الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ١٨ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى ، في إنزاله القطر من السماء ) بقدر ) أي : بحسب الحاجة ، لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران ، ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار ، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به ، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرا لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها ، يسوق إليها الماء من بلاد أخرى ، كما في أرض مصر ، ويقال لها : " الأرض الجرز " ، يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها ، فيأتي الماء يحمل طينا أحمر ، فيسقي أرض مصر ، ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه ، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال ، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور .
وقوله : ( فأسكناه في الأرض ) أي : جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض ، وجعلنا في الأرض قابلية له ، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى .
وقوله : ( وإنا على ذهاب به لقادرون ) أي : لو شئنا ألا تمطر لفعلنا ، ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري [ والبحار ] والقفار لفعلنا ، ولو شئنا لجعلناه أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا ، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض ، بل ينجر على وجهها لفعلنا .
ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا .
ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبا فراتا زلالا فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض ، فيفتح العيون والأنهار ، فيسقي به الزروع والثمار ، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم ، وتغتسلون منه وتتطهرون وتتنظفون ، فله الحمد والمنة .
يقول تعالى ذكره: وأنـزلنا من السماء ما في الأرض من ماء فأسكناه فيها.
كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ( وَأَنـزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ ) ماء هو من السماء.
وقوله: ( وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ) يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكناه في الأرض لقادرون أن نذهب به ، فتهلكوا أيها الناس عطشا ، وتخرب أرضوكم، فلا تنبت زرعا ولا غرسا، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريا.
قوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون فيه أربع مسائل :الأولى : هذه الآية من نعم الله تعالى على خلقه ومما امتن به عليهم ؛ ومن أعظم المنن الماء الذي هو حياة الأبدان ونماء الحيوان .
والماء المنزل من السماء على قسمين : هذا الذي ذكر الله سبحانه وتعالى وأخبر بأنه استودعه في الأرض ، وجعله فيها مختزنا لسقي [ ص: 105 ] الناس يجدونه عند الحاجة إليه ؛ وهو ماء الأنهار ، والعيون ، وما يستخرج من الآبار .
وروي عن ابن عباس وغيره أنه إنما أراد الأنهار الأربعة : سيحان ، وجيحان ، ونيل مصر ، والفرات .
وقال مجاهد : ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء .
وهذا ليس على إطلاقه ، وإلا فالأجاج ثابت في الأرض ، فيمكن أن يقيد قوله بالماء العذب ، ولا محالة أن الله تعالى قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء ماء .
وقد قيل : إن قوله : وأنزلنا من السماء ماء إشارة إلى الماء العذب ، وأن أصله من البحر ، رفعه الله تعالى بلطفه وحسن تقديره من البحر إلى السماء ، حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد ؛ ثم أنزله إلى الأرض لينتفع به ، ولو كان الأمر إلى ماء البحر لما انتفع به من ملوحته .الثانية : قوله تعالى : ( بقدر ) أي على مقدار مصلح ، لأنه لو كثر أهلك ؛ ومنه قوله تعالى : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم .
وإنا على ذهاب به لقادرون يعني الماء المختزن .
وهذا تهديد ووعيد ؛ أي في قدرتنا إذهابه وتغويره ، ويهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم ؛ وهذا كقوله تعالى : قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا أي غائرا فمن يأتيكم بماء معين .الثالثة : ذكر النحاس : قرئ على أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، عن جامع بن سوادة قال : حدثنا سعيد بن سابق ، قال : حدثنا مسلمة بن علي ، عن مقاتل بن حيان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أنزل الله - عز وجل - من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار : سيحون وهو نهر الهند ، وجيحون وهو نهر بلخ ، ودجلة ، والفرات وهما نهرا العراق ، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل - عليه السلام - فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض ، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله جل ثناؤه : وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض فإذا كان عند خروج يأجوج ، ومأجوج أرسل الله - عز وجل - جبريل فرفع من الأرض القرآن ، والعلم ، وجميع الأنهار الخمسة ، فيرفع ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى : وإنا على ذهاب به لقادرون فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا .[ ص: 106 ] الرابعة : كل ما نزل من السماء مختزنا كان أو غير مختزن فهو طاهر مطهر يغتسل به ويتوضأ منه ؛ على ما يأتي في ( الفرقان ) بيانه .
{ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } يكون رزقا لكم ولأنعامكم بقدر ما يكفيكم، فلا ينقصه، بحيث لا يكفي الأرض والأشجار، فلا يحصل منه المقصود، ولا يزيده زيادة لا تحتمل، بحيث يتلف المساكن، ولا تعيش معه النباتات والأشجار، بل أنزله وقت الحاجة لنزوله ثم صرفه عند التضرر من دوامه، { فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ } أي: أنزلناه عليها، فسكن واستقر، وأخرج بقدرة منزله، جميع الأزواج النباتية، وأسكنه أيضا معدا في خزائن الأرض، بحيث لم يذهب نازلا، حتى لا يوصل إليه، ولا يبلغ قعره، { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } إما بأن لا ننزله، أو ننزله، فيذهب نازلا لا يوصل إليه، أو لا يوجد منه المقصود منه، وهذا تنبيه منه لعباده أن يشكروه على نعمته، ويقدروا عدمها، ماذا يحصل به من الضرر، كقوله تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ }
( وأنزلنا من السماء ماء بقدر ) يعلمه الله .
قال مقاتل : بقدر ما يكفيهم للمعيشة ، ( فأسكناه في الأرض ) يريد ما يبقى في الغدران والمستنقعات ، ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر .
وقيل : فأسكناه في الأرض ثم أخرجنا منها ينابيع ، فماء الأرض كله من السماء ، ( وإنا على ذهاب به لقادرون ) حتى تهلكوا عطشا وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم وفي الخبر : " أن الله عز وجل أنزل أربعة أنهار من الجنة : سيحان ، وجيحان ، ودجلة ، والفرات " .
وروى مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله عز وجل أنزل من الجنة خمسة أنهار : جيحون ، وسيحون ، ودجلة ، والفرات ، والنيل ، أنزلها الله عز وجل من عين واحدة من عيون الجنة ، من أسفل درجة من درجاتها ، على جناحي جبريل ، استودعها الله الجبال ، وأجراها في الأرض ، وجعل فيها منافع للناس ، فذلك قوله عز وجل : " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض " ، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن ، والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت ، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه ، وهذه الأنهار الخمسة ، فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى : ( وإنا على ذهاب به لقادرون ) فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا " .
وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن يوسف ، عن عثمان بن سعيد بالإجازة ، عن سعيد بن سابق الإسكندراني ، عن مسلمة بن علي ، عن مقاتل بن حيان .
«وأنزلنا من السماء ماءً بقدر» من كفايتهم «فأسكنَّاه في الأرض وإنَّا على ذهاب به لقادرون» فيموتون مع دوابهم عطشاً.
وأنزلنا من السماء ماء بقدر حاجة الخلائق، وجعلنا الأرض مستقرًا لهذا الماء، وإنا على ذَهاب بالماء المستقر لَقادرون.
وفي هذا تهديد ووعيد للظالمين.
ثم بين - سبحانه - بعض النعم التى تأتينا من جهة هذه الطرائق فقال : ( وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض .
.
) .أى : وأنزلنا لكم - أيها الناس - بقدرتنا ورحمتنا ، ماء بقدر .
أى : أنزلناه بمقدار معين ، بحيث لا يكون طوفاناً فيغرقكم ، ولا يكون قليلاً فيحصل لكم الجدب والجوع والعطش .
وإنما أنزلناه بتقدير مناسب لجلب المنافع ، ودفع المضار ، كما قال - سبحانه - فى آية أخرى : ( .
.
.
وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) وقوله : ( فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض ) أى : هذا الماء النازل من السماء بتقدير معين منا تقتضيه حكمتنا ، جعلناه ساكناً مستقراً فى الأرض ، لتنعموا به عن طريق استخراجه من الآبار والعيون وغيرها .وفى هذه الجملة الكريمة إشارة إلى أن المياه الجوفيى الموجودة فى باطن الأرض ، مستمدة من المياه النازلة من السحاب عن طريق المطر .وهذا ما قررته النظريات العلمية الحديثة بعد مئات السنين من نزول القرآن الكريم .
وبعد أن بقى العلماء دهوراص طويلة ، يظنون أن المياه التى فى جوف الأرض ، لا علاقة لها بالمياه النازلة على الأرض عن طريق المطر .وقوله - سبحانه - : ( وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ) بيان لمظهر من مظاهر قدرته ورأفته ورحمته - تعالى - بعباده .أى : وإنا على إذهاب هذا الماء الذى أسكناه فى باطن الأرض لقادرون ، بأن نجعله يتسرب إلى أسفل طبقات الأرض لا تستطيعون الوصول إليه ، أو بأن نزيله من الأرض إزالة تامة ، لأن القادر على إنزاله قادر على إزالته وإذهابه ، ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم ، وشفقة عليكم ، فاشكرونا على نعمنا وضعوها فى مواضعها الصحيحة .قال صاحب الكشاف : " قوله : ( على ذَهَابٍ بِهِ ) من أوقع النكرات وأحزها للمفصل .والمعنى : على وجه من وجوه الذهاب به ، وطريق من طرقه ، وفيه إيذان باقتدرا المذهب ، وأنه لا يتعايى عليه شىء إذا أراده ، وهو أبلغ فى الإبعاد ، من قوله :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ ) فعلى العباد أن يستعظموا النعمة فى الماء .
ويقيدوها بالشكر الدائم ، ويخافوا نفارها إذا لم تشكر .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ .
.
).
اعلم أن الماء في نفسه نعمة وأنه مع ذلك سبب لحصول النعم فلا جرم ذكره الله تعالى أولاً ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانياً.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ ﴾ فقد اختلفوا في السماء فقال الأكثرون من المفسرين إنه تعالى ينزل الماء في الحقيقة من السماء وهو الظاهر من اللفظ ويؤكده قوله: ﴿ وَفِي السماء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ وقال بعضهم المراد السحاب وسماه سماء لعلوه، والمعنى أن الله تعالى أصعد الأجزاء المائية من قعر الأرض إلى البحار ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكون ثم ينزله الله تعالى على قدر الحاجة إليه، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في قعر الأرض ولا بماء البحار لملوحته ولأنه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الأرض لأن البحار هي الغاية في العمق، واعلم أن هذه الوجوه إنما يتمحلها من ينكر الفاعل المختار فأما من أقربه فلا حاجة به إلى شيء منها.
أما قوله تعالى: ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ فمعناه بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب، أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم.
أما قوله: ﴿ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض ﴾ قيل معناه جعلناه ثابتاً في الأرض، قال ابن عباس رضي الله عنهما أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضاً القرآن.
أماقوله: ﴿ وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لقادرون ﴾ أي كما قدرنا على إنزاله فكذلك نقدر على رفعه وإزالته، قال صاحب الكشاف وقوله: ﴿ على ذَهَابٍ بِهِ ﴾ من أوقع النكرات وأخرها للفصل.
والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه.
وفيه إيذان بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يعسر عليه شيء وهو أبلغ في الإيعاد من قوله: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ ﴾ ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال: ﴿ فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جنات مّن نَّخِيلٍ وأعناب ﴾ وإنما ذكر تعالى النخيل والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الأدام ومقام الفواكه رطباً ويابساً وقوله: ﴿ لَّكُمْ فِيهَا فواكه كَثِيرَةٌ ﴾ أي في الجنات، فكما أن فيها النخيل والأعناب ففيها الفواكه الكثيرة وقوله: ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ قال صاحب الكشاف يجوز أن يكون هذا من قولهم فلان يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يعملها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه، كأنه قال وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها تتعيشون.
أما قوله تعالى: ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء ﴾ فهو عطف على جنات وقرئت مرفوعة على الابتداء أي ومما أنشأنا لكم شجرة، قال صاحب الكشاف طور سيناء وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيس وبعلبك فيمن أضاف، فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء، ومن فتح لم يصرفه لأن ألفه للتأنيث كصحراء، وقيل هو جبل فلسطين وقيل بين مصر وأيلة، ومنه نودي موسى عليه السلام وقرأ الأعمش سينا على القصر.
أما قوله تعالى: ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ فهو في موضع الحل أي تنبت وفيها الدهن، كما يقال ركب الأمير بجنده، أي ومعه الجند وقرئ تنبت وفيه وجهان: أحدهما: أن أنبت بمعنى نبت قال زهير: رأيت ذوي لحاجات حول بيوتهم *** قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقل والثاني: أن مفعوله محذوف، أي تنبت زيتونها وفيه الزيت، قال المفسرون: وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل لأن منها تشعبت في البلاد وانتشرت ولأن معظمها هناك.
أما قوله: ﴿ وَصِبْغٍ لّلاكِلِيِنَ ﴾ فعطف على الدهن، أي إدام للآكلين، والصبغ والصباغ ما يصطبغ به، أي يصبغ به الخبز، وجملة القول أنه سبحانه وتعالى نبه على إحسانه بهذه الشجرة، لأنها تخرج هذه الثمرة التي يكثر بها الانتفاع وهي طرية ومدخرة، وبأن تعصر فيظهر الزيت منها ويعظم وجوه الانتفاع به.
النوع الرابع: الاستدلال بأحوال الحيوانات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بتقدير يسلمون معه من المضرة، ويصلون إلى المنفعة.
أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم.
﴿ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض ﴾ كقوله: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض ﴾ [الزمر: 21] وقيل: جعلناه ثابتاً في الأرض.
وقيل: إنها خمسة أنهار: سيحون نهر الهند.
وجيحون: نهر بلخ، ودجلة والفرات: نهرا العراق.
والنيل: نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة، فاستودعها الجبال، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معيشهم.
وكما قدر على أنزاله فهو قادر على رفعه وإزالته.
وقوله: ﴿ على ذَهَابٍ بِهِ ﴾ من أوقع النكرات وأحزها للمفصل.
والمعنى: على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه.
وفيه إيذان باقتدار المذهب، وأنه لا يتعايى عليه شيء إذا أراده، وهو أبلغ في الإيعاد، من قوله: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ ﴾ [الملك: 30] فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفارها إذا لم تشكر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ ﴾ بِتَقْدِيرٍ يَكْثُرُ نَفْعُهُ ويَقِلُّ ضَرَرُهُ، أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْنا مِن صَلاحِهِمْ.
﴿ فَأسْكَنّاهُ ﴾ فَجَعَلْناهُ ثابِتًا مُسْتَقِرًّا.
﴿ فِي الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ ﴾ عَلى إزالَتِهِ بِالإفْسادِ أوِ التَّصْعِيدِ أوِ التَّعْمِيقِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ اسْتِنْباطُهُ.
﴿ لَقادِرُونَ ﴾ كَما كُنّا قادِرِينَ عَلى إنْزالِهِ، وفي تَنْكِيرِ ( ذَهابٍ ) إيماءٌ إلى كَثْرَةِ طُرُقِهِ ومُبالَغَةٌ في الإيعادِ بِهِ ولِذَلِكَ جُعِلَ أبْلَغَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ ﴾ .
﴿ فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ ﴾ بِالماءِ.
﴿ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها ﴾ في الجَنّاتِ.
﴿ فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ﴾ تَتَفَكَّهُونَ بِها.
﴿ وَمِنها ﴾ ومِنَ الجَنّاتِ ثِمارِها وزُرُوعِها.
﴿ تَأْكُلُونَ ﴾ تَغَذِّيًا أوْ تَرْتَزِقُونَ وتُحَصِّلُونَ مَعايِشَكم مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ لِلْـ ( نَخِيلٍ ) والـ ( أعْنابٍ ) أيْ لَكم في ثَمَراتِها أنْواعٌ مِنَ الفَواكِهِ الرُّطَبِ والعِنَبِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ والعَصِيرِ والدِّبْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ وطَعامٌ تَأْكُلُونَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاءً} مطراً {بِقَدَرٍ} بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة أو بمقدار ما علمنا من حاجاتهم {فَأَسْكَنَّاهُ فِى الأرض} كقوله فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الأرض وقيل جعلناه ثابتاً في الأرض فماء الأرض كله من السماء ثم استأدى شكرهم بقوله {وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لقادرون} أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه فقيدوا هذه النعمة بالشكر
﴿ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴾ ماءً هو المَطَرُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والمُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ أوِ السَّحابُ أوْ مَعْناها المَعْرُوفُ ولا يَعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا- مِنها- بَدَلُ ( السَّماءِ ) لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الطَّرائِقِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى الإضْمارِ لِأنَّ الإنْزالَ مِنها لا يُعْتَبَرُ فِيهِ كَوْنُها طَرائِقَ بَلْ مُجَرَّدَ كَوْنِها جِهَةَ العُلُوِّ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ صِفَةُ ماءٍ أيْ أنْزَلَنا ماءً مُتَلَبِّسًا بِمِقْدارِ ما يَكْفِيهِمْ في حاجِهِمْ ومَصالِحِهِمْ أوْ بِتَقْدِيرٍ لائِقٍ لِاسْتِجْلابِ مَنافِعِهِمْ ودَفْعِ مُضارِّهِمْ، وجَوَّزَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْزالًا مُتَلَبِّسًا بِذَلِكَ، وقِيلَ: في الجارِّ والمَجْرُورِ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ثابِتًا قارًّا فِيها ومِن ذَلِكَ ماءُ العُيُونِ ونَحْوُها، ومُعْظَمُ الفَلاسِفَةِ يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ الماءَ مِنِ انْقِلابِ البُخارِ المُحْتَبَسِ في الأرْضِ ماءٍ إذا مالَ إلى جِهَةٍ مِنها وبَرْدٍ ولَيْسَ لِماءِ المَطَرِ دَخْلٌ فِيهِ، وكَوْنُهُ مِنَ السَّماءِ بِاعْتِبارِ أنَّ لِأشِعَّةِ الكَواكِبِ الَّتِي فِيها مُدْخَلًا فِيهِ مِن حَيْثُ الفاعِلِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ سِينا في نَجاتِهِ: هَذِهِ الأبْخِرَةُ المُحْتَبِسَةُ في الأرْضِ إذا انْبَعَثَ عُيُونًا أمَدَّتِ البِحارَ بِصَبِّ الأنْهارِ إلَيْها ثُمَّ ارْتَفَعَ مِنَ البِحارِ والبَطائِحِ وبُطُونِ الجِبالِ خاصَّةً أبْخِرَةً أُخْرى ثُمَّ قُطِّرَتْ ثانِيًا إلَيْها فَقامَتْ بَدَلَ ما يَتَحَلَّلُ مِنها عَلى الدَّوْرِ دائِمًا.
وما في الآيَةِ يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَرَكاتِ البَغْدادِيُّ مِنهم فَقَدْ قالَ في المُعْتَبَرِ: إنَّ السَّبَبَ في العُيُونِ والقَنَواتِ وما يَجْرِي مَجْراها هو ما يُسِيلُ مِنَ الثُّلُوجِ ومِياهِ الأمْطارِ لِأنّا نَجِدُها تَزِيدُ بِزِيادَتِها وتَنْقُصُ بِنُقْصانِها وإنَّ اسْتِحالَةَ الأهْوِيَةِ والأبْخِرَةِ المُنْحَصِرَةِ في الأرْضِ لا مَدْخَلَ لَها في ذَلِكَ فَإنَّ باطِنَ الأرْضِ في الصَّيْفِ أشَدُّ بَرْدًا مِنهُ في الشِّتاءِ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ سَبَبَ اسْتِحالَتِها لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العُيُونُ والقَنَواتُ ومِياهُ الآبارِ في الصَّيْفِ أزْيَدُ وفي الشِّتاءِ أنْقَصُ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ انْتَهى، واخْتارَ القاضِي حُسَيْنٌ المُبِيدِيُّ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ مَدْخَلًا، واعْتَرَضَ عَلى دَلِيلِ أبِي البَرَكاتِ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى نَفْيِ كَوْنِ تِلْكَ الِاسْتِحالَةِ سَبَبًا تامًّا وأمّا عَلى أنَّها لا مَدْخَلَ لَها أصْلًا فَلا.
والحُقُّ ما يَشْهَدُ لَهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى فَهو سُبْحانُهُ أعْلَمُ بِخَلْقِهِ، وكُلُّ ما يَذْكُرُهُ الفَلاسِفَةُ في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْهِ يُفِيدُ اليَقِينَ كَما أشارَ إلَيْهِ شارِحُ حِكْمَةِ العَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الماءِ ماءُ أنْهارٍ خَمْسَةٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ قالَ: ««أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ خَمْسَةَ أنْهارٍ سَيِّحُونَ وهو نَهْرُ الهِنْدِ وجِيحُونُ وهو نَهْرُ بِلَخٍ ودِجْلَةُ والفُراتُ وهُما نَهْرا العِراقِ والنِّيلُ وهو نَهْرُ مِصْرَ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِن عَيْنٍ واحِدَةٍ مِن عُيُونِ الجَنَّةِ مِن أسْفَلِ دَرَجَةٍ مِن دَرَجاتِها عَلى جَناحَيْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَوْدَعَها الجِبالَ وأجْراها في الأرْضِ»» وجَعَلَها مَنافِعَ لِلنّاسِ في أصْنافِ مَعايِشِهِمْ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴾ ماءً ﴿ بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ ﴾ فَإذا كانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَفَعَ مِنَ الأرْضِ القُرْآنَ والعِلْمَ كُلَّهُ والحَجَرَ مِن رُكْنِ البَيْتِ ومَقامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتابُوتَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما فِيهِ وهَذِهِ الأنْهارَ الخَمْسَةَ فَيَرْفَعُ كُلَّ ذَلِكَ إلى السَّماءِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ﴾ فَإذا رُفِعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مِنَ الأرْضِ فَقَدْ أهَلَها خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
ولا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ أنَّ هَذا الخَبَرَ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهٍ والخَطِيبُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، نَعَمْ حَدِيثُ أرْبَعَةِ أنْهارٍ مِنَ الجَنَّةِ سَيْحانَ وجِيحانَ وهُما غَيْرُ سَيْحُونَ وجِيحُونَ لِأنَّهُما نَهْرانِ بِالعَواصِمِ عِنْدَ المُصِيصَةِ وطَرْسُوسَ وسِيحُونَ وجِيحُونَ نَهْرا الهِنْدِ وبِلَخٍ كَما سَمِعْتَ عَلى ما قالَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ والفُراتُ والنِّيلُ صَحِيحٌ لَكِنَّ الكَلامَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ بِذَلِكَ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ حَمَلَ الماءَ عَلى ما يَعُمُّ ماءَ المَطَرِ وماءَ البَحْرِ وقالَ لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَّماءِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوْفَقَ بِالأخْبارِ وبِما يَذْكُرُ بَعْدُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَوْنُ المُرادُ بِهِ ما عَدا ماءُ البَحْرِ.
﴿ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ ﴾ أيْ عَلى إزالَتِهِ بِإخْراجِهِ عَنِ المائِيَّةِ أوْ بِتَغْوِيرِهِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ اسْتِخْراجُهُ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ ﴿ لَقادِرُونَ ﴾ كَما كُنّا قادِرِينَ عَلى إنْزالِهِ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ وفي تَنْكِيرِ ﴿ ذَهابٍ ﴾ إيماءٌ إلى كَثْرَةِ طَرْقِهِ لِعُمُومُ النَّكِرَةِ وإنْ كانَتْ في الإثْباتِ وبِواسِطَةِ ذَلِكَ تُفْهَمُ المُبالِغَةُ في الإثْباتِ، وهَذِهِ الآيَةُ أكْثَرُ مُبالَغَةً مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ ﴾ .
وذَكَرَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وجْهًا لِلْأبْلَغِيَّةِ، الأوَّلُ أنَّ ذَلِكَ عَلى الفُرُوضِ والتَّقْدِيرِ، وهَذا الجَزْمُ عَلى مَعْنى أنَّهُ أدَلُّ عَلى تَحْقِيقِ ما أُوعِدُ بِهِ وإنْ لَمْ يَقَعِ، الثّانِي التَّوْكِيدُ بِأنَّ الثّالِثَ اللّامُ في الخَبَرِ الرّابِعِ أنَّ هَذِهِ في مُطْلَقِ الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ وتِلْكَ في ماءٍ مُضافٍ إلَيْهِمُ الخامِسُ أنَّ الغائِرَ قَدْ يَكُونُ باقِيًا بِخِلافِ الذّاهِبِ السّادِسُ ما في تَنْكِيرِ ﴿ ذَهابٍ ﴾ مِنَ المُبالَغَةِ السّابِعُ إسْنادُهُ هاهُنا إلى مَذْهَبٍ بِخِلافِهِ تَمُتُّ حَيْثُ قِيلَ ﴿ غَوْرًا ﴾ .
الثّامِنُ ما في ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ التّاسِعُ ما في «قادِرُونَ» مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ والفِعْلُ الواقِعُ مِنَ القادِرِ أبْلَغُ.
العاشِرُ ما في جَمْعِهِ.
الحادِيُ عَشَرَ ما في لَفْظِ ﴿ بِهِ ﴾ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما يُمْسِكُهُ فَلا مُرْسَلَ لَهُ، الثّانِي عَشَرَ إخْلاؤُهُ مِنَ التَّعْقِيبِ بِأطْماعٍ وهُنالِكَ ذَكَرَ الإتْيانَ المَطْمَعَ.
الثّالِثَ عَشَرَ تَقْدِيمُ ما فِيهِ الإيعادُ وهو الذَّهابُ عَلى ما هو كالمُتَعَلِّقِ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقَةٍ عَلى المَذْهَبَيْنِ البَصَرِيِّ والكُوفِيِّ.
الرّابِعَ عَشَرَ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ مِنَ التَّفاوُتِ ثَباتًا وغَيْرِهِ.
الخامِسَ عَشَرَ ما في لَفْظِ «أصْبَحَ» مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ والصَّيْرُورَةِ.
السّادِسُ عَشَرَ أنَّ الإذْهابَ هاهُنا مُصَرَّحٌ بِهِ.
وهُنالِكَ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الِاسْتِفْهامِ.
السّابِعَ عَشَرَ أنَّ هُنالِكَ نَفْيَ ماءٍ خاصٌّ أعْنِي المُعِينَ بِخِلافِهِ هاهُنا.
الثّامِنَ عَشَرَ اعْتِبارُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي يَكْفِي كُلٌّ مِنها مُؤَكَّدًا.
ثُمَّ قالَ: هَذا ما يَحْضُرُنا الآنَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ اْهْـ.
وفي النَّفْسِ مَن عَدَّ الأخِيرَ وجْهًا شَيْءٌ.
وقَدْ يُزادُ عَلى ذَلِكَ فَيُقالُ: التّاسِعَ عَشَرَ إخْبارُهُ تَعالى نَفْسُهُ بِهِ مِن دُونِ أمْرٍ لِلْغَيْرِ هاهُنا بِخِلافِهِ هُنالِكَ فَإنَّهُ سُبْحانُهُ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ.
العِشْرُونَ عَدَمُ تَخْصِيصِ مُخاطِبٍ هاهُنا وتَخْصِيصُ الكَفّارِ بِالخِطابِ هُنالِكَ.
الحادِي والعِشْرُونَ التَّشْبِيهُ المُسْتَفادُ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ فَإنَّهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ القُدْرَةِ ولا تَشْبِيهَ ثُمَّتَ.
الثّانِي والعِشْرُونَ إسْنادُ القُدْرَةِ إلَيْهِ تَعالى مَرَّتَيْنِ، وقَدْ زادَ بَعْضُ أجِلَّةِ أهْلِ العَصْرِ المُعاصِرِينَ سُلافَ التَّحْقِيقِ مِن كَرَمِ أذْهانِهِمُ الكَرِيمَةِ أكْرَمَ عَصْرٍ أعْنِي بِهِ ثالِثَ الرّافِعِيِّ والنَّواوِيَّ أخِي المُلّا مُحَمَّدٍ أفَنْدِيٍّ الزَّهاوِيُّ فَقالَ: الثّالِثُ والعِشْرُونَ تَضْمِينُ الإيعادِ هُنا إيعادُهم بِالإبْعادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَهَبَ بِهِ يَسْتَلْزِمُ مُصاحِبَةَ الفاعِلِ المَفْعُولِ وذَهابُ اللَّهِ تَعالى عَنْهم مَعَ الماءِ بِمَعْنى ذَهابِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْهم ولَعْنِهِمْ وطَرْدِهِمْ عَنْها ولا كَذَلِكَ ما هُناكَ.
الرّابِعُ والعِشْرُونَ أنَّهُ لَيْسَ الوَقْتُ لِلذَّهابِ مُعَيَّنًا هُنا بِخِلافِهِ في ﴿ إنْ أصْبَحَ ﴾ فَإنَّهُ يَفْهَمُ مِنهُ أنَّ الصَّيْرُورَةَ في الصُّبْحِ عَلى أحَدِ اسْتِعْمالَيْ أصْبَحَ ناقِصًا.
الخامِسُ والعِشْرُونَ أنَّ جِهَةَ الذَّهابِ بِهِ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً بِأنَّها السُّفْلَ.
السّادِسُ والعِشْرُونَ أنَّ الإيعادَ هُنا بِما لَمْ يُبْتَلَوْا بِهِ قَطُّ بِخِلافِهِ بِما هُنالِكَ.
السّابِعُ والعِشْرُونَ إنَّ المَوْعِدَ بِهِ هُنا إنْ وقَعَ فَهم هالِكُونَ البَتَّةَ.
الثّامِنُ والعِشْرُونَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنا لَهم مُتَشَبِّثٌ ولَوْ ضَعِيفًا في تَأْمِيلِ امْتِناعِ المَوْعِدِ بِهِ وهُناكَ حَيْثُ أسْنَدَ الإصْباحَ غَوْرًا إلى الماءِ ومَعْلُومٌ أنَّ الماءَ لا يُصْبِحُ غَوْرًا بِنَفْسِهِ كَما هو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ الحَكِيمِ أيْضًا احْتَمَلَ أنْ يَتَوَهَّمَ الشُّرْطِيَّةَ مَعَ صِدْقِها مُمْتَنِعَةَ المُقَدَّمِ فَيَأْمَنُوا وُقُوعَهُ.
التّاسِعُ والعِشْرُونَ أنَّ المَوْعِدَ بِهِ هُنا يَحْتَمِلُ في بادِي النَّظَرِ وُقُوعَهُ حالًا بِخِلافِهِ هُناكَ فَإنَّ المُسْتَقْبَلَ مُتَعَيِّنٌ لِوُقُوعِهِ لِمَكانِ ( إنْ ) وظاهِرٌ أنَّ التَّهْدِيدَ بِمُحْتَمَلِ الوُقُوعِ في الحالِ أهْوَلُ ومُتَعَيِّنُ الوُقُوعِ في الِاسْتِقْبالِ أهْوَنُ.
الثَّلاثُونَ أنَّ ما هُنا لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الإيعادِ بِخِلافِ ما هُناكَ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ولَوْ عَلِمَ بَعْدَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِامْتِنانَ بِأنَّهُ ﴿ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا ﴾ فَلا يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ ما سَنَّ بَعْدَهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ رَبُّنا ورَبُّ العالَمِينَ انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأسْرارِ كِتابِهِ.
واخْتِيرَتِ المُبالَغَةُ هاهُنا عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيها إذْ هو لِتَعْدادِ آياتِ الآفاقِ والأنْفُسِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الدَّلالَةَ عَلى القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ مَعَ كَمالِ عَظَمَةِ المُتَّصِفِ بِهِما ولِذا ابْتُدِئَ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِخِلافِ ما تَمَّتْ فَإنَّهُ تَتْمِيمٌ لِلْحَثِّ عَلى العِبادَةِ والتَّرْغِيبِ فِيها وهو كافٍ في ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ، يعني: تموتون عند انقضاء آجالكم.
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ، يعني: تحيون بعد الموت.
فذكر أول الخلق، لأنهم كانوا مقرين بذلك، ثم أثبت الموت لأنهم كانوا يشاهدونه ثم أثبت البعث الذي كانوا ينكرونه، ثم ذكر قدرته، فقال عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ، يعني: سبع سموات بعضها فوق بعض كالقبة.
وقال مقاتل والكلبي: غِلَظُ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك.
وقال أهل اللغة: الطرائق واحدها طريقة، ويقال: طارقت الشيء، يعني: إذا جعلت بعضه فوق بعض.
وإنما سمي الطرائق، لأن بعضها فوق بعض.
ثم قال: وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ، أي عن خلقهن عاجزين تاركين.
ويقال: لكل سماء طريقة، لأن على كل سماء ملائكة عبادتهم مخالفة لعبادة ملائكة السماء الأخرى، يعني: لكل أهل سماء طريقة من العبادة: وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ، أي لم نكن نغفل عن حفظهن، كما قال: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: 32] .
قوله عز وجل: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَآءً بِقَدَرٍ، يعني: بوزن، ويقال: بِقَدَرٍ ما يكفيهم لمعايشهم ويقال: بِقَدَرٍ يعني: كل سنة تمطر بقدر السنة الأولى، كما روي عن ابن مسعود أنه قال: «ليست سنة بأمطر من سنة، ولكن الله عز وجل يصرفه حيث يشاء» ويقال: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَآءً، أي أربعة أنهار تخرج من الجنة: دجلة، والفرات، وسيحان، وجيحان.
فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ، يعني: فأدخلناه في الأرض، ويقال: جعلناه ثابتاً فيها من الغدران والعيون والركايا.
وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ، يعني: يغور في الأرض، فلا يقدر عليه، كقوله عز وجل: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً [الملك: 30] .
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ، يعني: وأخرجنا بالماء جنات، يعني: الخضرة، ويقال: جعلنا لكم بالماء البساتين.
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ، يعني: الكروم لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ، يعني: ألوان الفواكه سوى النخيل والأعناب.
وَمِنْها تَأْكُلُونَ.
ثم قال عز وجل: وَشَجَرَةً، يعني: وأنبتنا شجرة، ويقال: خلقنا شجرة، تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ قال قتادة: طور سيناء جبل حسن، وقال الكلبي: جبل ذو شجرة، وقال مجاهد: الطور جبل، والسيناء حجارة، وقال القتبي: الطور جبل والسيناء اسم.
وقال مقاتل: خلقنا في الجبل الحسن الذي كلم الله تعالى عليه موسى .
وقرأ ابن كثير وأبو عمر ونافع طُورِ سَيْناءَ بكسر السين، وقرأ الباقون بالنصب، ومعناهما واحد.
ثم قال: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ، يعني: تخرج بالدهن.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو تَنْبُتُ بضم التاء وكسر الباء، يعني: تخرج الدهن، وقرأ الباقون تَنْبُتُ بنصب التاء وضم الباء، وهو اختيار أبي عبيد، أي: تنبت معه الدهن، كما يقال: جاءني فلان بالسيف، أي معه السيف.
وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ، يعني: الزيت يصطبغ به، وجعل الله عز وجل في هذه الشجرة إداماً ودهناً، وهي صبغ للآكلين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ ﴾ يَعْنِي: السَّماواتُ السَّبْعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ واحِدَةِ طَرِيقَةٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما سُمِّيَتْ طَرائِقَ بِالتَّطارُقِ؛ لِأنَّ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، يُقالُ: طارَقْتَ الشَّيْءَ: إذا جَعَلْتَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما غَفَلْنا عَنْهم إذْ بَنَيْنا فَوْقَهم سَماءً أطْلَعْنا فِيها الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ.
والثّانِي: ما كُنّا تارِكِينَ لَهم بِغَيْرِ رِزْقٍ فَأنْزَلْنا المَطَرَ.
والثّالِثُ: لَمْ نَغْفُلْ عَنْ حِفْظِهِمْ مِن أنْ تَسْقُطَ السَّماءُ عَلَيْهِمْ فَتُهْلِكَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ ﴾ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِقَدْرِ ما يَكْفِيهِمْ لِلْمَعِيشَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَجَرَةً ﴾ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ جَنّاتٍ ﴾ .
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( وشَجَرَةٌ ) بِالرَّفْعِ، والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ: شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ.
فَإنْ قِيلَ: لِماذا خَصَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ ؟
فالجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِكَثْرَةِ انْتِفاعِهِمْ بِها، فَذَكَّرَهم مِن نِعَمِهِ ما يَعْرِفُونَ، وكَذَلِكَ خَصَّ النَّخِيلَ والأعْنابَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُما كانا جُلَّ ثِمارِ الحِجازِ وما والاها، وكانَتِ النَّخِيلُ لِأهْلِ المَدِينَةِ، والأعْنابُ لِأهْلِ الطّائِفِ.
والثّانِي: لِأنَّهم لا يَكادُونَ يَتَعاهَدُونَها بِالسَّقْيِ، وهي تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ الَّتِي يَكُونُ مِنها الدُّهْنُ.
والثّالِثُ: أنَّها تَنْبُتُ بِالماءِ الَّذِي هو ضِدُّ النّارِ، وفي ثَمَرَتِها حَياةٌ لِلنّارِ ومادَّةٌ لَها.
والرّابِعُ: لِأنَّ أوَّلَ زَيْتُونَةٍ نَبَتَتْ بِذَلِكَ المَكانِ فِيما زَعَمَ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طُورِ سَيْناءَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُورِ سِيناءَ ) مَكْسُورَةَ السِّينِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ مَفْتُوحَةَ السِّينِ، وكُلُّهم مَدَّها.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: ( سَيْناءَ ) بِفَتْحِ السِّينِ في جَمِيعِ اللُّغاتِ، إلّا بَنِيَ كِنانَةَ فَإنَّهم يَكْسِرُونَ السِّينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا تَنْصَرِفُ هَذِهِ الكَلِمَةُ؛ لِأنَّها جُعِلَتِ اسْمًا لِبُقْعَةٍ أوْ أرْضٍ، وكَذَلِكَ ( سِينَيْنُ )، ولَوْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلْمَكانِ، أوْ لِلْمَنزِلِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ المُذَكَّرَةِ لَصُرِفَتْ؛ لِأنَّكَ كُنْتَ قَدْ سَمَّيْتَ مُذَكَّرًا بِمُذَكِّرٍ.
والطُّورُ: الجَبَلُ.
وَفِي مَعْنى " سَيْناءَ " خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الحُسْنِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الضَّحّاكُ: " الطُّورُ ": الجَبَلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، و" سَيْناءُ ": الحَسَنُ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: الجَبَلَ الحَسَنَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُبارَكُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ حِجارَةٍ بِعَيْنِها، أُضِيفَ الجَبَلُ إلَيْها لِوُجُودِها عِنْدَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ طُورَ سَيْناءَ: الجَبَلُ المُشَجَّرُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: أنَّ سَيْناءَ: اسْمُ المَكانِ الَّذِي بِهِ هَذا الجَبَلُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو أصَحُّ الأقْوالِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذا هو الجَبَلُ الَّذِي نُودِيَ مِنهُ مُوسى، وهو بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( تُنْبِتُ ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الباءِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ: نَبَتَتْ وأنْبَتَتْ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَبَتَ الشَّجَرُ وأنْبَتَ في مَعْنى واحِدٍ، قالَ زُهَيْرٌ: رَأيْتَ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا لَهم حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ قالَ: ومَعْنى ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾ : تَنْبُتُ ومَعَها دُهْنٌ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ بِالسَّيْفِ؛ أيْ: جاءَنِي ومَعَهُ السَّيْفُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى الآيَةِ: تَنْبُتُ الدُّهْنَ، والباءُ زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ ﴾ ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا المَعْنى هُناكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصِبْغٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: ( وصِبْغًا ) بِالنَّصْبِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وصِباغٍ ) بِألِفٍ مَعَ الخَفْضِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصِّبْغُ مِثْلُ الصِّباغِ، كَما يُقالُ: دِبْغٌ ودِباغٌ، ولِبْسٌ ولِباسٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالصِّبْغِ هاهُنا: الزَّيْتُ؛ لِأنَّهُ يُلَوِّنُ الخُبْزَ إذا غُمِسَ فِيهِ، والمُرادُ: أنَّهُ إدامٌ يُصْبَغُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُهْنِ وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لَمائِتُونَ".
بِالألْفِ، و"تُبْعَثُونَ" مَعْناهُ: مِن قُبُورِكم أحْياءٌ، وهَذا خَبَرٌ بِالبَعْثِ والنُشُورِ، و"الطَرائِقُ" كُلُّ ما كانَ طَبَقاتٍ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ: طارَقْتُ نَعْلِي، ويُرِيدُ بِـ"السَبْعُ الطَرائِقُ" السَماواتُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "الطَرائِقُ" بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ، مِن: طَرَقْتُ الشَيْءَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ ﴾ نَفْيٌ عامٌّ، أيْ: في إتْقانِ خَلْقِهِمْ وعن مَصالِحِهِمْ وعن أعْمالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً بِقَدَرٍ ﴾ ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أرادَ المَطَرَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما أرادَ الأنْهارَ الأرْبَعَةَ: سَيْحانَ وجَيْحانَ والفُراتُ والنِيلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنَّ هَذا كُلَّهُ داخِلٌ تَحْتَ الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى.
وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: ويُمْكِنُ أنْ يُقَيَّدَ هَذا بِالعَذْبِ، وإلّا فالأُجاجُ ثابِتٌ في الأرْضِ مَعَ القَحْطِ، والعَذْبُ يَقِلُّ مَعَ القَحْطِ، وأيْضًا فالأحادِيثُ تَقْتَضِي الماءَ الَّذِي كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللهَ -تَعالى- قَدْ جَعَلَ في الأرْضِ ماءً وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِقَدَرٍ" أيْ: عَلى مِقْدارٍ مُصْلِحٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كَثُرَ أهْلَكَ.
و "فَأنْشَأْنا" مَعْناهُ: فَأوجَدْنا وخَلَقْنا، وذَكَرَ تَعالى "النَخِيلَ والأعْنابَ" لِأنَّها ثَمَرَةُ الحِجازِ بِالطائِفِ والمَدِينَةِ وغَيْرِهِما، قالَهُ الطَبَرَيُّ، ولِأنَّهُما أيْضًا أشْرَفُ الثِمارِ، فَذَكَرَهُ مِثالًا لا تَشْرِيفًا لَها وتَنْبِيهًا عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لَكم فِيها" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ الضَمِيرُ عَلى "الجَنّاتِ" فَيُرِيدُ حِينَئِذٍ جَمِيعَ أنْواعِ الفاكِهَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "النَخِيلِ والأعْنابِ".
خاصَّةً إذْ فِيها مَراتِبُ وأنْواعٌ، والأوَّلُ أعَمُّ لِسائِرِ الثَمَراتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَشَجَرَةً" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "جَنّاتٍ"، ويُرِيدُ بِها الزَيْتُونَةَ، وهي كَثِيرَةٌ في طُورِ سَيْناءَ مِن أرْضِ الشامِ، وهو الَّذِي كَلَّمَ اللهُ -تَعالى- فِيهِ مُوسى -عَلَيْهِ السَلامُ- قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ.
و " الطَوْرُ ": الجَبَلُ في كَلامِ العَرَبِ، وقِيلَ: هو مِمّا عُرِّبَ مِن كَلامِ العَجَمِ، واخْتُلِفَ في " سِيناءَ " فَقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: الحَسَنُ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنْ يُنَوَّنَ " الطَوْرُ "، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: مُبارَكٌ، وقالَ مُعْمَرٌ عن فِرْقَةٍ: مَعْناهُ: ذُو شَجَرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْزَمُهم أنْ يُنَوَّنَ " الطَوْرُ ".
وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْمُ الجَبَلِ، كَما تَقُولُ: جَبَلُ أُحُدٍ، و " سَيْناءُ " اسْمٌ مُضافٌ إلَيْهِ الجَبَلُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: " سِيناءَ " بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ الباقُونَ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: " سَيْناءَ " بِفَتْحِ السِينِ، وكُلُّهم بِالمَدِّ، فَعَلى فَتْحِ السِينِ لا يَنْصَرِفُ الِاسْمُ بِوَجْهٍ، وعَلى كَسْرِ السِينِ فالهَمْزَةُ كَهَمْزَةِ حِرْباءَ، ولَمْ يُصْرَفْ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمُ بُقْعَةٍ أو أرْضٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَنْبُتُ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الباءِ، فالتَقْدِيرُ: تَنْبُتُ ومَعَها الدُهْنُ، كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْبُتُ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الباءِ، واخْتُلِفَ في التَقْدِيرِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الباءُ زائِدَةٌ، وهَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَهْلُكَةِ ﴾ ، وهَذا المِثالُ عِنْدِي مُعْتَرَضٌ وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَدْ ذَكَرَهُ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أرْبابَ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالبَيْضِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: تَنْبُتُ جَناها ومَعَهُ الدُهْنُ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْضًا، وقَدْ قِيلَ: نَبَتَ وأنْبَتَ بِمَعْنى، فَيَكُونُ الفِعْلُ كَما مَضى في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، والأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ أنْبَتَ ويَتَّهِمْ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها: ..............
∗∗∗......
أنْبَتَ البَقْلُ وقَرَأ الزُهْرِيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "تَنْبُتُ" بِرَفْعِ التاءِ ونَصْبِ الباءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي باءُ الحالِ، أيْ: تَنْبُتُ ومَعَها دُهْنُها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "تَخْرُجُ بِالدُهْنِ"، وهي أيْضًا باءُ الحالِ، وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "تَنْبُتُ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الباءِ "الدُهْنَ" بِحَذْفِ الباءِ ونَصْبِهِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، والأشْهَبُ: "بِالدِهانِ"، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الزَيْتِ عَلى الإنْسانِ، وهي مِن أرْكانِ النِعَمِ الَّتِي لا غِنى بِالصِحَّةِ عنها، ويَدْخُلُ في مَعْنى الزَيْتُونَةِ شَجَرُ الزَيْتِ كُلِّهِ عَلى اخْتِلافِهِ بِحَسَبِ الأمْصارِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَصِبْغٍ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأصْباغٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: "وَمَتاعًا لِلْآكِلِينَ".
<div class="verse-tafsir"
مناسبة عطف إنزال ماء المطر على جملة ﴿ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرايق ﴾ [المؤمنون: 17] أن ماء المطر ينزل من صوب السماء، أي من جهة السماء.
وفي إنزال ماء المطر دلالة على سعة العلم ودقيق القدرة، وفي ذلك أيضاً منة على الخلق فالكلام اعتبارٌ وامتنان من قوله: ﴿ فأنشأنا لكم به جنات ﴾ إلى آخره.
ومعنى هذه الآية تقدّم في سورة الأنعام وسورة الرعد وسورة النحل.
وإنزال الماء هو إسقاطه من السحب ماءً وثَلجاً وبَرَداً على السهول والجبال.
والقدَر هنا: التقدير والتعيين للمقدار في الكَمّ وفي النَّوبة، فيصح أن يحمل على صريحه، أي بمقدار معيَّن مُناسب للإنعام به لأنه إذا أنزل كذلك حصل به الري والتعاقب، وكذلكَ ذَوَبان الثلوج النازلة.
ويصح أن يقصد مع ذلك الكناية عن الضبط والإتقان.
وليس المراد بالقَدَر هنا المعنى الذي في قول النبي صلى الله عليه وسلم " وتؤمن بالقَدر خيرِه وشره ".
والإسكان: جعل الشيء في مسكن، والمسكن: محل القرار، وهو مفعل اسم مكان مشتق من السكون.
وأطلق الإسكان على الإقرار في الأرض على طريق الاستعارة.
وهذا الإقرار على نوعين: إقرار قصير مثل إقرار ماء المطر في القشرة الظاهرة من الأرض عقب نزول الأمطار على حسب ما تقتضيه غزارة المطر ورخاوة الأرض وشدةُ الحرارة أو شدةُ البرد، وهو ما ينبت به النبات في الحرث والبقل في الربيع وتمتص منه الأشجار بعروقها فتثمر إثمارها وتخرج به عروق الأشجار وأصولها من البزور التي في الأرض.
ونوع آخر هو إقرار طويل وهو إقرار المياه التي تنزل من المطر وعن ذوب الثلوج النازلة فتتسرب إلى دواخل الأرض فتنشأ منها العيون التي تنبع بنفسها أو تُفَجَّر بالحفر آباراً.
وجملة ﴿ وإنا على ذهاب به لقادرون ﴾ معتَرضة بين الجملة وما تفرع عليها.
وفي هذا تذكير بأن قدرة الله تعالى صالحة للإيجاد والإعدام وتنكير ﴿ ذهاب ﴾ للتفخيممِ والتعظيم.
ومعنى التعظيم هنا تعدد أحوال الذهاب به من تغويره إلى أعماق الأرض بانشقاق الأرض بزلزال ونحوه، ومن تجفيفه بشدة الحرارة، ومن إمساك إنزاله زمناً طويلاً.
وفي معناه قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمَن يأتيكم بماء معين ﴾ [الملك: 30]، وفي «الكشاف»: «وهو (أي ما في هاته الآية) أبلغ في الإيعاد من قوله: ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غَوراً فمن يأتيكم بماء معين ﴾ [الملك: 30] اه.
فبيَّن صاحب «التقريب» للأبلغيَّة ثمانية عشر وجهاً: الأول: أن ذلك على الفرض والتقدير وهذا على الجزم على معنى أنه أدل على تحقيق ما أوعد به وإن لم يقع.
الثاني: التوكيد ب (إنّ).
الثَّالث: اللام في الخبر.
الرابع: أن هذه في مطلق الماء المنزل من السماء وتلك في ماء مضاف إليهم.
الخامس: أن الغائر قد يكون باقياً بخلاف الذاهب.
السادس: ما في تنكير ﴿ ذهاب ﴾ من المبالغة.
السابع: إسناده ههنا إلى مُذهِب بخلافه ثَمَّت حيث قيل ﴿ غَوراً ﴾ [الملك: 30].
الثامن: ما في ضمير المعظم نفسه من الروعة.
التاسع: ما في ﴿ قادرون ﴾ من الدلالة على القدرة عليه والفعلُ الواقع من القادر أبلغ.
العاشر: ما في جمعه.
الحادي عشر: ما في لفظ ﴿ به ﴾ من الدلالة على أن ما يُمسكه فلا مُرسل له.
الثاني عشر: إخلاؤه من التعقيب بإطماععٍ وهنالك ذكر الإتيان المطمع.
الثالث عشر: تقديم ما فيه الإيعاد وهو الذهاب على ما هو كالمتعلّق له أو متعلقُهُ على المذهبين البصري والكوفي.
الرابع عشر: ما بين الجملتين الاسميَّة والفعليَّة من التفاوت ثباتاً وغيره.
الخامس عشر: ما في لفظ ﴿ أصبح ﴾ [الملك: 30] من الدلالة على الانتقال والصيرورة.
السادس عشر: أن الإذهاب ههنا مصرح به وهنالك مفهوم من سياق الاستفهام.
السابع عشر: أن هنالك نفي ماء خاص أعني المَعين بخلافه ههنا.
الثامن عشر: اعتبار مجموع هذه الأمور التي يكفي كل منها مؤكداً.
وزاد الألوسي في «تفسيره» فقال: التاسع عشر: إخباره تعالى نفسُه به من دون أمر للغير ههنا بخلافه هنالك فإنه سبحانه أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك.
العشرون: عدم تخصيص مخاطب ههنا وتخصيص الكفار بالخطاب هنالك.
الحادي والعشرون: التشبيه المستفادُ من جعل الجملة حالاً فإنه يفيد تحقيق القدرة ولا تشبيه ثمتَ.
الثاني والعشرون: إسناد القدرة إليه تعالى مرتين.
ونقل الألوسي عن عصريِّه المولى محمد الزهاوي وجوهاً وهي: الثالث والعشرون: تضمين الإيعاد هنا إيعادهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى لأن (ذهب به) يستلزم مصاحبة الفاعل المفعول، وذهاب الله تعالى عنهم مع الماء بمعنى ذهاب رحمته سبحانه عنهم ولعنهم وطردهم عنها ولا كذلك ما هناك.
الرابع والعشرون: أنه ليس الوقت للذهاب معيّناً هنا بخلافه في ﴿ إن أصبح ﴾ [الملك: 30] فإنه يفهم منه أن الصيرورة في الصبح على أحد استعمالي (أصبح) ناقصاً.
الخامس والعشرون: أن جهة الذهاب به ليست معينة بأنها السفل (أي ما دل عليه لفظ غوراً).
السادس والعشرون: أن الإيعاد هنا بما لم يبتَلوا به قط بخلافه بما هنالك.
السابع والعشرون: أن الموعدَ به هنا إن وقع فهم هالكون البتة.
الثامن والعشرون: أنه لم يبق هنا لهم متشبث ولو ضعيفاً في تأميل امتناع الموعَد به وهناك حيث أسند الإصباح غوراً إلى الماء، ومعلوم أن الماء لا يصبح غوراً بنفسه كما هو تحقيق مذهب الحكيم، أيضاً احتمل أن يتوهم الشرطية مع صدقها ممتنِعة المقدّم فيأمنوا وقوعه.
التاسع والعشرون: أن الموعَد به هنا يحتمل في بادئ النظر وقوعه حالاً بخلافه هناك فإن المستقبل متعيِّن لوقوعه لمكان (إنْ).
وظاهر أن التهديد بمحتمل الوقوع في الحال أهول، ومتعين الوقوع في الاستقبال أهون.
الثلاثون: أن ما هنا لا يحتمل غير الإيعاد بخلاف ما هناك فإنه يحتمل ولو علم بُعد أن يكون المراد به الامتنان بأنه: إن أصبح ماؤكم غوراً فلا يأتيكم بماء معين سوى الله تعالى.
وأنا أقول: عُنِي هؤلاء النحارير ببيان التفاوت بين الآيتين ولم يتعرّض أحدهم للكشف عن وجه توفير الخصائص في هذه الآية دون الآية الأخرى مما يوازنها، وليس ذلك لِخلو الآية عن نكت الإعجاز ولا عجزِ الناظرين عن استخراج أمثالها، ولكن ما يبيّن من الخصائص البلاغيَّة في القرآن ليس يُريد من يبينه أن ما لاح له ووُفق إليه هو قصارى ما أودعه الله في نظم القرآن من الخصائص والمعاني ولكنه مبلغ ما صادف لَوحُه للناظر المتدبر، والعلماءُ متفاوتون في الكشف عنه على قدر القرائح والفهوم فقد يفاض على أحد من إدراك الخصائص البلاغيَّة في بعض الآيات ولا يفاض عليه مثله أو على مثله في غيرها.
وإنما يقصد أهل المعاني بإفاضة القول في بعض الآيات أن تكون نموذجاً لاستخراج أمثال تلك الخصائص في آيات أخرى كما فعل السكاكي في بيان خصائص قوله تعالى: ﴿ وقيل يا أرض ابلعي ماءَك ﴾ [هود: 44] الآية من مبحث الفصاحة والبلاغة من «المفتاح»، وأنه قال في منتهى كلامه «ولا تظنَّنَّ الآية مقصورة على ما ذكرتُ فلعل ما تركتُ أكثرُ مما ذكرت لأن المقصود لم يكن إلاّ الإرشادَ لكيفيَّة اجتناء ثمرات علمي المعاني والبيان».
وقد نقول: إن آية سورة المؤمنين قصد منها الإنذار والتهديد بسلب تلك النعمة العظيمة، وأما آية سُورة المُلك فالقصد منها الاعتبار بقدرة الله تعالى على سلبها، فاختلاف المقامين له أثر في اختلاف المقتضيَات فكانت آية سورة المؤمنين آثر بوفرة الخصائص المناسبة لمقام الإنذار والتهديد دون تعطيل لاستخراج خصائص فيها لعلنا نلم بها حين نَصل إليها.
على أن سورة الملك نزلت عقب نزول سورة المؤمنين وقد يتداخل نزول بعضها مع نزول بعض سورة المؤمنين، فلما أشبعت آية سورة المؤمنين بالخصوصيات التي اقتضاها المقام اكتُفي عن مثلها في نظيرتها من سورة الملك فسَلك في الثانية مسلك الإيجاز لقرب العهد بنظيرها.
وإنشاء الجنات من صنع الله تعالى أول إنبات الجنات في الأرض ومن بعد ذلك أنبتت الجنات بغرس البشر وذلك أيضاً من صنع الله بمَا أودع في العقول من معرفة الغرس والزرع والسقي وتفجير المياه واجتلابها من بُعد فكل هذا الإنشاء من الله تعالى.
والجنَّة: المكان ذو الشجر، وأكثر إطلاقه على ما كان فيه نخل وكَرْم.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ كمثَل جنة بربوة ﴾ الآية في سورة البقرة (265).
وما ذكر هنا من أصناف الشجر الثلاثة هو أكرم الشجر وأنفعه ثمراً وهو النخيل والأعناب والزيتون، وتقدم الكلام على النخيل والأعناب والزيتون في سورة الأنعام (99) وفي سورة النحل (11).
والفواكه: جمع فاكهة، وهي الطعام الذي يتفكه بأكله، أي يتلذذ بطعمه من غير قصد القوت، فإن قُصد به القوت قيل له طَعام.
فمن الأطعمة ما هو فاكهة وطعام كالتمْر والعِنب لأنه يؤكل رطباً ويابساً، ومنها ما هو فاكهة وليس بطعام كاللوز والكمثرى، ومنها ما هو طعام غير فاكهة كالزيتون، ولذلك أخر ذكر شجرة الزيتون عن ذكر أخويها لأنه أريد الامتنان بما في ثمرتهما من التفكه والقوت فتكون منَّة بالحاجيِّ والتحسيني.
ووصف الفواكه ب ﴿ كثيرة ﴾ باعتبار اختلاف الأصناف كالبسر والرطب والتمر، وكالزيت والعنب الرّطْب، وأيضاً باعتبار كثرة إثمار هذين الشجَريْن.
﴿ وشَجَرَةً ﴾ عطف على ﴿ جنَّات ﴾ أي وأخرجنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء وهي شجرة الزيتون، وجملة ﴿ تخرج ﴾ صفة ل ﴿ شجرة ﴾ وتخصيصها بالذكر مع طي كون الناس منها يأكلون تنويه بشأنها، وإيماء إلى كثرة منافعها لأن من ثمرتها طعاماً وإصلاحاً ومداواة، ومن أعوادها وَقود وغيره، وفي الحديث «كلوا الزيت وادَّهِنوا به فإنَّه من شجرة مباركة».
وطور سيناء: جبل في صحراء سيناء الواقعَةِ بينَ عقبة أيلة وبين مصر، وهي من بلاد فلسطين في القديم وفيه ناجى موسى ربه تعالى، وتقدم الكلام عليه في سورة الأعراف (143) عند قوله: ﴿ ولكن انظر إلى الجبل ﴾ وغلب عليه اسم الطور بدون إضافة، وطورُ سيناء أو طور سينين.
ومعنى الطور الجبل.
وسيناء قيل اسم شجر يكثر هنالك.
وقيل اسم حجارة.
وقيل هو اسم لذلك المكان، قيل هو اسم نبطي وقيل هو اسم حبشي ولا يصح.
وإنما اغتر من قاله بمشابهة هذا الاسم لوصف الحَسَن في اللغة الحبشيَّة وهو كلمة سَناه، ومثل هذا التشابه قد أثار أغلاطاً.
وسُكنت ياء سيناء} سكوناً ميِّتا وبه قرأ الجمهور.
ويجوز فيها الفتح وسكون الياء سكوناً حياً، وبه قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وهو في القراءتين ممدود، وهو فيهما ممنوع من الصرف فقيل للعلميَّة والعجمة على قراءة الكسر لأن وزن فِعْلاء إذا كان عينه أصلاً لا تكون ألفه للتأنيث بل للإلحاق وألف الإلحاق لا تمنع الصرف، وعلى قراءة الفتح فمنعه لأجل ألف التأنيث لأن وزن فَعْلاء من أوزان ألف التأنيث.
وقوله: ﴿ تخرج من طور سيناء ﴾ يقتضي أن لها مزيد اختصاص بطُور سيناء.
وقد غمض وجه ذاك.
والذي أراه أن الخروج مستعمل في معنى النشأة والتخلق كقوله تعالى: ﴿ فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى ﴾ [طه: 53] وقوله: ﴿ يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ﴾ [الزمر: 21]، وذلك أن حقيقة الخروج هو البروز من المكان ولما كان كل مخلوق يبرز بعد العدم وكان المكان لازماً لكل حادث شبه ظهور الشيء بعد أن كان معدوماً بخروج الشيء من المكان الذي كان محجوباً فيه.
وهي استعارة شائعة في القرآن.
فيظهر أن المعنى أن الله خلق أول شجر الزيتون في طور سيناء، وذلك أن الأجناس والأنواع الموجودة على الكرة الأرضية لا بد لها من مواطن كان فيها ابتداء وجودها قبل وجودها في غيرها لأن بعض الأمكنة تكون أسعد لنشأة بعض الموجودات من بعض آخر لمناسبة بين طبيعة المكان وطبيعة الشيء الموجود فيه من حرارة أو برودة أو اعتدال، وكذلك فصول السنة كالربيع لبعض الحيوان والشتاء لبعض آخر والصيف لبعض غيرها فالله تعالى يوجد الموجودات في الأحوال المناسبة لها فالحيوان والنبات كله جار على هذا القانون.
ثم إن البشر إذا نقلوا حيواناً أو نباتاً من أرض إلى أرض أو أرادوا الانتفاع به في فصل غيرِ فصله ورأوا عدم صلاحية المكان أو الزمان المنقول إليهما يحتالون له بما يكمل نقصه من تدفئة في شدة بَرد أو تبريد بسبح في الماء في شدة الحر حتى لا يَتعطل تناسل ذلك المنقول إلى غير مكانه، فكما أن بعض الحيوان أو النبات لا يعيش طويلاً في بعض المناطق غير الملايمة لطباعه كالغزال في بلاد الثلوج فكذلك قد يكون بعض الأماكن من المنطقة الملائمة للحيوان أو النبات أصلح به من بعض جهات تلك المنطقة، فلعل جَوّ طور سيناء لتوسطه بين المناطق المتطرفة حرّاً وبَرداً ولتوسط ارتفاعه بين النجود والسهول يكون أسعد بطبع فصيلة الزيتون كما قال تعالى: ﴿ زيتونة لاَ شرقية ولا غربيَّة ﴾ [النور: 35]، فالله تعالى هيأ لتكوينها حين أراد تكوينها ذلك المكان كما هيأ لتكوين آدم طينة خاصة فقال: ﴿ خلقَ الإنسانَ من صلصال ﴾ [الرحمن: 14] ثم يكون الزيتون قد نقل من أول مكان ظهر فيه إلى أمكنة أخرى نقله إليها ساكنوها للانتفاع به فنجح في بعضها ولم ينجح في بعض.
وقد ثبت في التوراة أن شجرة الزيتون كانت موجودة قبل الطوفان وبعدَه.
ففي الإصحاح الثامن من سفر التكوين: أن نوحاً أرسل حمامة تبحث عن مكان غِيضت عنه مياه الطوفان فرجعت الحمامة عند المساء تحمل في منقارها ورقة زيتون خضراء فعلم نوح أن الماء أخذ يغيض عن الأرض.
ومعلوم أن ابتداء غَيض الماء إنما ينكشف عن أعالي الجبال أول الأمر فلعل ورقة الزيتون التي حملتها الحمامة كانت من شجرة في طور سيناء.
وأيّاً مَّا كان فقد عرف نوح ورقة الزيتون فدل على أنهم كانوا يعرفون هذه الشجرة من قبل الطوفان.
ولكن لم يرد ذكر استعمال زيت الزيتون في طعام في التاريخ القديم إلاّ في عهد موسى عليه السلام أيام كان بنو إسرائيل حول طور سيناء؛ فقد استعمل الزيت لإنارة خيمة الاجتماع بوحي الله لموسى، وسَكب موسى دهن المسحة على رأس هارون أخيه حين أقامه كاهناً لبني إسرائيل.
ويجوز أن يكون معنى ﴿ تخرج ﴾ تظهر وتُعرف، فيكون أول اهتداء الناس إلى منافع هذه الشجرة وانتقالهم إياها كان من الزيتون الذي بطور سيناء.
وهذا كما نسمّي الديك الرومي في بلدنا بالديك الهندي لأن الناس عرفوه من بلاد الهند، وكما تسمى بعض السيوف في بلاد العرب بالمَشْرَفِيَّةِ لأنَّها عرفت من مَشارف الشام، وبعض الرماح الخَطيةَ لأنها ترد إلى بلاد العرب من مرفأ يقال له: الخَط، وبعض السيوف بالمهنَّد لأنَّه يجلب من الهند، وقد كان الزيت يجلب إلى بلاد العرب من الشام ومن فلسطين.
وأيّاً مَّا كان فليس القصد من ذكر أنها تخرج من طور سيناء إلاّ التنبيه على أنه منبتها الأصلي وإلاّ فإن الامتنان بها لم يكن موجهاً يومئذٍ لسكان طور سيناء، وما كان هذا التنبيه إلاّ للتنويه بشرف منبتها وكرم الموطن الذي ظهرت فيه، ولم تزل شجرة الزيتون مشهورة بالبركة بين الناس.
ورأيت في «لسان العرب» عن الأصمعي عن عبد الملك بن صالح: أن كل زيتونة بفلسطين فهي من غرس أمم يقال لهم اليونانيون اه.
والظاهر أنه يعني به زيتون زمانهم الذي أخلفوا به أشجاراً قديمة بادتْ.
وفي أساطير اليونان (ميثولوجيا) أن منيرفا ونَبْتُون (الربين في اعتقاد اليونان) تنازعا في تعيين أحدهما ليضع اسماً لمدينة بناها (ككرابيس) فحكمت الأرباب بينهما بأن هذا الشرف لا يناله إلاّ من يصنع أنفع الأشياء.
فأما (نبتون) فأوجد فرساً بحرياً عظيم القوة، وأما (مينيرفا) فصنَعت شجرة الزيتون بثمرتها، فحكم الأربابُ لها بأنها أحق، فلذلك وضعُوا للمدينة اسم (أثينا) الذي هو اسم منيرفا.
وزعموا أن (هيركول) لما رجع من بعض غزواته جاء معه بأغصان من الزيتون فغرسها في جبل (أولمبُوس) وهو مسكن آلهتهم في زعمهم.
فقد كان زيت الزيتون مستعملاً عند اليونان من عهد (هوميروس) إذ ذكر في الإلياذة أن (أخيل) سكب زيتاً على شلو (فطر قليوس) وشلو (هكتور).
وكان الزيت نادراً في معظم بلاد العرب إذ كان يجلب إلى بلاد العرب من الشام.
وقد ضرب الله بزيت الزيتونة مثلاً لنوره في قوله: ﴿ مَثَلُ نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دُرِّيّ يُوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتُها يُضيء ولو لم تَمْسَسْهُ نارٌ نورٌ على نور ﴾ [النور: 35].
والتعبير بالمضارع في قوله: ﴿ تخرج من طور سيناء ﴾ لاستحضار الصورة العجيبة المهمة التي كونت بها تلك الشجرة في أول تكوينها حتى كأن السامع يبصرها خارجة بالنبات في طور سيناء، وذلك كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ﴾ [المائدة: 110]، وهذا أنسب بالوجه الأول في تفسير معنى ﴿ تخرج من طور سيناء ﴾ .
ومعنى ﴿ تنبت بالدهن ﴾ أنها تنبت ملابسة للدهن فالباء للملابسة.
وهذه الآية مثال لباء الملابسة، والملابسة معنى واسع، فملابسة نبات شجرة الزيتون للدهن والصبْغ ملابسة بواسطة ملابسة ثمرتها للدهن والصبغ، فإن ثمرتها تشتمل على الزيت وهو يكون دهناً وصبغاً للآكلين، فأما كونه دهناً، فهو أنه يدهن به الناس أجسادهم ويرجِّلون به شعورهم ويجعلون فيه عطوراً فيرجلون به الشعور، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدَّهن بالزيت في رأسه.
والدّهن بضم الدال: اسم لما يدهن به، أي يطلَى به شيء، ويطلق الدهن على الزيت باعتبار أنه يُطلَى به الجسد للتداوي والشَّعَر للترجيل.
والصِّبغ، بكسر الصَّاد: ما يصبغ به أي يُغير به اللَّون.
ثم تُوسع في إطلاقه على كل مائع يطلى به ظاهر جسم مَّا، ومنه قوله تعالى: ﴿ صبْغةَ الله ﴾ [البقرة: 138].
وسمي الزيت صبغاً لأنه يصبغ به الخبز.
وعَطفُ ﴿ صِبغ ﴾ على ﴿ الدهن ﴾ باعتبار المغايرة في ما تدل عليه مادّة اشتقاق الوصف فإن الصبغ ما يصبغ به والدهن ما يدهن به والصبغ أخص؛ فهو من باب عطف الخاص على العام للاهتمام، وكانوا يأدِمون به الطعام وذلك صبغ للطعام، أخرج الترمذي في «سننه» عن عمر بن الخطاب وعن أبي أُسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كُلُوا الزيت وادّهنوا به فإنه من شجرة مباركة ".
وقرأ الجمهور ﴿ تَنبُت ﴾ بفتح التاء وضَم الموحدة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورُويس ويعقوب بضم التاء وكسر الموحدة على لغة من يقول: أنبت بمعنى نبت أو على حذف المفعول، أي تُنبت هي ثَمرها، أي تخرجه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ ﴾ هي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ مَنفَعَتِها وقِلَّةِ تَعاهُدِها.
وَفي طَوْرِ سَيْناءَ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ سَيْناءَ البَرَكَةُ فَكَأنَّهُ قالَ جَبَلُ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الحَسَنُ المَنظَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الكَثِيرُ الشَّجَرِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُرْتَفِعُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّساءِ، وهو الِارْتِفاعُ فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ اسْمًا عَرَبِيًّا، وعَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ يَكُونُ اسْمًا أعْجَمِيًّا واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِأعْجَمِيَّتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سُرْيانِيٌّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: نَبَطِيٌّ.
الثّالِثُ: حَبَشِيٌّ.
﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾ اخْتَلَفَ في الدُّهْنِ هُنا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الدُّهْنَ هُنا المَطَرُ اللَّيِّنُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ دُرُسْتُوَيْهِ، ويَكُونُ دُخُولُ الباءِ تَصْحِيحًا لِلْكَلامِ.
الثّانِي: أنَّهُ الدُّهْنُ المَعْرُوفُ أيْ بِثَمَرِ الدُّهْنِ.
وَعَلى هَذا اخْتَلَفُوا في دُخُولِ الباءِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ وأنَّها تُنْبِتُ الدُّهْنَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ: نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ فَكانَتِ الباءُ في بِالفَرَجِ زائِدَةً كَذَلِكَ في الدُّهْنِ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّ الباءَ أصْلٌ ولَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وقَدْ قُرِئَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ بِفَتْحِ التّاءِ الأُولى إذا كانَتِ التّاءُ أصْلًا ثابِتًا.
فَإنْ كانَتِ القِراءَةُ بِضَمِّ التّاءِ الأُولى فَمَعْناهُ تَنْبُتُ ويَنْبُتُ بِها الدُّهْنُ، ومَعْناهُما إذا حُقِّقَ مُتَقارِبٌ وإنْ كانَ بَيْنَهُما أدْنى فَرْقٍ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يَنْبُتُ فِيها الدُّهْنُ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ: أنْ تَشْرَبَ الماءَ وتُخْرِجَ الدُّهْنَ.
﴿ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ ﴾ أيْ إدامٍ يَصْطَبِغُ بِهِ الآكِلُونَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «الزَّيْتُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ فائْتَدِمُوا بِهِ وادَّهِنُوا» وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَ ما يُؤْتَدَمُ بِهِ سِوى اللَّحْمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه والخطيب بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون، وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة، والفرات وهما نهرا العراق، ونهر مصر.
أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل فاستودعها الجبال، وأجرها إلى الأرض، وجعلها منافع للناس في أصناف معايشهم.
فذلك قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ﴾ فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فيرفع من الأرض القرآن والعلم كله، والحجر من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء.
فذلك قوله: ﴿ وإنا على ذهاب به لقادرون ﴾ فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عطاف قال: إن الله أنزل أربعة أنهار: دجلة، والفرات، وسيحون، وجيحون، وهو الماء الذي قال الله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء بقدر ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ فأنشأنا لكم به جنات ﴾ قال: هي البساتين.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ﴾ أي: بقدر يعلمه الله.
وقال مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة (١) وعلى هذا القول الماء المذكور في الآية مخصوص (٢) وقال الكلبي: هو المطر.
وعلى هذا معنى ﴿ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ﴾ يريد ما يبقى في الغُدران والمستنقعات والدُّحلان (٣) وقال آخرون (٤) وهذا معنى قول مقاتل بن سليمان، فقد قال: يعني العيون (٥) وقال أبو إسحاق: هو دجلة والفرات وسيحان وجيحان، فقد روي أن هذه الأنهار الأربعة من الجنة (٦) ومعنى ﴿ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ﴾ (٧) (٨) قوله: ﴿ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه سيغيض ويذهب.
يعني النيل.
وعلى هذا كأن الله تعالى وعد أنه يذهب النيل حتى ينقطع (٩) وعلى (١٠) وقال مقاتل: ﴿ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾ فتغور العيون في الأرض فلا يقدر عليه (١١) (١) "تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.
(٢) ولا وجه لهذا التخصيص، لعدم الدليل.
(٣) في (اْ): (الدجلان)، وفي (ع): (الدخلان)، والصواب ما في (ظ).
وهو جمع دحل، والدحل والدُّحل: هوة تكون في الأرض وفي أسافل الأودية، فيها ضيق ثم تتسع.
"الصحاح" 4/ 1695 (دحل)، "لسان العرب" 11/ 237 (دحل).
والغُدْران: جمع غدير، وهو القطعة من الماء يغادرها السيل.
"الصحاح" 2/ 766 - 767 (غدر).
(٤) ذكره البغوي 5/ 413 وصدره بقول: قيل.
(٥) "تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.
(٦) روى مسلم في صحيحه كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة 4/ 2183 عن أبي هريرة - - قال: قال رسول الله - - "سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة".
وروى النحاس في "معاني القرآن" 4/ 450، وابن عدي في "الكامل" 6/ 2316، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" 1/ 57، والواحدي في "الوسيط" 3/ 286 كلهم من طريق مسلمة بن علي عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - - قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض ...
فذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ﴾ ..
" الحديث.
وهذا الحديث قال عنه ابن عدي بعد روايته أنه منكر المتن.
وضعف إسناده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 95.
(٧) في (أ): (أسكناه)، وهو خطأ.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 10.
(٩) لا دليل على هذا من كتاب أو سنة صحيحة.
(١٠) في (ظ)، (ع): (وعلى هذا قول ...) بزيادة (هذا).
(١١) "تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَآءً بِقَدَرٍ ﴾ يعني المطر الذي ينزل من السماء، فتكون منه العيون والأنهار في الأرض، وقيل: يعني أربعة أنهار وهي النيل، والفرات، ودجلة، وسيحان، ولا دليل على هذا التخصيص، ومعنى بقدر: بمقدار معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص منه.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ لأماناتهم ﴾ على التوحيد: ابن كثير ﴿ على صلاتهم ﴾ موحدة: حمزة وعلي وخلف.
و ﴿ عظماً ﴾ ﴿ العظم ﴾ موحدين على إرادة الجنس أو على وضع الواحد مكان الجمع لعدم اللبس: ابن عامر وأبو بكر وحماد و ﴿ جبلة ﴾ الأول موحداً والثاني مجموعاً: زيد بن يعقوب.
وروى القطعي عن أبي زيد بالعكس فيهما.
الباقون مجموعين ﴿ سيناء ﴾ بكسر السين: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون بفتحها.
﴿ تنبت ﴾ من الإنبات: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير روح.
الآخرون بفتح التاء وضم الباء من النبات.
﴿ تسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.
بالتاء الفوقانية: يزيد: الباقون بضم النون.
﴿ منزلاً ﴾ بفتح الميم وكسر الزاء: ابو بكر وحماد.
الآخرون بضم الميم وفتح الزاء.
الوقوف: ﴿ المؤمنون ﴾ ه لا ﴿ خاشعون ﴾ ه لا ﴿ معرضون ﴾ ه لا ﴿ فاعلون ﴾ ه لا ﴿ حافظون ﴾ ه ﴿ ملومين ﴾ ه لاعتراض الاستثناء بين الأوصاف ولاستحقاق الشرط الابتداء ولطول الكلام وإلا فالآيتان من أوصاف المؤمنين ايضاً ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ يحافظون ﴾ ه م وإلا لأوهم تخصيص الإرث بالمذكورين في الآيتين فقط ﴿ الوارثون ﴾ ه لا ﴿ الفردوس ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ج ه للعدول عن المظهر إلى كناية عن غير مذكور فإن المراد من الإنسان آدم، ومن الهاء في جعلناه جنس ولده مع عطف ظاهر ﴿ مكين ﴾ ه ج للعطف ﴿ لحماً ﴾ صلى وقد قيل للابتداء بإنشاء نفخ الروح تعظيماً ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ الخالقين ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار فإن بين الإحياء والإفناء مهلة ﴿ لميتون ﴾ ه ط لذلك ﴿ لقادرون ﴾ ه للآية مع اتصال المعنى بلفظ الفاء ﴿ وأعناب ﴾ م لئلا يوهم أن الجار والمجرور وصف أعناب ﴿ تأكلون ﴾ ه لا لأن شجرة مفعول ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ لآكلين ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأن الجملة بعدها ليست بصفة لها ﴿ تأكلون ﴾ ه لا ﴿ تحملون ﴾ ه ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن قوله ﴿ يريد ﴾ صفة ﴿ بشر ﴾ ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ ملائكة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولين ﴾ ج ه للآية مع اجتناب الابتداء بقول الكفار مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ حين ﴾ ه ﴿ كذبون ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب فإذا ﴿ منهم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الاستثناء ﴿ ظلموا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال إضمار اللام والفاء للتعليل ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ المبتلين ﴾ ه.
التفسير: لما أنجر الكلام في السورة المتقدمة إلى الختم بالصلاة والزكاة بدأ في هذه السورة بذكر فضائلهما وفضائل ما ينخرط في سلكهما من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
"وقد" نقيضة "لما" لأنها تثبت المتوقع و "لما" تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي إخبار بثبوت الفلاح لهم.
وقد مر معنى الإيمان والاختلاف فيه بين الأقوام في أول "البقرة".
وأما الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون، وترك الالتفات، والنظر إلى موضع السجود، والتوقي عن كف الثوب أي جمعه، والعبث بجسده وثيابه، والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم، والسدل بأن يضع وسط الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل طرفيه، والاحتراز عن الفرقعة والتشبيك وتقليب الحصى، والاختصار وهو أن يمسك بيده عصاً أو سوطاً ونحوهما.
وقال الحسن وابن سيرين: كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، وكان رسول الله يفعل ذلك، فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاة، وهذا الخشوع واجب عند المحققين.
نقل الإمام الغزالي عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي: من لم يخشع فسدت صلاته.
وعن الحسن: كلا صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.
وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له.
وروي عنه مرفوعاً: إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها وعشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها.
وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته.
ومما يدل على صحة هذا القول قوله ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله ﴿ وأقم الصلاة لذكرى ﴾ والغفلة تضاد الذكر ولهذا قال ﴿ ولا تكن من الغافلين ﴾ وقوله ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ نهي للسكران إلا أن المستغرق في هموم الدنيا بمنزلته.
وقوله "المصلي يناجي ربه" ولا مناجاة مع الغفلة أصلاً بخلاف سائر أركان الإسلام فإِن المقصود منها يحصل مع الغفلة، فإن الغرض من الزكاة كسر الحرص وإغناء الفقير، وكذا الصوم قاهر للقوي كاسر لسطوة النفس التي هي عدّو الله، وكذا الحج فإِن أفعاله شاقة وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء وإن لم يكن القلب حاضراً.
والمتكلمون أيضاً اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع قالوا: لأن السجود لله طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بد من مميز وما ذاك إلا القصد والإرادة ولا بد فيهما من الحضور.
وأما الفقهاء فالأكثرون منهم لا يوجبون ذلك فيقال لهم: هبوا أنه ليس من شرط الإجزاء وهو عدم وجوب القضاء، أليس هو من شرط القبول الذي يترتب عليه الثواب؟
فمن استعار ثوباً ثم ردّه على أحسن الوجوه فقد خرج عن العهدة، وكذا إن ردّه على وجه الإهانة والاستخفاف إلا أنه يستحق المدح في الصورة الأولى والذم في الصورة الثانية.
" وعن النبي أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" .
ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زّوجني الحور العين.
فقال: بئس الخاطب أنت قلت: لا ريب أن الاحتياط إنما هو في رعاية جانب الخشوع كما حكي عن بعض العلماء أنه اختار الإمامة فقيل له في ذلك؟
فقال: أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي.
وإن قرأت مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الخلاف.
قال علماء المعاني: سبب إضافة الصلاة إليهم هو أن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى لأجله، فالمصلي هو المنتفع بها وحده وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فمتعال عن ذلك.
ولما كان اللغو هو الساقط من القول أو الفعل احتمل أن يقع في الصلاة، وأيضاً كان الإعراض عنه من باب التروك كما أن الخشوع وهو استعمال الآداب وما لا يصح ولا تكمل الصلاة إلا به كان من باب الأفعال وعلى الفعل والترك بناء قاعدة التكليف فلا جرم جعلهما قرينين فقال ﴿ والذين هم عن اللغو معرضون ﴾ واللغو على ما قلنا يشمل كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو مباحاً لا ضرورة إليه ولا حاجة قولاًَ أو فعلاً.
فمن الحرام قوله حكاية عن الكفار ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن وَالغَواْ فيه ﴾ فإِن ذلك اللغو كفر والكفر حرام.
ومن المباح قوله ﴿ لا يؤاخذكم الله بِاللَّغوِ في أيمانكم ﴾ ولو لم يكن مباحاً لم يناسبه عدم المؤاخذة.
والإعراض عن اللغو هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه كما قال عز من قائل ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ ثم وصفهم بفعل الزكاة وهو مناسب للصلاة.
وليس المراد بالزكاة ههنا عين القدر المخرج من النصاب لأن الخلق لا قدرة لهم على فعلها فلا يصح فقوله للمزكي فاعل الزكاة كقولك للضارب فاعل الضرب.
وعن أبي مسلم أنه حمل الزكاة ههنا على فعل محمود مرضي كقوله ﴿ قد افلح من تزكى ﴾ والأول أقرب لأنه مناسب لعرف الشرع.
الصفة الرابعة قوله ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ﴾ قال الفراء: "على" بمعنى "عن": وقال غيره: هو في موضع الحال أي إلا والين أو قوامين على أزواجهم نظيره قولهم "كان زياد على البصرة" اي والياً عليها، والمعنى أنهم مستمرون على حفظ الفروج في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسربهم.
أو تعلق الجار بمحذوف يدل عليه ﴿ غير ملومين ﴾ كأنه قيل: يلامون على كل من يباشرونه إلا على أزواجهم فإنهم غير ملومين عليهن، وجوّز في الكشاف أن يكون صلة لحافظين من قولهم "احفظ عليّ عنان فرسي" على تضمينه معنى الفي أي لا تسلط علي فرسي.
وإنما لم يقل "أو من ملكت" لأنه اجتمع في السرية وصفان: الأنوثة التي هي سبب نقصان العقل وكونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع ﴿ فمن ابتغى ﴾ حداً ﴿ وراء ذلك ﴾ الحد الذي شرع وهو إباحة أربع من الحرائر وما الإماء من الإماء وكفى به حداً فسيحاً ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في العدوان المتناهون فيه.
قيل: لا دليل فيه على تحريم نكاح المتعة لأنها من جملة الأزواج إذا صح النكاح.
ومنع من أنها من الأزواج ولو كانت زوجة لورث منها الزوج لقوله ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ ولورثت منه لقوله ﴿ ولهن الربع ﴾ ثم الآية من العمومات التي دخلها التخصيص بدلائل أخر فيخرج منها الغلام بل الوطء في الدبر على الإطلاق لأنه ليس موضع الحرث، وكذا الزوجة والأمة في أحوال الحيض والعدة والإحرام ونحوها.
وقال أبو حنيفة: الاستثناء من النفي ليس بإثبات فقوله "لا صلاة إلا بطهور" "ولا نكاح إلا بولي" لا يقتضي حصول الصلاة والنكاح بمجرد حصول الطهور والولي، ولا تخصيص عنده في الآية.
والمعنى أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات، وهكذا نقله الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره.
الصفة الخامسة رعاية الأمانة والعهد والمراد بهما الشيء المؤمتمن عليه والمعاهد عليه لتمكن رعايتهما، والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية.
ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله ومن جهة الناس كالعبادات والمعاملات والودائع والقصود والنيات والعقود والنذور والطلاق والعتاق وغيرها، وقد مر في تفسير قوله ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ وقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ ويحتمل الخصوص فيما تحملوه من أمانات الناس وعهودهم.
الصفة السادسة محافظة الصلاة كما مر في قوله { ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ وذلك في "البقرة" وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم وآخراً بالمداومة عليها وبمراقبة أعداها وأوقاتها فرائض كانت أو سنناً، رواتب أو غيرها.
فالمحافظة أعم من الخشوع وأشمل، ومن هنا يعرف فضيلة الصلاة إذ وقع الافتتاح بها والاختتام عليها وإن اختلف الاعتباران والعبارتان.
﴿ أولئك هم الوارثون ﴾ الأحقاء بأن يسموا ورّاثاً دون من عداهم ممن يرث مالاً فانياً أو متاعاً قليلاً أو ممن يدخل الجنة سواهم كالأطفال والمجانين والفساق بعد العفو وكالولدان والحور.
ثم بين الموروث بقوله ﴿ الذين يرثون الفردوس ﴾ وقد سبق معنى هذه الوراثة في "الأعراف" في قوله ﴿ ونودوا أن تِلكُمُ الجنة أورثتموها ﴾ قال الفقهاء: لا فرق في الميراث بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر ملكه فيه ولذلك قالوا للدية إنها ميراث المقتول.
وكل من في الجنة فله مسكن مفروض في النار على تقدير طفره، وكل من في النار فله مسكن مفروض في الجنة على تقدير إيمانه كما ورد في الحديث، فإذا تبادل المسكنان كان جميع أهل الجنة وارثين، ولكن كل افردوس لا يكون ميراثاً بل بعضه ميراث وبعضه بالاستحقاق إلا أنه يصدق بالجملة أنهم ورثوا الفردوس أي الجنة ولهذا أنت الضمير في قوله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ وقيل: إن الجنة كانت مسكن أبينا آدم فإذا انتقلت إلى أولاده كان شبيهاً بالميراث.
والفردوس بلسان الحبشة أو الروم هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر.
روي أن الله عز وجل بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر.
وروى أبو موسى الشعري عن النبي أنه قال "الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار" وعن أبي أماة مرفوعاً "سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش" ويروى عن النبي أنه قال "لما خلق الله جنة عدن قال لها: تكلمي.
فقالت: قد افلح المؤمنون" ويروى عن النبي أنه قال "إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت: حفظك الله كما حافظت علي وتشفع لصاحبها.
فإذا أضاعها قالت: ضيعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب ويضرب بها على وجه صاحبها" قالت العلماء: أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمتقين كقوله ﴿ قالتا أتينا طائعين ﴾ وكذا الكلام في كلام "طوبى".
وأما أنه خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها وإيجادها من غير واسطة.
وأما حديث الصلاة فلا ريب أنها حركات وسكنات ولا يصح عليها التكلم فالمراد به ضرب المثل كقولك للمنعم عليك "إن إحسانك إليّ ينطق بالشكر".
ولما حث عباده على العبادات ووعدهم الفردوس على مواظبتها عاد إلى تقرير المبدأ والمعاد ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين وهو ثلاثة أنواع: الأول الاستدلال بأطوار خلق الإنسان والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر وهذا البناء للقلة ولما يسقط عن الشيء كالقلامة.
قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد آدم لأنه استل من الطين، والكناية في ﴿ جعلناه ﴾ راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم أي جعلنا جوهره نطفة وقال آخرون: الإنسان ههنا هو ولد آدم والطين اسم آدم والسلالة هي الأجزاء الكلية المبثوثة في أعضائه التي تجتمع منياً في أوعيته، ويحتمل أن يقال: إن كل نسل آدم حاله كذلك لأن غذاءه ينتهي إلى النبات المتولد من صفو الأرض والماء المسمى بالسلالة.
ثم إن تلك السلالة تصير منياً وعلى هذا فكلتا لفظي "من" للابتداء.
قال في الكشاف: الأولى للابتداء والثانية للبيان وهو موجه على التفسير الأول فقط.
والقرار المستقر اراد به الرحم.
وإنما وصفت بالمكين لمكانتها في نفسها فإنها مكنت حيث هي وأحرزت، أو على الإسناد المجازي باعتبار المستقر فيها كقولك "طريق سائر".
وترتيب الأطوار كما مر في أول الحج.
ومعنى "ثم" في بعض هذه المعطوفات تراخي الرتبة ولا سيما في قوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ اي خلقاً مبايناً للخلق الأول حيث جعله حيواناً وكان جماداً إلى غير ذلك من دقائق اللطف وغرائب الصنع وذلك بعد استكماله ثلاثة أربعينات.
ومن هنا ذهب أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده إلى أنه يضمن البيضة ولا يردّ الفرخ لأنه خلق آخر سوى البيضة.
وروى العوفي عن ابن عباس أن ذلك تصريف الله في أطواره بعد الولادة من الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب وخلق الفهم والعقل فيه يؤيده قوله ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ ويروى هذا القول أيضاً عن مجاهد وابن عمر ﴿ فتبارك الله ﴾ كثر خيره وبركته أو هو وصف له بالدوام والبقاء أو بالتعالي لأن البركة يرجع معناها إلى الامتداد وكل ما زاد على الشيء فقد علاه.
ومعنى ﴿ أحسن الخالقين ﴾ أحسن المقدّرين تقديراً فحذف المميز للعلم به.
قالت المعتزلة: في الاية دلالة على أن كل ما يفعله الله فهو حسن وحكمة فلا يكون خالقاً للكفر والمعاصي.
وأجيب بأن الحسن ههنا بمعنى الإحكام والإتقان في التركيب والتأليف وبأنه لا يقبح منه شيء لأنه يتصرف في ملكه.
قالوا: لولا أن غيره خالق لم تحسن هذه الإضافة فيعلم منه أن العبد خالق أفعاله.
وعورض بقوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ وأجيب بأن المراد أنه أحسن الخالقين في زعمكم واعتقادكم.
وبعضهم أجاب بأن وجه حسن الإضافة هو أنه وصف عيسى بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ولا يخفى ضعف هذا الجواب من أنه يلزم إطلاق الجمع على الواحد ومن حيث إنه يلزم إطلاق الخالق على المصوّرين.
والحق أن الخلق لو كان بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد لا يلزم منه شيء من هذه الإشكالات.
روي أن عبد الله بن أبي سرج كان يتب لرسول الله فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله اكتب هكذا نزلت.
فقال عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ فلحق بمك كافراً ثم اسلم يوم الفتح.
وروي عن عمر ايضاً سبق لسانه بقوله ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ قبل أن ينزل.
واعلم أن هذا غير مستبعد ولا قادح في إعجاز القرآن لأنه ليس بمقدار سورة الكوثر التي وقع فيها أقل التحدي به.
سؤال: ما الحكمة في الموت وهلا وصل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة ليكون في الأنعام أبلغ؟
جواب لو كان كذلك لكان الآتي بالطاعة آتياً بها لمحض الجنة والثواب فلا جرم أوقع الله الإماتة والإعادة في البين لتكون الطاعات أدخل في الإخلاص وابعد عن صورة المبايعة.
وليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة وهي حياة القبر فتعرف تلك بدليل آخر.
ويمكن إن يقال: بل الآية تتضمنها فإنها ايضاً من جنس الإعادة.
النوع الثاني: الاستدلال بخلق السموات قال الخليل والفراء والزجاج: سميت السموات طرائق لأنها طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل.
وقال علي بن عيسى: لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم.
وقيل: لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها ﴿ وما كنا عن الخلق ﴾ أي عن السموات وحفظها أن لا تقع على الأرض قاله سفيان بن عيينة.
وعن الحسن أراد بالخلق الناس أي ما كنا ﴿ غافلين ﴾ عن مصالحهم فخلقنا الطرائق فوقهم لينزل منها عليهم البركات والأرزاق ولينتفعوا بغير ذلك من منافعها.
ويحتمل أن يريد بالأول كمال قدرته وبالثاني كمال علمه بأحوال مخلوقاته وفيه نوع من الزجر.
ويمكن أن يراد خلقنا السموات وما كنا عن خلقها ذاهلين فلهذا لم تخرج عن التقدير الذي اردنا كونها عليه نظيره ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ النوع الثالث: الاستدلال بنزول الأمطار وإخراج النبات وإنشاء الحيوانات.
ونزول المطر عند الظاهرين من أهل الشرع لا يبعد أن يكون من نفس السماء، وعند أرباب المعقول منهم يراد به إنزاله من جهة السماء قالوا: إنه يصعد الأجزاء المائية من البحر بواسطة التبخير فتصير في الجو صافية عذبة زائلة عنها ملوحة البحر، ثم ينزلها بواسطة السحب وقد سلف في أول البقرة تفصيل ذلك.
ومعنى ﴿ بقدر ﴾ بتقدير يسلمون معه من المضار ويصلون إلى المنافع، او بمقدار يوافق حاجاتهم.
ومعنى إسكان ماء المطر في الأرض جعله مدداً للينابيع والآبار.
وقيل: أراد إثابته في الأرض على ما روي عن ابن عباس أن الأنهار خمسة: سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة واستودعها الجبال وأجراها في الأرض.
﴿ وإنا على ذهاب به لقادرون ﴾ أي كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه.
ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى إذ فيه إيذان على أن الذاهب به قادر على ايّ وجه اراد به، وفيه تحذير من كفران نعمة الماء وتخويف من نفاذه إذا لم يشكر.
ثم لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء بين المنافع الحاصلة بسببه وخص منها النخيل والأعناب وشجرة الزيتون لأنها أكرم الشجر وأعمها نفعاً، ووصف النخل بأن ثمرهما جامع لأمرين: التفكه والتطعم.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ومنها تأكلون ﴾ من قولهم "فلان يأكل من حرفة كذا" كأنه قال: ومن هذه الجنان وجوه ارزاقكم ومعايشكم ووصف الزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعاً.
قال جار الله: طور سيناء وطور سينين إما أن يكون الطور فيه مضافاً إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون المجموع اسماً للجبل وهو جبل فلسطين على قول والطور الذي منه نودي موسى.
من قرأ ﴿ سيناء ﴾ بفتح السين فهو كصحراء، ومن قرأ بكسرها فمنع صرفه للعلمية والعجمة أو التأنيث بتأويل البقعة ولا يكون الفه حينئذ للتأنيث كعلباء وحرباء.
قال في الكشاف ﴿ بالدهن ﴾ في موضع الحال والباء للمصاحبة دون التعدية، لأن نبات الدهن أو إنباته لا يكاد يستعمل.
فالمعنى تنبت الشجرة وفيها الدهن أو تنبت الشجرة زيتونها وفيه الزيت.
ويجوز أن يكون أنبت بمعنى نبت أيضا، والصبغ الإدام لأنه يصبغ الخبز.
قلت: لا يبعد أن يريد بالصبغ نفس ثمر الزيتون لا الزيت، وكذا يحتمل أن تكون الباء في ﴿ بالدهن ﴾ للتعدية إلا أن يكون الإنبات متعدياً.
قال المفسرون: إنما أضافها الله إلى هذا الجبل لأنها منه تشعبت في البلاد وتفرقت أو لأن معظمها هنالك.
قوله ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ قد مر في "النحل".
ولعل القصد بالأنعام ههنا.
الإِبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة ولانه قرنها بالفلك وهي سفائن البر كما أن الفلك سفائن البحر.
وإنما قال في هذه السورة.
﴿ فواكه كثيرة ﴾ بالجمع بخلاف ما في "الزخرف" لتناسب قوله هنا ﴿ منافع كثيرة ﴾ لتناسب قوله ﴿ جنات ﴾ كما قال هنالك ﴿ فاكهة ﴾ على التوحيد لتناسب قوله ﴿ تلك الجنة ﴾ وإنما قال هنا في الموضعين ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بزيادة الواو خلاف الزخرف لأن تقدير الاية: منها تدخرون ومنها تأكلون ومنها تبيعون ومنها ومنها، وليس كذلك فاكهة الجنة فإنها للأكل فحسب فافهم.
وأعلم أنه لما أنجر الكلام إلى ذكر الفلك أتبعه قصة نوح لأنه أول من الهم صنعتها، وفيه أيضاً تمزيج القصص بدلائل التوحيد على عادة القرآن لأجل الاعتبار والتنشيط.
وقوله ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ جملة مستأنفة تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة.
ومعنى ﴿ أفلا تتقون ﴾ أفلا تخافون أن تتركوا عبادة من هو لوجوب وجوده مستحق العبادة ثم تذهبوا فتعبدوا ما ليس بهذه الصفة بل هو في أخس مراتب الإمكان وهي الجمادية.
ثم حكى الله عنهم شبهاً: الأولى قولهم ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ إنكار كون الرسول من جنس البشر أو إنكار مثلهم في الأسباب الدنيوية من المال والجاه والجمال كأنهم ظنوا أن القرب من الله يوجب المزية في هذه الأمور ويتأكد هذا الاحتمال بالشبهة الثانية وهي قوله ﴿ يريد أن يتفضل عليكم ﴾ أي يتكلف طلب الفضل والرياسة عليكم نظيره { ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ ويتأكد الاحتمال والأول بالشبهة الثالثة وهي قوله ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ لعلو شأنهم ووفور علمهم وكمال قوتهم.
وقد حكى هذه الشبهة عن أقوام آخرن في "حم السجدة" ﴿ قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ﴾ خص هذه السورة باسم الله على الأصل ولتقدم ذكر الله وخص تلك السورة باسم الرب لتقدم ذكر الرب في قوله ﴿ ذلك رب العالمين ﴾ وهم من جملة العالمين قالوه إما اعتقاداً وإما استهزاء.
الشبهة الرابعة الاعتصام بحبل التقليد ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بمثل هذا الكلام أو بمثل هذا المدعي فيجوز أن يكونوا صادقين في ذلك للفطرة المتداولة، ويجوز أن يكونوا تجاهلوا وتكذبوا لانهماكهم في الغي وتشمرهم لدفع الحق وإفحام النبي بأيّ وجه يمكنهم يؤيده الشبهة الخامسة وهي نسبتهم إياه إلى الجنون مع علمهم ظاهراً بأنه أرجح الناس عقلاً ورزانة.
قال جار الله: الجنة الجنون أو الجن أي به جن يخبلونه، وهذا بناء على زعم العوام أن المجنون ضر به الجن.
ثم رتبوا على هذه الشبهة قولهم ﴿ فتربصوا به حتى حين ﴾ أي اصبروا عليه إلى أن ينكشف جنونه ويفيق أو إلى أن يموت أو يقتل.
وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام فإنه كان يفعل أفعالاً على خلاف عاداتهم.
وكان رؤساؤهم يقولون للعوام: إنه مجنون لينفروهم عنه وليلبسوا عليهم أمره.
ويحتمل أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبياً حقاً فالله ينصره ويقوّي أمره فنحن حينئذ نتبعه، وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه.
واعلم أنه لم يذكر جواب شبهاتهم لركاكتها ولأنه قد علم في هذا الكتاب الكريم أجوبتها غير مرة ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ { ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ﴾ ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ﴾ وإذا بطل طريقة التقليد صار حديث التربص ضائعاً يجب قبول قول من يدعي النبوّة بعد ظهور المعجزة من غير توقف.
ثم حكى أن نوحاً لما علم إصرارهم على الكفر ﴿ قال رب انصرني ﴾ أي أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي ففي نصرته إهلاكهم، أو انصرني بدل تكذيبهم إياي كقولك "هذا بذاك" والمراد بدلني من غم التكذيب سلوة النصرة أو انصرني بإنجاز ما كذبوني فيه وهو وعد العذاب في قوله ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ وباقي القصة إلى قوله ﴿ إنهم مغرقون ﴾ قد مر تفسير مثلها في سورة هود.
ومعنى ﴿ فأسلك ﴾ أدخل فيها وقد مر في أول الحجر في قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ و ﴿ سبق عليه القول ﴾ نقيض ﴿ سبقت لهم منا الحسنى ﴾ لأن "على" تستعمل في الضار كما أن اللام تستعمل في النافع.
وقد جاء زيادة منهم ههنا على الأصل وحذفت في "هود" ليحسن عطف ﴿ ومن آمن ﴾ من غير التباس وبشاعة.
قيل: في قوله ﴿ بأعيننا ﴾ على الجمع فساد قول المشبهة إن الله خلق آدم على صورته.
أما قوله ﴿ فإذا استويت ﴾ أي ركبت واستوليت ﴿ أنت ومن معك على الفلك فقل ﴾ لم يقل "فقولوا" لأن أول الكلام مبني على خطاب نوح، ولأن قول النبي قول الأمة مع ما فيه من الإشعار بفضله ومن إظهار الكبرياء وأن كل أحد لا يليق لخطاب رب العزة.
وفي الأمر بالحمد على هلاكهم تقبيح صورة الظلمة كقوله ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ﴾ وإنما جعل استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزماً لأنه كان عرفه أن ذلك سبب نجاتهم من الاشتراك مع الظلمة في حكم الإهلاك.
ثم أمره أن يسأل ما هو أهم وأنفع أن ينزله في السفينة بدليل عطف ﴿ وقل ﴾ على جزاء ﴿ فإذا استويت ﴾ أو ينزله في الأرض عند خروجه من السفينة لأنه لا يبعد أن يدعو عند ركوب السفينة بما يتعلق بالخروج منها ﴿ منزلاً ﴾ اي إنزالاً أو موضع إنزال يبارك له فيه بزيادة إعطاء خير الدارين وقد أمره أن يشفع بالدعاء الثناء المطابق للمسألة وهو قوله ﴿ وأنت خير المنزلين ﴾ أي إنزالاً وذلك أنه أقدر على الحفظ وأعلم بحال النازل بل كل منزل فإنه لا يقدر على إيصال الخير إلى النازل إلا بإقداره وتمكينه وإلقاء تلك الداعية في قلبه ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من القصة ﴿ لآيات ﴾ لعبراً ودلالات لمن اعتبر وادّكر فإن إظهار تلك المياه العظيمة والذهاب بها إلى مقارّها لا يقدر عليها إلا القدير الخبير ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لمبتلين ﴾ هي الفارقة.
والمعنى وإن الشأن والقصة كما مبتلين أي مصيبين قوم نوح ببلاء الغرق أو مختبرين بهذه الآيات من يخلفهم لننظر من يعتبر كقوله ﴿ ولقد تركناها آية فهل من مدكر ﴾ وقيل: المراد كما يعاقب بالغرق من كفر فقد يمتحن به من لم يكفر على وجه المصلحة لا التعذيب، فليس الغرق كله على وجه واحد.
التأويل: الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي ظفر المؤمنون بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط بنفوسهم ببذلها في الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوابه بعد أن فنوا فيه.
الخشوع في الظاهر انتكاس الراس وغض العين واستماع الأذن وقراءة اللسان ووضع اليمين على الشمال كالعبيد، واعتدال الظهر في القيام وانحناؤه في الركوع وثبات القدمين.
والخشوع في الباطن سكون النفس عن الخواطر والهواجس وحضور القلب لمعاني القراءة والأذكار ومراقبة السر بترك الالتفات إلى المكوّنات، واستغراق الروح في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي صفات الجمال والجلال.
واللغو كل ما يشغلك عن الله.
والزكاة تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة بل عن حب الدنيا لأنه راس خطيئة ﴿ إلا على أزواجهم ﴾ في كلمة "على" دلالة على أنهم يجب أن يستولوا على الأزواج لا بالعكس وإلا كن عدوّاً لهم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ﴾ وعلامة الاستيلاء على الأزواج أن يبتغي بالنكاح النسل ورعاية السنة في أوانها لاحظ النفس وإلا كان متجاوزاً طريق الكمال ﴿ لأمانتهم ﴾ يعني التي حملها الإنسان ﴿ وعهدهم ﴾ هو عهد الميثاق في الأزل يحافظون الفرق بين المحافظة والخشوع، أن الخشوع معتبر في نفس الصلاة، والمحافظة معتبرة فيها وفيما قبلها من الشرائط وفيما بعدها وهو أن لا يفعل ما يحبطها ويضيعها الوارثون لأنهم أحياء القلوب وقد نالوا من المراتب ما خلفتها أموات القلوب ﴿ من سلالة ﴾ لأنه سل من جميع أجزاء الأرض فجاء مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطين.
بل بحسب اختلاف المركبات من الطين.
ففيه حرص الفأرة والنملة، وشهوة الحمار والعصفور، وغضب الفهد والأسد، وكبر النمر، وبخل الكلب، وشره الخنزير، وحقد الحية، وغير ذلك من الصفات الذميمة، وفيه شجاعة السد، وسخاوة الديك، وقناعة البوم، وحلم الجمل، وتواضع الهرة، ووفاء الكلب، وبكور الغراب، وهمة البازي ونحوها من الأخلاق الحميدة ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ لأنه خلق أحسن المخلوقين.
أما من حيث الصورة فلأنه خلق من نطفة متشابهة الأجزاء بدناً مختلف الأبعاض والأعضاء كاللحم والشحم والعظم والعروق والشعر والظفر والعصب والعروق والمخ والأنف والفم واليد والرجل وغيرها مما يشهد لبعضها علم التشريح.
وأما من حيث المعنى فلأنه خلق الإنسان مستعداً لحمل الأمانة التي أبى حملها السموات والأرض والجبال وسيجيء تحقيق ذلك في موضعه ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ إلى قوله ﴿ تبعثون ﴾ فيه أن الإنسان قابل لموت القلب ولموت النفس ولحشرهما.
وفي موت أحدهما حياة الآخر وحشره.
وموت القلب عبارة عن انغماسه وتستره في حجب الغواشي الاتية عليه من طرق الحواس الظاهرة وحاستي الوهم والخيال فلذلك قال ﴿ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ﴾ هي الأغشية والحجب من الجهات المذكورة ﴿ وما كنا عن ﴾ مصالح ﴿ الخلق غافلين ﴾ فلا نترك العبد في تلك الحجب بدليل قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ﴾ سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الرحمة ﴿ بقدر ﴾ استعداد السالك ﴿ فأسكناه ﴾ في أرض وجوده ﴿ فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ﴾ المعارف ﴿ وأعناب ﴾ الكشوف وشجرة الخفي الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات ﴿ تنبت ﴾ بدهن حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة لأنه سر بين الله وبين الروح.
﴿ وصبغ ﴾ لآكل الكونين بقوة الهمة.
ثم أخبر عن نعم الغلب أن فيها منافع لأنها آلة تحصيل الكمال ﴿ وعليها وعلى ﴾ ذلك الشريعة في سفر السير إلى الله ﴿ تحملونه ﴾ وتأويل قصة نوح قد مر في سورة هود والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ ﴾ .
قال بعضهم: سبع سماوات.
وقال بعضهم: سبعة أفلاك.
يذكر هذا - والله أعلم - أيهما كان السماوات أو الأفلاك التي جعل لأمر الخلق ولحوائجهم؛ لوجهين: أحدهما: يخبر عن قدرته وسلطانه وغناه: أن من قدر على خلق ما ذكر وإنشائه بلا سبب، لقادر على إنشاء الخلق لا من شيء.
والثاني: أن من قدر على هذا يقدر على بعثهم وإحيائهم بعد الموت.
قال القتبي: سبع طرائق، أي سبع سماوات: كل سماء طريقة، ويقال عن الأفلاك: كل واحد طريق.
وإنما سمي طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، يقال: طارقت الشيء؛ إذا جعلت بعضه على بعض.
ويقال: وبشر طرائق.
وغيره قال: طرائق أهواء مختلفة.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴾ .
أي: لم نخلقهم على جهل منا بأحوالهم؛ ولكن على علم منا بذلك.
ولا يحتمل أن يكون خلقه إياهم على علم منه، ثم يخلقهم للفناء لا لعاقبة تتأمل؛ لأن من يفعل هذا في الشاهد إنما يفعل إما للجهل به أو لحاجة، والله يتعالى عن ذلك كله.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴾ : خلق ما ذكر، أي: إذا عرفتم أن خلق هذه الأشياء لا لأنفسها، ولكن لأنفسكم ولمنافعكم، فلا يحتمل أن يكون خلقها لكم بلا محنة ولا ابتلاء، فإن ثبت المحنة فيكم ثبت الثواب والعقاب؛ فإن ثبت هذا ثبت البعث والحياة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ ﴾ .
قال بعضهم: بقدر: بعلم منّا.
وقال بعضهم: ما يقع لهم الحاجة والكفاية.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ ، أي: معلوم مقدر، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزداد ولا ينتقص، ولكن على ما قدر، وكذلك جميع الأشياء.
وقوله: ﴿ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
يذكر هذا ويخبر عن قدرته وسلطانه: أن من قدر على استنزال الماء من السماء يقدر على البعث وعلى خلق الشيء لا من شيء؛ إذ لا أحد من الخلائق يقدر على ذلك إلا بالحيل التي علّمه الله.
أو أن يكون يقول: إنه حيث جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، ومنافع السماء [متصلة] بمنافع الأرض؛ [على] بعد ما بينهما، دل اتصال منافع أحدهما بالآخر، [مع] بعد ما بينهما على أن منشئهما واحد، ومدبّرهما واحد عالم بذاته.
وقوله: ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ ﴾ .
كقوله: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً...
﴾ الآية [الكهف: 41].
وقوله: ﴿ فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ ﴾ .
أي: بالماء.
﴿ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾ .
أي: الكروم؛ يذكر نعمة الله [التي] أنعمها عليهم من الماء الذي به حياة الأبدان والأشياء جميعاً؛ ليتأدى به شكره وعبادته.
وقوله: ﴿ فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ ﴾ .
إن كان قوله: ﴿ لَّكُمْ فِيهَا ﴾ ، أي: في الجنات؛ حيث ذكر أنه أنشأ لنا فواكه كثيرة؛ ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - أن من حلف ألا يأكل فاكهة، فأكل عنبا - لم يحنث؛ حيث ذكر النخيل والأعناب، وذكر فيها الفواكه على حدة.
وإن كان يعني به النخيل والأعناب، فليس فيه حجة له.
وقوله: ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ ﴾ .
أي: أنشأنا لكم - أيضاً - شجرة في طور سيناء، ثم الشجرة التي تكون في الجبال لا صنع للخلق في إنباتها، وما يكون في الجنان والبساتين إنما يكون بإنبات الخلق، ثم أضاف كليهما: ما يكون للخلق فيه صنع وما لا يكون؛ دل إضافة ذلك إليه كله على أن لله في فعل العباد صنعا، وأن جميع ما يكون إنما يكون بصنع منه ولطف، ويذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم: من إنشاء الجنان لهم، والنخيل والأعناب والفواكه التي ذكر ليتأدى بذلك شكره.
وفيه دلالة قدرته وسلطانه؛ حيث أنشأ الشجرة، وأخرجها من الجبل، وهو أشد الأشياء وأصلبها، [وجعل] في تلك الشجرة الدهن، وهو ألين الأشياء وألطفها؛ فيخبر أن من قدر على إخراج ألين الأشياء من أشدها وأصلبها لا يعجزه شيء.
وفيه أن لا بأس بقران شيء إلى شيء، فهو كان جميعاً وضم بعضهم بعضه إلى بعض، ويجمع في الأكل حيث قال: ﴿ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ﴾ هو الإدام.
ثم اختلف في قوله: ﴿ طُورِ سَيْنَآءَ ﴾ : قال بعضهم: الطور: الجبل، بالسريانية، والسيناء: الحسن، بالحبشية.
وقال بعضهم: الطور: الجبل وما ذكر، والسيناء: الشجرة الحسناء.
وقال بعضهم: الطور: هو الجبل الذي كلم الله موسى وأوحى إليه، والشجرة: هي شجرة الزيتونة.
وقال بعضهم: السيناء: الحجارة.
وقال بعضهم: الطور: السيناء المبارك بما أوحى على موسى.
وقال بعضهم: الطور: الجبل، والسيناء: شجر حوله.
وفي حرف ابن مسعود وحفصة: (وشجرة تخرج من طور سيناء تخرج الدهنَ وصِبْغَ الآكلين).
قال بعضهم: تخرج الثمر.
قال أبو معاذ: أنبت النبات ونبت: لغتان؛ كقولك: أسرى وسرى.
وقال زهير: حتى إذا أنبت البقل.
قال الكسائي: تقول: خرجت بزيد وأخرجت زيداً، ولا تقول: أخرجت بزيد، إلا أن تقول: أخرجت بزيد عمرا.
وقال القتبي: ﴿ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ﴾ مثل الصباغ كما يقال: دبغ دباغاً، ولبس لباساً.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ﴾ ، أي: الصباغ، وهو ما اصطبغت به من شيء، أي: غمرته فيه.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا ﴾ .
في سورة النحل ﴿ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ قال بعضهم: إنما ذكره على الفرد والوحدان، وفيما ذكره على التأنيث على الجمع.
وقال بعضهم: فيما ذكره بالتذكير أراد به جنساً من الأنعام مما في بطونه، وهذا أشبه، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
ثم قوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ﴾ وجه العبرة فيها من وجوه: أحدها: ما قال ابن عباس، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ...
﴾ الآية [النحل: 66]؛ ففي ذلك عبرة ودلالة على وحدانيته وربوبيته وعلمه وقدرته وتدبيره ولطفه؛ إذ ليس شيء منها إلا وفيها دلالة وحدانيته وربوبيته، ودلالة علمه وقدرته وتدبيره.
وفيه أنه لم ينشئ هذه الأنعام لأنفسها، ولكن أنشأها للبشر؛ حيث أخبر أنه سخرها لهم؛ ليمتحنهم بها.
ثم اختلف في الأنعام: قال مقاتل: الأنعام: كل شيء يؤكل لحمه ويشرب لبنه، وما لا يؤكل لحمه ولا يشرب لبنه - فليس من الأنعام.
وقال أبو معاذ: إن من الأنعام ما لا يؤكل لحمه ولا يشرب لبنه.
وقال بعضهم: الأنعام: كل بهيمة حتى الوحش.
والأشبه أن تكون الأنعام هي الإبل، ولكنا لا نعلم حقيقته؛ إنما هو اللسان، فهو على ما يسميه أهل اللسان.
وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾ .
قيل: من الحمولة وغيرها، وقد ذكرنا هذا في سورة النحل.
وقوله: ﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ .
يذكرهم نعمه فيما سخر لهم من الأنعام والسّفن؛ ليتأدى به شكره.
<div class="verse-tafsir"
وأنزلنا من السماء ماء المطر بمقدار الحاجة، لا كثيرًا فيفسد ولا قليلًا فلا يكفي، فجعلناه يستقر في الأرض ينتفع به الناس والدواب، بيانا لقادرون على أن نذهب به فلا تنتفعون.
<div class="verse-tafsir" id="91.Pj8NO"