الآية ٤٤ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٤٤ من سورة المؤمنون

ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةًۭ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًۭا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًۭا لِّقَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ ٤٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٤ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٤ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ثم أرسلنا رسلنا تترى ) : قال ابن عباس : يعني يتبع بعضهم بعضا .

وهذه كقوله تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ) [ النحل : 36 ] ، وقوله : ( كل ما جاء أمة رسولها كذبوه ) يعني : جمهورهم وأكثرهم ، كقوله تعالى : ( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) [ يس : 30 ] .

وقوله : ( فأتبعنا بعضهم بعضا ) أي : أهلكناهم ، كقوله : ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ) [ الإسراء : 17 ] .

( وجعلناهم أحاديث ) أي : أخبارا وأحاديث للناس ، كقوله : ( فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ) [ الآية ] [ سبأ : 19 ] [ ( فبعدا لقوم لا يؤمنون ) ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا ) إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود ( رُسُلَنَا تَتْرَى ) يعني: يتبع بعضها بعضا، وبعضها في أثر بعض، وهي من المواترة، وهي اسم لجمع مثل شيء، لا يقال: جاءني فلان تترى، كما لا يقال: جاءني فلان مواترة، وهي تنوّن ولا تنوّن، وفيها الياء، فمن لم ينوّنها( فَعْلَى ) من وترت ومن قال: " تترا " يوهم أن الياء أصلية ، كما قيل: مِعْزًى بالياء، ومَعْزًا ، وبهمى بهما ، ونحو ذلك، فأجْرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانا، فمن جعلها( فعلى ) وقف عليها أشار إلى الكسر، ومن جعلها ألف إعراب لم يشر؛ لأن ألف الإعراب لا تكسر، لا يقال: رأيت زيدًا، فيشار فيه إلى الكسر.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ) يقول: يَتْبُع بعضها بعضا.

حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ) يقول: بعضها على أثر بعض.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( تَتْرَى ) قال: اتباع بعضها بعضا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ) قال: يتبع بعضها بعضا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ) قال: بعضهم على أثر بعض، يتبع بعضهم بعضا.

واختلفت قرّاء الأمصار في قراءة ذلك، فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة ، وبعض أهل المدينة ، وبعض أهل البصرة ( تَتْرًا ) بالتنوين.

وكان بعض أهل مكة، وبعض أهل المدينة، وعامة قرّاء الكوفة يقرءونه: ( تَتْرَى ) بإرسال الياء على مثال ( فَعْلَى )، والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلام العرب ، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين؛ لأنه أفصح &; 19-35 &; اللغتين وأشهرهما.

وقوله: ( كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ) يقول: كلما جاء أمة من تلك الأمم ، التي أنشأناها بعد ثمود ، رسولُها الذي نرسله إليهم، كذّبوه فيما جاءهم به من الحق من عندنا.

وقوله: ( فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا ) يقول: فأتبعنا بعض تلك الأمم بعضا بالهلاك ، فأهلكنا بعضهم في إثر بعض.

وقوله: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ) للناس ، ومثلا يتحدّث بهم في الناس، والأحاديث في هذا الموضع جمع أحدوثة، لأن المعنى ما وصفت من أنهم جعلوا للناس مثلا يتحدث بهم، وقد يجوز أن يكون جمع حديث، وإنما قيل: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ) لأنهم جعلوا حديثا ، ومثلا يتمثَّل بهم في الشرِّ، ولا يقال في الخير: جعلته حديثا ، ولا أُحْدوثة.

وقوله: ( فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) يقول: فأبعد الله قوما لا يؤمنون بالله، ولا يصدّقون برسوله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ومعنى تترى تتواتر ، ويتبع بعضهم بعضا ترغيبا وترهيبا .

قال الأصمعي : واترت كتبي عليه أتبعت بعضها بعضا ؛ إلا أن بين كل واحد وبين الآخر مهلة .

وقال غيره : المواترة التتابع بغير مهلة .

وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ( تترى ) بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التنوين على فتح [ ص: 117 ] الراء ؛ كقولك : حمدا وشكرا ؛ فالوقف على هذا على الألف المعوضة من التنوين .

ويجوز أن يكون ملحقا بجعفر ، فيكون مثل أرطى وعلقى ؛ كما قال :يستن في علقى وفي مكورفإذا وقف على هذا الوجه جازت الإمالة ، على أن ينوي الوقف على الألف الملحقة .

وقرأ ورش بين اللفظتين ؛ مثل سكرى وغضبى ، وهو اسم جمع ؛ مثل شتى وأسرى .

وأصله وترى من المواترة والتواتر ، فقلبت الواو تاء ؛ مثل التقوى ، والتكلان ، وتجاه ، ونحوها .

وقيل : هو الوتر وهو الفرد ؛ فالمعنى أرسلناهم فردا فردا .

النحاس : وعلى هذا يجوز ( تترا ) بكسر التاء الأولى ، وموضعها نصب على المصدر ؛ لأن معنى ثم أرسلنا واترنا .

ويجوز أن يكون في موضع الحال أي متواترين .

فأتبعنا بعضهم بعضا أي بالهلاك .

وجعلناهم أحاديث جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به ؛ كأعاجيب جمع أعجوبة ، وهي ما يتعجب منه .

قال الأخفش : إنما يقال هذا في الشر جعلناهم أحاديث ولا يقال في الخير ؛ كما يقال : صار فلان حديثا أي عبرة ومثلا ؛ كما قال في آية أخرى : فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق .

قلت : وقد يقال فلان حديث حسن ، إذا كان مقيدا بذكر ذلك ؛ ومنه قول ابن دريد :وإنما المرء حديث بعده فكن حديثا حسنا لمن وعى

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأرسلنا إليهم رسلا متتابعة، لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم العصاة، والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه، مع أن كل رسول يأتي من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، بل مجرد دعوة الرسل وشرعهم، يدل على حقيه ما جاءوا به، { فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا } بالهلاك، فلم يبق منهم باقية، وتعطلت مساكنهم من بعدهم { وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } يتحدث بهم من بعدهم، ويكونون عبرة للمتقين، ونكالا للمكذبين، وخزيا عليهم مقرونا بعذابهم.

{ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ } ما أشقاهم" وتعسا لهم، ما أخسر صفقتهم".

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم أرسلنا رسلنا تترى ) أي : مترادفين يتبع بعضهم بعضا غير متواصلين ، لأن بين كل نبيين زمانا طويلا وهي فعلى من المواترة ، قال الأصمعي : يقال واترت الخبر أي أتبعت بعضه بعضا ، وبين الخبرين [ هنيهة ] .

واختلف القراء فيه ، فقرأ أبو جعفر ، وابن كثير ، وأبو عمرو : بالتنوين ، ويقفون بالألف ، ولا يميله أبو عمرو ، وفي الوقف فيها كالألف في قولهم : رأيت زيدا ، وقرأ الباقون بلا تنوين ، والوقف عندهم يكون بالياء ، ويميله حمزة والكسائي ، وهو مثل قولهم : غضبى وسكرى ، وهو اسم جمع مثل شتى ، وعلى القراءتين التاء الأولى بدل من الواو ، وأصله : " وترى " من المواترة والتواتر ، فجعلت الواو تاء ، مثل : التقوى والتكلان .

( كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا ) بالهلاك ، أي : أهلكنا بعضهم في إثر بعض ، ( وجعلناهم أحاديث ) أي : سمرا وقصصا ، يتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم ، وهي جمع أحدوثة .

وقيل : جمع حديث .

قال الأخفش : إنما هو في الشر ، وأما في الخير فلا يقال جعلتهم أحاديث وأحدوثة ، إنما يقال صار فلان حديثا ، ( فبعدا لقوم لا يؤمنون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم أرسلنا رسلنا تتراً» بالتنوين وعدمه متتابعين بين كل اثنين زمان طويل «كلما جاء أمة» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الواو «رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً» في الهلاك «وجعلناهم أحاديث فعبداً لقوم لا يؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم أرسلنا رسلنا إلى تلك الأمم يتبع بعضهم بعضًا، كلما دعا رسول أمته كذبوه، فأتبعنا بعضهم بعضًا بالهلاك والدمار، ولم يَبْقَ إلا أخبار هلاكهم، وجعلناها أحاديث لمن بعدهم، يتخذونها عبرة، فهلاكًا وسُحْقًا لقوم لا يصدقون الرسل ولا يطيعونهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - على سبيل الإجمال ، أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسلاً آخرين ، متتابعين فى إرسالهم .

كل واحد يأتى فى أعقاب أخيه .

ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور .

فقال - تعالى - : ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى .

.

.

) .ولفظى ( تَتْرَى ) مصدر كدعوى ، وألفه للتأنيث وأصله : وَتْرى فقلبت الواو تاء ، وهو منصوب على الحال من رسلنا .أى : ثم أرسلنا بعد ذلك رسلنا متواترين متتابعين واحداً بعد الآخر ، مع فترة ومهلة من الزمان بينهما .قال القرطبى : ومعنى " تترى " : تتواتر ، ويتبع بعضهم بعضاً ترغيباً وترهيباً .

.قال الأصمعى : واترت كتبى عليه ، أتبعت بعضها بعضاً إلى أن بين كل واحد منها وبين الآهر مهلة .

.

.

وقرأن ابن كثير وأبو عمرو ( تَتْرًى ) بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التنوين على فتح الراء ، كقولك : حمدًا وشكرًا .

.

.ثم بين - سبحانه - موقف كل أمة من رسولها فقال : ( كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ .

.

) .أى : كلما جاء رسول كل أمة إليها ليبلغها رسالة الله - تعالى - وليدعوها إلى عبادته وحده - سبحانه - كذب أهله هذه الأمة هذا الرسول المرسل إليهم .

وأعرضوا عنه وآذوه .

.

.قال ابن كثير : " وقوله : ( كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ) يعنى جمهورهم وأكثرهم ، كقوله - تعالى - ( ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) وأضاف - سبحانه - الرسول إلى الأمة ، للإشارة إلى أن كل رسول قد جاء إلى الأمة المرسل إليها .

وفى التعبير بقوله : ( كُلَّ مَا جَآءَ .

.

.

) إشعار بأنهم قابلوه بالتكذيب .

بمجرد مجيئه إليهم ، أى : إنهم بادروه بذلك بدون تريث أو تفكر .فماذا كانت عاقبتهم؟

كانت عاقبتهم كما بينها - سبحانه - فى قوله : ( فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ) .أى : فأتبعنا بعضهم بعضاً فى الهلاك والتدمير ، وجعلناهم بسبب تكذيبهم لرسلهم أحاديث يتحدث الناس بها على سبيل التعجيب والتلهى ، ولم يبق بين الناس إلا أخبارهم السيئة .وذكرهم القبيح ( فَبُعْداً ) وهلاكاً لقوم لا يؤمنون بالحق ، ولا يستجيبون للهدى .قال صاحب الكشاف : " وقوله ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ) أى : أخباراً يسمر بها ، ويتعجب منها .

والأحاديث تكون اسم جمع للحديث ، ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكون جمعاً للأحدوثة : التى هى مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة .

وهى : ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً ، وهو المراد هنا " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الثالثة: اعلم أنه سبحانه يقص القصص في القرآن تارة على سبيل التفصيل كما تقدم وأخرى على سبيل الإجمال كههنا، وقيل المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام.

فأما قوله: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءَاخَرِينَ ﴾ فالمعنى أنه ما أخلى الديار من مكلفين أنشأهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في عمارة الدنيا.

أما قوله: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأخِرُونَ ﴾ فيحتمل في هذا الأجل أن يكون المراد آجال حياتها وتكليفها، ويحتمل آجال موتها وهلاكها، وإن كان الأظهر في الأجل إذا أطلق أن يراد به وقت الموت، فبين أن كل أمة لها آجال مكتوبة في الحياة والموت، لا يتقدم ولا يتأخر، منبهاً بذلك على أنه عالم بالأشياء قبل كونها، فلا توجد إلا على وفق العلم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ وهاهنا مسألتان: المسألة الأولى: قال أصحابنا: هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص.

المسألة الثانية: قال الكعبي: المراد من قوله: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أي لا يتقدمون الوقت المؤقت لعذابهم إن لم يؤمنوا ولا يتأخرون عنه، ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم، ولا ضرر على أحد في هلاكهم، وهو كقول نوح عليه السلام: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تترا ﴾ فالمعنى أنه كما أنشأنا بعضهم بعد بعض أرسل إليهم الرسل على هذا الحد قرأ ابن كثير تتراً منونة والباقون بغير تنوين وهو اختيار أكثر أهل اللغة لأنها فعلى من المواترة وهي المتابعة وفعلى لا ينون كالدعوى والتقوى والتاء بدل من الواو فإنه مأخوذ من الوتر وهو الفرد، قال الواحدي تترى على القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال لأن المعنى متواترة.

أما قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ﴾ يعني أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة فلذلك قال: ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ أي بالهلاك.

(وقوله): ﴿ وجعلناهم أَحَادِيثَ ﴾ يمكن أن يكون المراد جمع الحديث ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى أنه سبحانه بلغ في إهلاكهم مبلغاً صاروا معه أحاديث فلا يرى منهم عين ولا أثر ولم يبق منهم إلا الحديث الذي يذكر ويعتبر به.

ويمكن أيضاً أن يكون جمع أحدوثة مثل الأضحوكة والأعجوبة، وهي ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً.

ثم قال: ﴿ فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ على وجه الدعاء والذم والتوبيخ، ودل بذلك على أنهم كما أهلكوا عاجلاً فهلاكهم بالتعذيب آجلاً على التأبيد مترقب وذلك وعيد شديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تترى ﴾ فعلى: الألف للتأنيث؛ لأن الرسل جماعة.

وقرئ: ﴿ تترىً ﴾ ، بالتنوين، والتاء بدل من الواو، كما في: تولج، وتيقور، أي: متواترين واحداً بعد واحد، من الوتر وهو الفرد: أضاف الرسل إليه تعالى وإلى أممهم ﴿ وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ﴾ [المائدة: 32] ﴿ وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات ﴾ [الأعراف: 101] لأنّ الإضافة تكون الملابسة، والرسول ملابس المرسل والمرسل إليه جميعاً بالملابسة ﴿ فَأَتْبَعْنَا ﴾ الأمم أو القرون ﴿ بَعْضُهُم بَعْضاً ﴾ في الإهلاك ﴿ وجعلناهم ﴾ أخباراً يسمر بها ويتعجب منها.

الأحاديث: تكون اسم جمع للحديث.

ومنه: أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتكون جمعاً للأحدوثة: التي هي مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة.

وهي: مما يتحدّث به الناس تلهياً وتعجباً، وهو المراد ههنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ هي قَوْمُ صالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وغَيْرِهِمْ.

﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها ﴾ الوَقْتَ الَّذِي حُدَّ لِهَلاكِها و ( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.

﴿ وَما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ الأجَلَ.

﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ مِنَ الوَتْرِ وهو الفَرْدُ، والياءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَتَوْلَجٍ وتَيْقُورٍ والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ لِأنَّ الرُّسُلَ جَماعَةٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُواتِرَةِ وقَعَ حالًا، وأمالَهُ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ.

﴿ كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ ﴾ إضافَةُ الرَّسُولِ مَعَ الإرْسالِ إلى المُرْسِلِ ومَعَ المَجِيءِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ الَّذِي هو مَبْدَأُ الأمْرِ مِنهُ والمَجِيءَ الَّذِي هو مُنْتَهاهُ إلَيْهِمْ.

﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ في الإهْلاكِ.

﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ لَمْ نُبْقِ مِنهم إلّا حِكاياتٍ يُسْمَرُ بِها، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ أوْ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهي ما يُتَحَدَّثُ بِهِ تَلَهِّيًا.

﴿ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)

{ثم أرسلنا رسلنا تترا} فعلى والألف للتأنيث كسكرى لأن الرسل جماعة ولذا لا ينون لأنه غير منصرف تترى بالتنوين مكي وأبو عمرو ويزيد على أن الألف للإلحاق كأرطى وهو نصب على الحال في القراءتين

أي متتابعين واحداً بعد واحد وتاؤها فيهما بدل من الواو والاصل وترى من الوتر وهو الفرد فقلبت الواو تاء كتراث {كل ما جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} الرسول يلابس المرسل والمرسل إليه والإضافة تكون بالملابسة فتصح إضافته إليهما {فَأَتْبَعْنَا} الأمم والقرون {بَعْضُهُم بَعْضاً} في الهلاك {وجعلناهم أَحَادِيثَ} أخباراً يسمع بها ويتعجب منها والأحاديث تكون اسم جمع للحديث ومنه أحاديث النبى عليه الصلاة والسلام وتكون جمعا للأحدوثة وهو ما يتحدث به الناس تليها وتعجباً وهو المراد هنا {فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يؤمنون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ أنْشَأْنا ﴾ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّ إرْسالَهم مُتَراخٍ عَنْ إنْشاءِ القُرُونِ المَذْكُورَةِ جَمِيعًا بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ إرْسالَ كُلِّ رَسُولٍ مُتَأخِّرٍ عَنْ إرْسالِ قَرْنٍ مَخْصُوصٍ بِذَلِكَ الرَّسُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ قَدْ أرْسَلَنا إلى كُلِّ قَرْنٍ مِنهم رَسُولًا خاصًّا بِهِ، والفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ لِلْمُسارِعَةِ إلى بَيانِ هَلاكِ أُولَئِكَ القُرُونِ عَلى وجْهٍ إجْمالِيٍّ، وتَعْلِيقُ الإرْسالِ بِالرُّسُلِ نَظِيرُ تَعْلِيقِ القَتْلِ بِالقَتِيلِ في مَن قَتَلَ قَتِيلًا ولِلْعُلَماءِ فِيهِ تَوْجِيهاتٌ ﴿ تَتْرى ﴾ مِنَ المُواتَرَةِ وهو التَّتابُعُ مَعَ فَصْلٍ ومُهْلَةٍ عَلى ما قالَهُ الأصْمَعِيُّ واخْتارَهُ الحَرِيرِيُّ في الدُّرَّةِ.

وفِي الصِّحاحِ المُواتَرَةِ المُتابَعَةِ ولا تَكُونُ المُواتَرَةُ بَيْنَ الأشْياءِ إلّا إذا وقَعَتْ بَيْنَها فَتْرَةٌ وإلّا فَهي مُدارَكَةٌ ومِثْلُهُ في القامُوسِ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: المُواتِرَةُ أنْ يَتْبَعَ الخَبَرُ الخَبَرَ والكِتابُ الكِتابَ فَلا يَكُونُ بَيْنَهُما فَصْلٌ كَثِيرٌ، ونُقِلَ في البَحْرِ عَنْ بَعْضٍ أنَّ المُواتَرَةَ التَّتابُعُ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وقِيلَ: هو التَّتابُعُ مُطْلَقًا، والتّاءُ الأُولى بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما في تُراثٍ وتُجاهٍ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الِاشْتِقاقُ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ والعَرَبِ عَلى عَدَمِ تَنْوِينِهِ فَألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ كَألِفِ دَعْوى وذِكْرى وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والمُرادُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ والرّاغِبُ وغَيْرُهُما ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا مُتَواتِرَيْنِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ والمُرادُ أرْسَلْنا مُتَواتِرَيْنِ.

وقِيلَ هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ إرْسالًا مُتَواتِرًا، وقِيلَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَأرْسَلْنا لِأنَّهُ بِمَعْنى واتِرُنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشُعْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والإمامُ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ «تِتْرًى» بِالتَّنْوِينِ وهو لُغَةُ كِنانَةَ، قالَ في البَحْرِ: ويَنْبَغِي عِنْدَ مَن يُنَوِّنُ أنْ تَكُونَ الألِفُ فِيهِ لِلْإلْحاقِ كَما في أرْطى وعَلْقى لَكِنَّ ألِفَ الإلْحاقِ في المَصادِرِ نادِرَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لا تُوجَدُ فِيها.

وقالَ الفِراءُ: يُقالُ تَتِرٌ في الرَّفْعِ وتَتِرٌ في الجَرِّ وتَتْرى في النَّصْبِ فَهو مِثْلُ صَبْرٌ ونَصْرٌ ووَزْنُهُ فِعْلٌ لا فَعَلى ومَتى قِيلَ تَتْرى بِالألِفِ فَألِفُهُ بَدَلُ التَّنْوِينِ كَما في صَبَرْتُ صَبْرًا عِنْدَ الوَقْفِ.

ورَدَّ بِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِيهِ إجْراءَ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ وعَلى مُدَّعِيهِ الإثْباتُ، وأيْضًا كَتْبُهُ بِالياءِ يَأْبى ذَلِكَ، وما ذَكَرْنا مِن مَصْدَرِيَّةِ ﴿ تَتْرى ﴾ هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: هُوَ جَمْعٌ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعٍ وعَلى القَوْلَيْنِ هو حالٌ أيْضًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيَّنٌ لِمَجِيءِ كُلِّ رَسُولٍ لِأُمَّتِهِ ولَمّا صَدَرَ عَنْهم عِنْدَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، والمُرادُ بِالمَجِيءِ إمّا التَّبْلِيغُ وإمّا حَقِيقَةُ المَجِيءِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ في أوَّلِ المُلاقاةِ، وإضافَةُ الرَّسُولِ إلى الأُمَّةِ مَعَ إضافَةِ كُلِّهِمْ فِيما سَبَقَ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِتَحْقِيقِ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَ أُمَّتَهُ الخاصَّةَ بِهِ لا أنَّ كُلَّهم جاؤُوا كُلَّ الأُمَمِ ولِلْإشْعارِ بِكَمالِ شَناعَةِ المُكَذِّبِينَ وضَلالِهِمْ حَيْثُ كَذَّبُوا الرَّسُولَ المُعِينَ لَهُمْ، وقِيلَ: أضافَ سُبْحانَهُ الرَّسُولُ مَعَ الإرْسالِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ومَعَ المَجِيءِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ومَعَ المَجِيءِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ الَّذِي هو مَبْدَأُ الأمْرِ مِنهُ تَعالى والمَجِيءُ الَّذِي هو مُنْتَهاهُ إلَيْهِمْ ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ في الهَلاكِ حَسْبَما تَبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا في مُباشَرَةِ سَبَبِهِ وهو تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﴿ وجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو ما يَتَحَدَّثُ بِهِ تَعَجُّبًا وتَلَهِّيًا كَأعاجِيبُ جُمَعُ أُعْجُوبَةٍ وهو ما يَتَعَجَّبُ مِنهُ أيْ جَعَلْناهم أحادِيثَ يَتَحَدَّثُ بِها عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والتَّلَهِّي، ولا تُقالُ الأُحْدُوثَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ إلّا في الشَّرِّ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ ويُسَمِّيهِ الزَّمَخْشَرِيُّ اسْمَ جَمْعٍ، والمُرادُ إنّا أهْلَكْناهم ولَمْ يَبْقَ إلّا خَبَرُهُمُ ﴿ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ اقْتَصَرَ هاهُنا عَلى وصْفِهِمْ بِعَدَمِ الإيمانِ حَسْبَما اقْتَصَرَ عَلى حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ إجْمالًا، وأمّا القُرُونُ الأوَّلُونَ فَحَيْثُ نَقَلَ عَنْهم ما مَرَّ مِنَ الغُلُوِّ وتَجاوُزِ الحَدِّ في الكُفْرِ والعُدْوانِ وُصِفُوا بِالظُّلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا، يعني: بعضها على إثر بعض.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو تَتْرَى بالتنوين، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الراء بغير تنوين، وقرأ الباقون بنصب الراء وبغير تنوين وهو التواتر.

قال مقاتل: كلّ ما في القرآن «تترى وَمِدْرَاراً وَأَبَابِيلَ وَمُرْدِفِينَ» ، يعني: بعضها على إثر بعض.

قال القتبي: أصل تترى وتراً، فقلبت الواو تاءً كما قلبوها في التقوى والتخمة، وأصلها وتراً، والتخمة وأصلها أوخمت.

ثم قال عز وجل: كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً بالهلاك الأول فالأول، فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي أخباراً وعبراً لمن بعدهم، ويقال: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم، يتحدثون بأمرهم وشأنهم وقال الكلبي: ولو بقي واحد منهم لم يكونوا أحاديث.

فَبُعْداً لِلْهَالِكِ ويقال: فسحقاً لِقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ، يعني: لا يصدقون.

قوله عز وجل: ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا التسع، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: بحجة بينة إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي: قومه فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تعظموا عن الإيمان والطاعة، وَكانُوا قَوْماً عالِينَ يعني: متكبرين.

فَقالُوا أَنُؤْمِنُ يعني: أنُصدق لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا؟

يعني: خلقين آدميين.

وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ، يعني: مستهزئين ذليلين.

فَكَذَّبُوهُما، يعني: موسى وهارون عليهما السلام، فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ يعني: صاروا مغرقين في البحر.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  بِذِكْرِ هَذا الرَّسُولِ الصّابِرِ؛ لِيَتَأسّى بِهِ في صَبْرِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ كُذِّبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَعْلُوَكم بِالفَضِيلَةِ فَيَصِيرَ مَتْبُوعًا، ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ لا يُعْبَدَ شَيْءٌ سِواهُ؛ ﴿ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ تُبَلِّغُ عَنْهُ أمْرَهُ لَمْ يُرْسَلْ بَشَرًا، ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ نُوحٌ مِنَ التَّوْحِيدِ، ﴿ فِي آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ فَأمّا الجَنَّةُ فَمَعْناها: الجُنُونُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، فَتَقْدِيرُهُ: انْتَظِرُوا مَوْتَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ وقْتٌ مُنْكَّرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( قالَ رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ، وفي القِصَّةِ الأُخْرى [ المُؤْمِنُونَ: ٣٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَذَّبُونِ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ( كَذَّبُونِي ) بِياءٍ، وفي القِصَّةِ الَّتِي تَلِيها أيْضًا: ( فاتَّقُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٥٢ ]، ( أنْ يَحْضُرُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٨ ]، ( رَبِّ ارْجِعُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٩ ]، ( ولا تُكَلِّمُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ١٠٨ ]، أثْبَتَهُنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، والمَعْنى: انْصُرْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ؛ أيِ: انْصُرْنِي بِإهْلاكِهِمْ جَزاءً لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( هُودٍ: ٣٧ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْلُكْ فِيها ﴾ ؛ أيِ: ادْخُلْ في سَفِينَتِكَ، ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ( مِن كُلِّ ) بِكَسْرِ اللّامِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن كُلِّ ) بِالتَّنْوِينِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ إضافَةُ " كُلِّ " إلى ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، وقِراءَةُ حَفْصٍ تَئُولُ إلى زَوْجَيْنِ؛ لِأنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الأزْواجِ زَوْجَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مُنْزَلًا ) بِضَمِّ المِيمِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَتْحَها.

والمَنزِلُ بِفَتْحِ المِيمِ: اسْمٌ لِكُلِّ ما نَزَلْتَ بِهِ، والمَنزِلُ بِضَمِّها: المَصْدَرُ بِمَعْنى الإنْزالِ، تَقُولُ: أنْزَلْتُهُ إنْزالًا ومَنزِلًا.

وَفِي الوَقْتِ الَّذِي قالَ فِيهِ نُوحٌ ذاكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ نُزُولِهِ في السَّفِينَةِ.

والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّفِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: في قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ﴿ لآياتٍ وإنْ كُنّا ﴾ ؛ أيْ: وما كُنّا، ﴿ لَمُبْتَلِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمُخْتَبِرِينَ إيّاهم بِإرْسالِ نُوحٍ إلَيْهِمْ.

﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي: عادًا، ﴿ فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ وهو هُودٌ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هم ثَمُودُ والرَّسُولُ صالِحٌ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّكم " نَصْبٌ عَلى مَعْنى: أيَعِدُكم [ أنَّكم ] مُخْرَجُونَ إذا مُتُّمْ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ أُعِيدَ ذِكْرُ " أنَّ "، كَقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( هَيْهاتَ هَيْهاتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ فِيهِما في الوَصْلِ وإسْكانِها في الوَقْفِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتًا هَيْهاتًا ) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( هَيْهاتٌ هَيْهاتٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: ( هَيْهاتٍ هَيْهاتٍ ) بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( هَيْهاتِ هَيْهاتِ ) بِالخَفْضِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وكانَ يَقِفُ بِالهاءِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، النّاجِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ( هَيْهاتُ هَيْهاتُ ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتْ هَيْهاتْ ) بِإسْكانِ التّاءِ فِيهِما.

وفي " هَيْهاتَ " عَشْرُ لُغاتٍ قَدْ ذَكَرْنا مِنها سَبْعَةً عَنِ القُرّاءِ، والثّامِنَةُ: ( أيْهاتَ )، والتّاسِعَةُ: ( أيْهانَ ) بِالنُّونِ، والعاشِرَةُ: ( أيْها ) بِغَيْرِ نُونٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ القاسِمِ، وأنْشَدَ الأحْوَصُ في الجَمْعِ بَيْنَ لُغَتَيْنِ مِنهُنَّ: تَذَكَّرُ أيّامًا مَضَيْنَ مِنَ الصِّبا وهَيْهاتِ هَيْهاتًا إلَيْكَ رُجُوعُها قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا الفَتْحُ فالوَقْفُ فِيهِ بِالهاءِ، تَقُولُ: ( هَيْهاهْ ) إذا فَتَحْتَ ووَقَفْتَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَإذا كَسَرْتَ ووَقَفْتَ عَلى التّاءِ كُنْتَ مِمَّنْ يُنَوِّنُ في الوَصْلِ، أوْ كُنْتَ مِمَّنْ لا يُنَوِّنُ.

وتَأْوِيلُ " هَيْهاتَ ": البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ ما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: بَعِيدٌ ما قُلْتَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ لِما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: البُعْدُ لِما قُلْتَ.

ويُقالُ: ( أيْهاتَ ) في مَعْنى ( هَيْهاتَ )، وأنْشَدُوا: وأيْهاتَ أيْهاتَ العَقِيقُ ومَن بِهِ ∗∗∗ وأيْهاتَ وصْلٌ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إذا وقَفْتَ عَلى ( هَيْهاتَ ) فَقُلْ: ( هَيْهاهْ ) .

وقالَ الفَرّاءُ: الكِسائِيُّ يَخْتارُ الوَقْفَ بِالهاءِ، وأنا أخْتارُ التّاءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ما تُوعَدُونَ ) بِغَيْرِ لامٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَبْعَدَ القَوْمُ بَعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ؛ إغْفالًا مِنهم لِلتَّفَكُّرِ في بُدُوِّ أمْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إيجادِهِمْ، وأرادُوا بِهَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّهُ لا يَكُونُ أبَدًا.

﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ يَعْنُونَ: ما الحَياةُ إلّا ما نَحْنُ فِيهِ، ولَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ حَياةٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: ﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ وهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها الزَّجّاجُ: أحَدُها: نَمُوتُ ويَحْيا أوْلادُنا، فَكَأنَّهم قالُوا: يَمُوتُ قَوْمٌ ويَحْيا قَوْمٌ.

والثّانِي: نَحْيا ونَمُوتُ؛ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ لا لِلتَّرْتِيبِ.

والثّالِثُ: ابْتِداؤُنا مَواتٌ في أصْلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ نَحْيا، ثُمَّ نَمُوتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هُوَ ﴾ يَعْنُونَ: الرَّسُولَ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [ هُودٍ: ٧، النَّحْلِ: ٣٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ قالَ عَمّا قَلِيلٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: عَنْ قَلِيلٍ، و" ما " زائِدَةٌ بِمَعْنى التَّوْكِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُفْرِهِمْ، ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: بِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ بِكُفْرِهِمْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً رَجَفَتْ لَها الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ، فَصارُوا لِشِدَّتِها غُثاءً.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغُثاءُ: ما أشْبَهَ الزَّبَدَ، وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: فَجَعَلْناهم هَلْكى كالغُثاءِ، وهو ما عَلا السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ والقَمَشِ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ ويَتَفَرَّقُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغُثاءُ: الهالِكُ والبالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ الَّذِي إذا جَرى السَّيْلُ رَأيْتَهُ مُخالِطًا زَبَدَهُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [ الحِجْرِ: ٥ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( تَتْرًى كُلَّما ) مُنَوَّنَةً والوَقْفُ بِالألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِلا تَنْوِينٍ، والوَقْفُ عِنْدَ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِألِفٍ.

ورَوى هُبَيْرَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَقِفُ بِالياءِ: أيْ: بِألِفٍ مُمالَةٍ.

قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ العَرَبِ عَلى تَرْكِ التَّنْوِينِ، ومِنهم مَن نَوَّنَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: نُتابِعُ بِفَتْرَةٍ بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ، وهو مِنَ التَّواتُرِ، والأصْلُ: وتْرى، فَقُلِبَتِ الواوُ تاءً كَما قَلَبُوها في التَّقْوى والتُّخَمَةِ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعْتُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبَيْنَ الخِبْرَيْنِ هُنَيَّةٌ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: ومِمّا تَضَعُهُ العامَّةُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ قَوْلُهم: تَواتَرَتْ كُتُبِي إلَيْكَ، يَعْنُونَ: اتَّصَلَتْ مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، فَيَضَعُونَ التَّواتُرَ في مَوْضِعِ الِاتِّصالِ، وذَلِكَ غَلَطٌ، إنَّما التَّواتُرُ: مَجِيءُ الشَّيْءِ ثُمَّ انْقِطاعُهُ ثُمَّ مَجِيئُهُ، وهو التَّفاعُلُ مِنَ الوَتْرِ، وهو الفَرْدُ، يُقالُ: واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعَتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ هُنَيْهَةٌ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ أصْلُها: ( وتَرى ) مِنَ المُواتَرَةِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ الواوِ، ومَعْناهُ: مُنْقَطِعَةٌ مُتَفاوِتَةٌ؛ لِأنَّ بَيْنَ كُلِّ نَبِيَّيْنِ دَهْرًا طَوِيلًا.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لا بَأْسَ بِقَضاءِ رَمَضانَ تَتْرى؛ أيْ: مُنْقَطِعًا.

فَإذا قِيلَ: واتَرَ فُلانٌ كُتُبَهُ، فالمَعْنى: تابَعَها وبَيْنَ كُلِّ كِتابَيْنِ فَتْرَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ ؛ أيْ: أهْلَكْنا الأُمَمَ بَعْضَهم في إثْرِ بَعْضٍ، ﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يُتَمَثَّلُ بِهِمْ في الشَّرِّ، ولا يُقالُ في الخَيْرِ: جَعَلْتُهُ حَدِيثًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ المَعْنى: قالَ اللهُ -تَعالى- لِهَذا النَبِيِّ الداعِي: عَمّا قَلِيلٍ يَنْدَمُ قَوْمُكَ عَلى كُفْرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَدَمُ.

ومِن ذَكَرِ الصَيْحَةِ ذَهَبَ الطَبَرَيُّ إلى أنَّهم قَوْمُ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِما اسْتَحَقُّوا مِن أفْعالِهِمْ وبِما حَقَّ مِنّا في عُقُوبَتِهِمْ.

و"الغُثاءُ": ما يَحْمِلُهُ السَيْلُ مِن زُبَدِهِ ومُعْتادِهِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَيُشَبِّهُ كُلَّ هامِدٍ وتالِفٍ بِذَلِكَ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن أنَّهُ أنْشَأ بَعْدَ هَؤُلاءِ أُمَمًا كَثِيرَةً، كُلُّ أُمَّةٍ بِأجَلٍ وفي كِتابٍ لا تَتَعَدّاهُ في وُجُودِها وعِنْدَ مَوْتِها.

و"تَتْرا" مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ فَعْلى مُثُلِ الدَعْوى والعَدْوى ونَحْوِها، ولَيْسَ "تَتْرا" بِفِعْلٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ مِن: تَواتَرَ الشَيْءُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَتْرا" كَما تَقَدَّمَ، ووَقْفُهم بِالألْفِ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُمِيلانِها، قالَ أبُو حاتِمْ: هي ألْفُ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَتْرى" بِالتَنْوِينِ، ووَقَفُهُما بِالألْفِ، وهي ألْفُ إلْحاقٍ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: يُقالُ: جاءُوا تَتْرى وتَتْرى، أيْ: مُتَواتِرِينَ، التاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ قِياسَ إبْدالِ الواوِ تاءً إنَّما هو في "افْتَعَلَ" وما تَصَرَّفَ مِنها إذا كانَتْ ياؤُهُ واوًا، فَإنَّ فاءَهُ تَنْقَلِبُ تاءً وتُدْغَمُ في تاءِ "افْتَعَلَ"، وذَلِكَ نَحْوَ "اتَّزَرَ واتَّجَهَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ أيْ: في الإهْلاكِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ يُرِيدُ أحادِيثَ مَثَلٍ، وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ الجَعْلُ حَدِيثًا إلّا في الشَرِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الرسل الذين جاءوا من بعدُ، أي من بعد هذه القرون منهم إبراهيم ولوط ويوسف وشعيب.

ومن أرسل قبل موسى، ورسل لم يقصصهم الله على رسوله.

والمقصود بيان اطراد سنة الله تعالى في استئصال المكذبين رسله المعاندين في آياته كما دل عليه قوله: ﴿ فأتبعنا بعضهم بعضاً ﴾ .

﴿ وتترى ﴾ قرأه الجمهور بألف في آخره دون تنوين فهو مصدر على وزن فَعلى مثل دَعوى وسَلوى، وألفه للتأنيث مثل ذكرى، فهو ممنوع من الصرف.

وأصله: وترى بواو في أوله مشتقاً من الوتر وهو الفرد.

وظاهر كلام اللغويين أنه لا فعل له، أي فرداً فرداً، أي فرداً بعد فرد فهو نظير مثنى.

وأبدلت الواو تاء إبدالاً غير قياسي كما أبدلت في (تجاه) للجهة المواجهة وفي (تَوْلَج) لكناس الوحش (وتراث) للموروث.

ولا يقال تترى إلا إذا كان بين الأشياء تعاقب مع فترات وتقطّع.

ومنه التواتر وهو تتابع الأشياء وبينها فجوات.

والوتيرة: الفترة عن العمل.

وأما التعاقب بدون فترة فهو التدارك.

يقال: جاءوا متداركين، أي متتابعين.

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر منوناً وهي لغة كنانة.

وهو على القراءتين منصوب على الحال من ﴿ رسلنا ﴾ .

واعلم أن كلمة ﴿ تترى ﴾ كتبت في المصاحف كلها بصورة الألف في آخرها على صورة الألف الأصليَّة مع أنها في قراءة الجمهور ألف تأنيث مقصورة وشأن ألف التأنيث المقصورة أن تكتب بصورة الياء مثل تقوى ودعوى، فلعل كتَّاب المصاحف راعوا كلتا القراءتين فكتبوا الألف بصورتها الأصليَّة لصلوحيَّة نطق القارئ على كلتا القراءتين.

على أن أصل الألف أن تكتب بصورتها الأصليَّة، وأما كتابتها في صورة الياء حيث تكتب كذلك فهو إشارة إلى أصلها أو جواز إمالتها فخولف ذلك في هذه اللفظة لدفع اللبس.

ومعنى الآية: ثم بعد تلك القرون أرسلنا رسلاً، أي أرسلناهم إلى أمم أخرى، لأن إرسال الرسول يستلزم وجود أمة وقد صرح به في قوله ﴿ كلما جاء أمة رسولُها كذبوه ﴾ .

والمعنى: كذبه جمهورهم وربما كذبه جميعهم.

وفي حديث ابن عباس عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد...

" الحديث.

وإتباع بعضهم بعضاً إلحاقهم بهم في الهلاك بقرينة المقام وبقرينة قوله ﴿ وجعلناهم أحاديث ﴾ ، أي صيَّرناهم أحدوثات يتحدث الناس بما أصابهم.

وإنما يتحدث الناس بالشيء الغريب النادر مثله.

والأحاديث هنا جمع أحدوثة، وهي اسم لما يتلهى الناس بالحديث عنه.

ووزن الأفعولة يدل على ذلك مثل الأعجوبة والأسطورة.

وهو كناية عن إبادتهم، فالمعنى: جعلناهم أحاديث بائدين غير مبصَرين.

والقول في ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ مثل الكلام على ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ [المؤمنون: 41]؛ إلا أن الدعاء نيط هنا بوصف أنهم لا يؤمنون ليحصل من مجموع الدعوتين التنبيه على مذمة الكفر وعلى مذمة عدم الإيمان بالرسل تعريضاً بمشركي قريش، على أنه يشمل كل قوم لا يؤمنون برسل الله لأن النكرة في سياق الدعاء تعم كما في قول الحريري: «يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُتَواتِرِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: مُنْقَطِعِينَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ دَهْرٌ طَوِيلٌ وهَذا تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ.

وَفي اشْتِقاقِ تَتْرى ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن وتَرِ القَوْسِ لِاتِّصالِهِ بِمَكانِهِ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى، وهو اشْتِقاقُهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَتْرِ وهو الفَرْدُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ بَعْدَ صاحِبِهِ فَرْدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وهو اشْتِقاقُهُ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي.

الثّالِثُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّواتُرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ويَحْتَمِلُ اشْتِقاقُهُ التَّأْوِيلَيْنِ مَعًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثم أرسلنا رسلنا تترى ﴾ قال: يتبع بعضهم بعضاً.

وفي لفظ قال: بعضهم على أثر بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة رضي الله عنه مثله والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ﴾ اختلفوا في تترى، فأكثر القراء على ترك التنوين فيها (١) (٢) قال أبو علي: والأقيس أن لا يصرف لأن المصادر تلحق أواخرها ألف التأنث كالدعوى والعدوى والذكرى والشورى (٣) وقال الفراء: أكثر العرب على ترك التنوين يُنزل بمنزلة تقوى (٤) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (تَتْرَا) منونة.

وهذا القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تترى بمنزلة فعلا (٥) (٦) وهذان (٧) أما الفراء فإنه يقول: من نون جعل الألف كألف الإعراب (٨) قال: وإن شئت جعلت (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال أبو علي: من قرأ (تَتْرا) أمكن أن يريد به فعلا (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) والزجاج وأبو العباس يختاران (١٨) (١٩) (٢٠) وقال أبو الفتح: من نون جعل ألفها للإلحاق بمنزلة ألف أرطى ومعزى، ومن لم ينون جعل ألفها للتأنيث بمنزلة ألف سكرى وغضبى (٢١) وعلى القراءتين التاء الأولى بدل من الواو وأصلها: (وترى) و (وترا) (٢٢) (٢٣) فإن يَكُنْ أمْسَى البِلَى تَيْقُورِي أي: وْيقُوري فَيْعُول من الوقار (٢٤) والمعنى: إن يكن أمسى الكبر وقاري، أي صوت وقورًا لبلاي وكبري (٢٥) ﴿ تترى ﴾ فعلى أو فعلا من المواترة.

قال الأصمعي: واترت الخبر: أتبعت بعضه بعضًا، وبين الخبرين هُنَيْهة (٢٦) (٢٧) وقال غيرهما: المواترة: المتابعة.

أصل هذا كله من الوِتْر وهو الفرد (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقال محمد بن سلّام: سألت يونس عن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ﴾ فقال (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) وقال أبو هريرة: لا بأس بقضاء رمضان تترى (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وفي الآية المراد إرسال الرسل بعضها في إثر بعض غير متصلين كما قال يونس.

ونحو هذا ذكر المفسرون في تفسير (تَتْرَا).

فقال ابن عباس: يريد بعضها خلف بعض (٣٩) (٤٠) وقال مجاهد: أتبع بعضها بعضًا (٤١) وتترى في القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال؛ لأن المعنى متواترة.

قوله: ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا ﴾ قال ابن عباس: فأهلكنا الأول والآخر.

والمعنى: أهلكنا الأمم بعضهم (٤٢) (٤٣) ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد لمن بعدهم من الناس يتحدثون بأمرهم وشأنهم (٤٤) والأحاديث جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به (٤٥) والمعنى: أنهم يتحدث بهم على طريق المثل في الشر (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (١) في (ظ): (منها).

(٢) قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (تترا) بلا تنوين.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو؛ كما سيذكر الواحدي: (تترا) منونة.

"السبعة" ص 446، "التبصرة" ص 269، "التيسير" ص 159.

(٣) "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 295.

وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 435، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 488، "الكشف" لمكي 2/ 129.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 236.

(٥) في (ظ)، (ع): (فعلاء).

(٦) في (أ): (رطى) وأرطى: شجر من شجر الرمل.

والواحدة: أرطأة.

"الصحاح" للجوهري 6/ 2358 (رطا).

(٧) في (أ)، (ع): (والوجهان ...).

(٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 236.

(٩) في "معاني القرآن": جعلت بالياء.

(١٠) في (ظ)، (ع): (الوقوف)، أثبت محقق كتابه الفراء: الوقوف وأشار إلى أن في بعض النسخ: الوقف.

(١١) أثبت محقق كتاب الفراء: زيدي ولا عمري.

وقال في الحاشية: كتبت الألف فيهما ياء للإمالة كما يكتب الفتى والندى.

ورسما في (أ): (وزيدًا وعمرا) وكتب فوق كل منهما.

(يقال).

(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 236.

(١٣) في "الحجة": فعلى.

(١٤) في (ظ): (ولو)، في (أ)، (ع) و"الحجة": (وإن).

(١٥) في "الحجة": فعلا.

(١٦) في (أ): (عثتًا)، وفي (ظ): (مهملة)، وفي (ع) و"الحجة": (عنتًا).

(١٧) "الحجة" لأبي علي 5/ 296.

(١٨) في (أ): (يختار).

(١٩) في "تهذيب اللغة" 14/ 311: تترى.

(٢٠) قول أبي العباس في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 311 (تترى) مع تقديم وتأخير.

(٢١) "سر صناعة الإعراب" (146 - 147).

(٢٢) في (أ): (موتري).

(٢٣) أنشد أبو إسحاق الزجاج هذا الشطر من الرجز في "معاني القرآن" 4/ 14 ومن غير نسبة وهو للعجاج كما في "ديوانه" ص 224، "الكتاب" 4/ 32، "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 311 (تترى)، "لسان العرب" 5/ 290 (وقر).

(٢٤) قوله: وعلى القراءتين إلى هنا نقلا عن "معاني" الزجاج 4/ 106 مع اختلاف يسير.

(٢٥) قال السيرافي في "شرح أبيات" سيبويه 2/ 423 - 424: يقول: إن كن بلي جسمي وضعف جسمي قد صيراني وقورًا قليل الحركة، يريد أنه صار وقورًا لكبره وبلاه وضعفه، وفي (يكن) ضمير الأمر والشأن، و (البلى) اسم أمسى، و (تيقوري): خبر أمسى.

أهـ.

(٢٦) قول الأصمعي في "تهذيب اللغة" 14/ 311 (تترى).

وأصله عند الزجاج في "معانيه" 4/ 14 لكن فيه: هنيفة.

(٢٧) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 95.

(٢٨) في (أ): (الفر).

(٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 14.

(٣٠) "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 311 (تترى).

(٣١) في (أ): (قال).

(٣٢) في (أ)، (ع): (منقطعة)، والمثبت من (ظ) وهو الموافق للتهذيب.

(٣٣) (تترى): ساقطة من (أ).

(٣٤) قول ابن سلام في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 311 (تترى).

(٣٥) قول أبي هريرة -  - في "تهذيب اللغة" 14/ 311 (تترى) بهذا اللفظ.

وقد رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 3/ 32 بلفظ: لا بأس بقضاء رمضان متفرقًا.

وبنحو رواية أبي شيبة رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 4/ 243، 244، والبيهقي في "سننه" 4/ 258.

(٣٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ع).

(٣٧) في (ظ)، (ع): (الأصل).

(٣٨) (فردا) الثانية: ساقطة من (ظ).

(٣٩) روى الطبري 18/ 23 من طريق علي بن أبي طلحة، عنه قال: يتبع بعضها بعضًا.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 99 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: وفي لفظ قال: بعضهم على أثر بعض.

(٤٠) "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.

(٤١) رواه الطبري 18/ 24، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 99 وعزاه لابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٤٢) في (أ): (بعضها).

(٤٣) "تفسر مقاتل" 2/ 31 أ.

(٤٤) ذكره البغوي 5/ 418 من غير نسبة، وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.

(٤٥) انظر: "حدث" في: "تهذيب اللغة" 4/ 405، "الصحاح" 1/ 278 - 279.

(٤٦) في (أ): (النشر)، وفي (ع): (الشيء)، وهما خطأ.

(٤٧) في (أ): (جعل)، وهي ساقطة من (ظ).

(٤٨) في (أ)، (ظ): (الخبر)، وهو خطأ.

(٤٩) هذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 59، وعزاه الثعلبي 3/ 61 ب للأخفش، وهو قول الطبري 18/ 24.

وانظر: "تاج العروس" للزبيدي 5/ 221 "حدث" فقد نقل عن بعضهم أنها تقال أيضًا في الخير واستشهد لذلك.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَتْرَا ﴾ مصدر ووزنه فعلى، ومعناه التواتر والتتابع، وهو موضع موضوع الحال: أي متواترين واحداً بعد واحد، فمن قرأه بالتنوين.

فألفه للإلحاق، ومن قرأه بغير تنوين: فألفه للتأنيث فلم ينصرف، وتأنيثه لأن الرسل جماعة والتاء الأولى فيه بدل من واو هي فاء الكلمة ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ أي يتحدث الناس بما جرى عليهم، ويحتمل أن يكون جمع حديث أو جمع أحدوثة، وهذا أليق لأنها تقال في الشر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.

الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.

الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.

﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله  في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح  ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله  في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.

والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.

قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة  ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة  ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.

وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.

ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.

وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.

ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.

ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.

قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك  ﴾ لبيان المهيت به.

وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.

ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".

وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .

ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.

وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.

والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.

ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.

وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.

وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.

والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.

ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.

وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.

ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.

والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول  ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.

ثم ذكر طرفاً من قصة موسى  .

عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.

ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى  في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.

ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.

أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.

قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.

والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.

ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.

ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.

ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.

والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى  ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة  ﴾ والقصة مشهورة.

فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم  ﴾ وقد مر في آخر "يونس".

ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.

واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.

والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.

عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.

وعن الحسن: فلسطين والرملة.

ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.

وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.

والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.

وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.

وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.

قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.

قوله  ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله  بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره  وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟

فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟

فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.

ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟

فقال  : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .

وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.

ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.

وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا  لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.

ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.

وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.

وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.

وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.

وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير  ﴾ وكلاهما من أسمائه  إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.

ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.

والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.

قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.

ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.

وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.

ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.

ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.

ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا  وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة  ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.

قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.

قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.

قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.

والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله  ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.

ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله  أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.

وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.

وفيه انه  أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.

التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.

"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ ، قيل: من بعد قوم عاد وهؤلاء.

﴿ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ .

كأنه ذكر هذا لما كانوا يستعجلون العذاب الموعود والهلاك الذي أوعدوا؛ فأخبر أن لكل أمّة أجلاً: لا تسبق أجلها باستعجال من يستعجل، ولا يستأخرون أجلها الذي جعل لهم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ تَتْرَا ﴾ تباعاً، واحداً بعد واحد، وبعضاً على أثر بعض.

﴿ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ .

في الهلاك الأول فالأول.

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ .

لمن بعدهم ولمن بقي منهم، يعني: الذين أهلكوا.

﴿ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم بعثنا رسلنا متتابعين رسولًا رسولًا، كلما جاء أمةً من تلك الأمم رسولُها المبعوث إليها كذبوه، فاتبعنا بعضهم ببعض بالهلاك، فلم يبق لهم وجود إلا أحاديث الناس عنهم، فهلاكًا لقوم لا يؤمنون بما جاءتهم به رسلهم من عند ربهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.wqvN4"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله