الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ١١٣ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٣ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين ) أي : الحاسبين
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ) قال: الملائكة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: بل هم الحُسّاب.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ( فاسأل الْعَادِّينَ ) قال: فاسأل الحُسّاب.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة: ( فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ) قال: فاسأل أهل الحساب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال كما قال الله جلّ ثناؤه: ( فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ) وهم الذين يَعُدّون عدد الشهور والسنين وغير ذلك، وجائز أن يكونوا الملائكة، وجائز أن يكونوا بني آدم وغيرهم، ولا حجة بأيّ ذلك من أيّ ثبتت صحتها، فغير جائز توجيه معنى ذلك إلى بعض العادّين دون بعض.
قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم أنساهم شدة العذاب مدة مكثهم في القبور .
وقيل : لأن العذاب رفع عنهم بين النفختين فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم .
قال ابن عباس : أنساهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية ؛ وذلك أنه ليس من أحد قتله نبي ، أو قتل نبيا أو مات [ ص: 144 ] بحضرة نبي إلا عذب من ساعة يموت إلى النفخة الأولى ، ثم يمسك عنه العذاب فيكون كالماء حتى ينفخ الثانية .
وقيل : استقصروا مدة لبثهم في الدنيا وفي القبور ، ورأوه يسيرا بالنسبة إلى ما هم بصدده .
فاسأل العادين أي سل الحساب الذين يعرفون ذلك فإنا قد نسيناه ، أو فاسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا ؛ الأول قول قتادة ، والثاني قول مجاهد ، وقرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي قل كم لبثتم في الأرض على الأمر .
ويحتمل ثلاثة معان : أحدها : قولوا كم لبثتم ؛ فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد والمراد الجماعة ؛ إذ كان المعنى مفهوما .
الثاني : أن يكون أمرا للملك ليسألهم يوم البعث عن قدر مكثهم في الدنيا .
أو أراد قل أيها الكافر كم لبثتم ، وهو الثالث .
الباقون قال كم على الخبر ؛ أي قال الله تعالى لهم ، أو قالت الملائكة لهم كم لبثتم .
وقرأ حمزة ، والكسائي أيضا
{ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } كلامهم هذا، مبني على استقصارهم جدا، لمدة مكثهم في الدنيا وأفاد ذلك، لكنه لا يفيد مقداره، ولا يعينه، فلهذا قالوا: { فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ } أي: الضابطين لعدده ، وأما هم ففي شغل شاغل وعذاب مذهل، عن معرفة عدده
(قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ) نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم بصدده من العذاب ، ( فاسأل العادين ) الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم .
«قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم» شكّوا في ذلك واستقصروه لعظم ما هم فيه من العذاب «فاسأل العادين» أي الملائكة المحصين أعمال الخلق.
قالوا لِهول الموقف وشدة العذاب: بقينا فيها يومًا أو بعض يوم، فاسأل الحُسَّاب الذين يعدُّون الشهور والأيام.
وهنا يقولون فى يأس وذلة : ( لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) وهو جواب يدل على استصغارهم للمدة التى لبثوها فى الدنيا .
بجانب ما هم فيه من عذاب .وقوله - تعالى - ( فَسْئَلِ العآدين ) يشعر بذهولهم عن التحقق من مقدار المدة التى لبثوها فى الدنيا .أى : فاسأل المتمكنين من معرفة المدة التى مكثناها فى الدنيا .
اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف في مصاحف أهل الكوفة ﴿ قَالَ ﴾ وهو ضمير الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، و ﴿ قُلْ ﴾ في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام وهو ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار.
المسألة الثانية: الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، فقد كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلاً ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا ويظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنها دائمة وهم فيها مخلدون سألهم ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض ﴾ تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا من حيث أيقنوا خلافه، فليس الغرض السؤال بل الغرض ما ذكرنا.
فإن قيل فكيف يصح في جوابهم أن يقولوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ولا يقع من أهل النار الكذب قلنا لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا: ﴿ فَاسْأَلِ العادين ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين وقيل مرادهم بقولهم: ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا فيه وعرفوه من أليم العذاب والله أعلم.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن السؤال عن أي لبث وقع، فقال بعضهم لبثهم إحياؤهم في الدنيا ويكون المراد أنهم أمهلوا حتى تمكنوا من العلم والعمل فأجابوا بأن قدر لبثهم كان يسيراً بناء على أن الله تعالى أعلمهم أن الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هي دار القرار، وهذا القائل احتج على قوله بأنهم كانوا يزعمون أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله تعالى في النار وعذبوا سألوا عن ذلك توبيخاً لأنه إلى التوبيخ أقرب، وقال آخرون بل المراد اللبث في حال الموت، واحتجوا على قولهم بأمرين: الأول: أن قوله في الأرض يفيد الكون في القبر ومن كان حياً فالأقرب أن يقال إنه على الأرض وهذا ضعيف لقوله: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ .
الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ ثم بين سبحانه أنهم كذبوا في ذلك وأخبر عن المؤمنين قولهم: ﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كتاب الله إلى يَوْمِ البعث ﴾ .
المسألة الرابعة: احتج من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال قوله: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض ﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون: ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ والجواب: من وجهين: أحدهما: أن الجواب لابد وأن يكون بحسب السؤال، وإنما سألوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر والثاني: يحتمل أن يكونوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فيصح أن يكون جوابهم ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ عند أنفسنا.
أما قوله: ﴿ فَاسْأَلِ العادين ﴾ ففيه وجوه: أحدها: المراد بهم الحفظة وأنهم كانوا يحصون الأعمال وأوقات الحياة ويحسبون أوقات موتهم وتقدم من تقدم وتأخر من تأخر، وهو معنى قول عكرمة فاسأل العادين أي الذين يحسبون.
وثانيها: فاسأل الملائكة الذين يعدون أيام الدنيا وساعاتها.
وثالثها: أن يكون المعنى سل من يعرف عدد ذلك فإنا قد نسيناه.
ورابعها: قرئ العادين بالتخفيف أي الظلمة فإنهم يقولون مثل ما قلنا.
وخامسها: قرئ العاديين أي القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرونها فكيف بمن دونهم؟
أما قوله: ﴿ لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ فالمعنى أنهم قالوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا * أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ على معنى أنا لبثنا في الدنيا قليلاً، فكأنه قيل لهم صدقتم ما لبثتم فيها إلا قليلاً إلا أنها انقضت ومضت، فظهر أن الغرض من هذا السؤال تعريف قلة أيام الدنيا في مقابلة أيام الآخرة.
فأما قوله تعالى: ﴿ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فبين في هذا الوجه أنه أراد أنه قليل لو علمتم البعث والحشر، لكنكم لما أنكرتم ذلك كنتم تعدونه طويلاً.
ثم بين تعالى ما هو في التوبيخ أعظم بقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف ﴿ عَبَثاً ﴾ حال أي عابثين كقوله: ﴿ لاَعِبِينَ ﴾ أو مفعول به أي ما خلقناكم للعبث.
المسألة الثانية: أنه سبحانه لما شرح صفات القيامة ختم الكلام فيها بإقامة الدلالة على وجودها وهي أنه لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي والصديق من الزنديق، وحينئذ يكون خلق هذا العالم عبثاً، وأما الرجوع إلى الله تعالى فالمراد إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه لا أنه رجوع من مكان إلى مكان لاستحالة ذلك على الله تعالى ثم إنه تعالى نزه نفسه عن العبث بقوله: ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ والملك هو المالك للأشياء الذي لا يبيد ولا يزول ملكه وقدرته، وأما الحق فهو الذي يحق له الملك لأن كل شيء منه وإليه، وهو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه، وبين أنه لا إله سواه وأن ما عداه فمصيره إلى الفناء وما يفنى لا يكون إلهاً وبين أنه تعالى: ﴿ رَبُّ العرش الكريم ﴾ .
قال أبو مسلم والعرش هاهنا السموات بما فيها من العرش الذي تطوف به الملائكة ويجوز أن يعني به الملك العظيم، وقال الأكثرون: المراد هو العرش حقيقة وإنما وصفه بالكريم لأن الرحمة تنزل منه والخير والبركة ولنسبته إلى أكرم الأكرمين كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراماً، وقرئ الكريم بالرفع ونحوه ذو العرش المجيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قال ﴾ في مصاحف أهل الكوفة.
وقل: في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام؛ ففي ﴿ قَالَ ﴾ ضمير الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، وفي ﴿ قَل ﴾ ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار.
استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها، لأنّ الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة إليها.
أو لأنهم كانوا في سرور، وأيام السرور قصار، أو لأنّ المنقضي في حكم ما لم يكن، وصدقهم الله في تقالهم لسني لبثهم في الدنيا ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها.
وقرئ: ﴿ فسل العادّين ﴾ والمعنى: لا نعرف من عدد تلك السنين إلاّ أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم؛ لما نحن فيه من العذاب، وما فينا أن نعدّها كم هي، فسل من فيه أن يعدّ، ومن يقدر أن يلقي إليه فكره.
وقيل: فسل الملائكة الذين يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.
وقرئ: ﴿ العادين ﴾ بالتخفيف، أي: الظلمة، فإنهم يقولون كما نقول.
وقرئ: ﴿ العاديين ﴾ أي: القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟
وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ أيِ اللَّهُ أوِ المَلَكُ المَأْمُورُ بِسُؤالِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى الأمْرِ لِلْمَلَكِ أوْ لِبَعْضِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ.
﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ ﴾ أحْياءً أوْ أمْواتًا في القُبُورِ.
﴿ عَدَدَ سِنِينَ ﴾ تَمْيِيزٌ لِكَمْ.
﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ فِيها بِالنِّسْبَةِ إلى خُلُودِهِمْ في النّارِ، أوْ لِأنَّها كانَتْ أيّامَ سُرُورِهِمْ وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ، أوْ لِأنَّها مُنْقَضِيَةٌ والمُنْقَضِي في حُكْمِ المَعْدُومِ.
﴿ فاسْألِ العادِّينَ ﴾ الَّذِينَ يَتَمَكَّنُونَ مِن عَدِّ أيّامِها إنْ أرَدْتَ تَحْقِيقَها فَإنّا لِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ مَشْغُولُونَ عَنْ تَذَكُّرِها وإحْصائِها، أوِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أعْمارَ النّاسِ ويُحْصُونَ أعْمالَهم.
وقُرِئَ «العادِينَ» بِالتَّخْفِيفِ أيِ الظَّلَمَةَ فَإنَّهم يَقُولُونَ ما نَقُولُ، و «العادِيِّينَ» أيِ القُدَماءَ المُعَمَّرِينَ فَإنَّهم أيْضًا يَسْتَقْصِرُونَ.
﴿ قالَ ﴾ وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ «قُلْ» .
﴿ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ تَصْدِيقٌ لَهم في مَقالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} استقصروا مدة لبثهم فى الدنيا بالاضافى إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة {فَاسْأَلِ العادين} أي الحساب أو الملائكة الذين يعدون أعمار العباد وأعمالهم فسل بلا همز مكي وعلي
﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَحَقَّقُوهُ مِن طُولِ زَمانِ خُلُودِهِمْ في النّارِ، وقِيلَ: اسْتَقْصَرُوها لِأنَّها كانَتْ أيّامَ سُرُورِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هم فِيهِ وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ، وقِيلَ: لِأنَّها كانَتْ مُنْقَضِيَةً والمُنْقَضِي لا يُعْتَنى بِشَأْنِهِ فَلا يُدْرى مِقْدارُهُ طُولًا وقَصْرًا فَيَظُنُّ أنَّهُ كانَ قَصِيرًا ﴿ فاسْألِ العادِّينَ ﴾ أيِ المُتَمَكِّنِينَ مِنَ العَدِّ فَإنّا بِما ذَهَمْنا مِنَ العَذابِ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ أوِ المَلائِكَةُ العادِينَ لِأعْمارِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ عَلى ما رَواهُ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ والكِسائِيُّ في رِوايَةِ «العادِّينَ» بِتَخْفِيفِ الدّالِّ أيِ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم يَقُولُونَ كَما نَقُولُ كانَ الأتْباعُ يُسَمُّونَ الرُّؤَساءَ بِذَلِكَ لِظُلْمِهِمْ إيّاهم بِإضْلالِهِمْ، وقُرِئَ « ﴿ العادِّينَ ﴾ » بِتَشْدِيدِ الياءِ جَمْعُ عادِيٍّ نِسْبَةً إلى قَوْمِ عادٍ والمُرادُ بِهِمُ المُعَمِّرُونَ لِأنَّ قَوْمَ عادٍ كانُوا يُعَمِّرُونَ كَثِيرًا أيْ فاسْألِ القُدَماءَ المُعَمِّرِينَ فَإنَّهم أيْضًا يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، يعني: في القبر.
ويقال: في الدنيا.
ويروى عن ابن عباس في بعض الروايات أنه قال: «لا أدري في الأرض أم في القبر؟» وقال مقاتل: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي القبر عَدَدَ سِنِينَ.
قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ، قال الأعمش: يعني: الحافظين، وقال مقاتل: يعني: ملك الموت وأعوانه، وقال قتادة: يعني: فاسأل الحسَّاب، وقال مجاهد: يعني: الملائكة عليهم السلام، وهكذا قال السدي.
قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ في القبر أو في الدنيا، إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يعني: لو كنتم تصدقون أنبيائي عليهم السلام في الدنيا، لعرفتم أنكم ما مكثتم في القبور إلا قليلاً.
قرأ حمزة والكسائي وابن كثير: قل كَمْ لَبِثْتُمْ على معنى الأمر، وكذلك قوله قُلْ إِنْ لَّبِثْتُمْ، وقرأ الباقون: قالَ بالألف، وقرأ حمزة والكسائي: فسل العادين بغير همز، وقرأ الباقون: فَسْئَلِ بالهمزة.
قوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً، أي: لعباً وباطلاً لغير شيء، يعني: أظننتم أنكم لا تعذبون بما فعلتم؟
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لاَ تُرْجَعُونَ بعد الموت.
قرأ حمزة والكسائي: لاَ تُرْجَعُونَ بنصب التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون بضم التاء ونصب الجيم لا تُرْجَعُونَ، وكذلك التي في القصص قالوا: لأنها من مرجع الآخرة، وما كان من مرجع الدنيا فقد اتفقوا في فتحه، مثل قوله: وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس: 50] .
قال أبو عبيد: وبالفتح نقرأ، لأنهم اتفقوا في قوله تعالى: أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ [الأنبياء: 95] ، وقال: إنهم لاَ يرجعون وقال أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون: 60] ، كقوله: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: 156] ، فأضاف الفعل إليهم.
ثم قال عز وجل: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، يقول: ارتفع وتعظم من أن يكون خلق شيئاً عبثاً، وإنما خلق لأمر كائن.
ثم وحد نفسه فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، يعني: السرير الحسن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ )، وهَذا سُؤالُ اللَّهِ تَعالى لِلْكافِرِينَ.
وفي وقْتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَسْألُهم يَوْمَ البَعْثِ.
والثّانِي: بَعْدَ حُصُولِهِمْ في النّارِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قُلْ كَمْ لَبِثْتُمْ ) وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، والمَعْنى: قُلْ يا أيُّها الكافِرُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: قُولُوا، فَأخْرَجَهُ مَخْرَجَ الأمْرِ لِلْواحِدِ، والمُرادُ الجَماعَةُ؛ لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ.
وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يُدْغِمُونَ ثاءَ ( لَبِثْتُمْ )، والباقُونَ لا يُدْغِمُونَها.
فَمَن أدْغَمَ فَلِتَقارُبِ مَخْرَجِ الثّاءِ والتّاءِ، ومَن لَمْ يُدْغِمْ فَلِتَبايُنِ المَخْرَجَيْنِ.
وَفِي المُرادِ بِالأرْضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القُبُورُ.
والثّانِي: الدُّنْيا.
فاحْتَقَرَ القَوْمُ ما لَبِثُوا لِما عايَنُوا مِنَ الأهْوالِ والعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: لا نَدْرِي كَمْ لَبِثْنا.
وَفِي المُرادِ بِالعادِّينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( العادِينَ ) بِتَخْفِيفِ الدّالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنْ لَبِثْتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ إنْ لَبِثْتُمْ ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( قُلْ إنْ لَبِثْتُمْ ) عَلى مَعْنى: قُلْ أيُّها السّائِلُ عَنْ لُبْثِهِمْ.
وزَعَمُوا أنَّ في مُصْحَفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ( قُلْ ) في المَوْضِعَيْنِ، فَقَرَأهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى ما في مَصاحِفِهِمْ؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في الأرْضِ، ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ ؛ لِأنَّ مُكْثَهم في الأرْضِ وإنْ طالَ، فَإنَّهُ مُتَناهٍ، ومُكْثَهم في النّارِ لا يَتَناهى.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَوْ عَلِمْتُمْ قَدْرَ لُبْثِكم في الأرْضِ.
والثّانِي: لَوْ عَلِمْتُمْ أنَّكم إلى اللَّهِ تَرْجِعُونَ فَعَمِلْتُمْ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَحَسِبْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: أفَظَنَنْتُمْ.
﴿ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا ﴾ ؛ أيْ: لِلْعَبَثِ.
والعَبَثُ في اللُّغَةِ: اللَّعِبُ، وقِيلَ: هو الفِعْلُ لا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.
﴿ وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( لا تُرْجَعُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِها.
﴿ فَتَعالى اللَّهُ ﴾ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ الجاهِلُونَ مِنَ الشِّرْكِ والوَلَدِ.
﴿ المَلِكُ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: هو التّامُّ المُلْكِ الجامِعُ لِأصْنافِ المَمْلُوكاتِ.
وأمّا المالِكُ: فَهو الخالِصُ المُلْكِ.
وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ﴿ الحَقُّ ﴾ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ ﴾ والكَرِيمُ في صِفَةِ الجَمادِ بِمَعْنى: الحَسَنِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( الكَرِيمُ ) بِرَفْعِ المِيمِ، يَعْنِي: اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ﴾ ؛ أيْ: لا حُجَّةٌ لَهُ بِهِ ولا دَلِيلٌ.
وقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ: فَلا بُرْهانَ لَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ ؛ أيْ: جَزاؤُهُ عِنْدَ رَبِّهِ.
تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى - الجُزْءُ الخامِسُ مِن كِتابِ " زادِ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ " ويَلِيهِ الجُزْءُ السّادِسُ وَأوَّلُهُ تَفْسِيرُ " سُورَةِ النُّورِ "
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴾ ﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ ﴾ ﴿ قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ"، و"قُلْ إنْ لَبِثْتُمْ"، ورَوى البِزِّيُّ عَنِ ابْنُ كَثِيرٍ "قالَ إنْ لَبِثْتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ التاءَ، والباقُونَ لا يُدْغِمُونَها، فَمَعْنى الأوَّلِ: إخْبارٌ بِأنَّ اللهَ يُوَفِّقُهم لِلسُّؤالِ عَنِ المُدَّةِ ثُمْ يَعْلَمُهم آخِرًا بِلَبْثِهِمْ قَلِيلًا، ومَعْنى الثانِيَةِ: الأمْرُ لِواحِدٍ مِنهم مُشارٌ إلَيْهِ، بِمَعْنى: يُقالُ لِأحَدِهِمْ قُلْ كَذا، فَإذا قالَ غَيْرَ القَوِيمِ قِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ لَبِثْتُمْ، ومَعْنى رِوايَةِ البِزِّيِّ: التَوْقِيفُ ثُمُ الإخْبارُ، وفي المَصاحِفِ "قالَ" فِيهِما، إلّا في مُصْحَفِ الكُوفَةِ فَإنَّ فِيهِ "قُلْ" بِغَيْرِ الألْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ"، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: في الدُنْيا أحْياءً، وعن هَذا وقَعَ السُؤالُ، ونَسُوا لِفَرْطِ هَوْلِ العَذابِ حَتّى قالُوا: ﴿ يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرَضُ مِن هَذا تَوْقِيفُهم عَلى أنَّ أعْمارَهم قَصِيرَةٌ، أدّاهُمُ الكُفْرُ فِيها إلى عَذابٍ طَوِيلٍ.
وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: في جَوْفِ التُرابِ أمْواتًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأصْوَبُ مِن حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ وكانَ قَوْلُهُمْ: إنَّهم لا يَقُومُونَ مِنَ التُرابِ، قِيلَ لَهم لَمّا قامُوا: كَمْ لَبِثْتُمْ؟
وقَوْلُهُ آخِرًا: ﴿ وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ﴾ يَقْتَضِي ما قُلْناهُ.
و"عَدَدَ" نُصِبَ بِـ "كَمْ" عَلى التَمْيِيزِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَدَدًا سِنِينَ" بِتَنْوِينِ "عَدَدًا".
وقالَ مُجاهِدٌ: أرادُوا بِـ "العادِّينَ" المَلائِكَةَ، وقالَ قَتادَةُ: أرادُوا أهْلَ الحِسابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ اللَفْظِ أنَّهم أرادُوا مَن يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ ولَمْ يُعِينُوا مَلائِكَةً ولا غَيْرَها؛ لَأنَّ النائِمْ والمَيِّتَ لا يَعُدُّ الحَرَكَةَ فَيُقَدِّرُ لَهُ الزَمانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ مَقْصِدُهُ -عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُكْثَ في الدُنْيا- أيْ قَلِيلُ القَدْرِ في جَنْبِ ما تُعَذِّبُونَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُكْثَ في القُبُورِ مَعْناهُ أنَّهُ قَلِيلٌ، إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ولَكِنَّكم كَذَّبْتُمْ بِهِ إذْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ؛ إذْ لَمْ تَرْغَبُوا في العِلْمِ والهُدى.
و"عَبَثًا" مَعْناهُ: باطِلًا لِغَيْرِ غايَةٍ مُرادَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْجِعُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، والمَعْنى فِيها بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قرأ الجمهور: ﴿ قال كم لبثتم ﴾ بصيغة الماضي فيتعين أن هذا القول يقع عند النفخ في الصور وحياة الأموات من الأرض، فالأظهر أن يكون هو جواب (إذا) في قوله فيما سبق ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ [المؤمنون: 101].
والتقدير: قال الله لهم إذا نفخ في الصور.
كم لبثتم في الأرض عدد سنين.
وما بينهما اعتراضات نشأت بالتفريع والعطف والحال والمقاولات العارضة في خلال ذلك كما علمته مما تقدم في تفسير تلك الآي.
وليس من المناسب أن يكون هذا القول حاصلاً بعد دخول الكافرين النار، والمفسرون الذين حملوه على ذلك تكلفوا ما لا يناسب انتظام المعاني.
وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي ﴿ قل ﴾ بصيغة الأمر.
والخطاب للملَك الموكل بإحياء الأموات.
وجملة: ﴿ فسئل العادين ﴾ تفريع على جملة: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لما تضمنته من ترددهم في تقدير مدة لبثهم في الأرض.
وأرى في تفسير ذلك أنهم جاءوا في كلامهم بما كان معتادهم في حياتهم في الدنيا من عدم ضبط حساب السنين إذ كان علم موافقة السنين القمرية للسنين الشمسية تقوم به بنو كنانة الذين بيدهم النسيء ويلقبون بالنسَأة، قال الكناني: ونحن الناسئون على معدّ *** شهور الحل نجعلها حراما والمفسرون جعلوا المراد من العادّين الملائكة أو الناس الذين يتذكرون حساب مدة المكث.
ولكن القرطبي قال: أي سللِ الحُسَّاب الذين يعرفون ذلك فإنا نسيناه.
وقوله: ﴿ قال إن لبثتم إلا قليلاً ﴾ قرأه الجمهور كما قرأوا الذي قبله فهو حكاية للمحاورة فلذلك لم يعطف فعل ﴿ قال إن لبثتم إلا قليلاً ﴾ وهي طريقة حكاية المحاورات كما في قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة البقرة (30).
وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بصيغة الأمر كالذي قبله.
والاستفهام عن عدد سنوات المكث في الأرض مستعمل في التنبيه ليظهر لهم خطؤهم إذ كانوا يزعمون أنهم إذا دفنوا في الأرض لا يخرجون منها.
وانتصب ﴿ عدد سنين ﴾ على التمييز ل ﴿ كم ﴾ الاستفهامية والتمييز إنما هو ﴿ سنين ﴾ .
وإضافة لفظ ﴿ عدد ﴾ إليه تأكيد لمضمون (كم) لأن (كم) اسم استفهام عن العدد فذكر لفظ ﴿ عدد ﴾ معها تأكيد لبعض مدلولها.
وجوابهم يقتضي أنهم تحققوا أنهم كانوا في الأرض وأنهم لم يتذكروا طول مدة مكثهم على تفاوت فيها.
والظاهر أن المراد بقولهم ﴿ يوماً أو بعض يوم ﴾ أنهم قدروا مدة مكثهم في باطن الأرض بنحو يوم من الأيام المعهودة لديهم في الدنيا كما دل عليه قوله تعالى في سورة الروم (55) ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة.
﴾ ولم يعرج المفسرون على تبيين المقصد من سؤالهم وإجابتهم عنه وتعقيبه بما يقرره في الظاهر.
والذي لاح لي في ذلك أن إيقافهم على ضلال اعتقادهم الماضي جيء به في قالب السؤال عن مدة مكثهم في الأرض كناية عن ثبوت خروجهم من الأرض أحياءً وهو ما كانوا ينكرونه، وكناية عن خطأ استدلالهم على إبطال البعث باستحالة رجوع الحياة إلى عظام ورفات.
وهي حالة لا تقتضي مدة قرن واحد فكيف وقد أعيدت إليهم الحياة بعد أن بقوا قروناً كثيرة، فذلك أدل وأظهر في سعة القدرة الإلهية وأدخل في إبطال شبهتهم إذ قد تبين بطلانها فيما هو أكثر مما قدروه من علة استحالة عود الحياة إليهم.
وقد دل على هذا قوله في آخر الآية ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ [المؤمنون: 115] وقد ألجأهم الله إلى إظهار اعتقادهم قِصرَ المدة التي بقوها زيادة في تشويه خطإهم فإنهم لمّا أحسوا من أنفسهم أنهم صاروا أحياء كحياتهم الأولى وعاد لهم تفكيرهم القديم الذي ماتوا عليه، وكانوا يتوهمون أنهم إذا فنيت أجسادهم لا تعود إليهم الحياة أوهمهم كمالُ أجسادهم أنهم ما مكثوا في الأرض إلا زمناً يسيراً لا يتغير في مثله الهيكل الجثماني فبنوا على أصل شبهتهم الخاطئة خطأ آخر.
وأما قولهم: ﴿ فسئل العادين ﴾ فهو اعتراف بأنهم لم يضبطوا مدة مكثهم فأحالوا السائل على من يضبط ذلك من الذين يظنونهم لم يزالوا أحياء لأنهم حسبوا أنهم بعثوا والدنيا باقية وحسبوا أن السؤال على ظاهره فتبرأوا من عهدة عدم ضبط الجواب.
وأما رد الله عليهم بقوله: ﴿ إن لبثتم إلا قليلاً ﴾ فهو يؤذن بكلام محذوف على طريقة دلالة الاقتضاء، لأنهم قد لبثوا أكثر من يوم أو بعض يوم بكثير فكيف يجعل قليلاً، فتعين أن قوله: ﴿ إن لبثتم إلا قليلاً ﴾ لا يستقيم أن يكون جواباً لكلامهم إلا بتقدير: قال بل لبثتم قروناً، كما في قوله في الذي مر على قرية ﴿ فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام ﴾ [البقرة: 259].
ولذلك تعين أن يكون التقدير: قال بل لبثتم قروناً، وإن لبثتم إلا قليلاً فيما عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ [الحج: 47].
وقرينة ذلك ما تفيده (لو) من الامتناع في قوله: ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو كنتم تعلمون لعلمتم أنكم ما لبثتم إلا قليلاً، فيقتضي الامتناع أنهم ما علموا أنهم لبثوا قليلاً مع أن صريح جوابهم يقتضي أنهم علموا لبثاً قليلاً، فالجمع بين تعارض مقتضى جوابهم ومقتضى الرد عليهم إنما يكون باختلاف النسبة في قلة مدة المكث إذا نسبت إلى ما يراعى فيها، فهي إذا نسبت إلى شبهتهم في إحالة البعث كانت طويلة وقد وقع البعث بعدها فهذا خطأ منهم، وهي إذا نسبت إلى ما يترقبهم من مدة العذاب كانت مدة قليلة وهذا إرهاب لهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُؤالٌ لَهم مِن مُدَّةِ حَياتِهِمْ في الدُّنْيا، قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، اسْتِقْلالًا لِحَياتِهِمْ في الدُّنْيا لِطُولِ لَبْثِهِمْ في عَذابِ جَهَنَّمَ.
الثّانِي: أنَّهُ سُؤالٌ لَهم عَنْ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ في القُبُورِ وهي حالَةٌ لا يَعْلَمُونَها فَأجابُوا بِقَصْرِها لِهُجُومِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ بِكَذِبٍ مِنهم لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا كانَ عِنْدَهم.
﴿ فاسْألِ العادِّينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: الحُسّابُ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قال لأهل الجنة ﴿ كم لبثتم في الأرض عدد سنين ﴾ قالوا: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، رحمتي ورضواني وجنتي اسكنوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول: يا أهل النار ﴿ كم لبثتم في الأرض عدد سنين ﴾ قالوا ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم.
ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين» وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فاسأل العادين ﴾ قال: الحساب.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فاسأل العادين ﴾ قال: الملائكة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الله أنساهم ما كانوا فيه من العذاب (١) وقال مقاتل: استقلوا ذلك، يرون أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا يومًا أو بعض يوم (٢) قال المفسرون: نسوا لعظم ما هم فيه من العذاب مدة مكثهم في الدنيا (٣) وقوله: ﴿ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد العارفين بالحساب (٤) وقال قتادة ومقاتل: سل الحُسّاب (٥) قال مجاهد: هم الملائكة (٦) قال مقاتل: يعني ملك الموت وأعوانه (٧) وقال الكلبي: فأسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا (٨) قوله: (قَالَ) أي قال الله تعالى، أو قال الذي سألهم عن قدر لبثهم.
وقرئ (قل) (٩) (١٠) ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ ، ولهذا فصل ابن كثير بينهما، فقرأ الأولى (قل) على الأمر وهاهنا (قال) (١١) (١) ذكره عنه الزمخشري 3/ 45، والرازي 23/ 126، والقرطبي 12/ 155، وأبو حيان 6/ 424.
(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.
(٣) ذكره البغوي 5/ 432، والقرطبي 12/ 155 ولم ينسباه لأحد.
(٤) لم أجده.
(٥) رواه عن قتادة عبد الرزاق 2/ 49، والطبري 18/ 63، وابن أبي حاتم 7/ 2 ب، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 121 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.
وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.
(٦) رواه الطبري 18/ 63، وابن أبي حاتم 7/ 3 أ، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 122 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٧) "تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.
(٨) لم أجده.
قال الطبري 18/ 63 - بعد ذكره للأقوال-: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله -جل ثناؤه-: "اسأل العادين".
وهم الذين يعدّون عدد الشهور والسنين وغير ذلك، وجائز أن يكونوا الملائكة، وجائز أن يكونوا بني آدم وغيرهم، ولا حجَّة بأي ذلك من أيّ ثبتت صحتها، فغير جائز توجيه معنى ذلك إلى بعض العادين دون بعض.
وقال ابن عطية 10/ 410: وظاهر اللفظة أنَّهم أرادوا من يتصف بهذه الصّفه ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها.
(٩) قرأ حمزة والكسائي: "قل إن لبثتم ...
" الآية، على الأمر.
وقرأ الباقون: "قال" على الخبر.
"السبعة" ص 449، "التبصرة" ص 271، "التيسير" ص 160.
(١٠) في (أ): (يجوز).
(١١) انظر: "السبعة" ص 449، "التَّبْصرة" ص 271، "التيسير" 160.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض ﴾ يعني في جوف الأرض أمواتاً، وقيل: أحياء في الدنيا، فأجابوا بأنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم لاستقصارهم المدة أو لما هم فيه من العذاب بحيث لايعدون شيئا ﴿ فَسْئَلِ العآدين ﴾ أي اسأل من يقدر على أن يعدّ، وهو من عوفي مما ابتلوا به أو يعنون الملائكة ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ معناه أنه بالنسبة إلى بقائهم في جهنم خالدين أبداً ﴿ عَبَثاً ﴾ أي باطلاً والمعنى إقامة حجة على الحشر للثواب والعقاب.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ عالم ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز.
وقرأ رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض ﴿ لعلي أعمل ﴾ بسكون الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
﴿ شقاوتنا ﴾ حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون ﴿ شقوتنا ﴾ بكسر الشين وسكون القاف في غير ألف.
﴿ سخرياً ﴾ بضم السين وكذلك في صاد: ابو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة.
الآخرون بكسرها ﴿ إنهم ﴾ بالكسر: حمزة وعلي والخزاز عن هبيرة.
﴿ قل كم ﴾ ﴿ قل إن لبثم ﴾ على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول.
﴿ لا ترجعون ﴾ على البناء للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل أو وصف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ ما يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله "فلا" جواب للشرط وهو إما والنداء عارض ﴿ للظالمين ﴾ ه لا ﴿ لقادرون ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه لا ﴿ يحضرون ﴾ ه ﴿ ارجعون ﴾ ه لا لتعلق لعل ﴿ كلا ﴾ ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع.
وقيل: مبتدأ بها بمعنى حقاً والأول أحسن ﴿ قائلها ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ كالحون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ ضالين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ ولا تكلمون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء ﴿ تضحكون ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ العادين ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لا ترجعون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي متوحداً غير مشارك ﴿ إلا هو ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ رب العرش ﴾ يصلح بدلاً من هو وخبر مبتدأ محذوف ﴿ الكريم ﴾ ط ﴿ آخر ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة ﴿ به ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه.
التفسير: لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن نفسه الأنداد والأضداد بقوله ﴿ ما اتخذ الله من ولد ﴾ بقوله ﴿ وما كان معه من إله ﴾ وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال الأقوال اليهود والنصارى والثنوية.
ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله ﴿ إذاً لذهب ﴾ وهو جواب لمن معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لانفرد كل واحد منهم بالخلق الذي خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخرين.
﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم الآية بقوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ إلى قوله ﴿ عما يشركون ﴾ ثم أمر نبيه بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ قل رب إما تريني ﴾ أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ﴿ فلا تجعلني ﴾ قريباً لهم.
وقد يجوز أن يستعيذ العبد بالله مما علم أنه لا يفعله اظهاراً للعبودية واستكانة له ويؤيده تكرار رب مرتين.
وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.
أو نقول: المكافأة حسنة ولكن العفو أحسن.
عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك.
وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه.
قيل: هي منسوخة بآية السيف والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة مالم تؤد إلى محذور ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه.
ثم أتبع هذا التعميم ما يقويه على ذلك وهو الإستعاذة بالله من همزات الشياطين.
والهمز النخس ومنه "مهماز الرائض" وذلك أنهم يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه.
عن الحسن أنه كان يقول بعد استفتاح الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه" فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر.
ثم أمره بالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك.
وعن ابن عباس أراد الحضور عند تلاوة القرآن.
وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم "عن النبي وقد اشتكى إليه رجل أرقاً به فقال:إذا أردت النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" .
قوله ﴿ حتى إذا جاء ﴾ قيل: متعلق بقوله ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وقيل: بـ ﴿ يصفون ﴾ اي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض وتأكيد للإعضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم.
والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية فحينئذ يسال الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ والأكثرون على أنهم الكفار.
وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج لقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ﴾ وأما وجه الجمع في قوله ﴿ ارجعون ﴾ مع وحدة المنادى فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره ﴿ ألقيا في جهنم ﴾ أي ألق ألق.
وقيل ﴿ رب ﴾ للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: ألا فارحموني يا إله محمد *** وقوله: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** عن النبي "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله.
وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحاً كما تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أساً وأبني عليه.
وقيل: أي فيما خلفت من المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما افسدوه ويطيعوا فيما عصوا.
قيل: كيف سألوا الرجعة وقد عملوا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟
والجواب بعد تسليم أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئاً مع علمه بتعذره كقول القائل "ليت الشباب يعود" والاستغاثة بحنس هذه المسألة قد تحسن.
قولهم ﴿ لعلي ﴾ ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر "مكنوني لعلي أتدارك" مع كونه جازماً بأنه سيتدارك.
ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا الكلام بصورة الترجي.
ثم ردعهم بقوله ﴿ كلا ﴾ أي ليس الأمر على ما توهموه من إمكان الرجعة ﴿ إنها كلمة ﴾ والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض وهي قوله ﴿ ارجعون لعلي أعمل صالحاً ﴾ ﴿ هو قائلها ﴾ لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ ومن ورائهم ﴾ الضمير لكل المكلفين أي أمامهم ﴿ برزخ ﴾ حائل بينهم وبين الجنة أو النار وبين الجزاء التام ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ وذلك البرزخ هو مدة ما بين الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة.
وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.
ثم وصف يوم البعث بقوله ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ قد مر معناه في أواخر "طه".
وقوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ ليس المراد به نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه.
عن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.
وأما الجمع بين قوله ﴿ ولا يتساءلون ﴾ وبين قوله ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ \[المؤمنون: 101\] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة.
ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها.
وعن النبي "ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين وعلى جسر جهنم" وقد مر مثل آية الموازين في أول "الأعراف" فليرجع إلى هنالك.
وقوله ﴿ في جهنم خالدون ﴾ بدل من ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ ولا محل له كالمبدل فإِن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها.
وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين.
ومعنى ﴿ تلفح ﴾ تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس.
وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرؤوس المشوية.
يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن.
وعن النبي أنه قال: "تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته" .
وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس.
ثم بيّن أنه قال لهم حينئذ تقريعاً وتوبيخاً ﴿ الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ﴾ قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي.
وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم.
وتفسرها الأشاعرة بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل حالهم إلى النار.
ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر.
وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا.
وقال الجبائي: أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب.
وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله عليهم في سوء صنيعهم.
وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل قوله ﴿ وكنا قوماً ضالين ﴾ اي في علم الله وسابق تقديره.
وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذراً لهم أولى.
وأجيب بأن فحوى الكلام يؤل إلى هذا كما قررنا.
عن ابن عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا ﴾ فيجابون ﴿ حق القول مني ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ فيجابون ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم ﴾ فينادون ألفاً ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ فيجابون ﴿ إنكم ماكثون ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب ﴾ فيجابون ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ﴾ فينادون الفاً ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحاً ﴾ فيجابون ﴿ أولم نعمركم ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 6\] فيجابون ﴿ اخسئوا فيها ﴾ \[المؤمنون: 108\] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله ﴿ ولا تكلمون ﴾ أي في رفع العذاب وليس نهياً عن الكلام فإِنها ليست بدار تكليف ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف.
ومعنى ﴿ اخسؤاً ﴾ انزجروا صاغرين كما تنزجر الكلاب إذا طردت.
يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو المراد في الآية.
ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم الصحابة.
وقيل: أهل الصفة خاصة.
عن الخليل وسيبويه أن السخري بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد.
وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذكرى ﴾ فلم تذكروني حتى تخافوني.
ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين.
فمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم.
ومن قرأ ﴿ قال ﴾ فالضمير لله أو لمن أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ ﴿ قل ﴾ فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل النار.
والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدّون اللبث إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا ﴿ كم لبثتم ﴾ تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ولا سيما إذا كان الأول ايام سرور والثاني ايام غم وخزن.
واختلفوا في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخاً.
وقال آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة "في" ولقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ﴾ وقوله ﴿ عدد سنين ﴾ بدل من مميزكم.
وقيل: احتج بعض من أنكر عذاب القبر بأن قوله ﴿ في الأرض ﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض.
فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ واجيب بأن الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.
ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن يكون جوابهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ عند أنفسنا.
وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم.
وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا ﴿ فاسأل العادّين ﴾ اي ليس من شأننا أن نعدّها لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة الذي يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.
وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.
وقيل: أرادوا بقولهم ﴿ لبثنا يوماً أبو بعض يوم ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة غلى ما وقعوا فيه وعرفوه من داوم العذاب.
وقد صدّقهم الله في ذلك حيث قال ﴿ إن لبثتم غلا قليلاً ﴾ ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلاً.
ثم زاد في التوبيخ بقوله ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية له صحيحة.
وجوّزوا أن يكون قوله ﴿ وأنكم إلينا لاترجعون ﴾ معطوفاً على ﴿ عبثاً ﴾ أي للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء.
ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث قائلاً ﴿ فتعالى ﴾ الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال "بيت كريم" إذا كان ساكنوه كراماً.
وقرئ ﴿ الكريم ﴾ بالرفع وهو ظاهر.
ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان له به كقوله ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ وهو صفة جيء بها للتأكيد لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان.
وجوّز جار الله أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيداً لا أحق بالإحسان إليه منه فالله مثيبه.
ومعنى ﴿ حسابه عند ربه ﴾ أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله.
وقرئ ﴿ أنه لا يفلح ﴾ بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع ﴿ الكافرون ﴾ موضع الضمير.
جعل فاتحة السورة ﴿ قد افلح المؤمنون ﴾ وأورد في خواتيهما ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفريقين.
وحين أثنى على المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون ﴿ ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ﴾ نبه في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى الله والإعراض عمن سواه والله المستعان.
التأويل: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها ﴿ لكل امريء منهم يومئذ ﴾ في طلب الحق ﴿ شأن يغنيه ﴾ عن طلب الغير ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة.
ولهذا قال ﴿ في جهنم خالدون ﴾ وأجيبوا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم العلماء بالله النصحاء لأجله ﴿ فاتخذتموهم سخرياً ﴾ فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بهممهم وبيد الرد ﴿ ذكرى وكنتم منهم تضحكون ﴾ لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب ﴿ جزيتهم اليوم بما صبروا ﴾ فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار ﴿ لا برهان له به ﴾ أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات.
قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ .
ظاهر هذا أن يكون قوله: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ بعد الموت، وبعد ما عاين أهوال الآخرة وأفزاعها؛ لأن الموت ليس هو شيء يأتي من مكان إلى مكان؛ إنما هو شيء يذهب بالحياة التي فيهم، إلا أن أهل التأويل قالوا: إن ذلك عند معاينتهم ملك الموت، وعند هجومه عليهم بأهواله؛ فعند ذلك يسألون الرجعة إلى الدنيا، والأول أشبه وأقرب.
ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ : ليس هو صلة قوله: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ ، ولا جوابه؛ لأنه ليس من نوعه، ولا من جنس ذلك، ولكنه - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وجواب قوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ، ونحوه الذي تقدم ذكره، يقول: وإنهم على ذلك ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ ، فعند ذلك يرجع إلى الحق والتصديق، لكن ذلك لا ينفعه في ذلك الوقت ﴿ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ ، ولم يقل: ربّ ارجعني، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: سأل على ما يسأل الملوك ويخاطبون: افعلوا كذا، على الجماعة، وإن كان إنما يخاطب واحدا؛ على ما خرج جواب الله وقوله: إنا فعلنا كذا، ونفعل كذا.
والثاني: أن يكون قوله: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ : يسأل ربه أن يأمر الملائكة الذين يتولون قبض أرواحهم أن يرجعوه إلى ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ، أي: فيما كذبت.
وقال بعضهم: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ : في الدنيا من الأعمال الصّالحة فأعمل بها.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ : من الأموال فأؤدي منه حقك؛ لأن من الكفرة ما كان سبب كفرهم منع الزكاة وجحودها؛ كقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ فيسأل ربه أن يرجع إلى المال الذي تركه؛ ليؤدّي الحق الذي كان فيه فمنعه، كقوله: ﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ ، أي: فأتصدق بالصدقة التي منعتها؛ لأن الخطاب في الصدقة بقوله: ﴿ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم...
﴾ الآية [البقرة: 254]، وهذا أشبه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، هو ردّ لما سألوا من الرجعة.
[و] قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ ﴾ : هو قول الله: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً...
﴾ الآية [المنافقون: 11]، ﴿ قَآئِلُهَا ﴾ : يعني الكافر عند معاينة العذاب، وهو قوله: ﴿ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ على هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا حقيقة لسؤاله الذي يسأله من الرجعة ليعمل العمل الصالح، أي: أنه وإن ردّ ورجع لا يعمل؛ كقوله - -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
والثاني: أن لا منفعة لهم في سؤالهم الرجعة؛ إذ لو رجعوا لا يصلون إلى ما يأملون؛ لأنهم إنما يسألون ليؤمنوا، والإيمان سبيله الاستدلال، فإذا لم يستدلوا به وقت أمنهم وفسحتهم؛ فكيف يقدرون على الاستدلال في وقت خوفهم؟!
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .
قال بعضهم: وراءهم، أي: أمامهم.
قال أبو معاذ: مشتقة من تواريت عنك، فكل ما توارى عنك أمامك كان أو وراءك فهو وراءك.
وقال بعضهم: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ ﴾ : على حقيقة الوراء.
﴿ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ، قال بعضهم: البرزخ: هو ما بين شيئين.
وقال بعضهم: البرزخ: هو الأجل بين الموت والبعث، وهو قول الكلبي وقتادة.
وقال مجاهد: البرزخ: هو حاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا.
وقال القتبي: وأبو عبيدة: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، وقالا: كل شيء بين شيئين فهو برزخ.
وقال أبو عوسجة: البرزخ: ما بين الحدين، يعني: الدنيا والآخرة، والأرض المستوية، وأصل البرزخ: الحاجز بينه كقوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً ﴾ ، أي: حاجزاً، وتأويله، أي: صاروا إلى الوقت الذي يحجزهم عما يتمنون ويشتهون، وهو كقوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ ، وإنما يشتهون ويتمنون الإيمان والأعمال الصالحة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ ، أي: من ورائهم أحوالهم [أي: الحال التي طلبوا] الإيمان فيه أحوال لا يمكن فيها الإيمان وما تمنوا من العمل الصالح، والله أعلم.
وفيه نقض قول الباطنية؛ لأنهم يقولون: البرزخ هو أن يجعل للمؤمن من الأعمال الصالحة صورة روحانية تبقى أبداً تثاب تلك الصورة الروحانية من الأعمال، وأن يجعل من الأعمال السيئة للكافر صورة قبيحة روحانية هي تعاقب وتعذب أبداً، فذلك البعث عندهم، فأخبر - عز وجل - أن بين موتهم وبين البعث: البرزخ، وهو الأجل الذي ذكرنا، أو الحاجز؛ فدل ذلك على نقض قولهم: أن ليس البعث إلا خروج الصورة دون المعاينة.
وقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ .
إن كان قوله: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ في الناس كلهم؛ فذلك في اختلاف المواطن، على ما قال ابن عباس وغيره من أهل التأويل، واختلاف الأوقات: لا يتساءلون في موطن أو في وقت، ويتساءلون في وقت آخر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ ، ونحوه.
وإن كانت الآية في [أهل] الكفر خاصّة فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ ؛ لأنه كان يتناصر بعضهم ببعض على غيرهم، ويستعين بعضهم بعضا، ويكونون ردءاً لهم في هذه الدنيا وشفعاء وأعواناً وأنصاراً، فأخبر أن ذلك ينقطع بينهم ويذهب ذلك التناصر عنهم في الآخرة، والعرب خاصّة كان يتفاخر بعضهم على بعض بالأنساب ويتناصر؛ فأخبر أن ذلك منقطع عنهم في الآخرة.
والثاني: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ﴾ وما ذكر ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ؛ لشغلهم بأنفسهم؛ لفزع ذلك اليوم وأهواله ينسى بعضهم بعضا ويهرب منه، كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ...
﴾ الآية [إبراهيم: 43]، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...
﴾ الآية [ عبس: 34]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...
﴾ الآية [الحج: 2]، فذلك كله؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه كأن لكل في نفسه شغلا حتى لا يتفرغ إلى أحد وإن قرب عنه لشغلهم بأنفسهم.
وإن كان في الناس جميعاً فهو ما ذكرنا أن ذلك يكون في اختلاف المواطن والأوقات: يسألون في وقت ولا يسألون في وقت، ويسألون في موطن ولا يسألون في موضع، أو يسألون عن شيء ولا يسألون عن آخر، وروي [في] الخبر عن رسول الله أنه قال: "كلُّ نَسَبٍ كانَ فهو منقطعٌ إلا نسبي" أو كلام نحو هذا، ثم يحتمل قوله: "إلا نسبي" وجهين: أحدهما: الشفاعة له في أنسابه، لا يكون ذلك لغيره في نسبه؛ فإذا أراد هذا فهو على حقيقة نسبه.
والثاني: أراد بقوله: "إلا نسبي": المعين له في دينه؛ لأن كل من اتبعه فقد انتسب إليه؛ فكأنه قال: إن كل [ذي] شفاعة دوني فهو منقطع إلا شفاعتي، فيمن اتبعني وانتسب إلي بقبوله ديني.
وقوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
جائز أن يكون قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ ، أي: من عظم قدره ومنزلته عند الله بالأعمال التي عملوها من الصالحات والحسنات فهو من المفلحين، ومن خفت منزلته وقدره عند الله بالأعمال الخبيثة السيئة فهو من الذين خسروا أنفسهم، والله أعلم.
وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل في الموازين فيما تقدم.
وقوله: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ .
قال بعضهم: لفحتهم النار لفحة؛ فلم تدع لحماً على عظم إلا ألقته.
﴿ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ ، قال بعضهم: عابسون.
وقال بعضهم: تلفح، أي: تنفح.
وقال بعضهم: تلفح: تشوي وتحرق، وذلك عادة النار أنها تعمل كل هذا العمل.
وقال أبو عوسجة: تلفح، أي تضرب، واللفح: الضرب، يقال: لفحته النار، أي: ضربته؛ فأحرقت وجهه، تلفح لفحاً فهي لافحة.
والكالح: العابس.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .
كذلك كانوا يكذبون، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ .
أما ما قال أهل التأويل: غلبت علينا من الشقاوة فإنه لا يحتمل؛ لأنهم يقولون ذلك القول؛ اعتذاراً لما كان منهم من التفريط في أمره والتضييع؛ فلا يحتمل أن يطلبوا لأنفسهم عذراً فيما كان منهم؛ إذ لو كان ما ذكر أولئك لكان في ذلك طلب العذر لأنفسهم، وهم في ذلك الوقت لا يطلبون عذراً لأنفسهم؛ ولكن يقرون بما كان منهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ ﴾ ، لكن يحتمل وجهين: أحدهما: يقولون: ربنا شقينا بأعمالنا التي عملناها، وظلمنا أنفسنا، وكنا قوماً ضالين.
والثاني: عملنا أعمالا استوجبنا بتلك الأعمال جزاء؛ فنحن أولى بذلك الجزاء، فغلب علينا جزاء تلك الأعمال، أو كلام نحو هذا.
وأما ما قاله أولئك من أهل التأويل: ﴿ غَلَبَتْ ﴾ ، أي: كتبت فهو بعيد؛ لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره لا يكتب غير الذي علم أنه يفعله ويختاره، والله أعلم.
قوله: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ : ظلم عيان، وظلم ظاهر، وإلا قد كانوا أقرّوا بالظلم بقولهم: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ ﴾ : قد أقروا بالظلم، لكنهم أقروا بظلم خبر وظلم سماع، لا ظلم عيان؛ فقالوا: ﴿ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ : ظلم عيان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ ﴾ ، أي: اسكتوا.
وقال بعضهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ ﴾ ، أي: ابعدوا فيها.
قال أبو عوسجة: يقال: خسأت فلانا، وأخسأت، أي: باعدته؛ فخسأ، أي: تباعد.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ .
يحتمل الوجهين: أحدهما: جائز أن يكون هذا السؤال منهم في أوّل ما أدخلوا، فقال لهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ فإنكم ماكثون، أو أن يكون هذا السؤال منهم بعد ما سألوا الملك الموت مرة بقوله: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ...
﴾ الآية [الزخرف: 77].
وسألوا مرة تخفيف العذاب بقوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، فلما أيسوا منه فعند ذلك يسألون ربهم إخراجهم والإعادة إلى المحنة؛ فقال: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ ، أي: ابعدوا فيها ولا تكلمون، أي: يصيرون بحال لا يقدرون على الكلام؛ لشدة العذاب؛ فعند ذلك يكون منهم الشهيق والزفير.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ * فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ .
يخبر - عز وجل - أولئك الكفرة الذين يسألون الإخراج من النار أنكم قد اتخذتم فريقاً من عبادي آمنوا سخريا، وكنتم منهم تضحكون؛ يذكر هذا لهم - والله أعلم - ليكون ذلك حسرة ونكاية.
وقوله: ﴿ سِخْرِيّاً ﴾ اختلف في قراءته: [فقرئ] بكسر السين فهو من الاستهزاء والهزء.
وقال الكسائي: بالرفع والكسر جميعاً، من الاستهزاء، ولا يقال في العبودة إلا برفع السين، وقال بعضهم: هما سواء.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ ، قال بعضهم: حتى أنساكم الهزء بهم عن العمل بطاعتي.
وقيل: أضاف الإنساء إلى الذكر؛ لأنهم كانوا [عندما] يذكرهم ويدعوهم إلى ذكر الله يهزءون به؛ فأضاف إليه ذلك؛ فكان كإضافة الرجس إلى السورة؛ لأن ذلك إنما يزداد لهم عند تلاوة السورة؛ فأضيف ذلك إلى السورة، وإلا كانت السورة لا تزيد رجساً؛ فعلى ذلك أضاف الإنساء إلى ذكره؛ لما عند ذكره ودعائهم إليه يحملهم إلى ذلك، والله أعلم، فأضيف إليه.
وقوله: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ ﴾ .
أي: إني جزيتهم اليوم الفوز بما صبروا في الدنيا على أذى أولئك الكفرة، أو على أداء ما أمروا به ونهوا عنه.
أو أن يكون ذلك كقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، ونصره إياهم هو أن صارت لهم عاقبة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .
اختلف فيه: قال مقاتل بن سليمان: في القبور.
وقال أبو معاذ: أخطأ مقاتل، وذلك قول من ينكر عذاب القبر، وهو قول الجهمية؛ لأن من كان في عذاب وشدة لا يقتصر المقام فيه كل هذا الاقتصار، حتى يقول: لبثت يوماً أو بعض يوم؛ بل يزداد له مقام يوم في العذاب على سنة أو أكثر، قال: إلا أن يكون عَنِيَ ما بين النفختين حين تؤخذ الأرواح فترقد، فإذا بعثوا استقلوا رقدة ذلك المقدار؛ بما كانوا قاسوا قبل الرقدة من العذاب في القبور، إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.
وجائز عندنا ما قال مقاتل ومحمد بن إسحاق: بأن ذلك يكون في القبر، وذلك لا يدل على نفي عذاب القبر؛ لأنهم لا يعذبون في القبور بالعذاب الذي يعذبون في الآخرة؛ فجائز أن يستقلوا عذاب القبر بعذاب الآخرة، ويستقصرون ذلك الوقت بعذاب الآخرة لشدته وأهواله، وذلك جائز في متعارف الخلق أن يكون الرجل في بلاء وشدة، ثم يزداد له البلاء والشدة؛ فيستقل ذلك البلاء الذي كان به لشدة ما حلّ به؛ فعلى ذلك هم: جائز أن يكونوا في عذاب في قبورهم، لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة استقلوا عذاب القبر واستقصروه؛ لشدة عذاب الآخرة.
أو أن يكون عذاب القبر: على النفس الروحاني الدراك الذي يخرج في حال النوم ليس على روح الحياة، [مثل] النائم يرى نفسه في بلاء وعذاب في نومه، ويكون في أفزاع، وكانت نفسه ملقاة في مكان لا علم لها بذلك ولا خبر، وبها آثار الأحياء، فجائز أن يكون عذاب القبر على هذا السبيل على الروح التي بها يدرك الأشياء، لا على روح الحياة التي بها يحيا.
وقال قائلون: ذلك في الدنيا: استقلوا حياة الدنيا لحياة الآخرة، وهو كقوله: ﴿ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ ؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ ﴾ : هذا يدل على أن ذلك في الحياة الدنيا أشبه؛ حيث أمر أن يسأل الذين يعدون، وذلك إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة.
ثم اختلف في العادين: قال بعضهم: هم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم في هذه الدنيا ويرقبونهم.
وقال بعضهم: هم ملك الموت وأعوانه.
وقوله: ﴿ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: ما لبثتم إلا قليلا لو كنتم تعلمون، ولكن لا تعلمون.
قال القتبي: ﴿ سِخْرِيّاً ﴾ بكسر السين، أي: يسخرون منهم، و (سُخْرِيّاً): بضمّها، أي: يتسخرونهم من السخرية عبثاً.
[و] قوله: ﴿ حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ ، أي: شغلكم أمرهم عن ذكري، والوجه فيه ما ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ .
قوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ : قد حسبتم أنما خلقناكم عبثاً.
والثاني: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ ، أي: لا تحسبوا أنا إنما خلقناكم عبثاً.
﴿ وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ .
صير خلقه الخلق لا للرجوع والبعث عبثاً؛ لوجهين: أحدهما: لأن خلقه إياهم لا لعاقبة تتأمل أو لمنافع تقصد؛ للهلاك خاصة وللفناء - عبث؛ كبناء المباني لا لمنفعة تقصد به، ولكن للنقض يكون عبثاً في الشاهد، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً ﴾ : سفهها في غزلها للنقض خاصة لا لمنفعة قصدت به، ونهانا أن نفعل مثل فعلها؛ فلو لم يكن المقصود من خلق الخلق إلا الموت والفناء خاصة، لا لعاقبة تقصد - كان سفهاً وعبثاً.
والثاني: ما أخبر أنه إنما أنشأ هذا العالم غير البشر لهذا البشر، وله سخر ذلك كله؛ حيث قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ ؛ إذ ليس لغير البشر منفعة بهذه النعم التي أنشأها لهم، من نحو الجن والملائكة ونحوهم؛ إذ لهم قوام بدون ذلك: من الشمس، والقمر، ونحوه من النعم؛ إنما ذلك للبشر خاصّة، فإذا كان كذلك - لا يحتمل أن يجعل لهم كل هذه النعم التي ذكرها وأنشأها لهم، ثم لا يمتحنهم بالشكر على ذلك ولا يأمرهم بأوامر ولا ينهاهم بمناهٍ؛ فدل ما أنشأ لهم من النعم وسخر لهم من الأشياء أنهم يبعثون ويرجعون إليه؛ حتى يجزون جميعاً: المحسن جزاء [الإحسان والمسيء جزاء] الإساءة؛ إذ في العقول التفرقة بين الولي والعدو، وبين المحسن والمسيء وبين الشاكر والكافر، ثم رأيناهم جميعاً في هذه الدنيا عاشوا على سواء في الضيق والسعة، لم نر ما يفصل بين الولي والعدوّ، وبين المحسن والمسيء، وبين الشاكر والكافر؛ فدل ما لم يكن من التفرقة ما ذكرنا في هذه الدنيا على أن هنالك داراً أخرى دار الجزاء، هناك يفصل بين ما ذكرنا في الجزاء، والله الموفق.
﴿ لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ : لا تبعثون.
وقيل: لا ترجعون إليه بالأعمال التي عملتموها، كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
أي: يتعالى الله عن أن يكون خلق الخلق منه عبثاً، أو يتعالى أن يكون خلق الخلق لا لحكمة.
﴿ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
قال الحسن: الحق: اسم من أسماء الله، أو الملك الذي خلق الخلق للحكمة.
﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : تنزيه وتبرئة عن جميع ما قالوا فيه.
وقوله: ﴿ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ﴾ يشبه أن يكون على الأوّل: يتعالى الملك الحق وربّ الملك الكريم عن أن يخلقهم لا للحكمة أو للبعث.
وقالت الباطنية: العرش: القيامة.
ونحن [نقول:] يشبه أن يكون العرش القيامة، على ما قالوا هم، إلا أنهم يقولون: هو قائم الزمان، وقلنا نحن: هي القيامة المعروفة وهي الساعة، ربّ القيامة وهي الملك الذي ذكرنا؛ كقوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ : خص ذلك اليوم بالملك له، وإن كان الملك له في الدارين جميعاً؛ لما لا يتنازع في ملكه يومئذ، [و] قد نوزع في الدنيا، فخلص له ملك ذلك اليوم وصفا له يومئذٍ.
وقال بعض أهل التأويل: العرش: السرير، أضافه إلى نفسه؛ لمنزلته عند الله، والكريم: هو نعت ذلك السرير، أي: الحسن؛ كقولهم: (رجل كريم)، أي: حسن، وهكذا يوصف كل كريم بالحسن.
وقال بعضهم: هو نعت الرب، أي: ذو عفو وصفح، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فيجيبون بقولهم: مكثنا يومًا أو جزءًا من يوم، فاسأل الذين يُعْنَوْن بحساب الأيام والشهور.
<div class="verse-tafsir" id="91.1LkDX"