الآية ١٠٥ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ١٠٥ من سورة الأنبياء

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ ١٠٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٥ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٥ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين ، من السعادة في الدنيا والآخرة ، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة ، كقوله تعالى : ( إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) [ الأعراف : 128 ] .

وقال : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) [ غافر : 51 ] .

وقال : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم [ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ] ) ، الآية [ النور : 55 ] .

وأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائن لا محالة; ولهذا قال تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ) ، قال الأعمش : سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ) فقال الزبور : التوراة ، والإنجيل ، والقرآن .

وقال مجاهد : الزبور : الكتاب .

وقال ابن عباس ، والشعبي ، والحسن ، وقتادة ، وغير واحد : الزبور : الذي أنزل على داود ، والذكر : التوراة ، وعن ابن عباس : الزبور : القرآن .

وقال سعيد بن جبير : الذكر : الذي في السماء .

وقال مجاهد : الزبور : الكتب بعد الذكر ، والذكر : أم الكتاب عند الله .

واختار ذلك ابن جرير رحمه الله ، وكذا قال زيد بن أسلم : هو الكتاب الأول .

وقال الثوري : هو اللوح المحفوظ .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الزبور : الكتب التي نزلت على الأنبياء ، والذكر : أم الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض ، أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض ويدخلهم الجنة ، وهم الصالحون .

وقال مجاهد ، عن ابن عباس : ( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) قال : أرض الجنة .

وكذا قال أبو العالية ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، وقتادة ، والسدي ، وأبو صالح ، والربيع بن أنس ، والثوري [ رحمهم الله تعالى ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالزَّبور والذكر في هذا الموضع ، فقال بعضهم: عُني بالزَّبور: كتب الأنبياء كلها التي أنـزلها الله عليهم ، وعُني بالذكر: أمّ الكتاب التي عنده في السماء.

ذكر من قال ذلك: حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرمليّ ، قال : ثنا يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، قال: سألت سعيدا ، عن قول الله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) قال: الذكر: الذي في السماء.

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، في قوله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ ) قال: قرأها الأعمش: (الزُّبُرِ) قال: الزبور ، والتوراة ، والإنجيل ، والقرآن ، ( مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) قال: الذكر الذي في السماء.

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( الزَّبُورِ ) قال: الكتاب ، ( مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) قال: أم الكتاب عند الله.

* حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جُرَيج ، عن مجاهد ، قوله ( الزبور ) قال: الكتاب ، (بعد الذكر ) قال: أم الكتاب عند الله.

حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد ، في قوله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ ) قال: الزبور: الكتب التي أُنـزلت على الأنبياء ، والذكر: أمّ الكتاب الذي تكتب فيه الأشياء قبل ذلك.

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن سعيد ، في قوله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) قال: كتبنا في القرآن من بعد التوراة.

وقال آخرون: بل عني بالزبور: الكتب التي أنـزلها الله على مَنْ بعد موسى من الأنبياء ، وبالذكر: التوراة.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي ، قال: ثني عمي ، قال: ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) ...

الآية ، قال: الذكر: التوراة ، والزبور: الكتب.

حدثنا عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك يقول ، في قوله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) .

.

.

الآية ، قال: الذكر: التوراة ، ويعني بالزبور من بعد التوراة: الكتب.

وقال آخرون: بل عني بالزَّبور زَبور داود ، وبالذكر تَوراة موسى صلى الله عليهما.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن عامر أنه قال في هذه الآية ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) قال: زبور داود ، من بعد الذكر: ذكر موسى التوراة.

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عديّ ، عن داود ، عن الشعبيّ ، أنه قال في هذه الآية ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) قال: في زبور داود ، من بعد ذكر موسى.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك ما قاله سعيد بن جبير ومجاهد ومن قال بقولهما في ذلك ، من أن معناه: ولقد كتبنا في الكتب من بعد أمّ الكتاب الذي كتب الله كل ما هو كائن فيه قبل خلق السماوات والأرض ، وذلك أن الزبور هو الكتاب ، يقال منه: زبرت الكتاب وذَبرته (1) : إذا كتبته ، وأن كلّ كتاب أنـزله الله إلى نبيّ من أنبيائه ، فهو ذِكْر .

فإذ كان ذلك كذلك ، فإن في إدخاله الألف واللام في الذكر ، الدلالة البينَة أنه معنيّ به ذكر بعينه معلوم عند المخاطبين بالآية ، ولو كان ذلك غير أم الكتاب التي ذكرنا لم تكن التوراة بأولى من أن تكون المعنية بذلك من صحف إبراهيم ، فقد كان قبل زَبور داود.

فتأويل الكلام إذن ، إذ كان ذلك كما وصفنا: ولقد قضينا ، فأثبتنا قضاءنا في الكتب من بعد أمّ الكتاب ، أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، يعني بذلك: أن أرض الجنة يرثها عبادي العاملون بطاعته ، المنتهون إلى أمره ونهيه من عباده ، دون العاملين بمعصيته منهم المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الله الهلالي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى القَتَّات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قوله ( أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) قال: أرض الجنة.

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال: ثني معاوية ، عن عليّ ، عن ابن عباس قوله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) قال: أخبر سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض ، أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض، ويُدخلهم الجنة ، وهم الصالحون.

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن سعيد بن جبير في قوله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) قال: كتبنا في القرآن بعد التوراة ، والأرض أرض الجنة.

حدثني عليّ بن سهل ، قال : ثنا حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ( أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) قال: الأرض: الجنة.

حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرمليّ ، قال : ثنا يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، قال: سألت سعيدا عن قول الله ( أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) قال: أرض الجنة.

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله ( أَنَّ الأرْضَ ) قال: الجنة ، ( يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.

حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد ، في قوله ( أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) قال: الجنة ، وقرأ قول الله جلّ ثناؤه وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ قال: فالجنة مبتدؤها في الأرض ثم تذهب درجات علوا ، والنار مبتدؤها في الأرض ، وبينهما حجاب سور ما يدري أحد ما ذاك السور ، وقرأ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ قال: ودرجها تذهب سفالا في الأرض ، ودرج الجنة تذهب علوا في السماوات.

حدثنا محمد بن عوف ، قال : ثنا أبو المغيرة ، قال : ثنا صفوان ، سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع (2) ؟

قال: فقال: إن الأرض التي يقول الله ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) قال: هي الأرض التي تجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.

وقال آخرون: هي الأرض يورثها الله المؤمنين في الدنيا.

وقال آخرون: عني بذلك بنو إسرائيل ، وذلك أن الله وعدهم ذلك فوفى لهم به.

واستشهد لقوله ذلك بقول الله وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وقد ذكرنا قول من قال ( أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) أنها أرض الأمم الكافرة ، ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو قول ابن عباس الذي روى عنه عليّ بن أبي طلحة.

------------------------ الهوامش : (1) ( في اللسان : ذبر ) : الذبر : الكتابة ، مثل الزبر .

ذبر الكتاب يذبره ( كنصره ) ويذبره ( كيضربه ) ذبرا ، وذبره ( بالتضعيف ) كلاهما : كتبه ، نقطه .

وقيل : قرأه قراءة خفيفة ، بلغة هذيل .

(2) الأصل : هل لأنفس المؤمنين بمجتمع ؟

والصواب : ما أثبتناه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحونقوله تعالى : ولقد كتبنا في الزبور الزبور والكتاب واحد ؛ ولذلك جاز أن يقال للتوراة والإنجيل زبور .

زبرت أي كتبت وجمعه زبر .

وقال سعيد بن جبير : الزبور التوراة والإنجيل والقرآن .

من بعد الذكر الذي في السماء أن الأرض أرض الجنة يرثها عبادي الصالحون رواه سفيان عن الأعمش عن سعيد بن جبير .

الشعبي : الزبور زبور داود ، والذكر توراة موسى - عليه السلام - .

مجاهد وابن زيد : الزبور كتب الأنبياء عليهم السلام ، والذكر أم الكتاب الذي عند الله في السماء .

وقال ابن عباس : الزبور الكتب التي أنزلها الله من بعد موسى على أنبيائه ، والذكر التوراة المنزلة على موسى .

وقرأ حمزة ( في الزبور ) بضم الزاي جمع زبر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون أحسن ما قيل فيه [ ص: 255 ] أنه يراد بها أرض الجنة كما قال سعيد بن جبير ؛ لأن الأرض في الدنيا قد ورثها الصالحون وغيرهم .

وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما .

وقال مجاهد وأبو العالية : ودليل هذا التأويل قوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض وعن ابن عباس أنها الأرض المقدسة .

وعنه أيضا : أنها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالفتوح .

وقيل : إن المراد بذلك بنو إسرائيل ؛ بدليل قوله تعالى : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقرأ حمزة ( عبادي الصالحون ) بتسكين الياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ } وهو الكتاب المزبور، والمراد: الكتب المنزلة، كالتوراة ونحوها { مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ } أي: كتبناه في الكتب المنزلة، بعد ما كتبنا في الكتاب السابق، الذي هو اللوح المحفوظ، وأم الكتاب الذي توافقه جميع التقادير المتأخرة عنه والمكتوب في ذلك: { أَنَّ الْأَرْضَ } أي: أرض الجنة { يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } الذين قاموا بالمأمورات، واجتنبوا المنهيات، فهم الذين يورثهم الله الجنات، كقول أهل الجنة: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ } ويحتمل أن المراد: الاستخلاف في الأرض، وأن الصالحين يمكن الله لهم في الأرض، ويوليهم عليها كقوله تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } الآية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ) قال سعيد بن جبير ومجاهد : الزبور جميع الكتب المنزلة والذكر أم الكتاب الذي عنده والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ .

وقال ابن عباس والضحاك : الزبور التوراة والذكر الكتب المنزلة من بعد التوراة .

وقال الشعبي : الزبور كتاب داود ، [ والذكر التوراة وقيل الزبور زبور داود ] والذكر القرآن وبعد بمعنى قبل كقوله تعالى : ( وكان وراءهم ملك ) ( الكهف 97 ) : أي أمامهم ( والأرض بعد ذلك دحاها ) ( النازعات 30 ) قبله ، ( أن الأرض ) يعني أرض الجنة ( يرثها عبادي الصالحون ) قال مجاهد : يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم دليله قوله تعالى : ( وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض ) ( الزمر 74 ) ، وقال ابن عباس : أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون وهذا حكم من الله بإظهار الدين وإعزاز المسلمين وقيل أراد بالأرض الأرض المقدسة

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد كتبنا في الزبور» بمعنى الكتاب أي كتب الله المنزلة «من بعد الذكر» بمعنى أم الكتاب الذي عند الله «أن الأرض» أرض الجنة «يرثها عبادي الصالحون» عام في كل صالح.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد كتبنا في الكتب المنزلة من بعد ما كُتِب في اللوح المحفوظ: أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون الذين قاموا بما أُمروا به، واجتنبوا ما نُهوا عنه، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقلا : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون ) .والمراد بالزبور : الكتاب المزبور أى : المكتوب ، مأخوذ من قولهم : زبرت الكتاب إذا كتبته .ويشمل هنا جميع الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور .والمراد بالذكر : اللوح المحفوظ الذى هو أم الكتاب .وقيل : المراد بالزبور : كتاب داود خاصة .

وبالذكر التوارة ، أو العلم ، والمقصود بالأرض هنا : أرض الجنة .فيكون المعنى : ولقد كتبنا فى الكتب السماوية ، من بعد كتابتنا فى اللوح المحفوظ : أن أرض الجنة نورثها يوم القيامة لعبادنا الصالحين .وهذا القول يؤيده قوله - تعالى - فى شأن المؤمنين : ( وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين ) ومن المفسرين من يرى أن المراد بالأرض هنا : أرض الدنيا فيكون المعنى :ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن هذه الأرض التى يعيش عليها الناس مؤمنهم وكافرهم ، ستكون فى النهاية لعبادنا الصالحين .قال الآلوسى ما ملخصه : أخرج ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالأرض فى الآية : أرض الجنة ، وإنها الأرض التى يختص بها الصالحون .

لأنها لهم خلقت ، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعلى وجه التبع ، وأن الآية ذكرت عقب ذكر الإعادة وليس بعدها أرض يستقر عليها الصالحون .

ويمتن الله بها عليهم سوى أرض الجنة .وفى رواية أخرى عن ابن عباس أن المراد بها أرض الدنيا يرثها المؤمنون ، ويستولون عليها .أخرج مسلم وأبو داود والترمذى عن ثوبان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أن الله - تعالى - زوى لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتى سيبلغ ملكها ما زوى لى منها .

.

.

" .ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون المراد بالأرض التى يرثها العباد الصالحون ، ما يشمل أرض الجنة وأرض الدنيا ، لأنه لم يرد نص يخصص أحد المعنيين .وقد سار على هذا التعميم الإمام ابن كثير فقال عند تفسيره لهذه الآية : " يقول الله - تعالى - مخبرا عما قضاه لعباده الصالحين ، من السعادة فى الدنيا والآخرة ووراثة الأرض فى الجنيا والآخرة كقوله - تعالى - ( إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ) وقال - سبحانه - ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ) وأخبر - تعالى - أن هذا مكتوب مسطور فى الكتب الشرعية ، فهو كائن لا محالة ، ولهذا قال : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن التقدير لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء، أو وتتلقاهم الملائكة يوم نطوي السماء.

وقرئ يوم تطوى السماء على البناء للمفعول والسجل بوزن العتل والسجل بوزن الدلو وروى فيه الكسر، وفي السجل قولان: أحدهما: أنه اسم للطومار الذي يكتب فيه والكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على المكتوب، ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، فيكون معنى طي السجل للكتاب كون السجل ساتراً لتلك الكتابة ومخفياً لها لأن الطي ضد النشر الذي يكشف والمعنى نطوي السماء كما يطوى الطومار الذي يكتب فيه.

القول الثاني: أنه ليس اسماً للطومار ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما: السجل اسم ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه، وهو مروي عن علي عليه السلام، وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه إسم كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بعيد؛ لأن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا معروفين وليس فيهم من سمي بهذا، وقال الزجاج: هو الرجل بلغة الحبشة، وعلى هذه الوجوه فهو على نحو ما يقال: كطي زيد الكتاب واللام في للكتاب زائدة كما في قوله ردف لكم، وإذا قلنا: المراد بالسجل الطومار فالمصدر وهو الطي مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف والتقدير كطي الطاوي السجل، وهذا الأخير هو قول الأكثرين.

أما قوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء: انقطع الكلام عند قوله الكتاب ثم ابتدأ فقال: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا ﴾ ومنهم من قال: إنه تعالى لما قال: ﴿ وتتلقاهم الملئكة هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  ﴾ عقبه بقوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ ﴾ فوصف اليوم بذلك، ثم وصفه بوصف آخر فقال: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ .

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف رحمه الله: ﴿ أَوَّلَ خَلْقٍ ﴾ مفعول (نعيد) الذي يفسره نعيده والكاف مكفوفة بما والمعنى نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء، فإن قلت: ما بال خلق منكراً؟

قلت: هو كقولك أول رجل جاءني زيد، تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً، فكذلك معنى أول خلق أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع.

المسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية الإعادة فمنهم من قال: إن الله تعالى يفرق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم إنه يعيد تركيبها فذلك هو الإعادة، ومنهم من قال: إنه تعالى يعدمها بالكلية ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى وهذه الآية دلالة على هذا الوجه لأنه سبحانه شبه الإعادة بالإبتداء.

ولما كان الابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم، وجب أن يكون الحال في الإعادة كذلك واحتج القائلون بالمذهب الأول بقوله تعالى: ﴿ والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ  ﴾ فدل هذا على أن السموات حال كونها مطوية تكون موجودة، وبقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض  ﴾ وهذا يدل على أن أجزاء الأرض باقية لكنها جعلت غير الأرض.

أما قوله تعالى: ﴿ وَعْداً عَلَيْنَا ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أن وعداً مصدر مؤكد لأن قوله: ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ عدة للإعادة.

الثاني: أن يكون المراد حقاً علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه مع أن وقوع ما علم الله وقوعه واجب، ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا فاعلين ﴾ أي سنفعل ذلك لا محالة وهو تأكيد لما ذكره من الوعد.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها يعني الزبور كالحلوب والركوب يقال: زبرت الكتاب أي كتبته والمزبور بضم الزاي جمع زبر كقشر وقشور، ومعنى القراءتين واحد لأن الزبور هو الكتاب.

المسألة الثانية: في الزبور والذكر وجوه: أحدها: وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد الزبور هو الكتب المنزلة والذكر الكتاب الذي هو أم الكتاب في السماء، لأن فيها كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة وكتب الأنبياء عليهم السلام من ذلك الكتاب تنسخ.

وثانيها: الزبور هو القرآن والذكر هو التوراة وهو قول قتادة والشعبي.

وثالثها: الزبور زبور داود عليه السلام، والذكر هو الذي يروي عنه عليه السلام، قال: كان الله تعالى ولم يكن معه شيء، ثم خلق الذكر.

وعندي فيه وجه رابع: وهو أن المراد بالذكر العلم أي كتبنا ذلك في الزبور بعد أن كنا عالمين علماً لا يجوز السهو والنسيان علينا، فإن من كتب شيئاً والتزمه ولكنه يجوز السهو عليه فإنه لا يعتمد عليه، أما من لم يجز عليه السهو والخلف فإذا التزم شيئاً كان ذلك الشيء واجب الوقوع.

أما قوله تعالى: ﴿ أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون ﴾ ففيه وجوه: أحدها: الأرض أرض الجنة والعباد الصالحون هم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى فالمعنى أن الله تعالى كتب في كتب الأنبياء عليهم السلام وفي اللوح المحفوظ أنه سيورث الجنة من كان صالحاً من عباده وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية وهؤلاء أكدوا هذا القول بأمور: أما أولاً: فقوله تعالى: ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين  ﴾ ، وأما ثانياً: فلأنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت، وغيرهم إذا حصل معهم في الجنة فعلى وجه التبع، فأما أرض الدنيا فلأنها للصالح وغير الصالح.

وأما ثالثاً: فلأن هذه الأرض مذكورة عقيب الإعادة وبعد الإعادة الأرض التي هذا وصفها لا تكون إلا الجنة.

وأما رابعاً: فقد روى في الخبر أنها أرض الجنة فإنها بيضاء نقية.

وثانيها: أن المراد من الأرض أرض الدنيا فإنه سبحانه وتعالى سيورثها المؤمنين في الدنيا وهو قول الكلبي وابن عباس في بعض الروايات ودليل هذا القول قوله سبحانه: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله واصبروا إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ  ﴾ .

وثالثها: هي الأرض المقدسة يرثها الصالحون، ودليله قوله تعالى؛ ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها التى بَارَكْنَا فِيهَا  ﴾ ثم بالآخرة يورثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي هذا لبلاغا لّقَوْمٍ عابدين ﴾ فقوله هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة والبلاغ الكفاية وما تبلغ به البغية وقيل في العابدين إنهم العالمون وقيل بل العاملون والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين، لأن العلم كالشجر والعمل كالثمر، والشجر بدون الثمر غير مفيد، والثمر بدون الشجر غير كائن.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا، أما في الدين فلأنه عليه السلام بعث والناس في جاهلية وضلالة، وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم فبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام، ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والإستكبار وكان التوفيق قريناً له قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء ﴾ إلى قوله: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى  ﴾ وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه.

فإن قيل: كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال؟

قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة.

وقال: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا  ﴾ ثم قد يكون سبباً للفساد.

وثانيها: أن كل نبي قبل نبينا كان إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ لا يقال: أليس أنه تعالى قال: ﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات  ﴾ لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه.

وثالثها: أنه عليه السلام كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ  ﴾ وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدع على المشركين، قال: «إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً» وقال في رواية حذيفة: «إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة يوم القيامة».

ورابعها: قال عبد الرحمن بن زيد: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ يعني المؤمنين خاصة، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لما بينا أنه كان رحمة للكل لو تدبروا في آيات الله وآيات رسوله، فأما من أعرض واستكبر، فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه كما قال: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة لو كان الله تعالى أراد من الكافرين الكفر ولم يرد منهم القبول من الرسول، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه وخلق ذلك فيهم ولم يخلقهم إلا كذلك كما يقوله أهل السنة، لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذاباً عليهم لا رحمة وذلك على خلاف هذا النص، لا يقال: إن رسالته عليه السلام رحمة للكفار من حيث لم يعجل عذابهم في الدنيا، كما عجل عذاب سائر الأمم، لأنا نقول: إن كونه رحمة للجميع على حد واحد وما ذكرتموه للكفار فهو حاصل للمؤمنين أيضاً، فإذا يجب أن يكون رحمة للكافرين من الوجه الذي صار رحمة للمؤمنين.

وأيضاً فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته صلى الله عليه وسلم كحصولها بعده، بل كانت نعمهم في الدنيا قبل بعثته أعظم لأن بعد بعثته نزل بهم الغم والخوف منه، ثم أمر بالجهاد الذي فني أكثرهم فيه فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد.

والجواب: أن نقول لما علم الله سبحانه وتعالى أن أبا لهب لا يؤمن ألبتة وأخبر عنه أنه لا يؤمن كان أمره إياه بالإيمان أمراً يقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وذلك محال، فكان قد أمره بالمحال.

وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة، فلم لا يجوز أن يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر؟

ولأن قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم، وإن كانت صالحة للضدين توقف للترجيح على مرجح من قبل الله تعالى، قطعاً للتسلسل.

وحينئذ يعود الإلزام ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون رحمة للكافر بمعنى تأخير عذاب الاستئصال عنه؟

قوله: أولاً لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين، قلنا: ليس في الآية أنه عليه السلام رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين، فدعواك بكون الوجه واحداً تحكم.

قوله نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل قلنا: نعم ولكنه عليه السلام لكونه رحمة للمؤمنين لما بعث حصل الخوف للكفار من نزول العذاب، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار.

المسألة الثالثة: تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة، قالوا: لأن الملائكة من العالمين.

فوجب بحكم هذه الآية أن يكون عليه السلام رحمة للملائكة، فوجب أن يكون أفضل منهم.

والجواب: أنه معارض بقوله تعالى في حق الملائكة: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ  ﴾ وذلك رحمة منهم في حق المؤمنين، والرسول عليه السلام داخل في المؤمنين، وكذا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبي  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن الشعبي رحمة الله عليه: زبور داود عليه السلام، والذكر: التوراة.

وقيل اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب.

والذكر: أم الكتاب، يعني اللوح، أي: يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار، كقوله تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ [الأعراف: 137] ، ﴿ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله واصبروا إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128] وعن ابن عباس رضي الله عنه: هي أرض الجنة.

وقيل: الأرض المقدّسة، ترثها أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ ﴾ في كِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ أيِ التَّوْراةِ، وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿ الزَّبُورِ ﴾ جِنْسُ الكُتُبِ المُنَزَّلُ وبِـ ﴿ الذِّكْرِ ﴾ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

﴿ أنَّ الأرْضَ ﴾ أيْ أرْضُ الجَنَّةِ أوِ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.

﴿ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ﴾ يَعْنِي عامَّةَ المُؤْمِنِينَ أوِ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، أوْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  .

﴿ إنَّ في هَذا ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ والمَواعِظِ والمَواعِيدِ ﴿ لَبَلاغًا ﴾ لَكِفايَةً أوْ لَسَبَبَ بُلُوغٍ إلى البُغْيَةِ.

﴿ لِقَوْمٍ عابِدِينَ ﴾ هَمُّهُمُ العِبادَةُ دُونَ العادَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور} كتاب داود عليه السلام {مِن بَعْدِ الذكر} التوراة {أن الأرض} أي الشام {يَرِثُهَا عِبَادِىَ} ساكنة الياء حمزة غيره بفتح الياء {الصالحون} أي أمة محمد عليه السلام أو الزبور بمعنى المزبور أي المكتوب يعني ما أنزال على الأنبياء من الكتب والذكر أم الكتاب يعني اللوح لأن الكل أخذوا منه ليله قراءة حمزة وخلف بضم الزاي على جمع الزبر بمعنى المزبور والأرض أرض الجنة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الكُتُبُ، والذِّكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ التَّوْراةُ.

ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا.

وقالَ في الزَّبُورِ: الكُتُبُ مِن بَعْدِ التَّوْراةِ.

وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الذِّكْرَ التَّوْراةُ والزَّبُورَ القُرْآنُ.

وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الزَّبُورَ الكُتُبُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والذِّكْرَ أُمُّ الكِتابِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الأشْياءُ قَبْلَ ذَلِكَ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ كَما في بَعْضِ الآثارِ، واخْتارَ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ الزَّجّاجُ وإطْلاقُ الذِّكْرِ عَلَيْهِ مَجازٌ.

وقَدْ وقَعَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنْهُ  ««كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ»» وقِيلَ: الذِّكْرُ العِلْمُ وهو المُرادُ بِأُمِّ الكِتابِ، وأصْلُ الزَّبُورِ كُلُّ كِتابٍ غَلِيظِ الكِتابَةِ مِن زَبَرْتُ الكِتابَ أزْبُرُ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّها كَما في المُحْكَمِ إذا كَتَبْتُهُ كِتابَةً غَلِيظَةً وخُصَّ في المَشْهُورِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهم: هو اسْمٌ لِلْكِتابِ المَقْصُورِ عَلى الحِكْمَةِ العَقْلِيَّةِ دُونَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ولِهَذا يُقالُ لِلْمُنَزَّلِ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لا يَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ.

والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ بِمَعْنى المَزْبُورِ، ولِذا جُوِّزَ تَعَلُّقُ ( مِن بَعْدِ ) بِهِ كَما جُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِكَتَبْنا، وقالَ حَمْزَةُ: هو اسْمٌ سُرْيانِيٌّ، وأيًّا ما كانَ فَإذا أُرِيدَ مِنهُ الكُتُبُ كانَ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ أيْ كَتَبْنا في جِنْسِ الزَّبُورِ.

﴿ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ أرْضُ الجَنَّةِ قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ  ﴾ وإنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلُوا فِيها فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ وأنَّ الآيَةَ ذُكِرَتْ عُقَيْبَ ذِكْرِ الإعادَةِ ولَيْسَ بَعْدَ الإعادَةِ أرْضٌ يَسْتَقِرُّ بِها الصّالِحُونَ ويُمْتَنُّ بِها عَلَيْهِمْ سِوى أرْضِ الجَنَّةِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِها أرْضُ الدُّنْيا يَرِثُها المُؤْمِنُونَ ويَسْتَوْلُونَ عَلَيْها وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ  ﴾ .

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««إنَّ اللَّهَ تَعالى زَوى لِيَ الأرْضَ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها»» وهَذا وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِإظْهارِ الدِّينِ وإعْزازِ أهْلِهِ واسْتِيلائِهِمْ عَلى أكْثَرِ المَعْمُورَةِ الَّتِي يَكْثُرُ تَرَدُّدُ المُسافِرِينَ إلَيْها وإلّا فَمِنَ الأرْضِ ما لَمْ يَطَأْها المُؤْمِنُونَ كالأرْضِ الشَّهِيرَةِ بِالدُّنْيا الجَدِيدَةِ وبِالهِنْدِ الغَرْبِيِّ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَكُونُ في حَوْزَةِ المُؤْمِنِينَ أيّامَ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، وقِيلَ: الشّامُ ولَعَلَّ بَقاءَ الكُفّارِ وحْدَهم في الأرْضِ جَمِيعِها في آخِرِ الزَّمانِ كَما صَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ لا يَضُرُّ في هَذِهِ الوِراثَةِ لِما أنَّ بَيْنَ اسْتِقْلالِهِمْ في الأرْضِ حِينَئِذٍ وقِيامِ السّاعَةِ زَمَنًا يَسِيرًا لا يُعْتَدُّ بِهِ وقَدْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ المَبادِئِ القَرِيبَةِ لِيَوْمِ القِيامَةِ، والأوْلى أنْ تُفَسَّرَ الأرْضُ بِأرْضِ الجَنَّةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ وهو أوْفَقُ بِالمَقامِ.

ومِنَ الغَرائِبِ قِصَّةُ تَفاؤُلِ السُّلْطانِ سَلِيمٍ بِهَذِهِ الآيَةِ حِينَ أضْمَرَ مُحارَبَتَهُ لِلْغُورِيِّ وبِشارَةِ ابْنِ كَمالٍ لَهُ أخْذًا مِمّا رَمَزَتْ إلَيْهِ الآيَةُ بِمِلْكَةِ مِصْرَ في سَنَةِ كَذا ووُقُوعِ الأمْرِ كَما بَشَّرَ وهي قِصَّةٌ شَهِيرَةٌ وذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الِاتِّفاقِيَّةِ ومِثْلُهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ، يعني: في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وكل كتاب زبور.

مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ، يعني: من بعد اللوح المحفوظ، ويقال: الذكر التوراة، يعني: كتبنا في الإنجيل والزبور والفرقان من بعد التوراة، أي بيَّنا في هذه الكتب أَنَّ الْأَرْضَ، يعني: أرض الجنة يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ يعني: ينزلها عبادي المؤمنون، وهذا قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ومقاتل  ويقال: إن الْأَرْضَ يعني: الأرض المقدسة يَرِثُها أي: ينزلها بنو إسرائيل.

ويقال: يعني أرض الشام يرثها أمة محمد  ، ويقال جميع الأرض تكون في آخر الزمان، كما قال النبيّ  : «سَيَبْلُغُ مُلْكُ أمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» .

قوله عز وجل: إِنَّ فِي هذا، القرآن.

لَبَلاغاً إلى الجنة لِقَوْمٍ عابِدِينَ، أي موحدين.

ويقال: في القرآن لبلاغاً بلغهم من الله عز وجل لقوم مطيعين.

وعن كعب أنه قال: «إنهم أهل الصلوات الخمس» .

قوله عز وجل: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، يعني: وما بعثناك يا محمد إلاَّ رحمة للعالمين، يعني: نعمة للجن والإنس.

ويقال: لِلْعالَمِينَ أي لجميع الخلق، لأن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر، ومنافق.

وكان رحمة للمؤمنين، حيث هداهم طريق الجنة، ورحمة للمنافقين، حيث أمنوا القتل، ورحمة للكافرين بتأخير العذاب.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «من آمن بالله ورسوله فله الرحمة فِي الدنيا والآخرة، وَمِنَ لم يؤمن بالله ورسوله عوفي أن يصيبه ما كان يصيب الأمم قبل ذلك، فهو رحمة للمؤمنين والكافرين» .

وذكر في الخبر: أن النبيّ  قال لجبريل  : «يقول الله عز وجل: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فهل أصابك من هذه الرحمة؟

قال: «نعم أصابني من هذه الرحمة.

أني كنت أخشى عاقبة الأمر، فآمنت بك لثناء أثنى الله تعالى علي بقوله عز وجل: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: 20] .

قوله عز وجل: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، أي ربكم رب واحد، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟

أي مخلصون بالتوحيد، ويقال: مخلصون بالعبادة.

اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به: الأمر، يعني: أسلموا.

ثم قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: فإن أعرضوا عن الإيمان، فَقُلْ آذَنْتُكُمْ يعني: أعلمتكم عَلى سَواءٍ، أي على بيان علانية غير سر.

ويقال: أعلمتكم بالوحي الذي يوحى إليّ، لنستوي في الإيمان به، ويقال: معناه أعلمتكم، فقد صرت أنا وأنتم على سواء.

وهذا من الاختصار.

ثم قال: وَإِنْ أَدْرِي، يعني: وما أدري، أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ من نزول العذاب بكم في الدنيا.

فقل لهم: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ، يعني: العلانية من القول.

وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ، يعني: ما تسرون من التكذيب بالعذاب.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ أَدْرِي، يعني: وما أدري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ يعني: لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا فتنة لكم، لأنهم كانوا يقولون: لو كان حقاً لنزل بنا العذاب.

وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ، أي بلاغ إلى منتهى آجالكم، يعني: تعيشون إلى الموت.

قوله عز وجل: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ، يعني: اقض بيني وبين أهل مكة بالعدل، ويقال: بالعذاب وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ، أي العاطف على خلقه بالرزق.

الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ، يعني: أستعين به على ما تقولون وتكذبون، ويقال: المطلوب منه العون والنصرة.

وروي عن الضحاك أنه قرأ قُل رَّبّ احكم بالحق على معنى الخبر، على ميزان افعل، يعني: هو أحكم الحاكمين.

قال: لأنه لا يجوز أن يسأل أن يحكم بالحق، وهو لا يحكم إلاَّ بالحق.

وقراءة العامة قُل رَّبّ أَحْكَمُ على معنى السؤال، معناه: احكم بحكمك.

ثم يخبر عن ذلك الحكم أنه حق.

قرأ عاصم في رواية حفص قالَ رَبِّ احْكُمْ على معنى الحكاية، وقرأ الباقون قُل رَّبّ أَحْكَمُ.

وقرأ ابن عامر في إحدى الروايتين على مَا يَصِفُونَ بالياء بلفظ المغايبة، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ حمزة الزَّبُورِ بضم الزاي، وقرأ الباقون الزَّبُورِ بالنصب والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد النبي المختار وعلى آله وصحابته الأطهار.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لأنها تحصب به، أي: تُرْمَى، وإمَّا أنْ يكون لغة في الحطب إذا رُمِيَ، وإمَّا قبل أنْ يرمى فلا يُسَمَّى حصباً إلاَّ بتجوز، وحرق الأصنام بالنار على جهة التوبيخ لعابديها، ومن حيث تقع «ما» لمن يعقل في بعض المواضع، اعترَضَ في هذه الآية عبدُ الله بنُ الزِّبعري على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: إنَّ عِيسَى وعُزَيراً وَنَحْوَهُمَا قَدْ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا حَصَباً لجهنم فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية.

والورود في هذه الآية:

ورودُ الدخولِ، والزفيرُ: صوت المُعَذِّبِ، وهو كنهيق الحمير وشبهه إلاَّ أَنه من الصدر.

لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)

وقوله سبحانه: لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَها هذه صفة الذين سبقت لهم الحسنى، وذلك بعد دخولهم الجنة لأَنَّ الحديث يقتضى أَنَّ في الموقف تزفر جهنم زفرةً لا يبقى نبيٌّ ولا مَلَكٌ إلاَّ جثا على ركبتيه، قال البخاريُّ «١» : الحسيس والحس: واحد، وهو الصوتُ الخفيُّ، انتهى.

والفزع الأكبر عامٌّ في كلِّ هول يكون يوم القيامة، فكأَنَّ يوم القيامة بجملته هو الفَزَعُ الأكبر.

وقوله سبحانه: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يريد: بالسلام عليهم والتبشير لهم، أي: هذا يومكم الذي وعدتهم فيه الثواب والنعيم، والسِّجِلِّ في قول فرقة: هو الصحيفة التي يُكْتَبُ فيها، والمعنى: كما يطوى السِّجِلُّ من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول وهكذا قال البخاري «٢» : السجل: الصحيفة، انتهى، وما خَرَّجه أبو داودَ في «مراسيله» من أَنَّ السجل: اسم رجل من كتّاب النبي صلى الله عليه وسلّم «٣» .

قال السهيليُّ فيه: هذا غير معروف.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ، وقالُوا: شَتَمَ آلِهَتَنا، فَجاءَ ابْنُ الزِّبَعْرى فَقالَ: ما لَكم ؟

قالُوا: شَتَمَ آلِهَتَنا، قالَ: وما قالَ ؟

فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: ادْعُوهُ لِي، فَلَمّا دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَ: يا مُحَمَّدُ؛ هَذا شَيْءٌ لِآلِهَتِنا خاصَّةً، أوْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ ؟

قالَ: " لا، بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ "، فَقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البِنْيَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ المَلائِكَةَ عِبادٌ صالِحُونَ، وأنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ، وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ، فَهَذِهِ بَنُو مُلَيْحٍ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ النَّصارى تَعْبُدُ عِيسى، وهَذِهِ اليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما تَعْبُدُونَ ﴾ : الأصْنامَ دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ المَلائِكَةَ والنّاسَ لَقالَ: ( ومَن ) .

وقِيلَ: " إنَّ " بِمَعْنى ( إلّا )، فَتَقْدِيرُهُ: إلّا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي نَهِيكٍ، فَإنَّهُما قَرَءا: ( إلّا الَّذِينَ ) .

ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: أنا مِنهم، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ.

وَفِي المُرادِ " بِالحُسْنى " قَوْلانِ: أحَدُهُما: الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: السَّعادَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَنْها ﴾ ؛ أيْ: عَنْ جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها.

﴿ مُبْعَدُونَ ﴾ والبُعْدُ: طُولُ المَسافَةِ، والحَسِيسُ: الصَّوْتُ تَسْمَعُهُ مِنَ الشَّيْءِ إذا مَرَّ قَرِيبًا مِنكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ أهْلِ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو جَعْفَرٍ الشِّيْزَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: ( لا يُحْزِنُهم ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ.

وَفِي الفَزَعِ الأكْبَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهَذِهِ النَّفْخَةِ يَقُومُ النّاسُ مِن قُبُورِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ إطْباقُ النّارِ عَلى أهْلِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ذَبْحُ المَوْتِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ حِينَ يُؤْمَرُ بِالعَبْدِ إلى النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

وَفِي مَكانِ تَلَقِّي المَلائِكَةِ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُكُمُ ﴾ فِيهِ إضْمارٌ: يَقُولُونَ، هَذا يَوْمُكُمُ ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فِيهِ الجَنَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ﴾ وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ: ( تُطْوى ) بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ ( السَّماءُ ) بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ بِمَحْوِ رُسُومِها، وتَكْدِيرِ نُجُومِها، وتَكْوِيرِ شَمْسِها.

﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( السِّجِلِّ ) بِكَسْرِ السِّينِ والجِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وَأبُو الجَوْزاءِ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( السِّجْلِ ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ الجِيمِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الجِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْكُتُبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( لِلْكِتابِ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( لِلْكُتُبِ ) عَلى الجَمْعِ.

وَفِي ( السِّجِلِّ ) أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عُمَرَ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ كاتِبٌ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ السِّجِلَّ بِمَعْنى: الرَّجُلِ، رَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: السِّجِلُّ: هو الرَّجُلُ.

قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: وقَدْ قِيلَ: ( السِّجِلُّ ) بِلُغَةِ الحَبَشَةِ: الرَّجُلُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الصَّحِيفَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ، قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ، يَعْنِي - ابْنَ دُرَيْدٍ -: السِّجِلُّ: الكِتابُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ولا ألْتَفِتُ إلى قَوْلِهِمْ: إنَّهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والمَعْنى: كَما يُطْوى السِّجِلُّ عَلى ما فِيهِ مِن كِتابٍ.

واللّامُ بِمَعْنى عَلى.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالكِتابِ: المَكْتُوبُ، فَلَمّا كانَ المَكْتُوبُ يَنْطَوِي بِانْطِواءِ الصَّحِيفَةِ، جُعِلَ السِّجِلُّ كَأنَّهُ يَطْوِي الكِتابَ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ الخَلْقُ هاهُنا مَصْدَرٌ، ولَيْسَ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كَما بَدَأْناهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، كَذَلِكَ نُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «يُحْشُرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عُراةً حُفاةً غُرْلًا كَما خُلِقُوا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ "»، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنّا نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ السَّماءَ تُمْطِرُ أرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَنِيِّ الرِّجالِ، فَيَنْبُتُونَ بِالمَطَرِ في قُبُورِهِمْ كَما يَنْبُتُونَ في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: قُدْرَتُنا عَلى الإعادَةِ كَقُدْرَتِنا عَلى الِابْتِداءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ بِمَعْنى: وعَدْنا هَذا وعْدًا.

﴿ إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ؛ أيْ: قادِرِينَ عَلى فِعْلِ ما نَشاءُ.

وقالَ غَيْرُهُ: إنّا كُنّا فاعِلِينَ ما وعَدْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الزَّبُورَ: جَمِيعُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّماءِ، والذِّكْرَ: أُمُّ الكِتابِ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ، فَإنَّهُ قالَ: الزَّبُورُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، والذِّكْرُ: الَّذِي في السَّماءِ.

والثّانِي: أنَّ الزَّبُورَ: الكُتُبُ، والذِّكْرَ: التَّوْراةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الزَّبُورَ: القُرْآنُ، والذِّكْرَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الزَّبُورَ: زَبُورُ داوُدَ، والذِّكْرَ: ذِكْرُ مُوسى، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

وفي الأرْضِ المَذْكُورَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرْضُ الجَنَّةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أرْضُ الدُّنْيا، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ: تَرِثُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ أرْضَ الدُّنْيا بِالفُتُوحِ.

والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ صالِحٍ، قالَهُ بَعْضُ فُقَهاءِ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في هَذا ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ لَبَلاغًا ﴾ ؛ أيْ: لَكِفايَةً، والمَعْنى: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وعَمِلَ بِهِ، كانَ القُرْآنُ بَلاغَهُ إلى الجَنَّةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ عابِدِينَ ﴾ قالَ كَعْبٌ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، ويَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا عامٌّ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، فَمَن آمَنَ بِهِ تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن كَفَرَ بِهِ صُرِفَتْ عَنْهُ العُقُوبَةُ إلى المَوْتِ والقِيامَةِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو رَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ خاصَّةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَماءَ كَطَيِّ السِجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَبُورِ مِن بَعْدِ الذِكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصالِحُونَ ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَطْوِي" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَطْوِي السَماءَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى مَعْنى: يَطْوِي اللهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُطْوى" بِتاءْ مَضْمُومَةٍ وبِرَفْعِ "السَماءِ" عَلى ما لَمْ يُسَّمَ فاعِلُهُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "السِجِلِّ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِجِلُّ: مَلَكٌ يَطْوِي الصُحُفَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِجِلُّ: رَجُلٌ كانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ  .

وهَذا كُلُّهُ وما شاكَلَهُ ضَعِيفٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِجِلُّ: الصَحِيفَةُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها، والمَعْنى: "كَطَيِّ السِجِلِّ" أيْ: كَما يُطْوى السِجِلُّ مِن أجْلِ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ: كَما يَطْوِي السِجِلُّ الكِتابَ الَّذِي فِيهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَوْمَ نَطْوِي كالهَيْئَةِ الَّتِي فِيها طَيُّ السِجِلِّ لِلْكِتابِ، فَفي التَشْبِيهِ تَجَوُّزٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "السِجْلِ" بِشَدِّ السِينِ وسُكُونِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وفَتَحَ أبُو السَمالِ السِينَ فَقَرَأها: "السَجْلَ"، وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: "السُجُلُ" بَضَمِّ السِينِ وشَدِّها وضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِلْكِتابِ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "لِلْكُتُبِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ البَعْثِ، أيْ: كَما اخْتَرَعْنا الخَلْقَ أولًا عَلى غَيْرِ مِثالٍ كَذَلِكَ نُنْشِئُهم تارَةً أُخْرى فَنَبْعَثُهم مِنَ القُبُورِ، والثانِي أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن أنَّ كُلَّ شَخْصٍ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى هَيْئَتِهِ الَّتِي خَرَجَ بِها إلى الدُنْيا، ويُؤَيُّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «يُحْشَرُ الناسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ».

والكافُ في قَوْلِهِ: "كَما بَدَأْنا" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "نُعِيدُهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى أنَّ الأمْرَ واجِبٌ فِيهِ ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الزَبُورُ": اسْمٌ يَعُمْ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مَن "زَبَرْتُ الكِتابَ": إذا كَتَبْتُهُ، قالَتْ فَرِقَّةٌ: و"الذِكْرُ" أرادَ بِهِ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الذِكْرُ الَّذِي في السَماءِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزَبُورُ هو زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، والذِكْرُ أرادَ بِهِ التَوْراةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزَبُورُ ما بَعْدَ التَوْراةِ مِنَ الكُتُبِ، والذِكْرُ التَوْراةُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "الزَبُورَ" بِضَمِّ الزايِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الأرْضَ" أرادَ بِها أرْضَ الدُنْيا، أيْ كُلَّ ما يَنالُهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأرْضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ أرْضَ الجَنَّةِ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأورَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الإخْبارَ عَمّا كانَ صَنَعَهُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: فاعْلَمُوا أنّا كُنّا وفِينا لَهم بِما وعَدْناهُمْ، فَكَذَلِكَ نُنْجِزُ لَكم ما وعَدْناكم مِنَ النُصْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن كان المراد بالأرض أرض الجنة كما في قوله تعالى في [سورة الزمر: 7374] ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً إلى قوله تعالى: وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فمناسبة ذكر هذه الآية عقب التي تقدمتها ظاهرة.

ولها ارتباط بقوله تعالى: أفلا ترون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ [الأنبياء: 44].

وإن كان المراد أرضاً من الدنيا، أي مَصيرَها بيدِ عباد الله الصالحين كانت هذه الآية مسوقة لوعد المؤمنين بميراث الأرض التي لَقُوا فيها الأذَى، وهي أرض مكة وما حولها، فتكون بشارة بصلاح حالهم في الدنيا بعد بشارتهم بحسن مآلهم في الآخرة على حد قوله تعالى: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [النحل: 97].

على أن في إطلاق اسم الأرض ما يصلح لإرادة أن سلطان العالم سيكون بيد المسلمين ما استقاموا على الإيمان والصلاح.

وقد صدق الله وعده في الحالين وعلى الاحتمالين.

وفي حديث أبي داوود والترمذي عن ثَوبان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ الله زوَى لي الأرض فرأيت مشارقَها ومغاربَها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها».

وقرأ الجمهور ﴿ في الزبور ﴾ بصيغة الإفراد وهو اسم للمزبور، أي المكتوب، فعول بمعنى مفعول، مثل: ناقة حَلوب ورَكوب.

وقرأ حمزة بصيغة الجمع فعلى قراءة الجمهور فو غالب في الإطلاق على كتاب داوود قال تعالى: ﴿ وآتينا داوود زبوراً ﴾ في [سورة النساء: 163] وفي [سورة الإسراء: 55]، فيكون تخصيص هذا الوعد بكتاب داوود لأنه لم يذكر وعْد عامّ للصالحين بهذا الإرث في الكتب السماوية قبله.

وما ورد في التوراة فيما حكاه القرآن من قول موسى عليه السلام: ﴿ إن الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده ﴾ [الأعراف: 128] فذلك خاص بأرض المقدس وببني إسرائيل.

والزبور: كتاب داوود وهو مبثوث في الكتاب المسمى بالمزامير من كتب اليهود.

ولم أذكر الآن الجملة التي تضمنت هذا الوعد في المزامير.

ووجدت في محاضرة للإيطالي المستعرب (فويدو) أن نص هذا الوعد من الزبور باللغة العبرية هكذا: صديقين يرشون أرص بشين معجمة في يرشون وبصاد مهملة في أرص، أي الصديقون يرثون الأرض.

والمقصود: الشهادة على هذا الوعد من الكتب السالفة وذلك قبل أن يجيء مِثل هذا الوعد في القرآن في [سورة النور: 55] في قوله تعالى: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ﴾ وعلى قراءة حمزة أن هذا الوعد تكرر في الكتب لِفِرق من العباد الصالحين.

ومعنى ﴿ من بعد الذكر ﴾ أن ذلك الوعد ورد في الزبور عقب تذكير ووعظ للأمة.

فبعد أن ألقيت إليهم الأوامر وُعِدوا بميراث الأرض، وقيل المراد ب ﴿ الذكر ﴾ كتاب الشريعة وهو التوراة.

قال تعالى: ﴿ ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين ﴾ [الأنبياء: 48] فيكون الظرف في قوله تعالى: ﴿ من بعد الذكر ﴾ مستقرّاً في موضع الحال من الزبور.

والمقصود من هذه الحال الإيماء إلى أن الوعد المتحدّث عنه هنا هو غير ما وعد الله بني إسرائيل على لسان موسى من إعطائهم الأرض المقدسة.

وهو الوعد الذي ذكر في قوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ﴾ [المائدة: 21]، وأنه غير الإرث الذي أورثه الله بني إسرائيل من المُلك والسلطان لأن ذلك وعد كان قبل داوود.

فإن مُلك داوود أحد مظاهره.

بل المراد الإيماء إلى أنه وعد وعده الله قوماً صالحين بعد بني إسرائيل وليسوا إلا المسلمين الذين صدقَهم الله وعده فملكوا الأرض ببركة رسولهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه واتسع ملكهم وعظم سلطانهم حسب ما أنبأ به نبيئهم صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم آنفاً.

وجملة ﴿ إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ تذييل للوعد وإعلان بأن قد آن أوانه وجاء إبانه.

فإن لم يأت بعد داوود قوم مؤمنون ورَثوا الأرض، فلما جاء الإسلام وآمن الناس بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد بلغ البلاغُ إليهم.

فالإشارة بقوله تعالى: ﴿ إن في هذا ﴾ إلى الوعد الموعود في الزبور والمبلّغ في القرآن.

والمراد بالقوم العابدين مَن شأنهم العبادة لا ينحرفون عنها قِيد أنملة كما أشعر بذلك جريان وصف العابدين على لفظ ﴿ قوم ﴾ المشعرِ بأن العبادة هي قِوام قوميتهم كما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿ وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾ في آخر [سورة يونس: 101].

فكأنه يقول: فقد أبلغتكم الوعد فاجتهدوا في نواله.

والقوم العابدون هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الموجودون يومئذ والذين جاءوا من بعدهم.

والعبادة: الوقوف عند حدود الشريعة.

قال تعالى: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ [آل عمران: 110].

وقد ورثوا هذا الميراث العظيم وتركوه للأمة بعدهم، فهم فيه أطوار كشأن مختلف أحوال الرشد والسفه في التصرف في مواريث الأسلاف.

وما أشبه هذا الوعد المذكورَ هنا ونوطَه بالعبادة بالوعد الذي وُعدته هذه الأمة في القرآن: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ﴾ [النور: 5556].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الزَّبُورَ الكُتُبُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ، والذِّكْرُ أُمُّ الكِتابِ الَّذِي عِنْدَهُ في السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّ الزَّبُورَ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى مَن بَعْدِ مُوسى مِن أنْبِيائِهِ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

﴿ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ يَرِثُها أهْلُ الطّاعَةِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها الأرْضُ المُقَدَّسَةُ يَرِثُها بَنُو إسْرائِيلَ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها أرْضُ الدُّنْيا، والَّذِي يَرِثُها أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ في هَذا ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في القُرْآنِ.

والثّانِي: في هَذِهِ السُّورَةِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَلاغٌ إلَيْهِمْ يَكُفُّهم عَنِ المَعْصِيَةِ ويَبْعَثُهم عَلى الطّاعَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ بَلاغٌ لَهم يُبَلِّغُهم إلى رِضْوانِ اللَّهِ وجَزِيلِ ثَوابِهِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ عابِدِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُطِيعِينَ.

والثّانِي: عالِمِينِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ فِيما أُرِيدَ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الهِدايَةُ إلى طاعَةِ اللَّهِ واسْتِحْقاقِ ثَوابِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ ما رُفِعَ عَنْهم مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن آمَنَ مِنهم، فَيَكُونُ عَلى الخُصُوصِ في المُؤْمِنِينَ إذا قِيلَ إنَّ الرَّحْمَةَ الهِدايَةُ.

الثّانِي: الجَمِيعُ، فَيَكُونُ عَلى العُمُومِ في المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ إذا قِيلَ إنَّ الرَّحْمَةَ ما رُفِعَ عَنْهم مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ﴾ القرآن ﴿ أن الأرض ﴾ قال: أرض الجنة.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ﴾ قال: يعني بالذكر، كتبنا في القرآن من بعد التوراة، و ﴿ الأرض ﴾ أرض الجنة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ﴾ يعني بالذكر، التوراة، ويعني بالزبور، الكتب من بعد التوراة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ قال: الكتب.

﴿ من بعد الذكر ﴾ قال: التوراة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: الزبور، التوراة والإنجيل والقرآن، والذكر الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء والأرض، أرض الجنة.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ قال: الزبور، التوراة والإنجيل والقرآن ﴿ من بعد الذكر ﴾ قال: الذكر الذي في السماء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: الزبور، الكتب.

والذكر، أم الكتاب عند الله، والأرض الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: الزبور، الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والذكر، أم الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ قال: أرض الجنة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ الآية.

قال: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض، أن يورث أمة محمد الأرض ويدخلهم الجنة، وهم ﴿ الصالحون ﴾ وفي قوله: ﴿ لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ قال: عالمين.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ قال: أرض الجنة، يرثها الذين يصلون الصلوات الخمس في الجماعات.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم، عن الشعبي في قوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ﴾ قال: في زبور داود ﴿ من بعد ﴾ ذكر موسى التوراة ﴿ أن الأرض يرثها ﴾ قال: الجنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: كتب الله في زبور داود بعد التوراة.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ أن الأرض يرثها ﴾ قال: الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ قال: الجنة وقرأ ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنة حيث نشاء ﴾ [ الزمر: 74] قال: فالجنة مبتدؤها في الأرض ثم تذهب درجاً علوّا.

والنار مبتدؤها في الأرض، وبينهما حجاب، سور ما يدري أحد ما ذاك السور.

وقرأ ﴿ باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ﴾ [ الحديد: 13] قال: ودرجها تذهب سفالاً في الأرض، ودرج الجنة تذهب علوّاً في السماء.

وأخرج ابن جرير، عن صفوان قال: سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان، هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟

فقال: يقول الله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ قال: هي الأرض التي تجمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ﴿ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ فنحن الصالحون» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جرير في قوله: ﴿ إن في هذا لبلاغاً ﴾ قال: كل ذلك يقال: إن في هذه السورة، وفي هذا القرآن لبلاغاً.

وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: ﴿ إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ قال: إن في هذا لمنفعة وعلماً ﴿ لقوم عابدين ﴾ ذلك البلاغ.

وأخرج ابن جرير، عن كعب الأحبار ﴿ إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ قال: لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير، عن كعب في قوله: ﴿ إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ قال: صوم شهر رمضان، والصلوات الخمس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن أبي هريرة ﴿ إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ قال: في الصلوات الخمس شغلاً للعبادة.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ قال: هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن محمد بن كعب ﴿ إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ قال: الصلوات الخمس.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ لقوم عابدين ﴾ قال: الذين يحافظون على الصلوات الخمس في الجماعة.

وأخرج عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لقوم عابدين ﴾ قال: عاملين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ قال: من آمن تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب؛ من المسخ والخسف والقذف.

وأخرج مسلم، «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، ادع على المشركين.

قال: إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين» .

وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني، عن سلمان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي، أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، وأجعلها عليه صلاة يوم القيامة» .

وأخرج البيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة» .

وأخرج عبد بن حميد، «عن عكرمة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، ألا تلعن قريشاً بما أتوا إليك؟

فقال: لم أبعث لعاناً إنما بعثت رحمة» يقول الله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ ﴾ الزبور: جميع (١) هذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد (٢) (٣) (٤) قال ابن عباس في رواية الكلبي، والضحاك، والسدي: الذكر: التوراة، والزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة (٥) وقال في رواية عطاء: يريد زبور داود من بعد التوراة.

وهذا قول عامر الشعبي (٦) والمختار قول سعيد لأنَّه الأجمع (٧) ﴿ أَنَّ الْأَرْضَ ﴾ يعني أرض الجنة.

قاله ابن عباس -في رواية عطاء- ومجاهد والسدي، وأبو صالحِ، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن زيد (٨) ﴿ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ  ﴾ الآية، {يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} قالوا: المؤمنون العاملون بطاعة الله (٩) وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني الدنيا تصير للمؤمنين من هذه الأمة، وهذا حكم من الله -عَزَّ وَجَلَّ- بإظهار الدين وقهر الكافرين [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب عن ابن عباس بهذا النّصّ.

وقد ذكر الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 693 أن القولين كليهما حق داخل في الآية ويشهد لكل منهما قرآن.

واستشهد للأول -أنها أرض الجنة- ما استشهد به الواحدي، واستشهد للثاني بآيات منها قوله تعالى "وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا" [الأحزاب: 27]، وقوله تعالى ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ  ﴾ وغيرها من الآيات.]].

(١) في (د)، (ع): (جمع)، وهو خطأ.

(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب عن ابن جبير ومجاهد وابن زيد.

ورواه عن سعيد بن جبير سفيان في "تفسيره" ص 206، وسعيد بن منصور في "تفسيره" ل 155 أ، وهناد في "الزهد" 1/ 123، والطبري في "تفسيره" 17/ 103، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 685 وعزاه لهناد وعبد بن حميد وابن جرير.

ورواه عن مجاهد الطبري 17/ 103، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 685 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.

ورواه عن ابن زيد الطبري 17/ 103.

(٣) في المطبوع من المعاني: الفرقان.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 407.

(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب عن ابن عباس والضحاك.

ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 103 عن ابن عباس من طريق العوفي.

ورواه عن الضحاك أيضًا 17/ 103.

ورواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 30 عن الكلبي.

(٦) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 555، والطبري في "تفسيره" 17/ 103، والحاكم في "مستدركه" 2/ 587، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 686 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم.

(٧) وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 17/ 104، وما نقله الواحدي بعد ذلك من قوله: وتأويل الكلام.

هو كلام الطبري رحمه الله.

(٨) رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 104 من طريق مجاهد عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 687 وعزاه للفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم.

== وروى الطبري 17/ 104 - 105 هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وابن زيد.

وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 201 هذا القول عن أبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وأبي صالح وغيرهم.

(٩) انظر: "الطبري" 17/ 104 - 105، و"تفسير ابن كثير" 3/ 201، و"الدر المنثور" 5/ 686 - 687.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر ﴾ في الزبور هنا قولان: أحدهما أنه كتاب داود، والذكر هنا على هذا التوراة التي أنزل الله على موسى، وما في الزبور من ذكر الله تعالى، والقول الثاني أن الزبور جنس الكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء، والذكر على هذا هو اللوح المحفوظ: أي كتب الله هذا في الكتاب الذي أفرد له، بعد ما كتبه في اللوح المحفوظ حتى قضى الأمور كلها، والأول أرجح، لأن إطلاق الزبور على كتاب داود أظهر وأكثر استعمالاً، ولأن الزبور مفرد فدلالته على الواحد أرجح من دلالته على الجمع، ولأن النص قد ورد في زبور داود بأن الأرض يرثها الصالحون ﴿ أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون ﴾ الأرض هنا على الاطلاق في مشارق الأرض ومغاربها، وقيل: الأرض المقدسة، وقيل: أرض الجنة، والأول أظهر، والعباد الصالحون: أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الآية ثناء عليهم، وإخبار بظهور غيب مصداقة في الوجود إذ فتح الله لهذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وحرم ﴾ بكسر الحاء: حمزة وعلي وعاصم غير حفص وأبي زيد عن المفضل ﴿ فتحت ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ لا يحزنهم ﴾ بضم الياء وكسر الزاء يزيد ﴿ نطوي ﴾ بضم التاء الفوقانية وفتح الواو ﴿ والسماء ﴾ بالرفع: يزيد.

﴿ للكتب ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ بدأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ قال ﴾ بالألف على حكاية قول الرسول ﴿ رب ﴾ بحذف الياء اكتفاء بالكسرة: حفص غير الخراز ﴿ رب ﴾ بضم الباء على أنه مبتدأ ﴿ احكم ﴾ على صيغة التفضيل.

يزيد عن يعقوب الباقون ﴿ رب احكم ﴾ ﴿ يصفون ﴾ على الغيبة: المفضل وابن ذكوان في رواية.

الوقوف: ﴿ واحدة ﴾ ز لأن المقصود من قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ قوله ﴿ فاعبدون ﴾ وكان الكلام متصلاً ﴿ فاعبدون ﴾ ه ﴿ وبينهم ﴾ ط ﴿ راجعون ﴾ ه ﴿ لسعيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ كاتبون ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط لإضمار القول ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ واردون ﴾ ه ﴿ ما وردوها ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ لا لأن ما بعد خبر "إن" ﴿ مبعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر بعد خبر ﴿ حسيسها ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ خالدون ﴾ ه ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون صفة أو استئنافاً ﴿ الملائكة ﴾ ط لأن التقدير قائلين هذا يومكم ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ للكتب ﴾ ط لأن الجار يتعلق بما بعده ﴿ نعيده ﴾ ط لحق المضمر اي وعدنا وحقاً ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ الصالحون ﴾ ه ﴿ عابدين ﴾ ه ط لاختلاف الجملتين ﴿ للعالمين ﴾ ه واحد ج للاستفهام مع الفاء ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ خارج عن المقول، ومن قرأ ﴿ ربي احكم ﴾ فوقفه مجوز لنوع عدول من الواحد إلى الجمع ﴿ تصفون ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصص الأنبياء أراد أن يذكر ما استقر عليه أمر الشرائع في آخر الزمان فقال ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ وسيرتكم، فالأمة الدين والطريقة لأنه أصل وقانون يرجع إليه.

وللتركيب دلالة على ذلك وهذا إشارة إلى ملة الإسلام أي إن هذه الملة هي طريقتكم وسيرتكم التي يجب أن تكونوا عليها حال كونها طريقة واحدة غير مختلفة.

﴿ وأنا ربكم ﴾ لا غيري ﴿ فاعبدون ﴾ والخطاب للناس كافة، وكان الظاهر أن يقال بعده وتقطعتم أمركم ينكم أي جعلتم أمر دينكم بينكم قطعاً كما يقسم الشيء بين الجماعة فيصير لهذا نصيب ولهذا نصيب فصرتم فرقاً مختلفة وأحزاناً شتى، إلا أنه عدل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه يقبح أمرهم إلى غيرهم فيقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء؟

عن رسول الله  أنه قال "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة وأن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة وتخلص فرقة واحدة قالوا: يا رسول الله ومن الفرقة الناجية؟

قال: الجماعة الجماعة" فهذا الحديث مفسر للآية من حيث إن هذه الأمة يجب أن يكونوا على كلمة واحدة، طعن بعضهم في الحديث أنه أراد بالاثنتين والسبعين فرقة اصول الأديان فإنها لا تبلغ هذا العدد، وإن أراد الفروع فإنها أضعاف هذا العدد.

وأجيب بأنه أراد ستفترق أمتي هذا العدد في حال ما، وهذا لا ينافي كون العدد في بعض الأحوال أنقص أو أزيد.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ فاعبدون وتقطعوا ﴾ بالواو وفي "المؤمنين" ﴿ فاتقون  فتقطعوا  ﴾ بالفاء لأن الخطاب ههنا أعم والعبادة أعم من التقوى.

وأيضاً الخطاب يتناول الكفار وقد وجد منهم التقطع قبل هذا القول، وفي سورة المؤمنين الخطاب للنبي  والمؤمنين بدليل قوله ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات  ﴾ ثم قال ﴿ فتقطعوا  ﴾ اي ظهر منهم أي من أمتهم التقطع بعد هذا القول ولأن التقطع منهم أغرب أكده هناك بقوله ﴿ زبراً ﴾ وفي قوله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ وعيد عظيم للفرق المختلفة.

ثم فصل مآل لهم بقوله ﴿ فمن يعمل ﴾ الآية والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه في قوله ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ وإنما لم يقل "فلا يكفر سعيه" لأن نفي الجنس أبلغ فإن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.

وفي قوله ﴿ وأنا له ﴾ اي لذلك السعي ﴿ كاتبون ﴾ مبالغة أخرى فإن المثبت في الصحيفة أبعد من النسيان والغلط كما قيل: قيدوا العلم بالكتابة.

ولا سيما إذا كان الكاتب ممن لا يجوز عليه السهو والنسيان.

قال المفسرون: معناه حافظون لنجازي عليه.

وقيل: مثبتون في أم الكتاب أو في صحف الأعمال.

هذا حال السعداء وأما أحوال أضدادهم فذلك قوله ﴿ وحرام ﴾ ومن قرأ ﴿ حرم ﴾ فإنه فعل بمعنى مفعول.

والتركيب يدور على المنع اي ممتنع أو ممنوع وهذا خبر لا بد له من مبتدأ وذلك قوله ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ أو غير ذلك.

والرجوع إما الرجوع عن الشرك إلى الإسلام أو الرجوع إلى الدنيا أو إلى الآخرة.

وعلى الأول إما أن تكون "لا" زائدة أقحمت للتأكيد ومعنى الآية ممتنع على أهل قرية عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها أن يرجعوا أو يتوبوا إلى أن تقوم الساعة والمراد تصميمهم على الكفر.

وإما أن تكون معيدة ولكن الحرام بمعنى الواجب تسمية لأحد الضدين باسم الآخر باشتراكهما في المنع إلا أن الوجوب منع عن الترك والحرمة منع عن الفعل، وقد ورد في الاستعمال مثل ذلك قال  ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا  ﴾ وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وقالت الخنساء: وإن حراماً لا ارى الدهر باكياً *** على شجوه إلا بكيت على عمرو وعلى الثاني فالإهلاك على أصله، والمعنى أن رجوعهم إلى الدنيا ممتنع أو عدم رجوعهم واجب إلى قيام الساعة نظيره قوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون  ﴾ وعلى الثالث فقوله "حتى" غاية لقوله ﴿ لا يرجعون ﴾ اي ممتنع عدم رجوع المهلكين إلى عذاب الآخرة حتى الساعة، وذلك أن رجوعهم إلى عذاب النار قبل الساعة واجب بقوله ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن رجوعهم إلى الآخرة واجب إلى هذه الغاية أي أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة.

وعلى الرابع فالمعنى وحرام عليهم ذلك وهو المذكور من السعي المشكور غير المكفور لأنهم لا يرجعون عن الكفر إلى أن تقوم الساعة.

قوله  ﴿ حتى إذا فتحت ﴾ "حتى" هي التي يقع بعدها الجملة وهي ههنا مجموع الشرط والجزاء و"إذا" المفاجأة تسد مسد فاء الجزاء، وقد يجمع بينهما للتعاون على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد وإنما احتيج إلى هذا التأكيد لأن الشرط يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل يوم القيامة، ولعل بينهما فاصلة بالزمان إلا أن التفاوت القليل كالمعدوم والمضاف محذوف أي سد يأجوج ومأجوج وتأنيث الفعل لأنهما قبيلتان وهما ومن جنس الأنس كما مر في آخر الكهف.

يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج.

وفي الحديث "إن منكم واحداً ومن يأجوج ومأجوج ألف" .

قوله ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ قال أكثر المفسرين: الضمير ليأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد.

وعن مجاهد أنه لجميع المكلفين الذين يساقون إلى المحشر.

والحدب ما إرتفع من الأرض والنسل الإسراع.

﴿ واقترب ﴾ عطف على ﴿ فتحت ﴾ وهو داخل في الشرط.

و ﴿ الوعد الحق ﴾ القيامة وقوله ﴿ فإذا هي شاخصة ﴾ كقوله في سورة إبراهيم ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وقال في الكشاف: ﴿ هي ﴾ ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره.

قلت: فعلى هذا ﴿ هي ﴾ مبتدأ ﴿ وشاخصة ﴾ خبره ﴿ وأبصار ﴾ بدل ﴿ هي ﴾ ولو قيل: ﴿ هي ﴾ ضمير القصة مبتدأ والجملة التي هي أبصار الذين كفروا شاخصة خبره جاز وهو قول سيبويه.

ثم ههنا إضمار اي يقولون ﴿ يا ويلنا ﴾ وهو في موضع الحال من الذين كفروا والعامل شاخصة ﴿ قد كنا في غفلة من هذا ﴾ الوعد أو الأمر ﴿ بل كنا ظالمين ﴾ أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب الرسل وعبادة الأوثان.

ثم بين حال معبوديهم يوم القيامة فقال: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ اي محصوبها بمعنى محصوب فيها، والحصب الرمي ومنه الحصباء لأنه يرمى بها الشيء وقرئ حطب.

واللام في قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ كاللام في قوله "هو لزيد ضارب" وذلك لضعف عمل اسم فيما تقدم عليه.

والمعنى لا بد لكم أن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها.

ثم ألزمهم الحجة بقوله ﴿ لو كان هؤلاء ﴾ المعبودون ﴿ آلهة ﴾ في الحقيقة ﴿ ما وردوها ﴾ لكنهم واردوها للخبر الصادق الذي يتنبه لصدقه من يتأمل في إعجازه فينتج أن هؤلاء ليسوا بآلهة وأنها لا تستحق تعظيماً أصلاً.

ثم أخبر أنهم بعد ورودهم النار لا يخلصون منها أبداً فقال ﴿ وكل ﴾ اي من العابدين والمعبودين ﴿ فيها خالدون لهم فيها زفير ﴾ قد سبق معانيه في آخر سورة هود ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ شيئاً إما لأنهم يجعلون في توابيت من نار عن ابن مسعود، وإما لأنه  يصمهم كما يعميهم.

والصمم في بعض الأوقات لا ينافي كونهم سامعين أقوال أهل الجنة في غير ذلك الوقت، أو المراد أنهم لا يسمعون ما يسرهم، أو الضمير للمعبودين والسماع سماع إجابة، وعلى هذا فالضمير في ﴿ لهم فيها زفير ﴾ للعابدين وجاز اعتماداً على فهم السامع حيث يرد كلاً من الضميرين على ما يناسبهما كأنه قيل: العابد يدعو والمعبود لا يجيب، ويجوز أن يكون للمعبودين أيضاً لأن فيهم من يتأتى منه الزفير كالشياطين فغلب، أو لأن الجماد ينطقه الله وقتئذ والزفير بمعنى اللهيب والله أعلم.

يروى أن رسول الله  دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث وكلمه رسول الله  حتى أفحمه ثم تلا عليهم ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ الاية.

فأقبل عبد الله بن الزبعري فأخبره الوليد بن المغيرة بنا جرى فقال معترضاً: اليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟

فقال  : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك وأنزل الله  ﴿ إن الذين سبقت ﴾ الآية.

فخرج من الحديث.

الآية جواب ابن الزبعري على أتم وجه وأكمله كأنه قيل أولاً إن الاية باقية على عمومها لأن الذين عبدوا عزيراً والمسيح والملائكة لم يعبدونهم في الحقيقة، وإنما عبدوا الشياطين التي دعتهم إلى ذلك، ولئن سلم أنهم عبدوهم في الحقيقة لكنهم مخصوصون بما سبقت لهم منا الخصلة الحسنى وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو بتوفيق الطاعة وكل ميسر لما خلق له.

ومن المفسرين من أجاب عن اعتراض ابن الزبعري بوجوه آخر منها: أن قوله ﴿ إنكم ﴾ خطاب لمشركي قريش وإنهم لم يعبدوا سوى الأصنام.

ولقائل أن يقول: حمل الآية على العموم أتم فائدة.

ومنها أن قوله ﴿ وما تعبدون ﴾ لا يتناول العقلاء فيسقط الاعتراض.

ولقائل أن يقول: ما أعم لا مباين فيشمل ذوي العقول وغيرهم ولهذا جاء ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ سبحان ما سخركن لنا.

ومنها أنه تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه، وضعف بأن القوم لم يعبدوا تلك الصورة، وبأن الملك لا يتعذب بالنار كخزنة جهنم.

واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقوله ﴿ إن الذين ﴾ لا يبعد أن يكون عاماً لكل المؤمنين ويؤيده ما روي أن علياً قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.

وزعم مثبتوا لعفو أن الحسنى في الاية هي الوعد بالعفو لأنه قال ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ بأزاء قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ والورود الدخول فالإبعاد الإخراج من النار بعد أن كانوا فيها.

وأيضاً إبعاد البعيد محال.

وقوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ إذ الصوت الذي يحس به مخصوص بما بعد الإخراج.

وايضاً قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ يفهم منه أنه يحزنهم الفزع الأصغر، فالأكبر عذاب الكفار والأصغر عذاب صاحب الكبيرة، والأكثرون على أن المراد من قوله ﴿ مبعدون ﴾ أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة لأن ما جعل بعيداً عن شيء ابتداء يحسن أن يقال: إنه أبعد عنه، وهؤلاء لم يفسروا الورود في قوله { ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ بالدخول كما مر في سورة مريم.

وفي قوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ تأكيد للإِبعاد فقد لا يدخل النار ويسمع حسيسها.

ثم بين أنهم مع العبد عن المنافي منتفعون بالقرب من الملائم ملتذون به على سبيل التأبيد فقال ﴿ وهم فيما إشتهته ﴾ ﴿ أنفسهم ﴾ أي فيما تطلبه للالتذاذ به ﴿ خالدون ﴾ هذا نصيب أهل الجنة، وأما أهل الله فهم فيما اشتهت قلوبهم وارواحهم وأسرارهم خالدون.

والفزع الأكبر قيل: النفخة الأخيرة لقوله ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض  ﴾ وعن الحسن هو الانصراف إلى النار فإنه لا فزع أكبر مما إذا شاهدوا النار، وهذا أمر يشترك فيه أهل النار جيمعاً، ثم مراتب التعذيب بعد ذلك متفاوتة.

وعن الضحاك وسعيد بن جبير هو حين تطبق النار على أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح فعند ذلك يستقر أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وتستقبلهم الملائكة مهنئين قائلين ﴿ هذا يومكم ﴾ اي وقت ثوابكم ﴿ الذي كنتم توعدون ﴾ ذلك قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم.

والعامل في ﴿ يوم نطوي السماء ﴾ : ﴿ لا يحزنهم ﴾ أو ﴿ تتلقاهم ﴾ .

والسجل اسم للطومار الذي يكتب فيه.

وعن ابن عباس أنه ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه وهو مروي ايضاً عن علي  .

وروى أيضاً أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه كاتب لرسول الله  وليس بمعروف.

قال الزجاج: هو الرجل بلغة الحيش.

فعلى هذه الوجوه فالطي وهو المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الوجه الأول هو مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف كطي الطاوي للسجل وهو قول الأكثرين وإشتقاقه من السجل الدلو العظيم وقد قرئ به والتركيب يدل على الامتلاء والاجتماع ولهذا لا يسمى الدلو سجلاً إلا إذا كان فيه ماء ومنه "أسجلت الحوض ملأته".

وقوله ﴿ للكتاب ﴾ أي للكتابة ومعناه ليكتب فيه أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب.

ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي ما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وكيفية هذا الطي لا يعلمها إلا من أخبر عن ذلك أما قوله ﴿ كما بدأنا ﴾ فمن المفسرين من قال: إنه ابتداء كلام ومنهم من قال: إنه وصف قوله ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ بقوله ﴿ يوم نطوي ﴾ ثم عقبه بوصف آخر فقال ﴿ كما بدأنا أول خلق ﴾ وهو مفعول نعيد الذي يفسره ﴿ نعيده ﴾ و"ما" كافة أي نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء.

فكما أوجده أولاً عن عدم يعيده ثانياً عن عدم.

ومنهم من قال: الإعادة إنما تتعلق بالضم والتركيب بعد تفريق الأجزاء الاصلية والآية لا تطابقه كل المطابقة.

وأول خلق كقولك "هو أول رجل" اي إذا فضلت رجلاً رجلاً فهو أولهم، وإنما خص أول الخلائق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم ودفعاً للاعتراض.

وجوز جار الله أن تنتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده و"ما" موصولة اي نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و ﴿ أول خلق ﴾ ظرف ﴿ لبدأنا ﴾ أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ وقوله ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لأن قوله نعيد عدة للإعادة وقيل: أراد حتماً ﴿ علينا ﴾ لسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه فإن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ثم حقق ذلك بقوله ﴿ إنا كنا فاعلين ﴾ اي سنفعل ذلك لا محالة فإنا قادرون عليه.

عن سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد أن الزبور جنس للكتب المنزلة كلها، والذكر أم الكتاب يعني اللوح ففيه كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة، وكتب الأنبياء كلهم منتسخة منه، وعن قتادة أن الزبور هو القرآن، والذكر هو التوراة.

وعن الشعبي أن الزبور هو كتاب داود  والذكر التوراة.

وجوز الإمام فخر الدين أن يراد بالذكر العلم أي كتبنا فيه بعد أن كنا عالمين غير ساهين.

والمراد تحقيق وقوع المكتوب فيه، والأرض أرض الجنة، والعباد الصالحون هم المؤمنون العالمون بما يجب عليهم نظيره قوله ﴿ وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين  ﴾ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والسدي وأبو العالية.

وإنما ذهبوا إلى هذا القول لأن أرض الدنيا تعم الصالح وغير الصالح، ولأن الآية وردت بعد ذكر الإعادة.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أنها أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار نظيره ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأرض  ﴾ وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد  عند نزول عيسى ابن مريم ﴿ إن في هذا ﴾ الذي ذكر في السورة من الأخبار والوعد والوعيد وغير ذلك ﴿ لبلاغاً ﴾ لكفاية ﴿ لقوم عابدين ﴾ عاملين بما ينبغي عمله من الخيرات بعدما عملوا من كيفية أدائها.

والبلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط والوسائل، ولا مطلوب أجل من سعادة الدارين فكل من كان وسيلة إلى نيل هذا المطلوب على الوجه الأتم الأكمل كان وجوده رحمة من الله للطالب المتحير وما ذاك إلا خاتم النبيين فلهذا قال ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وكونه رحمة للكل لا ينافي قتله بعض الكفرة والتعرض لأموالهم وأولادهم كما أن كي بعض أعضاء المريض بل قطعه لا ينافي حذق الطبيب وإشفاقه على المريض ومن هنا قيل: آخر الدواء الكي.

والعاقل لا ينسب التقصير إلى الفاعل لقصور في القابل.

قالت المعتزلة: لو كان الكفر الكافر بخلق الله لم يكن إرسال الرسول رحمة له لأنه لا يحصل له حينئذ إلا لزوم الحجة عليه.

وأجيب بأنه كونه رحمة للفجار هو أنهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال، ولا يلزم أن يكون الرسول رحمة للمؤمنين من جهة كونه رحمة للكافرين، والجواب المحقق أن كونه رحمة عامة بالنسبة على أمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم.

وفي الآية دلالة على أن النبي  أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض  ﴾ والاستغفار رحمة.

والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير الرحمة بمعنى الدعاء، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك، ثم بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك فقال ﴿ قال إنما يوحى إلي ﴾ إن كانت "ما" موصولة فمعناه أن الذي يوحي إليَّ هو أن وصفه  مقصور على الوحدانية لا يتجاوزه إلى ما يناقضها أو يضادها بأي قسمة فرضت وإن كانت كافة المعنى أن الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدة، وذلك أن القصر يكون أبداً لما يلي إنما وفي قوله ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ بعث لهم على قبول هذا الوحي الذي هو أصل التكاليف كلها، وفيه نوع من التهديد فلذلك صرح به قائلاً ﴿ فإن تولوا فقل آذنتكم ﴾ اي أعلمتكم والمراد ههنا أخص من ذلك وهو الإنذار ﴿ على سواء ﴾ هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ إلى وقت اي حال كونكم مستوين في ذلك لا فرق بين القريب والأجنبي والقاصي والداني والشريف والوضيع ولهذا قال أبو مسلم: الإيذان على سواء هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ وقيل: أراد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من أصول التكاليف ولا سيما التوحيد على السوية من غير فرق في الإبلاغ بين مكلف ومكلف.

ولست ﴿ أدري أقريب ما توعدون ﴾ أم بعيد والموعود قيل: هو عذاب الآخرة.

واعترض بأنه ينافي قوله ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ وقيل: هو الأمر بالقتال لأن السورة مكية وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة.

وقيل: هو إعلاء شأن الإسلام وغلبة ذويه فإنه لا بد أن يلحق للكفار حينئذ ذلة وصغار.

ولما أمره أن ينفي عن نفسه علم الغيب أمره أن يقول لهم إن الله  هو العالم بالسر والعلن فيعلم ما تجاهرون به من المطاعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الإحن والضغائن فيجازيكم على القبيلين ﴿ وإن أدري لعله ﴾ اي ما أدري لعل تأخير هذا الوعد أو إبهام وقته أو تأخير الأمر بالجهاد امتحان لكم لينظر كيف تعملون وتمنيع لكم ﴿ إلى حين ﴾ حضور وقت الموعد.

وقال الحسن: لعل ما أنتم عليه من الدنيا ونعيمها بلية لكم.

وقيل: اراد لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت ابتلاء لكم لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالاً بعد حال يكون عذابه اشد.

ومعنى ﴿ رب احكم بالحق ﴾ أقضى بيني وبين من يكذبني بالعذاب.

قال قتادة: امره الله  أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق  ﴾ فاستجيب له فعذبوا ببدر، وقال جار الله: بالحق لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم كما قال "أشدد وطأتك على مضر" وقيل: معناه وافعل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع تنصرني عليهم كأنه  قال له: قل داعياً إليَّ رب احكم بالحق وقل متوعد للكفار ﴿ وربنا الرحمن المستعان ﴾ الذي يستعان به ﴿ على ما تصفون ﴾ من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل، وكانوا يطمعون أن يكون لهم الغلبة والدولة فقلب الله الأمر عليهم.

وفي هذا الأمر تسلية للنبي  ورفع عن مقداره حيث أمر بالانقطاع إلى الرب في دفع أذية القوم ليحصل له مع الخلاص من أذيتهم شرف الاستجابة وهذه غاية العناية.

التأويل: ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة في ذاته كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول ﴿ أنا ربكم ﴾ الذي بلغتكم هذه الرتبة ﴿ فاعبدون ﴾ أي فاعرفون ﴿ وتقطعوا أمرهم ﴾ فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ أما طالب الدنيا فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم، وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا فإنه يرجع إلينا بالحقيقة ﴿ وإنا له كاتبون ﴾ في الأزل من أهل السعادة ﴿ حتى إذا فتح ﴾ سد ﴿ يأجوج ﴾ النفس و ﴿ مأجوج ﴾ الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة والباطنة ﴿ ينسلون ﴾ فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح ﴿ واقترب الوعد ﴾ إهلاك القلوب الغافلة ﴿ فإذا هي شاخصة ابصار ﴾ بصائرها بالانهماك في الأهواء ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ العناية الأزلية ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ أعني مقالات أهل البدع والأهواء ﴿ وهم فيما اشتهت أنفسهم ﴾ المطمئنة المجذوبة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ في مقامات السير في الله ﴿ خالدون ﴾ الفزع الأكبر قوله في الأزل "هؤلاء في النار ولا أبالي" ﴿ يوم نطوي ﴾ سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ يعني أن الرجوع يكون بالتدريح كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة ثم خلق المضغة عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر.

ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ أي في أم الكتاب ﴿ من بعد الذكر ﴾ أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره ﴿ كن فيكون  ﴾ أن أرض جنة الوجود الحقيقي ﴿ يرثها عبادي الصالحون ﴾ وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي.

فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، ولوجود الحقيقي لكونه ثابتاً ومستقراً على حالة واحدة كالأرض ﴿ لقوم عابدين ﴾ عارفين.

﴿ وما أرسلناك ﴾ من كتم العدم ﴿ إلا رحمة للعالمين ﴾ فلولاك لما خلقت الأفلاك "أول ما خلق الله روحي" ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إنه لما نزل قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قالت الكفرة: إن عيسى وعزيراً والملائكة قد عبدوا من دون الله فهم حصب جهنم، فنزل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ استثنى من سبق له الحسنى منه، وهو عيسى وهؤلاء، وكذلك في حرف ابن مسعود: (إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى) على الاستثناء.

عن علي -  - قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...

﴾ الآية: ذاك عثمان وطلحة والزبير، وأنا من شيعة عثمان وطلحة والزبير، ثم قال: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ...

﴾ الآية [الأعراف: 43].

ولكن قد ذكرنا الوجه فيه، فإن ثبت أنه نزل بشأن هؤلاء وإلا فهو لكل من سبق له من الله الحسنى.

ثم ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ يحتمل الجنة، كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  ﴾ أي: بالجنة، فعلى ذلك قوله: ﴿ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، ويحتمل ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ : السعادة والبشارة بالجنة وثوابها.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ أي: لا يعودون إليها أبداً، ليس على بعد المكان كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ  ﴾ أي: لا يعودون إلى الهدى أبداً.

أو أن يكون قوله: ﴿ مُبْعَدُونَ ﴾ عنها مكاناً، لكن قد ذكر في آية: ﴿ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ  عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ  ﴾ وقال في آية: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ولا نعلم هذا أنه يجعل في قوى أهل الجنة أنهم متى ما أرادوا أن ينظروا إلى أولئك ويروهم يقدرون على ذلك؛ أو تقرب النّار إليهم فينظرون إليهم، والله أعلم، والأوّل أشبه أنهم لا يعودون إليها أبداً.

وقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ﴾ أي: صوتها، وهو ما ذكر من الإبعاد، وإذا بعدوا منها لم يسمعوا حسيسها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴾ وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ ﴾ أي: لا يحزنهم أهوال يوم القيامة وأفزاعها ﴿ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ أي: تتلقاهم الملائكة بالبشارة، كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ...

﴾ الآية [فصلت: 30].

أو ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ ﴾ ، أي: لا يحزنهم ما يحل بالكفرة من الفزع والعذاب، كمن رأى في الدنيا إنساناً في بلاء وشدة، أو يعذب بعذاب، فإنه يحزن ويهتم بما حل به، فأخبر أنّهم لا يحزنون بما حل بالكفرة من العذاب والشدائد.

قال أبو عوسجة: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ قال: الحصب والحطب واحد، قال: وما أكثر من العرب من يتكلم بهذه اللفظة، قال: ولا أعرف (حضب جهنم) بالضاد.

وقال غيره ما ذكرنا من إلقاء الحطب فيه والتهييج.

وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ أي: داخلون.

وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾ الزفير: هو شدة النفس في الصّدر، يقال: زفر يزفر زفيراً.

وقال بعضهم: الزفير: هو أنين كل محزون ومكروب، وهو قريب ممّا ذكرنا.

وقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ﴾ ، أي: صوتها، وهو من الحس: وهو الصّوت.

وقال القتبي: حصب جهنم: ما ألقي فيها، وأصله: من الحصباء، وهي الحصاة، ويقال: حصبت فلانا - أي: رميته - حصبا بتسكين الصّاد، وما رميت به حصب، بفتح الصّاد، وكما تقول: نفضت الشجرة نفضا، وما وقع نفض، واسم حصى الجمار: حصب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ كأن هذا خرج على إثر سؤال سألوه على غير ابتداء؛ لأن الابتداء بمثله على غير تقدم أمر لا يحتمل، فكأنه - والله أعلم - لما ذكر أهل النار في قوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ وذكر أهل الجنة ووصفهم بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من قوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فكأنهم قالوا: متى يكون ذلك؟

فقال عند ذلك: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ أخبر أن السماء تطوى كما يطوي السجل الكتب.

ثم ذكر في السماء الطي مرة والتبديل في آية بقوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [إبراهيم: 48]، وذكر [الانفطار و] الانشقاق في آية، كقوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ \[الانفطار 1\] و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ  ﴾ ونحوه، كما ذكر في الجبال أحوالا، مرة قال: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، وقال في آية [أخرى]: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ  ﴾ ونحوه، فجائز أن يكون كذلك على اختلاف الأحوال، على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم تتلاشى وتفنى حتى لا يبقى منها شيء، كما ذكر ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ ؛ فعلى ذلك السماوات والأرضون يختلف عليها الأحوال على ما ذكر، ثم آخرها التبديل كما ذكر ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ  ﴾ فيما ذكر في هؤلاء الآيات من تغيير الجبال والسماوات والأرضين دليل فناء هذا العالم بجملته وأسره؛ لأن فناء السماوات والأرض والجبال يبعد عن أوهام الخلق، وأمّا غيرها من الخلائق فإنهم يشاهدون فناءه، فذكر فناء ما يبعد في أوهامهم، ليعلموا أن هذا العالم يفنى بأسره، ويستبدل عالماً آخر، يحتمل البقاء للجزاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ .

هذا أيضاً لا يحتمل إلا على تقدم ذكر، فهو محتمل ما ذكرنا مما سبق من ذكر أهل الجنة وأهل النار، فقالوا: كيف يحيون؟

فقال عند ذلك: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ ثم اختلف فيه: فقال بعضهم: نطفا، ثم علقاً، ثم مضغا، ثم عظاماً، ثم لحماً، ثم ينفخ فيهم الروح.

وقال بعضهم: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ حفاة عراة على ما خلقوا في الابتداء.

وقال بعضهم: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ يعني: السماوات السبع يطويها الله فيجعلها سماء واحدة كما كانت أولا قبل أن يخلق فيها ست سماوات، والأرضين كذلك.

وجائز أن يكون ذكر هذا إخباراً أنه قادر على أن يعيدهم كما قدر على ابتداء خلقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ أي: بعثهم ﴿ وَعْداً عَلَيْنَآ ﴾ لا يختلف ذلك على ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ  ﴾ ثم اختلف في السجل، وفي قراءته: قال بعضهم: السجل: اسم رجل، وهو كاتب رسول الله  .

وقال بعضهم: هو اسم الملك الذي يكتب.

وقال بعضهم: السجل: الصحيفة.

ثم قال بعضهم: من قرأ ﴿ ٱلسِّجِلِّ ﴾ بالتشديد فهو الصحيفة، ومن قرأ ﴿ ٱلسِّجِلِّ ﴾ بالتخفيف: هو ملك موكل بالصحف، اسمه: السجل، ويقرأ الكتاب.

قال أبو عوسجة: ﴿ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ قال: يقال: أسجلت وسجلت، أي: كتبت، إسجالا وتسجيلا، وسجلت أيضاً: عملت، وسجل: خلق، يقال منه: سجل يسجل سجلا، والمساجلة: المفاخرة، ويقال: ساجلته: فاخرته، ويقال: أسجلت الكلام فهو مسجل، أي: أطلقته وأرسلته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ .

قال بعضهم: إن كل كتب الله التي أنزلها هي زبور.

﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: الكتاب الذي عند الله وهو اللوح المحفوظ، معناه - والله أعلم - على هذا التأويل: كتبنا في الكتب التي أنزلناها بعد ما كان مكتوباً في اللوح المحفوظ ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا...

﴾ كذا.

وقال بعضهم: كتب الله في الزبور المعروف، وهو زبور داود بعد ما كتب ﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: التوراة ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ يعني: الجنة ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ وكتب ذلك في هذا القرآن فقال: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ ﴾ ، أي: زبور داود بعد ما كتب في الذكر الذي عنده.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ ﴾ : في بعض كتاب، أي: في بعض السور: ﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ ، أي: من بعد السورة ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ كذا.

وجائز أيضاً: ﴿ كَتَبْنَا ﴾ في كتاب ﴿ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ ، أي: من بعد ما ذكرهم ووعظهم ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ كذا.

ثم اختلفوا في قوله: ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: هي الجنة؛ أخبر أن الجنة إنما يرثها عبادي الصالحون، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ \[المؤمنون: 10-11\] فيكون هذا تفسيراً لذلك.

وقال بعضهم: ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ ﴾ يعني: أرض بيت المقدس ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ وهو كذلك كان، لم يزل بها عباد الله الصالحون إلى يوم القيامة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا ﴾ أنه محمد، كقول رسول الله  : "زُويت لي الأرضُ فأريتُ مشارقَهَا ومغاربَها وسَيبْلُغ ملك أمتي ما زُوي لي منها" ، فذلك وراثتها، وهم عباده الصالحون، كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [آل عمران: 110]؛ أخبر أنها خير الأمم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فِي هَـٰذَا ﴾ أي: فيما ذكر من قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ في ذلك ﴿ لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ أي: لقوم همتهم العبادة، أو لقوم مطيعين موحدين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا ﴾ فيما تقدم من الآيات، وهو قوله: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ ، وما ذكر من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...

﴾ إلى آخر ما ذكر - أن فيما ذكر كله ﴿ لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

وجائز أن يكون بلاغا للناس جميعاً، كقوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ  ﴾ فيكون قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ أي: لقوم يلزمهم العبادة.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا ﴾ أي: في هذا القرآن ﴿ لَبَلاَغاً ﴾ أبلغهم عن الله ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ إِنَّ فِي هَـٰذَا ﴾ أي: في هذا ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد كتبنا في الكتب التي أنزلناها على الرسل من بعد ما كتبناه في اللوح المحفوظ: أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون العاملون بطاعته، وهم أمة محمَّد  .

<div class="verse-tafsir" id="91.ygayn"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله