الآية ٣٦ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٣٦ من سورة المؤمنون

۞ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

" هيهات هيهات لما توعدون " أي بَعُدَ بَعُدَ ذلك.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قول الملأ من ثمود أنهم قالوا: هيهات هيهات : أي بعيد ما توعدون أيه القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياءً من قبوركم، يقولون: ذلك غير كائن.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يقول: بعيد بعيد.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ قال: يعني البعث.

والعرب تُدخل اللام مع هيهات في الاسم الذي يصحبها وتنـزعها منه، تقول: هيهات لك هيهات، وهيهاتَ ما تبتغي هيهات; وإذا أسقطت اللام رفعت الاسم بمعنى هيهات، كأنه قال: بعيد ما ينبغي لك; كما قال جرير: فَهَيْهَـاتَ هَيْهَـات العَقِيـقُ وَمَـنْ بِـهِ وهَيْهَــاتَ خِـلٌّ بـالْعَقِيقِ نُواصِلُـهْ (2) كأنه قال: العقيق وأهله، وإنما أدخلت اللام مع هيهات في الاسم ، لأنهم قالوا: هيهات أداة غير مأخوذة من فعل، فأدخلوا معها في الاسم اللام، كما أدخلوها مع هلمّ &; 19-31 &; لك، إذ لم تكن مأخوذة من فعل، فإذا قالوا : أقبل، لم يقولوا لك، لاحتمال الفعل ضمير الاسم.

واختلف أهل العربية في كيفية الوقف على هيهات، فكان الكسائي يختار الوقوف فيها بالهاء؛ لأنها منصوبة، وكان الفرّاء يختار الوقوف عليها بالتاء، ويقول: من العرب من يخفض التاء، فدلّ على أنها ليست بهاء التأنيث، فصارت بمنـزلة دراك ونظار، وأما نصب التاء فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنـزلة خمسة عشر، وكان الفرّاء يقول: إن قيل : إن كل واحدة مستغنية بنفسها ، يجوز الوقوف عليها، وإن نصبها كنصب قوله: ثمت جلست; وبمنـزلة قوله الشاعر.

مـــاوِيَّ يـــا رُبَّتَمــا غــارَةٍ شَـــعْوَاءَ كاللَّذْعَـــة بالمِيســمِ (3) قال: فنصب هيهات بمنـزلة هذه الهاء التي في " ربت " لأنها دخلت على حرف، على ربّ وعلى ثم، وكانا أداتين، فلم تغيرهما عن أداتهما فنصبا.

واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار غير أبي جعفر: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ بفتح التاء فيهما.

وقرأ ذلك أبو جعفر: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ بكسر التاء فيهما.

والفتح فيهما هو القراءة عندنا؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.

------------------------ الهوامش : (2) البيت لجرير بن عطية الخطفي ( لسان العرب : هيه) .

والرواية فيه : "العقيق وأهله " وفي الديوان (طبعة الصاوي ص479) .

فأيهـاتَ أيهـاتَ العَقِيـقُ وَمَـنْ بِـهِ وأيهــاتَ وَصْـلٍّ بـالعَقِيقِ نُوَاصِلُـهْ وهو من قصيدة يجيب بها الفرزدق .

والعقيق : واد لبنى كلاب ، نقله البكري في معجم ما استعجم ، عن عمارة بن عقيل ، وهيهات وأيهات : كلمة معناها البعد ، وقيل هيهات كلمة تبعيد قال جرير : " فهيهات ...

" البيت .

والتاء مفتوحة مثل كيف ، وأصلها هاء ، وناس يكسرونها على كل حال ، قال حميد الأرقط يصف إبلا قطعت بلادًا حتى صارت في القفار: هَيْهــاتَ مَــنْ مُصْبَحُهَـا هيهـات هَيْهَــات حَجْــرٌ مِـنْ صُنَيْبِعَـاتِ وقال الفراء : نصب هيهات بمنزلة نصب ربة وثمة ، وأنشد : مَـــاوِيَّ يـــا رُبَّتَمــا غَــارَةٍ شَـــعْوَاءَ كاللَّذْعَـــةِ بِالمِيسَــمِ (3) البيت في ( اللسان :هيه، رب ) قال في الثاني : الفرق بين ربما ورب أن رب لا يليها غير الاسم ، وأما ربما فإنه زيدت (ما) مع (رب) ليليها الفعل ، تقول رب رجل جاءني ، وربما جاءني زيد ، وكذلك ربتما ، وأنشد ابن الأعرابي " ماوي...

" إلخ وقال الكسائي : أظنهم امتنعوا من جزم الباء ( أي تسكين باء رب ) لكثرة دخول التاء فيها في قولهم : ربت رجل .

يريد أن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا أو في نية الفتح ، فلما كانت تاء التأنيث تدخلها كثيرًا امتنعوا من إسكان ما قبل هاء التأنيث ، وآثروا النصب ( يعني بالنصب الفتح) .

ا هـ .

وقال في شعا : أشعى القوم الغارة إشعاء أشعلوها ، وغارة شعواء .

فاشية متفرقة وأنشد ابن الأعرابي : " ماوي ....

البيت : والميسم : المكواة .

أو الشيء الذي يوسم به الدواب ، والجمع : مواسم ومياسم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هيهات هيهات لما توعدونقال ابن عباس : هي كلمة للبعد ؛ كأنهم قالوا بعيد ما توعدون ؛ أي أن هذا لا يكون ما يذكر من البعث .

وقال أبو علي : هي بمنزلة الفعل ؛ أي بعد ما توعدون .

وقال ابن الأنباري : وفي هيهات عشر لغات : هيهات لك ( بفتح التاء ) وهي قراءة الجماعة .

وهيهات لك ( بخفض التاء ) ؛ ويروى عن أبي جعفر بن القعقاع .

وهيهات لك ( بالخفض والتنوين ) يروى عن عيسى بن عمر .

وهيهات لك ( برفع التاء ) ؛ الثعلبي : وبها قرأ نصر بن عاصم وأبو العالية .

وهيهات لك ( بالرفع والتنوين ) وبها قرأ أبو حيوة الشامي ؛ ذكره الثعلبي أيضا .

وهيهاتا لك ( بالنصب والتنوين ) قال الأحوص :تذكرت أياما مضين من الصبا وهيهات هيهاتا إليك رجوعهاواللغة السابعة : أيهات أيهات ؛ وأنشد الفراء :فأيهات أيهات العقيق ومن به وأيهات خل بالعقيق نواصلهقال المهدوي : وقرأ عيسى الهمداني ( هيهات هيهات ) بالإسكان .

قال ابن الأنباري : ومن العرب من يقول ( أيهان ) بالنون ، ومنهم من يقول ( أيها ) بلا نون .

وأنشد الفراء :ومن دوني الأعيان والقنع كله وكتمان أيها ما أشت وأبعدافهذه عشر لغات .

فمن قال هيهات بفتح التاء جعله مثل أين وكيف .

وقيل : لأنهما أداتان مركبتان مثل خمسة عشر ، وبعلبك ، ورام هرمز ، وتقف على الثاني بالهاء ؛ كما تقول : [ ص: 115 ] خمس عشرة ، وسبع عشرة .

وقال الفراء : نصبها كنصب ثمت وربت ، ويجوز أن يكون الفتح إتباعا للألف والفتحة التي قبلها .

ومن كسره جعله مثل أمس وهؤلاء .

قال :وهيهات هيهات إليك رجوعهاقال الكسائي : ومن كسر التاء وقف عليها بالهاء ؛ فيقول هيهاه .

ومن نصبها وقف بالتاء وإن شاء بالهاء .

ومن ضمها فعلى مثل منذ وقط وحيث .

ومن قرأ ( هيهات ) بالتنوين فهو جمع ذهب به إلى التنكير ؛ كأنه قال بعدا بعدا .

وقيل : خفض ونون تشبيها بالأصوات بقولهم : غاق وطاق .

وقال الأخفش : يجوز في هيهات أن تكون جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي للتأنيث .

ومن قرأ ( هيهات ) جاز أن يكون أخلصها اسما معربا فيه معنى البعد ، ولم يجعله اسما للفعل فيبنيه .

وقيل : شبه التاء بتاء الجمع ، كقوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات .

قال الفراء : وكأني أستحب الوقف على التاء ؛ لأن من العرب من يخفض التاء على كل حال ؛ فكأنها مثل عرفات وملكوت وما أشبه ذلك .

وكان مجاهد ، وعيسى بن عمر ، وأبو عمرو بن العلاء ، والكسائي ، وابن كثير يقفون عليها ( هيهاه ) بالهاء .

وقد روي عن أبي عمرو أيضا أنه كان يقف على هيهات بالتاء ، وعليه بقية القراء لأنها حرف .

قال ابن الأنباري .

من جعلهما حرفا واحدا لا يفرد أحدهما من الآخر ، وقف على الثاني بالهاء ولم يقف على الأول ؛ فيقول : هيهات هيهاه ، كما يقول خمس عشرة ، على ما تقدم .

ومن نوى إفراد أحدهما من الآخر وقف فيهما جميعا بالهاء والتاء ؛ لأن أصل الهاء تاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: بعيد بعيد ما يعدكم به، من البعث، بعد أن تمزقتم وكنتم ترابا وعظاما، فنظروا نظرا قاصرا، ورأوا هذا بالنسبة إلى قدرهم غير ممكن، فقاسوا قدرة الخالق بقدرهم، تعالى الله.

فأنكروا قدرته على إحياء الموتى، وعجزوه غاية التعجيز، ونسوا خلقهم أول مرة، وأن الذي أنشأهم من العدم، فإعادته لهم بعد البلى أهون عليه، وكلاهما هين لديه، فلم لا ينكرون أول خلقهم، ويكابرون المحسوسات، ويقولون: إننا لم نزل موجودين، حتى يسلم لهم إنكارهم للبعث، وينتقلوا معهم إلى الاحتجاج على إثبات وجود الخالق العظيم؟.

وهنا دليل آخر، وهو: أن الذي أحيا الأرض بعد موتها، إن ذلك لمحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير، وثم دليل آخر، وهو ما أجاب به المنكرين للبعث في قوله: { بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } فقال في جوابهم: { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ } أي في البلى، { وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هيهات هيهات لما توعدون ) قال ابن عباس : هي كلمة بعد ، أي : بعيد ما توعدون ، قرأ أبو جعفر " هيهات هيهات " بكسر التاء ، وقرأ نصر بن عاصم بالضم ، وكلها لغات صحيحة فمن نصب جعله مثل أين وكيف ، ومن رفع جعله مثل منذ وقط وحيث ، ومن كسر جعله مثل أمس وهؤلاء ، ووقف عليها أكثر القراء بالتاء ، ويروى عن الكسائي الوقف عليها بالهاء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هَيْهات هَيْهات» اسم فعل ماض بمعنى مصدر: أي بعد «لما توعدون» من الإخراج من القبور واللام زائدة للبيان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بعيد حقًا ما توعدون به أيها القوم من أنكم بعد موتكم تُخْرَجون أحياء من قبوركم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - أنهم لم يكتفوا بكل ما أثاروه من شبه لصرف أتباعهم عن الحق بل أضافوا إلى ذلك .

أن ما يقوله هذا النبى مستبعد فى العقول ، وأنه رجل افترى على الله كذبا .

.

.فقال - تعالى - : ( هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افترى على الله كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ) .ولفظ " هيهات " اسم فعل ماض ، معناه : بَعُد بعداً شديداً ، والغالب فى استعمال هذا اللفظ مكرراً ، ويكون اللفظ الثانى مؤكداً لفظياً للأول .أى : قال الملأ من قوم هذا النبى لغيرهم ، على سبيل التحذير من اتباعه : بعد بعداً كبيراً ما يعدكم به هذا الرجل من أن هناك بعثاً وحساباً وجزاء بعد الموت ، وأن هناك جنة وناراً يوم القيامة .قال الآلوسى : " وقوله - سبحانه - : ( هَيْهَاتَ ) اسم بمعنى بعد .وهو فى الأصل اسم صوت ، وفاعله مستتر فيه يرجع للتصديق أو للصحة أو للوقوع أو نحو ذلك مما يفهم من السياق .

والغالب فى هذه الكلمة مجيئها مكررة .

.

.

وقوله؛ ( لِمَا تُوعَدُونَ ) بيان لمرجع ذلك الضمير ، فاللام متعلقة بمقدر ، كما فى قولهم : سقيا له .أى : التصديق أو الوقوع المتصف بالبعد كائن لما توعدون .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الثانية: قصة هود أو صالح عليهما السلام: اعلم أن هذه القصة هي قصة هود عليه السلام في قول ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين واحتجوا عليه بحكاية الله تعالى قول هود عليه السلام: ﴿ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ  ﴾ ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء.

وقال بعضهم المراد بهم صالح وثمود، لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة، أما كيفية الدعوى فكما تقدم في قصة نوح عليه السلام وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: حق ﴿ أُرْسِلَ ﴾ أن يتعدى بإلى كأخواته التي هي وجه وأنفذ وبعث فلم عدى في القرآن بإلى تارة وبفي أخرى كقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ  ﴾ ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ  ﴾ ﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً ﴾ أي في عاد، وفي موضع آخر ﴿ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا  ﴾ ؟

الجواب: لم يعد بفي كما عدي بإلى ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال وعلى هذا المعنى جاء بعث في قوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً  ﴾ .

السؤال الثاني: هل يصح ما قاله بعضهم أن قوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك قال لهم مخوفاً مما هم عليه ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ هذه الطريقة مخافة العذاب الذي أنذرتكم به؟

الجواب: يجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله وحذرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان.

ثم اعلم أن الله تعالى حكى صفات أولئك القوم وحكى كلامهم، أما الصفات فثلاث هي شر الصفات: أولها: الكفر بالخالق سبحانه وهو المراد من قوله: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ .

وثانيها: الكفر بيوم القيامة وهو المراد من قوله: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الآخرة ﴾ .

وثالثها: الانغماس في حب الدنيا وشهواتها وهو المراد من قوله: ﴿ وأترفناهم في الحياة الدنيا ﴾ أي نعمناهم فإن قيل ذكر الله مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو ﴿ قَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ  ﴾ ، قالوا: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا  ﴾ وهاهنا مع الواو فأي فرق بينهما؟

قلنا الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال فما قال قومه؟

فقيل له كيت وكيت، وأما الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله ومعناه أنه اجتمع في هذه الواقعة هذا الكلام الحق وهذا الكلام الباطل.

وأما شبهات القوم فشيئان: أولهما: قولهم: ﴿ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ ، وقد مر شرح هذه الشبهة في القصة الأولى وقوله: ﴿ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ أي من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه وهو قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون ﴾ فجعلوا اتباع الرسول خسراناً، ولم يجعلوا عبادة الأصنام خسراناً، أي لئن كنتم أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها منفعة فذلك هو الخسران وثانيهما: أنهم طعنوا في صحة الحشر والنشر، ثم طعنوا في نبوته بسبب إتيانه بذلك.

أما الطعن في صحة الحشر فهو قولهم: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ﴾ معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ ثم أكدوا الشبهة بقولهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ ولم يريدوا بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر.

فلذلك قالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر بنوا عليه الطعن في نبوته، فقالوا لما أتى بهذا الباطل فقد ﴿ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة في نبوته قالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ لأن القوم كالتبع لهم، واعلم أن الله تعالى ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أما الشبهة الأولى: فقد تقدم بيان ضعفها وأما الثانية: فلأنهم استبعدوا الحشر، ولا يستبعد الحشر لوجهين: الأول: أنه سبحانه لما كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر والثاني: وهو أنه لولا الإعادة لكن تسليط القوى على الضعيف في الدنيا ظلماً.

وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه في قوله: ﴿ إِنَّ الساعة ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى  ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ثنى إنكم للتوكيد وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني بالظرف، ومخرجون خبر عن الأول.

وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُون ﴾ .

المسألة الثانية: قرئ ﴿ هَيْهَاتَ ﴾ بالفتح والكسر، كلها بتنوين وبلا تنوين، وبالسكون على لفظ الوقف.

المسألة الثالثة: هي في قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة، لأن الخبر يدل عليه ومنه (قول الشاعر): هي النفس ما حملتها تتحمل *** والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة، ولأن إن النافية دخلت على هي التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس.

واعلم أن ذلك الرسول لما يئس من قبول الأكابر والأصاغر فزع إلى ربه وقال: ﴿ رَبّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ وقد تقدم تفسيره فأجابه الله تعالى فيما سأل وقال: ﴿ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نادمين ﴾ والأقرب أن يكون المراد بأن يظهر لهم علامات الهلاك، فعند ذلك يحصل منهم الحسرة والندامة على ترك القبول، ويكون الوقت وقت إيمان اليأس فلا ينتفعون بالندامة، وبين تعالى الهلاك الذي أنزله عليهم بقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق ﴾ وذكروا في الصيحة وجوهاً: أحدها: أن جبريل عليه السلام صاح بهم، وكانت الصيحة عظيمة فماتوا عندها.

وثانيها: الصيحة هي الرجفة عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وثالثها: الصيحة هي نفس العذاب والموت كما يقال فيمن يموت: دعي فأجاب عن الحسن.

ورابعها: أنه العذاب المصطلم، قال الشاعر: صاح الزمان بآل برمك صيحة *** خروا لشدتها على الأذقان والأول أولى لأنه هو الحقيقة.

وأما قوله: ﴿ بالحق ﴾ فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك، فلان يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضاياه.

وقال المفضل: بالحق أي بما لا يدفع، كقوله: ﴿ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ  ﴾ .

أما قوله: ﴿ فجعلناهم غُثَاء ﴾ فالغثاء حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاء أحوى ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ فَبُعْداً لّلْقَوْمِ الظالمين ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ بُعْدًا ﴾ وسحقاً ودمراً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ومعنى بعداً بعدوا، أي هلكوا يقال بعد بعداً وبعداً بفتح العين نحو رشد رشداً ورشداً بفتح الشين، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ بُعْدًا ﴾ بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير، والله تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم، وقد نزل بهم العذاب دالاً بذلك على أن الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم مما حل بهم حالاً ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ثنى ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ للتوكيد، وحسن ذلك لفصل ما بين الأوّل والثاني بالظرف.

ومخرجون: خبر عن الأول.

أو جعل ﴿ أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ﴾ مبتدأ، و ﴿ إِذَا مِتٌّمْ ﴾ خبراً، على معنى: إخراجكم إذا متم، ثم أخبر بالجملة عن إنكم، أو رفع ﴿ أنكم مخرجون ﴾ بفعل هو جزاء للشرط، كأنه قيل: إذا متم وقع إخراجكم.

ثم أوقعت الجملة الشرطية خبراً عن إنكم.

وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ أيعدكم إذا متم ﴾ .

قرئ: ﴿ هيهات ﴾ بالفتح والكسر والضم، كلها بتنوين وبلا تنوين، وبالسكون على لفظ الوقف فإن قلت: ما توعدون هو المستبعد، ومن حقه أن يرتفع بهيهات، كما ارتفع في قوله: فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وَأَهْلُهُ فما هذه اللام: قلت قال الزجاج في تفسيره: البعدُ لما توعدون، أو بعدٌ لما توعدون فيمن نوّن فنزله منزلة المصدر.

وفيه وجه آخر: وهو أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد، كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك ﴾ [يوسف: 23] لبيان المهيت به.

﴿ إِنْ هِىَ ﴾ هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه.

وأصله إن الحياة ﴿ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ ثم وضع ﴿ هِىَ ﴾ موضع الحياة، لأنّ الخبر يدلّ عليها ويبينها.

ومنه: هي النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت.

والمعنى: لا حياة إلا هذه الحياة؛ لأن (إن) النافية دخلت على (هي) التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها، فوازنت (لا) التي نفت ما بعدها نفي الجنس ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ أي يموت بعض ويولد بعض، ينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ثم قالوا: ما هو إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه له، وفيما بعدنا من البعث، وما نحن بمصدقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا ﴾ مُجَرَّدَةً عَنِ اللُّحُومِ والأعْصابِ.

﴿ أنَّكم مُخْرَجُونَ ﴾ مِنَ الأجْداثِ أوْ مِنَ العَدَمِ تارَةً أُخْرى إلى الوُجُودِ، و ( أنَّكم ) تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ أُكِّدَ بِهِ لَمّا طالَ الفَصْلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَبَرِهِ، أوْ أنَّكم لَمُخْرَجُونَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُقَدَّمُ، أوْ فاعِلٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ جَوابًا لِلشَّرْطِ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ أيْ: أنَّكم إخْراجُكم إذا مُتُّمْ، أوْ أنَّكم إذا مُتُّمْ وقَعَ إخْراجُكم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ الأوَّلِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِي عَلَيْهِ لا أنْ يَكُونَ الظَّرْفَ لِأنَّ اسْمَهُ جُثَّةٌ.

﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ﴾ بَعُدَ التَّصْدِيقُ أوِ الصِّحَّةُ.

﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ أوْ بَعُدَ ما تُوعَدُونَ، واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ كَأنَّهم لَمّا صَوَّتُوا بِكَلِمَةِ الِاسْتِبْعادِ قِيلَ: فَما لَهُ هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟

قالُوا ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ .

وقِيلَ ﴿ هَيْهاتَ ﴾ بِمَعْنى البُعْدِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ مُنَوَّنًا لِلتَّنْكِيرِ، وبِالضَّمِّ مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ هَيْهَةٍ وغَيْرُ مُنَوَّنٍ تَشْبِيهًا بِقَبْلُ وبِالكَسْرِ عَلى الوَجْهَيْنِ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ وبِإبْدالِ التّاءِ هاءً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} وبكسر التاء يزيد ورُوي عنه بالكسر والتنوين فيهما والكسائي يقف بالهاء وغيره بالتاء وهو اسم للفعل واقع موقع بعد فاعلها مضمر أي بعد ما توعدون من البعث

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هَيْهاتَ ﴾ اسْمٌ لِبَعُدَ وهو في الأصْلِ اسْمُ صَوْتٍ وفاعِلُهُ مُسْتَتِرٌ فِيهِ يَرْجِعُ لِلتَّصْدِيقِ أوِ الصِّحَّةِ أوِ الوُقُوعِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَفْهَمُهُ السِّياقُ فَكَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ التَّصْدِيقِ أوِ الصِّحَّةِ أوِ الوُقُوعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَيْهاتَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ، والغالِبُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَجِيئُها مُكَرَّرَةً وجاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ في قَوْلِ جَرِيرٍ: وهَيْهاتَ خَلَّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ بَيانٌ لِمَرْجِعِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ كَما في سَقْيًا لَهُ أيِ التَّصْدِيقُ أوِ الوُقُوعُ المُتَّصِفُ بِالبُعْدِ كائِنٌ لِما تُوعَدُونَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَصْدَرِ كَما في قَوْلِهِ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ فَإنَّ إعْمالَ ضَمِيرِ المَصْدَرِ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ نادِرٌ جِدًّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لِمَ يَثْبُتُ والبَيْتُ قابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ وهَذا كُلُّهُ مَعَ كَوْنِ الضَّمِيرِ بارِزًا فَما ظَنَّكَ إذا كانَ مُسْتَتِرًا، والقَوْلُ بِأنَّ الفاعِلَ مَحْذُوفٌ ولَيْسَ بِضَمِيرٍ مُسْتَتِرٍ وهو مَصْدَرٌ كالوُقُوعِ والتَّصْدِيقِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ أصْلًا لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ المَصْدَرُ المَحْذُوفُ مُعَرَّفًا كَما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ البُعْدِ واللّامُ لِلْبَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ، فَعَلَ البُعْدَ ووَقَعَ ثُمَّ قِيلَ لِماذا؟

فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ، وقِيلَ: فاعِلُ ﴿ هَيْهاتَ ﴾ ما تُوعَدُونَ واللّامُ سَيْفٌ خَطِيبٌ، وأيَّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ «هَيْهاتَ هَيْهاتَ ما تُوعَدُونَ» بِغَيْرِ لامٍ ورَدَّ بِأنَّها لَمْ تُعْهَدْ زِيادَتُها في الفاعِلِ، وقِيلَ: هَيْهاتَ بِمَعْنى البُعْدِ وهو مُبْتَدَأٌ مَبْنِيٌّ اعْتِبارًا لِأصْلِهِ خَبَرُهُ ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ أيِ البُعْدِ كائِنٌ لِما تُوعَدُونَ ونَسَبَ هَذا التَّفْسِيرَ لِلزَّجّاجِ.

وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ لِأنَّهُ لَمْ تُثْبِتْ مَصْدَرِيَّةُ ﴿ هَيْهاتَ ﴾ وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «هَيْهاتًا هَيْهاتًا» بِفَتْحِهِما مُنَوَّنَتَيْنِ لِلتَّنْكِيرِ كَما في سائِرِ أسْماءِ الأفْعالِ إذا نُوِّنَتْ فَهو اسْمُ فِعْلٍ نَكِرَةٌ، وقِيلَ: هُوَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأحْمَرُ بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ ﴿ هَيْهاتَ ﴾ اسْمًا مُتَمَكِّنًا مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ ( ولِما تُوعَدُونَ ) خَبَرُهُ والتَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْفِعْلِ والضَّمِّ لِلْبِناءِ مِثْلُ حُوبٍ في زَجْرِ الإبِلِ لَكِنَّهُ نُوِّنَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً اهْـ، وقِيلَ: هو اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ أيْ وقْعَ بَعْدُ، وعَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّها جَمَعٌ كَبَيْضاتٍ، وأخَذَ بَعْضُهم مِنهُ تَساوِي مُفْرَدَيْهِما في الرَّنَّةِ فَقالَ مُفْرَدُها هَيْهَةٌ كَبَيْضَةٍ.

وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ ضَمَّها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ تَشْبِيهًا لَهُما بِقَبْلَ وبَعْدَ ذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالكَسْرِ فِيهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

ورُوِيَ هَذا عَنْ عِيسى وهو لُغَةٌ في تَمِيمٍ وأسَدٍ وعَنْهُ أيْضًا وعَنْ خالِدِ بْنِ الياسِ أنَّهُما قَرَآ بِكَسْرِهِما والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْرَجُ وعِيسى أيْضًا بِالإسْكانِ فِيهِما، فَمِنهم مَن يُبْقِي التّاءَ ويَقِفُ عَلَيْها كَما في مُسَلِّماتٍ، ومِنهم مَن يُبَدِّلُها هاءً تَشْبِيهًا بِتاءِ التَّأْنِيثِ ويَقِفُ عَلى الهاءِ، وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى الهاءِ لِاتِّباعِ الرَّسْمِ، والَّذِي يُفْهَمُ مِن مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ ﴿ هَيْهاتَ ﴾ بِالفَتْحِ تُكْتَبُ بِالهاءِ كَأرْطاةٍ وأصْلُها هَيْهَيْةٌ كَزَلْزَلَةٍ قُلِبَتِ الياءُ الثّانِيَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحُ ما قَبِلَها وكَذا هَيْهاتَ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وهي عَلى هَذا اسْمٌ مُعْرَبٌ مُفْرَدٌ، ومَتى اعْتُبِرَتْ جَمْعًا كُتِبَتْ بِالتّاءِ وذَلِكَ إذا كانَتْ مَكْسُورَةً مُنَوَّنَةً أوْ غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ.

وقَرَأ «أيْهاهُ» بِإبْدالِ الهَزَّةِ مِنَ الهاءِ الأوْلى والوَقْفِ بِالسُّكُونِ عَلى الهاءِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ القِراءاتِ لُغاتٌ والمَعْنى واحِدٌ، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَزِيدُ عَلى أرْبَعِينَ لُغَةً وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: هَيْهاتَ هَيْهاتَ قرأ أبو جعفر المدني هَيْهاتَ هَيْهاتَ كلاهما بكسر التاء.

قال أبو عبيد: قراءتها بالنصب، لأنه أظهر اللغتين وأفشاهما، وقال بعضهم: قد قرئ هذا الحرف بسبع قراءات: بالكسر، والنصب، والرفع، والتنوين، وغير التنوين، والسكون.

وهذه كلمة يعبر بها عن البعد، يعني: بعيداً بعيداً، ومعناه أنهم قالوا: هذا لا يكون أبداً، يعني: البعث.

لِما تُوعَدُونَ، يعني: بَعِيداً بَعيداً لِمَا تُوْعَدُونَ.

إِنْ هِيَ، يعني: ما هي إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا، يعني: نحيا ونموت على وجه التقديم، ويقال: معناه يموت الآباء وتعيش الأبناء.

وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، يعني: لا نبعث بعد الموت.

إِنْ هُوَ، يعني: ما هو إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ، يعني: بمصدقين.

فلما كذبوه دعا عليهم، قالَ رَبِّ انْصُرْنِي، يعني: قال هود: أعني عليهم بالعذاب بِما كَذَّبُونِ.

قالَ الله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ، يعني: عن قريب.

وما صلة، كقوله فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: 159] .

لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ، يعني: ليصيرن نادمين، فأخبر الله تعالى عن معاملة الذين كانوا من قبل مع أنبيائهم وسوء جزائهم وأذاهم لأنبيائهم، ليصبر النبي  على أذى قومه.

ثم أخبر عن عاقبة أمرهم، فقال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ يعني: العذاب وهو الريح العقيم، ويقال: وهي صيحة جبريل  فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً، يعني: يابساً، ويقال: هلكى كالغثاء، وهو جمع غثاء، وهو ما على السيل من الزبد، لأنه يذهب ويتفرق.

وقال الزجاج: الغثاء البالي من ورق الشجر، أي جعلناه يبساً كيابس الغثاء.

ويقال: الغثاء النبات اليابس كقوله: فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى [الأعلى: 5] .

ثم قال: فَبُعْداً، يعني: سحقاً ونكساً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يعني: بعداً من رحمة الله تعالى.

قوله عز وجل: ثُمَّ أَنْشَأْنا، يعني: خلقنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وفي الآية مضمر ومعناه: فأهلكناهم بالعذاب في الدنيا مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ يعني: ما يتقدم ولا تموت قبل أجلها طرفة عين، وَما يَسْتَأْخِرُونَ بعد أجلهم طرفة عين.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  بِذِكْرِ هَذا الرَّسُولِ الصّابِرِ؛ لِيَتَأسّى بِهِ في صَبْرِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ كُذِّبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَعْلُوَكم بِالفَضِيلَةِ فَيَصِيرَ مَتْبُوعًا، ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ لا يُعْبَدَ شَيْءٌ سِواهُ؛ ﴿ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ تُبَلِّغُ عَنْهُ أمْرَهُ لَمْ يُرْسَلْ بَشَرًا، ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ نُوحٌ مِنَ التَّوْحِيدِ، ﴿ فِي آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ فَأمّا الجَنَّةُ فَمَعْناها: الجُنُونُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، فَتَقْدِيرُهُ: انْتَظِرُوا مَوْتَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ وقْتٌ مُنْكَّرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( قالَ رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ، وفي القِصَّةِ الأُخْرى [ المُؤْمِنُونَ: ٣٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَذَّبُونِ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ( كَذَّبُونِي ) بِياءٍ، وفي القِصَّةِ الَّتِي تَلِيها أيْضًا: ( فاتَّقُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٥٢ ]، ( أنْ يَحْضُرُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٨ ]، ( رَبِّ ارْجِعُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٩ ]، ( ولا تُكَلِّمُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ١٠٨ ]، أثْبَتَهُنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، والمَعْنى: انْصُرْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ؛ أيِ: انْصُرْنِي بِإهْلاكِهِمْ جَزاءً لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( هُودٍ: ٣٧ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْلُكْ فِيها ﴾ ؛ أيِ: ادْخُلْ في سَفِينَتِكَ، ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ( مِن كُلِّ ) بِكَسْرِ اللّامِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن كُلِّ ) بِالتَّنْوِينِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ إضافَةُ " كُلِّ " إلى ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، وقِراءَةُ حَفْصٍ تَئُولُ إلى زَوْجَيْنِ؛ لِأنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الأزْواجِ زَوْجَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مُنْزَلًا ) بِضَمِّ المِيمِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَتْحَها.

والمَنزِلُ بِفَتْحِ المِيمِ: اسْمٌ لِكُلِّ ما نَزَلْتَ بِهِ، والمَنزِلُ بِضَمِّها: المَصْدَرُ بِمَعْنى الإنْزالِ، تَقُولُ: أنْزَلْتُهُ إنْزالًا ومَنزِلًا.

وَفِي الوَقْتِ الَّذِي قالَ فِيهِ نُوحٌ ذاكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ نُزُولِهِ في السَّفِينَةِ.

والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّفِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: في قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ﴿ لآياتٍ وإنْ كُنّا ﴾ ؛ أيْ: وما كُنّا، ﴿ لَمُبْتَلِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمُخْتَبِرِينَ إيّاهم بِإرْسالِ نُوحٍ إلَيْهِمْ.

﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي: عادًا، ﴿ فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ وهو هُودٌ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هم ثَمُودُ والرَّسُولُ صالِحٌ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّكم " نَصْبٌ عَلى مَعْنى: أيَعِدُكم [ أنَّكم ] مُخْرَجُونَ إذا مُتُّمْ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ أُعِيدَ ذِكْرُ " أنَّ "، كَقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( هَيْهاتَ هَيْهاتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ فِيهِما في الوَصْلِ وإسْكانِها في الوَقْفِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتًا هَيْهاتًا ) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( هَيْهاتٌ هَيْهاتٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: ( هَيْهاتٍ هَيْهاتٍ ) بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( هَيْهاتِ هَيْهاتِ ) بِالخَفْضِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وكانَ يَقِفُ بِالهاءِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، النّاجِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ( هَيْهاتُ هَيْهاتُ ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتْ هَيْهاتْ ) بِإسْكانِ التّاءِ فِيهِما.

وفي " هَيْهاتَ " عَشْرُ لُغاتٍ قَدْ ذَكَرْنا مِنها سَبْعَةً عَنِ القُرّاءِ، والثّامِنَةُ: ( أيْهاتَ )، والتّاسِعَةُ: ( أيْهانَ ) بِالنُّونِ، والعاشِرَةُ: ( أيْها ) بِغَيْرِ نُونٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ القاسِمِ، وأنْشَدَ الأحْوَصُ في الجَمْعِ بَيْنَ لُغَتَيْنِ مِنهُنَّ: تَذَكَّرُ أيّامًا مَضَيْنَ مِنَ الصِّبا وهَيْهاتِ هَيْهاتًا إلَيْكَ رُجُوعُها قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا الفَتْحُ فالوَقْفُ فِيهِ بِالهاءِ، تَقُولُ: ( هَيْهاهْ ) إذا فَتَحْتَ ووَقَفْتَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَإذا كَسَرْتَ ووَقَفْتَ عَلى التّاءِ كُنْتَ مِمَّنْ يُنَوِّنُ في الوَصْلِ، أوْ كُنْتَ مِمَّنْ لا يُنَوِّنُ.

وتَأْوِيلُ " هَيْهاتَ ": البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ ما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: بَعِيدٌ ما قُلْتَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ لِما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: البُعْدُ لِما قُلْتَ.

ويُقالُ: ( أيْهاتَ ) في مَعْنى ( هَيْهاتَ )، وأنْشَدُوا: وأيْهاتَ أيْهاتَ العَقِيقُ ومَن بِهِ ∗∗∗ وأيْهاتَ وصْلٌ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إذا وقَفْتَ عَلى ( هَيْهاتَ ) فَقُلْ: ( هَيْهاهْ ) .

وقالَ الفَرّاءُ: الكِسائِيُّ يَخْتارُ الوَقْفَ بِالهاءِ، وأنا أخْتارُ التّاءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ما تُوعَدُونَ ) بِغَيْرِ لامٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَبْعَدَ القَوْمُ بَعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ؛ إغْفالًا مِنهم لِلتَّفَكُّرِ في بُدُوِّ أمْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إيجادِهِمْ، وأرادُوا بِهَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّهُ لا يَكُونُ أبَدًا.

﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ يَعْنُونَ: ما الحَياةُ إلّا ما نَحْنُ فِيهِ، ولَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ حَياةٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: ﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ وهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها الزَّجّاجُ: أحَدُها: نَمُوتُ ويَحْيا أوْلادُنا، فَكَأنَّهم قالُوا: يَمُوتُ قَوْمٌ ويَحْيا قَوْمٌ.

والثّانِي: نَحْيا ونَمُوتُ؛ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ لا لِلتَّرْتِيبِ.

والثّالِثُ: ابْتِداؤُنا مَواتٌ في أصْلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ نَحْيا، ثُمَّ نَمُوتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هُوَ ﴾ يَعْنُونَ: الرَّسُولَ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [ هُودٍ: ٧، النَّحْلِ: ٣٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ قالَ عَمّا قَلِيلٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: عَنْ قَلِيلٍ، و" ما " زائِدَةٌ بِمَعْنى التَّوْكِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُفْرِهِمْ، ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: بِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ بِكُفْرِهِمْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً رَجَفَتْ لَها الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ، فَصارُوا لِشِدَّتِها غُثاءً.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغُثاءُ: ما أشْبَهَ الزَّبَدَ، وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: فَجَعَلْناهم هَلْكى كالغُثاءِ، وهو ما عَلا السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ والقَمَشِ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ ويَتَفَرَّقُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغُثاءُ: الهالِكُ والبالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ الَّذِي إذا جَرى السَّيْلُ رَأيْتَهُ مُخالِطًا زَبَدَهُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [ الحِجْرِ: ٥ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( تَتْرًى كُلَّما ) مُنَوَّنَةً والوَقْفُ بِالألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِلا تَنْوِينٍ، والوَقْفُ عِنْدَ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِألِفٍ.

ورَوى هُبَيْرَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَقِفُ بِالياءِ: أيْ: بِألِفٍ مُمالَةٍ.

قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ العَرَبِ عَلى تَرْكِ التَّنْوِينِ، ومِنهم مَن نَوَّنَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: نُتابِعُ بِفَتْرَةٍ بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ، وهو مِنَ التَّواتُرِ، والأصْلُ: وتْرى، فَقُلِبَتِ الواوُ تاءً كَما قَلَبُوها في التَّقْوى والتُّخَمَةِ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعْتُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبَيْنَ الخِبْرَيْنِ هُنَيَّةٌ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: ومِمّا تَضَعُهُ العامَّةُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ قَوْلُهم: تَواتَرَتْ كُتُبِي إلَيْكَ، يَعْنُونَ: اتَّصَلَتْ مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، فَيَضَعُونَ التَّواتُرَ في مَوْضِعِ الِاتِّصالِ، وذَلِكَ غَلَطٌ، إنَّما التَّواتُرُ: مَجِيءُ الشَّيْءِ ثُمَّ انْقِطاعُهُ ثُمَّ مَجِيئُهُ، وهو التَّفاعُلُ مِنَ الوَتْرِ، وهو الفَرْدُ، يُقالُ: واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعَتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ هُنَيْهَةٌ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ أصْلُها: ( وتَرى ) مِنَ المُواتَرَةِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ الواوِ، ومَعْناهُ: مُنْقَطِعَةٌ مُتَفاوِتَةٌ؛ لِأنَّ بَيْنَ كُلِّ نَبِيَّيْنِ دَهْرًا طَوِيلًا.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لا بَأْسَ بِقَضاءِ رَمَضانَ تَتْرى؛ أيْ: مُنْقَطِعًا.

فَإذا قِيلَ: واتَرَ فُلانٌ كُتُبَهُ، فالمَعْنى: تابَعَها وبَيْنَ كُلِّ كِتابَيْنِ فَتْرَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ ؛ أيْ: أهْلَكْنا الأُمَمَ بَعْضَهم في إثْرِ بَعْضٍ، ﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يُتَمَثَّلُ بِهِمْ في الشَّرِّ، ولا يُقالُ في الخَيْرِ: جَعَلْتُهُ حَدِيثًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أيَعِدُكُمُ" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَوْقِيفِ، عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ، وبِمَعْنى الهَزْءِ بِهَذا الوَعْدِ، و"أنَّكُمُ" الثانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وفِيها مَعْنى تَأْكِيدِ الأوَّلِ، وكُرِّرَتْ لِطُولِ الكَلامِ، وإنْ كانَ المُبَرِّدُ أبى عِبارَةَ البَدَلِ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ إذْ لَمْ يَذْكُرْ خَبَرَ "أنَّ" الأُولى، والخَبَرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: "أنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مِتُّمْ".

وهَذا المُقَدَّرُ هو العامِلُ في "إذا"، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "أيَعِدُكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ" بِحَذْفِ "أنَّكُمُ" الأُولى، ويَعْنُونَ بِالإخْراجِ النُشُورِ مِنَ القُبُورِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ﴾ اسْتِبْعادٌ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ لَها مَعْنى الفِعْلِ، التَقْدِيرُ: بَعْدَ كَذا، فَطَوْرًا يَلِيها الفاعِلُ دُونَ لامٍ، تَقُولُ: هَيْهاتَ مَجِيءَ زَيْدٍ، أيْ: بَعُدَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقَ ومَن بِهِ وهَيْهاتَ خَلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ وأحْيانًا يَكُونُ الفاعِلُ مَحْذُوفًا، وذَلِكَ عِنْدَ اللامِ كَهَذِهِ الآيَةِ، والتَقْدِيرُ: بَعْدَ الوُجُودِ لِما تُوعَدُونَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ اللَفْظَةُ بِمَعْنى الفِعْلِ أشْبَهَتِ الحُرُوفَ مِثْلَ "مَهْ" وغَيْرِها، فَلِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِفَتْحِ التاءِ، وهي مُفْرِدٌ سُمِّي بِهِ الفِعْلُ في الخَبَرِ، أيْ: بَعُدَ، كَما أنَّ "شَتّانَ" اسْمٌ "افْتَرَقَ"، وعُرْفُ تَسْمِيَةِ الفِعْلِ أنْ يَكُونَ في الأمْرِ كَصَهٍ وهُسٍّ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "هَيْهاتِ هَيْهاتِ" بِكَسْرِ التاءِ غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ.

وقَرَأها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ -بِخِلافٍ عنهُ- "هَيْهاتَ هَيْهاتَ" مُنَوَّنَةٌ، وهي عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعُ "هَيْهاتَ"، وكانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ "هَيْهاتَ" إلّا أنَّ ضَعْفَها لَمْ يَقْتَضِ إظْهارَ الياءِ، فَقالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: هي مِثْلَ "بَيْضاتٍ"، أرادَ: "فِي أنَّها جَمَعَ"، وظَنَّ بَعْضُ النُحاةِ أنَّهُ أرادَ: "فِي اتِّفاقِ المُفْرَدِ" فَقالَ: واحِدٌ "هَيْهاتَ": "هِيهِهٍ"، ولَيْسَ كَما قالَ، وتَنْوِينُ عِيسى عَلى إرادَةِ التَنْكِيرِ، وتَرَكَ أبُو جَعْفَرٍ التَنْوِينَ عَلى إرادَةِ التَعْرِيفِ.

وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: "هَيْهاتْ هَيْهاتْ" بِتاءٍ ساكِنَةٍ، وهي -عَلى هَذا- جَماعَةٌ لا مُفْرَدٌ، وقَرَأها كَذَلِكَ الأعْرَجُ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "هَيْهاتٌ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ مُنَوَّنَةٌ، وهَذا عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُعْرَبٌ مُسْتَقِلٌّ وخَبَرُهُ ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ ، أيِ: البُعْدُ لِوَعْدِكُمْ، كَما تَقُولُ: النَجْمُ لِسَعْيِكُمْ، ورُوِيَ عن أبِي حَيْوَةَ "هَيْهاتُ" بِالرَفْعِ دُونَ تَنْوِينٍ، وقَرَأ خالِدُ بْنُ إلْياسَ: "هَيْهاتا هَيْهاتا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ.

والوَقْفُ عَلى "هَيْهاتَ" مِن حَيْثُ هي مَبْنِيَّةٌ بِالهاءِ، ومَن قَرَأ بِكَسْرِ التاءِ وقَفَ بِالتاءِ، وفي اللَفْظَةِ لُغاتٍ: هَيْها، وهَيْهاتَ، وَهَيْهانِ، وأيْهاتِ، وهَيْهاتَ، وهَيْهاتَ، وهَيْهاهُ، "قالَ رُؤْبَةُ: هَيْهاهُ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤُهُ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "هَيْهاتَ هَيْهاتَ ما تُوعَدُونَ" بِغَيْرِ لامٍ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا ﴾ أرادُوا أنَّهُ لا وُجُودَ لَنا غَيْرَ هَذا الوُجُودِ، وإنَّما تَمُوتُ مِنّا طائِفَةٌ فَتَذْهَبُ وتَجِيءُ طائِفَةٌ جَدِيدَةٌ، وهَذا كُفْرُ الدَهْرِيَّةِ.

و"بِمُؤْمِنِينَ" مَعْناهُ: بِمُصَدِّقِينَ، ثُمْ دَعا عَلَيْهِمْ نَبِيُّهم وطَلَبَ عُقُوبَتَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُطفت حكاية قول قومه على حكاية قوله ولم يؤت بها مفصولة كما هو شأن حكاية المحاورات كما بيناه غير مرة في حكاية المحاورات ب (قال) ونحوها دون عطف.

وقد خولف ذلك في الآية السابقة للوجه الذي بيناه، وخولف أيضاً في سورة الأعراف وفي سورة هود إذ حكي جواب هؤلاء القوم رسولَهم بدون عطف.

ووجه ذلك أن كلام الملأ المحكيَّ هنا غير كلامهم المحكي في السورتين لأن ما هنا كلامهم الموجَّه إلى خطاب قومهم إذ قالوا: ﴿ ما هذا إلا بشر مثلُكم يأكل مما تأكلون منه ﴾ إلى آخره خشيةً منهم أن تؤثر دعوة رسولهم في عامتهم، فرأوا الاعتناء بأن يحولوا دون تأثر نفوس قومهم بدعوة رسولهم أولى من أن يجاوبوا رسولهم كما تقدم بيانه آنفاً في قصة نوح.

وبهذا يظهر وَجه الإعجاز في المواضع المختلفة التي أورد فيها صاحب «الكشاف» سؤالاً ولم يكن في جوابه شافياً وتحيّر شراحه فكانوا على خلاف.

وإنما لم يعطف قول الملأ بفاء التعقيب كما ورد في قصة نوح آنفاً لأن قولهم هذا كان متأخراً عن وقت مقالة رسولهم التي هي فاتحة دعوته بأن يكونوا أجابوا كلامه بالرد والزجر فلما استمر على دعوتهم وكررها فيهم وجهوا مقالتهم المحكية هنا إلى قومهم ومن أجل هذا عطفت جملة جوابهم ولم تأت على أسلوب الاستعمال في حكاية أقوال المحاورات.

وأيضاً لأن كلام رسولهم لم يُحك بصيغة القول بل حكي ب (أنْ) التفسيرية لِمَا تضمنه معنى الإرسال في قوله: ﴿ فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله ﴾ [المؤمنون: 32].

وقد حكى الله في آيات أخرى عن قوم هود وعن قوم صالح أنهم أجابوا دعوة رسولهم بالرد والزجر كقول قوم هود ﴿ قالوا يا هود ما جئتنا بِبَيِّنَة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ [هود: 53، 54]، وقول قوم صالح ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوًّا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ﴾ [هود: 62].

وقولُه ﴿ وقال الملأ من قومه الذين كفروا ﴾ ﴿ الذين كفروا ﴾ نعت ثان ل ﴿ الملأ ﴾ فيكون على وزان قوله في قصة نوح ﴿ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ [المؤمنون: 24].

وإنما أخر النعت هنا ليتصل به الصفتان المعطوفتان من قوله: ﴿ وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم ﴾ .

واللقاء: حضور أحد عند آخر.

والمراد لقاء الله تعالى للحساب كقوله تعالى: ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ في سورة البقرة (223) وعند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لَقِيتُم فِئَةً فاثبتوا ﴾ في سورة الأنفال (45).

وإضافة ﴿ لقاء ﴾ إلى ﴿ الآخرة ﴾ على معنى (في) أي اللقاء في الآخرة.

والإتراف: جعلهم أصحاب ترف.

والترف: النعمة الواسعة.

وقد تقدم عند قوله: ﴿ وارْجِعُوا إلى ما أترِفْتم فيه ﴾ في سورة الأنبياء (13).

وفي هذين الوصفين إيماء إلى أنهما الباعث على تكذيبهم رسولَهم لأن تكذيبهم بلقاء الآخرة ينفي عنهم توقع المؤاخذة بعد الموت، وثروتهم ونعمتهم تغريهم بالكبر والصلف إذ ألِفوا أن يكونوا سادة لا تبعاً، قال تعالى: ﴿ وذَرْني والمكذّبين أولي النعمة ﴾ [المزمل: 11]، ولذلك لم يتقبلوا ما دعاهم إليه رسولهم من اتقاء عذاب يوم البعث وطلبهم النجاة باتباعهم ما يأمرهم به فقال بعضهم لبعض ﴿ ولئن أطَعْتُم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون أيَعِدُكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مُخْرَجون ﴾ .

و ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ كناية عن تكذيبه في دعوى الرسالة لتوهمهم أن البشرية تنافي أن يكون صاحبها رسولاً من الله فأتوا بالملزوم وأرادوا لازمه.

وجملة ﴿ يأكل مما تأكلون منه ﴾ في موقع التعليل والدليل للبشرية لأنه يأكل مثلهم ويشرب مثلهم ولا يمتاز فيما يأكله وما يشربه.

وحذف متعلق ﴿ تشربون ﴾ وهو عائد الصلة للاستغناء عنه بنظيره الذي في الصلة المذكورة قبلها.

واللام في ﴿ ولئن أطعتم ﴾ موطّئة للقسم، فجملة ﴿ إنكم إذاً لخاسرون ﴾ جواب القسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم.

وأقحم حرف الجزاء في جواب القسم لما في جواب القسم من مشابهة الجزاء لا سيما متى اقترن القسم بحرف شرط.

والاستفهام في قوله ﴿ أيعدكم ﴾ للتعجب، وهو انتقال من تكذيبه في دعوى الرسالة إلى تكذيبه في المرسل به.

وقوله ﴿ أنكم إذا متم ﴾ إلى آخره مفعول ﴿ يَعِدكم ﴾ أي يعدكم إخراجَ مُخرج إياكم.

والمعنى: يعدكم إخراجكم من القبور بعد موتكم وفناء أجسامكم.

وأما قوله: ﴿ أنكم مخرجون ﴾ فيجوز أن يكون إعادة لكلمة (أنكم) الأولى اقتضى إعادتها بُعْد ما بينها وبين خبرها.

وتفيد إعادتها تأكيداً للمستفهم عنه استفهام استبعاد تأكيداً لاستبعاده.

وهذا تأويل الجرمي والمبرد.

ويجوز أن يكون ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ.

ويكون قوله: ﴿ إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً ﴾ خبراً عنه مقدماً عليه وتكون جملة ﴿ إذا متم ﴾ إلى قوله ﴿ مخرجون ﴾ خبراً عن (أنّ) من قوله ﴿ أنكم ﴾ الأولى.

وجعلوا موجب الاستبعاد هو حصول أحوال تنافي أنهم مبعوثون بحسب قصور عقولهم، وهي حال الموت المنافي للحياة، وحال الكون تراباً وعظاماً المنافي لإقامة الهيكل الإنساني بعد ذلك.

وأريد بالإخراج إخراجهم أحياء بهيكل إنساني كامل، أي مخرجون للقيامة بقرينة السياق.

وجملة ﴿ هيهات ﴾ بيان لجملة ﴿ يَعِدُكم ﴾ فلذلك فُصلت ولم تعطف.

و ﴿ هيهات ﴾ كلمة مبنية على فتح الآخر وعلى كسره أيضاً.

وقرأها الجمهور بالفتح.

وقرأها أبو جعفر بالكسر.

وتدل على البعد.

وأكثر ما تستعمل مكررة مرتين كما في هذه الآية أو ثلاثاً كما جاء في شعر لحُميد الأرقط وجرير يأتيان.

واختلف فيها أهي فعل أم اسم؛ فجمهور النحاة ذهبوا إلى أن (هيهات) اسم فعل للماضي من البُعد، فمعنى هيهات كذا: بعُد.

فيكون ما يلي (هيهات) فاعلاً.

وقيل هي اسم للبُعد، أي فهي مصدر جامد وهو الذي اختاره الزجاج في «تفسيره».

قال الراغب: وقال البعض: غلط الزجاج في «تفسيره» واستهواه اللام في قوله تعالى: ﴿ هيهات هيهات لما توعدون ﴾ .

وقيل: هيهات ظرف غير متصرف، وهو قول المبرد.

ونسبه في «لسان العرب» إلى أبي علي الفارسي.

قال: قال ابن جني: كان أبو علي يقول في هيهات: أنا أفتي مرة بكونها اسماً سمي به الفعل مثل صَهْ ومَهْ، وأُفتي مرة بكونها ظرفاً على قدر ما يحضرني في الحال.

وفيها لغات كثيرة وأفصحها أنها بهاءين وتاء مفتوحة فتحة بناء، وأن تاءها تثبت في الوقف وقيل يوقف عليها هاء، وأنها لا تنون تنوين تنكير.

وقد ورد ما بعد (هيهات) مجروراً باللام كما في هذه الآية.

وورد مرفوعاً كما في قول جرير: فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهلُهُ *** وهيهاتَ خِلّ بالعقيق نحاوله وورد مجروراً ب (مِن) في قول حميد الأرقط: هيهاتتِ من مُصبَحها هيهاتِ *** ههياتتِ حِجْرٌ من صُنَيْبِعَاتِ فالذي يتضح في استعمال (هيهات) أن الأصل فيما بعدها أن يكون مرفوعاً على تأويل (هيهات) بمعنى فعل ماض من البُعد كما في بيت جرير، وأن الأفصح أن يكون ما بعدها مجروراً باللام فيكون على الاستغناء عن فاعل اسم الفعل للعلم به مما يسبق (هيهات) من الكلام لأنها لا تقع غالباً إلا بعد كلام، وتجعل اللام للتبيين، أي إيضاح المراد من الفاعل، فيحصل بذلك إجمال ثم تفصيل يفيد تقوية الخبر.

وهذه اللام ترجع إلى لام التعليل.

وإذا ورد ما بعدها مجروراً ب (مِن) ف (مِن) بمعنى (عن) أي بَعُد عنه أو بُعداً عنه.

على أنه يجوز أن تؤوّل (هيهات) مرة بالفعل وهو الغالب ومرة بالمصدر فتكون اسم مصدر مبنياً جامداً غير مشتق.

ويكون الإخبار بها كالإخبار بالمصدر، وهو الوجه الذي سلكه الزجاج في تفسير هذه الآية ويشير كلام الزمخشري إلى اختياره.

وجاء هنا فعل ﴿ توعدون ﴾ من (أوعد) وجاء قبله فعل ﴿ أيَعِدكم ﴾ وهو من (وَعَدَ) مع أن الموعود به شيء واحد.

قال الشيخ ابن عرفة: لأن الأول: راجع إليهم في حال وجودهم فجعل وعداً، والثاني راجع إلى حالتهم بعد الموت والانعدام فناسب التعبير عنه بالوعيد اه.

وأقول: أحسن من هذا أنه عبَّر مرة بالوعد ومرة بالوعيد على وجه الاحتباك، فإن إعلامهم بالبعث مشتمل على وعد بالخير إن صدّقوا وعلى وعيد إن كذّبوا، فذكر الفعلان على التوزيع إيجازاً.

وقوله: ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ يَجوز أن يكون بياناً للاستبعاد الذي في قوله: ﴿ هيهات لما توعدون ﴾ واستدلالاً وتعليلاً له، ولكلا الوجهين كانت الجملة مفصولة عن التي قبلها.

وضمير ﴿ هي ﴾ عائد إلى ما لم يسبق في الكلام بل عائد على مذكور بعده قصداً للإبهام ثم التفصيل ليتمكن المعنى في ذهن السامع.

وهذا من مواضع عود الضمير على ما بعده إذا كان ما بعده بياناً له، ولذلك يجعل الاسم الذي بعد الضمير عطف بيان.

ومنه قول الشاعر أنشده في «الكشاف» المصراع الأول وأثبته الطيبي كاملاً: هي النفس ما حملتها تتحمل *** وللدهر أيام تجور وتعدل وقول أبي العلاء المعري: هو الهجر حتى ما يُلم خيال *** وبعضُ صدود الزائرين وصال ومبيّن الضمير هنا قوله ﴿ إلا حياتنا ﴾ فيكون الاسم الذي بعد (إلا) عطف بيان من الضمير.

والتقدير: إن حياتنا إلا حياتنا الدنيا.

ووصفها بالدنيا وصف زائد على البيان فلا يقدر مثله في المبيَّن.

وليس هذا الضمير ضمير القصة والشأن لعدم صلاحية المقام له.

ولأنه في الآية مفسَّر بالمفرد لا بالجملة وكذلك في بيت أبي العلاء.

ولأن دخول (لا) النافية عليه يأبى من جعله ضمير شأن إذ لا معنى لأن يقال: لا قصة إلا حياتنا، فدخلت عليه (لا) النافية للجنس لأنه في معنى اسم جنس لتبيينه باسم الجنس وهو ﴿ حياتنا ﴾ .

فالمعنى ليست الحياة إلا حياتنا هذه، أي لا حياة بعدها.

والدنيا: مؤنث الأدنى، أي القريبة بمعنى الحاضرة.

وضمير ﴿ حياتنا ﴾ مراد به جميع القوم الذين دعاهم رسولهم.

فقولهم: ﴿ نموت ونحيا ﴾ معناه: يموت هؤلاء القوم ويحيا قوم بعدهم.

ومعنى ﴿ نَحْيَا ﴾ : نولد، أي يموت من يموت ويولد من يولد، أو المراد: يموت من يموت فلا يَرجع ويحيا من لم يمت إلى أن يموت.

والواو لا تفيد ترتيباً بين معطوفها والمعطوف عليه.

وعقبوه بالعطف في قوله: ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ أي لا نحيا حياة بعد الموت.

وهو عطف على جملة ﴿ نموت ونحيا ﴾ باعتبار اشتمالها على إثبات حياة عاجلة وموت، فإن الاقتصار على الأمرين مفيد للانحصار في المقام الخطابي مع قرينة قوله: ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ .

وأفاد صوغ الخبر في الجملة الاسميَّة تقوية مدلوله وتحقيقه.

ثم جاءت جملة ﴿ إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً ﴾ نتيجة عقب الاستدلال، فجاءت مستأنفة لأنها مستقلة على ما تقدمها فهي تصريح بما كني عنه آنفاً في قوله: ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ وما بعده من تكذيب دعوته، فاستخلصوا من ذلك أن حاله منحصر في أنه كاذب على الله فيما ادعاه من الإرسال.

وضمير ﴿ إن هو ﴾ عائد إلى اسم الإشارة من قوله: ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ .

فجملة ﴿ افترى على الله كذباً ﴾ صفة ل ﴿ رجل ﴾ وهي منصَبّ الحصر فهو من قصر الموصوف على الصفة قصر قلب إضافياً، أي لا كما يزعم أنه مرسل من الله.

وإنما أجروا عليه أنه رجل متابعة لوصفه بالبشرية في قولهم: ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ تقريراً لدليل المماثلة المنافية للرسالة في زعمهم، أي زيادة على كونه رجلاً مثلهم فهو رجل كاذب.

والافتراء: الاختلاق.

وهو الكذب الذي لا شبهة فيه للمخبِر.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة المائدة (103).

وإنما صرحوا بأنهم لا يؤمنون به مع دلالة نسبته إلى الكذب على أنهم لا يؤمنون به إعلاناً بالتبري من أن ينخدعوا لما دعاهم إليه، وهو مقتضى حال خطاب العامة.

والقول في إفادة الجملة الاسميَّة التقوية كالقول في ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَمُوتُ مِنّا قَوْمٌ ويَحْيا مِنّا قَوْمٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: يَمُوتُ قَوْمٌ ويُولَدُ قَوْمٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، قالَ الكَلْبِيُّ: يَمُوتُ الآباءُ ويَحْيا الأبْناءُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ مَعْناهُ نَحْيا ونَمُوتُ وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿ فَجَعَلْناهم غُثاءً ﴾ أيْ هَلْكى كالغُثاءِ، وفي الغُثاءِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ البالِي مِنَ الشَّجَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: ورَقُ الشَّجَرِ إذا وقَعَ في الماءِ ثُمَّ جَفَّ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّالِثُ: هو ما احْتَمَلَهُ الماءُ مِنَ الزَّبَدِ والقَذى، ذَكَرَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وقالَهُ الأخْفَشُ.

﴿ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَبُعْدًا لَهم مِنَ الرَّحْمَةِ كاللَّعْنَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: فَبُعْدًا لَهم في العَذابِ زِيادَةً في الهَلاكِ، ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ هيهات هيهات ﴾ قال: بعيد بعيد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ هيهات لما توعدون ﴾ قال: تباعد ذلك في أنفسهم يعني.

البعث بعد الموت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ معنى (هيهات): بَعُدَ الأمرُ جدًّا حتى امتنع.

وهو صوت بمنزلة صَهْ ومَهْ، إلا أن هذه الأصوات الأغلب عليها الأمر والنهي، وهذا في الخبر، ونظيره شتان، أي: بعد ما بينهما جدًا.

وهذا الذي ذكرنا هو معنى ما ذكره أبو علي في كتاب "الإيضاح".

فإنه ذكر فيه باب الأسماء التي سميت بها الأفعال فذكر فيه (رويد) بمعنى: أروِد أي: أمهل، و (إيه) بمعنى: حدث، وصَه ومَهْ بمعنى: أُسكت.

وقال: أكثر ما تستعمل هذه الأسماء في الأمر والنهي، وقد جاء شيء من ذلك في الخبر، وذلك قولهم: شتان زيد وعمرو، فهذا بمنزلة: بعد زيد وعمرو، وقالوا: سرعان ذا إهالة (١) (٢) (٣) وقد ثبت أن هيهات اسم سمي به الفعل وهو بعد في الخبر لا في الأمر كما عليه أكثر بابه، وتفسير هيهات: بَعُدَ، وليس له اشتقاق؛ لأنه بمنزلة الأصوات، وفيه زيادة معنى ليس في بَعُدَ، وهي أن المكلم بهيهات يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الشيء الذي يخبر عن بُعْدِه، وكأنه بمنزلة أن تقول: بعد جدًّا وما أبعده، لا على أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشيء في البعد فـ[حسب، كما لو قال: بعد زيد، يفهم من هذا أنه يخبر عن مكانه في البعد] (٤) (٥) قال الفراء - في قوله: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ : لو لم تكن اللام في (ما) كان صوابًا.

ودخول اللام عربي، ومثله في الكلام: هيهات لك، وهيهات أنت منا، وهيهات لأرضك.

وأنشد (٦) (٧) فمن لم يدخل اللام رفع الاسم.

ومعنى هيهات: بعيد (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: ﴿ هَيْهَاتَ ﴾ موضعها الرفع، وتأويلها (١٣) قال: ويقال: هيهات ما قلت، وهيهات لما قلت، فمن قال: هيهات لما قلت فمعناه البعد لقولك (١٤) (١٥) (١٦) قال أبو علي: فيما أصلح (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وأظن الذي حمل أبا إسحاق على أن قال: (هيهات: معناه البعد، وموضعه رفع كما أنك لو قلت: البعد لزيد كان البعد رفعًا).

أنه لم ير (٢٨) ﴿ هَيْهَاتَ ﴾ فاعلا ظاهرًا مرتفعًا فحمله على أن موضعه رفع كالبعد.

والقول في هذا أن في (هيهات) ضميرًا مرتفعًا، وذلك الضمير عائد إلى قوله: ﴿ أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴾ الذي هو بمعنى الإخراج، كأنهم لما قالوا -مستبعدين للوعد بالبعث ومنكرين له- ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴾ فكان قوله: ﴿ أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴾ بمعنى الإخراج وصار (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ففاعل هيهات هو هذا الضمير العائد إلى ﴿ أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴾ التي هو بمعنى الإخراج كما أن فاعل هيهات في قول الشاعر: فهيهات هيهات العقيق الاسم الظاهر: وإنما كرر (٣٢) وأما (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ وليس قولك مبتدئًا: (هيهات لما قلت) مثل الآية، لأن التي في الآية فيها ضمير كما أعلمتك ولا ضمير فيها مبتدأ (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) وقوله: (فأما من نون هيهات فجعلها نكرة ويكون المعنى: بعدًا لما قلت منه اختلاف) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وقيل: إنه إذا نون أيضًا كان معرفة كما كان قبل التنوين كذلك، وذلك أن التنوين في (مسلمات) ونحوه نظير النون في (مسلمين)، فهي إذا ثبتت لم تدل على التنكير كما تدل عليه في (عاق)؛ لأنه بمنزلة ما لا يدل على تنكير (٤٦) (٤٧) وحصل في معنى هيهات ثلاثة أقوال: أحدهما.

أنه بمنزلة الصفة كقولك (٤٨) والثاني: أنه بمنزلة البُعد.

وهو قول الزجاج وابن الأنباري.

والثالث (٤٩) فهو إذن على هذه الأقوال تكون بمنزلة الصفة والمصدر (٥٠) وفيه لغات: فتح التاء بلا تنوين.

قال الفراء: إنهما أداتان (٥١) (٥٢) قال: ويجوز أن يكون نصبها (٥٣) (٥٤) ونحو هذا ذكر أبو إسحاق فقال: من فتحها فلأنها بمنزلة الأصوات وليست مشتقة من فعل فبنيت هيهات كما بنيت (٥٥) (٥٦) (٥٧) ويجوز التنوين مع الفتح.

قال ابن الأنباري: من قال هيهاتًا بالتنوين (٥٨) ﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ (٥٩) ويجوز هيهات بكسر التاء.

قال الفراء: هو بمنزلة دَرَاكِ ونَظَارِ (٦٠) قال (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) ومن دُونِي الأعْراضُ والقِنْعُ (٦٧) قال: والمستعمل من هذه اللغات كلها استعمالًا غالبًا (٦٨) (٦٩) قال الأزهري.

واتفق أهل اللغة على أن تاء هيهات ليست بأصلية أصلها هاء.

قال أبو عمرو بن العلاء: إذا وصلت [هيهات فدع التاء (٧٠) (٧١) (٧٢) ويدل على هذا ما روي [عن سيبويه أنه قالما هي بمنزلة علقاه (٧٣) (٧٤) (٧٥) وإذا كان كذلك كان الوقف [بالهاء.

قالما الفراء: كان الكسائي يختار الوقوف على الهاء] (٧٦) (٧٧) (٧٨) وعنده] (٧٩) وأما (٨٠) (٨١) وقال الكلبي: يقول بعيدًا بعيدًا ما يعدكم ليوم البعث.

وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: هي كلمة بَعُد (٨٢) (١) سرعان -مثلثة السين- بمعنى: سرع، والإهالة: الودك.

و (سرعان ذا إهالة) مثل أصله: أن رجلا كانت له نعجة عجفاء، ورُغامها يسيل من منخريها لهزالها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل؟

فقال: ودكها.

فقال السائل ذلك القول.

وقيل إن أصل هذا المثل أن رجلاً كان يُحَمّق، اشترى شاة عجفاء يسيل رُغامها هزالا وسوء حال، فظن أنه ودك فقال: (سرعان ذا إهالة).

و (إهالة) منصوب على الحال، و (ذا) إشارة إلى الرغام، أي: سرع هذا الرغام حال كونه إهالة وهو مثل يضرب لمن يخبر بكينونة الشيء قبل وقته.

انظر: "مجمع الأمثال" للميداني 2/ 11 - 112، "لسان العرب" 8/ 152 (سرع)، "القاموس المحيط" 3/ 37، "تاج العروس" للزبيدي 21/ 186 (سرع).

(٢) (قالوا): ساقطة من (أ).

(٣) "الإيضاح العضدي" ص 191.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(٥) في (ظ): (كان).

(٦) البيت أنشده الفراء في "معانيه" 2/ 235 من غير نسبة، وروايته عنده: فأيهات أيهات العَقيقُ ومَن به ...

وأيْهات وَصْل بالعقيق نواصله والبيت لجرير، وهو في "ديوانه" 2/ 965 بمثل رواية الفراء لكن فيه (تواصله) مكان (نواصله)، و"النقائض" لأبي عبيدة 2/ 632: و"الخصائص" لابن جني 3/ 42 بمثل رواية الواحدي لكن فيه (ومن به) مكان (وأهله).

و"شرح المفصل" لابن يعيش 4/ 35 بمثل رواية الواحدي.

و"اللسان" 13/ 553 (هيه) بمثل رواية الواحدي لكن فيه (نحاوله) مكان (نواصله) قال أبو عبيدة في "النقائض" 2/ 632.

والعقيق: وادٍ لبني كلاب بالعالية.

(٧) في (ع): (وأرضه).

(٨) في (ع): (بعد).

(٩) عند الفراء: كأنه قال: بعيد (ما توعدون) وبعيد العقيق ...

(١٠) في (ظ)، (ع): (ليس).

(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 235 مع اختصار.

(١٣) في (ظ): (تأويلها).

(١٤) عند الزجاج: فمن قال: هيهات ما قلت، فمعناه: البعد ما قلت، ومن قال: هيهات لما قلت.

(١٥) عند الزجاج: بعد.

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 13.

(١٧) في (ظ): (مما يصلح).

(١٨) في "الإغفال" 2/ 1125: (إجراؤه)، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة (ش): وإجراؤه.

(١٩) في "الإغفال" 2/ 1125: (إياه).

(٢٠) (لبعد): ساقط من (أ).

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).

(٢٢) في "الإغفال" 2/ 1126: (فليس) وهي ساقطة من (ظ).

(٢٣) في "الإغفال" 2/ 1126: تُسمى.

(٢٤) في "الإغفال" 2/ 1128: (الابتداء).

(٢٥) في "الإغفال" 2/ 1128: وليس هيهات بالعقيق.

(٢٦) هكذا في (ع) والإغفال.

وفي (أ): (يريد)، وهي مهملة في (ظ).

(٢٧) في "الإغفال" 2/ 1129: ولو.

(٢٨) في "الإغفال" 2/ 1130: لم يرد، والصواب ما هنا.

(٢٩) في "الإغفال" 2/ 1130: صار.

(٣٠) في (ع): (الذي).

(٣١) في (ع): (وإمهالا).

(٣٢) في (ع): (تكرر).

(٣٣) في "الإغفال" 2/ 1132: فأما قوله.

(٣٤) في "الإغفال" 2/ 1132: فإجازته هيهات ما قالت.

(٣٥) في "الإغفال" 2/ 1132: فأما.

(٣٦) قوله: ساقط من (ع).

(٣٧) في "الإغفال" 2/ 1133: مبتدأ، وفي (أ): (مبتدأه)، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة ش: مبتداه.

(٣٨) في "الإغفال" 2/ 1133: (فتبين)، وفي بعض النسخ كما أشار المحقق.

فبين.

(٣٩) في (ع): (عليك).

(٤٠) في "الإغفال" 2/ 1133: خال بالمعجمة، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة (ش): (حال).

(٤١) في (ظ)، و"الإغفال": (فكان).

(٤٢) في "الإغفال" 2/ 1133: (فكان في هيهات ضمير كما في الآية ....

(٤٣) في "الإغفال" 2/ 1133: (ويكون المعنى: بعدٌ لما قلت ففيه اختلاف.

(٤٤) في بعض نسخ "الإغفال" كما أشار المحقق 2/ 1133: أن التنوين.

(٤٥) ساقط من (ظ).

(٤٦) في (ع): (التنكير).

(٤٧) "الإغفال" للفارسي 2/ 1125 - 1134 بتصرف.

(٤٨) في (ع): (لقولك).

(٤٩) من (ظ): وفي باقي النسخ: (والآخر).

(٥٠) في (ظ): (والبُعْد).

(٥١) في (ع): (أداأتان)، وهو خطأ.

(٥٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 235.

(٥٣) في (ع): (نصبها نصبها).

(٥٤) قول الفراء وإنشاده نقله عنه الواحدي بواسطة "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 485 (هيه)، وهو مع اختلاف في بعض ألفاظه في "معاني القرآن" 2/ 236.

والبيت أنشده الفراء في "معانيه" 2/ 236 من غير نسبة، وفيه (بل ربتما) مكان (ياربتما).

والبيت منسوب لضمرة بن ضَمْرة النَّهشلي في "النوادر" لأبي زيد ص 2532، "المعاني الكبير" لابن قتيبة 2/ 1005، وروايتهما: (بل ربتما)، و"خزانة الأدب" 9/ 384 وفيها (ياربتما).

ومن غير نسبة في: الطبري 18/ 21، "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 64 (شعا)، "لسان العرب" 14/ 435 (شعا).

قال البغدادي في "الخزانة" 9/ 384 - 385.

ماوي: منادي مرخَّم ماوية.

اسم امرأة.

و (يا) في قوله (ياريتما) للتنبيه لا للنداء ..

(ب).

التاء لحقت (رب) للإيذان == بأن مجرورها مؤنث، و (ما) زائدة بين رب ومجرورها ..

، والغارة: اسم من أغار القوم إغارة، أي: أسرعوا في السير.

(الشعواء): (الغارة المنتشرة، وهي بالعين المهملة، واللذعة بالذال المعجمة والعين المهملة، ثم لذعته النار، إذا أحرقته، والميسم: ما يوسم به البعير بالنار.

أهـ.

قال ابن قتيبة في "المعاني" 2/ 1005: يريد كأنها -يعني الغارة- في سرعتها لذعه بميسم في وَبْر.

(٥٥) في (ع): (كما بنيت هيهات)، كررت هيهات خطأ.

(٥٦) في (أ): (إيه)، وفي (ع): (ربه).

والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج.

يقال: كان من الأمر ذَيَّة وذَيَّة بمعنى: كَيْتَ وكيْت.

"تاج العروس" للزبيدي 4/ 423 (ذيت).

(٥٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 12.

(٥٨) (بالتنوين): ساقطة من (ط)، (ع).

(٥٩) قول ابن الأنباري في "تهذيب اللغة" 6/ 484 (هيهات) بنصه.

(٦٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 235.

قال الجوهري: وقولهم: دَرَاكِ أي أدْرِكْ، وهو إسم لفعل الأمر، وكسرت الكاف لاجتماع الساكنين؛ لأن حقها السكون للأمر.

وقولهم: نَظَارِ، مثل قَطَامِ، أي: انتظره.

"الصحاح" 2/ 830 (انظر)، 4/ 1589 (درك).

(٦١) في (ع): (قال قال) تكرار.

(٦٢) في "تهذيب اللغة": من قال هيهات لك بالتنوين.

(٦٣) غاق: حكايته صوت الغراب.

"الصحاح" للجوهري 4/ 1539 (غيق).

(٦٤) في "تهذيب اللغة" 6/ 485، ومن قال هيهات لك بالرفع ...

ومن رفعها ونون.

وليس فيه ويجوز الرفع بغير تنوين وبتنوين.

(٦٥) في (أ): (وقيل).

(٦٦) إنشاد ابن الأنباري في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 485 (هيه) ولم يذكر قائله.

وهو أيضًا في "لسان العرب" 13/ 554.

والأعراض: جمع عرض، والأعراض: قرى بين الحجاز واليمن.

والقِنْعِ بالكسر.

ثم السكون: جبل وماء لبني سعد بن زيد بن مناة بن تميم باليمامة.

انظر: "معجم البلدان" 1/ 289 - 290، 7/ 175.

(٦٧) في (أ): (والنَّفع)، وفي (ظ): (والقع) وفي (ع): (والعنع)، مهملة.

(٦٨) في المطبوع من "تهذيب اللغة".

عاليًا.

وأشار المحقق الحاشية إلى (غالبا).

(٦٩) كلام ابن الأنباري في "تهذيب اللغة" 6/ 485 (هيهات) مع اختلاف يسير في العبارة.

وانظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 439 - 440.

(٧٠) في (ع): (الهاء)، وهو خطأ.

(٧١) ما بين المعقوفين كشد في (ظ).

(٧٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 484 (هيهات).

(٧٣) عَلْقَاة: شجرة تدوم خضرتها في القَيْظ، وقضبانها دقاق طوال عَسرٌ رضها، وأورقها لطاف، يتخذ منها المكانس، "لسان العرب" 10/ 264 (علق)، "القاموس المحيط" 3/ 267.

(٧٤) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).

(٧٥) روى ذلك عنه الزجاج 4/ 12 وهذا نصه.

وانظر: "الكتاب" 3/ 291.

(٧٦) ما بين المعقوفين كشط في (ف).

(٧٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).

(٧٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 236 مع تصرف في العبارة.

(٧٩) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).

(٨٠) في (أ): (أما).

(٨١) ذكر ابن الجوزي 5/ 472 هذا القول وعزاه المفسرين.

(٨٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 61 أ، والبغوي 4/ 37 والقرطبي 12/ 122.

وقد أخرج الطبري 18/ 20 عن ابن عباس أنه قال: بعيد، بعيد، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 98 وعزاه لابن جبير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ هذا من حكاية كلامهم، وهيهات: اسم فعل بمعنى بعد، وقال الغزنوي: هي للتأسف والتأوّه، ويجوز فيه الفتح والضم والكسر والإسكان، وتارة يجيء فاعله دون لام كقوله: فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهله، وتارة يجيء باللام كهذه الآية، قال الزجاج في تفسيره البعد: ﴿ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ ، فنزّله منزلة المصدر، قال الزمخشري: وفيه وجه آخر: وهي أن تكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في هيت لك البيان المهيت به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.

الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.

الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.

﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله  في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح  ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله  في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.

والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.

قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة  ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة  ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.

وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.

ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.

وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.

ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.

ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.

قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك  ﴾ لبيان المهيت به.

وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.

ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".

وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .

ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.

وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.

والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.

ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.

وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.

وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.

والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.

ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.

وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.

ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.

والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول  ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.

ثم ذكر طرفاً من قصة موسى  .

عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.

ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى  في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.

ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.

أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.

قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.

والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.

ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.

ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.

ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.

والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى  ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة  ﴾ والقصة مشهورة.

فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم  ﴾ وقد مر في آخر "يونس".

ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.

واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.

والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.

عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.

وعن الحسن: فلسطين والرملة.

ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.

وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.

والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.

وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.

وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.

قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.

قوله  ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله  بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره  وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟

فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟

فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.

ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟

فقال  : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .

وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.

ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.

وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا  لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.

ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.

وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.

وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.

وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.

وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير  ﴾ وكلاهما من أسمائه  إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.

ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.

والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.

قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.

ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.

وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.

ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.

ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.

ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا  وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة  ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.

قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.

قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.

قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.

والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله  ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.

ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله  أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.

وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.

وفيه انه  أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.

التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.

"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ثُُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ﴾ .

قيل: من بعد قوم نوح قرناً آخرين: عادا وغيرهم.

﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .

قالوا: هوداً.

﴿ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .

جميع الأنبياء والرسل إنما بعثوا بالدعاء إلى توحيد الله، وجعل العبادة له.

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ .

مخالفته، أو عبادة من دونه، وجميع معاصيه، على ما ذكرنا من قبل.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

أي: بالبعث.

﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم: أترفناهم، أي: بسطنا لهم في الدنيا حتى ركبوا المعاصي.

وقال بعضهم: المترف: الغني الطاغي.

وقوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ...

﴾ الآية.

قد ذكرنا فيما تقدم أنهم تناقضوا في قولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ ؛ لما أنهم منعوا الأتباع عن أن يتبعوا الرسول ويطيعوه؛ لأنه بشر مثلهم، ثم طلبوا منهم الطاعة لهم والاتباع في أمورهم، وهم بشر أمثالهم؛ فذلك تناقض في القول وفساد.

وقوله: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ﴾ : استبعاد الأمر وإنكاره، أي: بعيداً بعيداً، أي: أمر لا يكون.

وقوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ .

إن كان هذا القول من الثنوية والدهرية فقوله: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ : هم بأنفسهم؛ لأنهم يقولون: يموت الإنسان فيحيا غيره من البقر والحمر وغيره من تراب إذا أكل.

وإن كان هذا القول من غير الثنوية فنقول: قوله: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ ، أي: نموت نحن ويحيا الأبناء.

وذكر في حرف ابن مسعود وأبي: (نحيا ونموت وما نحن بمبعوثين).

وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ هذا قولهم.

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ .

قد ذكرناه.

﴿ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ﴾ .

أي: عما قريب يندمون بالتكذيب عن هذا القول الذي قالوه والإنكار الذي أنكروه، لا شك في ذلك.

وقال القتبي: ﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ ﴾ ، أي: وسعنا عليهم حتى أترفوا، والترفة منه، ومثلها: تحفة، كأن المترف هو الذي يتحف.

وقال غيره: ﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ ﴾ ، أي: أنعمنا عليهم وبسطنا لهم؛ فكله يرجع إلى واحد.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ﴾ هذا تبعيد للأمر، أي: أنه أمر بعيد؛ على ما ذكرنا أنه لا يكون.

وقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً ﴾ .

قال بعضهم: الغثاء: اليابس الهامد كنبات الأرض إذا يبس.

وقال بعضهم: الغثاء: هو الذي يحمله السيل بالموج.

[و] قال أبو معاذ: ﴿ غُثَآءً أَحْوَىٰ  ﴾ ، أي: أسود.

وقال بعضهم: غثاء، أي: موتى.

وجائز أن يكون تأويل قوله: ﴿ غُثَآءً ﴾ ، أي: كالشيء المنسيّ الذي لا يذكر ألبتة؛ لأن أولئك الفراعنة والأكابر إذا هلكوا لم يذكروا ألبتة، و [لا] افتخر أحد من أولادهم بهم من بعد الهلاك، كما افتخر أولاد الأنبياء والرسل والصالحين بآبائهم وأجدادهم من بعدهم، وصاروا مذكورين إلى أبد الآبدين، فأما أولئك: صاروا خاملي الذكر كالشيء الخسيس المنسي المتروك.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً ﴾ ، الغثاء: ما ذكرنا على قول بعضهم كالريم الهامد الذي يحمله السيل، [و] على قول بعضهم: هو كالشيء البالي المتغير.

وعلى [قول] بعض: الغثاء: ما ارتفع على الماء مما لا يُنتفع به، وكله واحد.

وقال القتبي: غثاء، أي: هلكى كالغثاء، وهو ما على السيل من الزبد والقش؛ لأنه يذهب ويتفرق.

[و] قال أبو عوسجة: الغثاء: ما يحمله السيل من العيدان والبعر والأغشية جميعا، والغثاء: حميل السيل.

ثم ذكر أنفس قوم عاد وثمود، وشبهها بما ذكر من الغثاء، وكذلك يذكر أنفس جميع أهل الشرور والفساد، وذكر في أهل الخير أعمالهم لا أنفسهم؛ لأن لهم أعمال الخير والصلاح؛ فتجعل أنفسهم حيّة بالأعمال؛ كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ  ﴾ جعل أعمالهم أحاديث فيما بينهم، وأما أهل الكفر والشر فإنه لا أعمال لهم تذكر؛ فتذكر أنفسهم بُعدا وسحقاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بعيد جدًّا ما توعدون به من إخراجكم من قبوركم أحياء بعد موتكم، ومصيركم ترابًا وعظامًا بالية.

<div class="verse-tafsir" id="91.Jk3VN"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله