الآية ٢٧ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٢٧ من سورة المؤمنون

فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فعند ذلك أمره الله تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها ، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ، أي : ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار ، وغير ذلك ، وأن يحمل فيها أهله ( إلا من سبق عليه القول ) أي : سبق فيه القول من الله بالهلاك ، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله ، كابنه وزوجته ، والله أعلم .

وقوله : ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) أي : عند معاينة إنزال المطر العظيم ، لا تأخذنك رأفة بقومك ، وشفقة عليهم ، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون ، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان .

وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة " هود " بما يغني عن إعادة ذلك هاهنا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا) يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا ، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا ، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ( فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا ) يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ( وَفَارَ التَّنُّورُ ) .

وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور.

والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

( فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) يقول: فادخل في الفلك واحمل.

والهاء والألف في قوله: ( فِيهَا ) من ذكر الفلك ( مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ )يقال : سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر: وكُـنْتُ لِـزَازَ خَـصْمِكَ لَـمْ أُعَـرّدْ وَقَــدْ سَـلَكُوكَ فِـي يَـوْمٍ عَصِيـبِ (3) وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.

حــتى إذَا أَسْــلَكُوهُمْ فِـي قُتـائِدَةٍ شَـلا كمَـا تَطْـرُدُ الجَمَّالَـةُ الشُّـردَا (4) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ( وَأَهْلَكَ ) وهم ولده ونساؤهم ( إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك ، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.

ويعني بقوله: ( مِنْهُمْ ) من أهلك، والهاء والميم في قوله ( منهم ) من ذكر الأهل.

وقوله: ( وَلا تُخَاطِبْنِي ) الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.

( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.

------------------------ الهوامش : (3) البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص 82 من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير ، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى { وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال : سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه ، والبيت شاهد على الأول .

قال في اللسان ( اللسان : سلك) والسلك ، بالفتح : مصدر سلكت الشيء في الشيء ، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل .

قال عدي بن زيد : " وكنت لزاز ....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في ( 14 : 9) من هذه الطبعة عند قوله تعالى : {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} فراجعه ثمة.

(4) البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي ( اللسان: سلك) .

قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا ، وسلكه غيره ( بنصب غير ) وفيه ، وأسلكه إياه ، وفيه ، وعليه ( بمعنى أدخله فيه ) قال عبد مناف بن ربع الهذلي : " حتى إذا أسلكوهم ...

البيت " .

وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص 9 من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة ) عند قوله تعالى : { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } فراجعه ثمة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فأوحينا إليه أي أرسلنا إليه رسلا من السماء أن اصنع الفلك على ما تقدم بيانه .قوله تعالى : فاسلك فيها أي أدخل فيها واجعل فيها ؛ يقال : سلكته في كذا وأسلكته فيه إذا أدخلته .

قال عبد مناف بن ربع الهذلي :حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردامن كل زوجين اثنين قرأ حفص من كل بالتنوين ، الباقون بالإضافة ؛ وقد ذكر .

وقال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض ، فأما البق ، والذباب ، والدود فلم يحمل شيئا منها ، وإنما خرج من الطين .

وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفى ، والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } عند استجابتنا له، سببا ووسيلة للنجاة، قبل وقوع أسبابه، { أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ } أي: السفينة { بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } أي: بأمرنا لك ومعونتنا، وأنت في حفظنا وكلاءتنا بحيث نراك ونسمعك.

{ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا } بإرسال الطوفان الذي عذبوا به { وَفَارَ التَّنُّورُ } أي: فارت الأرض، وتفجرت عيونا، حتى محل النار، الذي لم تجر العادة إلا ببعده عن الماء، { فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: أدخل في الفلك من كل جنس من الحيوانات، ذكرا وأنثى، تبقى مادة النسل لسائر الحيوانات، التي اقتضت الحكمة الربانية إيجادها في الأرض، { وَأَهْلَكَ } أي: أدخلهم { إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } كابنه، { وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي: لا تدعني أن أنجيهم، فإن القضاء والقدر، قد حتم أنهم مغرقون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها ) أدخل فيها ، يقال سلكته في كذا وأسلكته فيه ، ( من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ) أي : من سبق عليه الحكم بالهلاك .

( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأوحينا إليه أن اصنع الفلك» السفينة «بأعيننا» برأي منا وحفظنا «ووحينا» أمرنا «فإذا جاء أمرنا» بإهلاكهم «وفار التنور» للخباز بالماء وكان ذلك علامة لنوح «فاسلك فيها» أي أدخِلْ في السفينة «من كلِ زوجين» ذكر وأنثى، أي من كل أنواعهما «اثنين» ذكراً وأنثى وهو مفعول ومن متعلقة باسلك، ففي القصة أن الله تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب بيديه في كل نوع فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة، وفي قراءة كلِ بالتنوين فزوجين مفعول واثنين تأكيد له «وأهلك» زوجته وأولاده «إلا من سبق عليه القول منهم» بالإهلاك وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ويافث فحملهم وزوجاتهم ثلاثة، وفي سورة هود (ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) قيل كانوا ستة رجال ونساؤهم وقبل جميع من كان في السفينة ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء «ولا تخاطبني في الذين ظلموا» كفروا بترك إهلاكهم «إنهم مغرقون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأوحينا إليه أن اصنع السفينة بمرأى منا وبأمرنا لك ومعونتنا، وأنت في حفظنا وكلاءتنا، فإذا جاء أمرنا بعذاب قومك بالغرق، وبدأ الطوفان، فنبع الماء بقوة من التنور -وهو المكان الذي يخبز فيه- علامة على مجيء العذاب، فأدخِلْ في السفينة من كل الأحياء ذكرًا وأنثى؛ ليبقى النسل، وأدخل أهلك إلا مَنِ استحق العذاب لكفره كزوجتك وابنك، ولا تسألني نجاة قومك الظالمين، فإنهم مغرقون لا محالة.

وفي هذه الآية إثبات صفة العين لله سبحانه بما يليق به تعالى دون تشبيه ولا تكييف.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد أجاب الله - تعالى - دعاء عبده نوح فقال : ( فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ) أى : فأوحينا إليه فى أعقاب دعائه وتضرعه .( أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ) أى : أوحينا إليه أن ابتدىء يا نوح فى صنع السفينة وأنت تحت رعايتنا وحفظنا ، وسنرسل إليك وحينا ليرشدك إلى ما أنت فى حاجة إليه من إتقان صنع السفينة ، ومن غير ذلك من شئون .وفى التعبير بقوله - سبحانه - ( أَنِ اصنع ) إشارة إلى أن نوحاً - عليه السلام - قد باشر بنفسه صنع السفينة التى هى وسيلة النجاة له وللؤمنين معه .وقى قوله - تعالى - : ( بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ) إشارة إلى أن نوحاً بجانب مباشرته للصنع بنفسه ، كان مزوداً من الله - تعالى - بالعناية والرعاية وبحسن التوجيه والإرشاد عن طريق الوحى الأمين .وذلك لأن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن لا يضيع عمل عباده المخلصين ، الذين يبذلون أقصى جهدهم فى الوصول إلى غاياتهم الشريفة .والباء فى قوله ( بِأَعْيُنِنَا ) للملابسة ، والجار والمجرور فى موضع الحال من ضمير " اصنع " .والفاء فى قوله - سبحانه - ( فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا ) لترتيب مضمون ما بعدها على إتمام صنع السفينة .والمراد بالأمر هنا : العذاب الذى أعده الله - تعالى - لهؤلاء الظالمين من قوم نوح - عليه السلام - .

ويشهد لذلك قوله - سبحانه - فى آية أخرى : ( لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ ) أى : من عذابه ( إِلاَّ مَن رَّحِمَ ) والمراد بمجىء هذا الأمر : اقتراب وقته ، ودنو ساعته ، وظهور علاماته وقوله - تعالى : ( وَفَارَ التنور ) بيان وتفسير لمجىء هذا الأمر ، وحلول وقت إهلاكهم .وقوله : ( فَارَ ) من الفوران : بمعنى شدة الغليان للماء وغيره .

يقال للماء فار إذا اشتد غليانه .

ويقال للنار فارت إذا عظم هيجانها .

ومنه قوله - تعالى - ( إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ) وللمفسرين فى المراد بلفظ ( التنور ) أقوال منها : أن المراد به الشىء الذى يخبز فيه الخبز ، وهو ما يسمى بالموقد أو الفرن .ومنها أن المراد به وجه الأرض .

أو موضع اجتماع الماء فى السفينة ، أو طلوع الفجر .

.

.

وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال : وألوى الأقوال بالصواب قول من قال : وهو التنور الذى يخبر فيه ، لأن هذا هو المعروف من كلام العرب .

.

.ويبدو أن فوران التنور كان علامة لنوح على أن موعد إهلاك الكافرين من قومه قد اقترب .أى : فإذا اقترب موعد إهلاك قومك الظالمين يا نوح ، ومن علامة ذلك أن ينبع الماء من التنور ويفوز فوراناً شديداً ( فاسلك فِيهَا ) فأدخل فى السفينة ( مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين ) ولفظ ( زَوْجَيْنِ ) تثنية زوج .

والمراد به هنا : الذكر والأنثى من كل نوع .وقراءة الجمهور : ( مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثنين ) بدون تنوين للفظ كل ، وبإضافته إلى زوجين .

.وقرأ حفص ( مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين ) بتنوين كل ، وهو تنوين عوض عن مضاف إليه .

والتقدير : فأدخل فى السفينة من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكراً وأنثى ، ويكون لفظ ( زَوْجَيْنِ ) مفعولاً لقوله ( فاسلك ) ولفظ اثنين : صفة له .والمراد بأهله فى قوله - تعالى - ( وَأَهْلَكَ ) : أهل بيته كزوجته وأولاده المؤمنين ، ويدخل فيهم كل من آمن به - عليه السلام - سواء أكان من ذوى قرابته أم من غيرهم ، بدليل قوله - تعالى - فى سورة هود : ( قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) وجملة : ( إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ ) استثناء من الأهل .

والمراد بمن سبق عليه القول منهم : من بقى على كفره ولم يؤمن برسالة نوح - عليه السلام - كزوجته وابنه كنعان .أى : أدخل فى السفينة ذكراص وأنثى من أنواع المخلوقات ، وأدخل فيها - أيضاً - المؤمنين من أهلك ومن غيرهم ، إلا الذين سبق منا القول بهلاكهم بسبب إصرارهم على الكفر .

فلا تدخلهم فى السفينة ، بل اتركهم خارجها ليغرقوا مع المغرقين .قال الآلوسى : وجىء بعلى فى قوله : ( إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ ) لكون السابق ضارا ، كما جىء باللام فى قوله : ( إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى ) لكون السابق نافعاً .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ) نهى منه - سبحانه - لنوح - عليه السلام - عن الشفاعة لهؤلاء الكافرين ، أو عن طلب تأخير العذاب المهلك لهم .أى : اترك يا نوح هؤلاء الظالمين ، ولا تكملنى فى شأنهم ، كأن تطلب الشفاعة لهم أو تأخير العذاب عنهم ، فإنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة .

ولا مبدل لحكمى أو إرادتى .ويبدو - والله أعلم - أن هذه الجملة الكريمة ، كانت نهيا من الله - تعالى - لنوح عن الشفاعة فى ابنه الذى غرق مع المغرقين ، والذى حكى القرآن فى سورة هود أن نوحاً قد قال فى شأنه :( رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله: ﴿ رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن في نصره إهلاكهم فكأنه قال أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي.

وثانيها: انصرني بدل ما كذبوني كما تقول هذا بذاك أي بدل ذلك ومكانه، والمعنى أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم.

وثالثها: انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم: ﴿ إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ ولما أجاب الله دعاءه قال: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي بحفظنا وكلئنا كأن معه من الله حافظاً يكلؤه بعينه لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله، ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة، وهذه الآية دالة على فساد قول المشبهة في تمسكهم بقوله عليه السلام: «إن الله خلق آدم على صورته» لأن ثبوت الأعين يمنع من ذلك، واختلفوا في أنه عليه السلام كيف صنع الفلك فقيل إنه كان نجاراً وكان عالماً بكيفية اتخاذها، وقيل إن جبريل عليه السلام علمه عمل السفينة ووصف له كيفية اتخاذها، وهذا هو الأقرب لقوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ .

أما قوله: ﴿ فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا ﴾ فاعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم، والدليل عليه أنك إذا قلت هذا أمر بقي الذهن يتردد بين المفهومين وذلك يدل على كونه حقيقة فيهما وتمام تقريره مذكور في كتاب المحصول في الأصول، ومن الناس من قال: إنما سماه أمراً على سبيل التعظيم والتفخيم، مثل قوله: ﴿ فقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً  ﴾ .

أما قوله: ﴿ وَفَارَ التنور ﴾ فاختلفوا في التنور، فالأكثرون على أنه هو التنور المعروف.

روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب، وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصار إلى نوح، واختلف في مكانه، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عليه السلام عمل السفينة في وسط المسجد، وقيل بالشام بموضع يقال له عين وردة وقيل بالهند القول الثاني: أن التنور وجه الأرض عن ابن عباس رضي الله عنهما الثالث: أنه أشرف موضع في الأرض أي أعلاه عن قتادة والرابع: ﴿ وَفَارَ التنور ﴾ أي طلع للفجر عن علي عليه السلام، وقيل إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر والخامس: هو مثل قولهم حمى الوطيس والسادس: أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه عن الحسن رحمه الله والقول الأول هو الصواب لأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل لا يجوز، واعلم أن الله تعالى جعل فوران التنور علامة لنوح عليه السلام حتى يركب عنده السفينة طلباً لنجاته ونجاة من آمن به من قومه.

أما قوله: ﴿ فاسلك فِيهَا ﴾ أي أدخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلك غيره وأسلكه ﴿ مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ أي من كل زوجين من الحيوان الذي يحضره في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان، وكل واحد منهما زوج لا كما تقوله العامة من أن الزوج هو الاثنان، روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض، وقرئ من كل بالتنوين، أي من كل أمة زوجين، واثنين تأكيد وزيادة بيان.

أما قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ ﴾ أي وأدخل أهلك ولفظ على إنما يستعمل في المضار.

قال تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت  ﴾ واعلم أن هذه الآية تدل على أمرين أحدهما: أنه سبحانه أمره بإدخال سائر من آمن به وإن لم يكن من أهله، وقيل المراد بأهله من آمن دون من يتصل به نسباً أو سبباً وهذا ضعيف.

وإلا لما جاز استثناء قوله: ﴿ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ﴾ والثاني: أنه قال: ﴿ وَلاَ تخاطبني فِي الذين ظَلَمُواْ ﴾ يعني كنعان فإنه سبحانه لما أخبر بإهلاكهم وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم لأنه إن أجابه إليه، فقد صير خبره الصدق كذباً، وإن لم يجبه إليه كان ذلك تحقيراً لشأن نوح عليه السلام فلذلك قال: ﴿ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ أي الغرق نازل بهم لا محالة.

أما قوله: ﴿ فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان في السفينة ثمانون إنساناً، نوح وامرأته سوى التي غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، وثلاث نسوة لهم، واثنان وسبعون إنساناً فكل الخلائق نسل من كان في السفينة.

أما قوله: ﴿ فَقُلِ الحمد للَّهِ الذي نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: إنما قال: ﴿ فَقُلْ ﴾ ولم يقل فقولوا لأن نوحاً كان نبياً لهم وإماماً لهم، فكان قوله قولاً لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي.

المسألة الثانية: قال قتادة علمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة ﴿ بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا  ﴾ وعند ركوب الدابة ﴿ سبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ  ﴾ وعند النزول ﴿ وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين ﴾ قال الأنصاري: وقال لنبينا ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ  ﴾ وقال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله مِنَ الشيطان  ﴾ كأنه سبحانه أمرهم أن لا يكونوا عن ذكره وعن الاستعاذة به في جميع أحوالهم غافلين.

المسألة الثالثة: هذه مبالغة عظيمة في تقبيح صورتهم حيث أتبع النهي عن الدعاء لهم الأمر بالحمد على إهلاكهم والنجاة منهم كقوله تعالى: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين  ﴾ وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق لأنه سبحانه كان عرفه أنه بذلك ينجيه ومن تبعه، فيصح أن يقول: ﴿ نَجَّانَا ﴾ من حيث جعله آمناً بهذا الفعل ووصف قومه بأنهم الظالمون لأن الكفر منهم ظلم لأنفسهم لقوله: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ ثم إنه سبحانه بعد أن أمره بالحمد على إهلاكهم أمره بأن يدعو لنفسه فقال: ﴿ وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً ﴾ وقرئ ﴿ مُنزَلاً ﴾ بمعنى إنزالاً أو موضع إنزال كقوله ليدخلنهم مدخلاً يرضونه.

واختلفوا في المنزل على قولين: أحدهما: أن المراد هو نفس السفينة فمن ركبها خلصته مما جرى على قومه من الهلاك والثاني: أن المراد أن ينزله الله بعد خروجه من السفينة من الأرض منزلاً مباركاً والأول أقرب لأنه أمر بهذا الدعاء في حال استقراره في السفينة، فيجب أن يكون المنزل ذلك دون غيره.

ثم بين سبحانه بقوله: ﴿ وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين ﴾ أن الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير الله كما يقع من الله تعالى وإن كان هو سبحانه خير من أنزل لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله ويدفع عنه المكاره بحسب ما يقتضيه الحكم والحكمة، ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة نوح وقومه لآيات ودلالات وعبراً في الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر فإن إظهار تلك المياه العظيمة ثم الإذهاب بها لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح عليه السلام يدل على المعجز العظيم وإفناء الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين والطاعة من أعظم أنواع العبر.

أما قوله: ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ فيمكن أن يكون المراد، وإن كنا لمبتلين فيما قبل، ويحتمل أن يكون وإن كنا لمبتلين فيما بعد، وهذا هو الأقرب لأنه كالحقيقة في الاستقبال، وإذا حمل على ذلك احتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد المكلفين في المستقبل أي فيجب فيمن كلفناه أن يعتبر بهذا الذي ذكرناه.

وثانيها: أن يكون المراد لمعاقبين لمن سلك في تكذيب الأنبياء مثل طريقة قوم نوح.

وثالثها: أن يكون المراد كما نعاقب من كذب بالغرق وغيره فقد نمتحن بالغرق من لم يكذب على وجه المصلحة لا على وجه التعذيب، لكي لا يقدر أن كل الغرق يجري على وجه واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في نصرته إهلاكهم، فكأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، أو انصرني بدل ما كذبوني، كما تقول: هذا بذاك، أي بدل ذاك ومكانه.

والمعنى: أبدلني من غمّ تكذيبهم، سلوة النصرة عليهم، أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف: 59] ، [الشعراء: 135] ، [الأحقاف: 21] .

﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ بحفظنا وكلاءتنا، كأن معه من الله حفاظاً يكلؤونه بعيونهم، لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله.

ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة ﴿ وَوَحْيِنَا ﴾ أي نأمرك كيف تصنع ونعلمك.

روي أنه أوحى إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر.

روي أنه قيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب.

وقيل: كان تنور آدم عليه السلام، وكان من حجارة، فصار إلى نوح.

واختلف في مكانه، فعن الشعبي: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد.

وقيل: بالشام بموضع يقال له: عين وردة.

وقيل: بالهند.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: التنور وجه الأرض.

وعن قتادة: أشرف موضع في الأرض، أي أعلاه.

وعن علي رضي الله عنه: فار التنور: طلع الفجر.

وقيل: معناه أن فوران التنور كان عند تنوير الفجر.

وقيل: هو مثل كقولهم: حمي الوطيس.

والقول هو الأوّل.

يقال: سلك فيه: دخله.

وسلك غيره، وأسلكه.

قال: حَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قَتَائِدِهِ ﴿ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ ﴾ من كلّ أمتي زوجين، وهما أَمة الذكر وأمّة الأنثى، كالجمال، والنوق، والحصن والرماك ﴿ اثنين ﴾ واحدين مزدوجين، كالجمل والناقة، والحصان والرمكة: روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض.

وقرئ: ﴿ من كل ﴾ بالتنوين، أي: من كل أمّة زوجين.

واثنين: تأكيد وزيادة بيان.

جيء بعلى مع سبق الضارّ، كما جيء باللام مع سبق النافع.

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ [الأنبياء: 101] ، ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين ﴾ [الصافات: 171] ، ونحو قوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ [البقرة: 286] وقول عمر رضي الله عنه: ليتها كانت كفافاً، لا عليَّ ولا لي.

فإن قلت: لم نهاه عن الدعاء لهم بالنجاة؟

قلت: لما تضمنته الآية من كونهم ظالمين، وإيجاب الحكمة أن يغرقوا لا محالة، لما عرف من المصلحة في إغراقهم، والمفسدة في استبقائهم، وبعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ضلالاً، ولزمتهم الحجّة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوه عبرة للمعتبرين.

ولقد بالغ في ذلك حيث أتبع النهي عنه، الأمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم، كقوله: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ [الأنعام: 45] ، ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أهم وأنفع له، وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها، منزلاً يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين، وأن يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته، وهو قوله: ﴿ وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين ﴾ .

فإن قلت: هلا قيل: فقولوا: لقوله: ﴿ فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ ﴾ لأنه في معنى: فإذا استويتم؟

قلت: لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبيّ.

وقرئ: ﴿ منزلاً ﴾ بمعنى إنزالاً، أو موضع إنزال، كقوله: ﴿ ليدخلهم مدخلاً يرضونه ﴾ .

﴿ إِن ﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين النافية وبينها في المعنى، وإن الشأن والقصة ﴿ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ أي مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد.

أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذّكر، كقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ تركناها ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 15] <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ ﴾ بَعْدَ ما أيِسَ مِن إيمانِهِمْ.

﴿ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوْ بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ.

﴿ بِما كَذَّبُونِ ﴾ بَدَلَ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ أوْ بِسَبَبِهِ.

﴿ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ﴾ بِحِفْظِنا نَحْفَظُهُ أنْ تُخْطِئَ فِيهِ أوْ يُفْسِدَهُ عَلَيْكَ مُفْسِدٌ.

﴿ وَوَحْيِنا ﴾ وأمْرِنا وتَعْلِيمِنا كَيْفَ تَصْنَعُ.

﴿ فَإذا جاءَ أمْرُنا ﴾ بِالرُّكُوبِ أوْ نُزُولِ العَذابِ.

﴿ وَفارَ التَّنُّورُ ﴾ .

رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ إذا فارَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ ارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ، فَلَمّا نَبَعَ الماءُ مِنهُ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ ومَحَلُّهُ في مَسْجِدِ الكُوفَةِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ.

وَقِيلَ عَيْنُ ورْدَةَ مِنَ الشّامِ وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ ذَكَرْتُها في «هُودٍ» .

﴿ فاسْلُكْ فِيها ﴾ فادْخُلْ فِيها يُقالُ سَلَكَ فِيهِ وسَلَكَ غَيْرَهُ قالَ تَعالى ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ .

﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ مِن كُلِّ أُمَّتَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى واحِدَيْنِ مُزْدَوَجَيْنِ، وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ مِن كُلٍّ ﴾ بِالتَّنْوِينِ أيْ مِن كُلِّ نَوْعِ زَوْجَيْنِ واثْنَيْنِ تَأْكِيدٌ.

﴿ وَأهْلَكَ ﴾ وأهْلَ بَيْتِكَ أوْ مَن آمَنَ مَعَكَ.

﴿ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ ﴾ أيِ القَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإهْلاكِهِ لِكُفْرِهِ، وإنَّما جِيءَ بِعَلى لِأنَّ السّابِقَ ضارٌّ كَما جِيءَ بِاللّامِ حَيْثُ كانَ نافِعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ .

﴿ وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ بِالدُّعاءِ لَهم بِالإنْجاءِ.

﴿ إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ لا مَحالَةَ لِظُلْمِهِمْ بِالإشْراكِ والمَعاصِي، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يُشْفَعُ لَهُ ولا يَشَفَّعُ فِيهِ كَيْفَ وقَدْ أمَرَهُ بِالحَمْدِ عَلى النَّجاةِ مِنهم بِهَلاكِهِمْ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} أي أجبنا دعاءه فأوحينا إليه {أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا} أي تصنعه وأنت واثق بحفظ الله لك ورؤيته إياك أو بحفظنا وكلاءتنا كأن معك من الله حفاظاً يكلؤونك بعيونهم لئلا يتعرض لك ولا يفسد عليك مفسد عملك ومنه قولهم عليه من الله عين كالئة {وَوَحْيِنَا} أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها رُوي أنه أوحي إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر {فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا} أي عذابنا بأمرنا {وَفَارَ التنور} أي فار الماء من تنور الخبر أي أخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ في الإنذار والاعتبار روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة فلما نبع الماء من التنور من التنور أخبرته امرأته فركب وكان تنور آدم فصار إلى نوح وكان من حجارة واختلف في مكانه فقيل في مسجد الكوفة وقيل بالشام وقيل بالهند {فاسلك فِيهَا} فأدخل

في السفينة {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ} من كلّ أمة زوجين وهما أمة الذكر وأمة الأنثى كالجمال والنوق والحصن والرماك {اثنين} واحدين مزدوجين كالجمل والناقة والحصان والرمكة وروى أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض من كل حفص والمفضل أي من كل أمة زوجين اثنين واثنين تأكيد وزيادة بيان {وَأَهْلَكَ} ونساءك وأولادك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول} من الله بإهلاكه وهو ابنه واحدى زوجتيه فجئ بعلى مع سبق الضار كما جئ باللام مع سبق النافع في قوله وَلَقَدْ

المؤمنون (٣٣ - ٢٧)

{مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِى فِى الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مغرقون} سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ونحوها لها ما كسبت وعليها ما اكبسبت {مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِى فِى الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مغرقون} ولا تسألنى تجاه الذين كفروا فإني أغرقهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ عُقَيْبَ ذَلِكَ، وقِيلَ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ ﴾ أنِ مُفَسِّرَةً لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ ﴿ بِأعْيُنِنا ﴾ مُلْتَبِسًا بِمَزِيدِ حِفْظِنا ورِعايَتِنا لَكَ مِنَ التَّعَدِّي أوْ مِنَ الزَّيْغِ في الصُّنْعِ ﴿ ووَحْيِنا ﴾ وأمْرِنا وتَعْلِيمِنا لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ أمْرُنا ﴾ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ ما بَعْدَها عَلى إتْمامِ صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ  ﴾ فَهو واحِدُ الأُمُورِ لا الأمْرُ بِالرُّكُوبِ فَهو واحِدُ الأوامِرِ كَما قِيلَ، والمُرادُ بِمَجِيئِهِ كَمالُ اقْتِرابِهِ أيِ ابْتِداءِ ظُهُورِهِ أيْ إذا جاءَ أثَرُ تَمامُ الفَلَكِ عَذابُنا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وفارَ التَّنُّورُ ﴾ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِمَجِيءِ الأمْرِ، رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا فارَ التَّنُّورُ ارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ وكانَ تَنُّورُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا نَبَعَ مِنهُ الماءُ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبُوا، واخْتَلَفُوا في مَكانِهِ فَقِيلَ كانَ في مَسْجِدِ الكُوفَةِ أيْ في مَوْضِعِهِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِن بابِ كِنْدَةَ اليَوْمَ، وقِيلَ: كانَ في عَيْنِ ورْدَةٍ مِنَ الشّامِ، وقِيلَ: بِالجَزِيرَةِ قَرِيبًا مِنَ المَوْصِلِ، وقِيلَ: التَّنُّورُ وجْهُ الأرْضِ، وقِيلَ: فارَ التَّنُّورُ مِثْلُ كَحَمِيَ الوَطِيسُ، وعَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ وفارَ التَّنُّورُ ﴾ بِطَلْعِ الفَجْرِ فَقِيلَ: مَعْناهُ إنَّ فَوَرانَ التَّنُّورِ كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ وفِيهِ بُعْدٌ وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ لَكَ.

﴿ فاسْلُكْ فِيها ﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها يُقالُ سَلَكَ فِيهِ أيْ دَخَلَ فِيهِ وسَلَكَهُ فِيهِ أيْ أدْخَلَهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ  ﴾ ﴿ مِن كُلٍّ ﴾ أيْ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ أيْ فَرْدَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اثْنَيْنِ ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في الفَرْدَيْنِ دُونَ الجَمْعَيْنِ.

وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ مِن «كُلِّ زَوْجَيْنِ» بِالإضافَةِ عَلى أنَّ المَفْعُولَ «اثْنَيْنِ» أيِ اسْلُكْ مِن كُلِّ أُمَّتِي الذِّكْرِ والأُنْثى واحِدَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ كَجَمَلٍ وناقَةٍ وحِصانٍ ورَمَكَةٍ.

رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْمِلْ في الفُلْكِ مِن ذَلِكَ إلّا ما يَلِدُ ويَبِيضُ» وأمّا ما يَتَوَلَّدُ مِنَ العُفُوناتِ كالبَقِّ والذُّبابِ والدُّوُودِ فَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنهُ، ولَعَلَّ نَحْوَ البِغالِ مُلْحَقَةٌ في عَدَمُ الحَمْلِ بِهَذا الجِنْسِ لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِالتَّوالُدِ مِن نَوْعَيْنِ فالحَمْلُ مِنهُما مُغْنٍ عَنِ الحَمْلِ مِنهُ إذا كانَ الحَمْلُ لِئَلّا يَنْقَطِعَ النَّوْعُ كَما هو الظّاهِرُ فَيَحْتاجُ إلى خَلْقٍ جَدِيدٍ كَما خَلَقَ في ابْتِداءِ الأمْرِ.

والآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الأمْرَ بِالإدْخالِ كانَ قَبْلَ صُنْعِهِ الفَلَكِ، وفي سُورَةِ [هُودٍ: 40] ﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ﴾ فالوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِأمْرٍ آخَرَ تَنْجِيزَيٍّ ورَدٌّ عِنْدَ فَوَرانِ التَّنُّورِ الَّذِي نِيطَ بِهِ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ اعْتِناءً بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ أوْ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الأمْرُ السّابِقُ بِعَيْنِهِ لَكِنَّ لَمّا كانَ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ قَبْلَ تَحَقُّقِ المُعَلِّقِ بِهِ في حَقِّ إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ جَعَلَ كَأنَّهُ إنَّما حَدَثَ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ فَحُكِيَ عَلى صُورَةِ التَّنْجِيزِ ﴿ وأهْلَكَ ﴾ قِيلَ عَطَفَ عَلى ﴿ اثْنَيْنِ ﴾ عَلى قِراءَةِ الإضافَةِ وعَلى ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ عَلى قِراءَةِ التَّنْوِينِ، ولا يَخْفى اخْتِلالُ المَعْنى عَلَيْهِ فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿ فاسْلُكْ ﴾ أيْ واسْلُكْ أهْلَكَ، والمُرادُ بِهِمْ أُمَّةُ الإجابَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَواءً كانُوا مِن ذَوِي قَرابَتِهِ أمْ لا وجاءَ إطْلاقُ الأهْلِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما حَمَلَ عَلَيْهِ هُنا دُونَ المَعْنى المَشْهُورِ لِيَشْمَلَ مَن آمَنَ مِمَّنْ لَيْسَ ذا قَرابَةٍ فَإنَّهم قَدْ ذَكَرُوا في سُورَةِ هُودٍ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، واخْتارَ بَعْضُهم حَمْلَ الأهْلِ عَلى المَشْهُورِ وإرادَةَ امْرَأتِهِ وبَنِيهِ مِنهُ كَما في سُورَةِ هُودٍ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا كَما كانَ هُناكَ، وعَدَمُ ذِكْرِ مَن آمَنَ لِلِاكْتِفاءِ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ ثَمَّتْ مَعَ دَلالَةِ ما في الِاسْتِثْناءِ وكَذا ما بَعْدَهُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي إدْخالُهُ، وتَأْخِيرُ الأمْرِ بِإدْخالِ الأهْلِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عَمّا ذَكَرَ مِن إدْخالِ الأزْواجِ لِأنَّ إدْخالَ الأزْواجِ يَحْتاجُ إلى مُزاوَلَةِ الأعْمالِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإلى مُعاوَنَةِ أهْلِهِ إيّاهُ وأمّا هم فَإنَّما يَدْخُلُونَ بِاخْتِيارِهِمْ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ وغَيْرِهِ فَتَقْدِيمُهُ يُخِلُّ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والمُرادُ بِالقَوْلِ القَوْلُ بِالإهْلاكِ، والمُرادُ بِسَبْقِ ذَلِكَ تَحَقُّقُهُ في الأزَلِ أوْ كِتابَةُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ الدُّنْيا، وجِيءَ بِعَلى لِكَوْنِ السّابِقِ ضارًّا كَما جِيءَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى  ﴾ لِكَوْنِ السّابِقُ نافِعًا ﴿ ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ لا تُكَلِّمْنِي فِيهِمْ بِشَفاعَةٍ وإنْجاءٍ لَهم مِنَ الغَرَقِ ونَحْوِهِ، وإذا كانَ المُرادُ بِهِمْ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ فالإظْهارُ في مَقامُ الإضْمارِ لا يَخْفى وجْهُهُ ﴿ إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن عَدَمِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ لَهم أيْ إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لا مَحالَةَ لِظُلْمِهِمْ بِالإشْراكِ وسائِرِ المَعاصِي ومِن هَذا شَأْنُهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْفَعَ لَهُ أوْ يُشَفِّعَ فِيهِ وكَيْفَ يَنْبَغِي ذَلِكَ وهَلاكُهُ مِنَ النِّعَمُ الَّتِي يُؤَمَّرُ بِالحَمْدِ عَلَيْها كَما يُؤْذِنُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فلما أبوا على نوح  ، دعا عليهم.

قالَ رَبِّ انْصُرْنِي يعني: أعني عليهم بالعذاب.

بِما كَذَّبُونِ، يعني: بتحقيق قولي في العذاب، لأنه أنذر قومه بالعذاب، فكذبوه.

قوله عز وجل: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا، يعني: اعمل السفينة بأَعيننا، يعني: بمنظر منا وبعلمنا.

ثم قال: وَوَحْيِنا، يعني: بوحينا إليك وأمرنا.

فَإِذا جاءَ أَمْرُنا، يعني: عذابنا، وَفارَ التَّنُّورُ يعني: بنبع الماء من أسفل التنور، فَاسْلُكْ فِيها يعني: فأدخل في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يعني: من كل حيوان صنفين ولونين ذكراً وأنثى، وَأَهْلَكَ يعني: وأدخل فيها أهلك، إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ يعني: إلا من وجب عليه العذاب، وهو ابنه كنعان.

وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: ولا تراجعني بالدعاء في الذين كفرُوا وهو ابنه.

إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ بالطوفان.

قرأ عاصم في رواية حفص مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ بتنوين اللام، وقرأ الباقون بغير تنوين.

ثم قال عز وجل: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ، يعني: ركبت السفينة أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ يعني: في السفينة فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، يعني: الشكر لله الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: المشركين.

قوله عز وجل: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي، يعني: إذا نزلت من السفينة إلى البر، فقل: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر مُنْزَلًا بنصب الميم وكسر الزاي، يعني: موضع النزول وقرأ الباقون مُنْزَلًا بضم الميم ونصب الزاي، وهو اختيار أبي عبيد، وهو المصدر من أنزل ينزل، فصار بمعنى أنزلني إنزالاً مباركاً.

وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ من غيرك.

وقد قرأ في الشّاذ وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ بنصب الزاي، يعني: أن الله تعالى قال لنوح  : قل هذا القول، حتى تكون خير المنزلين.

ثم قال عز وجل: إِنَّ فِي ذلِكَ، يعني: في إهلاك قوم نوح.

لَآياتٍ، يعني: لعبراً لمن بعدهم.

وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ، يعني: وقد كنا لمختبرين بالغرق ويقال: بالطاعة والمعصية.

وَإِنْ بمعنى قد، كقوله وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ [إبراهيم: 46] ، يعني: وقد كان مكرهم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  بِذِكْرِ هَذا الرَّسُولِ الصّابِرِ؛ لِيَتَأسّى بِهِ في صَبْرِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ كُذِّبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَعْلُوَكم بِالفَضِيلَةِ فَيَصِيرَ مَتْبُوعًا، ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ لا يُعْبَدَ شَيْءٌ سِواهُ؛ ﴿ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ تُبَلِّغُ عَنْهُ أمْرَهُ لَمْ يُرْسَلْ بَشَرًا، ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ نُوحٌ مِنَ التَّوْحِيدِ، ﴿ فِي آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ فَأمّا الجَنَّةُ فَمَعْناها: الجُنُونُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، فَتَقْدِيرُهُ: انْتَظِرُوا مَوْتَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ وقْتٌ مُنْكَّرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( قالَ رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ، وفي القِصَّةِ الأُخْرى [ المُؤْمِنُونَ: ٣٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَذَّبُونِ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ( كَذَّبُونِي ) بِياءٍ، وفي القِصَّةِ الَّتِي تَلِيها أيْضًا: ( فاتَّقُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٥٢ ]، ( أنْ يَحْضُرُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٨ ]، ( رَبِّ ارْجِعُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٩ ]، ( ولا تُكَلِّمُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ١٠٨ ]، أثْبَتَهُنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، والمَعْنى: انْصُرْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ؛ أيِ: انْصُرْنِي بِإهْلاكِهِمْ جَزاءً لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( هُودٍ: ٣٧ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْلُكْ فِيها ﴾ ؛ أيِ: ادْخُلْ في سَفِينَتِكَ، ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ( مِن كُلِّ ) بِكَسْرِ اللّامِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن كُلِّ ) بِالتَّنْوِينِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ إضافَةُ " كُلِّ " إلى ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، وقِراءَةُ حَفْصٍ تَئُولُ إلى زَوْجَيْنِ؛ لِأنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الأزْواجِ زَوْجَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مُنْزَلًا ) بِضَمِّ المِيمِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَتْحَها.

والمَنزِلُ بِفَتْحِ المِيمِ: اسْمٌ لِكُلِّ ما نَزَلْتَ بِهِ، والمَنزِلُ بِضَمِّها: المَصْدَرُ بِمَعْنى الإنْزالِ، تَقُولُ: أنْزَلْتُهُ إنْزالًا ومَنزِلًا.

وَفِي الوَقْتِ الَّذِي قالَ فِيهِ نُوحٌ ذاكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ نُزُولِهِ في السَّفِينَةِ.

والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّفِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: في قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ﴿ لآياتٍ وإنْ كُنّا ﴾ ؛ أيْ: وما كُنّا، ﴿ لَمُبْتَلِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمُخْتَبِرِينَ إيّاهم بِإرْسالِ نُوحٍ إلَيْهِمْ.

﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي: عادًا، ﴿ فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ وهو هُودٌ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هم ثَمُودُ والرَّسُولُ صالِحٌ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّكم " نَصْبٌ عَلى مَعْنى: أيَعِدُكم [ أنَّكم ] مُخْرَجُونَ إذا مُتُّمْ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ أُعِيدَ ذِكْرُ " أنَّ "، كَقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( هَيْهاتَ هَيْهاتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ فِيهِما في الوَصْلِ وإسْكانِها في الوَقْفِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتًا هَيْهاتًا ) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( هَيْهاتٌ هَيْهاتٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: ( هَيْهاتٍ هَيْهاتٍ ) بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( هَيْهاتِ هَيْهاتِ ) بِالخَفْضِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وكانَ يَقِفُ بِالهاءِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، النّاجِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ( هَيْهاتُ هَيْهاتُ ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتْ هَيْهاتْ ) بِإسْكانِ التّاءِ فِيهِما.

وفي " هَيْهاتَ " عَشْرُ لُغاتٍ قَدْ ذَكَرْنا مِنها سَبْعَةً عَنِ القُرّاءِ، والثّامِنَةُ: ( أيْهاتَ )، والتّاسِعَةُ: ( أيْهانَ ) بِالنُّونِ، والعاشِرَةُ: ( أيْها ) بِغَيْرِ نُونٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ القاسِمِ، وأنْشَدَ الأحْوَصُ في الجَمْعِ بَيْنَ لُغَتَيْنِ مِنهُنَّ: تَذَكَّرُ أيّامًا مَضَيْنَ مِنَ الصِّبا وهَيْهاتِ هَيْهاتًا إلَيْكَ رُجُوعُها قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا الفَتْحُ فالوَقْفُ فِيهِ بِالهاءِ، تَقُولُ: ( هَيْهاهْ ) إذا فَتَحْتَ ووَقَفْتَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَإذا كَسَرْتَ ووَقَفْتَ عَلى التّاءِ كُنْتَ مِمَّنْ يُنَوِّنُ في الوَصْلِ، أوْ كُنْتَ مِمَّنْ لا يُنَوِّنُ.

وتَأْوِيلُ " هَيْهاتَ ": البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ ما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: بَعِيدٌ ما قُلْتَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ لِما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: البُعْدُ لِما قُلْتَ.

ويُقالُ: ( أيْهاتَ ) في مَعْنى ( هَيْهاتَ )، وأنْشَدُوا: وأيْهاتَ أيْهاتَ العَقِيقُ ومَن بِهِ ∗∗∗ وأيْهاتَ وصْلٌ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إذا وقَفْتَ عَلى ( هَيْهاتَ ) فَقُلْ: ( هَيْهاهْ ) .

وقالَ الفَرّاءُ: الكِسائِيُّ يَخْتارُ الوَقْفَ بِالهاءِ، وأنا أخْتارُ التّاءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ما تُوعَدُونَ ) بِغَيْرِ لامٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَبْعَدَ القَوْمُ بَعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ؛ إغْفالًا مِنهم لِلتَّفَكُّرِ في بُدُوِّ أمْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إيجادِهِمْ، وأرادُوا بِهَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّهُ لا يَكُونُ أبَدًا.

﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ يَعْنُونَ: ما الحَياةُ إلّا ما نَحْنُ فِيهِ، ولَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ حَياةٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: ﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ وهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها الزَّجّاجُ: أحَدُها: نَمُوتُ ويَحْيا أوْلادُنا، فَكَأنَّهم قالُوا: يَمُوتُ قَوْمٌ ويَحْيا قَوْمٌ.

والثّانِي: نَحْيا ونَمُوتُ؛ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ لا لِلتَّرْتِيبِ.

والثّالِثُ: ابْتِداؤُنا مَواتٌ في أصْلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ نَحْيا، ثُمَّ نَمُوتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هُوَ ﴾ يَعْنُونَ: الرَّسُولَ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [ هُودٍ: ٧، النَّحْلِ: ٣٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ قالَ عَمّا قَلِيلٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: عَنْ قَلِيلٍ، و" ما " زائِدَةٌ بِمَعْنى التَّوْكِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُفْرِهِمْ، ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: بِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ بِكُفْرِهِمْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً رَجَفَتْ لَها الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ، فَصارُوا لِشِدَّتِها غُثاءً.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغُثاءُ: ما أشْبَهَ الزَّبَدَ، وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: فَجَعَلْناهم هَلْكى كالغُثاءِ، وهو ما عَلا السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ والقَمَشِ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ ويَتَفَرَّقُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغُثاءُ: الهالِكُ والبالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ الَّذِي إذا جَرى السَّيْلُ رَأيْتَهُ مُخالِطًا زَبَدَهُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [ الحِجْرِ: ٥ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( تَتْرًى كُلَّما ) مُنَوَّنَةً والوَقْفُ بِالألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِلا تَنْوِينٍ، والوَقْفُ عِنْدَ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِألِفٍ.

ورَوى هُبَيْرَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَقِفُ بِالياءِ: أيْ: بِألِفٍ مُمالَةٍ.

قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ العَرَبِ عَلى تَرْكِ التَّنْوِينِ، ومِنهم مَن نَوَّنَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: نُتابِعُ بِفَتْرَةٍ بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ، وهو مِنَ التَّواتُرِ، والأصْلُ: وتْرى، فَقُلِبَتِ الواوُ تاءً كَما قَلَبُوها في التَّقْوى والتُّخَمَةِ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعْتُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبَيْنَ الخِبْرَيْنِ هُنَيَّةٌ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: ومِمّا تَضَعُهُ العامَّةُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ قَوْلُهم: تَواتَرَتْ كُتُبِي إلَيْكَ، يَعْنُونَ: اتَّصَلَتْ مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، فَيَضَعُونَ التَّواتُرَ في مَوْضِعِ الِاتِّصالِ، وذَلِكَ غَلَطٌ، إنَّما التَّواتُرُ: مَجِيءُ الشَّيْءِ ثُمَّ انْقِطاعُهُ ثُمَّ مَجِيئُهُ، وهو التَّفاعُلُ مِنَ الوَتْرِ، وهو الفَرْدُ، يُقالُ: واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعَتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ هُنَيْهَةٌ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ أصْلُها: ( وتَرى ) مِنَ المُواتَرَةِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ الواوِ، ومَعْناهُ: مُنْقَطِعَةٌ مُتَفاوِتَةٌ؛ لِأنَّ بَيْنَ كُلِّ نَبِيَّيْنِ دَهْرًا طَوِيلًا.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لا بَأْسَ بِقَضاءِ رَمَضانَ تَتْرى؛ أيْ: مُنْقَطِعًا.

فَإذا قِيلَ: واتَرَ فُلانٌ كُتُبَهُ، فالمَعْنى: تابَعَها وبَيْنَ كُلِّ كِتابَيْنِ فَتْرَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ ؛ أيْ: أهْلَكْنا الأُمَمَ بَعْضَهم في إثْرِ بَعْضٍ، ﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يُتَمَثَّلُ بِهِمْ في الشَّرِّ، ولا يُقالُ في الخَيْرِ: جَعَلْتُهُ حَدِيثًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأوحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مِن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ ﴿ فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في صِفَةِ السَفِينَةِ وقَدْرِها في سُورَةِ هُودٍ، و"الفُلْكُ" هُنا مُفْرَدٌ لا جَمْعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ هَذا مَذْهَبُ الحُذّاقِ، ووَقَفَتِ الشَرِيعَةُ عَلى أعْيُنٍ وعَيْنٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: عَيْنانِ مِن حَيْثُ لَمَّ تُوقَفِ الشَرِيعَةُ عَلى التَثْنِيَةِ، و"وَحْيِنا" مَعْناهُ: في كَيْفِيَّةِ العَمَلِ ووَجْهِ البَيانِ، وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَلامُ- نَزَلَ إلى نُوحٍ -عَلَيْهِ السَلامُ- فَقالَ لَهُ: اصْنَعْ كَذا وكَذا لِجَمِيعِ حُكْمِ السَفِينَةِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ.

واسْتَجَنَّ الكَفّارُ نُوحًا لِادِّعائِهِ النُبُوَّةَ بِزَعْمِهِمْ أنَّها دَعْوى، وسَخِرُوا مِنهُ لِعَمَلِهِ السَفِينَةِ عَلى غَيْرِ مَجْرى، أو لِكَوْنِها أوَّلُ سَفِينَةٍ إنْ صَحَّ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْرُنا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى أنْ نَأْمُرَ الماءَ بِالفَيْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ إهْلاكِنا لِلْكَفَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَفارَ التَنُّورُ ﴾ .

والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّهُ تَنُّورُ الخَبْزِ، وأنَّهُ أمارَةٌ كانَتْ بَيْنَ اللهِ -تَبارَكَ وتَعالى- وبَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فاسْلُكْ" مَعْناهُ: فَأدْخِلْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مِسْكِ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ وقَوْلُ الآخَرِ: وكُنْتُ لِزازٍ خَصْمَكَ لَمْ أُعَرِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ يُقالُ: سَلَكَ وأسْلَكَ بِمَعْنى.

وقَرَأ حَفْصُ عن عاصِمْ: "مِن كَلٍّ" بِتَنْوِينِ "كَلٍّ"، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ بِإضافَةِ "كُلٍّ" دُونَ تَنْوِينٍ، و"الزَوْجانِ" كُلُّ ما شَأْنُهُ الِاصْطِحابُ مِن كُلِّ شَيْءٍ كالذَكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ ونَحْوَ النِعالِ وغَيْرِها كُلُّ واحِدٍ زَوْجٌ لِلْآخَرِ، هَذا مَوْقِعُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ، والعَدَدِيُّونَ يُوقِعُونَ الزَوْجَ عَلى الِاثْنَيْنِ، وعَلى هَذا أمَرَ اسْتِعْمالُ العامَّةِ لِلزَّوْجِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأهْلَكَ" يُرِيدُ قَرابَتَهُ، ثُمُ اسْتَثْنى مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّهُ كافِرٌ وهو ابْنُهُ وامْرَأتُهُ، ثُمْ أمْرَ اللهُ نُوحًا -عَلَيْهِ السَلامُ- ألّا يُراجِعَ رَبَّهُ ولا يُخاطِبَهُ شافِعًا في أحَدٍ مِنَ الظالِمِينَ، والإشارَةُ إلى مَنِ اسْتَثْنى إذِ العُرْفُ مِنَ البَشَرِ الحُنُوُّ عَلى الأهْلِ، ثُمْ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى النَجاةِ مِنَ الظَلَمَةِ عِنْدَ اسْتِوائِهِ وتَمَكُّنِهِ في الفُلْكِ، ثُمْ أمَرَهُ بِالدُعاءِ في بَرَكَةِ المَنزِلِ، وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مَنزِلًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزايِ، وهو مَوْضِعُ النُزُولِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "مُنْزَلًا" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزايِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْزالِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَوْضِعُ النُزُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ -  - أيْ: إنَّ فِيما جَرى عَلى هَذِهِ الأُمَمِ لَعِبَرًا أو دَلائِلَ لِمَن لَهُ نَظَرٌ وعَقْلٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَبْتَلِي عِبادَهُ الزَمَنَ بَعْدَ الزَمَنِ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ بِهَذا الإخْبارِ، و"إنَّ" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ تَأْكِيدٍ، والفِراءُ يَقُولُ: "إنَّ" نافِيَةٌ واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، و"مُبْتَلِينَ" مَعْناهُ مُصِيبِينَ بِبَلاءٍ ومُخْتَبِرِينَ اخْتِبارًا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني لأن ما حكي عن صدهم الناس عن تصديق دعوة نوح وما لفقوه من البهتان في نسبته إلى الجنون، مما يثير سؤال مَن يسأل عمَّاذا صنع نوح حين كذّبه قومه فيجاب بأنه قال: ﴿ رب انصرني ﴾ الخ.

ودعاؤه بطلب النصر يقتضي أنه عَدّ فعلَهم معه اعتداءً عليه بوصفِه رسولاً من عند ربه.

والنصر: تغليب المعتدَى عليه على المعتدي، فقد سأل نوح نصراً مجملاً كما حكي هنا، وأعلمه الله أنه لا رجاء في إيمان قومه إلاّ مَن آمن منهم كما جاء في سورة هود، فلا رجاء في أن يكون نصره برجوعهم إلى طاعته وتصديقه واتِّباع ملته، فسأل نوح حينذاك نصراً خاصاً وهو استئصال الذين لم يؤمنوا كما جاء في سورة نوح (26، 27) ﴿ وقال نوح ربّ لا تَذَرْ على الأرض من الكافرين دَيَّاراً إنك إن تَذَرهمُ يُضِلّوا عبادك.

فالتعقيب الذي في قوله تعالى هنا: فأوحينا إليه ﴾ تعقيب بتقدير جمل محذوفة كما علمت، وهو إيجاز في حكاية القصة كما في قوله تعالى: ﴿ أن أضربْ بعصاكَ البَحْرَ فانفلق ﴾ الخ في سورة الشّعراء (63).

والباء في بما كَذّبون} سببية في موضع الحال من النصر المأخوذ من فعل الدعاء، أي نصراً كائناً بسبب تكذيبهم، فجعل حظ نفسهِ فيما اعتدوا عليه مُلغىً واهتم بحظ الرسالة عن الله لأن الاعتداء على الرسول استخفاف بمن أرسله.

وجملة ﴿ أن اصنع ﴾ جملة مفسره لِجملة ﴿ أوحينا ﴾ لأن فعل ﴿ أوحينا ﴾ فيه معنى القول دون حروفه، وتقدم نظير جملة ﴿ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ﴾ في سورة هود (37).

وفرع على الأمر بصنع الفلك تفصيل ما يفعله عند الحاجة إلى استعمال الفلك فوُقِّت له استعماله بوقت الاضطرار إلى إنجاء المؤمنين والحيوان.

وتقدم الكلام على معنى ﴿ فار التنور ﴾ ومعنى ﴿ زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ﴾ في سورة هود (40).

والزوج: اسم لكل شيء له شيء آخر متصل به بحيث يجعله شَفعا في حالة مَّا.

وتقدم في سورة هود.

وإنما عبر هنالِك بقوله: ﴿ قلنا احمل فيها ﴾ [هود: 40] وهنَا بقوله: ﴿ فاسلُك فيها ﴾ لأن آية سورة هود حكت ما خاطبه الله به عند حدوث الطوفان وذلك وقت ضيق فأُمرّ بأن يحمل في السفينة من أراد الله إبقاءهم، فأسند الحمل إلى نوح تمثيلاً للإسراع بإركاب ما عُيِّن له في السفينة حتَّى كأنّ حاله في إدخاله إيَّاهم حالُ من يحمل شيئاً ليضعه في موضع، وآية هذه السورة حكت ما خاطبه الله به من قبل حدوث الطوفان إنباء بما يفعله عند حدوث الطوفان فأمَره بأنه حينئذ يدخل في السفينة من عَيَّن الله إدخالهم، مع ما في ذلك من التفنن في حكاية القصة.

ومعنى ﴿ اسلك ﴾ أدخِل، وفعل (سلك) يكون قاصراً بمعنى دخل ومتعدياً بمعنى أدخل ومنه قوله تعالى: ﴿ ما سَلَكَكُم في سَقَر ﴾ [المدثر: 42].

وقول الأعشى: كما سلَك السَّكِّيَّ في الباب فَيْتَقُ *** وتقدم الكلام على مثل قوله: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴾ في سورة هود (37).

وقرأ الجمهور ﴿ من كل زوجين ﴾ بإضافة ﴿ كل ﴾ إلى ﴿ زوجين ﴾ .

وقرأه حفص بالتنوين ﴿ كلَ ﴾ على أن يكون ﴿ زوجين ﴾ مفعولَ ﴿ فاسلك ﴾ ، وتنوين ﴿ كل ﴾ تنوين عوض يُشعرُ بمحذوف أضيف إليه ﴿ كل ﴾ .

وتقديره: من كل ما أمرتك أن تحمله في السفينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَفارَ التَّنُّورُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَنُّورُ الخابِزَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ آخِرُ مَكانٍ في دارِكَ، قالَهُ أبُو الحَجّاجِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ طُلُوعُ الفَجْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِاشْتِدادِ الأمْرِ كَما قالَ النَّبِيُّ  : «الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبارَكًا ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ بَكْرٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُنْزَلَ بِالضَّمِّ فِعْلُ النُّزُولِ وبِالفَتْحِ مَوْضِعُ النُّزُولِ.

﴿ وَأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ ﴾ في ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ نُوحًا قالَ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِهِ في السَّفِينَةِ فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ مُبارَكًا يَعْنِي بِالسَّلامَةِ والنَّجاةِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ مُبارَكًا يَعْنِي بِالماءِ والشَّجَرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فاسلك فيها ﴾ الآية.

يقول: اجعل معك في السفينة من كل زوجين إثنين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ ﴾ مفسر في سورة هود إلى قوله.

﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ ﴾ (١) قوله: ﴿ فَاسْلُكْ فِيهَا ﴾ أي ادخل في سفينتك.

وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ  ﴾ .

(١) انظر: "البسيط" سورة هود: 37 - 38.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ تضمن هذا دعاء عليهم، لأن نصرته إنما هي بإهلاكهم وقد تقدم في [هود: 37] تفسير ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ووحينا، ﴿ وَفَارَ التنور ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي ﴾ ﴿ فاسلك فِيهَا ﴾ أي أدخل فيها، وقد تقدم تفسير زوجين إثنين ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ إن مخففة من الثقيلة، ﴿ لَمُبْتَلِينَ ﴾ : اسم فاعل من ابتلى، ويحتمل أن يكون بمعنى الاختبار، أو إنزال البلاء ﴿ قَرْناً آخَرِينَ ﴾ قيل: إنهم عاد ورسولهم هود، لأنهم الذين يلون قوم نوح، وقيل: أنهم ثمود ورسولهم صالح، وهذا أصح لقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ﴾ [المؤمنون: 41]، وأما عاد فأهلكوا بالريح ﴿ مِن قَوْمِهِ ﴾ قدم هذا المجرور على قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ لئلا يوهم أنه متصل بقوله: ﴿ الحياة الدنيا ﴾ بخلاف قوله: ﴿ وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ ﴾ في غير هذا الموضع ﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ ﴾ أي نعمناهم ﴿ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ يحتمل أنهم قالوا ذلك لإنكارهم أن يكون نبيّ من البشر، أو قالوه أنفه من اتباع بشر مثلهم، وكذلك قال قوم نوح ﴿ أَيَعِدُكُمْ ﴾ استفهام على وجه الاستهزاء والاستبعاد ﴿ أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ﴾ كرر أن تأكيداً للأولى؛ ومخرجون خبر عن الأولى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ لأماناتهم ﴾ على التوحيد: ابن كثير ﴿ على صلاتهم ﴾ موحدة: حمزة وعلي وخلف.

و ﴿ عظماً ﴾ ﴿ العظم ﴾ موحدين على إرادة الجنس أو على وضع الواحد مكان الجمع لعدم اللبس: ابن عامر وأبو بكر وحماد و ﴿ جبلة ﴾ الأول موحداً والثاني مجموعاً: زيد بن يعقوب.

وروى القطعي عن أبي زيد بالعكس فيهما.

الباقون مجموعين ﴿ سيناء ﴾ بكسر السين: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بفتحها.

﴿ تنبت ﴾ من الإنبات: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير روح.

الآخرون بفتح التاء وضم الباء من النبات.

﴿ تسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.

بالتاء الفوقانية: يزيد: الباقون بضم النون.

﴿ منزلاً ﴾ بفتح الميم وكسر الزاء: ابو بكر وحماد.

الآخرون بضم الميم وفتح الزاء.

الوقوف: ﴿ المؤمنون ﴾ ه لا ﴿ خاشعون ﴾ ه لا ﴿ معرضون ﴾ ه لا ﴿ فاعلون ﴾ ه لا ﴿ حافظون ﴾ ه ﴿ ملومين ﴾ ه لاعتراض الاستثناء بين الأوصاف ولاستحقاق الشرط الابتداء ولطول الكلام وإلا فالآيتان من أوصاف المؤمنين ايضاً ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ يحافظون ﴾ ه م وإلا لأوهم تخصيص الإرث بالمذكورين في الآيتين فقط ﴿ الوارثون ﴾ ه لا ﴿ الفردوس ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ج ه للعدول عن المظهر إلى كناية عن غير مذكور فإن المراد من الإنسان آدم، ومن الهاء في جعلناه جنس ولده مع عطف ظاهر ﴿ مكين ﴾ ه ج للعطف ﴿ لحماً ﴾ صلى وقد قيل للابتداء بإنشاء نفخ الروح تعظيماً ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ الخالقين ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار فإن بين الإحياء والإفناء مهلة ﴿ لميتون ﴾ ه ط لذلك ﴿ لقادرون ﴾ ه للآية مع اتصال المعنى بلفظ الفاء ﴿ وأعناب ﴾ م لئلا يوهم أن الجار والمجرور وصف أعناب ﴿ تأكلون ﴾ ه لا لأن شجرة مفعول ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ لآكلين ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأن الجملة بعدها ليست بصفة لها ﴿ تأكلون ﴾ ه لا ﴿ تحملون ﴾ ه ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن قوله ﴿ يريد ﴾ صفة ﴿ بشر ﴾ ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ ملائكة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولين ﴾ ج ه للآية مع اجتناب الابتداء بقول الكفار مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ حين ﴾ ه ﴿ كذبون ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب فإذا ﴿ منهم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الاستثناء ﴿ ظلموا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال إضمار اللام والفاء للتعليل ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ المبتلين ﴾ ه.

التفسير: لما أنجر الكلام في السورة المتقدمة إلى الختم بالصلاة والزكاة بدأ في هذه السورة بذكر فضائلهما وفضائل ما ينخرط في سلكهما من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

"وقد" نقيضة "لما" لأنها تثبت المتوقع و "لما" تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي إخبار بثبوت الفلاح لهم.

وقد مر معنى الإيمان والاختلاف فيه بين الأقوام في أول "البقرة".

وأما الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون، وترك الالتفات، والنظر إلى موضع السجود، والتوقي عن كف الثوب أي جمعه، والعبث بجسده وثيابه، والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم، والسدل بأن يضع وسط الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل طرفيه، والاحتراز عن الفرقعة والتشبيك وتقليب الحصى، والاختصار وهو أن يمسك بيده عصاً أو سوطاً ونحوهما.

وقال الحسن وابن سيرين: كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، وكان رسول الله  يفعل ذلك، فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاة، وهذا الخشوع واجب عند المحققين.

نقل الإمام الغزالي عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي: من لم يخشع فسدت صلاته.

وعن الحسن: كلا صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.

وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له.

وروي عنه مرفوعاً: إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها وعشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها.

وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته.

ومما يدل على صحة هذا القول قوله  ﴿ أفلا يتدبرون القرآن  ﴾ والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله ﴿ وأقم الصلاة لذكرى  ﴾ والغفلة تضاد الذكر ولهذا قال ﴿ ولا تكن من الغافلين  ﴾ وقوله ﴿ حتى تعلموا ما تقولون  ﴾ نهي للسكران إلا أن المستغرق في هموم الدنيا بمنزلته.

وقوله  "المصلي يناجي ربه" ولا مناجاة مع الغفلة أصلاً بخلاف سائر أركان الإسلام فإِن المقصود منها يحصل مع الغفلة، فإن الغرض من الزكاة كسر الحرص وإغناء الفقير، وكذا الصوم قاهر للقوي كاسر لسطوة النفس التي هي عدّو الله، وكذا الحج فإِن أفعاله شاقة وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء وإن لم يكن القلب حاضراً.

والمتكلمون أيضاً اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع قالوا: لأن السجود لله  طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بد من مميز وما ذاك إلا القصد والإرادة ولا بد فيهما من الحضور.

وأما الفقهاء فالأكثرون منهم لا يوجبون ذلك فيقال لهم: هبوا أنه ليس من شرط الإجزاء وهو عدم وجوب القضاء، أليس هو من شرط القبول الذي يترتب عليه الثواب؟

فمن استعار ثوباً ثم ردّه على أحسن الوجوه فقد خرج عن العهدة، وكذا إن ردّه على وجه الإهانة والاستخفاف إلا أنه يستحق المدح في الصورة الأولى والذم في الصورة الثانية.

" وعن النبي  أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال  لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" .

ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زّوجني الحور العين.

فقال: بئس الخاطب أنت قلت: لا ريب أن الاحتياط إنما هو في رعاية جانب الخشوع كما حكي عن بعض العلماء أنه اختار الإمامة فقيل له في ذلك؟

فقال: أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي.

وإن قرأت مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الخلاف.

قال علماء المعاني: سبب إضافة الصلاة إليهم هو أن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى لأجله، فالمصلي هو المنتفع بها وحده وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فمتعال عن ذلك.

ولما كان اللغو هو الساقط من القول أو الفعل احتمل أن يقع في الصلاة، وأيضاً كان الإعراض عنه من باب التروك كما أن الخشوع وهو استعمال الآداب وما لا يصح ولا تكمل الصلاة إلا به كان من باب الأفعال وعلى الفعل والترك بناء قاعدة التكليف فلا جرم جعلهما قرينين فقال ﴿ والذين هم عن اللغو معرضون ﴾ واللغو على ما قلنا يشمل كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو مباحاً لا ضرورة إليه ولا حاجة قولاًَ أو فعلاً.

فمن الحرام قوله  حكاية عن الكفار ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن وَالغَواْ فيه  ﴾ فإِن ذلك اللغو كفر والكفر حرام.

ومن المباح قوله ﴿ لا يؤاخذكم الله بِاللَّغوِ في أيمانكم  ﴾ ولو لم يكن مباحاً لم يناسبه عدم المؤاخذة.

والإعراض عن اللغو هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه كما قال عز من قائل ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً  ﴾ ثم وصفهم بفعل الزكاة وهو مناسب للصلاة.

وليس المراد بالزكاة ههنا عين القدر المخرج من النصاب لأن الخلق لا قدرة لهم على فعلها فلا يصح فقوله للمزكي فاعل الزكاة كقولك للضارب فاعل الضرب.

وعن أبي مسلم أنه حمل الزكاة ههنا على فعل محمود مرضي كقوله ﴿ قد افلح من تزكى  ﴾ والأول أقرب لأنه مناسب لعرف الشرع.

الصفة الرابعة قوله ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ﴾ قال الفراء: "على" بمعنى "عن": وقال غيره: هو في موضع الحال أي إلا والين أو قوامين على أزواجهم نظيره قولهم "كان زياد على البصرة" اي والياً عليها، والمعنى أنهم مستمرون على حفظ الفروج في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسربهم.

أو تعلق الجار بمحذوف يدل عليه ﴿ غير ملومين ﴾ كأنه قيل: يلامون على كل من يباشرونه إلا على أزواجهم فإنهم غير ملومين عليهن، وجوّز في الكشاف أن يكون صلة لحافظين من قولهم "احفظ عليّ عنان فرسي" على تضمينه معنى الفي أي لا تسلط علي فرسي.

وإنما لم يقل "أو من ملكت" لأنه اجتمع في السرية وصفان: الأنوثة التي هي سبب نقصان العقل وكونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع ﴿ فمن ابتغى ﴾ حداً ﴿ وراء ذلك ﴾ الحد الذي شرع وهو إباحة أربع من الحرائر وما الإماء من الإماء وكفى به حداً فسيحاً ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في العدوان المتناهون فيه.

قيل: لا دليل فيه على تحريم نكاح المتعة لأنها من جملة الأزواج إذا صح النكاح.

ومنع من أنها من الأزواج ولو كانت زوجة لورث منها الزوج لقوله ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم  ﴾ ولورثت منه لقوله ﴿ ولهن الربع  ﴾ ثم الآية من العمومات التي دخلها التخصيص بدلائل أخر فيخرج منها الغلام بل الوطء في الدبر على الإطلاق لأنه ليس موضع الحرث، وكذا الزوجة والأمة في أحوال الحيض والعدة والإحرام ونحوها.

وقال أبو حنيفة: الاستثناء من النفي ليس بإثبات فقوله "لا صلاة إلا بطهور" "ولا نكاح إلا بولي" لا يقتضي حصول الصلاة والنكاح بمجرد حصول الطهور والولي، ولا تخصيص عنده في الآية.

والمعنى أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات، وهكذا نقله الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره.

الصفة الخامسة رعاية الأمانة والعهد والمراد بهما الشيء المؤمتمن عليه والمعاهد عليه لتمكن رعايتهما، والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية.

ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله  ومن جهة الناس كالعبادات والمعاملات والودائع والقصود والنيات والعقود والنذور والطلاق والعتاق وغيرها، وقد مر في تفسير قوله ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها  ﴾ وقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود  ﴾ ويحتمل الخصوص فيما تحملوه من أمانات الناس وعهودهم.

الصفة السادسة محافظة الصلاة كما مر في قوله { ﴿ حافظوا على الصلوات  ﴾ وذلك في "البقرة" وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم وآخراً بالمداومة عليها وبمراقبة أعداها وأوقاتها فرائض كانت أو سنناً، رواتب أو غيرها.

فالمحافظة أعم من الخشوع وأشمل، ومن هنا يعرف فضيلة الصلاة إذ وقع الافتتاح بها والاختتام عليها وإن اختلف الاعتباران والعبارتان.

﴿ أولئك هم الوارثون ﴾ الأحقاء بأن يسموا ورّاثاً دون من عداهم ممن يرث مالاً فانياً أو متاعاً قليلاً أو ممن يدخل الجنة سواهم كالأطفال والمجانين والفساق بعد العفو وكالولدان والحور.

ثم بين الموروث بقوله ﴿ الذين يرثون الفردوس ﴾ وقد سبق معنى هذه الوراثة في "الأعراف" في قوله ﴿ ونودوا أن تِلكُمُ الجنة أورثتموها  ﴾ قال الفقهاء: لا فرق في الميراث بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر ملكه فيه ولذلك قالوا للدية إنها ميراث المقتول.

وكل من في الجنة فله مسكن مفروض في النار على تقدير طفره، وكل من في النار فله مسكن مفروض في الجنة على تقدير إيمانه كما ورد في الحديث، فإذا تبادل المسكنان كان جميع أهل الجنة وارثين، ولكن كل افردوس لا يكون ميراثاً بل بعضه ميراث وبعضه بالاستحقاق إلا أنه يصدق بالجملة أنهم ورثوا الفردوس أي الجنة ولهذا أنت الضمير في قوله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ وقيل: إن الجنة كانت مسكن أبينا آدم  فإذا انتقلت إلى أولاده كان شبيهاً بالميراث.

والفردوس بلسان الحبشة أو الروم هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر.

روي أن الله عز وجل بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر.

وروى أبو موسى الشعري عن النبي  أنه قال "الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار" وعن أبي أماة مرفوعاً "سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش" ويروى عن النبي  أنه قال "لما خلق الله  جنة عدن قال لها: تكلمي.

فقالت: قد افلح المؤمنون" ويروى عن النبي  أنه قال "إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت: حفظك الله كما حافظت علي وتشفع لصاحبها.

فإذا أضاعها قالت: ضيعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب ويضرب بها على وجه صاحبها" قالت العلماء: أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمتقين كقوله ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ وكذا الكلام في كلام "طوبى".

وأما أنه  خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها وإيجادها من غير واسطة.

وأما حديث الصلاة فلا ريب أنها حركات وسكنات ولا يصح عليها التكلم فالمراد به ضرب المثل كقولك للمنعم عليك "إن إحسانك إليّ ينطق بالشكر".

ولما حث عباده على العبادات ووعدهم الفردوس على مواظبتها عاد إلى تقرير المبدأ والمعاد ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين وهو ثلاثة أنواع: الأول الاستدلال بأطوار خلق الإنسان والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر وهذا البناء للقلة ولما يسقط عن الشيء كالقلامة.

قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد آدم لأنه استل من الطين، والكناية في ﴿ جعلناه ﴾ راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم أي جعلنا جوهره نطفة وقال آخرون: الإنسان ههنا هو ولد آدم والطين اسم آدم والسلالة هي الأجزاء الكلية المبثوثة في أعضائه التي تجتمع منياً في أوعيته، ويحتمل أن يقال: إن كل نسل آدم حاله كذلك لأن غذاءه ينتهي إلى النبات المتولد من صفو الأرض والماء المسمى بالسلالة.

ثم إن تلك السلالة تصير منياً وعلى هذا فكلتا لفظي "من" للابتداء.

قال في الكشاف: الأولى للابتداء والثانية للبيان وهو موجه على التفسير الأول فقط.

والقرار المستقر اراد به الرحم.

وإنما وصفت بالمكين لمكانتها في نفسها فإنها مكنت حيث هي وأحرزت، أو على الإسناد المجازي باعتبار المستقر فيها كقولك "طريق سائر".

وترتيب الأطوار كما مر في أول الحج.

ومعنى "ثم" في بعض هذه المعطوفات تراخي الرتبة ولا سيما في قوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ اي خلقاً مبايناً للخلق الأول حيث جعله حيواناً وكان جماداً إلى غير ذلك من دقائق اللطف وغرائب الصنع وذلك بعد استكماله ثلاثة أربعينات.

ومن هنا ذهب أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده إلى أنه يضمن البيضة ولا يردّ الفرخ لأنه خلق آخر سوى البيضة.

وروى العوفي عن ابن عباس أن ذلك تصريف الله في أطواره بعد الولادة من الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب وخلق الفهم والعقل فيه يؤيده قوله ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ ويروى هذا القول أيضاً عن مجاهد وابن عمر ﴿ فتبارك الله ﴾ كثر خيره وبركته أو هو وصف له بالدوام والبقاء أو بالتعالي لأن البركة يرجع معناها إلى الامتداد وكل ما زاد على الشيء فقد علاه.

ومعنى ﴿ أحسن الخالقين ﴾ أحسن المقدّرين تقديراً فحذف المميز للعلم به.

قالت المعتزلة: في الاية دلالة على أن كل ما يفعله الله فهو حسن وحكمة فلا يكون خالقاً للكفر والمعاصي.

وأجيب بأن الحسن ههنا بمعنى الإحكام والإتقان في التركيب والتأليف وبأنه لا يقبح منه شيء لأنه  يتصرف في ملكه.

قالوا: لولا أن غيره  خالق لم تحسن هذه الإضافة فيعلم منه أن العبد خالق أفعاله.

وعورض بقوله ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ وأجيب بأن المراد أنه أحسن الخالقين في زعمكم واعتقادكم.

وبعضهم أجاب بأن وجه حسن الإضافة هو أنه  وصف عيسى بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ولا يخفى ضعف هذا الجواب من أنه يلزم إطلاق الجمع على الواحد ومن حيث إنه يلزم إطلاق الخالق على المصوّرين.

والحق أن الخلق لو كان بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد لا يلزم منه شيء من هذه الإشكالات.

روي أن عبد الله بن أبي سرج كان يتب لرسول الله  فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله  اكتب هكذا نزلت.

فقال عبد الله: إن كان محمد  نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ فلحق بمك كافراً ثم اسلم يوم الفتح.

وروي عن عمر ايضاً سبق لسانه بقوله ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ قبل أن ينزل.

واعلم أن هذا غير مستبعد ولا قادح في إعجاز القرآن لأنه ليس بمقدار سورة الكوثر التي وقع فيها أقل التحدي به.

سؤال: ما الحكمة في الموت وهلا وصل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة ليكون في الأنعام أبلغ؟

جواب لو كان كذلك لكان الآتي بالطاعة آتياً بها لمحض الجنة والثواب فلا جرم أوقع الله  الإماتة والإعادة في البين لتكون الطاعات أدخل في الإخلاص وابعد عن صورة المبايعة.

وليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة وهي حياة القبر فتعرف تلك بدليل آخر.

ويمكن إن يقال: بل الآية تتضمنها فإنها ايضاً من جنس الإعادة.

النوع الثاني: الاستدلال بخلق السموات قال الخليل والفراء والزجاج: سميت السموات طرائق لأنها طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل.

وقال علي بن عيسى: لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم.

وقيل: لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها ﴿ وما كنا عن الخلق ﴾ أي عن السموات وحفظها أن لا تقع على الأرض قاله سفيان بن عيينة.

وعن الحسن أراد بالخلق الناس أي ما كنا ﴿ غافلين ﴾ عن مصالحهم فخلقنا الطرائق فوقهم لينزل منها عليهم البركات والأرزاق ولينتفعوا بغير ذلك من منافعها.

ويحتمل أن يريد بالأول كمال قدرته وبالثاني كمال علمه بأحوال مخلوقاته وفيه نوع من الزجر.

ويمكن أن يراد خلقنا السموات وما كنا عن خلقها ذاهلين فلهذا لم تخرج عن التقدير الذي اردنا كونها عليه نظيره ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت  ﴾ النوع الثالث: الاستدلال بنزول الأمطار وإخراج النبات وإنشاء الحيوانات.

ونزول المطر عند الظاهرين من أهل الشرع لا يبعد أن يكون من نفس السماء، وعند أرباب المعقول منهم يراد به إنزاله من جهة السماء قالوا: إنه  يصعد الأجزاء المائية من البحر بواسطة التبخير فتصير في الجو صافية عذبة زائلة عنها ملوحة البحر، ثم ينزلها بواسطة السحب وقد سلف في أول البقرة تفصيل ذلك.

ومعنى ﴿ بقدر ﴾ بتقدير يسلمون معه من المضار ويصلون إلى المنافع، او بمقدار يوافق حاجاتهم.

ومعنى إسكان ماء المطر في الأرض جعله مدداً للينابيع والآبار.

وقيل: أراد إثابته في الأرض على ما روي عن ابن عباس أن الأنهار خمسة: سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة واستودعها الجبال وأجراها في الأرض.

﴿ وإنا على ذهاب به لقادرون ﴾ أي كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه.

ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى إذ فيه إيذان على أن الذاهب به قادر على ايّ وجه اراد به، وفيه تحذير من كفران نعمة الماء وتخويف من نفاذه إذا لم يشكر.

ثم لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء بين المنافع الحاصلة بسببه وخص منها النخيل والأعناب وشجرة الزيتون لأنها أكرم الشجر وأعمها نفعاً، ووصف النخل بأن ثمرهما جامع لأمرين: التفكه والتطعم.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ومنها تأكلون ﴾ من قولهم "فلان يأكل من حرفة كذا" كأنه قال: ومن هذه الجنان وجوه ارزاقكم ومعايشكم ووصف الزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعاً.

قال جار الله: طور سيناء وطور سينين إما أن يكون الطور فيه مضافاً إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون المجموع اسماً للجبل وهو جبل فلسطين على قول والطور الذي منه نودي موسى.

من قرأ ﴿ سيناء ﴾ بفتح السين فهو كصحراء، ومن قرأ بكسرها فمنع صرفه للعلمية والعجمة أو التأنيث بتأويل البقعة ولا يكون الفه حينئذ للتأنيث كعلباء وحرباء.

قال في الكشاف ﴿ بالدهن ﴾ في موضع الحال والباء للمصاحبة دون التعدية، لأن نبات الدهن أو إنباته لا يكاد يستعمل.

فالمعنى تنبت الشجرة وفيها الدهن أو تنبت الشجرة زيتونها وفيه الزيت.

ويجوز أن يكون أنبت بمعنى نبت أيضا، والصبغ الإدام لأنه يصبغ الخبز.

قلت: لا يبعد أن يريد بالصبغ نفس ثمر الزيتون لا الزيت، وكذا يحتمل أن تكون الباء في ﴿ بالدهن ﴾ للتعدية إلا أن يكون الإنبات متعدياً.

قال المفسرون: إنما أضافها الله  إلى هذا الجبل لأنها منه تشعبت في البلاد وتفرقت أو لأن معظمها هنالك.

قوله ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ قد مر في "النحل".

ولعل القصد بالأنعام ههنا.

الإِبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة ولانه قرنها بالفلك وهي سفائن البر كما أن الفلك سفائن البحر.

وإنما قال في هذه السورة.

﴿ فواكه كثيرة ﴾ بالجمع بخلاف ما في "الزخرف" لتناسب قوله هنا ﴿ منافع كثيرة ﴾ لتناسب قوله ﴿ جنات ﴾ كما قال هنالك ﴿ فاكهة  ﴾ على التوحيد لتناسب قوله ﴿ تلك الجنة  ﴾ وإنما قال هنا في الموضعين ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بزيادة الواو خلاف الزخرف لأن تقدير الاية: منها تدخرون ومنها تأكلون ومنها تبيعون ومنها ومنها، وليس كذلك فاكهة الجنة فإنها للأكل فحسب فافهم.

وأعلم أنه لما أنجر الكلام إلى ذكر الفلك أتبعه قصة نوح لأنه أول من الهم صنعتها، وفيه أيضاً تمزيج القصص بدلائل التوحيد على عادة القرآن لأجل الاعتبار والتنشيط.

وقوله ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ جملة مستأنفة تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة.

ومعنى ﴿ أفلا تتقون ﴾ أفلا تخافون أن تتركوا عبادة من هو لوجوب وجوده مستحق العبادة ثم تذهبوا فتعبدوا ما ليس بهذه الصفة بل هو في أخس مراتب الإمكان وهي الجمادية.

ثم حكى الله  عنهم شبهاً: الأولى قولهم ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ إنكار كون الرسول من جنس البشر أو إنكار مثلهم في الأسباب الدنيوية من المال والجاه والجمال كأنهم ظنوا أن القرب من الله يوجب المزية في هذه الأمور ويتأكد هذا الاحتمال بالشبهة الثانية وهي قوله ﴿ يريد أن يتفضل عليكم ﴾ أي يتكلف طلب الفضل والرياسة عليكم نظيره { ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض  ﴾ ويتأكد الاحتمال والأول بالشبهة الثالثة وهي قوله ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ لعلو شأنهم ووفور علمهم وكمال قوتهم.

وقد حكى هذه الشبهة عن أقوام آخرن في "حم السجدة" ﴿ قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة  ﴾ خص هذه السورة باسم الله على الأصل ولتقدم ذكر الله وخص تلك السورة باسم الرب لتقدم ذكر الرب في قوله ﴿ ذلك رب العالمين  ﴾ وهم من جملة العالمين قالوه إما اعتقاداً وإما استهزاء.

الشبهة الرابعة الاعتصام بحبل التقليد ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بمثل هذا الكلام أو بمثل هذا المدعي فيجوز أن يكونوا صادقين في ذلك للفطرة المتداولة، ويجوز أن يكونوا تجاهلوا وتكذبوا لانهماكهم في الغي وتشمرهم لدفع الحق وإفحام النبي  بأيّ وجه يمكنهم يؤيده الشبهة الخامسة وهي نسبتهم إياه إلى الجنون مع علمهم ظاهراً بأنه أرجح الناس عقلاً ورزانة.

قال جار الله: الجنة الجنون أو الجن أي به جن يخبلونه، وهذا بناء على زعم العوام أن المجنون ضر به الجن.

ثم رتبوا على هذه الشبهة قولهم ﴿ فتربصوا به حتى حين ﴾ أي اصبروا عليه إلى أن ينكشف جنونه ويفيق أو إلى أن يموت أو يقتل.

وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام فإنه  كان يفعل أفعالاً على خلاف عاداتهم.

وكان رؤساؤهم يقولون للعوام: إنه مجنون لينفروهم عنه وليلبسوا عليهم أمره.

ويحتمل أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبياً حقاً فالله ينصره ويقوّي أمره فنحن حينئذ نتبعه، وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه.

واعلم أنه  لم يذكر جواب شبهاتهم لركاكتها ولأنه قد علم في هذا الكتاب الكريم أجوبتها غير مرة ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ { ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً  ﴾ ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم  ﴾ ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون  ﴾ وإذا بطل طريقة التقليد صار حديث التربص ضائعاً يجب قبول قول من يدعي النبوّة بعد ظهور المعجزة من غير توقف.

ثم حكى أن نوحاً  لما علم إصرارهم على الكفر ﴿ قال رب انصرني ﴾ أي أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي ففي نصرته إهلاكهم، أو انصرني بدل تكذيبهم إياي كقولك "هذا بذاك" والمراد بدلني من غم التكذيب سلوة النصرة أو انصرني بإنجاز ما كذبوني فيه وهو وعد العذاب في قوله ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم  ﴾ وباقي القصة إلى قوله ﴿ إنهم مغرقون ﴾ قد مر تفسير مثلها في سورة هود.

ومعنى ﴿ فأسلك ﴾ أدخل فيها وقد مر في أول الحجر في قوله ﴿ كذلك نسلكه  ﴾ و ﴿ سبق عليه القول ﴾ نقيض ﴿ سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ لأن "على" تستعمل في الضار كما أن اللام تستعمل في النافع.

وقد جاء زيادة منهم ههنا على الأصل وحذفت في "هود" ليحسن عطف ﴿ ومن آمن ﴾ من غير التباس وبشاعة.

قيل: في قوله ﴿ بأعيننا ﴾ على الجمع فساد قول المشبهة إن الله خلق آدم على صورته.

أما قوله ﴿ فإذا استويت ﴾ أي ركبت واستوليت ﴿ أنت ومن معك على الفلك فقل ﴾ لم يقل "فقولوا" لأن أول الكلام مبني على خطاب نوح، ولأن قول النبي قول الأمة مع ما فيه من الإشعار بفضله ومن إظهار الكبرياء وأن كل أحد لا يليق لخطاب رب العزة.

وفي الأمر بالحمد على هلاكهم تقبيح صورة الظلمة كقوله ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين  ﴾ وإنما جعل  استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزماً لأنه كان عرفه أن ذلك سبب نجاتهم من الاشتراك مع الظلمة في حكم الإهلاك.

ثم أمره أن يسأل ما هو أهم وأنفع أن ينزله في السفينة بدليل عطف ﴿ وقل ﴾ على جزاء ﴿ فإذا استويت ﴾ أو ينزله في الأرض عند خروجه من السفينة لأنه لا يبعد أن يدعو عند ركوب السفينة بما يتعلق بالخروج منها ﴿ منزلاً ﴾ اي إنزالاً أو موضع إنزال يبارك له فيه بزيادة إعطاء خير الدارين وقد أمره أن يشفع بالدعاء الثناء المطابق للمسألة وهو قوله ﴿ وأنت خير المنزلين ﴾ أي إنزالاً وذلك أنه أقدر على الحفظ وأعلم بحال النازل بل كل منزل فإنه لا يقدر على إيصال الخير إلى النازل إلا بإقداره وتمكينه وإلقاء تلك الداعية في قلبه ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من القصة ﴿ لآيات ﴾ لعبراً ودلالات لمن اعتبر وادّكر فإن إظهار تلك المياه العظيمة والذهاب بها إلى مقارّها لا يقدر عليها إلا القدير الخبير ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لمبتلين ﴾ هي الفارقة.

والمعنى وإن الشأن والقصة كما مبتلين أي مصيبين قوم نوح ببلاء الغرق أو مختبرين بهذه الآيات من يخلفهم لننظر من يعتبر كقوله ﴿ ولقد تركناها آية فهل من مدكر  ﴾ وقيل: المراد كما يعاقب بالغرق من كفر فقد يمتحن به من لم يكفر على وجه المصلحة لا التعذيب، فليس الغرق كله على وجه واحد.

التأويل: الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي ظفر المؤمنون بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط بنفوسهم ببذلها في الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوابه بعد أن فنوا فيه.

الخشوع في الظاهر انتكاس الراس وغض العين واستماع الأذن وقراءة اللسان ووضع اليمين على الشمال كالعبيد، واعتدال الظهر في القيام وانحناؤه في الركوع وثبات القدمين.

والخشوع في الباطن سكون النفس عن الخواطر والهواجس وحضور القلب لمعاني القراءة والأذكار ومراقبة السر بترك الالتفات إلى المكوّنات، واستغراق الروح في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي صفات الجمال والجلال.

واللغو كل ما يشغلك عن الله.

والزكاة تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة بل عن حب الدنيا لأنه راس خطيئة ﴿ إلا على أزواجهم ﴾ في كلمة "على" دلالة على أنهم يجب أن يستولوا على الأزواج لا بالعكس وإلا كن عدوّاً لهم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم  ﴾ وعلامة الاستيلاء على الأزواج أن يبتغي بالنكاح النسل ورعاية السنة في أوانها لاحظ النفس وإلا كان متجاوزاً طريق الكمال ﴿ لأمانتهم ﴾ يعني التي حملها الإنسان ﴿ وعهدهم ﴾ هو عهد الميثاق في الأزل يحافظون الفرق بين المحافظة والخشوع، أن الخشوع معتبر في نفس الصلاة، والمحافظة معتبرة فيها وفيما قبلها من الشرائط وفيما بعدها وهو أن لا يفعل ما يحبطها ويضيعها الوارثون لأنهم أحياء القلوب وقد نالوا من المراتب ما خلفتها أموات القلوب ﴿ من سلالة ﴾ لأنه سل من جميع أجزاء الأرض فجاء مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطين.

بل بحسب اختلاف المركبات من الطين.

ففيه حرص الفأرة والنملة، وشهوة الحمار والعصفور، وغضب الفهد والأسد، وكبر النمر، وبخل الكلب، وشره الخنزير، وحقد الحية، وغير ذلك من الصفات الذميمة، وفيه شجاعة السد، وسخاوة الديك، وقناعة البوم، وحلم الجمل، وتواضع الهرة، ووفاء الكلب، وبكور الغراب، وهمة البازي ونحوها من الأخلاق الحميدة ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ لأنه خلق أحسن المخلوقين.

أما من حيث الصورة فلأنه  خلق من نطفة متشابهة الأجزاء بدناً مختلف الأبعاض والأعضاء كاللحم والشحم والعظم والعروق والشعر والظفر والعصب والعروق والمخ والأنف والفم واليد والرجل وغيرها مما يشهد لبعضها علم التشريح.

وأما من حيث المعنى فلأنه خلق الإنسان مستعداً لحمل الأمانة التي أبى حملها السموات والأرض والجبال وسيجيء تحقيق ذلك في موضعه ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ إلى قوله ﴿ تبعثون ﴾ فيه أن الإنسان قابل لموت القلب ولموت النفس ولحشرهما.

وفي موت أحدهما حياة الآخر وحشره.

وموت القلب عبارة عن انغماسه وتستره في حجب الغواشي الاتية عليه من طرق الحواس الظاهرة وحاستي الوهم والخيال فلذلك قال ﴿ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ﴾ هي الأغشية والحجب من الجهات المذكورة ﴿ وما كنا عن ﴾ مصالح ﴿ الخلق غافلين ﴾ فلا نترك العبد في تلك الحجب بدليل قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ﴾ سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الرحمة ﴿ بقدر ﴾ استعداد السالك ﴿ فأسكناه ﴾ في أرض وجوده ﴿ فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ﴾ المعارف ﴿ وأعناب ﴾ الكشوف وشجرة الخفي الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات ﴿ تنبت ﴾ بدهن حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة لأنه سر بين الله وبين الروح.

﴿ وصبغ ﴾ لآكل الكونين بقوة الهمة.

ثم أخبر عن نعم الغلب أن فيها منافع لأنها آلة تحصيل الكمال ﴿ وعليها وعلى ﴾ ذلك الشريعة في سفر السير إلى الله ﴿ تحملونه ﴾ وتأويل قصة نوح قد مر في سورة هود والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .

يردّد - عز وجل - أنباء أولي العزم من الرسل وأخبارهم، ويكررها على رسول الله؛ ليكون أبداً يقظاناً منتبهاً، ويعرف أن كيف عامل أولو العزم قومهم، وكيف صبر أولو العزم من الرسل على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ ليعامل هو قومه مثل معاملتهم، ويصبر هو على أذى قومه؛ على ما صبر أولئك على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ لهذا ما يردّد ويكرر أنباءهم عليه، ويعرف قومه - أيضاً - ألا يظفروا بما يأملون من تكذيبهم العاقبة؛ بل العاقبة تصير له على ما صارت لأولي العزم من الرسل لا لقومهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ ، يحتمل وجوهاً: أحدها: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ مخالفة الله ومخالفة رسوله.

أو ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ عذابه ونقمته ووعيده.

أو ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ عبادة غير الله.

وقوله: ﴿ فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ .

هذا الذي قالوا: هو تناقض؛ لأنهم قالوا: إنه بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم بما ادعى من الرسالة والإجابة له إلى ما دعاهم، ثم هم - أعني: الرؤساء منهم والقادة - ادعوا لأنفسهم الفضل بما استتبعوا هم السفلة، وطلبوا منهم الموافقة لهم والإجابة، وهم بشر أمثالهم؛ فذلك تناقض في القول، ثم أقروا بتفضيل بعض الخلق على بعض، وعرفوا قدرة الله على ذلك؛ حيث قالوا: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ﴾ .

فإن قدر على تفضيل الملائكة على البشر، قدر على تفضيل بعض البشر على بعض، ثم أخبر عن نوح أنه لا يريد بما ادعى من الرسالة التفضل عليهم؛ ولكن يريد النصح لهم والإشفاق عليهم؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ ، ﴿ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ  ﴾ ، ونحو ما قال؛ أخبر أنه إنما أراد النصح والشفقة لا التفضل الذي قالوا هم.

وقوله: ﴿ مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

هذا قولهم، وقد كذبوا في قولهم.

وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ .

قد عرفوا أن ليس به جنون؛ ولكن أرادوا التلبيس والتمويه على قومهم؛ حيث خالفهم في جميع أمورهم، وعادى الرؤساء منهم والقادة، ويقولون: ما يفعل هذا إلا لجنون فيه وآفة أصابته في عقله، وإلا: عرفوا هم في أنفسهم - أعني: القادة - أنه ليس بمجنون؛ ولكن أرادوا التمويه على قومهم، ثم قالوا: ﴿ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .

لسنا ندري ما أرادوا بالحين: أرادوا الموت؟

أو وقت ارتفاع ما قالوا فيه من الجنون؟

أو أرادوا وقتاً آخر.

قال مقاتل: يريد أن يتفضل عليهم بالرسالة، وليس [له] عليكم فضل في شيء فتتبعونه.

وقوله: ﴿ مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا ﴾ .

قال بعضهم: أي: بالعذاب في آبائنا الأولين.

ويقال: ما سمعنا التوحيد في آبائنا الأولين، كما يدعو نوح.

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ .

لم يدع عليهم بأول ما كذبوه؛ ولكن إنما دعا عليهم بعد ما أيس من عودهم إلى تصديقه، وهو ما قال: ﴿ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ  ﴾ .

وقال أهل التأويل: ﴿ ٱنصُرْنِي ﴾ : بتحقيق ما وعدت لهم من العذاب؛ فإنه نازل بهم في الدنيا وعذابهم ﴿ بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ : في قولي بأن العذاب نازل بهم في الدنيا.

أو أن يكون قوله: ﴿ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ ، أي: اجعل لي الظفر عليهم بالتكذيب، ونحوه.

وقوله -  -: ﴿ فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ .

قال بعضهم: بمنظر منا.

وقال بعضهم: بمرأى منا.

وجائز أن يكون - صلوات الله عليه - ظن لما أمر باتخاذ الفلك: أنهم لا يتركونه أن يتخذ الفلك؛ فأخبره - عز وجل -: أنك تتخذه بحيث تراه، وننصرك عليهم بحيث لا يملكون منعك عن اتخاذها.

وقوله: ﴿ وَوَحْيِنَا ﴾ ، أي: بأمرنا.

وقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ ، أي: إذا جاء الموعود بأمرنا وفار التنور.

أو أن يقول: إذا جاء وقت أمرنا بالعذاب وفار ما ذكر، أي: خرج الماء من التنور وظهر.

وقوله: ﴿ فَٱسْلُكْ فِيهَا ﴾ .

قيل: أدخل فيها، يقال: سلكت، وهو الإدخال؛ كقوله: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ  ﴾ ، أي: أدخل.

وتفسير ﴿ ٱسْلُكْ ﴾ : ما ذكر في آية أخرى: ﴿ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱثْنَيْنِ ﴾ نعتاً لقوله: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ﴾ : من الذكر والأنثى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ﴾ ، أي: من كل زوجين عددين لونين: [أبيض] وأسود، وطيب وخبيث.

وقوله: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ ، أي: احمل أهلك - أيضاً - في السفينة.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ ﴾ .

بالعذاب والهلاك، وقد ذكرنا هذا في سورة هود.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قال قائلون: إنما نهاه عن مخاطبته الذين ظلموا؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي  ﴾ ، [نهاه] أن يسأله؛ فإن كان على هذا [فقوله]: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي ﴾ ، أي: لا تراجعني الكلام [في] الذين ظلموا.

وقال قائلون: قوله: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي ﴾ في الذين ظلموا في جميع ظلمة قومه؛ ﴿ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ ؛ وإن كان على هذا فهو نهي عن ابتداء السؤال في نجاتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ ﴾ من المؤمنين ﴿ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

هكذا الواجب على كل من أنجاه الله من الظلمة أن يحمد ربه على ذلك ويسأله النجاة إذا ابتلي بهم؛ كما علم نوحاً أن يقول ما ذكر ويحمده على النجاة منهم، وكما قال موسى حين خرج من عندهم خائفاً: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ، وكما سألت امرأة فرعون النجاة من فرعون وقومه حين قالت: ﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ .

ثم علمه ربّه أن يسأله الإنزال في منزل مبارك؛ حيث قال: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ﴾ .

ثم يحتمل سؤاله المنزل المبارك: جميع الخيرات والحسنات وعمل الصالحات.

ويحتمل سؤاله المنزل المبارك: الموضع الذي فيه السعة والخصب؛ على ما قاله بعض أهل التأويل، المبارك بالماء والشجر وغيره؛ فإن كان هذا ففيه دلالة إباحة سؤال السعة والخصب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ .

قال قائلون: قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ ﴾ ، أي: في هلاك قوم نوح وإغراقهم لآيات لمن بعدهم، ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ بآيات؛ تفضلا منا وإحساناً سوى ذلك.

ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن قوله: ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ : بسور الآيات التي كانت؛ وجائز في اللغة (إن) بمعنى (ما).

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ ، أي: وقد كنا لمبتلين، أي: قد ابتلاهم قبل إهلاكه إياهم، ولسنا نعرف ما حقيقة هذا الكلام وما مراده، والله أعلم.

وقال القتبي: ﴿ ٱسْلُكْ فِيهَا ﴾ ، أي: أدخل فيها، يقال: سلك الخيط في الإبرة وأسلكته، وقال أبو عبيدة كذلك.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ : هذا من الابتلاء، أي: اختبار، ومن البلاء: مبلون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأوحينا إليه أن أصنع السفينة بمرأى منا وتعليمنا إياك كيف تصنعها، فإذا جاء أمرنا لإهلاكهم، ونبع الماء بقوة من المكان الَّذي يخبز فيه، فأدخل فيها من كل الأحياء ذكرًا وأنثى ليستمرّ النَّسْل، وأدخل أهلك إلا من سبق عليه القول من الله بالإهلاك مثل زوجتك وابنك، ولا تخاطبني في الذين ظلموا بالكفر بطلب نجاتهم وترك إهلاكهم، إنهم مُهْلَكون -لا محالة- بالغرق في ماء الطوفان.

من فوائد الآيات لطف الله بعباده ظاهر لإنزال المطر وتيسير الانتفاع به.

التنويه بمنزلة شجرة الزيتون.

اعتقاد المشركين ألوهية الحجر، وتكذيبهم بنبوة البشر، دليل على سخف عقولهم.

نصر الله لرسله ثابت عندما تكذبهم أممهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.qEVbG"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر