تفسير الكشاف سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة المؤمنون

تفسيرُ سورةِ المؤمنون كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 63 دقيقة قراءة

تفسير سورة المؤمنون كاملةً (جار الله الزمخشري)

قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ ٢

﴿ قَدْ ﴾ نقيضه (لما) هي تثبت المتوقع و (لما) تنفيه، ولا شكّ أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دلّ على ثبات ما توقعوه.

والفلاح: الظفر بالمراد، وقيل: البقاء في الخير.

و ﴿ أَفْلَحَ ﴾ دخل في الفلاح، كأبشر: دخل في البشارة.

ويقال: أفلحه: أصاره إلى الفلاح.

وعليه قراءة طلحة بن مصرِّف: أفلح، على البناء للمفعول.

وعنه: ﴿ أفلحوا ﴾ على: أكلوني البراغيث.

أو على الإبهام والتفسير.

وعنه: ﴿ أفلح ﴾ بضمة بغير واو، اجتزاء بها عنها، كقوله: فَلَوْ أَنَّ الاطِبَّا كَانَ حَوْلِي فإن قلت: ما المؤمن؟

قلت: هو في اللغة المصدق.

وأما في الشريعة فقد اختلف فيه على قولين، أحدهما: أنّ كل من نطق بالشهادتين مواطئاً قلبه لسانه فهو مؤمن.

والآخر أنه صفة مدح لا يستحقها إلاّ البرّ التقيّ دون الفاسق الشقيّ.

﴿ خاشعون ﴾ الخشوع في الصلاة: خشية القلب وإلباد البصر عن قتادة: وهو إلزامه موضع السجود.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصلي رافعاً بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره نحو مسجده، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشدّ بصره إلى شيء، أو يحدث نفسه بشأن من شأن الدنيا.

وقيل: هو جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها.

ومن الخشوع: أن يستعمل الآداب، فيتوقى كفّ الثوب، والعبث بجسده وثيابه والالتفات، والتمطي، والتثاؤب، والتغميض، وتغطية الفم، والسدل، والفرقعة، والتشبيك، والاختصار، وتقليب الحصا.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلبه خشعت جوارحه» ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصا وهو يقول: اللَّهم زوّجني الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت!

تخطب وأنت تعبث.

فإن قلت: لم أضيفت الصلاة إليهم؟

قلت: لأنّ الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى له، فالمصلي هو المنتفع بها وحده، وهي عدّته وذخيرته فهي صلاته: وأمّا المصلى له، فغنيّ متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ٣

اللغو: ما لا يعنيك من قول أو فعل، كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه وإطراحه يعني أنّ بهم من الجدّ ما يشغلهم عن الهزل.

لما وصفهم بالخشوع في الصلاة، أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ ٤

الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين: القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير والمعنى: فهل المزكي الذي هو التزكية، وهو الذي أراده الله، فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل ويقال لمحدثه فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي: فاعل التزكية.

وعلى هذا الكلام كله والتحقيق فيه أنك تقول في جميع الحوادث: من فاعل هذا؟

فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق.

ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها فاعلون، لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها.

وقد أنشد لأمية ابن أبي الصلت: الْمُطْمِعُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ ** الأَزْمَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ ويجوز أن يراد بالزكاة: العين، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء، وحمل البيت على هذا أصحّ، لأنها فيه مجموعة.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ٧

﴿ على أزواجهم ﴾ في موضع الحال، أي الأوّالين على أزواجهم: أو قوّامين عليهنّ، من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان.

ونظيره: كان زياد على البصرة، أي: والياً عليها.

ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثمة سميت المرأة فراشاً: والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال، إلا في حال تزوّجهم أو تسريهم، أو تعلق ﴿ على ﴾ بمحذوف يدلّ عليه ﴿ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ [المعارج: 30] كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم، فإنهم غير ملومين عليه.

أو تجعله صلة لحافظين، من قولك: احفظ عليّ عنان فرسي، على تضمينه معنى النفي، كما ضمن قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت معنى ما طلبت منك إلا فعلك.

فإن قلت: هلاقيل: من ملكت؟

قلت: لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث جعل المستثنى حداً أوجب الوقوف عنده، ثم قال: فمن أحدث ابتغاء وراء هذا الحدّ مع فسحته واتساعه، وهو إباحة أربع من الحرائر، ومن الإماء ما شئت ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ﴾ الكاملون في العدوان المتناهون فيه.

فإن قلت: هل فيه دليل على تحريم المتعة؟

قلت: لا؛ لأنّ المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صحّ النكاح.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ ٨

وقرئ: ﴿ لأمانتهم ﴾ سمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً.

ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58] وقال: ﴿ وَتَخُونُواْ أماناتكم ﴾ [الأنفال: 27] وإنما تؤدّى العيون لا المعاني، ويخان المؤتمن عليه، لا الأمانة في نفسها.

والراعي: القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية.

ويقال: من راعي هذا الشيء؟

أي متوليه وصاحبه: ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة الخلق، والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهودهم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩

وقرئ: ﴿ على صلاتهم ﴾ .

فإن قلت: كيف كرّر ذكر الصلاة أوّلاً وآخراً؟

قلت: هما ذكران مختلفان فليس بتكرير.

وصفوا أَوّلاً بالخشوع في صلاتهم، وآخراً بالمحافظة عليها.

وذلك أن لا يسهوا عنها، ويؤدّوها في أوقاتها، ويقيموا أركنها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتمّ به أوصافها.

وأيضاً فقد وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أي صلاة كانت، وجمعت آخراً لتفاد المحافظة على أعدادها: وهي الصلوات الخمس، والوتر، والسنن المرتبة مع كل صلاة وصلاة الجمعة، والعيدين، والجنازة، والاستسقاء، والكسوف والخسوف، وصلاة الضحى، والتهجد وصلاة التسبيح، وصلاة الحاجة.

وغيرها من النوافل.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ١٠ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١١

أي ﴿ أولئك ﴾ الجامعون لهذه الأوصاف ﴿ هُمُ الوارثون ﴾ الأحقاء بأن يسمّوا ورّاثاً دون من عداهم، ثم ترجم الوارثين بقوله: ﴿ الذين يَرِثُونَ الفردوس ﴾ فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى على الناظر.

ومعنى الإرث: ما مرّ في سورة مريم.

أنث الفردوس على تأويل الجنة، وهو: البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر.

روي أنّ الله عزّ وجلّ بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل خلالها المسك والأذفر.

وفي رواية: ولبنة من مسك مذرّي وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن طِينٍۢ ١٢ ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةًۭ فِى قَرَارٍۢ مَّكِينٍۢ ١٣ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًۭا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ ١٤

السلالة: الخلاصة؛ لأنها تسلّ من بين الكدر، وفعالة، بناء للقلة كالقلامة والقمامة.

وعن الحسن: ماء بين ظهراني الطين.

فإن قلت: ما الفرق بين من ومن؟

قلت: الأوّل للابتداء، والثاني للبيان، كقوله: ﴿ مِنَ الأوثان ﴾ [الحج: 30] .

فإن قلت: ما معنى: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ الإنسان نطفة؟

قلت: معناه أنه خلق جوهر الإنسان أوّلاً طيناً، ثم جعل جوهره بعذ ذلك نطفة.

القرار: المستقرّ، والمراد الرحم.

وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقرّ فيها، كقولك.

طريق سائر.

أو بمكانتها في نفسها؛ لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت.

قرئ: ﴿ عظماً فكسونا العظم ﴾ و ﴿ عظاماً فكسونا العظام ﴾ و ﴿ عظماً فكسونا العظم ﴾ وضع الواحد مكان الجمع لزوال اللبس؛ لأنّ الإنسان ذو عظام كثيرة ﴿ خَلْقاً ءاخَرَ ﴾ أي خلقاً مبايناً للخلق الأوّل مباينة ما أبعدها، حيث جعله حيواناً وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم، وسميعاً وكان أصمّ، وبصيراً وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا تدرك بوصف الواصف ولا تبلغ بشرح الشارح: وقد احتجّ به أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده قال: يضمن البيضة ولا يرد الفرخ: لأنه خلق أخر سوى البيضة ﴿ فَتَبَارَكَ الله ﴾ فتعالى أمره في قدرته وعلمه ﴿ أَحْسَنُ الخالقين ﴾ أي: أحسن المقدّرين تقديراً، فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه.

ونحوه: طرح المأذون فيه في قوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون ﴾ [الحج: 39] لدلالة الصلة.

وروي عن عمر رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ قوله خلقاً آخر، قال: «فتبارك الله أحسن الخالقين» وروي: أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فنطق بذلك قبل إملائه، فقال: له النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب، هكذا نزلت» فقال: عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبيّ يوحى إليّ، فلحق بمكة كافراً، ثم أسلم يوم الفتح.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ ١٦

قرأ ابن أبي عبلة وابن محيصن: لمائتون.

والفرق بين الميت والمائت: أنّ الميت كالحيّ صفة ثابتة.

وأمّا المائت، فيدلّ على الحدوث.

تقول: زيد مائت الآن، ومائت غداً، كقولك يموت.

ونحوهما: ضيق وضائق، وفي قوله تعالى: ﴿ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ﴾ [هود: 12] ﴿ لَمَيِّتُونَ ﴾ جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة، والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه: دليلين أيضاً على اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع.

فإن قلت: فإذاً لا حياة إلا حياة الإنشاء وحياة البعث.

قلت: ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة وهي حياة القبر، كما لو ذكرت ثلثي ما عندك وطويت ذكر ثلثه لم يكن دليلاً على أن الثلث ليس عندك.

وأيضاً فالغرض ذكر هذه الأجناس الثلاثة: الإنشاء والإماتة والإعادة، والمطوي ذكرها من جنس الإعادة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ ١٧

الطرائق: السموات، لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله فهو طريقة: أو لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم: وقيل: الأفلاك؛ لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها: أراد بالخلق السموات، كأنه قال: خلقناهم فوقهم ﴿ وَمَا كُنَّا ﴾ عنها ﴿ غافلين ﴾ وعن حفظها وإمساكها أن تقع فوقهم بقدرتنا: أو أراد به الناس وأنه أنما خلقها فوقهم ليفتح عليهم الأرزاق والبركات منها، وينفعهم بأنواع منافعها، وما كان غافلاً عنهم وما يصلحهم.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ ١٨

﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بتقدير يسلمون معه من المضرة، ويصلون إلى المنفعة.

أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم.

﴿ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض ﴾ كقوله: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض ﴾ [الزمر: 21] وقيل: جعلناه ثابتاً في الأرض.

وقيل: إنها خمسة أنهار: سيحون نهر الهند.

وجيحون: نهر بلخ، ودجلة والفرات: نهرا العراق.

والنيل: نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة، فاستودعها الجبال، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معيشهم.

وكما قدر على أنزاله فهو قادر على رفعه وإزالته.

وقوله: ﴿ على ذَهَابٍ بِهِ ﴾ من أوقع النكرات وأحزها للمفصل.

والمعنى: على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه.

وفيه إيذان باقتدار المذهب، وأنه لا يتعايى عليه شيء إذا أراده، وهو أبلغ في الإيعاد، من قوله: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ ﴾ [الملك: 30] فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفارها إذا لم تشكر.

<div class="verse-tafsir"

فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ لَّكُمْ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ١٩ وَشَجَرَةًۭ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍۢ لِّلْـَٔاكِلِينَ ٢٠

خصّ هذه الأنواع الثلاثة، لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأجمعها للمنافع.

ووصف النخل والعنب بأن ثمرهما جامع بين أمرين: بأنه فاكهة يتفكه بها، وطعام يؤكل رطباً ويابساً، رطباً وعنباً، وتمراً وزبيباً.

والزيتون بأنّ دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعاً، ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ من قولهم: يأكل فلان من حرفة يحترفها، ومن ضيعة يغتلها ومن تجارة يتربح بها: يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه، كأنه قال: وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم، منها ترتزقون وتتعيشون ﴿ وَشَجَرَةً ﴾ عطف على جنات.

وقرئت مرفوعة على الابتداء، أي: ومما أنشيء لكم شجرة و ﴿ طُورِ سَيْنَآءَ ﴾ وطور سنين، لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإمّا أن يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه، كامريء القيس، وكبعلبك، فيمن أضاف.

فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث؛ لأنها بقعة، وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء.

ومن فتح فلم يصرف؛ لأنّ الألف للتأنيث كصحراء.

وقيل: هو جبل فلسطين.

وقيل: بين مصر وإيلة.

ومنه نودي موسى عليه السلام.

وقرأ الأعمش: ﴿ سينا ﴾ على القصر ﴿ بالدهن ﴾ في موضع الحال، أي: تنبت وفيها الدهن.

وقرئ: ﴿ تنبت ﴾ وفيه وجهان، أحدهما: أن أنبت بمعنى نبت.

وأنشد لزهير: رَأَيْتُ ذَوِي الْحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِم ** قَطِيناً لَهُمْ حَتَّى إذَا أَنْبَتَ الْبَقْلُ والثاني: أنّ مفعوله محذوف، أي: تنبت زيتونها وفيه الزيت.

وقرئ: ﴿ تنبت ﴾ بضم التاء وفتح الباء، وحكمه حكم تنبت.

وقرأ ابن مسعود: تخرج الدهن وصبع الآكلين.

وغيره: تخرج بالدهن: وفي حرف أبيّ: ﴿ تثمر الدهن ﴾ وعن بعضهم: تنبت بالدهان.

وقرأ الأعمش: ﴿ وصبغاً ﴾ وقرئ: ﴿ وصباغ ﴾ ونحوهما: دبغ ودباغ.

والصبغ: الغمس للائتدام.

وقيل: هي أوّل شجرة نبتت بعد الطوفان، ووصفها الله تعالى بالبركة في قوله: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مباركة ﴾ [النور: 35] .

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٢١ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ٢٢

قرئ: ﴿ تسقيكم ﴾ بتاء مفتوحة، أي: تسقيكم الأنعام ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ أي تتعلق بها منافع من الركوب والحمل وغير ذلك، كما تتعلق بما لا يؤكل لحمه من الخيل والبغال والحمير.

وفيها منفعة زائدة، وهي الأكل الذي هو انتفاع بذواتها، والقصد بالأنعام إلى الإبل لأنها هي المحمول عليها في العادة، وقرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفائن البرّ.

قال ذو الرمّة: سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمَامُهَا يريد صيدحه.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣ فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ٢٤ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌۭ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍۢ ٢٥

﴿ غَيْرُهُ ﴾ بالرفع على المحل، وبالجرّ على اللفظ، والجملة استئناف تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ أفلا تخافون أن ترفضوا عبادة الله الذي هو ربكم وخالقكم ورازقكم، وشكر نعمته التي لا تحصونها واجب عليكم، ثم تذهبوا فتعبدوا غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء ﴿ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم، كقوله تعالى: ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء فِي الأرض ﴾ [يونس: 78] .

﴿ بهذا ﴾ إشارة إلى نوح عليه السلام، أو إلى ما كلمهم به من الحثّ على عبادة الله، أي: ما سمعنا بمثل هذا الكلام، أو بمثل هذا الذي يدعي وهو بشر أنه رسول الله، وما أعجب شأن الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر وقد رضوا للإلهية بحجر: وقولهم: ﴿ مَّا سَمِعْنَا بهذا ﴾ يدلّ على أنهم وآباؤهم كانوا في فترة متطاولة.

أو تكذبوا في ذلك لأنهماكهم في الغي، وتشمرهم لأن يدفعوا الحق بما أمكنهم وبما عنّ لهم، من غير تمييز منهم بين صدق وكذب.

ألا تراهم: كيف جننوه وقد علموا أنه أرجح الناس عقلاً وأوزنهم قولاً.

والجِنة: الجنون أو الجنّ، أي: به جنّ يخبلونه ﴿ حتى حِينٍ ﴾ أي احتملوه واصبروا عليه إلى زمان، حتى ينجلي أمره عن عاقبة، فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦ فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ٢٧ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٨ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًۭا مُّبَارَكًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ٢٩ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ٣٠

في نصرته إهلاكهم، فكأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، أو انصرني بدل ما كذبوني، كما تقول: هذا بذاك، أي بدل ذاك ومكانه.

والمعنى: أبدلني من غمّ تكذيبهم، سلوة النصرة عليهم، أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف: 59] ، [الشعراء: 135] ، [الأحقاف: 21] .

﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ بحفظنا وكلاءتنا، كأن معه من الله حفاظاً يكلؤونه بعيونهم، لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله.

ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة ﴿ وَوَحْيِنَا ﴾ أي نأمرك كيف تصنع ونعلمك.

روي أنه أوحى إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر.

روي أنه قيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب.

وقيل: كان تنور آدم عليه السلام، وكان من حجارة، فصار إلى نوح.

واختلف في مكانه، فعن الشعبي: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد.

وقيل: بالشام بموضع يقال له: عين وردة.

وقيل: بالهند.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: التنور وجه الأرض.

وعن قتادة: أشرف موضع في الأرض، أي أعلاه.

وعن علي رضي الله عنه: فار التنور: طلع الفجر.

وقيل: معناه أن فوران التنور كان عند تنوير الفجر.

وقيل: هو مثل كقولهم: حمي الوطيس.

والقول هو الأوّل.

يقال: سلك فيه: دخله.

وسلك غيره، وأسلكه.

قال: حَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قَتَائِدِهِ ﴿ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ ﴾ من كلّ أمتي زوجين، وهما أَمة الذكر وأمّة الأنثى، كالجمال، والنوق، والحصن والرماك ﴿ اثنين ﴾ واحدين مزدوجين، كالجمل والناقة، والحصان والرمكة: روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض.

وقرئ: ﴿ من كل ﴾ بالتنوين، أي: من كل أمّة زوجين.

واثنين: تأكيد وزيادة بيان.

جيء بعلى مع سبق الضارّ، كما جيء باللام مع سبق النافع.

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ [الأنبياء: 101] ، ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين ﴾ [الصافات: 171] ، ونحو قوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ [البقرة: 286] وقول عمر رضي الله عنه: ليتها كانت كفافاً، لا عليَّ ولا لي.

فإن قلت: لم نهاه عن الدعاء لهم بالنجاة؟

قلت: لما تضمنته الآية من كونهم ظالمين، وإيجاب الحكمة أن يغرقوا لا محالة، لما عرف من المصلحة في إغراقهم، والمفسدة في استبقائهم، وبعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ضلالاً، ولزمتهم الحجّة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوه عبرة للمعتبرين.

ولقد بالغ في ذلك حيث أتبع النهي عنه، الأمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم، كقوله: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ [الأنعام: 45] ، ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أهم وأنفع له، وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها، منزلاً يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين، وأن يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته، وهو قوله: ﴿ وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين ﴾ .

فإن قلت: هلا قيل: فقولوا: لقوله: ﴿ فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ ﴾ لأنه في معنى: فإذا استويتم؟

قلت: لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبيّ.

وقرئ: ﴿ منزلاً ﴾ بمعنى إنزالاً، أو موضع إنزال، كقوله: ﴿ ليدخلهم مدخلاً يرضونه ﴾ .

﴿ إِن ﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين النافية وبينها في المعنى، وإن الشأن والقصة ﴿ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ أي مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد.

أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذّكر، كقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ تركناها ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 15] <div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ٣١ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢

﴿ قَرْناً ءَاخَرِينَ ﴾ هم عاد قوم هود: عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وتشهد له حكاية الله تعالى قول هود: ﴿ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ [الأعراف: 69] ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء.

فإن قلت: حق أرسل أن يعدّى بإلى، كأخواته التي هي: وجه، وأنفذ، وبعث.

فما باله عدّي في القرآن بإلى تارة، وبقي أخرى، كقوله: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ ﴾ [الرعد: 30] ، و ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ ﴾ [سبأ: 34] .

﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً ﴾ أي في عاد.

وفي موضع آخر ﴿ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ [الأعراف: 65] ، [هود: 50] ؟

قلت: لم يعدّ بفي كما عدّي بإلى، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمّة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، كما قال رؤبة: أَرْسَلْتُ فِيهَا مُصْعَباً ذَا إقْحَامْ وقد جاء (بعث) على ذلك في قوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً ﴾ [الفرقان: 51] .

﴿ أَنِ ﴾ مفسرة لأرسلنا، أي: قلنا لهم على لسان الرسول: ﴿ اعبدوا الله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ٣٣ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًۭا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ٣٤

فإن قلت: ذكر مقال قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو: ﴿ قَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ ﴾ [الأعراف: 66] ، ﴿ قَالُواْ يا هُودٍ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ ﴾ [هود: 53] وههنا مع الواو، فأي فرق بينهما؟

قلت: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فما قال قومه؟

فقيل له: قالوا كيت وكيت.

وأما الذي مع الواو، فعطف لما قالوه على ما قاله.

ومعناه: أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل، وشتان بينهما ﴿ بِلِقَاء الأخرة ﴾ بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب، كقولك: يا حبذا جوار مكة: أي جوار الله في مكة.

حذف الضمير، والمعنى: من مشروبكم، أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه ﴿ إِذاً ﴾ واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم، أي: تخسرون عقولكم وتغبنون في آرائكم.

<div class="verse-tafsir"

أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ٣٥ ۞ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ٣٧ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ ٣٨

ثنى ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ للتوكيد، وحسن ذلك لفصل ما بين الأوّل والثاني بالظرف.

ومخرجون: خبر عن الأول.

أو جعل ﴿ أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ﴾ مبتدأ، و ﴿ إِذَا مِتٌّمْ ﴾ خبراً، على معنى: إخراجكم إذا متم، ثم أخبر بالجملة عن إنكم، أو رفع ﴿ أنكم مخرجون ﴾ بفعل هو جزاء للشرط، كأنه قيل: إذا متم وقع إخراجكم.

ثم أوقعت الجملة الشرطية خبراً عن إنكم.

وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ أيعدكم إذا متم ﴾ .

قرئ: ﴿ هيهات ﴾ بالفتح والكسر والضم، كلها بتنوين وبلا تنوين، وبالسكون على لفظ الوقف فإن قلت: ما توعدون هو المستبعد، ومن حقه أن يرتفع بهيهات، كما ارتفع في قوله: فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وَأَهْلُهُ فما هذه اللام: قلت قال الزجاج في تفسيره: البعدُ لما توعدون، أو بعدٌ لما توعدون فيمن نوّن فنزله منزلة المصدر.

وفيه وجه آخر: وهو أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد، كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك ﴾ [يوسف: 23] لبيان المهيت به.

﴿ إِنْ هِىَ ﴾ هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه.

وأصله إن الحياة ﴿ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ ثم وضع ﴿ هِىَ ﴾ موضع الحياة، لأنّ الخبر يدلّ عليها ويبينها.

ومنه: هي النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت.

والمعنى: لا حياة إلا هذه الحياة؛ لأن (إن) النافية دخلت على (هي) التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها، فوازنت (لا) التي نفت ما بعدها نفي الجنس ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ أي يموت بعض ويولد بعض، ينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ثم قالوا: ما هو إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه له، وفيما بعدنا من البعث، وما نحن بمصدقين.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍۢ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ ٤٠ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءًۭ ۚ فَبُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٤١

﴿ قَلِيلٌ ﴾ صفة للزمان، كقديم وحديث، في قولك: ما رأيته قديماً ولا حديثاً.

وفي معناه: عن قريب.

و ﴿ مَا ﴾ توكيد قلة المدّة وقصرها ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل عليه السلام: صاح عليهم فدمّرهم ﴿ بالحق ﴾ بالوجوب؛ لأنهم قد استوجبوا الهلاك.

أو بالعدل من الله، من قولك: فلان يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضاياه: ﴿ فجعلناهم غُثَآءً ﴾ شبههم في دمارهم بالغثاء: وهو حميل السيل مما بلي واسودّ من العيدان والورق.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاء أحوى ﴾ [الأعلى: 5] وقد جاء مشدّداً في قول امريء القيس: مِنَ السَّيْلِ وَالْغُثَّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ بعداً، وسحقاً، ودفراً ونحوها؛ مصادر موضوعة مواضع أفعالها، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه: نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها.

ومعنى ﴿ فَبُعْدًا ﴾ : بعدوا، أي: هلكوا يقال: بعد بعداً وبعداً، نحو رشد رشداً ورشداً.

و ﴿ لّلْقَوْمِ الظالمين ﴾ بيان لمن دعي عليه بالبعد، نحو: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ [يوسف: 23] .

و ﴿ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ [المؤمنون: 36] .

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ٤٣

﴿ قُرُوناً ﴾ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بني إسرائيل ﴿ أَجَلَهَا ﴾ الوقت الذي حدّ لهلاكها وكتب.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةًۭ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًۭا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًۭا لِّقَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ ٤٤

﴿ تترى ﴾ فعلى: الألف للتأنيث؛ لأن الرسل جماعة.

وقرئ: ﴿ تترىً ﴾ ، بالتنوين، والتاء بدل من الواو، كما في: تولج، وتيقور، أي: متواترين واحداً بعد واحد، من الوتر وهو الفرد: أضاف الرسل إليه تعالى وإلى أممهم ﴿ وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ﴾ [المائدة: 32] ﴿ وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات ﴾ [الأعراف: 101] لأنّ الإضافة تكون الملابسة، والرسول ملابس المرسل والمرسل إليه جميعاً بالملابسة ﴿ فَأَتْبَعْنَا ﴾ الأمم أو القرون ﴿ بَعْضُهُم بَعْضاً ﴾ في الإهلاك ﴿ وجعلناهم ﴾ أخباراً يسمر بها ويتعجب منها.

الأحاديث: تكون اسم جمع للحديث.

ومنه: أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتكون جمعاً للأحدوثة: التي هي مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة.

وهي: مما يتحدّث به الناس تلهياً وتعجباً، وهو المراد ههنا.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ٤٥ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ ٤٦

فإن قلت: ما المراد بالسلطان المبين؟

قلت: يجوز أن تراد العصا، لأنها كانت أمّ آيات موسى وأُولاها، وقد تعلقت بها معجزات شتى: من انقلابها حية، وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارساً، وشمعة، وشجرة خضراء مثمرة، ودلوا ورشاء.

وجعلت كأنها ليست بعضها لما استبدت به من الفضل، فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى: ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] ويجوز أن تراد الآيات أنفسها، أي: هي آيات وحجّة بيّنة ﴿ عالين ﴾ متكبرين ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ [القصص: 4] ، ﴿ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض ﴾ [القصص: 83] أو متطاولين على الناس قاهرين بالبغي والظلم.

<div class="verse-tafsir"

فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ ٤٧ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ٤٨

البشر يكون واحداً وجمعاً: ﴿ بَشَراً سَوِيّاً ﴾ [مريم: 17] ، ﴿ لِبَشَرَيْنِ ﴾ ، ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر ﴾ [مريم: 26] و (مثل) و (غير) يوصف بهما: الاثنان، والجمع، والمذكر، والمؤنث: ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ ﴾ [النساء: 140] ، ﴿ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 12] ويقال أيضاً: هما مثلاه، وهم أمثاله: ﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ [الأعراف: 194] .

﴿ وَقَوْمُهُمَا ﴾ يعني بني إسرائيل، كأنهم يعبدوننا خضوعاً وتذللاً.

أو لأنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة، وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ٤٩

﴿ مُوسَى الكتاب ﴾ أي قوم موسى التوراة ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ يعملون بشرائعها ومواعظها، كما قال: ﴿ على خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾ [يونس: 83] يريد آل فرعون، وكما يقولون: هاشم، وثقيف، وتميم، ويراد قومهم.

ولا يجوز أن يرجع الضمير في ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ إلى فرعون وملئه، لأنّ التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملئه: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الأولى ﴾ [القصص: 43] .

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةًۭ وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ ٥٠

فإن قلت: لو قيل آيتين هل كان يكون له وجه؟

قلت: نعم، لأنّ مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقي إليها، وقد تكلم في المهد وكان يحيي الموتى مع معجزات أخر، فكان آية من غير وجه، واللفظ محتمل للتثنية على تقدير ﴿ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ ﴾ آية ﴿ وَأُمَّهُ ءَايَةً ﴾ ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

الربوة والرباوة في رائهما الحركات.

وقرئ: ﴿ ربوة ورباوة ﴾ بالضم.

و ﴿ رباوة ﴾ بالكسر وهي الأرض المرتفعة.

قيل: هي إيليا أرض بيت المقدس، وأنها كبد الأرض وأقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا ً عن كعب.

وقيل: دمشق وغوطتها.

وعن الحسن: فلسطين والرملة.

وعن أبي هريرة: الزموا هذه الرملة رملة فلسطين، فإنها الربوة التي ذكرها الله.

وقيل: مصر.

والقرار: المستقرّ من أرض مستوية منبسطة.

وعن قتادة: ذات ثمار وماء، يعني أنه لأجل الثمار: يستقرّ فيها ساكنوها.

والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض.

وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته، فوجه من جعله مفعولاً أنه مدرك بالعين لظهوره، من عانه: إذا أدركه بعينه، نحو: ركبه، إذا ضربته بركبته.

ووجه من جعله فعيلاً: أنه نفاع بظهوره وجريه، من الماعون: وهو المنفعة.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ٥١

هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما، وكيف والرسل إنما أرسلوا متفرّقين في أزمنة مختلفة.

وإنما المعنى: الإعلام بأنّ كلّ رسول في زمانه نودي لذلك ووصى به، ليعتقد السامع أنّ أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به، حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه.

والمراد بالطيبات: ما حلّ وطاب.

وقيل: طيبات الرزق حلال وصاف وقوام، فالحلال: الذي لا يعصى الله فيه، والصافي: الذي لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك النفس ويحفظ العقل.

أو أريد ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه.

ويشهد له مجيئه على عقب قوله: ﴿ وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ [المؤمنون: 50] ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة، فذكر على سبيل الحكاية، أي: أويناهما وقلنا لهما هذا، أي: أعلمناهما أنّ الرسل كلهم خوطبوا بهذا، فكلا مما رزقناكما واعملا صالحاً اقتداء بالرسل.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ٥٢

قرئ: (وإنّ) بالكسر على الاستئناف.

وأَنّ بمعنى ولأنّ.

وأن مخففة من الثقيلة، و ﴿ أُمَّتُكُمْ ﴾ مرفوعة معها.

<div class="verse-tafsir"

فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًۭا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ٥٣

وقرئ: ﴿ زُبُراً ﴾ جمع زبور، أي: كتباً مختلفة، يعني: جعلوا دينهم أدياناً، وزبراً قطعاً: استعيرت من زبر الفضة والحديد، وزبراً: مخففة الباء، كرسل في رسل، أي: كلّ فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم، فرح بباطله، مطمئنّ النفس، معتقد أنه على الحق.

<div class="verse-tafsir"

فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤

الغمرة.

الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم.

أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.

قال: كَأَنَّنِي ضَارِبٌ فِي غَمْرَةٍ لَعِبُ وعن علي رضي الله عنه: في غمراتهم ﴿ حتى حِينٍ ﴾ إلى أن يقتلوا أو يموتوا.

<div class="verse-tafsir"

أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍۢ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ٥٦

سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بذلك، ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره.

وقرئ: ﴿ يمدّهم ﴾ ويسارع، ويسرع، بالياء، والفاعل الله سبحانه وتعالى.

ويجوز في: يسارع، ويسرع: أن يتضمن ضمير الممدّ به.

ويسارع، مبنياً للمفعول.

والمعنى: أنّ هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي، واستجراراً إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، وفيما لهم فيه نفع وإكرام، ومعاجلة بالثواب قبل وقته.

ويجوز أن يراد في جزاء الخيرات كما يفعل بأهل الخير من المسلمين.

و ﴿ بَل ﴾ استدراك لقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ ﴾ يعني: بل هم أشباه البهائم لا فطنة بهم ولا شعور، حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك: أهو استدراج، أم مسارعة في الخير؟

فإن قلت: أين الراجع من خبر أنّ لها اسمها إذا لم يستكن فيه ضميره؟

قلت: هو محذوف تقديره: نسارع به، ويسارع به، ويسارع الله به، كقوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ [الشورى: 43] أي إن ذلك منه، وذلك لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ٥٨ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ٥٩ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ ٦٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ ٦١

﴿ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ ﴾ يعطون ما أعطوا، وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة: ﴿ يأتون ما أتوا ﴾ ، أي يفعلون ما فعلوا.

وعنها أنها قالت: «قلت: يا رسول الله، هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟

قال: لا يا ابنة الصدّيق، ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبلَ مِنْهُ» .

﴿ يسارعون فِي الخيرات ﴾ يحتمل معنيين، أحدهما: أن يراد يرغبون في الطاعات أشدّ الرغبة فيبادرونها.

والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا المنافع ووجوه الإكرام، كما قال: ﴿ فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الأخرة ﴾ [آل عمران: 148] ، ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ [العنكبوت: 27] لأنهم إذا سورع بها لهم، فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها، وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة، لأنّ فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين.

وقرئ: ﴿ يسرعون في الخيرات ﴾ ﴿ لَهَا سابقون ﴾ أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، أو إياها سابقون، أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا.

ويجوز أن يكون ﴿ لَهَا سابقون ﴾ خبراً بعد خبر.

ومعنى ﴿ وَهُمْ لَهَا ﴾ كمعنى قوله: أَنْتَ لَهَا أَحْمَدُ مِنْ بَيْنِ الْبَشَرِ <div class="verse-tafsir"

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٦٢ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌۭ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ ٦٣

يعني أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من حدّ الوسع والطاقة، وكذلك كل ما كلفه عباده وما عملوه من الأعمال فغير ضائع عنده، بل هو مثبت لديه في كتاب، يريد اللوح، أو صحيفة الأعمال ناطق بالحق لا يقرؤون منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل، لا زيادة فيه ولا نقصان ولا يظلم منهم أحد.

أو أراد أن الله لا يكلف إلا الوسع، فإن لم يبلغ المكلف أن يكون على صفة هؤلاء السابقين بعد أن يستفرغ وسعه ويبذل طاقته فلا عليه، ولدينا كتاب فيه عمل السابق والمقتصد، ولا نظلم أحداً ولا نحطه دون درجته، بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها ﴿ مِنْ هذا ﴾ أي مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين ﴿ وَلَهُمْ أعمال ﴾ متجاوزة متخطية لذلك، أي: لما وصف به المؤمنون ﴿ هُمْ لَهَا عاملون ﴾ معتادون وبها ضارون، لا يفطمون عنها حتى يأخذهم الله بالعذاب.

<div class="verse-tafsir"

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ ٦٤ لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥ قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ ٦٦ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ ٦٧

حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام: الجملة الشرطية، والعذاب.

قتلهم يوم بدر.

أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللَّهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقدّ والأولاد.

الجؤار: الصراخ باستغاثة قال: جَئَّارُ سَاعَاتِ النِّيَامِ لِرَبِّهِ أي يقال لهم حينئذ ﴿ لاَ تَجْئَرُواْ ﴾ فإن الجؤار غير نافع لكم، ﴿ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ﴾ لا تغاثون ولا تمنعون منا أو من جهتنا، لا يلحقكم نصر ومغوثة.

قالوا: الضمير في ﴿ بِهِ ﴾ للبيت العتيق أو للحرم، كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.

والذي سوّغ هذا الأضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت، وأنه لم تكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به.

ويجوز أن يرجع إلى آياتي، إلا أنه ذكر لأنها في معنى كتابي، ومعنى استكبارهم بالقرآن: تكذيبهم به استكباراً.

ضمن مستكبرين معنى مكذبين، فعدّي تعديته.

أو يحدث لكم استماعه استكباراً وعتوّاً، فأنتم مستكبرون بسببه، أو تتعلق الباء بسامراً، أي: يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون.

وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أو يتهجرون.

والسامر: نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.

وقرئ: ﴿ سمراً ﴾ و ﴿ سماراً ﴾ وتهجرون وتهجرون، من أهجر في منطقه إذا أفحش.

والهجر- بالضم-: الفحش، ومن هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذي.

والهجر- بالفتح-: الهذيان.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ٦٨ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩ أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ ٧٠

﴿ القول ﴾ القرآن، يقول: أفلم يتدبروه ليعلموا أنه الحق المبين فيصدّقوا به وبمن جاء به، بل ﴿ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ ءابَاءهُمُ ﴾ فلذلك أنكروه واستبدعوه، كقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ فَهُمْ غافلون ﴾ [يس: 6] أو ليخافوا عنه تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت أباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟

وآباؤهم: إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبُّوا مضرَ ولا ربيعةَ فإنّهمَا كانَا مسلمينَ، ولا تسبُّوا قساً فإنّه كان مسلمَاً، ولا تسبُّوا الحارثَ بنَ كعبٍ ولا أَسدَ بنَ خُزيمةَ ولا تميمَ بنَ مرَّ.

فإنهم كانُوا على الإسلامِ، وما شككْتُم فيه من شيء فلا تشكُّوا في أن تبَعاً كان مسلماً» وروي في أنّ ضبة كان مسلماً، وكان على شرطة سليمان بن داود ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ ﴾ محمداً وصحة نسبه، وحلوله في سطة هاشم، وأمانته، وصدقه، وشهامته، وعقله واتسامه بأنه خير فتيان قريش، والخطبة التي خطبها أبو طالب في نكاح خديجة بنت خويلد، كفى برغائها منادياً.

الجنة: الجنون وكانوا يعلمون أنه بريء منها وأنه أرجحهم عقلاً وأثقبهم ذهناً، ولكنه جاءهم بما خالف شهواتهم وأهواءهم، ولم يوافق ما نشأوا عليه، وسيط بلحومهم ودمائهم من اتباع الباطل، ولم يجدوا له مردّاً ولا مدفعاً لأنه الحق الأبلج والصراط المستقيم، فأَخلدوا إلى البهت وعوّلوا على الكذب من النسبة إلى الجنون والسحر والشعر.

فإن قلت: قوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ ﴾ فيه أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق.

قلت: كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة واستنكافاً من توبيخ قومه وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه، لا كراهة للحق، كما يحكى عن أبي طالب.

فإن قلت: يزعم بعض الناس أنّ أبا طالب صحّ إسلامه.

قلت: يا سبحان الله، كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس رضي الله عنهما، ويخفى إسلام أبي طالب.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ٧١

دلّ بهذا على عظم شأن الحق، وأنّ السموات والأرض ما قامت ولا من فيهنّ إلا به، فلو اتبع أهواءهم لانقلب باطلاً، ولذهب ما يقوم به العالم فلا يبقى له بعده قوام.

أو أراد أنّ الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو الإسلام، لو اتبع أهواءهم وانقلب شركاً، لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخر.

وعن قتادة: أنّ الحق هو الله.

ومعناه: لو كان الله إلها يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي، لما كان إلها ولكان شيطاناً، ولما قدر أن يمسك السموات والأرض ﴿ بِذِكْرِهِمْ ﴾ أي بالكتاب الذي هو ذكرهم، أي: وعظهم أو وصيتهم وفخرهم: أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون: لو أنّ عندنا ذكراً من الأوّلين لكنا عباد الله المخلصين.

وقرئ: ﴿ بذكراهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًۭا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢

قرئ: ﴿ خراجا فخراج ﴾ و ﴿ خرجاً فخرج ﴾ و ﴿ خرجا فخراج ﴾ وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك.

وإلى كل عامل من أجرته وجُعله.

وقيل: الخرج: ما تبرعت به.

والخراج: ما لزمك أداؤه.

والوجه أنّ الخرج أخصّ من الخراج، كقولك: خراج القرية، وخرج الكردة، زيادة اللفظ لزيادة المعنى؛ ولذلك حسنت قراءة من قرأ: خرجاً فخراج ربك، يعني: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٧٣ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ ٧٤

قد ألزمهم الحجّة في هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أُرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سرّه وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلماً إلى النيل من دنياهم واستعطاء أَموالهم، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل، واستهتارهم بدين الآباء الضُّلاَّل من غير براهان، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة، وكراهتهم للحق، وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر، يحتمل أنّ هؤلاء وصفتهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة ﴿ لناكبون ﴾ أي عادلون عن هذا الصراط المذكور، وهو قوله: ﴿ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ وأن كل من لا يؤمن بالآخرة فهو عن القصد ناكب.

لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة من أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال: بلى، فقال: قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّۢ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ٧٥ وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦ حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا ذَا عَذَابٍۢ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ٧٧

والمعنى: لو كشف الله عنهم هذا الضرّ وهو الهزال والقحط الذي أصابهم برحمته عليهم ووجدوا الخصب؛ لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإفراطهم فيها، ولذهب عنهم هذا الإبلاس وهذا التملق بين يديه ويسترحمونه، واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم أوّلاً بالسيوف وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرّع، حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشدّ من الأسر والقتل وهو أطمّ العذاب، فأبسلوا الساعة وخضعت رقابهم، وجاء أعتاهم وأشدّهم شكيمة في العناد يستعطفك.

أو محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما رؤي فيهم لين مقادة وهم كذلك، حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون ﴾ [الروم: 12] ، ﴿ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ [الزخرف: 75] .

والإبلاس: اليأس من كل خير.

وقيل: السكوت مع التحير.

فإن قلت: ما وزن استكان؟

قلت: استفعل من الكون، أي: انتقل من كون إلى كون، كما قيل: استحال، إذا انتقل من حال إلى حال.

ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه، كما جاء: بمنتزاح.

فإن قلت: هلا قيل: وما تضرّعوا.

أو: فما يستكينون؟

قلت: لأنّ المعنى: محناهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة.

وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرّعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد.

وقرئ: ﴿ فتحنا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ٧٨ وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٧٩ وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٨٠

إنما خصّ السمع والأبصار والأفئدة، لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها.

ومقدمة منافعها أن يعملوا أسماعهم وأبصارهم في آيات الله وأفعاله، ثم ينظروا ويستدلوا بقلوبهم.

ومن لم يعملها فيما خلفت له فهو بمنزلة عادمها، كما قال الله تعالى: ﴿ فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَيْء ﴾ [الأحقاف: 26] إذ كانوا يجحدون بآيات الله، ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار بالمنعم بها، وأن لا يجعل له ندّ ولا شريك، (قليلاً ما تشكرون) أي: تشكرون شكراً قليلاً، و ﴿ مَّا ﴾ مزيدة للتأكيد بمعنى حقاً ﴿ ذَرَأَكُمْ ﴾ خلقكم وبثكم بالتناسل ﴿ وَإِلَيْهِ ﴾ تجمعون يوم القيامة بعد تفرّقكم ﴿ وَلَهُ اختلاف اليل والنهار ﴾ أي هو مختص به وهو متوليه، ولا يقدر على تصريفهما غيره.

وقرئ: ﴿ يعقلون ﴾ بالياء عن أبي عمرو.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ قَالُوا۟ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلْأَوَّلُونَ ٨١ قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ٨٢ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٨٣

أي: قال أهل مكة كما قال الكفار قبلهم.

الأساطير: جمع أسطار: جمع سطر.

قال رؤبة: إنِّي وَأَسْطَارٌ سُطِرْنَ سَطْرَاً وهي ما كتبه الأوّلون مما لا حقيقة له.

وجمع أسطورة أوفق.

<div class="verse-tafsir"

قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ٨٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧ قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ٨٩

أي: أجيبوني عما استعلمتكم منه إن كان عندكم فيه علم، وفي استهانة بهم وتجويز لفرط جهالتهم بالديانات: أن يجهلوا مثل هذا الظاهر البين.

وقرئ: ﴿ تذكرون ﴾ بحذف التاء الثانية ومعناه: أفلا تتذكرون فتعلموا أنّ من فطر الأرض، ومن فيها اختراعاً، كان قارداً على إعادة الخلق، وكان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية.

قرئ: الأوّل باللام لا غير.

والأخيران باللام، وهو هكذا في مصاحف أهل الحرمين والكوفة والشام، وبغير اللام وهو هكذا في مصاحف أهل البصرة، فباللام على المعنى؛ لأن قولك من ربه، ولمن هو في معنى واحد، وبغير اللام على اللفظ.

ويجوز قراءة الأوّل بغير لام، ولكنها لم تثبت في الرواية ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ أفلا تخافونه فلا تشركوا به وتعصوا رسله.

أجرت فلاناً على فلان: إذا أغثته منه ومنعته، يعني: وهو يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحداً ﴿ تُسْحَرُونَ ﴾ تخدعون عن توحيده وطاعته.

والخادع: هو الشيطان والهوى.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ٩٠ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍۢ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًۭا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٩٢

وقرئ: ﴿ أتيتهم ﴾ و ﴿ أُتيتهم ﴾ بالفتح والضم ﴿ بالحق ﴾ بأن نسبة الولد إليه محال والشرك باطل ﴿ وَإِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له ولداً ومعه شريكاً ﴿ لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ ﴾ لانفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبدّ به، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزاً من ملك الآخرين، ولغلب بعضهم بعضاً كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون، وحين لن تروا أثراً لتمايز الممالك وللتغالب، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء.

فإن قلت: إذاً لا تدخل إلاّ على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله لذهب جزاء وجواباً ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل؟

قلت: الشرط محذوف تقديره: ولو كان معه آلهة.

وإنما حذف لدلالة قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إله ﴾ عليه.

وهو جواب لمن معه المحاجة من المشركين ﴿ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ من الأنداد والأولاد ﴿ عالم الغيب ﴾ بالجرّ صفة لله.

وبالرفع: خبر مبتدأ محذوف.

<div class="verse-tafsir"

قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ ٩٣ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٩٤ وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ ٩٥

ما والنون: مؤكدتان، أي: إن كان لابد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ﴿ فَلاَ تَجْعَلْنِى ﴾ قريناً لهم ولا تعذبني بعذابهم.

عن الحسن: أخبره الله أن له في أمته نقمة ولم يخبره أفي حياته أم بعد موته، فأمره أن يدعو بهذا الدعاء.

فإن قلت: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين، حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟

قلت: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله، إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه، وإخباتاً له.

واستغفاره صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه سبعين مرة أو مائة مرة لذلك، وما أحسن قول الحسن في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: «وليتكم ولست بخيركم» : كان يعلم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يهضم نفسه.

وقرئ: ﴿ إما ترئنهم ﴾ بالهمز مكان تريني؛ كما قرئ: ﴿ فإما ترئن ﴾ ، و ﴿ لترؤن الجحيم ﴾ وهي ضعيفة.

وقوله: ﴿ رَّبِّ ﴾ مرتين قبل الشرط وقبل الجزاء حثّ على فضل تضرع وجؤار.

وكانوا ينكرون الموعد بالعذاب ويضحكون منه واستعجالهم له لذلك، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد إن تأملتم، فما وجه هذا الإنكار؟.

<div class="verse-tafsir"

ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦

هو أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، كأنه قال: ادفع بالحسنى السيئة.

والمعنى: الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه: كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.

وهذه قضية قوله: ﴿ بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي شهادة إن لا إله إلاّ الله.

والسيئة: الشرك.

وعن مجاهد: السلام: يسلم عليه إذا لقيه.

وعن الحسن: الإغضاء والصفح.

وقيل: هي منسوخة بآية السيف.

وقيل: محكمة؛ لأنّ المداراة محثوث عليها ما لم تؤدّ إلى ثلم دين وإزراء بمروءة ﴿ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ بما يذكرونه من أحوالك بخلاف صفتها.

أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم، والله أعلم بذلك منكم وأقدر على جزائهم.

<div class="verse-tafsir"

وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ٩٨

الهمز: النخس.

والهمزات: جمع المرّة منه.

ومنه: مهماز الرائض.

والمعنى: أنّ الشياطين يحثّون الناس على المعاصي ويغرونهم عليها، كما تهمز الراضة الدواب حثاً لها على المشي.

ونحو الهمز الأزّ في قوله تعالى: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ [مريم: 83] أمر بالتعوّذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه، المكرّر لندائه، وبالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً ويحوموا حوله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: عند تلاوة القرآن.

وعن عكرمة: عند النزع.

<div class="verse-tafsir"

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ٩٩ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٠٠

﴿ حتى ﴾ يتعلق بيصفون، أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقف.

والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم، مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم.

أو على قوله: وإنهم لكاذبون.

﴿ قال رب %ارحبون ﴾ خطاب الله بلفظ الجمع للتعظيم، كقوله: فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ وقوله: أَلاَ فَارْحَمُونِي يَا إلهَ مُحَمَّدٍ إذا أيقن بالموت واطلع على حقيقة الأمر، أدركته الحسرة على ما فرّط فيه من الإيمان والعمل الصالح فيه، فسأل ربه الرجعة وقال: ﴿ لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا ﴾ في الإيمان الذي تركته، والمعنى: لعلي آتي بما تركته من الإيمان، وأعمل فيه صالحاً، كما تقول: لعلي أبني على أُس، تريد: أُأسس أُساً وأبني عليه.

وقيل: فيما تركت من المال.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا عاينَ المُؤمنَ الملائكةُ قالُوا: نرجعُك إلى الدُّنيا، فيقولُ: إلى دارِ الهمومِ والأحزان!

بل قدوماً إلى اللَّهِ.

وأَمّا الكافرُ فيقولُ: ربِّ ارجعون» ﴿ كَلاَّ ﴾ ردعٌ عن طلب الرجعة، وإنكار واستبعاد.

﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ ﴾ والمراد بالكلمة: الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض، وهي قوله: ﴿ لَعَلِّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .

﴿ هُوَ قَائِلُهَا ﴾ لا محالة، لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه وتسلط الندم.

أو هو قائلها وحده لا يجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ والضمير للجماعة.

أي: أمامهم حائل بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث، وليس المعنى: أنهم يرجعون يوم البعث، وإنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلاّ إلى الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١

الصور بفتح الواو عن الحسن.

والصور بالكسر والفتح عن أبي رزين.

وهذا دليل لمن فسر الصور بجمع الصورة، ونفي الأنساب: يحتمل أن التقاطع يقع بينهم حيث يتفرّقون معاقبين ومثابين، ولا يكون التواصل بينهم والتآلف إلاّ بالأعمال، فتلغوا الأنساب وتبطل، وأنه لا يعتد بالأنساب لزوال التعاطف والتراحم بين الأقارب، إذ يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه.

وعن ابن مسعود: ﴿ لا يسَّاءلون ﴾ بإدغام التاء في السين.

فإن قلت: قد ناقض هذا ونحو قوله: ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾ [المعارج: 10] قوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ﴾ [الصافات: 27] ، [الطور: 25] ، وقوله: ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ [يونس: 45] فكيف التوفيق بينهما؟

قلت: فيه جوابان، أحدهما: أنّ يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، ففيه أزمنة وأحوال مختلفة يتساءلون ويتعارفون في بعضها، وفي بعضها لا يفطنون لذلك لشدّة الهول والفزع، والثاني: أنّ التناكر يكون عند النفخة الأولى، فإذا كانت الثانية قاموا فتعارفوا وتساءلوا.

<div class="verse-tafsir"

فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ١٠٢ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ ١٠٣ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ ١٠٤

عن ابن عباس: الموازين: جمع موزون؟

وهي الموزونات من الأعمال: أي الصالحات، التي لها وزن وقدر عند الله، من قوله تعالى: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً ﴾ [الكهف: 105] .

﴿ فِى جَهَنَّمَ خالدون ﴾ بدل من خسروا أنفسهم، ولا محلّ للبدل والمبدل منه؛ لأنّ الصلة لا محلّ لها.

أو خبر بعد خبر لأولئك.

أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ تَلْفَحُ ﴾ تسفع.

وقال الزجاج: اللفح والنفح واحد، إلاّ أنّ اللفح أشدّ تأثيراً.

والكلوح: أن تتقلص الشفتان وتتشمرا عن الأسنان، كما ترى الرؤوس المشوية.

وعن مالك بن دينار: كان سبب توبة عتبة الغلام أنه مرّ في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام وليالهنّ.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تشويهِ النارُ فتقلصُ شفتُه العُليا حتَّى تبلغَ وسطَ رأسِهِ، وتسترخِي شفتُه السفَلى حتى تبلغَ سرّتَه» وقرئ: ﴿ كلحون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥ قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًۭا ضَآلِّينَ ١٠٦ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ ١٠٧ قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨

﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنَا ﴾ ملكتنا، من قولك: غلبني فلان على كذا، إذا أخذه منك وامتلكه.

والشقاوة سوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها بسوء أعمالهم.

قرئ: ﴿ شِقْوَتُنَا ﴾ وشقاوتنا بفتح الشين وكسرها فيهما ﴿ اخسئوا فِيهَا ﴾ ذلوا فيها وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت.

يقال: خسأ الكلب وخسأ بنفسه.

﴿ وَلاَ تُكَلّمُونِ ﴾ في رفع العذاب، فإنه لا يرفع ولا يخفف.

قيل: هو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يُفهمون.

وعن ابن عباس: إنّ لهم ست دعوات: إذا دخلوا النار قالوا: ألف سنة: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ [السجدة: 12] فيجابون: ﴿ حَقَّ القول مِنْى ﴾ [السجدة: 12] ، فينادُون ألفاً ﴿ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين ﴾ [غافر: 11] ، فيجابون: ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ﴾ [غافر: 12] ، فينادون ألفاً: ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ [الزخرف: 77] ، فيجابون: ﴿ إِنَّكُمْ ماكثون ﴾ [الزخرف: 77] : فينادون ألفاً: ﴿ رَبَّنَا أَخّرْنَا ﴾ [إبراهيم: 44] ، فيجابون: ﴿ أَوَ لَمْ تَكُونُواْ ﴾ ، فينادون ألفاً: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا ﴾ [فاطر: 37] ، فيجابون: ﴿ أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ ﴾ [فاطر: 37] ، فينادون: ﴿ رَبّ ارجعون ﴾ [المؤمنون: 99] ، فيجابون: ﴿ اخسئوا فِيهَا ﴾ [المؤمنون: 108] .

<div class="verse-tafsir"

إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ١١٠ إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ١١١

في حرف أبيّ: ﴿ أنه كان فريق ﴾ بالفتح، بمعنى: لأنه.

السخريّ- بالضم والكسر-: مصدر سخر كالسخر، إلا أن في ياء النسب زيادة قوّة في الفعل، كما قيل الخصوصية في الخصوص.

وعن الكسائي والفراء: أنّ المكسور من الهزء، والمضموم من السخرة والعبودية، أي: تسخروهم واستعبدوهم، والأوّل مذهب الخليل وسيبويه.

قيل: هم الصحابة وقيل: أهل الصفة خاصة.

ومعناه: اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أَنسَوْكُمْ ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذِكْرِى ﴾ فتركتموه، أي: تركتم أن تذكروني فتخافوني في أوليائي.

وقرئ: ﴿ أَنَّهُمْ ﴾ بالفتح، والكسر استئناف، أي: قد فازوا حيث صبروا، فجزوا بصبرهم أحسن الجزاء.

وبالفتح على أنه مفعول جزيتهم، كقولك جزيتهم فوزهم.

<div class="verse-tafsir"

قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ ١١٣ قَـٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١١٤

﴿ قال ﴾ في مصاحف أهل الكوفة.

وقل: في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام؛ ففي ﴿ قَالَ ﴾ ضمير الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، وفي ﴿ قَل ﴾ ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار.

استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها، لأنّ الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة إليها.

أو لأنهم كانوا في سرور، وأيام السرور قصار، أو لأنّ المنقضي في حكم ما لم يكن، وصدقهم الله في تقالهم لسني لبثهم في الدنيا ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها.

وقرئ: ﴿ فسل العادّين ﴾ والمعنى: لا نعرف من عدد تلك السنين إلاّ أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم؛ لما نحن فيه من العذاب، وما فينا أن نعدّها كم هي، فسل من فيه أن يعدّ، ومن يقدر أن يلقي إليه فكره.

وقيل: فسل الملائكة الذين يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.

وقرئ: ﴿ العادين ﴾ بالتخفيف، أي: الظلمة، فإنهم يقولون كما نقول.

وقرئ: ﴿ العاديين ﴾ أي: القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟

وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.

<div class="verse-tafsir"

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًۭا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ١١٦ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ١١٧ وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨

﴿ عَبَثاً ﴾ حال، أي: عابثين، كقوله: ﴿ لاَعِبِينَ ﴾ أو مفعول له، أي: ما خلقناكم للعبث، ولم يدعنا إلى خلقكم إلاّ حكمة اقتضت ذلك، وهي: أن نتعبكم ونكلفكم المشاقّ من الطاعات وترك المعاصي، ثم نرجعكم من دار التكليف إلى دار الجزاء، فنثيب المحسن ونعاقب المسيء ﴿ وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ معطوف على ﴿ أَنَّمَا خلقناكم ﴾ ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ عَبَثاً ﴾ أي: للعبث، ولترككم غير مرجوعين.

وقرئ: ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء ﴿ الحق ﴾ الذي يحق له الملك؛ لأنّ كل شيء منه وإليه.

أو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه.

وصف العرش بالكرم لأنّ الرحمة تنزل منه والخير والبركة.

أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، كما يقال: بيت كريم، إذا كان ساكنوه كراماً.

وقرئ: الكريم، بالرفع.

ونحوه: ﴿ ذُو العرش المجيد ﴾ [البروج: 15] .

﴿ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾ كقوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا ﴾ [آل عمران: 115] وهي صفة لازمة، نحو قوله: ﴿ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ [الأنعام: 38] جيء بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان.

ويجوز أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء؛ كقولك: من أحسن إلى زيد لا أحق بالإحسان منه، فالله مثيبه.

وقرئ: أنه لا يفلح بفتح الهمزة.

ومعناه: حسابه عدم الفلاح، والأصل: حسابه أنه لا يفلح هو، فوضع الكافرون موضع الضمير لأنّ ﴿ مِنْ يَدُعُّ ﴾ في معنى الجمع، وكذلك (حِسَابُهُ....

إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ) في معنى: (حسابهم أنهم لا يفلحون).

جعل فاتحة السورة ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ وأورد في خاتمتها: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ سورةَ المؤمنونَ بشّرتْهُ الملائكةُ بالروحِ والريحانِ وما تقرُّ به عينُه عند نزولِ ملكِ الموتِ» وروي: أنّ أوّل سورة قد أفلح وآخرها من كنوز العرش، من عمل بثلاث آيات من أوّلها، واتعظ بأربع آيات من آخرها: فقد نجا وأفلح.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عنده دويّ كدويّ النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يده وقال: «اللَّهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا» ثم قال: «لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنة» ، ثم قرأ: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ حتى ختم العشر.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل