الآية ٤٢ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٤٢ من سورة المؤمنون

ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 40 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٢ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٢ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ) أي : أمما وخلائق

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد هلاك ثمود قوما آخرين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم أنشأنا من بعدهم أي من بعد هلاك هؤلاء .

قرونا أي أمما .

آخرين قال ابن عباس : يريد بني إسرائيل ؛ وفي الكلام حذف : فكذبوا أنبياءهم فأهلكناهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ثم أنشأنا من بعد هؤلاء المكذبين المعاندين قرونا آخرين

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ) أي : أقواما آخرين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم أنشأنا من بعدهم قروناً» أقواماً «آخرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم أنشأنا من بعد هؤلاء المكذبين أممًا وخلائق آخرين كأقوام: لوط وشعيب وأيوب ويونس صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تمضى السورة فى استعراضها - على سبيل الإجمال - لقصص بعض الأنبياء ، قال - تعالى - : ( ثُمَّ أَنشَأْنَا .

.

.

) .أى : ( ثُمَّ أَنشَأْنَا ) من بعد قوم نوح وقوم هود ( قُرُوناً آخَرِينَ ) أى : أقواماً آخرين من الناس ، كل قوم كانوا مجتمعين فى زمان واحد ، كقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب وغيرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الثالثة: اعلم أنه سبحانه يقص القصص في القرآن تارة على سبيل التفصيل كما تقدم وأخرى على سبيل الإجمال كههنا، وقيل المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام.

فأما قوله: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءَاخَرِينَ ﴾ فالمعنى أنه ما أخلى الديار من مكلفين أنشأهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في عمارة الدنيا.

أما قوله: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأخِرُونَ ﴾ فيحتمل في هذا الأجل أن يكون المراد آجال حياتها وتكليفها، ويحتمل آجال موتها وهلاكها، وإن كان الأظهر في الأجل إذا أطلق أن يراد به وقت الموت، فبين أن كل أمة لها آجال مكتوبة في الحياة والموت، لا يتقدم ولا يتأخر، منبهاً بذلك على أنه عالم بالأشياء قبل كونها، فلا توجد إلا على وفق العلم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ وهاهنا مسألتان: المسألة الأولى: قال أصحابنا: هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص.

المسألة الثانية: قال الكعبي: المراد من قوله: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أي لا يتقدمون الوقت المؤقت لعذابهم إن لم يؤمنوا ولا يتأخرون عنه، ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم، ولا ضرر على أحد في هلاكهم، وهو كقول نوح عليه السلام: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تترا ﴾ فالمعنى أنه كما أنشأنا بعضهم بعد بعض أرسل إليهم الرسل على هذا الحد قرأ ابن كثير تتراً منونة والباقون بغير تنوين وهو اختيار أكثر أهل اللغة لأنها فعلى من المواترة وهي المتابعة وفعلى لا ينون كالدعوى والتقوى والتاء بدل من الواو فإنه مأخوذ من الوتر وهو الفرد، قال الواحدي تترى على القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال لأن المعنى متواترة.

أما قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ﴾ يعني أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة فلذلك قال: ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ أي بالهلاك.

(وقوله): ﴿ وجعلناهم أَحَادِيثَ ﴾ يمكن أن يكون المراد جمع الحديث ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى أنه سبحانه بلغ في إهلاكهم مبلغاً صاروا معه أحاديث فلا يرى منهم عين ولا أثر ولم يبق منهم إلا الحديث الذي يذكر ويعتبر به.

ويمكن أيضاً أن يكون جمع أحدوثة مثل الأضحوكة والأعجوبة، وهي ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً.

ثم قال: ﴿ فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ على وجه الدعاء والذم والتوبيخ، ودل بذلك على أنهم كما أهلكوا عاجلاً فهلاكهم بالتعذيب آجلاً على التأبيد مترقب وذلك وعيد شديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُرُوناً ﴾ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بني إسرائيل ﴿ أَجَلَهَا ﴾ الوقت الذي حدّ لهلاكها وكتب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ هي قَوْمُ صالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وغَيْرِهِمْ.

﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها ﴾ الوَقْتَ الَّذِي حُدَّ لِهَلاكِها و ( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.

﴿ وَما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ الأجَلَ.

﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ مِنَ الوَتْرِ وهو الفَرْدُ، والياءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَتَوْلَجٍ وتَيْقُورٍ والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ لِأنَّ الرُّسُلَ جَماعَةٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُواتِرَةِ وقَعَ حالًا، وأمالَهُ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ.

﴿ كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ ﴾ إضافَةُ الرَّسُولِ مَعَ الإرْسالِ إلى المُرْسِلِ ومَعَ المَجِيءِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ الَّذِي هو مَبْدَأُ الأمْرِ مِنهُ والمَجِيءَ الَّذِي هو مُنْتَهاهُ إلَيْهِمْ.

﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ في الإهْلاكِ.

﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ لَمْ نُبْقِ مِنهم إلّا حِكاياتٍ يُسْمَرُ بِها، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ أوْ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهي ما يُتَحَدَّثُ بِهِ تَلَهِّيًا.

﴿ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين} قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ بَعْدِ هَلاكِهِمْ ﴿ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ هم عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ قَوْمٌ صالِحٍ وقَوْمُ لُوطٍ وقَوْمُ شُعَيْبٍ وغَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها ﴾ أيْ ما تَتَقَدَّمُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمُ المُهْلَكَةِ الوَقْتَ الَّذِي عُيِّنَ لِهَلاكِهِمْ فَمِن سَيْفِ خَطِيبٍ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّكِرَةِ الواقِعَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، وحاصِلُ المَعْنى ما تُهْلَكُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ مَجِيءِ أجَلِها ﴿ وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ ذَلِكَ الأجَلُ ساعَةً، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى ﴿ أُمَّةٍ ﴾ بِاعْتِبارِ المَعْنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: هَيْهاتَ هَيْهاتَ قرأ أبو جعفر المدني هَيْهاتَ هَيْهاتَ كلاهما بكسر التاء.

قال أبو عبيد: قراءتها بالنصب، لأنه أظهر اللغتين وأفشاهما، وقال بعضهم: قد قرئ هذا الحرف بسبع قراءات: بالكسر، والنصب، والرفع، والتنوين، وغير التنوين، والسكون.

وهذه كلمة يعبر بها عن البعد، يعني: بعيداً بعيداً، ومعناه أنهم قالوا: هذا لا يكون أبداً، يعني: البعث.

لِما تُوعَدُونَ، يعني: بَعِيداً بَعيداً لِمَا تُوْعَدُونَ.

إِنْ هِيَ، يعني: ما هي إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا، يعني: نحيا ونموت على وجه التقديم، ويقال: معناه يموت الآباء وتعيش الأبناء.

وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، يعني: لا نبعث بعد الموت.

إِنْ هُوَ، يعني: ما هو إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ، يعني: بمصدقين.

فلما كذبوه دعا عليهم، قالَ رَبِّ انْصُرْنِي، يعني: قال هود: أعني عليهم بالعذاب بِما كَذَّبُونِ.

قالَ الله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ، يعني: عن قريب.

وما صلة، كقوله فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: 159] .

لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ، يعني: ليصيرن نادمين، فأخبر الله تعالى عن معاملة الذين كانوا من قبل مع أنبيائهم وسوء جزائهم وأذاهم لأنبيائهم، ليصبر النبي  على أذى قومه.

ثم أخبر عن عاقبة أمرهم، فقال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ يعني: العذاب وهو الريح العقيم، ويقال: وهي صيحة جبريل  فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً، يعني: يابساً، ويقال: هلكى كالغثاء، وهو جمع غثاء، وهو ما على السيل من الزبد، لأنه يذهب ويتفرق.

وقال الزجاج: الغثاء البالي من ورق الشجر، أي جعلناه يبساً كيابس الغثاء.

ويقال: الغثاء النبات اليابس كقوله: فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى [الأعلى: 5] .

ثم قال: فَبُعْداً، يعني: سحقاً ونكساً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يعني: بعداً من رحمة الله تعالى.

قوله عز وجل: ثُمَّ أَنْشَأْنا، يعني: خلقنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وفي الآية مضمر ومعناه: فأهلكناهم بالعذاب في الدنيا مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ يعني: ما يتقدم ولا تموت قبل أجلها طرفة عين، وَما يَسْتَأْخِرُونَ بعد أجلهم طرفة عين.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  بِذِكْرِ هَذا الرَّسُولِ الصّابِرِ؛ لِيَتَأسّى بِهِ في صَبْرِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ كُذِّبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَعْلُوَكم بِالفَضِيلَةِ فَيَصِيرَ مَتْبُوعًا، ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ لا يُعْبَدَ شَيْءٌ سِواهُ؛ ﴿ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ تُبَلِّغُ عَنْهُ أمْرَهُ لَمْ يُرْسَلْ بَشَرًا، ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ نُوحٌ مِنَ التَّوْحِيدِ، ﴿ فِي آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ فَأمّا الجَنَّةُ فَمَعْناها: الجُنُونُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، فَتَقْدِيرُهُ: انْتَظِرُوا مَوْتَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ وقْتٌ مُنْكَّرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( قالَ رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ، وفي القِصَّةِ الأُخْرى [ المُؤْمِنُونَ: ٣٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَذَّبُونِ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ( كَذَّبُونِي ) بِياءٍ، وفي القِصَّةِ الَّتِي تَلِيها أيْضًا: ( فاتَّقُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٥٢ ]، ( أنْ يَحْضُرُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٨ ]، ( رَبِّ ارْجِعُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٩ ]، ( ولا تُكَلِّمُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ١٠٨ ]، أثْبَتَهُنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، والمَعْنى: انْصُرْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ؛ أيِ: انْصُرْنِي بِإهْلاكِهِمْ جَزاءً لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( هُودٍ: ٣٧ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْلُكْ فِيها ﴾ ؛ أيِ: ادْخُلْ في سَفِينَتِكَ، ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ( مِن كُلِّ ) بِكَسْرِ اللّامِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن كُلِّ ) بِالتَّنْوِينِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ إضافَةُ " كُلِّ " إلى ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، وقِراءَةُ حَفْصٍ تَئُولُ إلى زَوْجَيْنِ؛ لِأنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الأزْواجِ زَوْجَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مُنْزَلًا ) بِضَمِّ المِيمِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَتْحَها.

والمَنزِلُ بِفَتْحِ المِيمِ: اسْمٌ لِكُلِّ ما نَزَلْتَ بِهِ، والمَنزِلُ بِضَمِّها: المَصْدَرُ بِمَعْنى الإنْزالِ، تَقُولُ: أنْزَلْتُهُ إنْزالًا ومَنزِلًا.

وَفِي الوَقْتِ الَّذِي قالَ فِيهِ نُوحٌ ذاكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ نُزُولِهِ في السَّفِينَةِ.

والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّفِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: في قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ﴿ لآياتٍ وإنْ كُنّا ﴾ ؛ أيْ: وما كُنّا، ﴿ لَمُبْتَلِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمُخْتَبِرِينَ إيّاهم بِإرْسالِ نُوحٍ إلَيْهِمْ.

﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي: عادًا، ﴿ فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ وهو هُودٌ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هم ثَمُودُ والرَّسُولُ صالِحٌ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّكم " نَصْبٌ عَلى مَعْنى: أيَعِدُكم [ أنَّكم ] مُخْرَجُونَ إذا مُتُّمْ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ أُعِيدَ ذِكْرُ " أنَّ "، كَقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( هَيْهاتَ هَيْهاتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ فِيهِما في الوَصْلِ وإسْكانِها في الوَقْفِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتًا هَيْهاتًا ) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( هَيْهاتٌ هَيْهاتٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: ( هَيْهاتٍ هَيْهاتٍ ) بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( هَيْهاتِ هَيْهاتِ ) بِالخَفْضِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وكانَ يَقِفُ بِالهاءِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، النّاجِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ( هَيْهاتُ هَيْهاتُ ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتْ هَيْهاتْ ) بِإسْكانِ التّاءِ فِيهِما.

وفي " هَيْهاتَ " عَشْرُ لُغاتٍ قَدْ ذَكَرْنا مِنها سَبْعَةً عَنِ القُرّاءِ، والثّامِنَةُ: ( أيْهاتَ )، والتّاسِعَةُ: ( أيْهانَ ) بِالنُّونِ، والعاشِرَةُ: ( أيْها ) بِغَيْرِ نُونٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ القاسِمِ، وأنْشَدَ الأحْوَصُ في الجَمْعِ بَيْنَ لُغَتَيْنِ مِنهُنَّ: تَذَكَّرُ أيّامًا مَضَيْنَ مِنَ الصِّبا وهَيْهاتِ هَيْهاتًا إلَيْكَ رُجُوعُها قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا الفَتْحُ فالوَقْفُ فِيهِ بِالهاءِ، تَقُولُ: ( هَيْهاهْ ) إذا فَتَحْتَ ووَقَفْتَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَإذا كَسَرْتَ ووَقَفْتَ عَلى التّاءِ كُنْتَ مِمَّنْ يُنَوِّنُ في الوَصْلِ، أوْ كُنْتَ مِمَّنْ لا يُنَوِّنُ.

وتَأْوِيلُ " هَيْهاتَ ": البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ ما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: بَعِيدٌ ما قُلْتَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ لِما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: البُعْدُ لِما قُلْتَ.

ويُقالُ: ( أيْهاتَ ) في مَعْنى ( هَيْهاتَ )، وأنْشَدُوا: وأيْهاتَ أيْهاتَ العَقِيقُ ومَن بِهِ ∗∗∗ وأيْهاتَ وصْلٌ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إذا وقَفْتَ عَلى ( هَيْهاتَ ) فَقُلْ: ( هَيْهاهْ ) .

وقالَ الفَرّاءُ: الكِسائِيُّ يَخْتارُ الوَقْفَ بِالهاءِ، وأنا أخْتارُ التّاءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ما تُوعَدُونَ ) بِغَيْرِ لامٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَبْعَدَ القَوْمُ بَعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ؛ إغْفالًا مِنهم لِلتَّفَكُّرِ في بُدُوِّ أمْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إيجادِهِمْ، وأرادُوا بِهَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّهُ لا يَكُونُ أبَدًا.

﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ يَعْنُونَ: ما الحَياةُ إلّا ما نَحْنُ فِيهِ، ولَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ حَياةٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: ﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ وهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها الزَّجّاجُ: أحَدُها: نَمُوتُ ويَحْيا أوْلادُنا، فَكَأنَّهم قالُوا: يَمُوتُ قَوْمٌ ويَحْيا قَوْمٌ.

والثّانِي: نَحْيا ونَمُوتُ؛ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ لا لِلتَّرْتِيبِ.

والثّالِثُ: ابْتِداؤُنا مَواتٌ في أصْلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ نَحْيا، ثُمَّ نَمُوتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هُوَ ﴾ يَعْنُونَ: الرَّسُولَ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [ هُودٍ: ٧، النَّحْلِ: ٣٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ قالَ عَمّا قَلِيلٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: عَنْ قَلِيلٍ، و" ما " زائِدَةٌ بِمَعْنى التَّوْكِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُفْرِهِمْ، ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: بِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ بِكُفْرِهِمْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً رَجَفَتْ لَها الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ، فَصارُوا لِشِدَّتِها غُثاءً.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغُثاءُ: ما أشْبَهَ الزَّبَدَ، وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: فَجَعَلْناهم هَلْكى كالغُثاءِ، وهو ما عَلا السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ والقَمَشِ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ ويَتَفَرَّقُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغُثاءُ: الهالِكُ والبالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ الَّذِي إذا جَرى السَّيْلُ رَأيْتَهُ مُخالِطًا زَبَدَهُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [ الحِجْرِ: ٥ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( تَتْرًى كُلَّما ) مُنَوَّنَةً والوَقْفُ بِالألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِلا تَنْوِينٍ، والوَقْفُ عِنْدَ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِألِفٍ.

ورَوى هُبَيْرَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَقِفُ بِالياءِ: أيْ: بِألِفٍ مُمالَةٍ.

قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ العَرَبِ عَلى تَرْكِ التَّنْوِينِ، ومِنهم مَن نَوَّنَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: نُتابِعُ بِفَتْرَةٍ بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ، وهو مِنَ التَّواتُرِ، والأصْلُ: وتْرى، فَقُلِبَتِ الواوُ تاءً كَما قَلَبُوها في التَّقْوى والتُّخَمَةِ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعْتُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبَيْنَ الخِبْرَيْنِ هُنَيَّةٌ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: ومِمّا تَضَعُهُ العامَّةُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ قَوْلُهم: تَواتَرَتْ كُتُبِي إلَيْكَ، يَعْنُونَ: اتَّصَلَتْ مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، فَيَضَعُونَ التَّواتُرَ في مَوْضِعِ الِاتِّصالِ، وذَلِكَ غَلَطٌ، إنَّما التَّواتُرُ: مَجِيءُ الشَّيْءِ ثُمَّ انْقِطاعُهُ ثُمَّ مَجِيئُهُ، وهو التَّفاعُلُ مِنَ الوَتْرِ، وهو الفَرْدُ، يُقالُ: واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعَتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ هُنَيْهَةٌ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ أصْلُها: ( وتَرى ) مِنَ المُواتَرَةِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ الواوِ، ومَعْناهُ: مُنْقَطِعَةٌ مُتَفاوِتَةٌ؛ لِأنَّ بَيْنَ كُلِّ نَبِيَّيْنِ دَهْرًا طَوِيلًا.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لا بَأْسَ بِقَضاءِ رَمَضانَ تَتْرى؛ أيْ: مُنْقَطِعًا.

فَإذا قِيلَ: واتَرَ فُلانٌ كُتُبَهُ، فالمَعْنى: تابَعَها وبَيْنَ كُلِّ كِتابَيْنِ فَتْرَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ ؛ أيْ: أهْلَكْنا الأُمَمَ بَعْضَهم في إثْرِ بَعْضٍ، ﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يُتَمَثَّلُ بِهِمْ في الشَّرِّ، ولا يُقالُ في الخَيْرِ: جَعَلْتُهُ حَدِيثًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ المَعْنى: قالَ اللهُ -تَعالى- لِهَذا النَبِيِّ الداعِي: عَمّا قَلِيلٍ يَنْدَمُ قَوْمُكَ عَلى كُفْرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَدَمُ.

ومِن ذَكَرِ الصَيْحَةِ ذَهَبَ الطَبَرَيُّ إلى أنَّهم قَوْمُ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِما اسْتَحَقُّوا مِن أفْعالِهِمْ وبِما حَقَّ مِنّا في عُقُوبَتِهِمْ.

و"الغُثاءُ": ما يَحْمِلُهُ السَيْلُ مِن زُبَدِهِ ومُعْتادِهِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَيُشَبِّهُ كُلَّ هامِدٍ وتالِفٍ بِذَلِكَ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن أنَّهُ أنْشَأ بَعْدَ هَؤُلاءِ أُمَمًا كَثِيرَةً، كُلُّ أُمَّةٍ بِأجَلٍ وفي كِتابٍ لا تَتَعَدّاهُ في وُجُودِها وعِنْدَ مَوْتِها.

و"تَتْرا" مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ فَعْلى مُثُلِ الدَعْوى والعَدْوى ونَحْوِها، ولَيْسَ "تَتْرا" بِفِعْلٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ مِن: تَواتَرَ الشَيْءُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَتْرا" كَما تَقَدَّمَ، ووَقْفُهم بِالألْفِ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُمِيلانِها، قالَ أبُو حاتِمْ: هي ألْفُ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَتْرى" بِالتَنْوِينِ، ووَقَفُهُما بِالألْفِ، وهي ألْفُ إلْحاقٍ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: يُقالُ: جاءُوا تَتْرى وتَتْرى، أيْ: مُتَواتِرِينَ، التاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ قِياسَ إبْدالِ الواوِ تاءً إنَّما هو في "افْتَعَلَ" وما تَصَرَّفَ مِنها إذا كانَتْ ياؤُهُ واوًا، فَإنَّ فاءَهُ تَنْقَلِبُ تاءً وتُدْغَمُ في تاءِ "افْتَعَلَ"، وذَلِكَ نَحْوَ "اتَّزَرَ واتَّجَهَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ أيْ: في الإهْلاكِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ يُرِيدُ أحادِيثَ مَثَلٍ، وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ الجَعْلُ حَدِيثًا إلّا في الشَرِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

القرون: الأمم، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ [الفرقان: 38].

وهم الأمم الذين لم ترسل إليهم رسل وبقوا على اتباع شريعة نوح أو شريعة هود أو شريعة صالح، أو لم يؤمروا بشرع لأن الاقتصار على ذكر الأمم هنا دون ذكر الرسل ثم ذكر الرسل عقب هذا يومئ إلى أن هذه إما أمم لم تأتهم رسل لحكمة اقتضت تركهم على ذلك لأنهم لم يتأهلوا لقبول شرائع، أو لأنهم كانوا على شرائع سابقة.

وجملة ﴿ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ﴾ معترضة بين المتعاطفة.

وهي استئناف بياني لما يؤذن به قوله: ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً ﴾ من كثرتها ولا يؤذن به وصفهم ب ﴿ آخرين ﴾ من جهل الناس بهم، ولما يؤذن به عطف جملة ﴿ ثم أرسلنا رسلنا تترى ﴾ [المؤمنون: 44] من انقراض هذه القرون بعد الأمة التي ذكرت قصتها آنفاً في قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ دون أن تجيئهم رسل، فكان ذلك كله مما يثير سؤال سائل عن مدة تعميرهم ووقت انقراضهم.

فيجاب بالإجمال لأن لكل قرن منهم أجلا عيَّنه الله يبقى إلى مثله ثم ينقرض ويخلفه قرن آخر يأتي بعده، أو يعمَّر بعده قرن كان معاصراً له، وأن ما عيّن لكل قرن لا يتقدمه ولا يتأخر عنه كقوله تعالى: ﴿ لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾ [يونس: 49].

والسبق: تجاوز السائر وتركه مُسائرَه خلفه، وعكسه التأخر.

والمعنى واضح.

والسين والتاء في ﴿ يستأخرون ﴾ زائدتان للتأكيد مثل: استجاب.

وضمير ﴿ يستأخرون ﴾ عائد إلى ﴿ أمة ﴾ باعتبار الناس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُتَواتِرِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: مُنْقَطِعِينَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ دَهْرٌ طَوِيلٌ وهَذا تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ.

وَفي اشْتِقاقِ تَتْرى ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن وتَرِ القَوْسِ لِاتِّصالِهِ بِمَكانِهِ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى، وهو اشْتِقاقُهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَتْرِ وهو الفَرْدُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ بَعْدَ صاحِبِهِ فَرْدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وهو اشْتِقاقُهُ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي.

الثّالِثُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّواتُرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ويَحْتَمِلُ اشْتِقاقُهُ التَّأْوِيلَيْنِ مَعًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فجعلناهم غثاء ﴾ قال: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فجعلناهم غثاء ﴾ قال: هو الشيء البالي.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فجعلناهم غثاء ﴾ قال: كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل ثمود احتملوا كذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد بني إسرائيل (١) وقيل: يعني جماعات مثل قوم صالح ولوط وشعيب وسائر الأنبياء (٢) (١) ذكره عنه القرطبي 12/ 125، وأبو حيان 6/ 407.

وهو محمول -إن صح عن ابن عباس- على التمثل.

(٢) وهذا القول أظهر، ويدخل فيه الأول.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً ﴾ يعني هالكين كالغثاء، والغثاء ما يحمله السيل من الورق وغيره مما يبلى ويسود، فشبه به الهالكين ﴿ فَبُعْداً ﴾ مصدر موضع الفعل بمعنى بعدوا: أي هلكوا، والعامل في مضمر لا يظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.

الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.

الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.

﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله  في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح  ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله  في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.

والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.

قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة  ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة  ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.

وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.

ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.

وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.

ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.

ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.

قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك  ﴾ لبيان المهيت به.

وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.

ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".

وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .

ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.

وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.

والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.

ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.

وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.

وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.

والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.

ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.

وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.

ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.

والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول  ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.

ثم ذكر طرفاً من قصة موسى  .

عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.

ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى  في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.

ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.

أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.

قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.

والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.

ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.

ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.

ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.

والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى  ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة  ﴾ والقصة مشهورة.

فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم  ﴾ وقد مر في آخر "يونس".

ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.

واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.

والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.

عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.

وعن الحسن: فلسطين والرملة.

ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.

وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.

والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.

وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.

وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.

قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.

قوله  ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله  بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره  وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟

فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟

فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.

ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟

فقال  : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .

وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.

ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.

وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا  لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.

ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.

وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.

وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.

وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.

وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير  ﴾ وكلاهما من أسمائه  إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.

ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.

والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.

قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.

ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.

وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.

ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.

ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.

ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا  وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة  ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.

قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.

قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.

قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.

والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله  ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.

ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله  أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.

وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.

وفيه انه  أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.

التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.

"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ ، قيل: من بعد قوم عاد وهؤلاء.

﴿ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ .

كأنه ذكر هذا لما كانوا يستعجلون العذاب الموعود والهلاك الذي أوعدوا؛ فأخبر أن لكل أمّة أجلاً: لا تسبق أجلها باستعجال من يستعجل، ولا يستأخرون أجلها الذي جعل لهم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ تَتْرَا ﴾ تباعاً، واحداً بعد واحد، وبعضاً على أثر بعض.

﴿ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ .

في الهلاك الأول فالأول.

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ .

لمن بعدهم ولمن بقي منهم، يعني: الذين أهلكوا.

﴿ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم بعد إهلاكهم أنشأنا أقوامًا وأممًا آخرين مثل قوم لوط، وقوم شعيب، وقوم يونس.

من فوائد الآيات وجوب حمد الله على النعم.

الترف في الدنيا من أسباب الغفلة أو الاستكبار عن الحق.

عاقبة الكافر الندامة والخسران.

الظلم سبب في البعد عن رحمة الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.vNazl"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد