الآية ١٢ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ١٢ من سورة المؤمنون

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن طِينٍۢ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى مخبرا عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين ، وهو آدم ، عليه السلام ، خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون .

وقال الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن أبي يحيى ، عن ابن عباس : ( من سلالة من طين ) قال : صفوة الماء .

وقال مجاهد : ( من سلالة ) أي : من مني آدم .

قال ابن جرير : وإنما سمي آدم طينا لأنه مخلوق منه .

وقال قتادة : استل آدم من الطين .

وهذا أظهر في المعنى ، وأقرب إلى السياق ، فإن آدم ، عليه السلام ، خلق من طين لازب ، وهو الصلصال من الحمأ المسنون ، وذلك مخلوق من التراب ، كما قال تعالى : ( ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ) [ الروم : 20 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا عوف ، حدثنا قسامة بن زهير ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض ، وبين ذلك ، والخبيث والطيب ، وبين ذلك " .

وقد رواه أبو داود والترمذي ، من طرق ، عن عوف الأعرابي ، به نحوه .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) أسللناه منه، فالسلالة: هي المستلة من كلّ تربة، ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الأرض.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالإنسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به آدم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتَادة: ( مِنْ طِينٍ ) قال: استلّ آدم من الطين.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) قال: استلّ آدم من طين، وخُلقت ذرّيته من ماء مهين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلَّت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خُلق من طين.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: ( مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) قال: صفوة الماء.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( مِنْ سُلالَةٍ ) من منيّ آدم.

حدثنا القاسم.

قال: ثنا الحسين.

قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سُلالة آدم، وهي صفة مائه، وآدم هو الطين؛ لأنه خُلق منه.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لدلالة قوله: ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ على أن ذلك كذلك؛ لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوّله من صلبه صار في قرار مكين؛ والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته.

لأنهما مسلولان منه، ومن السُّلالة قول بعضهم: حَـمَلتْ بِـهِ عَضْـبَ الأدِيـمِ غَضَنفرًا سُـلالَةَ فَـرجٍ كـان غـيرَ حَـصِين (1) وقول الآخر: وَهَــلْ كُــنْتُ إلا مُهْــرَةً عَرَبِيَّـةً سُــلالَةَ أفْــراسٍ تجَللهــا بَغْــلُ (2) فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل، وليس بالكثير.

لأن السلائل جمع للسليل، ومنه قول بعضهم: إذا أُنْتِجَـتْ مِنْهـا المَهـارَى تَشـابَهَتْ عَــلى القَـوْد إلا بـالأنُوفِ سَـلائلُهْ (3) وقول الراجز: يَقْذِفْنَ فِي أسْلابِها بالسَّلائِلِ (4) ------------------------------- الهوامش : (1) البيت لحسان بن ثابت (اللسان: سلل) وفيه: فجاءت في موضع حملت.

وهو شاهد على أن السلالة بمعنى نطفة الإنسان، وسلالة الشيء: ما استل من.

واستشهد به المؤلف على أن العرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سلالة.

وفي اللسان: وقال الفراء: السلالة الذي سل من كل تربة.

وقال أبو الهيثم: السلالة: ما سل من صلب الرجل وترائب المرأة، كما يسل الشيء سلا.

والسليل: الولد حين يخرج من بطن أمه، لأنه خلق من السلالة.

وعن عكرمة أنه قال في السلالة: إنه الماء يسل من الظهر سلا.

وعضب الأديم: غليظ الجلد، ولعله يريد وصفه بالشدة والقسوة.

ولم أجد هذا التعبير في معاجم اللغة، ووجدته في حاشية جانبية على نسخة مصورة من مجاز القران محفوظة بمكتبة جامعة القاهرة، رقمها26059 عند تفسير قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين }.

(2) البيت لهند بنت النعمان (اللسان: سلل ).

وروايته: "وما هند إلا مهرة".

وهو شاهد على أن السليل الولد، والأنثى سليلة، قال أبو عمرو: السليلة بنت الرجل من صلبه.

وتجللها: علاها.

والمراد بالبغل هنا: الرجل الشبيه بالبغل والبغل مذموم عند العرب.

وفي اللسان: سلل: قال ابن بري: وذكر بعضهم أنها تصحيف، وأن صوابه "نغل" بالنون، وهو الخسيس من الناس والدواب، لأن البغل لا ينسل.

وقال ابن شميل: يقال للإنسان أول ما تضعه أمه: سليل.

والسليل والسليلة: المهر والمهرة.

(3) لم أجد هذا البيت في معاني القرآن للفراء ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة، ولا في شواهد معاجم اللغة.

وهو شاهد على أن السلائل جمع سلالة، وقد شرحنا معناها في الشاهدين السابقين بما أغنى عن تكراره هنا.

(4) كذا ورد هذا الشطر في الأصول محرفًا وحسبه المؤلف من الرجز، ويلوح لي أن هذا جزء من بيت للنابغة الذبياني نسخه بعض النساخ في بعض الكتب، ولم يفطن له المؤلف.

وبيت النابغة من البحر الطويل، وهو من قصيدة له يصف الخيل في وقعة عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ببني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، قال فيها: وَقَـدْ خِـفْتُ حـتى مَـا تَزِيدُ مَخَافَتِي عَـلى وَعِـلٍ فِـي ذِي المَطَارَةِ عَاقِلِ مَخَافَــةَ عَمْـرٍو أَنْ تَكُـونَ جِيَـادُهُ يُقَــدْنَ إِلَيْنَـا بَيْـنَ حَـافٍ وَنَـاعِلِ إِذَا اسْـتَعْجَلُوهَا عَـنْ سَـجِيَّةِ مَشْيِهَا تَتَلَّــعُ فِــي أَعْنَاقِهَــا بِالجَحَـافِلِ وَيَقْـذِفْنَ بِـالأَوْلادِ فِـي كُـلِّ مَـنْزِلٍ تَشَــحَّطُ فِـي أسْـلائِهَا كَالْوَصَـائِلِ وهذا البيت الأخير هو محل الشاهد في بحثنا وليس فيه شاهد للمؤلف على السلائل جمع السلالة، لأنها لم تذكر في البيت ولا في القصيدة كلها.

وأصل تشحط: تتشحط، أي تضطرب يريد أولاد الخيل.

والسلى: الجلدة التي يكون فيها الولد من الإنسان أو الحيوان إذا ولد.

الوصائل الثياب الحمر المخططة.

والمراد أن الأسلاب كانت موشحة بالدم، وانظر البيت في (اللسان: شحط) وفي المخصص.

لابن سيده ( 1 : 17) ومختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا (طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة ص 211).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طينقوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان الإنسان هنا آدم - عليه الصلاة والسلام - ؛ قاله قتادة ، وغيره ، لأنه استل من الطين .

ويجيء الضمير في قوله : ثم جعلناه عائدا على ابن آدم ، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر ؛ فإن المعنى لا يصلح إلا له .

نظير ذلك [ ص: 102 ] حتى توارت بالحجاب وقيل : المراد بالسلالة ابن آدم ؛ قاله ابن عباس ، وغيره .

والسلالة على هذا صفوة الماء ، يعني المني .

والسلالة فعالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء ؛ يقال : سللت الشعر من العجين ، والسيف من الغمد فانسل ؛ ومنه قوله [ لامرئ القيس ] :فسلي ثيابي من ثيابك تنسلفالنطفة سلالة ، والولد سليل وسلالة ؛ عنى به الماء يسل من الظهر سلا .

قال الشاعر [ حسان بن ثابت ] :فجاءت به عضب الأديم غضنفرا سلالة فرج كان غير حصينوقال آخر [ هند بنت النعمان ] :وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تجللها بغلقوله : من طين أي أن الأصل آدم وهو من طين .قلت : أي من طين خالص ؛ فأما ولده فهو من طين ومني ، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام .

وقال الكلبي : السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك ؛ فالذي يخرج هو السلالة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ذكر الله في هذه الآيات أطوار الآدمي وتنقلاته، من ابتداء خلقه إلى آخر ما يصير إليه، فذكر ابتداء خلق أبي النوع البشري آدم عليه السلام، وأنه { مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ } أي: قد سلت، وأخذت من جميع الأرض، ولذلك جاء بنوه على قدر الأرض، منهم الطيب والخبيث، وبين ذلك، والسهل والحزن، وبين ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولقد خلقنا الإنسان ) يعني : ولد آدم ، و " الإنسان " اسم الجنس ، يقع على الواحد والجمع ، ( من سلالة ) روي عن ابن عباس أنه قال : السلالة صفوة الماء .

وقال مجاهد : من بني آدم .

وقال عكرمة : هو يسيل من الظهر ، والعرب تسمي النطفة سلالة ، والولد سليلا وسلالة ، لأنهما مسلولان منه .

قوله : ( من طين ) يعني : طين آدم .

والسلالة تولدت من طين خلق آدم منه .

قال الكلبي : من نطفة سلت من طين ، والطين آدم عليه السلام ، وقيل المراد من الإنسان هو آدم .

وقوله : " من سلالة : أي : سل من كل تربة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» الله «لقد خلقنا الإنسان» آدم «من سُلالةِ» هي من سللت الشيء من الشيء أي استخرجته منه وهو خلاصته «من طين» متعلق بسلالة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد خلقنا آدم من طين مأخوذ من جميع الأرض.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد الحديث عن صفات المؤمنين المفلحين ، انتقلت السورة إلى الحديث عن أطوار خلق الإنسان ، وأطوار نموه ، ونهاية حياته ، وبعثه للحساب يوم القيامة ، - فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا .

.

.

) .المراد بالإنسان هنا : آدم - عليه السلام - .والسلالة : اسم لما سُلَّ من الشىء واستُخرج منه .

تقول : سللت الشعرة من العجين ، إذا استخرجتها منه .

يقال : الولد سلالة أبيه .

أى كأنه انسل من ظهر أبيه .والمعنى : ولقد خلقنا أباكم آدم من جزء مستخرج من الطين .والتعبير بسلالة يشعر بالقلة ، إذ لفظ الفعالة يدل على ذلك ، كقلامة الظفر ، ونحاتة الحجر ، وهى ما يتساقط عند النحت .و " من " فى الموضعين : ابتدائية إلا أن الأولى متعلقة " بخلقنا " والثانية متعلقة بسلالة بمعنى مسلولة من الطين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما أمر بالعبادات في الآية المتقدمة، والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفة الإله الخالق، لا جرم عقبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية فذكر من الدلائل أنواعاً: النوع الأول: الاستدلال بتقلب الإنسان في أدوار الخلقة وأكوان الفطرة وهي تسعة: المرتبة الأولى: قوله سبحانه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر، فُعالة وهو بناء يدل على القلة كالقُلامة والقُمامة، واختلف أهل التفسير في الإنسان فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد منه آدم عليه السلام فآدم سل من الطين وخلقت ذريته من ماء مهين، ثم جعلنا الكناية راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم، والإنسان شامل لآدم عليه السلام ولولده، وقال آخرون: الإنسان هاهنا ولد آدم والطين هاهنا اسم آدم عليه السلام، والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المني صارت منياً، وهذا التفسير مطابق لقوله تعالى: ﴿ ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَٰنِ مِن طِينٍ  ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ  ﴾ وفيه وجه آخر، وهو أن الإنسان إنما يتولد من النطفة وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك إنما يتولد من الأغذية، وهي إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانية تنتهي إلى النباتية، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء فالإنسان بالحقيقة يكون متولداً من سلالة من طين، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت على أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منياً، وهذا التأويل مطابق للفظ ولا يحتاج فيه إلى التكلفات.

المرتبة الثانية: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جعلناه نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ ومعنى جعل الإنسان نطفة أنه خلق جوهر الإنسان أولاً طيناً، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم المرأة فصار الرحم قراراً مكيناً لهذه النطفة والمراد بالقرار موضع القرار وهو المستقر فسماه بالمصدر ثم وصف الرحم بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها كقولك طريق سائر أو لمكانتها في نفسها لأنها تمكنت من حيث هي وأحرزت.

المرتبة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً ﴾ أي حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة وهي الدم الجامد.

المرتبة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً ﴾ أي جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم كأنها مقدار ما يمضغ كالغرفة وهي مقدار ما يغترف، وسمى التحويل خلقاً لأنه سبحانه يفني بعض أعراضها ويخلق أعراضاً غيرها فسمى خلق الأعراض خلقاً لها وكأنه سبحانه وتعالى يخلق فيها أجزاء زائدة.

المرتبة الخامسة: قوله: ﴿ فَخَلَقْنَا المضغة عظاما ﴾ أي صيرناها كذلك وقرأ ابن عامر عظماً والمراد منه الجمع كقوله: ﴿ والملك صَفّاً صَفّاً ﴾ .

المرتبة السادسة: قوله تعالى: ﴿ فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ﴾ وذلك لأن اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة لها.

المرتبة السابعة: قوله تعالى: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ أي خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم، وسميعاً وكان أصم، وبصيراً وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين، ولا شرح الشارحين، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هو تصريف الله إياه بعد الولادة في أطواره في زمن الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب، وخلق الفهم والعقل وما بعده إلى أن يموت، ودليل هذا القول أنه عقبه بقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ ﴾ وهذا المعنى مروي أيضاً عن ابن عباس وابن عمر، وإنما قال: ﴿ أنشأناه ﴾ لأنه جعل إنشاء الروح فيه، وإتمام خلقه إنشاء له قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام في أن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه سبحانه بين أن الإنسان هو المركب من هذه الصفات، وفيها دلالة أيضاً على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون إن الإنسان شيء لا ينقسم، وإنه ليس بجسم.

أما قوله: ﴿ فَتَبَارَكَ الله ﴾ أي فتعالى الله فإن البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة، وكل ما زاد على الشيء فقد علاه، ويجوز أن يكون المعنى، والبركات والخيرات كلها من الله تعالى، وقيل أصله من البروك وهو الثبات، فكأنه قال والبقاء والدوام.

والبركات كلها منه فهو المستحق للتعظيم والثناء، وقوله: ﴿ أَحْسَنُ الخالقين ﴾ أي أحسن المقدرين تقديراً فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة لولا أن الله تعالى قد يكون خالقاً لفعله إذا قدره لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، والخلق في اللغة هو كل فعل وجد من فاعله مقدراً لا على سهو وغفلة، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه، قال الكعبي هذه الآية، وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد كما أنه يجوز أن يقال رب الدار، ولا يجوز أن يقال رب بلا إضافة، ولا يقول العبد لسيده هو ربي، ولا يقال إنما قال الله تعالى ذلك لأنه سبحانه وصف عيسى عليه السلام بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير لأنا نجيب عنه من وجهين: أحدهما: إن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه ﴿ أَحْسَنُ الخالقين ﴾ الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح الثاني: أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح وصف غيره من المصورين أيضاً بأنه يخلق؟

وأجاب أصحابنا بأن هذه الآية معارضة بقول الله تعالى: ﴿ الله خالق كُلّ شَيْء  ﴾ فوجب حمل هذه الآية على أنه ﴿ أَحْسَنُ الخالقين ﴾ في اعتقادكم وظنكم، كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ أي هو أهون عليه في اعتقادكم وظنكم والجواب الثاني: هو أن الخالق هو المقدر لأن الخلق هو التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن المقدرين، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان، وذلك في حق الله سبحانه محال، فتكون الآية من المتشابهات والجواب الثالث: أن الآية تقتضي كون العبد خالقاً بمعنى كونه مقدراً، لكن لم قلت بأنه خالق بمعنى كونه موجداً.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة الآية تدل على أن كل ما خلقه حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقاً للكفر والمعصية فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما؟

والجواب: من الناس من حمل الحسن على الإحكام والاتقان في التركيب والتأليف، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله تعالى كل الأشياء لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعاً له عن فعل شيء.

المسألة الثالثة: روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبدالله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿ خَلْقاً ءَاخَرَ ﴾ عجب من ذلك فقال: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتب فهكذا نزلت» فشك عبدالله وقال إن كان محمد صادقاً فيما يقول فإنه يوحى إلي كما يوحى إليه، وإن كان كاذباً فلا خير في دينه فهرب إلى مكة فقيل إنه مات على الكفر، وقيل إنه أسلم يوم الفتح، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا نزلت يا عمر.

وكان عمر يقول: وافقني ربي في أربع، في الصلاة خلف المقام، وفي ضرب الحجاب على النسوة، وقولي لهن: لتنتهن أو ليبدلنه الله خيراً منكن، فنزل قوله تعالى: ﴿ عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أزواجا خَيْراً مّنكُنَّ  ﴾ والرابع قلت: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ﴾ فقال هكذا نزلت.

قال العارفون هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر، وسبب الشقاوة لعبد الله كما قال تعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا  ﴾ فإن قيل فعلى كل الروايات قد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن، وذلك يقدح في كونه معجزاً كما ظنه عبدالله والجواب: هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز فسقطت شبهة عبدالله.

المرتبة الثامنة: قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ ﴾ قرأ ابن أبي عبلة وابن محيصن ﴿ لمائتون ﴾ والفرق بين الميت والمائت، أن الميت كالحي صفة ثابتة، وأما المائت فيدل على الحدوث تقول زيد ميت الآن ومائت غداً، وكقولك يموت ونحوهما ضيق وضائق في قوله: ﴿ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ  ﴾ .

المرتبة التاسعة: قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ ﴾ فالله سبحانه جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه دليلين أيضاً على اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما الحكمة في الموت، وهلا وصل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم الدنيا فيكون ذلك في الأنعام أبلغ؟

والجواب: هذا كالمفسدة في حق المكلفين لأنه متى عجل للمرء الثواب فيما يتحمله من المشقة في الطاعات صار إتيانه بالطاعات لأجل تلك المنافع لا لأجل طاعة الله، يبين ذلك أنه لو قيل لمن يصلي ويصوم إذا فعلت ذلك أدخلناك الجنة في الحال، فإنه لا يأتي بذلك الفعل إلا لطلب الجنة، فلاجرم أخره الله تعالى وبعده بالإماتة ثم الإعادة ليكون العبد عابداً لربه بطاعته لا لطلب الانتفاع.

السؤال الثاني: هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر لأنه قال: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ ﴾ ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة والجواب: من وجهين: الأول: أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة والثاني: أن الغرض من ذكر هذه الأجناس الثلاثة الإنشاء والإماتة والإعادة، والذي ترك ذكره فهو من جنس الإعادة.

النوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بخلقة السموات وهو قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غافلين ﴾ .

فقوله: ﴿ سَبْعَ طَرَائِقَ ﴾ أي سبع سموات وإنما قيل لها طرائق لتطارقها بمعنى كون بعضها فوق بعض يقال طارق الرجل نعليه إذا أطبق نعلاً على نعل وطارق بين ثوبين إذا لبس ثوباً فوق ثوب.

هذا قول الخليل والزجاج والفراء قال الزجاج هو كقوله: ﴿ سَبْعَ سموات طِبَاقاً  ﴾ وقال علي بن عيسى سميت بذلك لأنها طرائق للملائكة في العروج والهبوط والطيران، وقال آخرون لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه تعالى جعلها موضعاً لأرزاقنا بإنزال الماء منها، وجعلها مقراً للملائكة، ولأنها موضع الثواب، ولأنها مكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي.

أما قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غافلين ﴾ ففيه وجوه: أحدها: ما كنا غافلين بل كنا للخلق حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع فتهلكهم وهذا قول سفيان بن عيينة، وهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ  ﴾ .

وثانيها: إنما خلقناها فوقهم لننزل عليهم الأرزاق والبركات منها عن الحسن.

وثالثها: أنا خلقنا هذه الأشياء فدل خلقنا لها على كمال قدرتنا ثم بين كمال العلم بقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق غافلين ﴾ يعني عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم وذلك يفيد نهاية الزجر.

ورابعها: وما كنا عن خلق السموات غافلين بل نحن لها حافظون لئلا تخرج عن التقدير الذي أردنا كونها عليه كقوله تعالى: ﴿ مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت  ﴾ .

واعلم أن هذه الآية دالة على كثير من المسائل: إحداها: أنها دالة على وجود الصانع فإن انقلاب هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى تضاد الأولى مع إمكان بقائها على تلك الصفة يدل على أنه لابد من محول ومغير.

وثانيتها: أنها تدل على فساد القول بالطبيعة فإن شيئاً من تلك الصفات لو حصل بالطبيعة لوجب بقاؤها وعدم تغيرها ولو قلت إنما تغيرت تلك الصفات لتغير تلك الطبيعة افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجد وثالثتها: تدل على أن المدبر قادر عالم لأن الموجب والجاهل لا يصدر عنه هذه الأفعال العجيبة ورابعتها: تدل على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات وخامستها: تدل على جواز الحشر والنشر نظراً إلى صريح الآية ونظراً إلى أن الفاعل لما كان قادراً على كل الممكنات وعالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب إلى تلك الأجزاء كما كانت وسادستها: أن معرفة الله تعالى يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية وإلا لكان ذكر هذه الدلائل عبثاً.

النوع الثالث: الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيراتها في النبات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

السلالة: الخلاصة؛ لأنها تسلّ من بين الكدر، وفعالة، بناء للقلة كالقلامة والقمامة.

وعن الحسن: ماء بين ظهراني الطين.

فإن قلت: ما الفرق بين من ومن؟

قلت: الأوّل للابتداء، والثاني للبيان، كقوله: ﴿ مِنَ الأوثان ﴾ [الحج: 30] .

فإن قلت: ما معنى: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ الإنسان نطفة؟

قلت: معناه أنه خلق جوهر الإنسان أوّلاً طيناً، ثم جعل جوهره بعذ ذلك نطفة.

القرار: المستقرّ، والمراد الرحم.

وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقرّ فيها، كقولك.

طريق سائر.

أو بمكانتها في نفسها؛ لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت.

قرئ: ﴿ عظماً فكسونا العظم ﴾ و ﴿ عظاماً فكسونا العظام ﴾ و ﴿ عظماً فكسونا العظم ﴾ وضع الواحد مكان الجمع لزوال اللبس؛ لأنّ الإنسان ذو عظام كثيرة ﴿ خَلْقاً ءاخَرَ ﴾ أي خلقاً مبايناً للخلق الأوّل مباينة ما أبعدها، حيث جعله حيواناً وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم، وسميعاً وكان أصمّ، وبصيراً وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا تدرك بوصف الواصف ولا تبلغ بشرح الشارح: وقد احتجّ به أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده قال: يضمن البيضة ولا يرد الفرخ: لأنه خلق أخر سوى البيضة ﴿ فَتَبَارَكَ الله ﴾ فتعالى أمره في قدرته وعلمه ﴿ أَحْسَنُ الخالقين ﴾ أي: أحسن المقدّرين تقديراً، فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه.

ونحوه: طرح المأذون فيه في قوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون ﴾ [الحج: 39] لدلالة الصلة.

وروي عن عمر رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ قوله خلقاً آخر، قال: «فتبارك الله أحسن الخالقين» وروي: أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فنطق بذلك قبل إملائه، فقال: له النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب، هكذا نزلت» فقال: عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبيّ يوحى إليّ، فلحق بمكة كافراً، ثم أسلم يوم الفتح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ ﴾ مِن خُلاصَةٍ سُلَّتْ مِن بَيْنِ الكَدَرِ.

﴿ مِن طِينٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِـ ( سُلالَةٍ ) أوْ مِن بَيانِيَّةٌ أوْ بِمَعْنى ﴿ سُلالَةٍ ﴾ لِأنَّها في مَعْنى مَسْلُولَةٍ فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً كالأُولى، والإنْسانُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ خُلِقَ مِن صَفْوَةٍ سُلَّتْ مِنَ الطِّينِ، أوِ الجِنْسِ فَإنَّهم خُلِقُوا مِن سُلالاتٍ جُعِلَتْ نُطُفًا بَعْدَ أدْوارٍ.

وَقِيلَ المُرادُ بِالطِّينِ آدَمُ لِأنَّهُ خُلِقَ مِنهُ والسُّلالَةُ نُطْفَتُهُ.

﴿ ثُمَّ جَعَلْناهُ ﴾ ثُمَّ جَعَلْنا نَسْلَهُ فَحُذِفَ المُضافُ.

﴿ نُطْفَةً ﴾ بِأنْ خَلَقْناهُ مِنها أوْ ثُمَّ جَعَلْنا السُّلالَةَ نُطْفَةً، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلى تَأْوِيلِ الجَوْهَرِ أوِ المَسْلُولِ أوِ الماءِ.

﴿ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ مُسْتَقَرٍّ حَصِينٍ يَعْنِي الرَّحِمَ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لِلْمُسْتَقَرِّ وصِفَ بِهِ المَحَلُّ لِلْمُبالَغَةِ كَما عَبَّرَ عَنْهُ بِالقَرارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان} أي آدم {مِن سلالة} من للابتداء والسلالة الخاصة لأنها تسل من بين الكدر وقيل إنما سمى التراب الذي خلق آدم منه سلالة لأنه سل من كل تربة {مِن طِينٍ} من البيان كقوله من الاوثان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا أحْوالَ السُّعَداءِ عَقِبَهُ بِذِكْرِ مَبْدَئِهِمْ ومَآلِ أمْرِهِمْ في ضِمْنِ ما يَعُمُّهم وغَيْرِهِمْ وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ وحَثٌّ عَلى الِاتِّصافِ بِالصِّفاتِ الحَمِيدَةِ وتَحَمُّلُ مُؤَنِ التَّكْلِيفاتِ الشَّدِيدَةِ أوْ لَمّا ذَكَرَ إرْثَ الفِرْدَوْسِ عَقِبَهُ بِذِكْرِ البَعْثِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ أوْ لَمّا حَثَّ عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وامْتِثالِ أمْرِهِ عَقِبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ لِتَوَقُّفِ العِبادَةِ عَلى ذَلِكَ ولَعَلَّ الأوَّلَ أُولى في وجْهِ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ وإنْ تَبايَنَتا في المَعانِي وفِيهِ نَظَرٌ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والسُّلالَةُ مَن سَلَّلَتِ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ إذا اسْتَخْرَجَتْهُ مِنهُ فَهي ما سَلَّ مِنَ الشَّيْءِ واسْتَخْرَجَ مِنهُ فَإنَّ فَعّالَةَ اسْمٌ لِما يَحْصُلُ مِنَ الفِعْلِ فَتارَةً تَكُونُ مَقْصُودَةٌ مِنهُ كالخُلاصَةِ وأُخْرى غَيْرُ مَقْصُودَةٍ مِنهُ كالقُلامَةِ والكُناسَةِ والسُّلالَةِ مِن قُبَيْلِ الأوَّلِ فَإنَّها مَقْصُودَةٌ بِالسُّلِّ.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ هَذا البِناءَ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ، ومِنَ الأوْلى ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٍ بِالخَلْقِ، ومِنَ الثّانِيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ إلّا أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِسُلالَةٍ عَلى أنَّها بِمَعْنى مَسْلُولَةٍ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِسُلالَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى هَذا تَبْعِيضِيَّةً وأنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ مِن طِينٍ ﴾ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ بِإعادَةِ الجارِّ، وخَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِمّا ذَكَرَ بِاعْتِبارِ خَلْقِ أوَّلِ الأفْرادِ وأصْلُ النَّوْعِ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ فَيَكُونُ الكُلُّ مَخْلُوقًا مِن ذَلِكَ خَلْقًا إجْمالِيًّا في ضِمْنِ خَلْقِهِ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: خَلَقَ الجِنْسَ مِن ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَبْدَأٌ بَعِيدٌ لِأفْرادِ الجِنْسِ فَإنَّهم مِنَ النُّطَفِ الحاصِلَةِ مِنَ الغِذاءِ الَّذِي هو سُلالَةُ الطِّينِ وصَفْوَتُهُ، وفِيهِ وصْفُ الجِنْسِ بِوَصْفِ أكْثَرِ أفْرادِهِ لِأنَّ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أوْ يُقالُ تَرْكُ بَيانِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، واقْتَصَرَ عَلى بَيانِ حالِ أوْلادِهِ.

وجاءَ ذَلِكَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالطِّينِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّهُ مِن مَجازِ الكَوْنِ، والمُرادُ بِالسُّلالَةِ النُّطْفَةُ وبِالإنْسانِ الجِنْسُ ووَصَفَهُ بِما ذَكَرَ بِاعْتِبارِ أكْثَرِ أفْرادِهِ أوْ يُقالُ كَما قِيلَ آنِفًا، ولا يُخْفى خَفاءَ قَرِينَةِ المَجازِ وعَدَمِ تَبادُرِ النُّطْفَةِ مِنَ السُّلالَةِ، وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ وما ذَهَبْنا إلَيْهِ أوَّلًا أُولى، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، يعني: آدم  .

قال الكلبي ومقاتل: السلالة إذا عصر الطين، انسلّ الطين والماء بين أصابعه.

وقال الكلبي: خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني: ابن آدم من نطفة، سُلَّت تلك النطفة من طين، والطين آدم  ، والنطفة ما يخرج من صلبه فيقع في رحم المرأة.

وقال الزجاج: سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، أي من آدم، والسلالة القليل من أن ينسل، وكل مبني على فعالة فهو يراد به القليل، مثل النخالة، والعلامة والفصالة ثُمَّ جَعَلْناهُ: يعني ذرية آدم.

قال القتبي: يقال للولد سلالة والنطفة سلالة، وإنما سميت النطفة سلالة لأنها تنسل بين الصلب والترائب ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ، يعني: في مكان حريز حصين.

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، أي: حولنا الماء دماً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، أي حولنا الدم مضغة، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً أي: خلقنا في المضغة عظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ.

قال عكرمة وأبو العالية والشعبي: معناه نفخ فيه الروح.

وروى الأخفش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود أنه قَالَ: «إِنَّ خَلْقَ أَحَدكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ الله عز وجل مَلَكاً، فَيُأْمَرُ بأنْ يَكْتُبَ أَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَهِيَ أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ.

ثُمَّ يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ» .

وروي، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال: «نفخ فيه الروح» ، وروى ابن نجيح، عن مجاهد: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال: «حين استوى شاباً» وروى معمر، عن قتادة: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ، قال: «هو نبات الشعر والأسنان» ، وقال بعضهم: هو نفخ الروح، ويقال: ذكراً أو أنثى، ويقال: معناه ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ، يعني: الجلد.

وروي عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: «ينفخ فيه الروح» ، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ: «ثم أنشأته خلقاً آخر» .

فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ، يعني: أحكم المصورين.

وروى أبو صالح عن عبد الله بن عباس قال: كان عبد الله بن سعيد بن أبي سرح يكتب هذه الآيات للنبي  ، فلما انتهى إلى قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ، عجب من تفضل الإنسان، أي من تفضيل خلق الإنسان فقال: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقال النبيّ  : «اكتب هكذا أُنْزِلَتْ» فشك عند ذلك، وقال: لئن كان محمد صادقاً فيما يقول إنه يوحى إليه، فقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن قال من ذات نفسه، فلقد قلت مثل ما قال.

فكفر بالله تعالى.

وقال مقاتل والزجاج: كان عمر  عند رسول الله  إِذْ أُنْزِلَتْ عليه هذه الآية، فقال عمر: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ، فقال النبي  : «هكذا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ» (١)  وقد قيل: إن الحكاية الأولى غير صحيحة، لأن ارتداد عبد الله بن أبي سرح كان بالمدينة، وهذه الآية مكية.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر فَخَلَقْنَا المضغة عظاما فكسونا العظم لحما، وقرأ الباقون عِظاماً بالألف، ومعناهما واحد، لأن الواحد يغني عن الجنس.

(١) عزاه السيوطي: 6/ 94 إلى الطبراني وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما قِيلَ: ﴿ مِن سُلالَةٍ ﴾ ؛ لِأنَّهُ اسْتُلَّ مِن كُلِّ الأرْضِ، هَذا مَذْهَبُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ ابْنُ آدَمَ، والسُّلالَةُ: النُّطْفَةُ اسْتُلَّتْ مِنَ الطِّينِ، والطِّينُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: والسُّلالَةُ: فُعالَةٌ، وهي القَلِيلُ مِمّا يَنْسَلُّ، وكُلُّ مَبْنِيٍّ عَلى ( فُعالَةٍ ) يُرادُ بِهِ القَلِيلُ، مِن ذَلِكَ: الفُضالَةُ، والنُّخالَةُ، والقُلامَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناهُ ﴾ يَعْنِي: ابْنَ آدَمَ، ﴿ نُطْفَةً في قَرارٍ ﴾ وهو الرَّحِمُ، ﴿ مَكِينٍ ﴾ ؛ أيْ: حَرِيزٍ، قَدْ هُيِّئَ لِاسْتِقْرارِهِ فِيهِ.

وقَدْ شَرَحْنا في سُورَةِ ( الحَجِّ: ٥ ) مَعْنى النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ ) عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( عَظْمًا فَكَسَوْنا العَظْمَ ) عَلى التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ وهَذِهِ الحالَةُ السّابِعَةُ.

قالَ عَلَيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتّى تَمُرَّ عَلى التّاراتِ السَّبْعِ.

وَفِي مَحِلِّ هَذا الإنْشاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَطْنُ الأُمِّ.

ثُمَّ في صِفَةِ الإنْشاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهُ ذَكَرًا أوْ أُنْثى، قالَهُ الحَسَنُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.

ثُمَّ في صِفَةِ هَذا الإنْشاءِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ ابْتِداءَ ذَلِكَ الإنْشاءِ أنَّهُ اسْتَهَلَّ، ثُمَّ دُلَّ عَلى الثَّدْيِ، وعَلِمَ كَيْفَ يَبْسُطُ رِجْلَيْهِ إلى أنْ قَعَدَ، إلى أنْ قامَ عَلى رِجْلَيْهِ، إلى أنْ مَشى، إلى أنَّ فُطِمَ، إلى أنْ بَلَغَ الحُلُمَ، إلى أنْ تَقَلَّبَ في البِلادِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِواءُ الشَّبابِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خُرُوجُ الأسْنانِ والشَّعْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ يُولَدُ وعَلى رَأْسِهِ الشَّعْرُ ؟

فَقالَ: وأيْنَ العانَةُ والإبِطُ ؟

والرّابِعُ: أنَّهُ إعْطاءُ العَقْلِ والفَهْمِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَبارَكَ اللَّهُ ﴾ ؛ أيِ: اسْتَحَقَّ التَّعْظِيمَ والثَّناءَ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " تَبارَكَ " في ( الأعْرافِ: ٥٤ ) .

﴿ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ ؛ أيِ: المُصَوِّرِينَ والمُقَدِّرِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ.

وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وعِنْدَهُ عُمْرُ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَلْقًا آخَرَ ﴾ ، فَقالَ عُمْرُ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " لَقَدْ خُتِمَتْ بِما تَكَلَّمْتَ بِهِ يابْنَ الخَطّابِ "» .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ  ﴾ ؟

فالجَوابُ: أنَّ الخَلْقَ يَكُونُ بِمَعْنى الإيجادِ، ولا مُوجِدَ سِوى اللَّهِ، ويَكُونُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: [ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ ] وبَعْـ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي فَهَذا المُرادُ هاهُنا، أنَّ بَنِي آدَمَ قَدْ يُصَوِّرُونَ ويَقْدِرُونَ ويَصْنَعُونَ الشَّيْءَ، فاللَّهُ خَيْرُ المُصَوِّرِينَ والمُقَدِّرِينَ.

وقالَ الأخْفَشُ: الخالِقُونَ هاهُنا هُمُ الصّانِعُونَ، فاللَّهُ خَيْرُ الخالِقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِن تَمامِ الخَلْقِ، ﴿ لَمَيِّتُونَ ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( لَمائِتُونَ ) بِألِفٍ.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن لَمْ يَمُتْ: إنَّكَ مائِتٌ عَنْ قَلِيلٍ، ومَيِّتٌ، ولا يَقُولُونَ لِلْمَيِّتِ الَّذِي قَدْ ماتَ: هَذا مائِتٌ، إنَّما يُقالُ في الِاسْتِقْبالِ فَقَطْ، وكَذَلِكَ يُقالُ: هَذا سَيِّدُ قَوْمِهِ اليَوْمَ، فَإذا أخْبَرْتَ أنَّهُ يَسُودُهم عَنْ قَلِيلٍ، قُلْتَ: هَذا سائِدُ قَوْمِهِ عَنْ قَلِيلٍ، وكَذَلِكَ هَذا شَرِيفُ القَوْمِ، وهَذا شارِفٌ عَنْ قَلِيلٍ، وهَذا البابُ كُلُّهُ في العَرَبِيَّةِ عَلى ما وصَفْتُ لَكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ خَلَقْنا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، والواوِ في أوَّلِهِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى جُمْلَةٍ وإنْ تَبايَنَتْ في المَعانِي، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: "الإنْسانَ" فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: أرادَ آدَمُ -عَلَيْهِ السَلامُ- لِأنَّهُ اسْتُلَّ مِنَ الطِينِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمْ جَعَلْناهُ" عائِدًا عَلى ابْنِ آدَمَ -وَإنْ كانَ لَمْ يَذْكُرْهُ- لِشُهْرَةِ الأمْرِ، وأنَّ المَعْنى لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ، نَظِيرَ ذَلِكَ ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ وغَيْرُهُ.

-وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- المُرادُ بِقَوْلِهِ: "الإنْسانَ" ابْنُ آدَمَ.

و ﴿ سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ صَفْوَةُ الماءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وهَذا عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، ويَتَرَتَّبُ فِيهِ أنَّهُ سُلالَةٌ مِن حَيْثُ كانَ الكُلُّ عن آدَمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- أو عَنِ الأبَوَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ بِما يَكُونُ مِنَ الطِينِ، وذَلِكَ السَبْعُ الَّذِي جَعَلَ اللهُ تَعالى رِزْقَ ابْنِ آدَمَ فِيها، وسَيَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- فِيها إنْ شاءَ اللهُ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-: إنَّ السُلالَةَ هي صَفْوَةُ الماءِ، يَعْنِي المَنِيِّ.

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ : مِنِّي آدَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وهَذا بَيِّنٌ؛ إذْ آدَمُ مِن طِينٍ وذُرِّيَّتَهُ مِن سُلالَةٍ، وما يَكُونُ عَنِ الشَيْءِ فَهو سُلالَتُهُ، وتَخْتَلِفُ وُجُوهُ ذَلِكَ الكَوْنِ، فَمِنهُ قَوْلُهم لِلْخَمْرِ: سُلالَةٌ؛ لِأنَّها سُلالَةُ العِنَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا أنْتَجَتْ مِنها المَهارى تَشابَهَتْ عَلى العُودِ إلّا بِالأُنُوفِ سَلائِلُهُ ومِنَ اللَفْظِ قَوْلُ هِنْدٍ بِنْتُ النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ: ........

∗∗∗ سَلِيلَةُ أفْراسٍ تَحَلَّلَها بَغْلٌ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ سُلالَةُ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ وهَذِهِ الفِرْقَةُ يَتَرَتَّبُ مَعَ قَوْلِها عَوْدُ الضَمِيرِ في "جَعَلْناهُ" و"أنْشَأْناهُ".

و"النُطْفَةُ" تَقَعُ في اللُغَةِ عَلى قَلِيلِ الماءِ وكَثِيرِهِ، وهي هُنا لِمَنِّي ابْنِ آدَمَ، و"القَرارُ المَكِينُ" مِنَ المَرْأةِ هو مَوْضِعُ الوَلَدِ، و"المَكِينُ": المُتَمَكِّنُ، فَكَأنَّ "القَرارَ" هو المُتَمَكِّنُ في الرَحِمْ.

و"العَلَقَةُ": الدَمُ الغَرِيضُ، و"المُضْغَةُ": بُضْعَةُ اللَحْمِ قَدْرَ ما يُمْضَغُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عِظامًا" في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرِ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "عَظْمًا" بِالإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ سَلَمَةُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ بِالإفْرادِ أوَّلًا وبِالجَمْعِ في الثانِي، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ثُمْ جَعَلْنا المُضْغَةَ عِظامًا وعَصَبًا فَكَسَوْناهُ لَحْمًا".

واخْتَلَفَ الناسُ في الخَلْقِ الآخَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدِ: هو نَفْخُ الرُوحِ فِيهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: خُرُوجُهُ إلى الدُنْيا، وقالَ قَتادَةُ -عن فِرْقَةٍ-: نَباتُ شَعْرِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: تَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ، وإنَّما هو عامٌّ في هَذا، وغَيْرِهِ مِن وُجُوهٍ مِنَ النُطْقِ والإدْراكِ وحَسُنِ المُحاوَلَةِ هو بِها آخِرُ، وأوَّلُ رُتْبَةٍ مِن كَوْنِهِ آخِرُ هي نَفْخُ الرُوحِ فِيهِ، والطَرَفُ الآخَرُ مِن كَوْنِهِ آخِرُ تَحْصِيلِهِ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ.

و"تَبارَكَ" هو مُطاوِعٌ "بارَكَ"، فَكَأنَّها بِمَنزِلَةِ "تَعالى وتَقَدَّسَ"، مِن مَعْنى البَرَكَةِ، وهَذِهِ الآيَةِ يُرْوى «أنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- لَمّا سَمِعَ صَدْرَ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "آخَرُ" قالَ: "فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ" فَقالَ رَسُولُ اللهِ -  -: "هَكَذا أُنْزِلَتْ"».

وَيُرْوى أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- ويُرْوى أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، وبِهَذا السَبَبِ ارْتَدَّ وقالَ: أنا آتِي بِمِثْلِ ما يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ مَعْناهُ: أحْسَنُ الصانِعِينَ، يُقالُ لِمَن صَنَعَ شَيْئًا: خَلَقَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَأنْتَ تُفْرِي ما خَلَقَتُ وبَعْـ ∗∗∗ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمْ لا يُفْرِي وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى نَفْيِ هَذِهِ اللَفْظَةِ عَنِ الناسِ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما قالَ: "الخالِقِينَ" لِأنَّهُ -تَبارَكَ وتَعالى- قَدْ أذِنَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في أنْ يَخْلُقَ، واضْطَرَبَ بَعْضُهم في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا تُنْفى اللَفْظَةُ عَنِ البَشَرِ في مَعْنى الصُنْعِ، وإنَّما هي مَنفِيَّةٌ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ والإيجادِ مِنَ العَدَمِ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِعُمَرَ بْنَ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- حِينَ سَألَهُ مَشْيَخَةُ الصَحابَةِ عن لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالُوا: اللهُ أعْلَمُ، فَقالَ عُمْرُ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: ما تَقُولُ يا ابْنَ عَبّاسٍ ؟

فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ سَبْعًا والأرْضِينَ سَبْعًا، وخَلَقَ ابْنَ آدَمَ مِن سَبْعٍ، وجَعَلَ رِزْقَهُ في سَبْعٍ، فَأراها في لَيْلَةِ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، فَقالَ عُمَرُ: أعْجَزَكم أنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ هَذا الغُلامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ".

وهَذا الحَدِيثُ بِطُولِهِ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ، فَأرادَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- بِقَوْلِهِ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن سَبْعٍ.

هَذِهِ الآيَةَ، وبُقُولِهِ: جُعِلَ رِزْقُهُ في سَبْعٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا  ﴾ ﴿ وَعِنَبًا وقَضْبًا  ﴾ ﴿ وَزَيْتُونًا ونَخْلا  ﴾ ﴿ وَحَدائِقَ غُلْبًا  ﴾ ﴿ وَفاكِهَةً وأبًّا  ﴾ الآيَةُ، السَبْعُ مِنها لِابْنِ آدَمَ، والأبُّ لِلْأنْعامِ، والقَضْبِ يَأْكُلُهُ ابْنُ آدَمَ وتَسْمَنُ بِهِ النِساءُ، هَذا قَوْلٌ، وقِيلَ: القَضْبُ: البُقُولُ لِأنَّها تُقْضَبُ، فَهي رِزْقُ ابْنِ آدَمَ، وقِيلَ: القَضْبُ والأبُّ لِلْأنْعامِ والسِتَّةُ الباقِيَةُ لِابْنِ آدَمَ، والسابِعَةُ هي الأنْعامُ إذْ هي مِن أعْظَمِ رِزْقِ ابْنِ آدَمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو عاطفة غرضاً على غرض ويسمى عطف القصّة على القصّة، فللجملة حكم الاستيناف لأنها عطف على جملة ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ [المؤمنون: 1] التي هي ابتدائية وهذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة.

فالمقصود منه إبطال الشرك لأن ذلك الأصل الأصيل في ضلال المعرضين عن الدعوة المحمدية، ويتضمن ذلك امتناناً على الناس بأنه أخرجهم من مهانة العدم إلى شرف الوجود وذلك كله ليَظهر الفرق بين فريق المؤمنين الذين جَروا في إيمانهم على ما يليق بالاعتراف بذلك وبين فريق المشركين الذين سلكوا طريقاً غير بينة فحادوا عن مقتضى الشكر بالشرككِ.

وتأكيد الخبر بلام القسم وحرف التحقيق مراعًى فيه التعريض بالمشركين المنزّلين منزلة من ينكر هذا الخبر لعدم جريهم على موجب العلم.

والخَلق: الإنشاء والصنع، وقد تقدم في قوله: ﴿ قال كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ في آل عمران (47).

والمراد بالإنسان يجوز أن يكون النوعَ الإنساني، وفسر به ابن عباس ومجاهد، فالتعريف للجنس.

وضمير ﴿ جعلناه ﴾ عائد إلى الإنسان.

والسّلالة: الشيء المسلول، أي المنتَزع من شيء آخر، يقال: سَللت السيف، إذا أخرجته من غمده، فالسلالة خلاصة من شيء، ووزن فُعَالة يؤذن بالقلة مثل القُلامة والصُبابة.

و ﴿ من ﴾ ابتدائية، أي خلقناه منفصلاً وآتيا من سلالة، فتكون السلالة على هذا مجموع ماء الذكر والأنثى المسلول من دمهما.

وهذه السلالة هي ما يفرزه جهاز الهضم من الغذاء حين يصير دماً؛ فدم الذكر حين يمر على غدتي التناسل (الأنثيين) تفرز منه الأنثيان مادة دُهنيَّة شحميَّة تحتفظ بها وهي التي تتحوّل إلى منيّ حين حركة الجماع، فتلك السلالة مخرجة من الطين لأنها من الأغذية التي أصلها من الأرض.

ودم المرأة إذا مر على قناة في الرحم ترك فيها بويضات دقيقة هي بَذر الأجنة.

ومن اجتماع تلك المادة الدُهنية التي في الأنثيين مع البويضة من البويضات التي في قناة الرحم يتكوّن الجنين فلا جرم هو مخلوق من سُلالةٍ من طيننٍ.

وقوله ﴿ ثم جعلناه نطفة في قرار مَكين ﴾ طور آخر للخلق وهو طور اختلاط السُلالتين في الرحم.

سميت سُلالة الذكر نطفة لأنها تنطُف، أي تقطر في الرحم في قناة معروفة وهو القرار المكين.

ف ﴿ نطفةً ﴾ مَنصُوبٌ على الحال وقوله: ﴿ في قرار مكين ﴾ هو المفعول الثاني ل ﴿ جعلناه ﴾ .

و ﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي لأن ذلك الجعل أعظم من خلق السلالة.

فضمير ﴿ جعلناه ﴾ عائد إلى الإنسان باعتبار أنه من السلالة، فالمعنى: جعلنا السلالة في قرار مكين، أي وضعناها فيه حفظاً لها، ولذلك غُير في الآية التعبير عن فعل الخلق إلى فعل الجعل المتعدي ب (في) بمعنى الوضع.

والقرار في الأصل: مصدر قَرّ إذا ثبت في مكانه، وقد سمي به هنا المكان نفسُه.

والمكين: الثابت في المكان بحيث لا يقلع من مكانه، فمقتضى الظاهر أن يوصف بالمكين الشيءُ الحالّ في المكان الثابت فيه.

وقد وقع هنا وصفاً لنفس المكان الذي استقرت فيه النطفة، على طريقة المجاز العقلي للمبالغة، وحقيقتُه مكين حالُّه، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ﴾ في سورة الكهف (37) وقوله: ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ﴾ في سورة الحج (5).

ويجوز أن يراد بالإنسان في قوله: ولقد خلقنا الإنسان } آدم.

وقال بذلك قتادة فتكون السّلالة الطينَةَ الخاصةَ التي كوّن الله منها آدم وهي الصلصال الذي ميزه من الطين في مبدإ الخليقة، فتلك الطينة مسْلولة سلاّ خاصّاً من الطين ليتكوّن منها حيٌّ، وعليه فضمير ﴿ جعلناه نطفة ﴾ على هذا الوجه عائد إلى الإنسان باعتبار كونه نسلاً لآدم فيكون في الضمير استخدام، ويكون معنى هذه الآية كمعنى قوله تعالى: ﴿ وبدَأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ﴾ [السجدة: 7، 8].

وحرف (ثم) في قوله: ﴿ ثم خلقنا النطفة علقة ﴾ للترتيب الرتْبي إذ كان خلق النطفة علقة أعجبَ من خلق النطفة إذ قد صُير الماء السائل دَماً جامداً فتغير بالكثافة وتبدل اللون من عواملَ أودعها الله في الرحم.

ومن إعجاز القرآن العلمي تسمية هذا الكائن باسم العلَقة فإنه وضْع بديع لهذا الاسم إذ قد ثبت في علم التشريح أن هذا الجزء الذي استحالت إليه النطفة هو كائن له قوة امتصاص القوة من دم الأم بسبب التصاقه بعروق في الرحم تدفع إليه قوة الدم، والعلقة: قطعة من دم عاقد.

والمضغة: القطعة الصغيرة من اللحم مقدار اللقمة التي تمضغ.

وقد تقدم في أول سورة الحج كيفية تخلق الجنين.

وعطف جَعل العَلقةِ مُضغةً بالفاء لأن الانتقال من العلقة إلى المضغة يشبه تعقيب شيء عن شيء إذ اللحم والدم الجامد متقاربان فتطورهما قريب وإن كان مكث كل طورٍ مدة طويلة.

وخلق المضغة عظاماً هو تكوين العظام في داخل تلك المضغة وذلك ابتداء تكوين الهيكل الإنساني من عظم ولحم، وقد دل عليه قوله: ﴿ فكسونا العظام لحماً ﴾ بفاء التفريع على الوجه الذي قرر في عطف ﴿ فخلقنا المضغة ﴾ بالفاء.

فمعنى ﴿ فَكَسَوْنا ﴾ أن اللحم كانَ كالكسوة للعظام ولا يقتضي ذلك أن العظام بقيت حيناً غير مكسوة، وفي الحديث الصحيح: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثلَ ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملَك فَيَنْفُخُ فيه الروحَ» الحديث، فإذا نُفخ فيه الروح فقد تهيأ للحياة والنماء وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ لأن الخلق المذكور قبله كان دون حياة ثم نشأ فيه خَلق الحياة وهي حالة أخرى طرأت عليه عبر عنها بالإنشاء.

وللإشارة إلى التفاوت الرتبي بين الخلقين عطف هذا الإنشاء ب (ثم) الدالة على أصل الترتيب في عطف الجمل ب (ثم).

وهذه الأطوار التي تعرضت لها الآية سبعة أطوار فإذا تمت فقد صار المتخلِّق حياً، وفي «شرح الموطأ»: «تناجى رجلان في مجلس عمر بن الخطاب وعليٌّ حاضر فقال لهما عمر: ما هذه المناجاة؟

فقال أحدهما: إن اليهود يزعمون أن العزل هو الموءودة الصغرى، فقال علي: لا تكون موءودة حتَّى تمرّ عليها التارات السبع ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ الآية، فقال عُمرُ لعليّ: صدقت أطال الله بقاءك».

فقيل: إن عمر أول من دعا بكلمة «أطال الله بقاءك».

وقرأ الجمهور ﴿ فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام ﴾ بصيغة جمع ﴿ العظام ﴾ فيهما.

وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ عظماً..

والعَظْمَ ﴾ بصيغة الإفراد.

وفُرع على حكاية هذا الخلق العجيب إنشاء الثناء على الله تعالى بأنه ﴿ أحسن الخالقين ﴾ أي أحسن المنشئين إنشاءً، لأنه أنشأ ما لا يستطيع غيره إنشاءه.

ولما كانت دلالة خلق الإنسان على عظم القدرة أسبق إلى اعتبار المعتبر كان الثناء المعقب به ثناء على بديع قدرة الخالق مشتقاً من البركة وهي الزيادة.

وصيغة تفاعَل صيغة مطاوعة في الأصل، وأصل المطاوعة قبول أثر الفعل، وتستعمل في لازم ذلك وهو التلبس بمعنى الفعل تلبساً مكيناً لأن شأن المطاوعة أن تكون بعد معالجة الفعل فتقتضي ارتساخ معنى الفعل في المفعول القابل له حتى يصير ذلك المفعول فاعلاً فيقال: كسرته فتكسر، فلذلك كان تفاعَل إذا جاء بمعنى فَعَل دالاًّ على المبالغة كما صرح به الرضيّ في «شرح الشافية»، ولذلك تتفق صيغ المطاوعة وصيغ التكلف غالباً في نحو: تثنَّى.

وتكبَّرَ، وتشامخ، وتقاعس.

فمعنى ﴿ تبارك الله ﴾ أنه موصوف بالعظمة في الخير، أي عظمةِ ما يقدره من خير للناس وصلاح لهم.

وبهذا الاعتبار تكون الجملة تذييلاً لأن ﴿ تبارك ﴾ لما حذف متعلقه كان عاماً فيشمل عظمة الخير في الخلق وفي غيره.

وكذلك حذف متعلق ﴿ الخالقين ﴾ يعم خلق الإنسان وخلق غيره كالجبال والسماوات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ اسْتُلَّ مِن طِينٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ اسْتُلَّ مِن قِبَلِ رَبِّهِ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ كُلُّ إنْسانٍ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى آدَمَ الَّذِي خُلِقَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ اسْتُلَّ مِن نُطْفَةِ أبِيهِ، والسُّلالَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ صَفْوَتُهُ الَّتِي تُسْتَلُّ مِنهُ، قالَ الشّاعِرُ: وما هِنْدُ إلّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ سَلِيلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ وَقالَ الزَّجّاجُ: السُّلالَةُ القَلِيلُ مِمّا يَنْسَلُّ، وقَدْ تُسَمّى المُضْغَةُ سُلالَةً والوَلَدُ سُلالَةً إمّا لِأنَّهُما صَفْوَتانِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وإمّا لِأنَّهُما يَنْسَلّانِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، وَحَكى الكَلْبِيُّ: أنَّ السُّلالَةَ الطِّينُ الَّذِي إذا اعْتَصَرْتَهُ بَيْنَ أصابِعِكَ خَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: طَوَتْ أحْشاءَ مُرْتِجَةٍ لِوَقْتٍ ∗∗∗ عَلى مَشْجٍ سُلالَتُهُ مَهِينُ وَحَكى أبانُ بْنُ تَغْلِبَ أنَّ السُّلالَةَ هي التُّرابُ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: خَلَقَ البَرِّيَّةَ مِن سُلالَةِ مُنْتِنٍ ∗∗∗ وإلى السُّلالَةِ كُلِّها سَتَعُودُ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً ﴾ النُّطْفَةُ هي ماءُ الذَّكَرِ الَّذِي يَعْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ، وقَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ النُّطْفَةِ عَلى كُلِّ ماءٍ، قالَ بَعْضُ شُعَراءِ هُذَيْلٍ وأنَّهُما لَحَرّابا حُرُوبٍ ∗∗∗ وشَرّابانِ بِالنُّطَفِ الظَّوامِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ يَعْنِي بِالقَرارِ الرَّحِمَ، ومَكِينٍ: أيْ مُتَمَكِّنٍ قَدْ هُيِّئَ لِاسْتِقْرارِهِ فِيهِ.

﴿ ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ﴾ العَلَقَةُ الدَّمُ الطَّرِيُّ الَّذِي خُلِقَ مِنَ النُّطْفَةِ سُمِّيَ عَلَقَةً لِأنَّهُ أوَّلُ أحْوالِ العُلُوقِ.

﴿ فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً ﴾ وهي قَدْرُ ما يُمْضَغُ مِنَ اللَّحْمِ.

﴿ فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ﴾ وإنَّما بَيَّنَ اللَّهُ أنَّ الإنْسانَ تَنْتَقِلُ أحْوالُ خَلْقِهِ لِيَعْلَمَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وحِكْمَتَهُ فِيهِ، وإنَّ بَعْثَهُ بَعْدَ المَوْتِ حَيًّا أهْوَنُ مِن إنْشائِهِ ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا.

﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ.

والثّانِي: بِنَباتِ الشَّعْرِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرٌ وأُنْثى، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والرّابِعُ: حِينَ اسْتَوى بِهِ شَبابُهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا خامِسًا: أنَّهُ بِالعَقْلِ والتَّمْيِيزِ.

رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ فَنَزَلَتْ: ﴿ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ قال بدء آدم خلق من طين ﴿ ثم جعلناه نطفة ﴾ قال: ذرية آدم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ قال: هو الطين إذا قبضت عليه خرج ماؤه من بين أصابعك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ﴾ قال: استل استلالاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ من سلالة ﴾ قال: السلالة صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ من سلالة ﴾ قال: من مني آدم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال: الإنسان خلق من طين، وإنما تلين القلوب في الشتاء.

وأخرج عبد الزراق وابن جرير عن قتادة في الآية قال: استل آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعر وظفر فتمكث أربعين يوماً ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة.

وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس مرفوعاً: «النطفة التي يخلق منها الولد ترعد لها الأعضاء والعروق كلها، إذا خرجت وقعت في الرحم» .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: سألنا ابن عباس عن العزل فقال: اذهبوا فاسألوا الناس ثم ائتوني واخبروني، فسألوا ثم اخبروه أنهم قالوا أنها الموءودة الصغرى وتلا هذه الآية ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ﴾ حتى فرغ منها، ثم قال: كيف تكون من الموءودة حتى تمر على هذه الخلق؟.

وأخرج عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن عزل النساء فقال: ذلك الوأد الخفي.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال في العزل: هي الموءودة الخفية.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ فخلقنا المضغة عظاماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن قتادة أنه كان يقرأ ﴿ فخلقنا المضعة عظماً فكسونا العظام لحماً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ فخلقنا المضغة عظما ﴾ بغير ألف ﴿ فكسونا العظم ﴾ على واحده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال: نفخ فيه الروح.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال: جعل فيه الروح.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعكرمة مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال: حين استوى به الشباب.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ثم أشأناه خلقاً آخر ﴾ قال: الأسنان، والشعر، قيل أليس قد يولد وعلى رأسه الشعر؟

قال: فأين العانة والإِبط؟.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن صالح أبي الخليل قال: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال عمر ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ فقال: «والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت يا عمر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: قال عزير: يارب أمرت الماء فجمد في وسط الهواء فجعلت منه سبعاً وسميتها السموات، ثم أمرت الماء ينفتق على التراب، وأمرت التراب أن يتميز من الماء فكان كذلك، فسميت ذلك جميع الأرضين وجميع الماء البحار، ثم خلقت من الماء أعمى عين بصرته، ومنها أصم آذان أسمعته، ومنها ميت أنفس أحييته، خلقت ذلك بكلمة واحدة، منها ما عيشه الماء ومنها ما لا صبر له على الماء خلقاً مختلفاً في الأجسام والألوان، جنسته أجناساً، وزوجته أزواجاً، وخلقت أصنافاً، وألهمته الذي خلقته، ثم خلقت من التراب والماء دواب الأرض وماشيتها وسباعها ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ﴾ [ النور: 45] ومنهم العظم الصغير ثم وعظته بكتابك وحكمتك، ثم قضيت عليه الموت لا محالة.

ثم أنت تعيده كما بدأته وقال عزير: اللهم بكلمتك خلقت جميع خلقك فأتى على مشيئتك، ثم زرعت في أرضك كل نبات فيها بكلمة واحدة وتراب واحد تسقى بماء واحد، فجاء على مشيئتك، ثم زرعت في أرضك كل نبات فيها بكلمة واحدة وتراب واحد تسقى بماء واحد، فجاء على مشيئتك مختلفاً أكله ولونه وريحه وطعمه، منه الحلو، ومنه الحامض، والمر، والطيب ريحه، والمنتن، والقبيح، والحسن، وقال عزير: يارب إنما نحن خلقك وعمل يديك، خلقت أجسادنا في أرحام أمهاتنا، وصورتنا كيف تشاء بقدرتك.

جعلت لنا أركاناً، وجعلت فيها عظاماً، وفتقت لنا أسماعاً وأبصاراً، ثم جعلت لنا في تلك الظلمة نوراً، وفي ذلك الضيق سعة، وفي ذلك الفم روحاً، ثم هيأت لنا من فضلك رزقاً متفاوتاً على مشيئتك، لم تأن في ذلك مؤنة ولم تعي منه نصباً، كان عرشك على الماء، والظلمة على الهواء، والملائكة يحملون عرشك ويسبحون بحمدك، والخلق مطيع لك خاشع من خوفك لا يرى فيه نور إلا نورك، ولا يسمع فيه صوت إلا سمعك، ثم فتحت خزانة النور وطريق الظلمة فكانا ليلاً ونهاراً يختلفان بأمرك.

وأخرج بن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله آدم كما شاء ومما شاء، فكان كذلك ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ خلق من التراب والماء، فمنه شعره ولحمه ودمه وعظامه وجسده، فذلك بدء الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم، ثم جعلت فيه النفس فيها يقوم ويقعد ويسمع ويبصر ويعلم ما تعلم الدواب، ويتقي ما تتقي ثم جعلت فيه الروح، فيه عرف الحق من الباطل، والرشد من الغي، وبه حذر وتقدم واستتر وتعلم ودبر الأمور كلها فمن التراب يبوسته، ومن الماء رطوبته، فهذا بدء الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم كما أحب أن يكون، ثم جعلت فيه من هذه الفطر الأربع أنواعاً من الخلق أربعة في جسد ابن آدم، فهي قوام جسده وملاكه بإذن الله وهي: الْمِرَّةُ السوداء، والْمِرَّةُ الصفراء، والدم، والبلغم، فيبوسته وحرارته من النفس ومسكنها في الدم، وبرودته من قبل الروح ومسكنه في البلغم، فإذا اعتدلت هذه الفطر في الجسد فكان من كل واحد ربع كان جسداً كاملاً، وجسماً صحيحاً، أو إن كثر واحد منها على صاحبه قهرها وعلاها وأدخل عليها السقم من ناحيته، وإن قل عنها وأخذ عنها غلبت عليه وقهرته ومالت به وضعفت عن قوتها وعجزت عن طاقتها وأدخل عليها السقم من ناحيته، فالطبيب العالم بالداء يعلم من الجسد حيث أتي سقمه، أمن نقصان أم من زيادة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: إذا نمت النطفة أربعة أشهر بعث إليها ملك فنفح فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ يعني نفخ الروح فيه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ يقول: خرج من بطن أمه بعد ما خلق فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دله على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، تعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال: يقول بعضهم هو نبات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ قال: يصنعون، ويصنع الله والله خير الصانعين.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ قال: عيسى ابن مريم يخلق.

وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع.

قلت: يا رسول الله لو صليت خلف المقام.

فأنزل الله: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مُصَلَّى ﴾ [ البقرة: 125] وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجاباً فإنه يدخل عليك البر والفاجر.

فأنزل الله: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ﴾ [ الأحزاب: 53] وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن.

فأنزلت ﴿ عسى ربه إن طلقكن ﴾ [ التحريم: 5] .

ونزلت ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ .

إلى قوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ فقلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ .

وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: أملى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ إلى قوله: ﴿ خلقاً آخر ﴾ فقال معاذ بن جبل فتبارك الله أحسن الخالقين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له معاذ: ما أضحكك يا رسول الله؟

قال: إنها ختمت ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾ السلالة: فعالة من السل، وهو استخراج الشيء من الشيء.

يقال: سللت الشعر من العجين فانسل، وسللت السيف من غمده فانسل.

ومن هذا يقال للنطفة: سُلَالة، وللولد: سَلِيل (١) (٢) قالت ينت النعمان بن بشير (٣) (٤) (٥) وقال آخر (٦) واختلفوا في المعنى بالإنسان في هذه الآية: فقال ابن عباس -في رواية عطاء- يريد آدم (٧) وهو قول قتادة (٨) (٩) (١٠) (١١) ونحو هذا قال الفراء: السلالة التي تسل من كل تربة (١٢)  - أن طينه استل من الأرض طيبها وسبخها (١٣) (١٤) وقال الكلبي: السلالة: الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك، فذلك الذي يخرج هو السلالة (١٥) (١٦) وعلى هذا أريد بالسلالة ذلك الطين الذي يخرج من الأصابع عند العصر.

والوجه قول قتادة والفراء (١٧) وروي عن ابن عباس ما يدل على أن المراد بالإنسان في هذه الآية: ابن آدم، لا آدم، وهو ما رواه أبو يحيى الأعرج (١٨) (١٩) (٢٠) قال مجاهد: ﴿ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾ : من مني (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وعلى هذا القول أراد بالإنسان: ولد آدم.

جعله اسمًا للجنس وهو اختيار الكلبي، لأنه قال في قوله: ﴿ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ ﴾ (٢٥) (٢٦) وقوله: ﴿ مِنْ طِينٍ ﴾ أراد تولد السلالة من طين خلق آدم منه كما قال الكلبي: يقول من نطفة، سُلت تلك النطفة من طين والطين آدم (٢٧) (١) في (ظ): (السليل).

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8، "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 292 (سل) فقد نسب فيه بعض ما ذكر هنا لأبي الهيثم والليث، "الصحاح" للجوهري 5/ 1731 (سلل)، "لسان العرب" 11/ 339 (سلل).

(٣) هي: هند بنت النعمان بن بشير الأنصاري -  - فصيحة، كانت تحت روح بن رنباع ثم تزوجها الحجاج، ثم عبد الملك بن مروان.

ولها معهم أخبار.

انظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان 3/ 95، "أعلاء النساء" لكحالة 5/ 256 - 259.

(٤) هو: روح بن زنباع بن روح بن سلامة، الجذامي، أبو زرعة، أمير فلسطين وسيد == قومه وقائدها وخيبها وشجاعها، وكان شبه الوزير لعبد الملك يستشيره في أمره.

توفي سنة 84 هـ.

"سير أعلام النبلاء" 4/ 251، "البداية والنهاية" 9/ 52، 54 - 55، "شذرات الذهب" 1/ 951، "الأعلام" للزركلي 3/ 34.

(٥) البيت في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 55 منسوبًا لبنت النعمان بن بشير الأنصارية، وفيه: سلالة، تَجللها: بالجيم.

وهو منسوب لهند بنت النعمان في "أدب الكاتب" لابن قتيبة ص 35، وروايته فيه: وهل هذه إلا مهرة عربية ...

سليلة أفراس تجَلَّلها نَغْل و"اللآلى في شرح أمالي القالي" لأبي عبيد البكري ص 179، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي 6/ 115 وروايتها مثل ابن قتيبة لكن عند البكري: بغل، وفي المطبوع من العقد: بعل.

و"نسب الأصبهاني في الأغاني" 9/ 229 هذا البيت لحميدة بنت النعمان تهجو زوجها روحًا.

وروايته: وهل أنا ..

تجللها بَغْل.

والبيت من غير نسبة في الطبري 18/ 8، "اللسان" 11/ 339 (سلل).

قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 49 عن رواية (بغل): (وأنكر كثير من أصحاب المعاني هذه الرواية، وقالوا: هي تصحيف؛ لأن البغل لا ينسل، والصواب: (نغل) بالنون، وهو الخسيس من الناس والدواب.

أهـ.

ونقل هذا أيضًا ابن منظور في "لسان العرب" 11/ 339 عن ابن بري.

قال البطليوسي 3/ 50: (وهل هند إلا مهرة) مثل ضربته.

وذلك أنها انصارية، وكان روح بن زنباع جذاميا، والأنصار أشرف من جذام، فقالت: إنما مثلي ومثل روح: مهرة عربية عتيقة علاها بغل.

(٦) ذكر محقق "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 55 أنه كتب في حاشية نسخة (س) من المجاز: وقال الشاعر - يعني بني علي بن أبي طالب: سوى أنهم ...

البيت.

وفي المجاز (ألقوا) في موضع (قالوا).

ولم أهتد لقائل هذا البيت.

(٧) ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 462، والرازي 23/ 84، وأبو حيان 6/ 398.

(٨) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 44، والطبري 18/ 7.

(٩) "تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.

(١٠) يظهر أن الواحدي اعتمد في نسبة هذا القول إلى الفراء على الأزهري، فإن الأزهري في "تهذيب اللغة" 12/ 293 ذكر قول قتادة: استل آدم ...

، ثم قال: وإلى هذا ذهب الفراء.

أما كتاب الفراء "معاني القرآن" 2/ 231 فليس فيه ذكر لشيء من ذلك، وإنما فيه: السلالة ...

(١١) في (ظ)، (ع): (أسل).

(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 231.

(١٣) سبخها: السبخُ: المكان يسبخ فيبنت الملح، والسبخة - محركة ومسكنة: أرض ذات نَزٍّ وملح.

انظر: "لسان العرب" 3/ 2224 (سبخ) "تاج العروس" 7/ 269 (سبخ).

(١٤) روى أبو داود في "سننه" كتاب: السنة، باب: في القدر 12/ 455، والترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير، سورة البقرة 8/ 290 وغيرهما عن أبي موسى الأشعري == -  - قال: قال رسول الله -  -: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب".

وصححه الألباني.

انظر: "صحيح الجامع" 1/ 362.

(١٥) ذكره عنه أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" 2/ 135، والقرطبي 12/ 109.

(١٦) "تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.

(١٧) قال ابن كثير 3/ 240 عن هذا الوجه: وهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق، فإن آدم خلق من طين لازب.

(١٨) هو: مصدع، أبو يحيى الأعرج، المعرقب.

مولى عبد الله بن عمرو، ويقال مولى معاذ بن عفراء.

روى عن علي وابن عباس وغيرهما.

قال عمار الدهني: كان مصدع عالمًا بابن عباس.

قال ابن المديني: وهو الذي مر به علي بن أبي طالب وهو يقص فقال له: تعرف الناسخ والمنسوخ قال: لا.

قال: هلكت وأهلكت.

قال ابن حبان: كان يخالف الأثبات في الروايات وينفرد بالمناكير.

وقال الذهبي في "الكاشف": صدوق.

وقال في "المغني": تكلم فيه.

وقال ابن حجر: مقبول.

"الكاشف" للذهبي 2/ 47، "المغني في الضعفاء" للذهبي 2/ 659، "تهذيب التهذيب" 10/ 158، "تقريب التهذيب" 2/ 251.

(١٩) في (أ): (صفو).

(٢٠) رواه الطبري 18/ 7 عنه من رواية أبي يحيى الأعرج: مقتصرًا على: صفوة الماء.== وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 91 بمثل السياق هنا، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢١) في (ع): (بني)، وهو خطأ.

(٢٢) رواه الطبري 18/ 7، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 91 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.

(٢٣) في (ظ): (الطين).

(٢٤) ذكره عنه البغوي 5/ 411.

(٢٥) في (ظ)، (ع): (خُلق)، وهو خطأ.

(٢٦) ذكره عنه أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" 2/ 135.

(٢٧) ذكره عنه البغوي 5/ 411.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ﴾ اختلف هل يعني آدم، أو جنس بني آدم ﴿ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ السلالة: هي ما يسل من الشيء أي ما يستخرج منه، ولذلك قيل إنها الخلاصة، والمراد بها هنا: القطعة التي أخذت من الطين وخلق منها آدم، فإن أراد بالإنسان آدم: فالمعنى أنه خلق من تلك السلالة المأخوذة من الطين، ولكن قوله بعد هذا ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً ﴾ لابد أن يراد به بنو آدم، فيكون الضمير يعود على غير من ذكر أولاً، ولكن يفسره سياق الكلام، وإن أراد بالإنسان ابن آدم فيستقيم عود الضمير عليه، ويكون معنى خلقه من سلالة من طين: أي خلق أصله وهو أبوه آدم ويحتمل عندي أن يراد بالإنسان الجنس الذي يعم آدم وذريته، فأجمل ذكر الإنسان أولاً ثم فصله بعد ذلك إلى الخلقة المختصة بآدم: وهي من طين، وإلى الخلقة المختصة بذريته.

وهي النطفة، فإن قيل: ما الفرق بين من ومن؟

فالجواب على ما قال الزمخشري: أن الأولى للابتداء، والثانية للبيان.

كقوله من الأوثان ﴿ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ يعني رحم الأمّ، ومعنى ﴿ مَّكِينٍ ﴾ : متمكن وذلك في الحقيقة من صفة النطفة المستقرّة، لا من صفة المحل المستقرّ فيه، ولكنه كقولك طريق سائر: أي يسير الناس فيه، وقد تقدّم تفسير النطفة والمضغة والعلقة في أول الحج ﴿ خَلْقاً آخَرَ ﴾ قيل: هو نفخ الروح فيه، وقيل: خروجه إلى الدنيا، وقيل: استواء الشباب وقيل على العموم من نفخ الروح فيه إلى موته ﴿ فَتَبَارَكَ الله ﴾ هو مشتق من البركة، وقيل: معناه تقدس ﴿ أَحْسَنُ الخالقين ﴾ أي أحسن الخالقين خلقاً، فحذف التمييز لدلالة الكلام عليه، وفسر بعضهم الخالقين بالمقدّرين، فراراً من وصف المخلوق بأنه خالق، ولا يجب أن ينفي عن المخلوق أنه خالق بمعنى صانع كقوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين ﴾ [المائدة: 110] وإنما الذي يجب أن ينفي عنه معنى الاختراع، والإيجاد من العدم، فهذا هو الذي انفرد الله به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ لأماناتهم ﴾ على التوحيد: ابن كثير ﴿ على صلاتهم ﴾ موحدة: حمزة وعلي وخلف.

و ﴿ عظماً ﴾ ﴿ العظم ﴾ موحدين على إرادة الجنس أو على وضع الواحد مكان الجمع لعدم اللبس: ابن عامر وأبو بكر وحماد و ﴿ جبلة ﴾ الأول موحداً والثاني مجموعاً: زيد بن يعقوب.

وروى القطعي عن أبي زيد بالعكس فيهما.

الباقون مجموعين ﴿ سيناء ﴾ بكسر السين: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بفتحها.

﴿ تنبت ﴾ من الإنبات: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير روح.

الآخرون بفتح التاء وضم الباء من النبات.

﴿ تسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.

بالتاء الفوقانية: يزيد: الباقون بضم النون.

﴿ منزلاً ﴾ بفتح الميم وكسر الزاء: ابو بكر وحماد.

الآخرون بضم الميم وفتح الزاء.

الوقوف: ﴿ المؤمنون ﴾ ه لا ﴿ خاشعون ﴾ ه لا ﴿ معرضون ﴾ ه لا ﴿ فاعلون ﴾ ه لا ﴿ حافظون ﴾ ه ﴿ ملومين ﴾ ه لاعتراض الاستثناء بين الأوصاف ولاستحقاق الشرط الابتداء ولطول الكلام وإلا فالآيتان من أوصاف المؤمنين ايضاً ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ يحافظون ﴾ ه م وإلا لأوهم تخصيص الإرث بالمذكورين في الآيتين فقط ﴿ الوارثون ﴾ ه لا ﴿ الفردوس ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ج ه للعدول عن المظهر إلى كناية عن غير مذكور فإن المراد من الإنسان آدم، ومن الهاء في جعلناه جنس ولده مع عطف ظاهر ﴿ مكين ﴾ ه ج للعطف ﴿ لحماً ﴾ صلى وقد قيل للابتداء بإنشاء نفخ الروح تعظيماً ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ الخالقين ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار فإن بين الإحياء والإفناء مهلة ﴿ لميتون ﴾ ه ط لذلك ﴿ لقادرون ﴾ ه للآية مع اتصال المعنى بلفظ الفاء ﴿ وأعناب ﴾ م لئلا يوهم أن الجار والمجرور وصف أعناب ﴿ تأكلون ﴾ ه لا لأن شجرة مفعول ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ لآكلين ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأن الجملة بعدها ليست بصفة لها ﴿ تأكلون ﴾ ه لا ﴿ تحملون ﴾ ه ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن قوله ﴿ يريد ﴾ صفة ﴿ بشر ﴾ ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ ملائكة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولين ﴾ ج ه للآية مع اجتناب الابتداء بقول الكفار مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ حين ﴾ ه ﴿ كذبون ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب فإذا ﴿ منهم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الاستثناء ﴿ ظلموا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال إضمار اللام والفاء للتعليل ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ المبتلين ﴾ ه.

التفسير: لما أنجر الكلام في السورة المتقدمة إلى الختم بالصلاة والزكاة بدأ في هذه السورة بذكر فضائلهما وفضائل ما ينخرط في سلكهما من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

"وقد" نقيضة "لما" لأنها تثبت المتوقع و "لما" تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي إخبار بثبوت الفلاح لهم.

وقد مر معنى الإيمان والاختلاف فيه بين الأقوام في أول "البقرة".

وأما الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون، وترك الالتفات، والنظر إلى موضع السجود، والتوقي عن كف الثوب أي جمعه، والعبث بجسده وثيابه، والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم، والسدل بأن يضع وسط الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل طرفيه، والاحتراز عن الفرقعة والتشبيك وتقليب الحصى، والاختصار وهو أن يمسك بيده عصاً أو سوطاً ونحوهما.

وقال الحسن وابن سيرين: كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، وكان رسول الله  يفعل ذلك، فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاة، وهذا الخشوع واجب عند المحققين.

نقل الإمام الغزالي عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي: من لم يخشع فسدت صلاته.

وعن الحسن: كلا صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.

وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له.

وروي عنه مرفوعاً: إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها وعشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها.

وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته.

ومما يدل على صحة هذا القول قوله  ﴿ أفلا يتدبرون القرآن  ﴾ والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله ﴿ وأقم الصلاة لذكرى  ﴾ والغفلة تضاد الذكر ولهذا قال ﴿ ولا تكن من الغافلين  ﴾ وقوله ﴿ حتى تعلموا ما تقولون  ﴾ نهي للسكران إلا أن المستغرق في هموم الدنيا بمنزلته.

وقوله  "المصلي يناجي ربه" ولا مناجاة مع الغفلة أصلاً بخلاف سائر أركان الإسلام فإِن المقصود منها يحصل مع الغفلة، فإن الغرض من الزكاة كسر الحرص وإغناء الفقير، وكذا الصوم قاهر للقوي كاسر لسطوة النفس التي هي عدّو الله، وكذا الحج فإِن أفعاله شاقة وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء وإن لم يكن القلب حاضراً.

والمتكلمون أيضاً اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع قالوا: لأن السجود لله  طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بد من مميز وما ذاك إلا القصد والإرادة ولا بد فيهما من الحضور.

وأما الفقهاء فالأكثرون منهم لا يوجبون ذلك فيقال لهم: هبوا أنه ليس من شرط الإجزاء وهو عدم وجوب القضاء، أليس هو من شرط القبول الذي يترتب عليه الثواب؟

فمن استعار ثوباً ثم ردّه على أحسن الوجوه فقد خرج عن العهدة، وكذا إن ردّه على وجه الإهانة والاستخفاف إلا أنه يستحق المدح في الصورة الأولى والذم في الصورة الثانية.

" وعن النبي  أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال  لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" .

ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زّوجني الحور العين.

فقال: بئس الخاطب أنت قلت: لا ريب أن الاحتياط إنما هو في رعاية جانب الخشوع كما حكي عن بعض العلماء أنه اختار الإمامة فقيل له في ذلك؟

فقال: أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي.

وإن قرأت مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الخلاف.

قال علماء المعاني: سبب إضافة الصلاة إليهم هو أن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى لأجله، فالمصلي هو المنتفع بها وحده وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فمتعال عن ذلك.

ولما كان اللغو هو الساقط من القول أو الفعل احتمل أن يقع في الصلاة، وأيضاً كان الإعراض عنه من باب التروك كما أن الخشوع وهو استعمال الآداب وما لا يصح ولا تكمل الصلاة إلا به كان من باب الأفعال وعلى الفعل والترك بناء قاعدة التكليف فلا جرم جعلهما قرينين فقال ﴿ والذين هم عن اللغو معرضون ﴾ واللغو على ما قلنا يشمل كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو مباحاً لا ضرورة إليه ولا حاجة قولاًَ أو فعلاً.

فمن الحرام قوله  حكاية عن الكفار ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن وَالغَواْ فيه  ﴾ فإِن ذلك اللغو كفر والكفر حرام.

ومن المباح قوله ﴿ لا يؤاخذكم الله بِاللَّغوِ في أيمانكم  ﴾ ولو لم يكن مباحاً لم يناسبه عدم المؤاخذة.

والإعراض عن اللغو هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه كما قال عز من قائل ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً  ﴾ ثم وصفهم بفعل الزكاة وهو مناسب للصلاة.

وليس المراد بالزكاة ههنا عين القدر المخرج من النصاب لأن الخلق لا قدرة لهم على فعلها فلا يصح فقوله للمزكي فاعل الزكاة كقولك للضارب فاعل الضرب.

وعن أبي مسلم أنه حمل الزكاة ههنا على فعل محمود مرضي كقوله ﴿ قد افلح من تزكى  ﴾ والأول أقرب لأنه مناسب لعرف الشرع.

الصفة الرابعة قوله ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ﴾ قال الفراء: "على" بمعنى "عن": وقال غيره: هو في موضع الحال أي إلا والين أو قوامين على أزواجهم نظيره قولهم "كان زياد على البصرة" اي والياً عليها، والمعنى أنهم مستمرون على حفظ الفروج في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسربهم.

أو تعلق الجار بمحذوف يدل عليه ﴿ غير ملومين ﴾ كأنه قيل: يلامون على كل من يباشرونه إلا على أزواجهم فإنهم غير ملومين عليهن، وجوّز في الكشاف أن يكون صلة لحافظين من قولهم "احفظ عليّ عنان فرسي" على تضمينه معنى الفي أي لا تسلط علي فرسي.

وإنما لم يقل "أو من ملكت" لأنه اجتمع في السرية وصفان: الأنوثة التي هي سبب نقصان العقل وكونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع ﴿ فمن ابتغى ﴾ حداً ﴿ وراء ذلك ﴾ الحد الذي شرع وهو إباحة أربع من الحرائر وما الإماء من الإماء وكفى به حداً فسيحاً ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في العدوان المتناهون فيه.

قيل: لا دليل فيه على تحريم نكاح المتعة لأنها من جملة الأزواج إذا صح النكاح.

ومنع من أنها من الأزواج ولو كانت زوجة لورث منها الزوج لقوله ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم  ﴾ ولورثت منه لقوله ﴿ ولهن الربع  ﴾ ثم الآية من العمومات التي دخلها التخصيص بدلائل أخر فيخرج منها الغلام بل الوطء في الدبر على الإطلاق لأنه ليس موضع الحرث، وكذا الزوجة والأمة في أحوال الحيض والعدة والإحرام ونحوها.

وقال أبو حنيفة: الاستثناء من النفي ليس بإثبات فقوله "لا صلاة إلا بطهور" "ولا نكاح إلا بولي" لا يقتضي حصول الصلاة والنكاح بمجرد حصول الطهور والولي، ولا تخصيص عنده في الآية.

والمعنى أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات، وهكذا نقله الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره.

الصفة الخامسة رعاية الأمانة والعهد والمراد بهما الشيء المؤمتمن عليه والمعاهد عليه لتمكن رعايتهما، والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية.

ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله  ومن جهة الناس كالعبادات والمعاملات والودائع والقصود والنيات والعقود والنذور والطلاق والعتاق وغيرها، وقد مر في تفسير قوله ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها  ﴾ وقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود  ﴾ ويحتمل الخصوص فيما تحملوه من أمانات الناس وعهودهم.

الصفة السادسة محافظة الصلاة كما مر في قوله { ﴿ حافظوا على الصلوات  ﴾ وذلك في "البقرة" وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم وآخراً بالمداومة عليها وبمراقبة أعداها وأوقاتها فرائض كانت أو سنناً، رواتب أو غيرها.

فالمحافظة أعم من الخشوع وأشمل، ومن هنا يعرف فضيلة الصلاة إذ وقع الافتتاح بها والاختتام عليها وإن اختلف الاعتباران والعبارتان.

﴿ أولئك هم الوارثون ﴾ الأحقاء بأن يسموا ورّاثاً دون من عداهم ممن يرث مالاً فانياً أو متاعاً قليلاً أو ممن يدخل الجنة سواهم كالأطفال والمجانين والفساق بعد العفو وكالولدان والحور.

ثم بين الموروث بقوله ﴿ الذين يرثون الفردوس ﴾ وقد سبق معنى هذه الوراثة في "الأعراف" في قوله ﴿ ونودوا أن تِلكُمُ الجنة أورثتموها  ﴾ قال الفقهاء: لا فرق في الميراث بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر ملكه فيه ولذلك قالوا للدية إنها ميراث المقتول.

وكل من في الجنة فله مسكن مفروض في النار على تقدير طفره، وكل من في النار فله مسكن مفروض في الجنة على تقدير إيمانه كما ورد في الحديث، فإذا تبادل المسكنان كان جميع أهل الجنة وارثين، ولكن كل افردوس لا يكون ميراثاً بل بعضه ميراث وبعضه بالاستحقاق إلا أنه يصدق بالجملة أنهم ورثوا الفردوس أي الجنة ولهذا أنت الضمير في قوله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ وقيل: إن الجنة كانت مسكن أبينا آدم  فإذا انتقلت إلى أولاده كان شبيهاً بالميراث.

والفردوس بلسان الحبشة أو الروم هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر.

روي أن الله عز وجل بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر.

وروى أبو موسى الشعري عن النبي  أنه قال "الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار" وعن أبي أماة مرفوعاً "سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش" ويروى عن النبي  أنه قال "لما خلق الله  جنة عدن قال لها: تكلمي.

فقالت: قد افلح المؤمنون" ويروى عن النبي  أنه قال "إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت: حفظك الله كما حافظت علي وتشفع لصاحبها.

فإذا أضاعها قالت: ضيعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب ويضرب بها على وجه صاحبها" قالت العلماء: أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمتقين كقوله ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ وكذا الكلام في كلام "طوبى".

وأما أنه  خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها وإيجادها من غير واسطة.

وأما حديث الصلاة فلا ريب أنها حركات وسكنات ولا يصح عليها التكلم فالمراد به ضرب المثل كقولك للمنعم عليك "إن إحسانك إليّ ينطق بالشكر".

ولما حث عباده على العبادات ووعدهم الفردوس على مواظبتها عاد إلى تقرير المبدأ والمعاد ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين وهو ثلاثة أنواع: الأول الاستدلال بأطوار خلق الإنسان والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر وهذا البناء للقلة ولما يسقط عن الشيء كالقلامة.

قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد آدم لأنه استل من الطين، والكناية في ﴿ جعلناه ﴾ راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم أي جعلنا جوهره نطفة وقال آخرون: الإنسان ههنا هو ولد آدم والطين اسم آدم والسلالة هي الأجزاء الكلية المبثوثة في أعضائه التي تجتمع منياً في أوعيته، ويحتمل أن يقال: إن كل نسل آدم حاله كذلك لأن غذاءه ينتهي إلى النبات المتولد من صفو الأرض والماء المسمى بالسلالة.

ثم إن تلك السلالة تصير منياً وعلى هذا فكلتا لفظي "من" للابتداء.

قال في الكشاف: الأولى للابتداء والثانية للبيان وهو موجه على التفسير الأول فقط.

والقرار المستقر اراد به الرحم.

وإنما وصفت بالمكين لمكانتها في نفسها فإنها مكنت حيث هي وأحرزت، أو على الإسناد المجازي باعتبار المستقر فيها كقولك "طريق سائر".

وترتيب الأطوار كما مر في أول الحج.

ومعنى "ثم" في بعض هذه المعطوفات تراخي الرتبة ولا سيما في قوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ اي خلقاً مبايناً للخلق الأول حيث جعله حيواناً وكان جماداً إلى غير ذلك من دقائق اللطف وغرائب الصنع وذلك بعد استكماله ثلاثة أربعينات.

ومن هنا ذهب أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده إلى أنه يضمن البيضة ولا يردّ الفرخ لأنه خلق آخر سوى البيضة.

وروى العوفي عن ابن عباس أن ذلك تصريف الله في أطواره بعد الولادة من الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب وخلق الفهم والعقل فيه يؤيده قوله ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ ويروى هذا القول أيضاً عن مجاهد وابن عمر ﴿ فتبارك الله ﴾ كثر خيره وبركته أو هو وصف له بالدوام والبقاء أو بالتعالي لأن البركة يرجع معناها إلى الامتداد وكل ما زاد على الشيء فقد علاه.

ومعنى ﴿ أحسن الخالقين ﴾ أحسن المقدّرين تقديراً فحذف المميز للعلم به.

قالت المعتزلة: في الاية دلالة على أن كل ما يفعله الله فهو حسن وحكمة فلا يكون خالقاً للكفر والمعاصي.

وأجيب بأن الحسن ههنا بمعنى الإحكام والإتقان في التركيب والتأليف وبأنه لا يقبح منه شيء لأنه  يتصرف في ملكه.

قالوا: لولا أن غيره  خالق لم تحسن هذه الإضافة فيعلم منه أن العبد خالق أفعاله.

وعورض بقوله ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ وأجيب بأن المراد أنه أحسن الخالقين في زعمكم واعتقادكم.

وبعضهم أجاب بأن وجه حسن الإضافة هو أنه  وصف عيسى بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ولا يخفى ضعف هذا الجواب من أنه يلزم إطلاق الجمع على الواحد ومن حيث إنه يلزم إطلاق الخالق على المصوّرين.

والحق أن الخلق لو كان بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد لا يلزم منه شيء من هذه الإشكالات.

روي أن عبد الله بن أبي سرج كان يتب لرسول الله  فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله  اكتب هكذا نزلت.

فقال عبد الله: إن كان محمد  نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ فلحق بمك كافراً ثم اسلم يوم الفتح.

وروي عن عمر ايضاً سبق لسانه بقوله ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ قبل أن ينزل.

واعلم أن هذا غير مستبعد ولا قادح في إعجاز القرآن لأنه ليس بمقدار سورة الكوثر التي وقع فيها أقل التحدي به.

سؤال: ما الحكمة في الموت وهلا وصل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة ليكون في الأنعام أبلغ؟

جواب لو كان كذلك لكان الآتي بالطاعة آتياً بها لمحض الجنة والثواب فلا جرم أوقع الله  الإماتة والإعادة في البين لتكون الطاعات أدخل في الإخلاص وابعد عن صورة المبايعة.

وليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة وهي حياة القبر فتعرف تلك بدليل آخر.

ويمكن إن يقال: بل الآية تتضمنها فإنها ايضاً من جنس الإعادة.

النوع الثاني: الاستدلال بخلق السموات قال الخليل والفراء والزجاج: سميت السموات طرائق لأنها طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل.

وقال علي بن عيسى: لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم.

وقيل: لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها ﴿ وما كنا عن الخلق ﴾ أي عن السموات وحفظها أن لا تقع على الأرض قاله سفيان بن عيينة.

وعن الحسن أراد بالخلق الناس أي ما كنا ﴿ غافلين ﴾ عن مصالحهم فخلقنا الطرائق فوقهم لينزل منها عليهم البركات والأرزاق ولينتفعوا بغير ذلك من منافعها.

ويحتمل أن يريد بالأول كمال قدرته وبالثاني كمال علمه بأحوال مخلوقاته وفيه نوع من الزجر.

ويمكن أن يراد خلقنا السموات وما كنا عن خلقها ذاهلين فلهذا لم تخرج عن التقدير الذي اردنا كونها عليه نظيره ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت  ﴾ النوع الثالث: الاستدلال بنزول الأمطار وإخراج النبات وإنشاء الحيوانات.

ونزول المطر عند الظاهرين من أهل الشرع لا يبعد أن يكون من نفس السماء، وعند أرباب المعقول منهم يراد به إنزاله من جهة السماء قالوا: إنه  يصعد الأجزاء المائية من البحر بواسطة التبخير فتصير في الجو صافية عذبة زائلة عنها ملوحة البحر، ثم ينزلها بواسطة السحب وقد سلف في أول البقرة تفصيل ذلك.

ومعنى ﴿ بقدر ﴾ بتقدير يسلمون معه من المضار ويصلون إلى المنافع، او بمقدار يوافق حاجاتهم.

ومعنى إسكان ماء المطر في الأرض جعله مدداً للينابيع والآبار.

وقيل: أراد إثابته في الأرض على ما روي عن ابن عباس أن الأنهار خمسة: سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة واستودعها الجبال وأجراها في الأرض.

﴿ وإنا على ذهاب به لقادرون ﴾ أي كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه.

ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى إذ فيه إيذان على أن الذاهب به قادر على ايّ وجه اراد به، وفيه تحذير من كفران نعمة الماء وتخويف من نفاذه إذا لم يشكر.

ثم لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء بين المنافع الحاصلة بسببه وخص منها النخيل والأعناب وشجرة الزيتون لأنها أكرم الشجر وأعمها نفعاً، ووصف النخل بأن ثمرهما جامع لأمرين: التفكه والتطعم.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ومنها تأكلون ﴾ من قولهم "فلان يأكل من حرفة كذا" كأنه قال: ومن هذه الجنان وجوه ارزاقكم ومعايشكم ووصف الزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعاً.

قال جار الله: طور سيناء وطور سينين إما أن يكون الطور فيه مضافاً إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون المجموع اسماً للجبل وهو جبل فلسطين على قول والطور الذي منه نودي موسى.

من قرأ ﴿ سيناء ﴾ بفتح السين فهو كصحراء، ومن قرأ بكسرها فمنع صرفه للعلمية والعجمة أو التأنيث بتأويل البقعة ولا يكون الفه حينئذ للتأنيث كعلباء وحرباء.

قال في الكشاف ﴿ بالدهن ﴾ في موضع الحال والباء للمصاحبة دون التعدية، لأن نبات الدهن أو إنباته لا يكاد يستعمل.

فالمعنى تنبت الشجرة وفيها الدهن أو تنبت الشجرة زيتونها وفيه الزيت.

ويجوز أن يكون أنبت بمعنى نبت أيضا، والصبغ الإدام لأنه يصبغ الخبز.

قلت: لا يبعد أن يريد بالصبغ نفس ثمر الزيتون لا الزيت، وكذا يحتمل أن تكون الباء في ﴿ بالدهن ﴾ للتعدية إلا أن يكون الإنبات متعدياً.

قال المفسرون: إنما أضافها الله  إلى هذا الجبل لأنها منه تشعبت في البلاد وتفرقت أو لأن معظمها هنالك.

قوله ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ قد مر في "النحل".

ولعل القصد بالأنعام ههنا.

الإِبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة ولانه قرنها بالفلك وهي سفائن البر كما أن الفلك سفائن البحر.

وإنما قال في هذه السورة.

﴿ فواكه كثيرة ﴾ بالجمع بخلاف ما في "الزخرف" لتناسب قوله هنا ﴿ منافع كثيرة ﴾ لتناسب قوله ﴿ جنات ﴾ كما قال هنالك ﴿ فاكهة  ﴾ على التوحيد لتناسب قوله ﴿ تلك الجنة  ﴾ وإنما قال هنا في الموضعين ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بزيادة الواو خلاف الزخرف لأن تقدير الاية: منها تدخرون ومنها تأكلون ومنها تبيعون ومنها ومنها، وليس كذلك فاكهة الجنة فإنها للأكل فحسب فافهم.

وأعلم أنه لما أنجر الكلام إلى ذكر الفلك أتبعه قصة نوح لأنه أول من الهم صنعتها، وفيه أيضاً تمزيج القصص بدلائل التوحيد على عادة القرآن لأجل الاعتبار والتنشيط.

وقوله ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ جملة مستأنفة تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة.

ومعنى ﴿ أفلا تتقون ﴾ أفلا تخافون أن تتركوا عبادة من هو لوجوب وجوده مستحق العبادة ثم تذهبوا فتعبدوا ما ليس بهذه الصفة بل هو في أخس مراتب الإمكان وهي الجمادية.

ثم حكى الله  عنهم شبهاً: الأولى قولهم ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ إنكار كون الرسول من جنس البشر أو إنكار مثلهم في الأسباب الدنيوية من المال والجاه والجمال كأنهم ظنوا أن القرب من الله يوجب المزية في هذه الأمور ويتأكد هذا الاحتمال بالشبهة الثانية وهي قوله ﴿ يريد أن يتفضل عليكم ﴾ أي يتكلف طلب الفضل والرياسة عليكم نظيره { ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض  ﴾ ويتأكد الاحتمال والأول بالشبهة الثالثة وهي قوله ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ لعلو شأنهم ووفور علمهم وكمال قوتهم.

وقد حكى هذه الشبهة عن أقوام آخرن في "حم السجدة" ﴿ قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة  ﴾ خص هذه السورة باسم الله على الأصل ولتقدم ذكر الله وخص تلك السورة باسم الرب لتقدم ذكر الرب في قوله ﴿ ذلك رب العالمين  ﴾ وهم من جملة العالمين قالوه إما اعتقاداً وإما استهزاء.

الشبهة الرابعة الاعتصام بحبل التقليد ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بمثل هذا الكلام أو بمثل هذا المدعي فيجوز أن يكونوا صادقين في ذلك للفطرة المتداولة، ويجوز أن يكونوا تجاهلوا وتكذبوا لانهماكهم في الغي وتشمرهم لدفع الحق وإفحام النبي  بأيّ وجه يمكنهم يؤيده الشبهة الخامسة وهي نسبتهم إياه إلى الجنون مع علمهم ظاهراً بأنه أرجح الناس عقلاً ورزانة.

قال جار الله: الجنة الجنون أو الجن أي به جن يخبلونه، وهذا بناء على زعم العوام أن المجنون ضر به الجن.

ثم رتبوا على هذه الشبهة قولهم ﴿ فتربصوا به حتى حين ﴾ أي اصبروا عليه إلى أن ينكشف جنونه ويفيق أو إلى أن يموت أو يقتل.

وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام فإنه  كان يفعل أفعالاً على خلاف عاداتهم.

وكان رؤساؤهم يقولون للعوام: إنه مجنون لينفروهم عنه وليلبسوا عليهم أمره.

ويحتمل أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبياً حقاً فالله ينصره ويقوّي أمره فنحن حينئذ نتبعه، وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه.

واعلم أنه  لم يذكر جواب شبهاتهم لركاكتها ولأنه قد علم في هذا الكتاب الكريم أجوبتها غير مرة ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ { ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً  ﴾ ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم  ﴾ ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون  ﴾ وإذا بطل طريقة التقليد صار حديث التربص ضائعاً يجب قبول قول من يدعي النبوّة بعد ظهور المعجزة من غير توقف.

ثم حكى أن نوحاً  لما علم إصرارهم على الكفر ﴿ قال رب انصرني ﴾ أي أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي ففي نصرته إهلاكهم، أو انصرني بدل تكذيبهم إياي كقولك "هذا بذاك" والمراد بدلني من غم التكذيب سلوة النصرة أو انصرني بإنجاز ما كذبوني فيه وهو وعد العذاب في قوله ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم  ﴾ وباقي القصة إلى قوله ﴿ إنهم مغرقون ﴾ قد مر تفسير مثلها في سورة هود.

ومعنى ﴿ فأسلك ﴾ أدخل فيها وقد مر في أول الحجر في قوله ﴿ كذلك نسلكه  ﴾ و ﴿ سبق عليه القول ﴾ نقيض ﴿ سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ لأن "على" تستعمل في الضار كما أن اللام تستعمل في النافع.

وقد جاء زيادة منهم ههنا على الأصل وحذفت في "هود" ليحسن عطف ﴿ ومن آمن ﴾ من غير التباس وبشاعة.

قيل: في قوله ﴿ بأعيننا ﴾ على الجمع فساد قول المشبهة إن الله خلق آدم على صورته.

أما قوله ﴿ فإذا استويت ﴾ أي ركبت واستوليت ﴿ أنت ومن معك على الفلك فقل ﴾ لم يقل "فقولوا" لأن أول الكلام مبني على خطاب نوح، ولأن قول النبي قول الأمة مع ما فيه من الإشعار بفضله ومن إظهار الكبرياء وأن كل أحد لا يليق لخطاب رب العزة.

وفي الأمر بالحمد على هلاكهم تقبيح صورة الظلمة كقوله ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين  ﴾ وإنما جعل  استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزماً لأنه كان عرفه أن ذلك سبب نجاتهم من الاشتراك مع الظلمة في حكم الإهلاك.

ثم أمره أن يسأل ما هو أهم وأنفع أن ينزله في السفينة بدليل عطف ﴿ وقل ﴾ على جزاء ﴿ فإذا استويت ﴾ أو ينزله في الأرض عند خروجه من السفينة لأنه لا يبعد أن يدعو عند ركوب السفينة بما يتعلق بالخروج منها ﴿ منزلاً ﴾ اي إنزالاً أو موضع إنزال يبارك له فيه بزيادة إعطاء خير الدارين وقد أمره أن يشفع بالدعاء الثناء المطابق للمسألة وهو قوله ﴿ وأنت خير المنزلين ﴾ أي إنزالاً وذلك أنه أقدر على الحفظ وأعلم بحال النازل بل كل منزل فإنه لا يقدر على إيصال الخير إلى النازل إلا بإقداره وتمكينه وإلقاء تلك الداعية في قلبه ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من القصة ﴿ لآيات ﴾ لعبراً ودلالات لمن اعتبر وادّكر فإن إظهار تلك المياه العظيمة والذهاب بها إلى مقارّها لا يقدر عليها إلا القدير الخبير ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لمبتلين ﴾ هي الفارقة.

والمعنى وإن الشأن والقصة كما مبتلين أي مصيبين قوم نوح ببلاء الغرق أو مختبرين بهذه الآيات من يخلفهم لننظر من يعتبر كقوله ﴿ ولقد تركناها آية فهل من مدكر  ﴾ وقيل: المراد كما يعاقب بالغرق من كفر فقد يمتحن به من لم يكفر على وجه المصلحة لا التعذيب، فليس الغرق كله على وجه واحد.

التأويل: الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي ظفر المؤمنون بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط بنفوسهم ببذلها في الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوابه بعد أن فنوا فيه.

الخشوع في الظاهر انتكاس الراس وغض العين واستماع الأذن وقراءة اللسان ووضع اليمين على الشمال كالعبيد، واعتدال الظهر في القيام وانحناؤه في الركوع وثبات القدمين.

والخشوع في الباطن سكون النفس عن الخواطر والهواجس وحضور القلب لمعاني القراءة والأذكار ومراقبة السر بترك الالتفات إلى المكوّنات، واستغراق الروح في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي صفات الجمال والجلال.

واللغو كل ما يشغلك عن الله.

والزكاة تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة بل عن حب الدنيا لأنه راس خطيئة ﴿ إلا على أزواجهم ﴾ في كلمة "على" دلالة على أنهم يجب أن يستولوا على الأزواج لا بالعكس وإلا كن عدوّاً لهم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم  ﴾ وعلامة الاستيلاء على الأزواج أن يبتغي بالنكاح النسل ورعاية السنة في أوانها لاحظ النفس وإلا كان متجاوزاً طريق الكمال ﴿ لأمانتهم ﴾ يعني التي حملها الإنسان ﴿ وعهدهم ﴾ هو عهد الميثاق في الأزل يحافظون الفرق بين المحافظة والخشوع، أن الخشوع معتبر في نفس الصلاة، والمحافظة معتبرة فيها وفيما قبلها من الشرائط وفيما بعدها وهو أن لا يفعل ما يحبطها ويضيعها الوارثون لأنهم أحياء القلوب وقد نالوا من المراتب ما خلفتها أموات القلوب ﴿ من سلالة ﴾ لأنه سل من جميع أجزاء الأرض فجاء مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطين.

بل بحسب اختلاف المركبات من الطين.

ففيه حرص الفأرة والنملة، وشهوة الحمار والعصفور، وغضب الفهد والأسد، وكبر النمر، وبخل الكلب، وشره الخنزير، وحقد الحية، وغير ذلك من الصفات الذميمة، وفيه شجاعة السد، وسخاوة الديك، وقناعة البوم، وحلم الجمل، وتواضع الهرة، ووفاء الكلب، وبكور الغراب، وهمة البازي ونحوها من الأخلاق الحميدة ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ لأنه خلق أحسن المخلوقين.

أما من حيث الصورة فلأنه  خلق من نطفة متشابهة الأجزاء بدناً مختلف الأبعاض والأعضاء كاللحم والشحم والعظم والعروق والشعر والظفر والعصب والعروق والمخ والأنف والفم واليد والرجل وغيرها مما يشهد لبعضها علم التشريح.

وأما من حيث المعنى فلأنه خلق الإنسان مستعداً لحمل الأمانة التي أبى حملها السموات والأرض والجبال وسيجيء تحقيق ذلك في موضعه ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ إلى قوله ﴿ تبعثون ﴾ فيه أن الإنسان قابل لموت القلب ولموت النفس ولحشرهما.

وفي موت أحدهما حياة الآخر وحشره.

وموت القلب عبارة عن انغماسه وتستره في حجب الغواشي الاتية عليه من طرق الحواس الظاهرة وحاستي الوهم والخيال فلذلك قال ﴿ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ﴾ هي الأغشية والحجب من الجهات المذكورة ﴿ وما كنا عن ﴾ مصالح ﴿ الخلق غافلين ﴾ فلا نترك العبد في تلك الحجب بدليل قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ﴾ سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الرحمة ﴿ بقدر ﴾ استعداد السالك ﴿ فأسكناه ﴾ في أرض وجوده ﴿ فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ﴾ المعارف ﴿ وأعناب ﴾ الكشوف وشجرة الخفي الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات ﴿ تنبت ﴾ بدهن حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة لأنه سر بين الله وبين الروح.

﴿ وصبغ ﴾ لآكل الكونين بقوة الهمة.

ثم أخبر عن نعم الغلب أن فيها منافع لأنها آلة تحصيل الكمال ﴿ وعليها وعلى ﴾ ذلك الشريعة في سفر السير إلى الله ﴿ تحملونه ﴾ وتأويل قصة نوح قد مر في سورة هود والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ .

قال بعضهم: إنما ذكر سلالة؛ لأنه سُلَّ من كل تربة.

وقال أبو عوسجة: السلالة: الخالص من كل شيء، وقوله: ﴿ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ حرّ، أي: من أجود الطين؛ ذكر مرة: ﴿ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ ، ومرة: ﴿ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ومرة: ﴿ كَٱلْفَخَّارِ  ﴾ ، ونحوه، وهو آدم -  - وذلك على تغيير الأحوال، والله أعلم بالصواب.

وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً ﴾ أي: ثم خلقنا ولده وذريته من نطفة، أخبر [عن] أصل ما خلق آدم منه، وأصل ما خلق ولده منه، وهي النطفة.

وقوله: ﴿ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ .

قال بعضهم: الرحم.

وجائز أن يكون القرار هو صلب الرجل؛ لأن النطفة لا تخلق في الصلب أوّل ما خلق الإنسان، ولكن تجعل فيه من بعد؛ فيكون الصلب قرارها ومكانها إلى وقت خروجها منه إلى الرحم؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ  ﴾ : الرحم.

وقال بعضهم: المستقر: الرحم، والمستودع: الصّلب.

وجائز أن يكونا جميعاً واحداً، أيهما كان: الرحم أو الصلب؛ لأن كليهما قرار وما يستودع فيه.

وقال ابن عباس وغيره: السلالة: صفوة الماء.

وقوله: ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً ﴾ والنطفة هي المعروفة، والعلقة والدم والمضغة: القطعة من اللحم إلى آخر ما ذكر، يخبرهم عن تحويله إياهم وتقليبه من حال إلى حال لوجوه: أحدها: يخبر عن قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ ليعلموا أن من قدر على إنشاء العلقة من النطفة ما لو اجتمع الخلائق جميعاً على أن يعرفوا سبب خلق هذا عن هذا، مع إحاطة علمهم أن ليس فيها من آثار العلقة شيء - ما قدروا على ذلك، وعلى ذلك جميع ما ذكر من النطفة والمضغة، [و] من العلقة والعظم، [و] من المضغة والإنسان، دل ذلك كله على أنه قادر؛ فمن قدر على هذا يقدر على إنشائهم من الأصل من لا شيء، ويقدر على إحيائهم بعد ما صاروا تراباً، والأعجوبة في خلق الإنسان مما ذكر من النطفة والعلقة والمضغة ليس بدون خلقه إياهم من التراب من الوجوه التي ذكرنا.

وفيه دلالة علمه الذاتي؛ لأن من قدر على تحويلهم من حال إلى حال التي ذكر في الظلمات الثلاث؛ دل أنه عالم بذاته لا بعلم مستفاد من أحد، ولا قوة مكتسبة؛ ولكنه بالعلم الذاتي والقوة الذاتية؛ لأن مَنْ علمُه مستفاد، ومَنْ قوتُهُ مستفادة ومكتسبة لا يبلغ ذلك.

وفيه دلالة تدبيره؛ لخروج الخلق جميعاً وتوالدهم من أول أمرهم إلى آخر ما ينتهون على جري و احد وسنن واحد، على غير تغيير في التوالد والتناسل الذي جعل فيهم، وكذلك جميع ما يخرج من الأرض من النبات والأشجار والأوراق في كل عام، وفي كل سنة يخرج على جرية واحدة وسنن واحد لا يتغير ولا يتفاوت وقت خروجه؛ بل على تقدير واحد وميزان واحد؛ دل أنه على تدبير ذاتٍ خرج، لا على الجزاف، وبالله الحول والقوة.

وفيما ذكر من تحويله إياهم وتقليبه من حال إلى حال دلالة أنه لم ينشئهم لأنفسهم، وأن من أنشأ من العالم سواهم إنما أنشأه لهم، وأنشأ أنفسهم لعاقبة؛ لأنه لو كان إنشاؤه إياهم لأنفسهم وللفناء الذي ذكر في قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴾ لكان يتركهم على حالة واحدة ولا يحولهم من حال إلى حال، فإذا حولهم وقلبهم من حال إلى حال دل أنه لا للموت الذي ذكر خلقهم خاصة بقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴾ ؛ ولكن لعاقبة تقصد، وهو البقاء الدائم لا فناء فيه، وهو ما ذكر: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ﴾ .

أما أهل التأويل فمنهم من قال: نفخ الروح فيه، وهو قول ابن عباس وغيره.

وقال بعضهم إنبات الشعر ونحوه، وهو قول قتادة وغيره.

وعن الحسن وغيره: ذكر أو أنثى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ﴾ : غير ما قال هؤلاء، وهو إظهار الجوارح والأعضاء وتركيبها، ما فيه دلالة؛ لأنه أخبر أنه يقلبه شيئاً واحداً مصمتا ليس به هذه الجوارح والأعضاء، إنما يكون فيه آثارها لا أعينها فيركب فيه أعين الجوارح والأعضاء حتى يكون إنسانا، فذلك هو إنشاء خلق آخر، ويكون نفخ الروح ونبت الشعر في تركيب ما ذكرنا، والله أعلم.

ومن ينكر خلق الشيء لا من شيء، ويقول بقدم العالم إنما ينكر ذلك؛ لما لم ير في الشاهد صنع شيء لا من شيء، فيقال له: وهل رأيت إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأصل حتى لا يبقى له أثر، فإذا لم تر هذا في الشاهد، وقد رأيت في الغائب إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأوّل منه، نحو النطفة تصير علقة على تلف النطفة فيها، والعلقة مضغة على إتلاف العقلة فيها...

إلى آخر ما ذكر، كل ذلك منشأ من آخر إنما كان بعد تلف الأصل، فهلا دل ذلك [على] أن عدم الإنشاء في الشاهد لا من شيء لا يدل على عدمه في الغائب، وأنه حيث قدر [على] هذا يقدر على كله.

وقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ .

من الناس من يستدل على أنه إذا لم يكن سواه خالقاً لم يكن لقوله: ﴿ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ معنى؛ كقوله: ﴿ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ  ﴾ ، و ﴿ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ  ﴾ ، ونحوه، إنما قال هذا لما يكون سواه رحيماً حكيماً كريماً؛ فأخبر أنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين؛ فعلى ذلك ما قال: ﴿ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ .

ولكن جائز القول بمثل هذا عند الناس على غير إثبات آخر سواه في ذلك حقيقة، وهو يخرج على وجوه: أحدهما: ﴿ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ مما تنسبون أنتم إليه، وتجعلونه خالقاً عندكم؛ كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ : إبراهيم لم يسمّ معبودهم الذي عبدوه إلها على جعل الألوهية له، ولكن على ما سموا هم ونسبوا الألوهية إليه، وكذلك قول موسى، حيث قال: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ على ما عندهم، ليس على تسمية الإله له حقيقة؛ دل ما ذكرنا على أن تسمية ما ذكر وذكره يجوز، وإن لم يكن هنالك سواه إلهاً خالقاً، وكذلك قوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ : ليس على أن لهم شفعاء يشفعون لهم؛ ولكن لا شفعاء لهم؛ فعلى ذلك ما ذكرنا.

والثاني: تأويل ﴿ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ ، أي: لو جاز أن يكون خالق آخر سواه لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، وهو كقوله: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ  ﴾ أي: لو جاز أن يتخذ ولداً لاصطفى مما ذكر، لكن لا يجوز، وكذلك قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ  ﴾ ، أي: لو جاز أن يكون كذا لكان كذا، ليس على أنه يجوز أن يكون، وكذلك قوله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ...

﴾ الآية [المؤمنون: 91]، أي: لو جاز أن يكون معه إله لذهب بما ذكر، لكن لا يجوز؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ ، أي: لو جاز أن يكون هنالك خالق غيره لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، والله الموفق.

والثالث: ذكر أحسن الخالقين؛ لما أن العرب تسمّي كل صانع شيء خالقاً؛ فخرج الذكر لهم على ما يسمونهم، ليس على حقيقة الخلق لمن دونه؛ كقول عيسى حيث قال: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ  ﴾ ، أو أن يكون ذكر هذا القول من يقول: إن العالم أصله من أربع طبائع: من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة.

أو أن يكون كقول بعض الفلاسفة: إن العالم أصله من أربع أو من خمس: من الماء، والأرض، والنار، وغيره.

فأخبر أنه ليس كذا، ولكن هو خالقهم لا من الأشياء التي توهموا هم.

وعلى قول من يقول: إنه يكون غيره خالقاً لكان الخالق غير دالّ على الخالق، وقد جعل الله الخلق سبباً لمعرفة الخالق، فلو كان غيره خالقاً، لكان الخلق غير دالّ على معرفة الخالق؛ لأنه قال: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ  ﴾ : أخبر أنه لو كان سواه في ذلك تشابه الخلق عليهم، فإذا تشابه لم يكن سبباً لمعرفة، على ما أخبر في إثبات عدد الآلهة؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ \[المؤمنون: 91\]، فإذا بطل هذا ولم يجز عدد الآلهة وإثبات الألوهية لغيره، فعلى ذلك في الخلق على الوجوه التي ذكرنا.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن المقصود من خلق هذا العالم - لم يكن الإماتة والإفناء؛ ولكن عاقبة تتأمّل وتقصد حيث قلبهم من حال إلى حال، ثم لم يتركهم على حالة واحدة، فلو كان المقصود من خلقهم الفناء والهلاك لا غير، لكان تركهم على حالة واحدة، ولم يقلبهم من حال إلى حال؛ فدل التحويل والتقليب من حال إلى حال على أن المقصود من الخلق العاقبة، على ما ذكرنا والله أعلم؛ لأنه أخبر أن خلقهم لا لعاقبة يقصد بها عبث؛ حيث قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] صير خلقهم لا للرجوع إليه عبثاً، وقال في آية آخرى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا...

﴾ الآية [النحل: 92]: صير نقض الغزل بعد إبرامه وقوته سفها منها؛ فلا جائز أن يسفه تلك المرأة تنقض غزلها بعد الإحكام والإبرام بلا نفع يكون لها، ثم هو يفعل ذلك؛ إذ خلق الخلق للفناء والهلاك خاصة - عبث ولعب، وعلى ذلك بناء البناء في الشاهد لا لعاقبة ومنفعة، ولكن للهدم والنقض سفه ولعب.

قلنا: إن خلق الخلق لا للموت خاصّة، ولكن لما ذكر من قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾ ، أي: تحيون.

قال القتبي: يقال للولد: سلالة أبيه، وللخمر: سلالة، ويقال: إنما جعل آدم من سلالة؛ لأنه سُلَّ من كل تربة.

وقال أبو عوسجة: السلالة: الخالص من كل [شيء].

قال أبو معاذ: النسل: الولد يسل من تحت كل شعرة.

وقال القتبي: المضغة: اللحمة الصغيرة؛ سميت بذلك لأنها بقدر ما يمضغ؛ كما قيل: غرفة، بقدر ما يغرف.

وقوله: ﴿ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ .

أي: مكان حريز، أو هو الرحم أو الصلب، أيهما كان فهو ما وصف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد خلقنا أبا البشر آدم من طين، أخِذت ترجمته من خلافة استُخْرِجت من ماء مختلط بتربة الأرض.

<div class="verse-tafsir" id="91.9NKDR"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد