طريق الوحي واللفظ لا يأباه فيجب أن يعتبر معنى للكاف مع المعنى الذي دلت عليه بظاهر السياق.

وهذا من تفاريع المقدمة التاسعة من مقدمات تفسيرنا هذا.

وانتصب ﴿ وعداً ﴾ على أنه مفعول مطلق ل ﴿ نعيده ﴾ لأن الإخبار بالإعادة في معنى الوعد بذلك فانتصب على بيان النوع للإعادة.

ويجوز كونه مفعولاً مطلقاً مؤكداً لمضمون جملة ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السِّجِلَّ الصَّحِيفَةُ تُطْوى عَلى ما فِيها مِنَ الكِتابَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ المَلَكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كاتِبٌ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ  ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو داود في ناسخه والحاكم وصححه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ قال المشركون: فالملائكة وعيسى وعزير، يعبدون من دون الله.

فنزلت ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ عيسى وعزير والملائكة.

وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليه هذه الآية ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ قال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس، والقمر والملائكة، وعزير وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ﴾ [ الزخرف: 57] ثم نزلت ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ .

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه والطبراني من وجه آخر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ شق ذلك على أهل مكة.

وقالوا: شتم الآلهة.

فقال ابن الزبعرى: أنا أخصم لكم محمداً، ادعوه لي فدعي.

فقال: يا محمد، هذا شيء لآلهتنا خاصة؟

أم لكل عبد من دون الله؟

قال: بل لكل من عبد من دون الله فقال ابن الزبعرى: خصمت.

ورب هذه البنية، يعني الكعبة، ألست تزعم يا محمد، أن عيسى عبد صالح، وأن عزيراً عبد صالح، وأن الملائكة صالحون؟

قال: بلى.

قال: فهذه النصارى تعبد عيسى.

وهذه اليهود.

تعبد عزيراً، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة، فضج أهل مكة وفرحوا!

فنزلت ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ عزير وعيسى والملائكة ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ ونزلت ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ﴾ [ الزخرف: 57] قال: وهو الصحيح.

وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ ثم نسختها ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ يعني عيسى ومن كان معه.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ يعني الآلهة ومن يعبدها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: وقودها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: شجر جهنم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: حطب جهنم بالزنجية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: حطب جهنم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: يقذفون فيها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ حصب جهنم ﴾ قال: حطبها.

قال بعض القراء ﴿ حطب جهنم ﴾ من قراءة عائشة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ حصب جهنم ﴾ يقول: إن جهنم تحصب بهم، وهو الرمي: يقول: يرمي بهم فيها.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ حضب جهنم ﴾ بالضاد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة النار، والطبراني والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا بقي في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد نار، فيها مسامير من حديد نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد، ثم قذفوا في أسفل الجحيم فما يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره.

ثم قرأ مسعود رضي الله عنه ﴿ لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: عيسى والملائكة وعزير» .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أصبغ، عن علي في قوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ الآية.

قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار، إلا الشمس والقمر وعيسى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: أولئك أولياء الله، يمرون على الصراط مراً هو أسرع من البرق فلا تصيبهم و ﴿ يسمعون حسيسها ﴾ ويبقى الكفار فيها حبيساً.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه، عن النعمان بن بشير: أن علياً قرأ ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ فقال: أنا منهم وعمر منهم وعثمان منهم والزبير منهم وطلحة منهم وسعد وعبد الرحمن منهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي عثمان النهدي في قوله: ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قالوا: حس..

حس.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ قال: حيات على الصراط تقول: حس حس» .

وأخرج ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: السعادة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير، عن محمد بن حاطب قال: سئل علي عن هذه الآية ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ قال: هو عثمان وأصحابه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ يقول: لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا منازلهم من الجنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ قال: صوتها.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في سورة الأنبياء ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ إلى قوله: ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ فقد عبدت الملائكة من دون الله وعزير وعيسى.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: يقول ناس من الناس: إن الله قال: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ يعني من الناس أجمعين، وليس كذلك إنما يعني من يعبد الله تعالى، وهو لله مطيع مثل عيسى وأمه وعزير والملائكة.

واستثنى الله تعالى هؤلاء من الآلهة المعبودة التي هي مع من يعبدها في النار.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: أذا أطبقت جهنم على أهلها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ يعني النفخة الآخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: النار إذا أطبقت على أهلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: إذا أطبقت النار عليهم، يعني على الكفار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: انصراف العبد حين يؤمر به إلى النار.

وأخرج ابن جرير في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ قال: حين تطبق جهنم.

وقال: حين ذبح الموت.

وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للمهاجرين منابر من ذهب يجلسون عليها يوم القيامة قد أمنوا من الفزع» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: «بشر المدلجين في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون» .

وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: «المتحابون في الله في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله على منابر من نور، يفزع الناس ولا يفزعون» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة: رجل أمَّ قوماً وهم به راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة، وعبد أدى حق الله وحق مواليه» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ قال: تتلقاهم الملائكة الذين كانوا قرناءهم في الدنيا يوم القيامة، فيقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ قال: هذا قبل أن يدخلوا الجنة.

وأخرج عبد بن حميد عن علي في قوله: ﴿ كطي السجل ﴾ قال: ملك.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية قال: السجل، اسم ملك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل ﴾ قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبوها نوراً.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر قال: السجل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له، فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور فأسّر ذلك إلى هاروت وماروت، فلما قال تعالى: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [ البقرة: 30] قال: ذلك استطالة على الملائكة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي قال: السجل ملك موكل بالصحف، فإذا مات دفع كتابه إلى السجل فطواه ورفعه إلى يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في الآية قال: السجل، الصحيفة.

وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في المعرفة، وابن مردويه والبيهقي في سننه وصححه عن ابن عباس قال: السجل، كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن المنذر وابن عدي وابن عساكر، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى عليه وسلم كاتب يسمى السجل، وهو قوله: ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ﴾ .

وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عباس قال: السجل، هو الرجل، زاد ابن مردويه بلغة الحبشة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كطي السجل للكتب ﴾ قال: كطي الصحيفة على الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بدأنا أوّل خلق نعيده ﴾ يقول: نهلك كل شيء كما كان أوّل مرة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كما بدأنا أوّل خلق نعيده ﴾ قال: عراة حفاة غرلاً.

وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: «دخل عليّ رسول الله صلى عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا عائشة؟

فقلت: إحدى خالاتي.

فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة.

فقال: إن الجنة لا يدخلها العجوز.

فأخذ العجوز ما أخذها فقال: إن الله تعالى ينشئهن خلقاً غير خلقهن، ثم قال: تحشرون حفاة عراة غلفاً.

فقالت: حاشا لله من ذلك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى.

إن الله تعالى قال: ﴿ كما بدأنا أوّل خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ﴾ فأول من يكسى إبراهيم خليل الرحمن» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: يبعثهم الله يوم القيامة على قامة آدم وجسمه، ولسانه السريانية، عراة حفاة غرلاً كما ولدوا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السَّماء.

وهذا يدل على أنَّ المراد بالفزع الأكبر البعث؛ لأنّه يقع في ذلك اليوم.

وقال أبو علي: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ﴾ يكون في انتصابه وجهان: أحدهما: أن يكون بدلًا من الهاء المحذوفة من الصلة، ألا ترى أن المعنى: هذا يومكم الذي كنتم (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ ﴾ اختلفوا في معنى ﴿ السِّجِلِّ ﴾ : فقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد ملَكًا يقال له السجل (٣) (٤) وهذا قول السدي، قال: السجل: ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنْسان دُفع كتابه إلى السجل (٥) (٦) وهذا القول مروي عن ابن عمر أيضًا (٧) وقال (٨)  - (٩) قال أستاذنا أبو إسحاق (١٠)  - كانوا معروفين، ليس (١١) (١٢) قال الزجاج: وقيل: السجل بلغة الحبش الرَّجُل (١٣) وقال مجاهد: السجل: الصحيفة التي فيها الكتاب.

يعني المكتوب (١٤) وهذا اختيار (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقال قتادة: كطي الصحيفة فيها الكتب (٢١) وأصله في المساجلة، والمساجلة مأخوذ (٢٢) والرجلان يستقيان بالسجل فيكون لكل واحد منهما سجل.

هذا هو الأصل، ثم قيل لكل أمر بين اثنين يكون (٢٣) (٢٤) (٢٥) من يساجلني يساجلْ ماجدًا ...

يملأ الدلو إلى عَقْدَ الكَرَبْ (٢٦) (٢٧) ثم قيل للمكاتبة: مساجلة؛ لأنَّ المبتدئ يكتب مرة والمجيب أخرى، ولما قيل للكاتبة مساجلة قيل للكتاب: سِجل، وسَجَّل أي: كتب السجل.

هذه أربعة أقوال في السجل.

وعلى الأقوال الثلاثة المتقدمة (٢٨) ﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، والمراد بالكتاب وبالكتب علي اختلاف القراءتين (٢٩) (٣٠) ﴿ رَدِفَ لَكُم  ﴾ .

هذا كلام أبي علي (٣١) وعلى القول الرابع (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ  ﴾ والتقدير: كطي الطاوي السجل، فحذف الطاوي وأضيف المصدر إلى المفعول، كما أن المعنى في سؤال نعجتك: بسؤاله نعجتك.

وقوله تعالى: ﴿ لِلْكُتُبِ ﴾ أي: لدرج (٣٥) (٣٦) وقال المبرد: يجوز أن يكون الكتاب بدلاً من السجل، كأنه قيل: كطي الكتاب (٣٧) (٣٨) ويجوز تقدير آخر وهو أن (٣٩) وتم الكلام (٤٠) ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ (٤١) أحدها: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم (٤٢) (٤٣) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله -  - خطيبًا (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) ونحو هذا روت عائشة عن رسول الله -  - (٤٨) القول الثاني: ما ذكره الفراء والزجاج، قال الفراء: ثم استأنف فقال: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ أي: نعيد الخلق كما بدأناهم (٤٩) وقال الزجاج: نبعث الخلق كما ابتدأناه، أي: قدرتنا على الابتداء (٥٠) وقال أبو علي: المعنى نعيد الخلق إعادة كابتدائه، أي كابتداء الخلق والخلق هاهنا اسم الحدث لا الذي يراد به المخلوق (٥١) القول الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة (٥٢) وعلى هذا المعنى: كما بدأنا أول خلق نعيده إلى الفناء والهلاك.

وعلى هذا ليس الكلام بمستأنف بل هو متصل بالأول يقول: نطوي السماء ثم نعيده (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ وَعْدًا عَلَيْنَا ﴾ قال الزجاج: منصوب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ بمعنى وعدنا هذا وعدا (٥٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد الفعل بعينه.

ومعنى هذا ما ذكره الزجاج: أي قادرين على فعل ما نشاء (٥٥) وقال الآخرون (٥٦) (٥٧) (١) كنتم: ساقطة من (د)، (ع).

(٢) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 263.

وجوز أبو حيان 6/ 342، وتبعه السمين الحلبي 8/ 208 أن يكون "يوم" منصوبًا بـ"لا يحزنهم" و"تتلقاهم"، أو يكون منصوبًا بإضمار أذكر أو أعني.

(٣) في (أ): (سجل).

(٤) ذكره عن ابن عباس: الرازي 22/ 228، والقرطبي 11/ 347، وأبو حيان 6/ 343.

ورواية عطاء عن ابن عباس هذه باطلة، وقد تقدم الكلام فيها.

(٥) في جميع النسخ: (سجل)، والتصحيح من تفسير ابن كثير "الدر المنثور".

(٦) رواه عن السدي بهذا اللفظ ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 200، و"الدر المنثور" 5/ 683.

ورواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 206، والطبري 17/ 100 عن السدي مختصرًا، بلفظ: (السجل) ملك.

(٧) رواه الطبري 17/ 99، وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 200، و"الدر المنثور" للسيوطي 5/ 683 من طريق يحيى بن يمان، قال: حدثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نورًا.

(٨) يعني ابن عباس.

(٩) رواه أبو داود في "سننه" (كتاب الخراج والإمارة والفيء- باب اتخاذ الكاتب 8/ 154، والنسائي في التفسير 2/ 74، والطبري في تفسيره 17/ 100، وابن أبي حاتم في تفسيره (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 200، والبيهقي في "سننه" 10/ 126 كلهم من طريق يزيد بن كعب.

عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، به.

وفي سنده يزيد بن كعب وهو العوذي قال الذهبي في "الميزان" 4/ 348: لا يدري من ذا أصلًا.

وقال ابن حجر في التقريب 2/ 370: مجهول.

وعمرو بن مالك وهو النكري قال عنه ابن حجر في "التقريب" 2/ 426: صدوق له أوهام.

وقد تابع يزيد بن كعب يحيى بن عمرو بن مالك فرواه عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس به.

ورواه من هذا الوجه الطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 170، وابن عدي في "الكامل" 7/ 2662، والبيهقي في "سننه" 10/ 126.

لكن قال ابن كثير في "البداية والنهاية" 5/ 348 - بعد ذكره لهذه المتابعة-: ويحيى هذا ضعيف جدًّا، فلا يصلح للمتابعة.

وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 200 وفي "البداية والنهاية" 5/ 348 عن ابن عمر شاهدًا لهذا الأثر رواه الخطب البغدادي في "تاريخه" 8/ 175 من حديث حمدان ابن سعيد، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر == قال: كان للنبي-  - كاتب يقال له سجل، فأنزل الله ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ ﴾ .

ثم قال ابن كثير في "تفسيره": وهذا منكر جدًّا من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلًا، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس -من رواية أبي داود وغيره- لا يصح أيضًا، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه -وإن كان في سنن أبي داود- منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي.

وقال في "البداية والنهاية" 5/ 347: وعرضت هذا الحديث -يعني حديث ابن عباس- على شيخنا الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي فأنكره جدًا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس بن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع وإن كان في سنن أبي داود، فقال شيخنا المزي: وأنا أقوله.

وقال ابن القيم في تعليقه على ("سنن أبي داود" 8/ 154 حاشية عون المعبود): (سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف لرسول الله -  - كاتبٌ اسمه السجل قط.

أهـ.

أما رواية عكرمة عن ابن عباس فقد ذكرها الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 أ.

(١٠) هو أبو إسحاق، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، النيسابوري.

صاحب التفسير الكبير المسمى بـ"الكشف والبيان".

(١١) في (د)، (ع): (ولم).

(١٢) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 45 أإلى قوله: معروفين.

ولم أجد في "تفسيره" قوله.

وليس ..

وأصل الكلام للطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 17/ 100.

قال ابن كثير في تفسيره 3/ 200: وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، قال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي -  - معورفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل.

وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 406.

(١٤) رواه الفريابي في "تفسيره" (كما في "تغليق التعليق" 4/ 259)، والطبري 17/ 100 عن مجاهد مختصرًا، بلفظ: السجل: الصحيفة.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 684 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 417 بمثل رواية الفريابي وغيره.

(١٥) في (د)، (ع): (واختار هذا).

(١٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 213.

(١٧) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص 288).

(١٨) هذا قول الطبري في "تفسيره" 17/ 100.

(١٩) في (أ): (في رواية ابن عباس)، وهو خطأ.

(٢٠) لم أجده من رواية الكلبي عن ابن عباس، وروى الطبري 17/ 100 هذا القول عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي، والعوفي.

قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 200: والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة.

قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد.

واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب، أي: على الكتاب بمعنى المكتوب، كقوله ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ  ﴾ أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة.

(٢١) ذكره عنه ابن كثير 3/ 200.

(٢٢) في المطبوع من "تهذيب اللغة" 10/ 587، و"اللسان" 11/ 325: مأخوذة.

== وأشار محقق "تهذيب اللغة" في الحاشية أنَّ في الأصل: "مأخوذ".

(٢٣) (يكون): ساقطة من (ع).

(٢٤) في (أ): (ولذلك).

(٢٥) هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، القرشي.

يقال له الذهبي نسبة إلى أبي لهب.

شاعر من فصحاء بني هاشم، كان معاصرًا للأحوص والفرزدق، وله معهما أخبار.

ومدح عبد الملك بن مروان، وهو أول هاشمي يمدح أمويًّا.

توفي في خلافة الوليد ابن عبد الملك.

"معجم الشعراء" للمرزباني 178، "المؤتلف" للآمدي ص 35، "الأعلام" للزركلي 5/ 150.

(٢٦) في (أ): (الكذب)، وهو خطأ.

(٢٧) البيت للهبي يقوله مفتخرا، وهو منسوب له في: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 229، "والمعاني الكبير" لابن قتيبة 2/ 795، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 71، والطبري 12/ 94، و"الكامل" للمبرد 1/ 110، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 586 "سجل"، و"لسان العرب" 11/ 326 (سجل).

والكرب: هو الحبل الذي يشد على الدلو.

"لسان العرب" لابن منظور 1/ 714 "كرب".

والكلام الذي ذكره الواحدي هنا مع البيت منقولٌ من مواضع متفرقة من "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 584 - 588 "سجل".

وانظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 45 أ.

(٢٨) يعني أن السجل ملك، أو كتاب النبي -  -، أو الرجل بلغة الحبشة.

(٢٩) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: "للكُتُب" على الجمع والكاف والتاء مضمومتان وقرأ الباقون "للكتاب" على التوحيد.

"السبعة" ص 431، "التَّبْصرة" ص 264، "التيسير" ص 155.

(٣٠) اللام: ساقطة من (أ).

(٣١) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 264.

وانظر: "حجّة القراءات" لابن زنجلة ص470 - 471، 2/ 114 - 115.

(٣٢) يعني أن السجل: الصحيفة.

(٣٣) (والفاعل): ساقط من (د)، (ع).

(٣٤) في "الحجة" 5/ 264: من.

(٣٥) درج الكتاب: طيه وداخله.

"تاج العروس" للزبيدي 5/ 556 (درج).

(٣٦) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 264 مع تصرف.

(٣٧) في (د)، (ع): (السجل)، وهو خطأ.

(٣٨) لم أجده.

(٣٩) (أنّ): ساقطة من (د)، (ع).

(٤٠) في (أ): (الكتاب)، وهو خطأ.

(٤١) هذا قول الفراء 2/ 213، والطبري 17/ 101، والزجاج 2/ 406.

والمعنى أن الكلام انقطع عند قوله "للكتب" ثم ابتدأ الخبر عما الله فاعل بخلقه يومئذٍ، فقال: كما بدأنا أول خلق نعيده.

وقيل: إن الله تعالى لما قال "وتتلقاهم الملائكة ..

" الآية، عقبه بقوله "يوم نطوي السماء ..

" فوصف اليوم بذلك، ثم وصفه بوصف آخر فقال "كما بدأنا أول خلق نعيده".

انظر: "الرازي" 22/ 228.

(٤٢) في (أ): (أمهاتكم).

(٤٣) (غرلا): جمع أغرل، وهو الأقلف الذي لم يختن.

الفائق في "غريب الحديث" للزمخشري 1/ 137، "غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 154.

(٤٤) (خطيبًا): ساقطة من (أ).

(٤٥) (بموعظة): ساقطة من (د)، (ع).

(٤٦) هكذا في جمغ النسخ.

وفي مصادر التخريج: بدأنا.

(٤٧) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 351 تحقيق شاكر، والبخاري في "صحيحه" كتاب التفسير -تفسير سورة الأنبياء 8/ 437، ومسلم في "صحيحه" 41/ 2194 من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس بألفاظ مقاربة.

(٤٨) رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 102، وصححه القرطبي 11/ 348.

(٤٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 213.

(٥٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 406.

وفيه: كما ابتدأناهم.

(٥١) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 263.

مع اختلاف يسير.

(٥٢) رواه الطبرى في "تفسيره" 17/ 102 من رواية العوفي، عنه.

(٥٣) في (أ): (ونعيده).

(٥٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 406.

وانظر: "البحر المحيط" 6/ 344، "الدر المصون" 8/ 213.

(٥٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 407.

(٥٦) هذا قول الطبري 17/ 102، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب.

(٥٧) عند الطبري 17/ 102: إنا كنا فاعلي.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى ﴾ سبقت أي: قُضيت في الأزل، والحسنى السعادة، ونزلت الآية لما اعترض ابن الزبعرى على قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98]، فقال: إن عيسى وعزير والملائكة قد عُبدوا؛ فالمعنى إخراج هؤلاء من ذلك الوعيد، واللفظ مع ذلك على عمومه في كل من سبقت له السعادة ﴿ حَسِيسَهَا ﴾ أي صوتها ﴿ الفزع الأكبر ﴾ أهوال القيامة على الجملة، وقيل ذبح الموت وقيل: النفخة الأولى في الصور لقوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض ﴾ [النمل: 87] ﴿ كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ ﴾ السجل الصحيفة والكتاب مصدر: أي كما يطوي السجل ليكتب فيه، أو ليصان الكتاب الذي فيه، وقيل: السجل رجل كاتب وهذا ضعيف، وقيل: هو ملك في السماء الثانية: ترفع إليه الأعمال، وهذا أيضاً ضعيف ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ أي كما قدرنا على البداءة نقدر على الإعادة، فهو كقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [يس: 79]، وقيل: المعنى نعيدهم على الصورة التي بدأناهم كما جاء في الحديث: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً» ثم قرأ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ ، والكاف متعلقة بقوله بقوله: ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ ﴿ فَاعِلِينَ ﴾ تأكيداً لوقوع البعث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وحرم ﴾ بكسر الحاء: حمزة وعلي وعاصم غير حفص وأبي زيد عن المفضل ﴿ فتحت ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ لا يحزنهم ﴾ بضم الياء وكسر الزاء يزيد ﴿ نطوي ﴾ بضم التاء الفوقانية وفتح الواو ﴿ والسماء ﴾ بالرفع: يزيد.

﴿ للكتب ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ بدأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ قال ﴾ بالألف على حكاية قول الرسول ﴿ رب ﴾ بحذف الياء اكتفاء بالكسرة: حفص غير الخراز ﴿ رب ﴾ بضم الباء على أنه مبتدأ ﴿ احكم ﴾ على صيغة التفضيل.

يزيد عن يعقوب الباقون ﴿ رب احكم ﴾ ﴿ يصفون ﴾ على الغيبة: المفضل وابن ذكوان في رواية.

الوقوف: ﴿ واحدة ﴾ ز لأن المقصود من قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ قوله ﴿ فاعبدون ﴾ وكان الكلام متصلاً ﴿ فاعبدون ﴾ ه ﴿ وبينهم ﴾ ط ﴿ راجعون ﴾ ه ﴿ لسعيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ كاتبون ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط لإضمار القول ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ واردون ﴾ ه ﴿ ما وردوها ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ لا لأن ما بعد خبر "إن" ﴿ مبعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر بعد خبر ﴿ حسيسها ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ خالدون ﴾ ه ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون صفة أو استئنافاً ﴿ الملائكة ﴾ ط لأن التقدير قائلين هذا يومكم ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ للكتب ﴾ ط لأن الجار يتعلق بما بعده ﴿ نعيده ﴾ ط لحق المضمر اي وعدنا وحقاً ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ الصالحون ﴾ ه ﴿ عابدين ﴾ ه ط لاختلاف الجملتين ﴿ للعالمين ﴾ ه واحد ج للاستفهام مع الفاء ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ خارج عن المقول، ومن قرأ ﴿ ربي احكم ﴾ فوقفه مجوز لنوع عدول من الواحد إلى الجمع ﴿ تصفون ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصص الأنبياء أراد أن يذكر ما استقر عليه أمر الشرائع في آخر الزمان فقال ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ وسيرتكم، فالأمة الدين والطريقة لأنه أصل وقانون يرجع إليه.

وللتركيب دلالة على ذلك وهذا إشارة إلى ملة الإسلام أي إن هذه الملة هي طريقتكم وسيرتكم التي يجب أن تكونوا عليها حال كونها طريقة واحدة غير مختلفة.

﴿ وأنا ربكم ﴾ لا غيري ﴿ فاعبدون ﴾ والخطاب للناس كافة، وكان الظاهر أن يقال بعده وتقطعتم أمركم ينكم أي جعلتم أمر دينكم بينكم قطعاً كما يقسم الشيء بين الجماعة فيصير لهذا نصيب ولهذا نصيب فصرتم فرقاً مختلفة وأحزاناً شتى، إلا أنه عدل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه يقبح أمرهم إلى غيرهم فيقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء؟

عن رسول الله  أنه قال "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة وأن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة وتخلص فرقة واحدة قالوا: يا رسول الله ومن الفرقة الناجية؟

قال: الجماعة الجماعة" فهذا الحديث مفسر للآية من حيث إن هذه الأمة يجب أن يكونوا على كلمة واحدة، طعن بعضهم في الحديث أنه أراد بالاثنتين والسبعين فرقة اصول الأديان فإنها لا تبلغ هذا العدد، وإن أراد الفروع فإنها أضعاف هذا العدد.

وأجيب بأنه أراد ستفترق أمتي هذا العدد في حال ما، وهذا لا ينافي كون العدد في بعض الأحوال أنقص أو أزيد.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ فاعبدون وتقطعوا ﴾ بالواو وفي "المؤمنين" ﴿ فاتقون  فتقطعوا  ﴾ بالفاء لأن الخطاب ههنا أعم والعبادة أعم من التقوى.

وأيضاً الخطاب يتناول الكفار وقد وجد منهم التقطع قبل هذا القول، وفي سورة المؤمنين الخطاب للنبي  والمؤمنين بدليل قوله ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات  ﴾ ثم قال ﴿ فتقطعوا  ﴾ اي ظهر منهم أي من أمتهم التقطع بعد هذا القول ولأن التقطع منهم أغرب أكده هناك بقوله ﴿ زبراً ﴾ وفي قوله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ وعيد عظيم للفرق المختلفة.

ثم فصل مآل لهم بقوله ﴿ فمن يعمل ﴾ الآية والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه في قوله ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ وإنما لم يقل "فلا يكفر سعيه" لأن نفي الجنس أبلغ فإن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.

وفي قوله ﴿ وأنا له ﴾ اي لذلك السعي ﴿ كاتبون ﴾ مبالغة أخرى فإن المثبت في الصحيفة أبعد من النسيان والغلط كما قيل: قيدوا العلم بالكتابة.

ولا سيما إذا كان الكاتب ممن لا يجوز عليه السهو والنسيان.

قال المفسرون: معناه حافظون لنجازي عليه.

وقيل: مثبتون في أم الكتاب أو في صحف الأعمال.

هذا حال السعداء وأما أحوال أضدادهم فذلك قوله ﴿ وحرام ﴾ ومن قرأ ﴿ حرم ﴾ فإنه فعل بمعنى مفعول.

والتركيب يدور على المنع اي ممتنع أو ممنوع وهذا خبر لا بد له من مبتدأ وذلك قوله ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ أو غير ذلك.

والرجوع إما الرجوع عن الشرك إلى الإسلام أو الرجوع إلى الدنيا أو إلى الآخرة.

وعلى الأول إما أن تكون "لا" زائدة أقحمت للتأكيد ومعنى الآية ممتنع على أهل قرية عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها أن يرجعوا أو يتوبوا إلى أن تقوم الساعة والمراد تصميمهم على الكفر.

وإما أن تكون معيدة ولكن الحرام بمعنى الواجب تسمية لأحد الضدين باسم الآخر باشتراكهما في المنع إلا أن الوجوب منع عن الترك والحرمة منع عن الفعل، وقد ورد في الاستعمال مثل ذلك قال  ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا  ﴾ وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وقالت الخنساء: وإن حراماً لا ارى الدهر باكياً *** على شجوه إلا بكيت على عمرو وعلى الثاني فالإهلاك على أصله، والمعنى أن رجوعهم إلى الدنيا ممتنع أو عدم رجوعهم واجب إلى قيام الساعة نظيره قوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون  ﴾ وعلى الثالث فقوله "حتى" غاية لقوله ﴿ لا يرجعون ﴾ اي ممتنع عدم رجوع المهلكين إلى عذاب الآخرة حتى الساعة، وذلك أن رجوعهم إلى عذاب النار قبل الساعة واجب بقوله ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن رجوعهم إلى الآخرة واجب إلى هذه الغاية أي أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة.

وعلى الرابع فالمعنى وحرام عليهم ذلك وهو المذكور من السعي المشكور غير المكفور لأنهم لا يرجعون عن الكفر إلى أن تقوم الساعة.

قوله  ﴿ حتى إذا فتحت ﴾ "حتى" هي التي يقع بعدها الجملة وهي ههنا مجموع الشرط والجزاء و"إذا" المفاجأة تسد مسد فاء الجزاء، وقد يجمع بينهما للتعاون على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد وإنما احتيج إلى هذا التأكيد لأن الشرط يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل يوم القيامة، ولعل بينهما فاصلة بالزمان إلا أن التفاوت القليل كالمعدوم والمضاف محذوف أي سد يأجوج ومأجوج وتأنيث الفعل لأنهما قبيلتان وهما ومن جنس الأنس كما مر في آخر الكهف.

يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج.

وفي الحديث "إن منكم واحداً ومن يأجوج ومأجوج ألف" .

قوله ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ قال أكثر المفسرين: الضمير ليأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد.

وعن مجاهد أنه لجميع المكلفين الذين يساقون إلى المحشر.

والحدب ما إرتفع من الأرض والنسل الإسراع.

﴿ واقترب ﴾ عطف على ﴿ فتحت ﴾ وهو داخل في الشرط.

و ﴿ الوعد الحق ﴾ القيامة وقوله ﴿ فإذا هي شاخصة ﴾ كقوله في سورة إبراهيم ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وقال في الكشاف: ﴿ هي ﴾ ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره.

قلت: فعلى هذا ﴿ هي ﴾ مبتدأ ﴿ وشاخصة ﴾ خبره ﴿ وأبصار ﴾ بدل ﴿ هي ﴾ ولو قيل: ﴿ هي ﴾ ضمير القصة مبتدأ والجملة التي هي أبصار الذين كفروا شاخصة خبره جاز وهو قول سيبويه.

ثم ههنا إضمار اي يقولون ﴿ يا ويلنا ﴾ وهو في موضع الحال من الذين كفروا والعامل شاخصة ﴿ قد كنا في غفلة من هذا ﴾ الوعد أو الأمر ﴿ بل كنا ظالمين ﴾ أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب الرسل وعبادة الأوثان.

ثم بين حال معبوديهم يوم القيامة فقال: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ اي محصوبها بمعنى محصوب فيها، والحصب الرمي ومنه الحصباء لأنه يرمى بها الشيء وقرئ حطب.

واللام في قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ كاللام في قوله "هو لزيد ضارب" وذلك لضعف عمل اسم فيما تقدم عليه.

والمعنى لا بد لكم أن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها.

ثم ألزمهم الحجة بقوله ﴿ لو كان هؤلاء ﴾ المعبودون ﴿ آلهة ﴾ في الحقيقة ﴿ ما وردوها ﴾ لكنهم واردوها للخبر الصادق الذي يتنبه لصدقه من يتأمل في إعجازه فينتج أن هؤلاء ليسوا بآلهة وأنها لا تستحق تعظيماً أصلاً.

ثم أخبر أنهم بعد ورودهم النار لا يخلصون منها أبداً فقال ﴿ وكل ﴾ اي من العابدين والمعبودين ﴿ فيها خالدون لهم فيها زفير ﴾ قد سبق معانيه في آخر سورة هود ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ شيئاً إما لأنهم يجعلون في توابيت من نار عن ابن مسعود، وإما لأنه  يصمهم كما يعميهم.

والصمم في بعض الأوقات لا ينافي كونهم سامعين أقوال أهل الجنة في غير ذلك الوقت، أو المراد أنهم لا يسمعون ما يسرهم، أو الضمير للمعبودين والسماع سماع إجابة، وعلى هذا فالضمير في ﴿ لهم فيها زفير ﴾ للعابدين وجاز اعتماداً على فهم السامع حيث يرد كلاً من الضميرين على ما يناسبهما كأنه قيل: العابد يدعو والمعبود لا يجيب، ويجوز أن يكون للمعبودين أيضاً لأن فيهم من يتأتى منه الزفير كالشياطين فغلب، أو لأن الجماد ينطقه الله وقتئذ والزفير بمعنى اللهيب والله أعلم.

يروى أن رسول الله  دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث وكلمه رسول الله  حتى أفحمه ثم تلا عليهم ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ الاية.

فأقبل عبد الله بن الزبعري فأخبره الوليد بن المغيرة بنا جرى فقال معترضاً: اليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟

فقال  : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك وأنزل الله  ﴿ إن الذين سبقت ﴾ الآية.

فخرج من الحديث.

الآية جواب ابن الزبعري على أتم وجه وأكمله كأنه قيل أولاً إن الاية باقية على عمومها لأن الذين عبدوا عزيراً والمسيح والملائكة لم يعبدونهم في الحقيقة، وإنما عبدوا الشياطين التي دعتهم إلى ذلك، ولئن سلم أنهم عبدوهم في الحقيقة لكنهم مخصوصون بما سبقت لهم منا الخصلة الحسنى وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو بتوفيق الطاعة وكل ميسر لما خلق له.

ومن المفسرين من أجاب عن اعتراض ابن الزبعري بوجوه آخر منها: أن قوله ﴿ إنكم ﴾ خطاب لمشركي قريش وإنهم لم يعبدوا سوى الأصنام.

ولقائل أن يقول: حمل الآية على العموم أتم فائدة.

ومنها أن قوله ﴿ وما تعبدون ﴾ لا يتناول العقلاء فيسقط الاعتراض.

ولقائل أن يقول: ما أعم لا مباين فيشمل ذوي العقول وغيرهم ولهذا جاء ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ سبحان ما سخركن لنا.

ومنها أنه تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه، وضعف بأن القوم لم يعبدوا تلك الصورة، وبأن الملك لا يتعذب بالنار كخزنة جهنم.

واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقوله ﴿ إن الذين ﴾ لا يبعد أن يكون عاماً لكل المؤمنين ويؤيده ما روي أن علياً قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.

وزعم مثبتوا لعفو أن الحسنى في الاية هي الوعد بالعفو لأنه قال ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ بأزاء قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ والورود الدخول فالإبعاد الإخراج من النار بعد أن كانوا فيها.

وأيضاً إبعاد البعيد محال.

وقوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ إذ الصوت الذي يحس به مخصوص بما بعد الإخراج.

وايضاً قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ يفهم منه أنه يحزنهم الفزع الأصغر، فالأكبر عذاب الكفار والأصغر عذاب صاحب الكبيرة، والأكثرون على أن المراد من قوله ﴿ مبعدون ﴾ أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة لأن ما جعل بعيداً عن شيء ابتداء يحسن أن يقال: إنه أبعد عنه، وهؤلاء لم يفسروا الورود في قوله { ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ بالدخول كما مر في سورة مريم.

وفي قوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ تأكيد للإِبعاد فقد لا يدخل النار ويسمع حسيسها.

ثم بين أنهم مع العبد عن المنافي منتفعون بالقرب من الملائم ملتذون به على سبيل التأبيد فقال ﴿ وهم فيما إشتهته ﴾ ﴿ أنفسهم ﴾ أي فيما تطلبه للالتذاذ به ﴿ خالدون ﴾ هذا نصيب أهل الجنة، وأما أهل الله فهم فيما اشتهت قلوبهم وارواحهم وأسرارهم خالدون.

والفزع الأكبر قيل: النفخة الأخيرة لقوله ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض  ﴾ وعن الحسن هو الانصراف إلى النار فإنه لا فزع أكبر مما إذا شاهدوا النار، وهذا أمر يشترك فيه أهل النار جيمعاً، ثم مراتب التعذيب بعد ذلك متفاوتة.

وعن الضحاك وسعيد بن جبير هو حين تطبق النار على أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح فعند ذلك يستقر أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وتستقبلهم الملائكة مهنئين قائلين ﴿ هذا يومكم ﴾ اي وقت ثوابكم ﴿ الذي كنتم توعدون ﴾ ذلك قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم.

والعامل في ﴿ يوم نطوي السماء ﴾ : ﴿ لا يحزنهم ﴾ أو ﴿ تتلقاهم ﴾ .

والسجل اسم للطومار الذي يكتب فيه.

وعن ابن عباس أنه ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه وهو مروي ايضاً عن علي  .

وروى أيضاً أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه كاتب لرسول الله  وليس بمعروف.

قال الزجاج: هو الرجل بلغة الحيش.

فعلى هذه الوجوه فالطي وهو المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الوجه الأول هو مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف كطي الطاوي للسجل وهو قول الأكثرين وإشتقاقه من السجل الدلو العظيم وقد قرئ به والتركيب يدل على الامتلاء والاجتماع ولهذا لا يسمى الدلو سجلاً إلا إذا كان فيه ماء ومنه "أسجلت الحوض ملأته".

وقوله ﴿ للكتاب ﴾ أي للكتابة ومعناه ليكتب فيه أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب.

ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي ما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وكيفية هذا الطي لا يعلمها إلا من أخبر عن ذلك أما قوله ﴿ كما بدأنا ﴾ فمن المفسرين من قال: إنه ابتداء كلام ومنهم من قال: إنه وصف قوله ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ بقوله ﴿ يوم نطوي ﴾ ثم عقبه بوصف آخر فقال ﴿ كما بدأنا أول خلق ﴾ وهو مفعول نعيد الذي يفسره ﴿ نعيده ﴾ و"ما" كافة أي نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء.

فكما أوجده أولاً عن عدم يعيده ثانياً عن عدم.

ومنهم من قال: الإعادة إنما تتعلق بالضم والتركيب بعد تفريق الأجزاء الاصلية والآية لا تطابقه كل المطابقة.

وأول خلق كقولك "هو أول رجل" اي إذا فضلت رجلاً رجلاً فهو أولهم، وإنما خص أول الخلائق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم ودفعاً للاعتراض.

وجوز جار الله أن تنتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده و"ما" موصولة اي نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و ﴿ أول خلق ﴾ ظرف ﴿ لبدأنا ﴾ أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ وقوله ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لأن قوله نعيد عدة للإعادة وقيل: أراد حتماً ﴿ علينا ﴾ لسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه فإن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ثم حقق ذلك بقوله ﴿ إنا كنا فاعلين ﴾ اي سنفعل ذلك لا محالة فإنا قادرون عليه.

عن سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد أن الزبور جنس للكتب المنزلة كلها، والذكر أم الكتاب يعني اللوح ففيه كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة، وكتب الأنبياء كلهم منتسخة منه، وعن قتادة أن الزبور هو القرآن، والذكر هو التوراة.

وعن الشعبي أن الزبور هو كتاب داود  والذكر التوراة.

وجوز الإمام فخر الدين أن يراد بالذكر العلم أي كتبنا فيه بعد أن كنا عالمين غير ساهين.

والمراد تحقيق وقوع المكتوب فيه، والأرض أرض الجنة، والعباد الصالحون هم المؤمنون العالمون بما يجب عليهم نظيره قوله ﴿ وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين  ﴾ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والسدي وأبو العالية.

وإنما ذهبوا إلى هذا القول لأن أرض الدنيا تعم الصالح وغير الصالح، ولأن الآية وردت بعد ذكر الإعادة.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أنها أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار نظيره ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأرض  ﴾ وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد  عند نزول عيسى ابن مريم ﴿ إن في هذا ﴾ الذي ذكر في السورة من الأخبار والوعد والوعيد وغير ذلك ﴿ لبلاغاً ﴾ لكفاية ﴿ لقوم عابدين ﴾ عاملين بما ينبغي عمله من الخيرات بعدما عملوا من كيفية أدائها.

والبلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط والوسائل، ولا مطلوب أجل من سعادة الدارين فكل من كان وسيلة إلى نيل هذا المطلوب على الوجه الأتم الأكمل كان وجوده رحمة من الله للطالب المتحير وما ذاك إلا خاتم النبيين فلهذا قال ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وكونه رحمة للكل لا ينافي قتله بعض الكفرة والتعرض لأموالهم وأولادهم كما أن كي بعض أعضاء المريض بل قطعه لا ينافي حذق الطبيب وإشفاقه على المريض ومن هنا قيل: آخر الدواء الكي.

والعاقل لا ينسب التقصير إلى الفاعل لقصور في القابل.

قالت المعتزلة: لو كان الكفر الكافر بخلق الله لم يكن إرسال الرسول رحمة له لأنه لا يحصل له حينئذ إلا لزوم الحجة عليه.

وأجيب بأنه كونه رحمة للفجار هو أنهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال، ولا يلزم أن يكون الرسول رحمة للمؤمنين من جهة كونه رحمة للكافرين، والجواب المحقق أن كونه رحمة عامة بالنسبة على أمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم.

وفي الآية دلالة على أن النبي  أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض  ﴾ والاستغفار رحمة.

والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير الرحمة بمعنى الدعاء، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك، ثم بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك فقال ﴿ قال إنما يوحى إلي ﴾ إن كانت "ما" موصولة فمعناه أن الذي يوحي إليَّ هو أن وصفه  مقصور على الوحدانية لا يتجاوزه إلى ما يناقضها أو يضادها بأي قسمة فرضت وإن كانت كافة المعنى أن الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدة، وذلك أن القصر يكون أبداً لما يلي إنما وفي قوله ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ بعث لهم على قبول هذا الوحي الذي هو أصل التكاليف كلها، وفيه نوع من التهديد فلذلك صرح به قائلاً ﴿ فإن تولوا فقل آذنتكم ﴾ اي أعلمتكم والمراد ههنا أخص من ذلك وهو الإنذار ﴿ على سواء ﴾ هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ إلى وقت اي حال كونكم مستوين في ذلك لا فرق بين القريب والأجنبي والقاصي والداني والشريف والوضيع ولهذا قال أبو مسلم: الإيذان على سواء هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ وقيل: أراد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من أصول التكاليف ولا سيما التوحيد على السوية من غير فرق في الإبلاغ بين مكلف ومكلف.

ولست ﴿ أدري أقريب ما توعدون ﴾ أم بعيد والموعود قيل: هو عذاب الآخرة.

واعترض بأنه ينافي قوله ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ وقيل: هو الأمر بالقتال لأن السورة مكية وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة.

وقيل: هو إعلاء شأن الإسلام وغلبة ذويه فإنه لا بد أن يلحق للكفار حينئذ ذلة وصغار.

ولما أمره أن ينفي عن نفسه علم الغيب أمره أن يقول لهم إن الله  هو العالم بالسر والعلن فيعلم ما تجاهرون به من المطاعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الإحن والضغائن فيجازيكم على القبيلين ﴿ وإن أدري لعله ﴾ اي ما أدري لعل تأخير هذا الوعد أو إبهام وقته أو تأخير الأمر بالجهاد امتحان لكم لينظر كيف تعملون وتمنيع لكم ﴿ إلى حين ﴾ حضور وقت الموعد.

وقال الحسن: لعل ما أنتم عليه من الدنيا ونعيمها بلية لكم.

وقيل: اراد لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت ابتلاء لكم لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالاً بعد حال يكون عذابه اشد.

ومعنى ﴿ رب احكم بالحق ﴾ أقضى بيني وبين من يكذبني بالعذاب.

قال قتادة: امره الله  أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق  ﴾ فاستجيب له فعذبوا ببدر، وقال جار الله: بالحق لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم كما قال "أشدد وطأتك على مضر" وقيل: معناه وافعل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع تنصرني عليهم كأنه  قال له: قل داعياً إليَّ رب احكم بالحق وقل متوعد للكفار ﴿ وربنا الرحمن المستعان ﴾ الذي يستعان به ﴿ على ما تصفون ﴾ من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل، وكانوا يطمعون أن يكون لهم الغلبة والدولة فقلب الله الأمر عليهم.

وفي هذا الأمر تسلية للنبي  ورفع عن مقداره حيث أمر بالانقطاع إلى الرب في دفع أذية القوم ليحصل له مع الخلاص من أذيتهم شرف الاستجابة وهذه غاية العناية.

التأويل: ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة في ذاته كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول ﴿ أنا ربكم ﴾ الذي بلغتكم هذه الرتبة ﴿ فاعبدون ﴾ أي فاعرفون ﴿ وتقطعوا أمرهم ﴾ فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ أما طالب الدنيا فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم، وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا فإنه يرجع إلينا بالحقيقة ﴿ وإنا له كاتبون ﴾ في الأزل من أهل السعادة ﴿ حتى إذا فتح ﴾ سد ﴿ يأجوج ﴾ النفس و ﴿ مأجوج ﴾ الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة والباطنة ﴿ ينسلون ﴾ فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح ﴿ واقترب الوعد ﴾ إهلاك القلوب الغافلة ﴿ فإذا هي شاخصة ابصار ﴾ بصائرها بالانهماك في الأهواء ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ العناية الأزلية ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ أعني مقالات أهل البدع والأهواء ﴿ وهم فيما اشتهت أنفسهم ﴾ المطمئنة المجذوبة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ في مقامات السير في الله ﴿ خالدون ﴾ الفزع الأكبر قوله في الأزل "هؤلاء في النار ولا أبالي" ﴿ يوم نطوي ﴾ سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ يعني أن الرجوع يكون بالتدريح كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة ثم خلق المضغة عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر.

ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ أي في أم الكتاب ﴿ من بعد الذكر ﴾ أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره ﴿ كن فيكون  ﴾ أن أرض جنة الوجود الحقيقي ﴿ يرثها عبادي الصالحون ﴾ وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي.

فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، ولوجود الحقيقي لكونه ثابتاً ومستقراً على حالة واحدة كالأرض ﴿ لقوم عابدين ﴾ عارفين.

﴿ وما أرسلناك ﴾ من كتم العدم ﴿ إلا رحمة للعالمين ﴾ فلولاك لما خلقت الأفلاك "أول ما خلق الله روحي" ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إنه لما نزل قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قالت الكفرة: إن عيسى وعزيراً والملائكة قد عبدوا من دون الله فهم حصب جهنم، فنزل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ استثنى من سبق له الحسنى منه، وهو عيسى وهؤلاء، وكذلك في حرف ابن مسعود: (إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى) على الاستثناء.

عن علي -  - قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...

﴾ الآية: ذاك عثمان وطلحة والزبير، وأنا من شيعة عثمان وطلحة والزبير، ثم قال: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ...

﴾ الآية [الأعراف: 43].

ولكن قد ذكرنا الوجه فيه، فإن ثبت أنه نزل بشأن هؤلاء وإلا فهو لكل من سبق له من الله الحسنى.

ثم ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ يحتمل الجنة، كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  ﴾ أي: بالجنة، فعلى ذلك قوله: ﴿ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، ويحتمل ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ : السعادة والبشارة بالجنة وثوابها.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ أي: لا يعودون إليها أبداً، ليس على بعد المكان كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ  ﴾ أي: لا يعودون إلى الهدى أبداً.

أو أن يكون قوله: ﴿ مُبْعَدُونَ ﴾ عنها مكاناً، لكن قد ذكر في آية: ﴿ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ  عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ  ﴾ وقال في آية: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ولا نعلم هذا أنه يجعل في قوى أهل الجنة أنهم متى ما أرادوا أن ينظروا إلى أولئك ويروهم يقدرون على ذلك؛ أو تقرب النّار إليهم فينظرون إليهم، والله أعلم، والأوّل أشبه أنهم لا يعودون إليها أبداً.

وقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ﴾ أي: صوتها، وهو ما ذكر من الإبعاد، وإذا بعدوا منها لم يسمعوا حسيسها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴾ وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ ﴾ أي: لا يحزنهم أهوال يوم القيامة وأفزاعها ﴿ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ أي: تتلقاهم الملائكة بالبشارة، كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ...

﴾ الآية [فصلت: 30].

أو ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ ﴾ ، أي: لا يحزنهم ما يحل بالكفرة من الفزع والعذاب، كمن رأى في الدنيا إنساناً في بلاء وشدة، أو يعذب بعذاب، فإنه يحزن ويهتم بما حل به، فأخبر أنّهم لا يحزنون بما حل بالكفرة من العذاب والشدائد.

قال أبو عوسجة: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ قال: الحصب والحطب واحد، قال: وما أكثر من العرب من يتكلم بهذه اللفظة، قال: ولا أعرف (حضب جهنم) بالضاد.

وقال غيره ما ذكرنا من إلقاء الحطب فيه والتهييج.

وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ أي: داخلون.

وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾ الزفير: هو شدة النفس في الصّدر، يقال: زفر يزفر زفيراً.

وقال بعضهم: الزفير: هو أنين كل محزون ومكروب، وهو قريب ممّا ذكرنا.

وقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ﴾ ، أي: صوتها، وهو من الحس: وهو الصّوت.

وقال القتبي: حصب جهنم: ما ألقي فيها، وأصله: من الحصباء، وهي الحصاة، ويقال: حصبت فلانا - أي: رميته - حصبا بتسكين الصّاد، وما رميت به حصب، بفتح الصّاد، وكما تقول: نفضت الشجرة نفضا، وما وقع نفض، واسم حصى الجمار: حصب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ كأن هذا خرج على إثر سؤال سألوه على غير ابتداء؛ لأن الابتداء بمثله على غير تقدم أمر لا يحتمل، فكأنه - والله أعلم - لما ذكر أهل النار في قوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ وذكر أهل الجنة ووصفهم بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من قوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فكأنهم قالوا: متى يكون ذلك؟

فقال عند ذلك: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ أخبر أن السماء تطوى كما يطوي السجل الكتب.

ثم ذكر في السماء الطي مرة والتبديل في آية بقوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [إبراهيم: 48]، وذكر [الانفطار و] الانشقاق في آية، كقوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ \[الانفطار 1\] و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ  ﴾ ونحوه، كما ذكر في الجبال أحوالا، مرة قال: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، وقال في آية [أخرى]: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ  ﴾ ونحوه، فجائز أن يكون كذلك على اختلاف الأحوال، على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم تتلاشى وتفنى حتى لا يبقى منها شيء، كما ذكر ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ ؛ فعلى ذلك السماوات والأرضون يختلف عليها الأحوال على ما ذكر، ثم آخرها التبديل كما ذكر ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ  ﴾ فيما ذكر في هؤلاء الآيات من تغيير الجبال والسماوات والأرضين دليل فناء هذا العالم بجملته وأسره؛ لأن فناء السماوات والأرض والجبال يبعد عن أوهام الخلق، وأمّا غيرها من الخلائق فإنهم يشاهدون فناءه، فذكر فناء ما يبعد في أوهامهم، ليعلموا أن هذا العالم يفنى بأسره، ويستبدل عالماً آخر، يحتمل البقاء للجزاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ .

هذا أيضاً لا يحتمل إلا على تقدم ذكر، فهو محتمل ما ذكرنا مما سبق من ذكر أهل الجنة وأهل النار، فقالوا: كيف يحيون؟

فقال عند ذلك: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ ثم اختلف فيه: فقال بعضهم: نطفا، ثم علقاً، ثم مضغا، ثم عظاماً، ثم لحماً، ثم ينفخ فيهم الروح.

وقال بعضهم: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ حفاة عراة على ما خلقوا في الابتداء.

وقال بعضهم: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ يعني: السماوات السبع يطويها الله فيجعلها سماء واحدة كما كانت أولا قبل أن يخلق فيها ست سماوات، والأرضين كذلك.

وجائز أن يكون ذكر هذا إخباراً أنه قادر على أن يعيدهم كما قدر على ابتداء خلقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ أي: بعثهم ﴿ وَعْداً عَلَيْنَآ ﴾ لا يختلف ذلك على ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ  ﴾ ثم اختلف في السجل، وفي قراءته: قال بعضهم: السجل: اسم رجل، وهو كاتب رسول الله  .

وقال بعضهم: هو اسم الملك الذي يكتب.

وقال بعضهم: السجل: الصحيفة.

ثم قال بعضهم: من قرأ ﴿ ٱلسِّجِلِّ ﴾ بالتشديد فهو الصحيفة، ومن قرأ ﴿ ٱلسِّجِلِّ ﴾ بالتخفيف: هو ملك موكل بالصحف، اسمه: السجل، ويقرأ الكتاب.

قال أبو عوسجة: ﴿ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ قال: يقال: أسجلت وسجلت، أي: كتبت، إسجالا وتسجيلا، وسجلت أيضاً: عملت، وسجل: خلق، يقال منه: سجل يسجل سجلا، والمساجلة: المفاخرة، ويقال: ساجلته: فاخرته، ويقال: أسجلت الكلام فهو مسجل، أي: أطلقته وأرسلته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ .

قال بعضهم: إن كل كتب الله التي أنزلها هي زبور.

﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: الكتاب الذي عند الله وهو اللوح المحفوظ، معناه - والله أعلم - على هذا التأويل: كتبنا في الكتب التي أنزلناها بعد ما كان مكتوباً في اللوح المحفوظ ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا...

﴾ كذا.

وقال بعضهم: كتب الله في الزبور المعروف، وهو زبور داود بعد ما كتب ﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: التوراة ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ يعني: الجنة ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ وكتب ذلك في هذا القرآن فقال: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ ﴾ ، أي: زبور داود بعد ما كتب في الذكر الذي عنده.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ ﴾ : في بعض كتاب، أي: في بعض السور: ﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ ، أي: من بعد السورة ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ كذا.

وجائز أيضاً: ﴿ كَتَبْنَا ﴾ في كتاب ﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ ، أي: من بعد ما ذكرهم ووعظهم ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ كذا.

ثم اختلفوا في قوله: ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: هي الجنة؛ أخبر أن الجنة إنما يرثها عبادي الصالحون، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ \[المؤمنون: 10-11\] فيكون هذا تفسيراً لذلك.

وقال بعضهم: ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ ﴾ يعني: أرض بيت المقدس ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ وهو كذلك كان، لم يزل بها عباد الله الصالحون إلى يوم القيامة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ أنه محمد، كقول رسول الله  : "زُويت لي الأرضُ فأريتُ مشارقَهَا ومغاربَها وسَيبْلُغ ملك أمتي ما زُوي لي منها" ، فذلك وراثتها، وهم عباده الصالحون، كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [آل عمران: 110]؛ أخبر أنها خير الأمم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فِي هَـٰذَا ﴾ أي: فيما ذكر من قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ في ذلك ﴿ لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ أي: لقوم همتهم العبادة، أو لقوم مطيعين موحدين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا ﴾ فيما تقدم من الآيات، وهو قوله: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ ، وما ذكر من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...

﴾ إلى آخر ما ذكر - أن فيما ذكر كله ﴿ لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

وجائز أن يكون بلاغا للناس جميعاً، كقوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ  ﴾ فيكون قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ أي: لقوم يلزمهم العبادة.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا ﴾ أي: في هذا القرآن ﴿ لَبَلاَغاً ﴾ أبلغهم عن الله ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا ﴾ أي: في هذا ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يوم نطوي السماء مثل في الصحيفة على ما فيها، ونحشر الخلق على هيئتهم التي خلقوا بها أول مرة، وعدنا بذلك وعدًا لا خُلْف فيه، إنا كنا منجزين ما نعد به.

<div class="verse-tafsir" id="91.5Jdw4"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل